— Bagian 5 · أَخَذَ من المن والسلوى فوق يَوْمٍ فَسَدَ إِلَّا … —
Bagian 5
أَخَذَ من المن والسلوى فوق يَوْمٍ فَسَدَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ فَلَا يُصْبِحُ فاسداً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ وَأَنْ يَعْبُدُوا، كَمَا قَالَ: ﴿كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ العادات، من ههنا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ، في صبرهم وثباتهم، وعدم تعنتهم مع ما كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ، مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ وَلَا إِيجَادَ أَمْرٍ مع أن ذلك كان سهلاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ فَجَاءَ قدْر مَبْرَكِ الشَّاةِ فَدَعَا اللَّهَ فيه وأمرهم فملأوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أَسْقِيَتَهُمْ ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزِ العسكر.
- ٥٨ - وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
- ٥٩ - فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
يَقُولُ تَعَالَى لَائِمًا لَهُمْ على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ بِلَادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى ﵇ فَأُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي هِيَ مِيرَاثٌ لَهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ، وَقِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ الْكَفَرَةِ، فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا وَاسْتَحْسَرُوا، فَرَمَاهُمُ اللَّهُ فِي التِّيهِ عُقُوبَةً لَهُمْ، كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ هِيَ (بَيْتُ الْمَقْدِسِ) كَمَا نص على ذلك غير واحد، وقد قال الله تعالى حاكياً عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا﴾ الآيات. وقال آخرون: هي (أريحا) وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِهِمْ وَهُمْ قاصدون بيت المقدس لأريحا وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا كَانَ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ يُوشَعَ بْنِ نون ﵇، وَلَمَّا فَتَحُوهَا أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ - بَابَ الْبَلَدِ - (سُجَّدًا) أَيْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، ورد بلدهم عليهم وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ التِّيهِ وَالضَّلَالِ.
ْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، ورد بلدهم عليهم وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ التِّيهِ وَالضَّلَالِ. قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً﴾ أي ركعاً، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أُمروا أَنْ يَسْجُدُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ حَالَ دُخُولِهِمْ وَاسْتَبْعَدَهُ الرَّازِيُّ، وَحَكَى عَنْ بعضهم أن المراد ههنا بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته، وقال السُّدي: عن عبد الله بن مسعود: قيل لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ أَيْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ خِلَافَ مَا أُمروا. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وقولو حِطَّةٌ﴾ قال ابن عباس: مغفرة استغفروا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ قَالَ: قُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لكم، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ وقال: هَذَا جَوَابُ الْأَمْرِ، أَيْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْنَاكُمْ غَفَرْنَا لَكُمُ الْخَطِيئَاتِ، وَضَاعَفْنَا لَكُمُ الْحَسَنَاتِ. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَخْضَعُوا لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْفَتْحِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بذنوبهم ويستغفروا منها، ولهذا كان ﵊ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْخُضُوعُ جِدًّا عِنْدَ النَّصْرِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ (فَتْحِ مَكَّةَ) داخلاً إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لِرَبِّهِ حَتَّى إِنَّ عُثْنُونَهُ لَيَمَسُّ مَوْرِكَ رَحْلِهِ شكراً لله على ذلك.
الْفَتْحِ (فَتْحِ مَكَّةَ) داخلاً إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لِرَبِّهِ حَتَّى إِنَّ عُثْنُونَهُ لَيَمَسُّ مَوْرِكَ رَحْلِهِ شكراً لله على ذلك. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ روى البخاري عن النبي ﷺ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حبة في شعرة (رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً)» وقال الثوري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا حنطة فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾. ⦗٦٩⦘ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ المفسِّرون وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السياق أَنَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللَّهِ لَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فأُمروا أَنْ يَدْخُلُوا سُجَّدًا فَدَخَلُوا يزحفون على اسْتَاهِهِمْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ، وأُمروا أَنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ أي أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِفِسْقِهِمْ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الرجز يعني به الْعَذَابُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الرجُز الغضبُ، وَقَالَ سعيد بن جبير: هو الطاعون، لحديث: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ عَذَابٌ عُذّب بِهِ مَن كَانَ قبلكم (الحديث رواه النسائي وأصله في الصحيحين)».
- ٦٠ - وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِجَابَتِي لِنَبِيِّكُمْ مُوسَى ﵇، حِينَ اسْتَسْقَانِي لَكُمْ وَتَيْسِيرِي لَكُمُ الْمَاءَ، وَإِخْرَاجَهُ لَكُمْ مِنْ حَجَرٍ يُحْمَلُ مَعَكُمْ، وَتَفْجِيرِي الْمَاءَ لَكُمْ مِنْهُ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِكُمُ عينُ قَدْ عَرَفُوهَا، فَكُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي أَنْبَعْتُهُ لَكُمْ، بلا سعي منكم ولا جَدّ، وَاعْبُدُوا الَّذِي سخَّر لَكُمْ ذَلِكَ، ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وَلَا تُقَابِلُوا النِّعَمَ بِالْعِصْيَانِ فتُسْلَبوها. وَقَدْ بَسَطَهُ المفسِّرون فِي كَلَامِهِمْ كَمَا قال ابن عباس ﵁: وَجُعِلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حَجَرٌ مُرَبَّعٌ، وَأُمِرَ مُوسَى ﵇ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ ثَلَاثُ عُيُونٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ حَجَرًا طُورِيًّا - مِنَ الطُّورِ - يحملونه معهم حتى نزلوا ضربه موسى بعصاه، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثَوْبَهُ حِينَ اغْتَسَلَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَإِنَّ فِيهِ قُدْرَةً، وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةً، فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ.
