— Bagian 18 · يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا … —
Bagian 18
يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.» وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ «١» » الْآيَاتِ الثَّلَاثَ. وَعَنْ «٢» أَبِي هُرَيْرَةَ «٣» : «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» وَعَنْ «٤» أَنَسٍ «٥» عَنْهُ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٦» «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا بتلاه لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ.» وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٧» : «أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ، كَيْ يَتَبَيَّنَ فَضْلُهُ، وَيَسْتَوْجِبَ الثَّوَابَ» كَمَا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ «٨» أَنَّهُ قَالَ: «يَا بُنَيَّ.. الذهب والفضة
بَلَاؤُهُ أَشَدَّ، كَيْ يَتَبَيَّنَ فَضْلُهُ، وَيَسْتَوْجِبَ الثَّوَابَ» كَمَا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ «٨» أَنَّهُ قَالَ: «يَا بُنَيَّ.. الذهب والفضة
يُخْتَبَرَانِ بِالنَّارِ وَالْمُؤْمِنُ يُخْتَبَرُ بِالْبَلَاءِ» وَقَدْ حُكِيَ: «أَنَّ ابْتِلَاءَ يَعْقُوبَ بِيُوسُفَ كَانَ سَبَبُهُ الْتِفَاتَهُ في صلاته إِلَيْهِ وَيُوسُفُ نَائِمٌ مَحَبَّةً لَهُ «١» » وَقِيلَ: «بَلِ اجْتَمَعَ يَوْمًا هُوَ وَابْنُهُ يُوسُفُ عَلَى أَكْلِ حَمَلٍ «٢» مَشْوِيٍّ وَهُمَا يَضْحَكَانِ، وَكَانَ لَهُمْ جَارٌ يَتِيمٌ فَشَمَّ رِيحَهُ وَاشْتَهَاهُ وَبَكَى.. وَبَكَتْ لَهُ جَدَّةٌ لَهُ عَجُوزٌ لِبُكَائِهِ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَ يَعْقُوبَ وَابْنِهِ، فَعُوقِبَ يَعْقُوبُ بِالْبُكَاءِ أَسَفًا عَلَى يُوسُفَ إِلَى أَنْ سَالَتْ حَدَقَتَاهُ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى سَطْحِهِ: ألا من كان مفطرا فليتغدّ عِنْدَ آلِ يَعْقُوبَ «٣» .» وَعُوقِبَ يُوسُفُ بِالْمِحْنَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ «٤» أَنَّ سَبَبَ بَلَاءِ أَيُّوبَ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَهْلِ
وَعُوقِبَ يُوسُفُ بِالْمِحْنَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ «٤» أَنَّ سَبَبَ بَلَاءِ أَيُّوبَ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَهْلِ
قربته عَلَى مَلِكِهِمْ، فَكَلَّمُوهُ فِي ظُلْمِهِ وَأَغْلَظُوا لَهُ إِلَّا أَيُّوبَ فَإِنَّهُ رَفَقَ بِهِ مَخَافَةً عَلَى زَرْعِهِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِبَلَائِهِ «١» .
- وَمِحْنَةُ سُلَيْمَانَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نِيَّتِهِ فِي كَوْنِ الْحَقِّ فِي جَنْبَةِ «٢» أَصْهَارِهِ «٣» ، أَوْ لِلْعَمَلِ بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُ.
- وَهَذِهِ فَائِدَةُ شِدَّةِ الْمَرَضِ وَالْوَجَعِ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «٤» عَائِشَةُ «٥» : «مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ «٦» عَبْدِ اللَّهِ «٧» : رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ يُوعَكُ وَعْكًا شديدا فقلت: إنك لتوعك وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يوعك رجلان منكم.. قلت ذلك أنّ لك الأجر مرتين!!. قال: أجل.. ذلك كذلك..
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي سَعِيدٍ «٢» أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أُطِيقُ أَضَعُ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ» .. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ.. إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ «٣» حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ وَإِنْ كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون «٤» بِالرَّخَاءِ.» وَعَنْ أَنَسٍ «٥» عَنْهُ ﷺ «٦» : «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ.. وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» . وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ «٧» » إِنَّ الْمُسْلِمَ يُجْزَى بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا فَتَكُونُ لَهُ كَفَّارَةً «٨» .. وَرُوِيَ «٩» هَذَا عَنْ عَائِشَةَ «١٠» وَأُبَيٍّ «١١» وَمُجَاهِدٍ «١٢» .
الْمُسْلِمَ يُجْزَى بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا فَتَكُونُ لَهُ كَفَّارَةً «٨» .. وَرُوِيَ «٩» هَذَا عَنْ عَائِشَةَ «١٠» وَأُبَيٍّ «١١» وَمُجَاهِدٍ «١٢» .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «١» عَنْهُ ﷺ «٢» : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ «٣» مِنْهُ..» وَقَالَ «٤» فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا» . وَقَالَ «٥» فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ «٦» ولا وصب «٧» وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ.» وَفِي حَدِيثِ «٨» ابْنِ مَسْعُودٍ «٩» : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ «١٠» اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يُحَتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ.» وَحِكْمَةٌ أُخْرَى أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الْأَمْرَاضِ لِأَجْسَامِهِمْ وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها عند مماتهم.
