الشفا بتعريف حقوق المصطفى - محذوف الأسانيد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضي عياض (w. 544 H).

Bagian 7 dari 24 1457 halaman

— Bagian 7 · تَعَالَى: «الْحَقُّ الْمُبِينُ» وَمَعْنَى «الْحَ… —

Bagian 7

تَعَالَى: «الْحَقُّ الْمُبِينُ» وَمَعْنَى «الْحَقِّ» الْمَوْجُودُ وَالْمُتَحَقِّقُ أَمْرُهُ، وَكَذَلِكَ «الْمُبِينُ» أَيِ البيّن أمره وإلهيته «بان»

«وَأَبَانَ» بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمُبَيِّنِ لِعِبَادِهِ أَمْرَ دِينِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَسَمَّى النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: «حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ «١» » وقال: «وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ «٢» » وقال: «قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ «٣» » وقال: «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ «٤» . قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَقِيلَ: الْقُرْآنُ.. وَمَعْنَاهُ هُنَا ضِدَّ الْبَاطِلِ، وَالْمُتَحَقِّقُ صِدْقُهُ وَأَمْرُهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. «وَالْمُبِينُ» الْبَيِّنُ أَمْرُهُ وَرِسَالَتُهُ أَوِ الْمُبِينُ عَنِ الله تعالى مَا بَعَثَهُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٥» ..» وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى «النُّورُ» وَمَعْنَاهُ ذُو النُّورِ أَيْ خَالِقُهُ أَوْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْأَنْوَارِ، وَمُنَوِّرُ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِدَايَةِ وَسَمَّاهُ: «نُورًا» فَقَالَ: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ «٦» » . قيل: محمد وقيل: القرآن وقال فيه:

مُؤْمِنِينَ بِالْهِدَايَةِ وَسَمَّاهُ: «نُورًا» فَقَالَ: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ «٦» » . قيل: محمد وقيل: القرآن وقال فيه:

«وَسِراجاً مُنِيراً «١» » سمّي بذلك لوضوح أمره وبيان نبوّته، تنوير قلوب المؤمنين والعارفين بِمَا جَاءَ بِهِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الشَّهِيدُ» وَمَعْنَاهُ الْعَالِمُ وَقِيلَ: الشَّاهِدُ عَلَى عِبَادِهِ يَوْمَ القيامة وسماه: «شهيدا» و «شاهدا» فقال: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً «٢» » وقال: «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٣» » وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْكَرِيمُ» وَمَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الْخَيْرِ، وَقِيلَ الْمُفَضَّلُ وَقِيلَ: الْعَفُوُّ. وَقِيلَ: الْعَلِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ «٤» الْمَرْوِيِّ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى «الْأَكْرَمُ» وَسَمَّاهُ تَعَالَى «كَرِيمًا» بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ «٥» » قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَقَالَ ﷺ «٦» : «أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ» وَمَعَانِي الِاسْمِ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْعَظِيمُ» .. وَمَعْنَاهُ الْجَلِيلُ الشَّأْنِ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.. وَقَالَ فِي النَّبِيِّ ﷺ: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ

َائِهِ تَعَالَى: «الْعَظِيمُ» .. وَمَعْنَاهُ الْجَلِيلُ الشَّأْنِ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.. وَقَالَ فِي النَّبِيِّ ﷺ: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ

عَظِيمٌ «١» » وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ سِفْرٍ «٢» مِنَ التَّوْرَاةِ عَنْ اسماعيل «وسيلد عَظِيمًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهُوَ عَظِيمٌ وَعَلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ» . وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْجَبَّارُ» وَمَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ، وَقِيلَ الْقَاهِرُ، وَقِيلَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ، وَقِيلَ الْمُتَكَبِّرُ، وَسُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ في كتاب داوود. «بِجَبَّارٍ» فَقَالَ: تَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ سَيْفَكَ فَإِنَّ نَامُوسَكَ «٣» وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ. وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا لِإِصْلَاحِهِ الْأُمَّةَ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّعْلِيمِ أَوْ لِقَهْرِهِ أَعْدَاءَهُ، أَوْ لِعُلُوِّ مُنْزِلَتِهِ عَلَى الْبَشَرِ، وَعَظِيمِ خَطَرِهِ.. وَنَفَى عَنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ جَبْرِيَّةَ التَّكَبُّرِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ فَقَالَ: «وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ «٤» » . وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْخَبِيرُ» وَمَعْنَاهُ الْمُطَّلِعُ بِكُنْهِ «٥» الشَّيْءِ، الْعَالِمُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ وَقَالَ الله تعالى: «الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً «٦» » .

قال الْقَاضِي بَكْرُ «١» بْنُ الْعَلَاءِ الْمَأْمُورُ بِالسُّؤَالِ غَيْرُ النبي ﷺ والمسؤول الْخَبِيرُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ السَّائِلُ النَّبِيُّ ﷺ. والمسؤول هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. فَالنَّبِيُّ «خَبِيرٌ» بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. قِيلَ: لِأَنَّهُ عَالِمٌ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِهِ، وَعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ، مُخْبِرٌ لِأُمَّتِهِ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِي إِعْلَامِهِمْ بِهِ.. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْفَتَّاحُ» وَمَعْنَاهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ عِبَادِهِ، أَوْ فَاتِحُ أَبْوَابِ الرِّزْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُنْغَلِقِ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَفْتَحُ قلوبهم وبصائرهم بمعرفة الْحَقِّ.. وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّاصِرِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ «٢» » أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقِيلَ: معناه مبتدىء الفتح والنصر وسمى الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ب «الفاتح» فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ «٣» بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ «٤» وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» ﵁ وَفِيهِ مِنْ قول الله تعالى: «وجعلتك

لِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ «٣» بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ «٤» وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٥» ﵁ وَفِيهِ مِنْ قول الله تعالى: «وجعلتك

فَاتِحًا وَخَاتَمًا» . وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ وَتَعْدِيدِ مَرَاتِبِهِ: وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا. فَيَكُونُ الْفَاتِحُ هُنَا: بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، أَوِ الفاتح لأبواب الرحمة على أمته، والفاتح لبصائرهم بمعرفة الحق، الإيمان بالله، أو الناصر للحق، أو المبتدىء بهداية الأمة، أو المبدّأ «١» الْمُقَدَّمُ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَالْخَاتِمُ لَهُمْ كَمَا قَالَ ﷺ «٢» : كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ: «الشَّكُورُ» وَمَعْنَاهُ الْمُثِيبُ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَقِيلَ: الْمُثْنِي عَلَى الْمُطِيعِينَ.. وَوَصَفَ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ نُوحًا ﵇ فَقَالَ: «إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً «٣» » وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ «٤» : «أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» أي معترفا بنعم رَبِّي، عَارِفًا بِقَدْرِ ذَلِكَ، مُثْنِيًا عَلَيْهِ، مُجْهِدًا نفسي في الزيادة من ذلك. لقوله «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٥» » .

عترفا بنعم رَبِّي، عَارِفًا بِقَدْرِ ذَلِكَ، مُثْنِيًا عَلَيْهِ، مُجْهِدًا نفسي في الزيادة من ذلك. لقوله «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٥» » .

ومن أسمائه تعالى: «العليم» و «العلّام» و «عالم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» ، وَوَصَفَ نَبِيَّهُ ﷺ بالعلم، وخصه بمزية منه فقال: «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً «١» وقال «وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ «٢» » . ومن أسمائه: «الأوّل» و «الآخر» وَمَعْنَاهُمَا السَّابِقُ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُجُودِهَا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَائِهَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ، وَقَالَ ﷺ «٣» : «كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ» وَفُسِّرَ بِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ «٤» » فَقَدَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوٍ مِنْهُ عُمَرُ «٥» بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ «٦»

وَمِنْهُ قَوْلُهُ «١» : «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ» . وَقَوْلُهُ «٢» : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَآخِرُ الرُّسُلِ ﷺ» . ومن أسمائه تعالى: «القويّ» و «ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» وَمَعْنَاهُ الْقَادِرُ وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «٣» قِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: جِبْرِيلُ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الصَّادِقُ» فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ «٤» ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «٥» أَيْضًا اسْمُهُ ﷺ «بِالصَّادِقِ المصدوق» . ومن أسمائه تعالى: «الولي» و «المولى» ومعناهما الناصر. وقد قال تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ «٦» » . وَقَالَ ﷺ «٧» : «أَنَا وَلِيُّ كلّ مؤمن» .

وقال الله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ «١» » . وَقَالَ ﷺ «٢» : «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» . وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْعَفُوُّ» وَمَعْنَاهُ الصَّفُوحُ.. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا نَبِيَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ، وَأَمَرَهُ بِالْعَفْوِ فَقَالَ: «خُذِ الْعَفْوَ» «٣» وقال: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ «٤» » . وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ: «خُذِ الْعَفْوَ» قَالَ: «أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» وَقَالَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي صِفَتِهِ «٥» : «لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» . وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْهَادِي» وَهُوَ بِمَعْنَى تَوْفِيقِ اللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ والدعاء. قال الله تعالى: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٦» » .

وأصل الجميع من الميل، وقيل من التقديم، وقيل في تَفْسِيرِ طه: إِنَّهُ يَا طَاهِرُ، يَا هَادِي يعني النبي ﷺ.. وقال تعالى له: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١» » وقال فيه: «وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ «٢» » فالله تعالى مختص بالمعنى الأول، قال الله تَعَالَى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٣» » وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى..

تَعَالَى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٣» » وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى.. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْمُؤْمِنُ» «الْمُهَيْمِنُ» قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَمَعْنَى «الْمُؤْمِنِ» فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمُصَدِّقُ وَعْدَهُ عِبَادَهُ، وَالْمُصَدِّقُ قَوْلَهُ الْحَقَّ، وَالْمُصَدِّقُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَرُسُلِهِ. وَقِيلَ: الْمُوَحِّدُ نَفْسَهُ وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ ظُلْمِهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِهِ، وَقِيلَ: «الْمُهَيْمِنُ» بِمَعْنَى الْأَمِينِ مُصَغَّرٌ مِنْهُ «٤» فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً.. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الدُّعَاءِ «آمِينَ» إِنَّهُ اسْمٌ

مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى «١» ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْمُؤْمِنِ وَقِيلَ: «الْمُهَيْمِنُ» بِمَعْنَى الشَّاهِدِ وَالْحَافِظِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمِينٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُؤْمِنٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمِينًا فَقَالَ: «مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «٢» » وَكَانَ ﷺ يُعْرَفُ «بِالْأَمِينِ» ، وَشُهِرَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا. وَسَمَّاهُ الْعَبَّاسُ «٣» فى شعره مهيمنا في قوله: ثم اغتدى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق قِيلَ الْمُرَادُ: يَا أَيُّهَا الْمُهَيْمِنُ.. قَالَهُ الْقُتَيْبِيُّ «٤» ، وَالْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «٥» الْقُشَيْرِيُّ.. وَقَالَ تَعَالَى: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «٦» » أي