ثَوْبَهُ حِينَ اغْتَسَلَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَإِنَّ فِيهِ قُدْرَةً، وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةً، فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (اللَّامُ) لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ، أَيِ اضْرِبِ الشَّيْءَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحَجَرُ، وَعَنِ الْحَسَنِ: لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ، قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْمُعْجِزَةِ وَأَبْيَنُ فِي الْقُدْرَةِ، فَكَانَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ بِعَصَاهُ فَيَنْفَجِرُ ثُمَّ يضربه فييبس وَقَالَ الضَّحَّاكُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ شَقَّ لَهُمْ مِنَ الحجر أنهاراً، وقال الثوري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ ذَلِكَ فِي التِّيهِ ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِكُلِّ سِبْطٍ منهم عينا يشربون منها.
- ٦١ - وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ
فُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِي عَلَيْكُمُ المنَّ وَالسَّلْوَى طَعَامًا طَيِّبًا نافعاً هنيئاً سهلاً، واذكروا ضجركم ⦗٧٠⦘ مما رزقناكم وسؤالكم موسى الأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم، قال الحسن البصري: فبطروا وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانُوا قَوْمًا أَهْلَ أَعْدَاسٍ وَبَصَلٍ وَبَقْلٍ وَفُومٍ، فَقَالُوا: ﴿يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ مِمَّا تُنْبِتُ الأرض من بقلها وقثاءهم وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ وإنما قالوا على طعام واحد وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِأَنَّهُ لَا يتبدَّل ولا يتغير كل يوم فهو مأكل واحد، وأما الفوم فقال ابن عباس: الثوم، وَقَالَ آخَرُونَ: الْفُومُ: الحنطةُ وَهُوَ البُرَّ الَّذِي يعمل منه الخبز، روي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَفُومِهَا﴾ مَا فُومُهَا؟ قَالَ: الْحِنْطَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا * وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ
ا سَمِعْتَ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا * وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ وَقَالَ ابن جرير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَفُومِهَا﴾ قَالَ: الْفُومُ الْحِنْطَةُ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ، وقال الجوهري: الفوم الحنطة، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْفُومَ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الحمص لغة شامية، قال الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فوم، وقوله: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ فِيهِ تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى مَا سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: ﴿اهبطوا مِصْراً﴾ هكذا هو منون مصروف، وقال ابن عباس: مصراً من الأمصار. والمعنى إن هَذَا الَّذِي سَأَلْتُمْ لَيْسَ بأمرٍ عَزِيزٍ بَلْ هو كثير في أي بلد دخلتموها وَجَدْتُمُوهُ، فَلَيْسَ يُسَاوِي مَعَ دَنَاءَتِهِ وَكَثْرَتِهِ فِي الْأَمْصَارِ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أَيْ مَا طَلَبْتُمْ، وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَطَرِ وَالْأَشَرِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ لَمْ يجابوا إليه، والله أعلم.
- ٦٢ - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
لما بين تَعَالَى حَالَ مَنْ خَالَفَ أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ زَوَاجِرَهُ، وَتَعَدَّى فِي فِعْلِ مَا لَا إِذْنَ فِيهِ وَانْتَهَكَ الْمَحَارِمَ، وَمَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ، نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ مِنَ الأُمم السَّالِفَةِ وَأَطَاعَ فَإِنَّ لَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمّي فَلَهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ وَيُخَلِّفُونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَهْلِ دِينٍ كنتُ مَعَهُمْ فَذَكَرْتُ مِنْ صَلاتهم وَعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآية.
ْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآية. وقال السُّدي: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ (سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ) بَيْنَا هُوَ يحدِّث النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ذَكَرَ أصحابه فأخبروه خبرهم فقال: كانوا يصلون، ويصومون، وَيُؤْمِنُونَ بِكَ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا، فَلَّمَا فَرَغَ سَلْمَانُ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا سَلْمَانُ هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ" فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَكَانَ إِيمَانُ الْيَهُودِ أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ مُوسَى ﵇ حَتَّى جَاءَ عِيسَى، فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بسُنَّة مُوسَى فَلَمْ يَدَعْهَا وَلَمْ يَتْبَعْ عِيسَى كَانَ هَالِكًا، وَإِيمَانُ النَّصَارَى أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِعِ عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ لَمْ يَتْبَعْ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُمْ وَيَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عيسى والإنجيل كان هالكاً.