لِتَضْعُفَ قُوَى نُفُوسِهِمْ فَيَسْهُلَ خُرُوجُهَا عِنْدَ قَبْضِهِمْ وتخفّ عليهم موتة النَّزْعِ وَشِدَّةُ السَّكَرَاتِ بِتَقَدُّمِ الْمَرَضِ وَضَعْفِ الْجِسْمِ وَالنَّفْسِ لِذَلِكَ. خِلَافُ مَوْتِ الْفُجْأَةِ وَأَخْذِهِ كَمَا يُشَاهَدُ مِنَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمَوْتَى فِي الشِّدَّةِ وَاللِّينِ، وَالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ.. وَقَدْ قَالَ ﷺ «١» : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ خَامَةِ «٢» الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا «٣» الرِّيحُ هَكَذَا وَهَكَذَا» . وَفِي «٤» رِوَايَةِ أَبِي هريرة «٥» مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تَكْفِؤُهَا «٦» فَإِذَا سَكَنَتِ اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفؤ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ «٧» صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حتى يقصمه الله معناه أن المؤمن مرزّأ مُصَابٌ بِالْبَلَاءِ وَالْأَمْرَاضِ، رَاضٍ بِتَصْرِيفِهِ بَيْنَ أَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، مُنْطَاعٌ «٨» لِذَلِكَ، لَيِّنُ الْجَانِبِ بِرِضَاهُ وقلة سخطه كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرباح، وتمايلها لهبوبها، وترنحها
ْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، مُنْطَاعٌ «٨» لِذَلِكَ، لَيِّنُ الْجَانِبِ بِرِضَاهُ وقلة سخطه كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرباح، وتمايلها لهبوبها، وترنحها
مِنْ حَيْثُ مَا أَتَتْهَا، فَإِذَا أَزَاحَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِ رِيَاحَ الْبَلَايَا وَاعْتَدَلَ صَحِيحًا كَمَا اعْتَدَلَتْ خَامَةُ الزَّرْعِ عِنْدَ سُكُونِ رِيَاحِ الْجَوِّ رَجَعَ إِلَى شُكْرِ رَبِّهِ وَمَعْرِفَةِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ بِرَفْعِ بَلَائِهِ مُنْتَظِرًا رَحْمَتَهُ وَثَوَابَهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ السَّبِيلِ لَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ مَرَضُ الْمَوْتِ وَلَا نُزُولُهُ، وَلَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُهُ ونزعه لعادته بما تقدّمه من الالام، ومعرفة ماله فِيهَا مِنَ الْأَجْرِ وَتَوْطِينِهِ نَفْسَهُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَرِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا بِتَوَالِي الْمَرَضِ أَوْ شِدَّتِهِ. وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ هَذَا، مُعَافًى فِي غَالِبِ حَالِهِ، مُمَتَّعٌ بِصِحَّةِ جِسْمِهِ، كَالْأَرْزَةِ الصَّمَّاءِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَهُ قَصَمَهُ لِحِينِهِ عَلَى غِرَّةٍ «١» وَأَخَذَهُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ لُطْفٍ وَلَا رِفْقٍ، فَكَانَ مَوْتُهُ أَشُدَّ عَلَيْهِ حَسْرَةً، وَمُقَاسَاةُ نَزْعِهِ مَعَ قُوَّةِ نَفْسِهِ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ أَشَدَّ أَلَمًا وَعَذَابًا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ كَانْجِعَافِ «٢» الْأَرْزَةِ. وَكَمَا قَالَ تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «٣» » وَكَذَلِكَ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَعْدَائِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ «٤» .» الْآيَةَ فَفَجَأَ جَمِيعَهُمْ بِالْمَوْتِ عَلَى حَالِ عُتُوٍّ
نْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ «٤» .» الْآيَةَ فَفَجَأَ جَمِيعَهُمْ بِالْمَوْتِ عَلَى حَالِ عُتُوٍّ
وَغَفْلَةٍ، وَصَبَّحَهُمْ بِهِ عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ بَغْتَةً. وَلِهَذَا ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ مَوْتَ الْفُجْأَةِ» وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ «١» : «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَخْذَةً كَأَخْذَةِ الْأَسَفِ» أَيِ الْغَضَبِ يُرِيدُ مَوْتَ الْفُجْأَةِ «٢» . وَحِكْمَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْأَمْرَاضَ نَذِيرُ الْمَمَاتِ، وَبِقَدْرِ شِدَّتِهَا شِدَّةُ الْخَوْفِ مِنْ نُزُولِ الْمَوْتِ، فَيَسْتَعِدُّ مَنْ أَصَابَتْهُ وَعَلِمَ تَعَاهُدَهَا لَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَيُعْرِضُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا الْكَثِيرَةِ الْأَنْكَادِ «٣» ، وَيَكُونُ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَعَادِ، فَيَتَنَصَّلُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْشَى تِبَاعَتَهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَقِبَلِ الْعِبَادِ، وَيُؤَدِّي الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا وَيَنْظُرُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَصِيَّةٍ فِيمَنْ يَخْلُفُهُ أَوْ أَمْرٍ يَعْهَدُهُ. وَهَذَا نَبِيُّنَا ﷺ الْمَغْفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَدْ طَلَبَ التَّنَصُّلَ «٤» فِي مَرَضِهِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ أَوْ حَقٌّ فِي بَدَنٍ. وَأَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَمْكَنَ مِنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ «٥»
َانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ أَوْ حَقٌّ فِي بَدَنٍ. وَأَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَمْكَنَ مِنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ «٥»
الْفَضْلِ «١» وَحَدِيثِ الْوَفَاةِ، وَأَوْصَى بِالثَّقَلَيْنِ بَعْدَهُ: كِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِهِ وَبِالْأَنْصَارِ عَيْبَتِهِ «٢» ، وَدَعَا إِلَى كَتْبِ كِتَابٍ لِئَلَّا تَضِلَّ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ، إِمَّا فِي النَّصِّ عَلَى الْخِلَافَةِ، أَوِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، ثُمَّ رَأَى الْإِمْسَاكَ عَنْهُ أَفْضَلَ وَخَيْرًا.. وَهَكَذَا سِيرَةُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَهَذَا كُلُّهُ يُحْرَمُهُ غَالِبًا الْكُفَّارُ لِإِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، وَلِيَسْتَدْرِجَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ «٣» وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «٤» فِي رَجُلٍ مَاتَ فُجْأَةً: «سُبْحَانَ اللَّهِ كَأَنَّهُ عَلَى غَضَبٍ.. الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتُهُ..» وَقَالَ «٥» «مَوْتُ الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر أو «٦» الفاجر» .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي الْمُؤْمِنَ وَهُوَ غَالِبًا مُسْتَعِدٌّ لَهُ مُنْتَظِرٌ لِحُلُولِهِ، فَهَانَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ كَيْفَمَا جَاءَ. وَأَفْضَى إِلَى رَاحَتِهِ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا. كَمَا قَالَ ﷺ «١» : «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» . وَتَأْتِي الْكَافِرَ وَالْفَاجِرَ مَنِيَّتُهُ عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ وَلَا أُهْبَةٍ وَلَا مُقَدِّمَاتٍ مُنْذِرَةٍ مُزْعِجَةٍ، بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ «٢» فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون.. فَكَانَ الْمَوْتُ أَشَدَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَفِرَاقُ الدُّنْيَا أَفْظَعَ أَمْرٍ صَدَمَهُ وَأَكْرَهَ شَيْءٍ لَهُ.. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ «٣» : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لقاءه» .
القسم الرابع في تعرّف وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تَنَقَّصَهُ أَوْ سَبَّهُ ﵊ في بابين وخمسة عشر فصلا وباب ثالث يبحث فيما يتعلّق بالله والرّسل والملائكة والال
بع في تعرّف وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تَنَقَّصَهُ أَوْ سَبَّهُ ﵊ في بابين وخمسة عشر فصلا وباب ثالث يبحث فيما يتعلّق بالله والرّسل والملائكة والال
مُقَدِّمَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَا يَجِبُ مِنَ الْحُقُوقِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَمَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَتَوْقِيرٍ، وَتَعْظِيمٍ وَإِكْرَامٍ، وَبِحَسَبِ هَذَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَذَاهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قتل متنقّصه مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسَابِّهِ.. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً «١» » . وقال: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٢» » . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً «٣» » . وقال تعالى في تحريم التعريض له: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا «٤» » الاية.