هُ الْقُتَيْبِيُّ «٤» ، وَالْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «٥» الْقُشَيْرِيُّ.. وَقَالَ تَعَالَى: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «٦» » أي

يُصَدِّقُ وَقَالَ ﷺ «١» «أَنَا آمِنَةٌ «٢» لِأَصْحَابِي» فَهَذَا بِمَعْنَى الْمُؤْمِنِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: «الْقُدُّوسُ» وَمَعْنَاهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُطَهَّرُ عن سِمَاتِ الْحَدَثِ، وَسُمِّيَ «بَيْتُ الْمَقْدِسِ» لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ فيه من الذنوب، ومنه «الوادي المقدس» و «روح القدس» وقع فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ «الْمُقَدَّسُ» أَيِ الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٣» » أَوِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُتَنَزَّهُ باتباعه عنها.. كما قال تعالى: «وَيُزَكِّيهِمْ «٤» .. وقال «وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «٥» » أَوْ يَكُونُ مُقَدَّسًا بِمَعْنَى مُطَهَّرًا مِنَ الْأَخْلَاقِ الذميمة والأوصاف الدنيّة.. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى «الْعَزِيزُ» وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَنِعُ الْغَالِبُ.. أو الذي

لَا نَظِيرَ لَهُ، أَوِ الْمُعِزُّ لِغَيْرِهِ. وَقَالَ تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ «١» » أَيْ الِامْتِنَاعُ وَجَلَالَةُ الْقَدْرِ. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ فَقَالَ: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ «٢» » وقال: «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى «٣» » و «بِكَلِمَةٍ مِنْهُ «٤» » وسماه الله تعالى مبشرا ونذيرا وبشيرا..- أَيْ مُبَشِّرًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ «وَنَذِيرًا» لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: «طه» «ويسن» وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ محمد ﷺ وشرّف وكرّم.

الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ اسْتِدْرَاكٌ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُكْتَةً «١» أُذَيِّلُ بِهَا هَذَا الْفَصْلَ، وَأَخْتِمُ بِهَا هَذَا الْقِسْمَ، وَأُزِيحُ الْإِشْكَالَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ كُلِّ ضَعِيفِ الوهم، سقيم الفهم، يخلّصه مِنْ مَهَاوِي «٢» التَّشْبِيهِ، وَتُزَحْزِحُهُ عَنْ شُبَهِ التَّمْوِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَحُسْنَى أَسْمَائِهِ، وَعُلِيِّ صِفَاتِهِ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يُشَبَّهُ بِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ مِمَّا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ عَلَى الْخَالِقِ وَعَلَى الْمَخْلُوقِ فَلَا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي

إِذْ صِفَاتُ الْقَدِيمِ بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ.. فَكَمَا أنّ ذاته تعالى لا تشبه الدّوات، كَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتَ الْمَخْلُوقِينَ، إِذْ صِفَاتُهُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْأَعْرَاضِ «١» وَالْأَغْرَاضِ «٢» وَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ. وَكَفَى فِي هَذَا قَوْلُهُ: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٣» .. وَلِلَّهِ دَرُّ «٤» مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ: «التَّوْحِيدُ إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ» . وَزَادَ هَذِهِ النُّكْتَةَ الْوَاسِطِيُّ «٥» ﵀ بَيَانًا وَهِيَ مَقْصُودُنَا فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ، وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ اللَّفْظَ. وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ، كَمَا اسْتَحَالَ

ِهِ صِفَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ اللَّفْظَ. وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ، كَمَا اسْتَحَالَ

أَنْ تَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ﵃.. وَقَدْ فَسَّرَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «١» الْقُشَيْرِيُّ ﵀ قَوْلَهُ هَذَا لِيَزِيدَهُ بَيَانًا فَقَالَ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوَامِعِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَكَيْفَ تُشْبِهُ ذَاتُهُ ذَاتَ الْمُحْدَثَاتِ وَهِيَ بِوُجُودِهَا مُسْتَغْنِيَةٌ!! .. وَكَيْفَ يُشْبِهُ فِعْلُهُ فِعْلَ الْخَلْقِ، وَهُوَ لِغَيْرِ جَلْبِ أُنْسٍ أَوْ دَفْعِ نَقْصٍ حصل، ولا يخواطر وَأَغْرَاضٍ وُجِدَ وَلَا بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ ظَهَرَ، وَفِعْلُ الْخَلْقِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. وَقَالَ آخَرُ «٢» مِنْ مَشَايِخِنَا: مَا تَوَهَّمْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ، أَوْ أَدْرَكْتُمُوهُ بِعُقُولِكُمْ فَهُوَ مُحْدَثٌ مِثْلُكُمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي «٣» الْجُوَيْنِيُّ: مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ انْتَهَى إِلَيْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ «٤» وَمَنِ اطْمَأَنَّ إلى النفي المحض فهو

مُعَطِّلٌ «١» وَإِنْ قَطَعَ بِمَوْجُودٍ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ذِي «٢» النُّونِ الْمِصْرِيِّ «حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَشْيَاءِ بِلَا عِلَاجٍ «٣» ، وَصُنْعَهُ لَهَا بِلَا مِزَاجٍ «٤» وَعِلَّةُ كُلِّ شَيْءٍ صُنْعُهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ «٥» . وَمَا تُصُوِّرَ فِي وَهْمِكَ فَاللَّهُ بِخِلَافِهِ» وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ نَفِيسٌ مُحَقَّقٌ وَالْفَصْلُ الْآخَرُ «٦» تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٧» . والثاني «٨» تفسير لقوله: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «٩» » وَالثَّالِثُ «١٠» تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ

لقوله: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «٩» » وَالثَّالِثُ «١٠» تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ

نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» » . ثبّتنا الله وإياك من التَّوْحِيدِ وَالْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ وَجَنَّبَنَا طَرَفَيِ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ من التعطيل والتشبيه بمنّه ورحمته.

الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه منه الْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْكَرَامَاتِ وَفِيهِ ثلاثون فصلا

الفصل الأوّل مقدّمة قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: حَسْبُ الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ يُحَقِّقَ أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا لَمْ نَجْمَعْهُ لِمُنْكِرِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَا لِطَاعِنٍ فِي مُعْجِزَاتِهِ، فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْبِ الْبَرَاهِينِ عَلَيْهَا، وَتَحْصِينِ حَوْزَتِهَا «١» حَتَّى لَا يَتَوَصَّلَ الْمُطَاعِنُ إِلَيْهَا، وَنَذْكُرُ شُرُوطَ الْمُعْجِزِ، وَالتَّحَدِّي وَحْدَهُ، وَفَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَبْطَلَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ وَرَدُّهُ. بَلْ أَلَّفْنَاهُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ الْمُلَبِّينَ لِدَعْوَتِهِ، الْمُصَدِّقِينَ لِنُبُوَّتِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا فِي مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَمَنْمَاةً لِأَعْمَالِهِمْ، و «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ «٢» » .

وَنِيَّتُنَا أَنْ نُثْبِتَ فِي هَذَا الْبَابِ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِهِ، وَمَشَاهِيرَ آيَاتِهِ، لِتَدُلَّ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ رَبِّهِ. وَأَتَيْنَا مِنْهَا بِالْمُحَقَّقِ وَالصَّحِيحِ الْإِسْنَادِ، وَأَكْثَرُهُ مِمَّا بَلَغَ الْقَطْعَ أَوْ كَادَ، وَأَضَفْنَا إِلَيْهَا بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ. وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُتَأَمِّلُ الْمُنْصِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَمِيلِ أَثَرِهِ، وَحَمِيدِ سِيَرِهِ، وَبَرَاعَةِ عِلْمِهِ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ، وَجُمْلَةِ كَمَالِهِ، وَجَمِيعِ خِصَالِهِ، وَشَاهِدِ حَالِهِ، وَصَوَابِ مَقَالِهِ، لَمْ يَمْتَرِ «١» فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَصِدْقِ دَعْوَتِهِ. وَقَدْ كَفَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ فِي إِسْلَامِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، فَرَوَيْنَا عَنِ التِّرْمِذِيِّ «٢» وَابْنِ قَانِعٍ «٣» وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ «٤» قَالَ «٥» : «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب» .

وَعَنْ «١» أَبِي رِمْثَةَ «٢» التَّيْمِيِّ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنٌ لِي فَأُرِيتُهُ «٣» فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ: هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ.. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّ ضِمَادًا «٤» لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» . قَالَ لَهُ: «أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هؤلاء فلقد بلغن قَامُوسَ «٥» الْبَحْرِ.. هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ» . وَقَالَ «٦» جَامِعُ «٧» بْنُ شَدَّادٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ: طارق «٨»

لاء فلقد بلغن قَامُوسَ «٥» الْبَحْرِ.. هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ» . وَقَالَ «٦» جَامِعُ «٧» بْنُ شَدَّادٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ: طارق «٨»

فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ «١» : هَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ تَبِيعُونَهُ؟ قُلْنَا: هَذَا الْبَعِيرُ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْنَا: بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا «٢» مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ «٣» وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ.. فَقُلْنَا: بِعْنَا مِنْ رَجُلٍ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ «٤» فَقَالَتْ: أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ الْبَعِيرِ.. رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ القمر ليلة البدر.. لا يخيس «٥» بكم. فَأَصْبَحْنَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رسول الله ﷺ إليكم يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا فَفَعَلْنَا. وَفِي خَبَرِ الْجُلَنْدِيِّ «٦» مَلِكِ عَمَّانَ لَمَّا بَلَغَهُ «٧» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الْجُلَنْدِيُّ: «وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّنِي عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ تَارِكٍ لَهُ.. وَأَنَّهُ يَغْلِبُ فلا يبطر، ويغلب فلا

يَضْجَرُ، وَيَفِي بِالْعَهْدِ وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ.. وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» . وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ «١» » هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ يَقُولُ: يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ «٢» : لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ «٣» بِالْخَبَرِ وَقَدْ آنَ أَنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ من برهان ودلالة.

بَرِ وَقَدْ آنَ أَنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ، وَمَا فِيهِ من برهان ودلالة.

الْفَصْلُ الثَّانِي بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَالْعِلْمِ بِذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَجَمِيعِ تَكْلِيفَاتِهِ ابْتِدَاءً دُونَ وَاسِطَةٍ لَوْ شَاءَ كَمَا حُكِيَ عَنْ سُنَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ. وذكره بعض أهل التفسير في قوله: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً «١» » . وَجَائِزٌ أَنْ يُوصِلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ تُبَلِّغُهُمْ كَلَامَهُ، وَتَكُونُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ إِمَّا مِنْ غَيْرِ الْبَشَرِ. كَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأُمَمِ. وَلَا مَانِعَ لِهَذَا مِنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ.