ْبُولًا مِنْهُ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ لَمْ يَتْبَعْ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُمْ وَيَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عيسى والإنجيل كان هالكاً. (قلت) وهذا لا ينافي ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية قال: فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة من الخاسرين﴾ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِخْبَارٌ ⦗٧٢⦘ عَنْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ طَرِيقَةً وَلَا عَمَلًا إِلَّا مَا كَانَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أَنْ بعثه بِمَا بَعَثَهُ بِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فِي زَمَانِهِ فَهُوَ عَلَى هُدًى وَسَبِيلٍ وَنَجَاةٍ، فَالْيَهُودُ أَتْبَاعُ مُوسَى ﵇ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي زَمَانِهِمْ، وَالْيَهُودُ مِنَ الْهَوَادَةِ وَهِيَ الْمَوَدَّةُ أَوِ التَّهَوُّدُ وَهِيَ التَّوْبَةُ كَقَوْلِ مُوسَى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ أَيْ تُبْنَا فكأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ لِتَوْبَتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: لِنِسْبَتِهِمْ إلى (يهودا) أكبر أولاد يعقوب، فَلَمَّا بُعِثَ عِيسَى ﷺ وَجَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ اتِّبَاعُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ، فَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ هُمُ النَّصَارَى وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُمْ أَنْصَارٌ أَيْضًا كَمَا قَالَ عِيسَى ﵇: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله؟ قال الحوارين نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ وَقِيلَ إِنَّهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ، قَالَهُ قتادة وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ، قَالَهُ قتادة وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَالِانْكِفَافُ عَمَّا عَنْهُ زَجَرَ، وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسمِّيت أُمّة محمدا ﷺ مُؤْمِنِينَ لِكَثْرَةِ إِيمَانِهِمْ، وَشِدَّةِ إِيقَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْغُيُوبِ الْآتِيَةِ. وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ فقال مجاهد: الصَّابِئُونَ قَوْمٌ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَ لهم دين، وقال أبو العالية والضحّاك: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزَّبُورَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ: لَا بأس بذبائحهم ومناكحتهم، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ الصَّابِئِينَ قوم يعبدون الملائكة ويقرأون الزبور ويصلُّون للقبلة، وَسُئِلَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ الصَّابِئِينَ فَقَالَ: الَّذِي يَعْرِفُ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُ بِهَا، وَلَمْ يُحْدث كُفْرًا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الصَّابِئُونَ أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ، كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمَوْصِلِ يَقُولُونَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا كتابٌ وَلَا نبيٌّ إِلَاّ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، قال: ولم يمنوا بِرَسُولٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ يشبِّهونهم بِهِمْ يَعْنِي فِي قَوْلِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُمْ قَوْمٌ يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى إِلَّا أَنَّ قِبْلَتَهُمْ نَحْوَ مَهَبِّ الْجَنُوبِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نوح ﵇،
َلِيلُ: هُمْ قَوْمٌ يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى إِلَّا أَنَّ قِبْلَتَهُمْ نَحْوَ مَهَبِّ الْجَنُوبِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نوح ﵇، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالَّذِي تحصَّل مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ وَيَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ وَأَنَّهَا فَاعِلَةٌ، وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ بِكُفْرِهِمْ لِلْقَادِرِ بِاللَّهِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُمْ واختار الرَّازِيُّ أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ بِمَعْنَى أن الله جعلها قبلة للعباد وَالدُّعَاءِ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ تَدْبِيرَ أمر هذا العالم إليها. وأظهرُ الْأَقْوَالِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمُتَابِعِيهِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَيْسُوا عَلَى دِينِ الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى وَلَا الْمَجُوسِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ بَاقُونَ عَلَى فِطْرَتِهِمْ وَلَا دِينٌ مُقَرَّرٌ لَهُمْ يَتْبَعُونَهُ وَيَقْتَفُونَهُ، وَلِهَذَا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصابىء، أَيْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِرِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الصابئون الذي لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ نَبِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- ٦٣ - وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
- ٦٤ - ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ⦗٧٣⦘
يَقُولُ تَعَالَى مذكِّراً بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَخَذَ عليهم من العهود والمواثيق، بالإيمان وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ رَفَعَ الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه يأخذوه بقوة وحزم وَامْتِثَالٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالطُّور هو الجبل كما فسَّره به في الأعراف، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَسْجُدُوا أَمَرَ اللَّهُ الْجَبَلَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ وَقَدْ غَشِيَهُمْ، فَسَقَطُوا سُجَّدًا فَسَجَدُوا عَلَى شِقٍّ وَنَظَرُوا بِالشِّقِّ الْآخَرِ، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا سَجْدَةٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ سَجْدَةٍ كَشَفَ بِهَا الْعَذَابَ عَنْهُمْ فَهُمْ يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾، ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، يعني التوراة، قال أبو العالية: (بِقُوَّةٍ) أَيْ بِطَاعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (بِقُوَّةٍ) بعملٍ بما فيه، وقال قتادة: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَإِلَّا قَذَفْتُهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: فَأَقَرُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَا أُوتُوا بِقُوَّةٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا قَذَفْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيْ أَسْقَطْتُهُ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي الجبل، ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرأوا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَاعْمَلُوا بِهِ.
ِ وَإِلَّا قَذَفْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيْ أَسْقَطْتُهُ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي الجبل، ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرأوا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَاعْمَلُوا بِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ الله﴾ يَقُولُ تَعَالَى ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمِيثَاقِ الْمُؤَكَّدِ الْعَظِيمِ، تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ وَانْثَنَيْتُمْ وَنَقَضْتُمُوهُ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي بتوبته عَلَيْكُمْ وَإِرْسَالُهُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَيْكُمْ ﴿لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بِنَقْضِكُمْ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
- ٦٥ - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ
- ٦٦ - فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ما أحل مِنَ الْبَأْسِ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ، الَّتِي عَصَتْ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفُوا عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ، فِيمَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذا كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ فَتَحَيَّلُوا عَلَى اصْطِيَادِ الحِيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الحبائل وَالْبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، فَلَمَّا جَاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلَى عَادَتِهَا فِي الْكَثْرَةِ نَشِبَتْ بِتِلْكَ الْحَبَائِلِ وَالْحِيَلِ فَلَمْ تَخْلُصْ مِنْهَا يَوْمَهَا ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذُوهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّبْتِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ إِلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْأَنَاسِيِّ فِي الشَّكْلِ الظَّاهِرِ وَلَيْسَتْ بِإِنْسَانٍ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ أَعْمَالُ هَؤُلَاءِ وحيلتهم لَمَّا كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِرِ وَمُخَالِفَةً لَهُ فِي الْبَاطِنِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ.