هِ عَظِيماً «٣» » . وقال تعالى في تحريم التعريض له: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا «٤» » الاية.
وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ «رَاعِنَا» يَا مُحَمَّدُ. أَيْ أَرْعِنَا سَمْعَكَ وَاسْمَعْ مِنَّا، وَيُعَرِّضُونَ بِالْكَلِمَةِ يُرِيدُونَ الرُّعُونَةَ «١» ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَطَعَ الذَّرِيعَةَ بِنَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهَا لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِهَا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ إِلَى سَبِّهِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِ.. وَقِيلَ: «بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ مُشَارَكَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهَا عِنْدَ الْيَهُودِ بِمَعْنَى اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ» . وَقِيلَ: (بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ، وَعَدَمِ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمِهِ، لِأَنَّهَا فِي لُغَةِ الْأَنْصَارِ بِمَعْنَى «ارْعُنَا نَرْعَكَ» فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.. إِذْ مُضَمَّنُهُ أَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ.. وَهُوَ ﷺ وَاجِبُ الرِّعَايَةِ بكل حال «٢» . وهذا هو النبي ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ فَقَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنُّوا بِكُنْيَتِي» . صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَحِمَايَةً عَنْ أَذَاهُ. إِذْ كَانَ ﷺ «٣» اسْتَجَابَ لِرَجُلٍ نَادَى: «يَا أَبَا الْقَاسِمِ» فَقَالَ: «لَمْ أَعْنِكَ.. إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا» .. فَنَهَى حِينَئِذٍ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ غَيْرِهِ لِمَنْ لم يدعه..
ِكَ.. إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا» .. فَنَهَى حِينَئِذٍ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ غَيْرِهِ لِمَنْ لم يدعه..
ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤون ذَرِيعَةً إِلَى أَذَاهُ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ فَيُنَادُونَهُ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالُوا: إِنَّمَا أَرَدْنَا هَذَا- لِسِوَاهُ- تَعْنِيتًا لَهُ وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ عَلَى عَادَةِ الْمُجَّانِ «١» وَالْمُسْتَهْزِئِينَ. فَحَمَى ﷺ حِمَى أَذَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ «فَحَمَلَ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ نَهْيَهُ عَنْ هَذَا عَلَى مُدَّةِ حَيَّاتِهِ، وَأَجَازُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِارْتِفَاعِ الْعِلَّةِ» . وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَذَاهِبُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الجمهور والصواب- إن شاء الله- وأن ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَعَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ عَنِ اسْمِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ اللَّهُ مَنَعَ مِنْ نِدَائِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «٢» » وإنما كان المسلمون يدعونه يا رسول الله يا نبي الله، وقد يدعونه «٣» بكنيته أبا القاسم بعضهم فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. وَقَدْ رَوَى «٤» أَنَسٌ «٥» ﵁ ﷺ. مَا يَدُلُّ على كراهة
التَّسَمِّي بِاسْمِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوَقَّرْ فَقَالَ: «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ «١» ﵁ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ.. «لَا يُسَمَّى أَحَدٌ بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ» حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ «٢» الطَّبَرِيُّ «٣» وَحَكَى مُحَمَّدُ «٤» بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ «٥» نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَرَجُلٌ يَسُبُّهُ وَيَقُولُ لَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ وَصَنَعَ» فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ. «لَا أَرَى مُحَمَّدًا ﷺ يُسَبُّ بِكَ وَاللَّهِ لَا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا دُمْتَ حَيًّا» وَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ «٦» وَأَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ لِهَذَا أَنْ يُسَمَّى أَحَدٌ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ إِكْرَامًا لَهُمْ بِذَلِكَ وَغَيَّرَ أَسْمَاءَهُمْ وَقَالَ: «لَا تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَمْسَكَ» ..
- وَالصَّوَابُ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ «٧» بَعْدَهُ ﷺ بِدَلِيلِ إِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ سَمَّى جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا وكناه بأبي القاسم.
وَرُوِيَ «١» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لِعَلِيٍّ «٢» ﵁ وَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ «٣» أَنَّ ذَلِكَ اسْمُ الْمَهْدِيِّ وَكُنْيَتُهُ. وَقَدْ سَمَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدَ «٤» بْنَ طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدَ «٥» بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمُحَمَّدَ «٦» بْنَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَغَيْرَ وَاحِدٍ وَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ مُحَمَّدٌ، وَمُحَمَّدَانِ وَثَلَاثَةٌ» !! وَقَدْ فَصَّلْتُ الْكَلَامَ فِي هذا القسم في بابين كما قدمناه.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ سَبٌّ أَوْ نقص مِنْ تَعْرِيضٍ أَوْ نَصٍّ وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ
م في بابين كما قدمناه.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ سَبٌّ أَوْ نقص مِنْ تَعْرِيضٍ أَوْ نَصٍّ وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ تَنَقَّصَهُ اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ، أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أَوِ الْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ، أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ لَهُ. وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ كَمَا نُبَيِّنُهُ. وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ، وَلَا نَمْتَرِي «١» فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا. وَكَذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّةً لَهُ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ عَبَثَ فِي جِهَتِهِ الْعَزِيزَةِ بِسُخْفٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَجْرٍ «٢» ومنكر من القول وزور. أو
عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، أَوْ غَمَصَهُ «١» بِبَعْضِ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ الْجَائِزَةِ وَالْمَعْهُودَةِ لَدَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم إلى هلم «٢» جرا قال أَبُو بَكْرِ «٣» بْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَوَامُّ «٤» أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ يُقْتُلُ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: «مَالِكُ «٥» بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ «٦» وَأَحْمَدُ «٧» وَإِسْحَاقُ «٨» وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ» «٩» . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «١٠» : «وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ «١١» الصِّدِّيقِ ﵁ ولا تقبل توبته عند هؤلاء» .
َبُ الشَّافِعِيِّ» «٩» . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «١٠» : «وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ «١١» الصِّدِّيقِ ﵁ ولا تقبل توبته عند هؤلاء» .
وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «١» وَأَصْحَابُهُ «٢» وَالثَّوْرِيُّ «٣» وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ «٤» فِي الْمُسْلِمِينَ «٥» لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ ردة «٦» . وروى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ «٧» بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ «٨» وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «٩» مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تنقصه ﷺ أو برىء مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ. وَقَالَ سُحْنُونٌ «١٠» فِيمَنْ سَبَّهُ: «ذَلِكَ رِدَّةٌ كَالزَّنْدَقَةِ وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِتَابَتِهِ وَتَكْفِيرِهِ، وَهَلْ قَتْلُهُ حَدٌّ أَوْ كُفْرٌ. كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَةِ دَمِهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ وتكفيره.
وَأَشَارَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ «١» وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ «٢» عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ إِلَى الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْتَخِفِّ بِهِ وَالْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ مُحَمَّدُ «٣» بْنُ سُحْنُونٍ: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ شَاتِمَ النَّبِيِّ ﷺ الْمُتَنَقِّصَ «٤» لَهُ كَافِرٌ، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وَحُكْمُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْقَتْلُ.. وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَعَذَابِهِ كَفَرَ «٥» » . وَاحْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ «٦» بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ الْفَقِيهُ فِي مِثْلِ «٧» هَذَا بِقَتْلِ خالد «٨» بن الوليد مالك «٩» بن نويرة بقوله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «صَاحِبُكُمْ «١٠» »
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ «١» الْخَطَّابِيُّ: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا» . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ «٢» عَنْ مَالِكٍ «٣» فِي كِتَابِ ابْنِ سُحْنُونٍ «٤» وَالْمَبْسُوطِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَحَكَاهُ ابن مُطَرِّفٌ «٥» عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ «٦» : «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ «٧» : «مَنْ سَبَّهُ أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ الْقَتْلُ كَالزِّنْدِيقِ وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تعالى توقيره وبره» . وفي المبسوطة «٨» عَنْ عُثْمَانَ «٩» بْنِ كِنَانَةَ: «مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ من
الْقَتْلُ كَالزِّنْدِيقِ وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تعالى توقيره وبره» . وفي المبسوطة «٨» عَنْ عُثْمَانَ «٩» بْنِ كِنَانَةَ: «مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ من
الْمُسْلِمِينَ، قُتِلَ أَوْ صُلِبَ حَيًّا وَلَمْ يُسْتَتَبْ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَلْبِهِ حَيًّا أَوْ قَتْلِهِ» . وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُصْعَبِ «١» وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ «٢» سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: «مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَا يُسْتَتَابُ» «٣» . وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ «٤» : (أَخْبَرَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» ) . وَقَالَ أَصْبَغ «٥» : «يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَسَرَّ ذَلِكَ أَوْ أَظْهَرَهُ وَلَا يُسْتَتَابُ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُعْرَفُ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «٦» بْنُ الْحَكَمِ: «مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» . وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «٧» مِثْلَهُ عَنْ أَشْهَبَ «٨» عَنْ مالك «٩» .
«مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ» . وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «٧» مِثْلَهُ عَنْ أَشْهَبَ «٨» عَنْ مالك «٩» .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ «١» عَنْ مَالِكٍ: «مَنْ قَالَ إِنَّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُرْوَى زِرَّ النَّبِيِّ ﷺ وسخ أراد به عَيْبَهُ قُتِلَ» . وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْوَيْلِ «٢» أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ» . وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ «٣» الْقَابِسِيُّ: (فِيمَنْ قَالَ فِي النَّبِيِّ ﷺ: «الْحَمَّالُ «٤» يَتِيمُ أَبِي طَالِبٍ» بِالْقَتْلِ) . وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ «٥» بْنُ أَبِي زَيْدٍ: (بِقَتْلِ رَجُلٍ سَمِعَ قَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ لَهُمْ: «تُرِيدُونَ تَعْرِفُونَ صِفَتَهُ؟. هِيَ فِي صِفَةِ هَذَا الْمَارِّ فِي خَلْقِهِ وَلِحْيَتِهِ» . قَالَ: «وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَقَدْ كَذَبَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الإيمان» ) .
ّ فِي خَلْقِهِ وَلِحْيَتِهِ» . قَالَ: «وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَقَدْ كَذَبَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الإيمان» ) .
وَقَالَ أَحْمَدُ «١» بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ «٢» مَنْ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَسْوَدَ، يُقْتَلُ» . وَقَالَ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: «لَا وَحَقِّ رَسُولِ «٣» اللَّهِ» .. فَقَالَ: «فعل الله برسول الله كذا» - وَذَكَرَ كَلَامًا قَبِيحًا- فَقِيلَ لَهُ: «مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ» ؟. فَقَالَ أَشَدَّ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ «: إِنَّمَا أَرَدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ» «٤» فَقَالَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ لِلَّذِي سَأَلَهُ «٥» : «اشْهَدْ عَلَيْهِ وَأَنَا شَرِيكُكَ» - يُرِيدُ فِي قَتْلِهِ وَثَوَابِ ذَلِكَ- قَالَ حَبِيبُ «٦» بْنُ الرَّبِيعِ لِأَنَّ ادِّعَاءَ التَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لَا يُقْبَلُ «٧» لِأَنَّهُ امْتِهَانٌ وَهُوَ غَيْرُ مُعَزِّرٍ «٨» لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُوَقِّرٍ لَهُ. فَوَجَبَ إِبَاحَةُ دَمِهِ. وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٩» بن عتّاب في عشّار «١٠» قال لرجل:
أَدِّ وَاشْكُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ «١» ، وَقَالَ إِنْ سَأَلْتُ أَوْ جَهِلْتُ فَقَدْ جَهِلَ وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ.. بِالْقَتْلِ. وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ «٢» الْمُتَفَقِّهِ الطُّلَيْطِلِيِّ وَصَلْبِهِ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ مِنَ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ بِالْيَتِيمِ «٣» وَخَتَنِ حيذرة «٤» ، وَزَعْمِهِ أَنَّ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ أَكَلَهَا.. إِلَى أَشْبَاهٍ لِهَذَا. وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْقَيْرَوَانِ «٥» وَأَصْحَابُ سُحْنُونٍ «٦» بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ «٧»
الغزاري، وَكَانَ شَاعِرًا مُتَفَنِّنًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ «١» بْنِ طَالِبٍ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَرُفِعَتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَنَبِيِّنَا ﷺ، فَأَحْضَرَ لَهُ الْقَاضِي يَحْيَى «٢» بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ فَطُعِنَ بِالسِّكِّينِ وَصُلِبَ مُنَكَّسًا، ثُمَّ أُنْزِلَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ «٣» وَحَكَى بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهُ لَمَّا رُفِعَتْ خَشَبَتُهُ وَزَالَتْ عَنْهَا الْأَيْدِي اسْتَدَارَتْ وَحَوَّلَتْهُ عَنِ الْقِبْلَةِ، فَكَانَ آيَةً لِلْجَمِيعِ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَجَاءَ كَلْبٌ فَوَلَغَ «٤» فِي دَمِهِ. فَقَالَ يَحْيَى «٢» بْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يلغ الكلب في دم مسلم «٥» . قال الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنُ الْمُرَابِطِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ
يثًا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يلغ الكلب في دم مسلم «٥» . قال الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنُ الْمُرَابِطِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ
هُزِمَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ «١» وَإِلَّا قُتِلَ لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ، إِذْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي خَاصَّتِهِ إِذْ هُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَقِينٍ مِنْ عِصْمَتِهِ. وَقَالَ حَبِيبُ «٢» بْنُ رَبِيعٍ الْقَرَوِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ «٣» وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ ﷺ مَا فِيهِ نَقْصٌ قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ «٤» . وَقَالَ ابْنُ «٥» عَتَّابٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُوجِبَانِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَذًى أَوْ نَقْصٍ مُعَرِّضًا أَوْ مُصَرِّحًا وَإِنْ قَلَّ فَقَتْلُهُ وَاجِبٌ «٦»
- فَهَذَا الْبَابُ كُلُّهُ مِمَّا عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ سَبًّا أَوْ تَنَقُّصًا يَجِبُ قَتْلُ قَائِلِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ مُتَقَدِّمُهُمْ وَلَا مُتَأَخِّرُهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ وَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ. وَكَذَلِكَ أَقُولُ حُكْمُ مَنْ غَمَصَهُ أَوْ عَيَّرَهُ بِرِعَايَةِ الْغَنَمِ أَوِ السَّهْوِ أَوِ النِّسْيَانِ أَوِ السِّحْرِ أَوْ مَا أَصَابَهُ مِنْ جرح «٧» أو هزيمة لبعض
جُيُوشِهِ، أَوْ أَذًى مِنْ عَدُوِّهِ، أَوْ شِدَّةٍ مِنْ زَمَنِهِ، أَوْ بِالْمَيْلِ إِلَى نِسَائِهِ، فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ، وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ويأتي ما يدل عليه.