  • وَإِذَا جَازَ هَذَا وَلَمْ يَسْتَحِلْ، وَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِمْ من معجزاتهم وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِي جَمِيعِ مَا أَتَوْا بِهِ.
  • لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ مَعَ التَّحَدِّي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَائِمٌ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ:

«صَدَقَ عَبْدِي فَأَطِيعُوهُ وَاتَّبِعُوهُ» وَشَاهِدٌ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَقُولُهُ، وَهَذَا كَافٍ.. وَالتَّطْوِيلُ فِيهِ خَارِجٌ عَنِ الْغَرَضِ. فَمَنْ أَرَادَ تَتَبُّعَهُ وَجَدَهُ مُسْتَوْفًى فِي مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّتِنَا ﵏. فَالنُّبُوَّةُ: فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّبَأِ، وَهُوَ الخبر وقد لا يهمز عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَسْهِيلًا. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَهُ عَلَى غَيْبِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ نَبِيُّهُ فَيَكُونُ نَبِيٌّ (مُنَبَّأً) فَعِيلٌ بِمَعْنَى (مَفْعُولٍ) أَوْ يَكُونُ مُخْبِرًا عَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمُنَبِّئًا بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَهْمِزْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ. وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ رُتْبَةً شَرِيفَةً وَمَكَانَةً نَبِيهَةً عِنْدَ مَوْلَاهُ مَنِيفَةً «٢» .. فَالْوَصْفَانِ فِي حَقِّهِ مُؤْتَلِفَانِ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ، وَلَمْ يَأْتِ فَعُولٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ فِي اللُّغَةِ إِلَّا نَادِرًا.. وَإِرْسَالُهُ أَمْرُ اللَّهِ لَهُ بِالْإِبْلَاغِ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ التَّتَابُعِ.. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَاءَ النَّاسُ أرسالا.. إذا تبع بَعْضُهُمْ بَعْضًا.. فَكَأَنَّهُ أُلْزِمَ تَكْرِيرَ التَّبْلِيغِ.. أَوْ ألزمت

نَ التَّتَابُعِ.. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَاءَ النَّاسُ أرسالا.. إذا تبع بَعْضُهُمْ بَعْضًا.. فَكَأَنَّهُ أُلْزِمَ تَكْرِيرَ التَّبْلِيغِ.. أَوْ ألزمت

الْأُمَّةُ اتِّبَاعَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلِ النَّبِيُّ وَالرَّسُولُ بِمَعْنًى أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ فَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ وَأَصْلُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ «١» » فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمَا مَعًا الْإِرْسَالَ قَالَ: وَلَا يَكُونُ النَّبِيُّ إِلَّا رَسُولًا وَلَا الرَّسُولُ إِلَّا نَبِيًّا. وَقِيلَ: هُمَا مُفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ.. إِذْ قَدِ اجْتَمَعَا فِي النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ، وَالْإِعْلَامُ بِخَوَاصِّ النُّبُوَّةِ أَوِ الرِّفْعَةِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَحَوْزِ دَرَجَتِهَا..

  • وَافْتَرَقَا فِي زِيَادَةِ الرسالة للرسول.. وهو الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ وَالْإِعْلَامِ كَمَا قُلْنَا، وَحُجَّتُهُمْ مِنَ الْآيَةِ نَفْسِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَلَوْ كَانَا شيئا واحدا لما حسن تكرار هما فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ. قَالُوا وَالْمَعْنَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ، أَوْ نَبِيٍّ وَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ إِلَى أَحَدٍ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أنّ الرسول قد جَاءَ بِشَرْعٍ مُبْتَدَأٍ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ رَسُولٍ. وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَارِ. وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ «٢» : أَنَّ كُلَّ رسول نبيّ

ِيٌّ غَيْرُ رَسُولٍ. وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَارِ. وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ «٢» : أَنَّ كُلَّ رسول نبيّ

وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا وَأَوَّلُ الرُّسُلِ: آدَمُ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي ذَرٍّ «٢» ﵁: «إِنَّ الأنبياء مئة أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ» وَذَكَرَ أَنَّ الرسل منهم ثلاث مئة وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوَّلُهُمْ آدَمُ ﵇ فَقَدْ بَانَ لَكَ مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَلَيْسَتَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ذَاتًا لِلنَّبِيِّ «٣» .. وَلَا وَصْفَ ذَاتٍ «٤» .. خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ «٥» ، فِي تَطْوِيلٍ لَهُمْ وَتَهْوِيلٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ.. وَأَمَّا الْوَحْيُ: فَأَصْلُهُ الْإِسْرَاعُ.. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ يَتَلَقَّى مَا يَأْتِيهِ مِنْ رَبِّهِ بِعَجَلٍ سُمِّيَ وَحْيًا.. وَسُمِّيَتْ أَنْوَاعُ الْإِلْهَامَاتِ وَحْيًا تَشْبِيهًا بِالْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ وَسُمِّيَ الْخَطُّ «وَحْيًا» لِسُرْعَةِ حركة يد

كَاتِبِهِ «وَوَحْيُ الْحَاجِبِ وَاللَّحْظِ «١» » سُرْعَةُ إِشَارَتِهِمَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا «٢» » أَيْ أَوْمَأَ وَرَمَزَ وَقِيلَ كَتَبَ.. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْوَحَا.. الْوَحَا «٣» .. أَيِ السُّرْعَةَ.. السُّرْعَةَ وَقِيلَ: أَصْلُ الْوَحْيِ السِّرُّ وَالْإِخْفَاءُ.. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْإِلْهَامُ وَحْيًا.. ومنه قوله تعالى: «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ «٤» » أَيْ يُوَسْوِسُونَ فِي صُدُورِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى «٥» » أَيْ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهَا وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً «٦» » أَيْ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ.