لُ هَؤُلَاءِ وحيلتهم لَمَّا كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِرِ وَمُخَالِفَةً لَهُ فِي الْبَاطِنِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذا يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الْقِصَّةُ بِكَمَالِهَا وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ هم أهل أيلة، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كونوا ققردة خَاسِئِينَ﴾ قال مجاهد: مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وَهَذَا سَنَدٌ جَيِّدٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وقولٌ غَرِيبٌ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنَ السِّيَاقِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَفِي غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ⦗٧٤⦘ بشرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطاغوت﴾ الآية، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فَجَعَلَ اللَّهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، فَزَعَمَ أَنَّ شباب القوم صاروا قردة وأن الشيخة صاروا خنازير.
ْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فَجَعَلَ اللَّهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، فَزَعَمَ أَنَّ شباب القوم صاروا قردة وأن الشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فصار القوم قردة تعاوى، لها أذناب بعدما كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً، وَقَالَ عَطَاءٌ الخُراساني: نُودُوا يَا أَهْلَ الْقَرْيَةِ ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فَجَعَلَ الَّذِينَ نَهَوْهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ يَا فُلان، يَا فُلَانُ أَلَمْ نَنْهَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ بِرُؤُوسِهِمْ أَيْ بلى، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ، يَقُولُ: إِذْ لَا يَحْيَوْنَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: وَلَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَنْسَلْ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بمن يشاء، ويحوله كما يشاء ﴿خَاسِئِينَ﴾ يعني أذلة صاغرين.
تي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بمن يشاء، ويحوله كما يشاء ﴿خَاسِئِينَ﴾ يعني أذلة صاغرين. وقال السُّدي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: هم أَهْلُ أَيْلَةَ؛ وَهِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي كَانَت حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، فَكَانَتِ الحِيتان إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْتِ شَيْئًا، لَمْ يَبْقَ فِي الْبَحْرِ حُوتٌ إِلَّا خَرَجَ حَتَّى يُخْرِجْنَ خَرَاطِيمَهُنَّ مِنَ الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزِمْنَ سُفْلَ الْبَحْرِ فَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ السَّبْتِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ فَاشْتَهَى بَعْضُهُمُ السَّمَكَ فَجَعَلَ الرجُل يَحْفِرُ الْحَفِيرَةَ وَيَجْعَلُ لَهَا نَهْرًا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ فُتِحَ النَّهْرُ، فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ يَضْرِبُهَا حَتَّى يُلْقِيَهَا فِي الْحَفِيرَةِ، فَيُرِيدُ الْحُوتُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يُطِيقُ مِنْ أَجْلِ قِلَّةِ ماء النهر فيمكث فيها، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ جَاءَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَ الرجُل يشوي السمك فيجد جاره روائحه فَيَسْأَلُهُ فَيُخْبِرُهُ فَيَصْنَعُ مِثْلَ مَا صَنَعَ جَارُهُ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ أَكْلُ السَّمَكِ، فَقَالَ لَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ: وَيَحْكَمُ إِنَّمَا تَصْطَادُونَ يَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ، فَقَالُوا: إِنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْمَ الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الْمَاءَ فَدَخَلَ، قَالَ: وَغَلَبُوا أَنْ يَنْتَهُوا،
الُوا: إِنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْمَ الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا، ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الْمَاءَ فَدَخَلَ، قَالَ: وَغَلَبُوا أَنْ يَنْتَهُوا، فَقَالَ بَعْضُ الَّذِينَ نَهَوْهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ يَقُولُ: لِمَ تَعِظُوهُمْ وَقَدْ وَعَظْتُمُوهُمْ فَلَمْ يُطِيعُوكُمْ، فَقَالَ بعضهم: ﴿معذرة إلى ربكم وَلَعَلَّهُمْ يتَّقون﴾، فَلَماَّ أبَوْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهِ لَا نُسَاكِنُكُمْ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ فَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَابًا وَالْمُعْتَدُونَ فِي السَّبْتِ بَابًا وَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ ﵇، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ مِنْ بَابِهِمْ، والكُفّار مِنْ بَابِهِمْ، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ يفتح الكفّار بابهم، فلما أبطأوا عَلَيْهِمْ تسوَّر الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فلمآ عتوا عمّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاشئين﴾، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لسان داود وعيسى بن مريم﴾ الآية فَهُمُ الْقِرَدَةُ، (قُلْتُ) وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بَيَانُ خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ ﵀ مِنْ أَنَّ مَسْخَهُمْ إِنَّمَا كَانَ (مَعْنَوِيًّا) لَا (صُورِيًّا)، بَلِ الصَّحِيحُ أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم.
مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ ﵀ مِنْ أَنَّ مَسْخَهُمْ إِنَّمَا كَانَ (مَعْنَوِيًّا) لَا (صُورِيًّا)، بَلِ الصَّحِيحُ أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ قال بعضهم: الضمير في (فَجَعَلْنَاهَا) عائد إلى الْقِرَدَةِ، وَقِيلَ عَلَى (الحِيتان)، وَقِيلَ عَلَى (الْعُقُوبَةِ)، وَقِيلَ عَلَى الْقَرْيَةِ حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى ⦗٧٥⦘ الْقَرْيَةِ، أَيْ فَجَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا بِسَبَبِ اعْتِدَائِهِمْ فِي سَبْتِهِمْ (نَكَالًا) أَيْ عَاقَبْنَاهُمْ عُقُوبَةً فَجَعَلْنَاهَا عِبْرَةً كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾ وقوله تعالى: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ مِنَ الْقُرَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي جَعَلْنَاهَا بِمَا أَحْلَلْنَا بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يرجعون﴾، فَالْمُرَادُ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا فِي المكان، كما قال عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) من القرى (وَمَا خَلْفَهَا) من القرى، وقال أبو العالية: (وَمَا خَلْفَهَا) لِمَا بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ، وكأن هؤلاء يقولون المراد ﴿لما بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ فِي الزَّمَانِ، وَهَذَا مستقيم بالنسبة إلى ما يأتي بعدهم من الناس أن تكون أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ عِبْرَةً لَهُمْ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ سَلَفَ قَبْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ تُفَسَّرَ الْآيَةُ بِهِ وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ فتعيَّن أن المراد فِي الْمَكَانِ وَهُوَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لمن سبقهم؟ فتعيَّن أن المراد فِي الْمَكَانِ وَهُوَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقال أبو جعفر الرازي عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذُنُوبِ الْقَوْمِ ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لِمَنْ يَعْمَلُ بَعْدَهَا مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا مِنَ الْقُرَى بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِخَبَرِهَا بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ومن بعدها. والثاني: الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَنْ بِحَضْرَتِهَا مِنَ الْقُرَى والأُمم. والثالث: أنه تعالى جعلها عُقُوبَةً لِجَمِيعِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا الفعل وما بعده وهو قول الحسن. (قلت) وأرجح الأقوال الْمُرَادَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا مَنْ بحضرتها من القرى يَبْلُغُهُمْ خَبَرُهَا وَمَا حَلَّ بِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ولا يزال الذي كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صنعوا قارعة﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أطرافها﴾ فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم وموعظة لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ، وَلِهَذَا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ القيامة، قال الحسن: فيتقون نقمة الله ويحذرونها، وقال السُّدي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ (قُلْتُ) المراد بالموعظة ههنا الزَّاجِرُ، أَيْ جَعَلْنَا مَا أَحْلَلْنَا بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَمَا تَحَيَّلُوا بِهِ مِنَ الْحِيَلِ،
َا أَحْلَلْنَا بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَمَا تَحَيَّلُوا بِهِ مِنَ الْحِيَلِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُتَّقُونَ صَنِيعَهُمْ لِئَلَّا يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ كما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» (أخرجه الإمام أوب عبد الله بن بطة وفي سنده (أحمد بن محمد بن مسلم) وثقه الحافظ الْبَغْدَادِيُّ وَبَاقِي رِجَالِهِ مَشْهُورُونَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ) وهذا إسناد جيد والله أعلم.
- ٦٧ - وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ من الجاهلين
يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ لَكُمْ فِي شَأْنِ الْبَقَرَةِ، وَبَيَانِ الْقَاتِلِ مَنْ هُوَ بِسَبَبِهَا، وَإِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَنَصِّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ. ⦗٧٦⦘ (ذكر بسط القصة) عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ وَارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلًا فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى تسلحوا وركب بعضهم على بَعْضٍ، فَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ والنُّهى: عَلَامَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ فَأَتَوْا مُوسَى ﵇ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ: فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ أَدْنَى بَقَرَةٍ وَلَكِنَّهُمْ شدَّدوا فشدَّد عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمروا بِذَبْحِهَا فَوَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْقُصُهَا مِنْ مِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا فَذَبَحُوهَا فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا فَقَامَ، فَقَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ [فَقَالَ؟؟] هَذَا - لِابْنِ أَخِيهِ - ثُمَّ مَالَ مَيِّتًا، فَلَمْ يُعْطَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بعد (رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيدة السلماني)
ابْنِ أَخِيهِ - ثُمَّ مَالَ مَيِّتًا، فَلَمْ يُعْطَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بعد (رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيدة السلماني) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ﴾ يَعْنِي لَا هَرِمَةٌ، ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ يَعْنِي وَلَا صَغِيرَةٌ، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أَيْ نَصَفٌ بَيْنِ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ. ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا؟ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ أَيْ صَافٍ لَوْنُهَا، (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) أَيْ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ، ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ أَيْ لَمْ يذللها العمل، ﴿تُثِيرُ الأرض ولا تسقي الحرث﴾ يَعْنِي وَلَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الحرث يعني وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ ﴿مسلَّمة﴾ يَعْنِي مسلَّمة مِنَ الْعُيُوبِ ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ يَقُولُ لَا بَيَاضَ فِيهَا ﴿قَالُواْ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ولو أن القوم حين أُمروا بذبح بَقَرَةً، اسْتَعْرَضُوا بَقَرَةً مِنَ الْبَقَرِ فَذَبَحُوهَا لَكَانَتْ إياها، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عَلَيْهِمْ، وَلَوْلَا أَنَّ الْقَوْمَ اسْتَثْنَوْا فَقَالُوا: ﴿وَإِنَّآ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لَمَا هُدوا إِلَيْهَا أبدا.