ِلَى نِسَائِهِ، فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ، وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ويأتي ما يدل عليه.
الفصل الثّاني الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أَوْ عابه ﵊ فَمِنَ الْقُرْآنِ لَعْنُهُ تَعَالَى لِمُؤْذِيهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِرَانُهُ تَعَالَى أَذَاهُ بِأَذَاهُ. وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ، وَأَنَّ اللَّعْنَ إِنَّمَا يَسْتَوْجِبُهُ مَنْ هُوَ كَافِرٌ، وَحُكْمُ الْكَافِرِ الْقَتْلُ فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..» «١» الْآيَةَ وَقَالَ فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَمِنْ لَعْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا» «٢» وَقَالَ فِي الْمُحَارِبِينَ وَذَكَرَ عُقُوبَتَهُمْ: «ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا» «٣» وقد يقع القتل بمعنى اللعن.
قال: «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ» «١» و «قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» «٢» أَيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَلِأَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَذَاهُمَا وَأَذَى الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي أَذَى الْمُؤْمِنِينَ مَا دُونُ الْقَتْلِ مِنَ الضَّرْبِ وَالنَّكَالِ «٣» فَكَانَ حُكْمُ مُؤْذِي اللَّهِ وَنَبِيِّهِ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْلُ. وقال الله تَعَالَى: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ» «٤» الْآيَةَ فَسَلَبَ اسْمَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ وُجِدَ فِي صَدْرِهِ حَرَجًا مِنْ قَضَائِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ، وَمَنْ تَنَقَّصَهُ فَقَدْ نَاقَضَ هَذَا. وَقَالَ اللَّهُ تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» إلى قوله «أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ «٥» » وَلَا يُحْبِطُ الْعَمَلَ إِلَّا الْكُفْرُ «٦» ، وَالْكَافِرُ يُقْتَلُ. وقال تعالى: «وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ.» «٧»
ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» «١» وَقَالَ تَعَالَى: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ» «٢» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «٣» وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» «٤» إلى قوله: «قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» «٥» قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «كَفَرْتُمْ» بِقَوْلِكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فقد ذكرناه وأما الاثار فعن الحسين «٦» عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «٧» : «مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فاقتلوه. ومن أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «٨» أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ كَعْبِ «٩» بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَوْلِهِ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟!. وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً دُونَ دَعْوَةٍ «١٠» ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.. وَعَلَّلَ قَتْلَهُ بِأَذَاهُ لَهُ، فَدَلَّ أَنَّ قَتْلَهُ إياه لغير
الْإِشْرَاكِ، بَلْ لِلْأَذَى.. وَكَذَلِكَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ «١» . قَالَ الْبَرَاءُ «٢» وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ «٣» وَجَارِيَتَيْهِ «٤» اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٥» : أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُبُّهُ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟. فَقَالَ خَالِدٌ «٦» : أَنَا، فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ. وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسُبُّهُ، كَالنَّضْرِ بْنِ «٧» الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي «٨» مُعَيْطٍ وَعَهِدَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ فَقُتِلُوا إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عليه.
«٨» مُعَيْطٍ وَعَهِدَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَهُ فَقُتِلُوا إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عليه.
وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ «١» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» : أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ نَادَى «٣» : يَا مَعَاشِرَ قريش.. مالي أقتل من بينكم صيرا «٤» ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَذَكَرَ عَبْدُ «٥» الرَّزَّاقِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ «٦» : أَنَا فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ. وَرَوَى «٧» أَيْضًا: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسُبُّهُ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يكفيني عدوي؟ فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلَهَا. وَرُوِيَ «٨» : أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ «٩» عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ عَلِيًّا «١٠» وَالزُّبَيْرَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَاهُ. وَرَوَى ابْنُ قَانِعٍ «١١» : أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ.. سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ.. فَلَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَبَلَغَ «١» الْمُهَاجِرَ «٢» بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَمِيرَ الْيَمَنِ لِأَبِي بَكْرٍ «٣» ﵁ أَنَّ امْرَأَةً هُنَاكَ فِي الرِّدَّةِ غَنَّتْ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطَعَ يَدَهَا، وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهَا «٤» ، فَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: لَوْلَا مَا فَعَلْتَ لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا، لِأَنَّ حَدَّ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ يُشْبِهُ الْحُدُودَ. وَعَنِ ابْنِ «٥» عَبَّاسٍ: هَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَطْمَةَ «٦» النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ لِي بِهَا؟ .. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عنزان «٧» .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عنزان «٧» .