الفصل الثالث معنى المعجزات إعلم أنّ معنى تَسْمِيَتَنَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ «مُعْجِزَةً»

  • هُوَ أنّ الخلق عجزوا عن الإثبات بِمِثْلِهَا وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

  • ضَرْبٌ هُوَ مِنْ نَوْعِ قُدْرَةِ الْبَشَرِ فَعَجَزُوا عَنْهُ فَتَعْجِيزُهُمْ عَنْهُ فِعْلٌ لِلَّهِ دَلَّ عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِ كَصَرْفِهِمْ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ «١» وَتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ القرآن على رأي بعضهم «٢» ونحوه.

  • وضرب هو خارج عن قدرتهم، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى «١» ، وَقَلْبِ الْعَصَا «٢» حَيَّةً، وَإِخْرَاجِ نَاقَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ «٣» وَكَلَامِ شَجَرَةٍ «٤» وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْأَصَابِعِ «٥» ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ «٦» ، مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَحَدٌ إلّا الله فيكون ذَلِكَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحَدِّيهِ مَنْ يُكَذِّبُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ تَعْجِيزٌ لَهُ وَاعْلَمْ

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ نَبِيِّنَا ﷺ وَدَلَائِلَ نَبُّوَّتِهِ وَبَرَاهِينَ صِدْقِهِ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مَعًا.

  • وَهُوَ أَكْثَرُ الرُّسُلِ مُعْجِزَةً وَأَبْهَرُهُمْ آيَةً وَأَظْهَرُهُمْ بُرْهَانًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَهِيَ فِي كَثْرَتِهَا لَا يُحِيطُ بِهَا ضَبْطٌ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهَا وَهُوَ «الْقُرْآنُ» لَا يُحْصَى عَدَدُ مُعْجِزَاتِهِ بِأَلْفٍ وَلَا أَلْفَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ.. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تَحَدَّى بِسُورَةٍ مِنْهُ فَعُجِزَ عَنْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ.. وَأَقْصَرُ السُّوَرِ «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «١» » فكل آية منه أَوْ آيَاتٍ مِنْهُ بِعَدَدِهَا وَقَدْرِهَا مُعْجِزَةٌ.. ثُمَّ فيها نفسها معجزات على ما سنفعله فِيمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ. ثُمَّ مُعْجِزَاتُهُ ﷺ عَلَى قِسْمَيْنِ:

وَقَدْرِهَا مُعْجِزَةٌ.. ثُمَّ فيها نفسها معجزات على ما سنفعله فِيمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ. ثُمَّ مُعْجِزَاتُهُ ﷺ عَلَى قِسْمَيْنِ:

  • قِسْمٌ مِنْهَا عُلِمَ قَطْعًا وَنُقِلَ إِلَيْنَا مُتَوَاتِرًا كَالْقُرْآنِ فَلَا مِرْيَةَ وَلَا خِلَافَ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ بِهِ وظهووه مِنْ قِبَلِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ بِحُجَّتِهِ.. وَإِنْ أَنْكَرَ هَذَا مُعَانِدٌ جَاحِدٌ فَهُوَ كَإِنْكَارِهِ وُجُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنْيَا.. وَإِنَّمَا جَاءَ اعْتِرَاضُ الْجَاحِدِينَ فِي الْحُجَّةِ بِهِ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ وَجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مُعْجِزٍ مَعْلُومٌ ضرورة، ووجه إعجازه معلوم ضرورة

وَنَظَرًا كَمَا سَنَشْرَحُهُ.. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا «١» وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَى يَدَيْهِ ﷺ آيَاتٌ وَخَوَارِقُ عَادَاتٍ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ وَاحِدٌ مِنْهَا معينا القطع فيبلغها جَمِيعُهَا فَلَا مِرْيَةَ فِي جَرَيَانِ مَعَانِيهَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا يَخْتَلِفُ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ أَنَّهُ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ عَجَائِبُ.. وَإِنَّمَا خِلَافُ الْمُعَانِدِ فِي كَوْنِهَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.. وَقَدْ قَدَّمْنَا كَوْنَهَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.. وَإِنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ «صَدَقْتَ» فَقَدْ عُلِمَ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا أَيْضًا مِنْ نَبِيِّنَا ضَرُورَةً لِاتِّفَاقِ مَعَانِيهَا، كَمَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً جُودُ حَاتِمٍ «٢» وَشَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ «٣» ، وَحِلْمُ أَحْنَفَ «٤» .. لِاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.. عَلَى كَرَمِ هَذَا وَشَجَاعَةِ هَذَا.. وَحِلْمِ هَذَا.. وَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ بِنَفْسِهِ لَا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته

كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.. عَلَى كَرَمِ هَذَا وَشَجَاعَةِ هَذَا.. وَحِلْمِ هَذَا.. وَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ بِنَفْسِهِ لَا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته

  • وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الضَّرُورَةِ وَالْقَطْعِ.. وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ.
  • نَوْعٌ مُشْتَهِرٌ مُنْتَشِرٌ.. رَوَاهُ الْعَدَدُ وَشَاعَ الْخَبَرُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالرُّوَاةِ وَنَقَلَةِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ.. كَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ.
  • وَنَوْعٌ مِنْهُ اخْتُصَّ بِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ.. وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَلَمْ يَشْتَهِرِ اشْتِهَارَ غَيْرِهِ.. لَكِنَّهُ إِذَا جُمِعَ إِلَى مِثْلِهِ اتَّفَقَا فِي الْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْمُعْجِزِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: وَأَنَا أَقُولُ- صَدْعًا بِالْحَقِّ- إِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ ﷺ مَعْلُومَةٌ بِالْقَطْعِ. أَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَالْقُرْآنُ نَصَّ بِوُقُوعِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ وُجُودِهِ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ.. وَجَاءَ بِرَفْعِ احْتِمَالِهِ صَحِيحُ الْأَخْبَارِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يُوهِنُ عَزْمَنَا خِلَافُ أَخْرَقَ «١» مُنْحَلِّ عُرَى الدِّينِ.. وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى سَخَافَةِ مُبْتَدِعٍ يُلْقِي الشَّكَّ عَلَى قلوب ضعفاء المؤمنين.. بل نرغم بهذا أنفه وننبذ بالعراء سخفه