سهم فشدَّد الله عَلَيْهِمْ، وَلَوْلَا أَنَّ الْقَوْمَ اسْتَثْنَوْا فَقَالُوا: ﴿وَإِنَّآ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لَمَا هُدوا إِلَيْهَا أبدا. وَقَالَ السُّدي ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُكْثِرًا مِنَ الْمَالِ فكانت لَهُ ابْنَةٌ وَكَانَ لَهُ ابْنُ أَخٍ مُحْتَاجٌ فَخَطَبَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ ابْنَتَهُ فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَغَضِبَ الْفَتَى وَقَالَ وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ عَمِّي وَلَآخُذَنَّ مَالَهُ، وَلَأَنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ وَلَآكُلَنَّ دِيَتَهُ، فَأَتَاهُ الفتى - وقد قدم تجار ف؟؟ بَعْضِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - فَقَالَ: يَا عَمُّ انطلِق مَعِي فَخُذْ لِي مِنْ تِجَارَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَعَلِّي أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْكَ مَعِي أَعْطَوْنِي، فَخَرَجَ الْعَمُّ مَعَ الْفَتَى لَيْلًا، فَلَمَّا بَلَغَ الشَّيْخُ ذَلِكَ السِّبْطَ قَتَلَهُ الْفَتَى ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ كَأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَانْطَلَقَ نَحْوَهُ، فَإِذَا هُوَ بِذَلِكَ السِّبْطِ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُمْ، وَقَالَ: قَتَلْتُمْ عَمِّي فَأَدُّوا إليَّ ديَته، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُنَادِي: وَاعَمَاهُ، فَرَفَعَهُمْ إِلَى مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ.
ا إليَّ ديَته، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُنَادِي: وَاعَمَاهُ، فَرَفَعَهُمْ إِلَى مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ. فَقَالُوا لَهُ: يا رسول الله ادع لَنَا رَبَّكَ حَتَّى يُبَيِّنَ لَنَا مَنْ صَاحِبُهُ فَيُؤْخَذُ صَاحِبُ القضية، فوالله إن ديته علينا لهيِّنة، ولكن نَسْتَحْيِي أَنْ نعيَّر بِهِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾، قَالُوا: نَسْأَلُكَ عَنِ الْقَتِيلِ وَعَمَّنْ قَتَلَهُ وَتَقُولُ اذْبَحُوا بَقَرَةً أَتَهْزَأُ بِنَا؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَوِ اعترضوا بقرة فذبحوها ⦗٧٧⦘ لأجزأت عنهم، ولكنْ شدَّدوا وتعنَّتوا عَلَى مُوسَى فشدَّد اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والفارض الهرمة التي لا تولد، والبكر التي لم تلد إلى وَلَدًا وَاحِدًا، والعَوَان النْصَفُ الَّتِي بَيْنَ ذَلِكَ الَّتِي قَدْ وَلَدَتْ وَوَلَدَ وَلَدُهَا ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرونَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قَالَ نَقِيٌّ لَوْنُهَا ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قَالَ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تثير في الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مسلَّمة لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ مِنْ بَيَاضٍ وَلَا سَوَادٍ وَلَا حُمْرَةٍ ﴿قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق﴾ فطلبوها - من صاحبها - وأعطوا وزنها ذهباً فأبى فأضعفوه له حَتَّى أَعْطَوْهُ وَزْنَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ ذَهَبًا فَبَاعَهُمْ إِيَّاهَا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا فَذَبَحُوهَا،
احبها - وأعطوا وزنها ذهباً فأبى فأضعفوه له حَتَّى أَعْطَوْهُ وَزْنَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ ذَهَبًا فَبَاعَهُمْ إِيَّاهَا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا فَذَبَحُوهَا، قَالَ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش فسألوه مَنْ قَتْلَكَ فَقَالَ لَهُمْ ابْنُ أَخِي قَالَ: أَقْتُلُهُ فَآخُذُ مَالَهُ وَأَنْكِحُ ابْنَتَهُ، فَأَخَذُوا الْغُلَامَ فقتلوه (قال ابن كثير: وهذه الروايات عن (عبيدة) و (السدي) مَأْخُوذَةٌ مِنْ كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهِيَ مِمَّا يجوز نقلها ولكن لا تصدَّق ولا تكذَّب)
- ٦٨ - قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرونَ
- ٦٩ - قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
- ٧٠ - قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
- ٧١ - قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَاّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ
أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله عَلَيْهِمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ لوقعت الموقع عنهم وَلَكِنَّهُمْ شدَّدوا فشدَّد عَلَيْهِمْ فَقَالُوا ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ أي ما هذه البقرة؟ وأي شي صفتها؟ قال ابن جرير عن ابن عباس: (لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها ولكنهم شدَّدوا فشدَّد عليهم) قَالَ: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أَيْ لَا كَبِيرَةً هَرِمَةً وَلَا صغيرة لم يلحقها الفحل. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ نَصَفٌ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَهِيَ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَقَرِ وَأَحْسَنُ ما تكون. وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ صافية اللون. وقال العوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ تَكَادُ مِنْ صُفْرَتِهَا تَبْيَضُّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ أي تعجب الناظرين.
نِ عَبَّاسٍ: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ تَكَادُ مِنْ صُفْرَتِهَا تَبْيَضُّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ أي تعجب الناظرين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ لِكَثْرَتِهَا فَمَيِّزْ لَنَا هَذِهِ الْبَقَرَةَ وَصِفْهَا وَحِلَّهَا لَنَا ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ إِذَا بَيَّنْتَهَا لَنَا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا ﴿وَإِنَّآ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما أعطوا ولكن استثنوا» (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الحافظ ابن مردويه بنحوه) ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أَيْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالْحِرَاثَةِ، وَلَا مُعَدَّةَ لِلسَّقْيِ فِي السَّانِيَةِ، بَلْ هِيَ مُكَرَّمَةٌ حَسَنَةٌ صَبِيحَةٌ مسلَّمة صَحِيحَةٌ ⦗٧٨⦘ لَا عَيْبَ فِيهَا ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ غَيْرُ لَوْنِهَا وَقَالَ قتادة ﴿مسلَّمة﴾ يقول: لا عيب فيها ﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ لونها واحد بهيم قاله عطاء ﴿قَالُواْ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: الْآنَ بينت لنا، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابن عباس: كادوا أن لا يَفْعَلُوا - وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الذِي أَرَادُوا - لِأَنَّهُمْ أرادوا أن لا يَذْبَحُوهَا، يَعْنِي أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذِهِ الأسئلة والإضاح مَا ذَبَحُوهَا إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ، وَفِي هَذَا ذَمٌّ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ إلا التعنت فلهذا ما كادوا يذبحونها. قال ابن جرير: لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ الْفَضِيحَةِ إِنِ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى قَاتِلِ الْقَتِيلِ الذِي اختصموا فيه ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكَادُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا وَلِلْفَضِيحَةِ.