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» : «أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وتشتمه فقتلها، وعلم النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَهْدَرَ دَمَهَا» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «٣» الْأَسْلَمِيِّ: «كُنْتُ «٤» يَوْمًا جَالِسًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَحَكَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ «٥» وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ «٦» : أَتَيْتُ أبا بكر وقد أغلظ رجل فَرَدَّ عَلَيْهِ قَالَ- فَقُلْتُ «٧» يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ.. فَقَالَ: اجْلِسْ.. فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٨» بْنُ نصر: «ولم يخالف عليه أحد،
فَاسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَتْلِ مَنْ أَغْضَبَ النَّبِيَّ ﷺ بِكُلِّ مَا أَغْضَبَهُ، أَوْ أَذَاهُ، أَوْ سَبَّهُ» . وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ «١» الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلِهِ «٢» بِالْكُوفَةِ: «وَقَدِ اسْتَشَارَهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ سَبَّ عُمَرَ ﵁. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عمر.. إنه لا يحل قتل امريء مُسْلِمٍ بِسَبِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَنْ سَبَّهُ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» . وَسَأَلَ الرَّشِيدُ «٣» مَالِكًا «٤» فِي رَجُلٍ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ فُقَهَاءَ الْعِرَاقِ أَفْتَوْهُ بِجِلْدِهِ، فَغَضِبَ مَالِكٌ وَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. مَا بَقَاءُ الْأُمَّةِ بَعْدَ شَتْمِ نَبِيِّهَا؟! مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ جُلِدَ «٥» » . قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٦» الْفَضْلِ: كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ- رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنَاقِبِ مَالِكٍ، وَمُؤَلِّفِي أَخْبَارِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أَفْتَوُا الرَّشِيدَ بِمَا
َنَاقِبِ مَالِكٍ، وَمُؤَلِّفِي أَخْبَارِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أَفْتَوُا الرَّشِيدَ بِمَا
ذُكِرَ.. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ الْعِرَاقِيِّينَ بِقَتْلِهِ.. وَلَعَلَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُشْهَرْ بِعِلْمٍ.. أَوْ مَنْ لَا يُوثَقُ بِفَتْوَاهُ.. أَوْ يَمِيلُ بِهِ هَوَاهُ.. أَوْ يَكُونُ مَا قَالَهُ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ السَّبِّ.. فَيَكُونُ الْخِلَافُ هَلْ هُوَ سَبٌّ أَوْ غَيْرُ سب.. أو يكون رجع وتاب عن سَبِّهِ فَلَمْ يَقُلْهُ لِمَالِكٍ «١» عَلَى أَصْلِهِ وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيَدُلُّ عَلَى قَتْلِهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ «٢» وَالِاعْتِبَارِ «٣» .. أن من سبّه وتنقّصه ﷺ فَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ مرض قلبه، وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا حَكَمَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالرِّدَّةِ. وَهِيَ رِوَايَةُ الشَّامِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ «٤» . وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ «٥» وَأَبِي «٦» حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: «أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْكُفْرِ فَيُقْتَلُ حَدًّا، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَادِيًا عَلَى قَوْلِهِ غَيْرَ مُنْكِرٍ لَهُ، وَلَا مُقْلِعٍ عَنْهُ. فَهَذَا كَافِرٌ» . وَقَوْلُهُ إِمَّا صَرِيحُ كُفْرٍ كَالتَّكْذِيبِ ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذم.
غَيْرَ مُنْكِرٍ لَهُ، وَلَا مُقْلِعٍ عَنْهُ. فَهَذَا كَافِرٌ» . وَقَوْلُهُ إِمَّا صَرِيحُ كُفْرٍ كَالتَّكْذِيبِ ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذم.
فَاعْتِرَافُهُ بِهَا، وَتَرْكُ تَوْبَتِهِ عَنْهَا، دَلِيلُ اسْتِحْلَالِهِ لِذَلِكَ، وَهُوَ كُفْرٌ أَيْضًا.. فَهَذَا كَافِرٌ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِهِ: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ «١» » . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هِيَ قَوْلُهُمْ: «إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا «٢» لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ» . وَقِيلَ بَلْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ «٣» : «مَا مِثْلُنَا وَمِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ سَمِّنْ كَلْبَكَ يأكلك.. ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعن منها الأذل» . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَائِلَ مِثْلِ هَذَا إِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا «٤» بِهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يقتل.. ولأنه قد غيّر دينه.
وَقَدْ قَالَ «١» ﷺ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ.» وَلِأَنَّ لِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُرْمَةِ مَزِيَّةً عَلَى أُمَّتِهِ، وَسَابُّ الْحُرِّ مِنْ أُمَّتِهِ يُحَدُّ، فَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِمَنْ سَبَّهُ ﷺ الْقَتْلَ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَشُفُوفِ «٢» مَنْزِلَتِهِ عَلَى غيره.
َسَابُّ الْحُرِّ مِنْ أُمَّتِهِ يُحَدُّ، فَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِمَنْ سَبَّهُ ﷺ الْقَتْلَ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَشُفُوفِ «٢» مَنْزِلَتِهِ عَلَى غيره.
الفصل الثالث أسباب عفو النبيّ ﷺ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَذَاهُ فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ اليهودي الذي لَهُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ «١» وَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ؟، وَلَا قَتَلَ الْآخَرَ «٢» الَّذِي قَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ «٣» مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ «٤» » ، وَقَدْ تَأَذَّى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ؟ وَلَا قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْيَانِ؟ فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ يَسْتَأْلِفُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَيُمِيلُ قلوبهم إليه، ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في
قلوبهم، ويداريهم ويقول لأصحابه: إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا منفرين ويقول «١» «بشروا «٢» وتعسروا وسكّتوا «٣» وَلَا تُنَفِّرُوا» . وَيَقُولُ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ «٤» .» وَكَانَ ﷺ يُدَارِي الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَيُجْمِلُ صُحْبَتَهُمْ، وَيُغْضِي عَنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ مِنْ أَذَاهُمْ، وَيَصْبِرُ عَلَى جَفَائِهِمْ، مَا لَا يَجُوزُ لَنَا الْيَوْمَ الصَّبْرُ لَهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ يُرْفِقُهُمْ «٥» بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَانِ «٦» ، وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ تَعَالَى: «وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» «٧» .
وَقَالَ تَعَالَى «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» «١» . وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ لِلتَّأَلُّفِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ.
- فَلَمَّا اسْتَقَرَّ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ كَفِعْلِهِ بِابْنِ خَطَلٍ «٢» وَمَنْ عَهِدَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ غِيلَةً مِنْ يَهُودَ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ غَلَبَةً مِمَّنْ لَمْ يُنْظِمْهُ قَبْلُ سِلْكَ صُحْبَتَهِ، وَالِانْخِرَاطَ «٣» فِي جُمْلَةِ مُظْهِرِي الْإِيمَانِ بِهِ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ، كَابْنِ الْأَشْرَفِ «٤» وأبي «٥» رافع والنضر «٦» وعقبة «٧» .
- وكذلك هدر «٨» دم جماعة سواهم ككعب «٩» بن زهير.
إِيمَانِ بِهِ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ، كَابْنِ الْأَشْرَفِ «٤» وأبي «٥» رافع والنضر «٦» وعقبة «٧» .
- وكذلك هدر «٨» دم جماعة سواهم ككعب «٩» بن زهير.
وَابْنِ الزَّبَعْرِيِّ «١» ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ آذَاهُ حَتَّى أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَلَقُوهُ مُسْلِمِينَ.
- وَبَوَاطِنُ الْمُنَافِقِينَ مُسْتَتِرَةٌ وَحُكْمُهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ.. وَأَكْثَرُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهَا الْقَائِلُ مِنْهُمْ خُفْيَةً، وَمَعَ أَمْثَالِهِ وَيَحْلِفُونَ عَلَيْهَا إِذَا نُمِيَتْ «٢» وَيُنْكِرُونَهَا، وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ.
- وَكَانَ مَعَ هَذَا يَطْمَعُ فِي فَيْأَتِهِمْ «٣» ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَوْبَتِهِمْ، فَيَصْبِرُ ﷺ عَلَى هَنَاتِهِمْ وَجَفْوَتِهِمْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٤» ، حَتَّى فَاءَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَاطِنًا كَمَا فَاءَ ظَاهِرًا وَأَخْلَصَ سِرًّا كَمَا أَظْهَرَ جَهْرًا، وَنَفَعَ اللَّهُ بَعْدُ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَقَامَ مِنْهُمْ لِلدِّينِ وُزَرَاءُ وَأَعْوَانٌ وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار.
مَا أَظْهَرَ جَهْرًا، وَنَفَعَ اللَّهُ بَعْدُ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَقَامَ مِنْهُمْ لِلدِّينِ وُزَرَاءُ وَأَعْوَانٌ وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار.
وَبِهَذَا أَجَابَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا ﵏ عَنْ هذا السؤال «١» . قال: ولعله لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ﷺ مِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا رُفِعَ وَإِنَّمَا نَقَلَهُ الْوَاحِدُ «٢» ومن لم يصل رتبة الشهادة في هَذَا الْبَابِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوِ امرأة. والدماء لا تستباح إلا بعد لين، وعلى هذا يحمل أمر اليهودي «٣» في السلام «٤» ، وأنهم لووا به أَلْسِنَتَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ. أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَلَوْ كَانَ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ تَنْفَرِدْ بِعِلْمِهِ.. وَلِهَذَا نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى فِعْلِهِمْ وَقِلَّةِ صِدْقِهِمْ فِي سَلَامِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ فِي ذَلِكَ لَيًّا «٥» بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ.. فَقَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: عَلَيْكُمْ «٦» . وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ «٧» .. إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ.. وَلَمْ يَأْتِ أَنَّهُ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَلِذَلِكَ تَرَكَهُمْ.. وَأَيْضًا.. فَإِنَّ الْأَمْرَ كَانَ سِرًّا وَبَاطِنًا، وَظَاهِرُهُمُ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ. وإن كان من أهل الذمة «٨» والعهد والجوار. والناس
ْ.. وَأَيْضًا.. فَإِنَّ الْأَمْرَ كَانَ سِرًّا وَبَاطِنًا، وَظَاهِرُهُمُ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ. وإن كان من أهل الذمة «٨» والعهد والجوار. والناس
قريب عهدهم بالإسلام لم يَتَمَيَّزْ بَعْدُ الْخَبِيثُ مِنَ الطِّيبِ، وَقَدْ شَاعَ عَنِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْعَرَبِ كَوْنُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَصَحَابَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْصَارِ الدِّينِ بِحُكْمِ ظَاهِرِهِمْ.. فَلَوْ قَتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِنِفَاقِهِمْ وَمَا يَبْدُرُ مِنْهُمْ، وَعِلْمِهِ بِمَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ لَوَجَدَ المنفّر ما يقول، ولارتاب الشَّارِدُ، وَأَرْجَفَ «١» الْمُعَانِدُ، وَارْتَاعَ مِنْ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَزَعَمَ الزَّاعِمُ وَظَنَّ الْعَدُوُّ الظَّالِمُ أَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا كَانَ لِلْعَدَاوَةِ وَطَلَبِ أَخْذِ التِّرَةِ «٢» . وَقَدْ رَأَيْتُ مَعْنَى مَا حَرَّرْتُهُ مَنْسُوبًا إِلَى مَالِكِ «٣» بْنِ أَنَسٍ ﵀ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «٤» «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مْحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» وَقَالَ «٥» أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُودِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ وَشِبْهِهِ «٦» لِظُهُورِهَا «٧» وَاسْتِوَاءِ النَّاسِ فِي عِلْمِهَا. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ «٨» بْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ أَظْهَرَ الْمُنَافِقُونَ نِفَاقَهُمْ لَقَتَلَهَمُ النَّبِيُّ ﷺ.
وقال الْقَاضِي أَبُو «١» الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ قَتَادَةُ «٢» فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا، مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. سُنَّةَ اللَّهِ» «٣» الْآيَةَ قَالَ: مَعْنَاهُ إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ. وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ «٤» مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ «٥» عَنْ زَيْدِ «٦» بن أسلم أن قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» «٧» نسخت «٨» مَا كَانَ قَبْلَهَا «٩» . وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: «لَعَلَّ الْقَائِلَ «١٠» «هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ» وَقَوْلَهُ «اعْدِلْ» لَمْ يَفْهَمِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ الطَّعْنَ عَلَيْهِ وَالتُّهْمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا رَآهَا مِنْ وَجْهِ الْغَلَطِ فِي الرأي وأمور الدنيا،
ُ «اعْدِلْ» لَمْ يَفْهَمِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ الطَّعْنَ عَلَيْهِ وَالتُّهْمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا رَآهَا مِنْ وَجْهِ الْغَلَطِ فِي الرأي وأمور الدنيا،
وَالِاجْتِهَادِ فِي مَصَالِحِ أَهْلِهَا فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ سببا «١» ، وَرَأَى أَنَّهُ مِنَ الْأَذَى الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ» فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَاقِبْهِ.