قَتِيلِ الذِي اختصموا فيه ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكَادُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا وَلِلْفَضِيحَةِ.
- ٧٢ - وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
- ٧٣ - فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
قال البخاري: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ اختلفتم وهكذا قال مجاهد، ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ما تغيبون. عن المسيب بن رافع: «مَا عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ وَمَا عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ» وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم عن المسيب بن رافع) ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ هَذَا الْبَعْضُ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَالْمُعْجِزَةُ حَاصِلَةٌ به وخرق العادة به كائن، فَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِهِ لَنَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لبيَّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجيء مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيَانَهُ فَنَحْنُ نبهمه كما أبهمه الله.
رِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لبيَّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجيء مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ بَيَانَهُ فَنَحْنُ نبهمه كما أبهمه الله. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ فَضَرَبُوهُ فحييَ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ، جَعَلَ ﵎ ذلك الصنيع حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَفَاصِلًا مَا كَانَ بينهم من الخصومة والعناد، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مما خلقه من إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بعد موتكم﴾ وهذ الْقِصَّةُ، وَقِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَقِصَّةُ الذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَالطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ، وَنَبَّهَ تَعَالَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا رَمِيمًا، كما قال أبو رزين العقيلي ﵁، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: «أَمَا مَرَرْتَ بوادٍ مُمْحِلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ خَضِرًا»؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: «كَذَلِكَ النُّشُورُ» أَوْ قَالَ: «كَذَلِكَ يحيي الله الموتى» (رواه الطيالسي عن أبي رزين العقيلي ﵁ وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.
تتمة الآية ٦١: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أَيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ وَأُلْزِمُوا بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، أَيْ لَا يَزَالُونَ مُسْتَذَلِّينَ مَنْ وَجَدهم اسْتَذَلَّهُمْ وَأَهَانَهُمْ وضربَ عَلَيْهِمُ الصغاَر، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء مستكينون. يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال الضَّحَّاكُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قَالَ: الذُّلُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَذَلَّهُمُ اللَّهُ فَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَجَعَلَهُمُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ وإن المجوس لتجيبهم الجزية، وقال أبو العالية والسُّدى: المسكنةُ الفاقةُ، وقوله تعالى: ﴿وباؤا بغضب من الله﴾ استحقوا الغضب من الله، وقال ابن جرير: يعني بقوله ﴿وباؤوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: انْصَرَفُوا وَرَجَعُوا، وَلَا يُقَالُ باء إِلَّا مَوْصُولًا إِمَّا بِخَيْرٍ وَإِمَّا بِشَرٍّ، يُقَالُ منه: باء فلان بذنبه يبوء به، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَعْنِي تَنْصَرِفُ مُتَحَمِّلَهُمَا وَتَرْجِعُ بِهِمَا قَدْ صَارَا عليك دوني، فمعنى الكلام رجعوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللَّهِ قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ سُخْطٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يَقُولُ الله تَعَالَى هَذَا الَّذِي
عَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يَقُولُ الله تَعَالَى هَذَا الَّذِي
- ٧٤ - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ⦗٧٩⦘ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يشقَّق فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى تَوْبِيخًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَقْرِيعًا لَهُمْ عَلَى مَا شَاهَدُوهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كُلِّهِ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ التِي لَا تَلِينُ أَبَدًا، وَلِهَذَا نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ حَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَصَارَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْأَمَدِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنِ الْمَوْعِظَةِ، بَعْدَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، فَهِيَ فِي قَسْوَتِهَا كَالْحِجَارَةِ التِي لَا عِلَاجَ لِلِينِهَا، أَوْ أشدَّ قَسْوَةً من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، وَمِنْهَا مَا يشقَّق فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا، وَمِنْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَفِيهِ إِدْرَاكٌ لذلك بحسبه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يسبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُورًا﴾ والمعنى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنَ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تُدْعون إليه من الحق.
َفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُورًا﴾ والمعنى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنَ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تُدْعون إليه من الحق. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَهُوَ إِسْنَادُ الْخُشُوعِ إِلَى الْحِجَارَةِ كَمَا أُسْنِدَتِ الْإِرَادَةُ إِلَى الْجِدَارِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أن ينقض﴾ قال الرازي والقرطبي: وَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهَا هَذِهِ الصِّفَةَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأشفقن منها﴾ وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فيهن﴾ الآية، وقال: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾، وقال: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، وَكَحَنِينِ الْجِذْعِ الْمُتَوَاتِرِ خَبَرُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عليَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ»، وَفِي صِفَةِ الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلم بِحَقٍّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي معناه. (تَنْبِيهٌ) اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَوْنِهَا لِلشَّكِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ (أو) ههنا بِمَعْنَى الْوَاوِ تَقْدِيرُهُ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ وَأَشَدُّ قَسْوَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وقوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ وكما قال جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ: نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا * كَمَا أَتَى ربَّه مُوسَى عَلَى قَدَرَ
﴾ وقوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ وكما قال جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ: نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا * كَمَا أَتَى ربَّه مُوسَى عَلَى قَدَرَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي نَالَ الْخِلَافَةَ وكانت له قدراً، وقال آخرون: (أو) ههنا بمعنى بل فتقديره: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خشية﴾ ﴿وأرسلناه إلى مائة أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى﴾، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ عِنْدَكُمْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ فَقُلُوبُكُمْ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ منها في القسوة، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَبَعْضُهَا كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَعَ تَوْجِيهِ غَيْرِهِ، (قُلْتُ) وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ يَبْقَى شَبِيهًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نارا﴾ مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾، وكقوله: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، مَعَ قَوْلِهِ ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لجِّي﴾ الْآيَةَ أَيْ: إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا ومنهم من هو هكذا، والله أعلم.