- وَكَذَلِكَ يقال في اليهود إذ قَالُوا «السَّامُ عَلَيْكُمْ» لَيْسَ فِيهِ صَرِيحُ «٢» سَبٍّ، ولا دعاء الا بما لابد مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ لَحَاقِهِ جَمِيعَ الْبَشَرِ. وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ «تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ» وَالسَّأْمُ وَالسَّآمَةُ «الْمَلَالُ» وَهَذَا دُعَاءٌ عَلَى سَآمَةِ الدِّينِ لَيْسَ بِصَرِيحِ سَبٍّ. وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ «٣» عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابٌ إِذَا «عَرَّضَ» الذي أَوْ غَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ. قال بعض علمائنا: «ليس هَذَا بِتَعْرِيضٍ بِالسَّبِّ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيضٌ بِالْأَذَى» قَالَ الْقَاضِي أَبُو «٤» الْفَضْلِ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَذَى وَالسَّبَّ فِي حَقِّهِ، ﷺ سَوَاءٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو «٥» مُحَمَّدِ بْنُ نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض
الْفَضْلِ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَذَى وَالسَّبَّ فِي حَقِّهِ، ﷺ سَوَاءٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو «٥» مُحَمَّدِ بْنُ نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض
مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ هَلْ كَانَ هَذَا الْيَهُودِيُّ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ أَوِ الْحَرْبِ؟!، وَلَا يُتْرَكُ مُوجِبُ الأدلة للأمر الْمُحْتَمَلِ، وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ «١» كُلِّهِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ هذه الوجوه مقصد الإستئلاف والمداراة عَلَى الدِّينِ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ «٢» عَلَى حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَالْخَوَارِجِ: بَابٌ مِنْ تَرْكِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ «٣» وَقَرَّرْنَاهُ قَبْلُ. وَقَدْ صَبَرَ لَهُمْ ﷺ عَلَى سِحْرِهِ وَسَمِّهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّهِ إِلَى أَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَذِنَ لَهُ في قتل من عيّنه مِنْهُمْ، وَإِنْزَالِهِمْ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمُ الْجَلَاءَ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَخَرَّبَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاشَفَهُمْ بِالسَّبِّ فَقَالَ: «يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ» .. وَحَكَّمَ فِيهِمْ «٤» سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْ جِوَارِهِمْ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ «٥» .. لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى.
وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ «٥» .. لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى.
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «١» عَنْ عَائِشَةَ «٢» ﵂: «أَنَّهُ ﷺ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» . فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِمْ مِمَّنْ سَبَّهُ أَوْ آذَاهُ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ الَّتِي انْتَقَمَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ما لا ينتقم منه لَهُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِسُوءِ أَدَبٍ، أَوْ مُعَامَلَةٍ من القول والفعل بِالنَّفْسِ «٣» وَالْمَالِ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ فَاعِلُهُ بِهِ أَذَاهُ لَكِنْ مِمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَهْلِ «٤» ، أَوْ جُبِلَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنَ السفه «٥» كجبذ «٦» الأعرابي رداءه حَتَّى أَثَّرَ فِي عُنُقِهِ «٧» ، وَكَرَفْعِ صَوْتِ الْآخَرِ «٨» عِنْدَهُ، وَكَجَحْدِ الْأَعْرَابِيِّ «٩» شِرَاءَهُ مِنْهُ فَرَسَهُ «١٠» الَّتِي شهد فيها
خُزَيْمَةُ «١» .. وَكَمَا كَانَ مِنْ تَظَاهُرِ زَوْجَيْهِ «٢» عَلَيْهِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يَحْسُنُ الصَّفْحُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: «إِنَّ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ» . وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ بِفِعْلٍ مباح مما يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ وَإِنْ تَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» «٣» . وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ «٤» فَاطِمَةَ «٥» : «إِنَّهَا بِضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا.. أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ «٦» اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا» أَوْ يَكُونُ هذا مما آذاه به كافر رجا «٧» بَعْدَ ذَلِكَ إِسْلَامُهُ كَعَفْوِهِ عَنِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سحره وعن الأعرابي «٨» الذي أراد قتله
وَعَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ. وَقَدْ قِيلَ: «قَتَلَهَا» «١» وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ فَصَفَحَ «٢» عَنْهُمْ رَجَاءَ اسْتِئْلَافِهِمْ وَاسْتِئْلَافِ غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق
ُهُ مِنْ أَذَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ فَصَفَحَ «٢» عَنْهُمْ رَجَاءَ اسْتِئْلَافِهِمْ وَاسْتِئْلَافِ غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق
الْفَصْلُ الرَّابِعُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ دُونَ قصد أو اعتقاد قَالَ الْقَاضِي: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لِسَبِّهِ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَغَمْصِهِ «١» بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ مُمْكِنٍ أَوْ مُحَالٍ. فَهَذَا وَجْهٌ بَيِّنٌ لا إشكال فيه. الوجه الثاني: لا حق بِهِ فِي الْبَيَانِ وَالْجَلَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَ فِي جِهَتِهِ ﷺ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلسَّبِّ وَالْإِزْرَاءِ وَلَا مُعْتَقَدٍ لَهُ، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي جِهَتِهِ ﷺ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ أَوْ إِضَافَةِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَفْيِ مَا يَجِبُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِي حَقِّهِ ﷺ نَقِيصَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَنْسُبَ إِلَيْهِ إِتْيَانَ كَبِيرَةٍ، أَوْ مُدَاهَنَةً فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ.. أَوْ يَغُضَّ من مرتبته، أو شرف
يَنْسُبَ إِلَيْهِ إِتْيَانَ كَبِيرَةٍ، أَوْ مُدَاهَنَةً فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ.. أَوْ يَغُضَّ من مرتبته، أو شرف
نَسَبِهِ، أَوْ وُفُوِرِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ يُكَذِّبَ بِمَا اشْتَهَرَ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ بِهَا ﷺ وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهَا عَنْ قَصْدٍ لِرَدِّ خَبَرِهِ، أَوْ يَأْتِي بِسَفَهٍ من القول، أو قبيح من الكلام، ونوع من السب في جهة، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ، إِمَّا لِجَهَالَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى مَا قَالَهُ، أَوْ لِضَجَرٍ، أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إِلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَةٍ وَضَبْطٍ لِلِسَانِهِ، وَعَجْرَفَةٍ وَتَهَوُّرٍ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْقَتْلُ دُونَ تَلَعْثُمٍ، إِذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، إذا كَانَ عَقْلُهُ فِي فِطْرَتِهِ سَلِيمًا، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَبِهَذَا أَفْتَى الْأَنْدَلُسِيُّونَ عَلَى ابْنِ «١» حَاتِمٍ فِي نَفْيِهِ الزُّهْدَ عَنْ رسول الله ﷺ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ «٢» بْنُ سُحْنُونٍ فِي الْمَأْسُورِ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ يُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ يعلم تنصره أَوْ إِكْرَاهُهُ. وَعَنْ أَبِي «٣» مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يُعْذُرُ بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ فِي مثل هذا.