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، مَعَ قَوْلِهِ ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لجِّي﴾ الْآيَةَ أَيْ: إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا ومنهم من هو هكذا، والله أعلم. عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، ⦗٨٠⦘ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةُ الْقَلْبِ، وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ من الله القلب القاسي» (رواه ابن مردويه والترمذي في كتاب الزهد، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابراهيم) وروي مرفوعاً: "أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل والحرص على الدنيا" (رواه البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً).
جَازَيْنَاهُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَإِحْلَالِ الْغَضَبِ بِهِمْ من الذلة، بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَإِهَانَتِهِمْ حَمَلة الشَّرْعِ وَهُمُ (الْأَنْبِيَاءُ) وَأَتْبَاعُهُمْ، فَانْتَقَصُوهُمْ إِلَى أَنْ أَفْضَى بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أن قتلوهم فلا كفر أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْكِبْرُ بطرُ الحق وغَمْطُ الناسِ» (هذا جزء من حديث شريف وأوله «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كِبْر .. » الحديث) يَعْنِي رَدَّ الْحَقِّ وَانْتِقَاصَ النَّاسِ وَالِازْدِرَاءَ بِهِمْ والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنوا إِسْرَائِيلَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْكُفْرِ بِآيَاتِ اللَّهِ وقتلهم أنبياءه، أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرد، وَكَسَاهُمْ ذُلًّا فِي الدُّنْيَا مَوْصُولًا بِذُلِّ الْآخِرَةِ جزاءً وفاقاً. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَتْ بنوا إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار» (رواه أبو داود الطيالسي) وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أشدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رجلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَل نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ» (رواه الإمام أحمد في مسنده) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وَهَذِهِ عِلَّةٌ أُخرى فِي مُجَازَاتِهِمْ بِمَا جُوزُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْصُونَ وَيَعْتَدُونَ، فَالْعِصْيَانُ فِعْلُ الْمَنَاهِي، والاعتداءُ الْمُجَاوَزَةُ فِي حَدِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ والمأمور بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
َعْصُونَ وَيَعْتَدُونَ، فَالْعِصْيَانُ فِعْلُ الْمَنَاهِي، والاعتداءُ الْمُجَاوَزَةُ فِي حَدِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ والمأمور بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- ٧٥ - أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
- ٧٦ - وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
- ٧٧ - أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
يقول تعالى: ﴿فتطمعون﴾ يا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ أَيْ يَنْقَادُ لَكُمْ بِالطَّاعَةِ هَؤُلَاءِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ شَاهَدَ آبَاؤُهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ﴿مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أَيْ فَهِمُوهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا يُخَالَفُونَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ. وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قلوبهم قاسة يحرفون الكفم عن مواضعه﴾ وليس كلهم قد سمعها، ولكن هم الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فيها، قال السدي: هي التوراة حرّفوها.
عن مواضعه﴾ وليس كلهم قد سمعها، ولكن هم الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فيها، قال السدي: هي التوراة حرّفوها. وقال قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عقلوه وهم يَعْلَمُونَ﴾ هُمُ الْيَهُودُ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَوَعَوْهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَمَدُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَحَرَّفُوهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ أَنَّهُمْ أَذْنَبُوا، وَقَالَ ابْنُ وهب فِي قَوْلِهِ ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قَالَ: التَّوْرَاةُ التِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يُحَرِّفُونَهَا يَجْعَلُونَ الْحَلَالَ فِيهَا حَرَامًا، وَالْحَرَامَ فِيهَا حَلَالًا، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمنوا قالوا آمنا﴾، قال ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمنا﴾ أي قالوا: إنَّ صاحبكم رَسُولِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً. ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالُوا: لَا تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ فكان منهم، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا بِهِ.
قَ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا بِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا إِذَا لَقُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا آمَنَّا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هَؤُلَاءِ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ آمنوا ثم نافقوا. وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ نَحْنُ مُسْلِمُونَ، لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمْرَهُ، فَإِذَا رَجَعُوا رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ قَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَكُونُوا يَدْخُلُونَ، ⦗٨١⦘ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُونَ: بلى. قال أَبُو الْعَالِيَةِ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بما أنزل عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةَ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ كَانُوا يَقُولُونَ سَيَكُونُ نَبِيٌّ فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فتح الله عليكم﴾ وعن مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ تَحْتَ حُصُونِهِمْ، فَقَالَ: يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَيَا عَبَدَةَ الطَّاغُوتِ فَقَالُوا مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا الْأَمْرِ مُحَمَّدًا؟ مَا خَرَجَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا مِنْكُمْ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ لِلْفَتْحِ ليكون لهم حجة عليكم.