وَكَذَلِكَ قِصَّةُ نَبْعِ الْمَاءِ وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ: رَوَاهَا الثِّقَاتُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ عَنِ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ.. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَمَّنْ حَدَّثَ بِهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَأَخْيَارِهِمْ.. أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَوْطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ «١» ، وَفِي غَزْوَةِ بُوَاطٍ «٢» .. وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ «٣» وَغَزْوَةِ تَبُوكَ «٤» وَأَمْثَالِهَا مِنْ مَحَافِلِ «٥» الْمُسْلِمِينَ وَمَجْمَعِ الْعَسَاكِرِ.. وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَةٌ لِلرَّاوِي فِيمَا حكاه.. ولا إنكار عما

ذكر عنهم أنهم رأوه كما رواه.. فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق.. إذهم الْمُنَزَّهُونَ عَنِ السُّكُوتِ عَلَى بَاطِلٍ.. وَالْمُدَاهَنَةِ فِي كَذِبٍ.. وَلَيْسَ هُنَاكَ رَغْبَةٌ وَلَا رَهْبَةٌ تَمْنَعُهُمْ.. وَلَوْ كَانَ مَا سَمِعُوهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ وَغَيْرَ مَعْرُوفٍ لَدَيْهِمْ لَأَنْكَرُوهُ كَمَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَشْيَاءَ رَوَاهَا مِنَ السُّنَنِ وَالسِّيَرِ وَحُرُوفِ «١» الْقُرْآنِ. وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَوَهَّمَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ.

  • فَهَذَا النَّوْعُ كُلُّهُ يَلْحَقُ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، لِمَا بَيَّنَّاهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْثَالَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَبُنِيَتْ على باطل لا بدمع مرور الأزمات وَتَدَاوُلِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْبَحْثِ مِنِ انْكِشَافِ ضَعْفِهَا وَخُمُولِ ذِكْرِهَا.. كَمَا يُشَاهَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَرَاجِيفِ «٢» الطَّارِئَةِ.. وَأَعْلَامُ «٣» نَبِيِّنَا ﷺ هَذِهِ الْوَارِدَةُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.. لَا تَزْدَادُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ إِلَّا ظهورا.. ومع

٢» الطَّارِئَةِ.. وَأَعْلَامُ «٣» نَبِيِّنَا ﷺ هَذِهِ الْوَارِدَةُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.. لَا تَزْدَادُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ إِلَّا ظهورا.. ومع

تَدَاوُلِ الْفِرَقِ وَكَثْرَةِ طَعْنِ الْعَدُوِّ وَحِرْصِهِ عَلَى توهينها وتضعيف أصلها وإجهاد الملحد من إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عَلَيْهَا إِلَّا حَسْرَةً وَغَلِيلًا «١» ..

  • وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغُيُوبِ وَإِنْبَاؤُهُ بِمَا يَكُونُ وَكَانَ مَعْلُومٌ مِنْ آياته على الجملة بالضرورة.. وهذا حق لاغطاء عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنْ أَئِمَّتِنَا «٢» الْقَاضِي» وَالْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ «٤» وَغَيْرُهُمَا ﵏ وَمَا عِنْدِي أَوْجَبَ قَوْلَ الْقَائِلِ إِنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَشْهُورَةَ مِنْ بَابِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِلَّا قِلَّةُ مُطَالَعَتِهِ لِلْأَخْبَارِ وَرِوَايَتِهَا، وَشُغْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِفِ. وَإِلَّا فَمَنِ اعْتَنَى بِطُرُقِ النَّقْلِ، وَطَالَعَ الْأَحَادِيثَ وَالسِّيَرَ، لَمْ يَرْتَبْ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَصِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ وَاحِدٍ، وَلَا يَحْصُلُ عِنْدَ آخَرَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بِالْخَبَرِ كَوْنَ بَغْدَادَ مَوْجُودَةً وَأَنَّهَا مَدِينَةٌ عظيمة، ودار الإمامة الخلافة،

ْصُلُ عِنْدَ آخَرَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بِالْخَبَرِ كَوْنَ بَغْدَادَ مَوْجُودَةً وَأَنَّهَا مَدِينَةٌ عظيمة، ودار الإمامة الخلافة،

وَآحَادٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ اسْمَهَا فَضْلًا عَنْ وَصْفِهَا.. وَهَكَذَا يَعْلَمُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ «١» بِالضَّرُورَةِ وَتَوَاتُرِ النَّقْلِ عَنْهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِيجَابُ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ، وَإِجْزَاءُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَمَّا سِوَاهُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ «٢» يَرَى تَجْدِيدَ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَالِاقْتِصَارَ فِي الْمَسْحِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ. وَإِنَّ مَذْهَبَهُمَا «٣» الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ «٤» وَغَيْرِهِ «٥» وَإِيجَابُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ.. وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ «٦» يُخَالِفُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ «٧» .. وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَا رَوَى أَقْوَالَهُمْ لَا يَعْرِفُ هَذَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ. وَعِنْدَ ذِكْرِنَا آحَادَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ نَزِيدُ الْكَلَامَ فِيهَا بَيَانًا إن شاء الله تعالى.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزَ مُنْطَوٍ عَلَى وُجُوهٍ مِنَ الْإِعْجَازِ كَثِيرَةٍ. وَتَحْصِيلَهَا مِنْ جهة صبط أَنْوَاعِهَا فِي أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: حُسْنُ تَأْلِيفِهِ، والتئام كلمه، وفصاحته وجوه إِيجَازِهِ، وَبَلَاغَتُهُ الْخَارِقَةُ عَادَةَ الْعَرَبِ.

  • وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ هَذَا الشَّأْنِ، وَفُرْسَانَ الْكَلَامِ.. قَدْ خصّوا من البلاغة والحكم ما لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَأُوتُوا مِنْ ذَرَابَةِ «١» اللِّسَانِ مَا لَمْ يُؤْتَ إِنْسَانٌ، وَمِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ مَا يُقَيِّدُ الْأَلْبَابَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ طَبْعًا وَخِلْقَةً، وَفِيهِمْ غَرِيزَةً

وَقُوَّةً.. يَأْتُونَ مِنْهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ بِالْعَجَبِ، وَيُدْلُونَ بِهِ إِلَى كُلِّ سَبَبٍ فَيَخْطُبُونَ بَدِيهًا فِي الْمَقَامَاتِ، وَشَدِيدِ الْخُطَبِ وَيَرْتَجِزُونَ «١» بِهِ بَيْنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَيَمْدَحُونَ وَيَقْدَحُونَ، وَيَتَوَسَّلُونَ وَيَتَوَصَّلُونَ، وَيَرْفَعُونَ وَيَضَعُونَ، فَيَأْتُونَ مِنْ ذَلِكَ بِالسِّحْرِ «٢» الْحَلَالِ، وَيُطَوِّقُونَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ أَجْمَلَ مِنْ سُمْطِ «٣» اللَّآلِ، فَيَخْدَعُونَ الْأَلْبَابَ وَيُذَلِّلُونَ الصِّعَابَ، وَيُذْهِبُونَ الْإِحَنَ «٤» وَيُهَيِّجُونَ الدِّمَنَ «٥» ، وَيُجَرِّئُونَ الْجَبَانَ، وَيَبْسُطُونَ يَدَ الْجَعْدِ «٦» الْبَنَانِ: وَيُصَيِّرُونَ النَّاقِصَ كاملا «٧»

ِحَنَ «٤» وَيُهَيِّجُونَ الدِّمَنَ «٥» ، وَيُجَرِّئُونَ الْجَبَانَ، وَيَبْسُطُونَ يَدَ الْجَعْدِ «٦» الْبَنَانِ: وَيُصَيِّرُونَ النَّاقِصَ كاملا «٧»

وَيَتْرُكُونَ النَّبِيهَ خَامِلًا مِنْهُمُ الْبَدَوِيُّ ذُو اللَّفْظِ الْجَزْلِ «١» ، وَالْقَوْلِ الْفَصْلِ وَالْكَلَامِ الْفَخْمِ، وَالطَّبْعِ الْجَوْهَرِيِّ «٢» وَالْمَنْزَعِ «٣» الْقَوِيِّ. وَمِنْهُمُ الْحَضَرِيُّ ذُو الْبَلَاغَةِ الْبَارِعَةِ وَالْأَلْفَاظِ النَّاصِعَةِ.. وَالْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ، وَالطَّبْعِ السَّهْلِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْقَوْلِ الْقَلِيلِ الْكُلْفَةِ الْكَثِيرِ الرَّوْنَقِ، الرَّقِيقِ الحاشية «٤» .. وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدافعه «٥» والقدح الفالج «٦» والمهيع

النَّاهِجُ «١» .. لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الْكَلَامَ طَوْعُ مُرَادِهِمْ، وَالْبَلَاغَةَ مِلْكُ قِيَادِهِمْ.. قَدْ حَوَوْا فُنُونَهَا وَاسْتَنْبَطُوا عُيُونَهَا.. وَدَخَلُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا.. وَعَلَوْا صَرْحًا «٢» لِبُلُوغِ أَسْبَابِهَا. فَقَالُوا فِي الْخَطِيرِ وَالْمَهِينِ، وَتَفَنَّنُوا فِي الْغَثِّ «٣» وَالسَّمِينِ.. وَتَقَاوَلُوا فِي الْقُلِّ وَالْكُثْرِ «٤» وَتَسَاجَلُوا فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ.. فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا رَسُولٌ كَرِيمٌ.. بِكِتَابٍ «عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٥» » أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وَفُصِّلَتْ كَلِمَاتُهُ، وَبَهَرَتْ بَلَاغَتُهُ الْعُقُولَ.. وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ عَلَى كُلِّ مَقُولٍ.. وَتَظَافَرَ «٦» إِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ.. وَتَظَاهَرَتْ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ.. وَتَبَارَتْ فِي الْحُسْنِ مَطَالِعُهُ وَمَقَاطِعُهُ.. وَحَوَتْ كُلَّ الْبَيَانِ جَوَامِعُهُ وَبَدَائِعُهُ وَاعْتَدَلَ مَعَ إِيجَازِهِ حُسْنُ نَظْمِهِ.. وَانْطَبَقَ عَلَى كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ مُخْتَارُ لَفْظِهِ.. وَهُمْ أَفْسَحُ مَا كانوا في هذا الباب مجالا.. وأشهر

َ مَعَ إِيجَازِهِ حُسْنُ نَظْمِهِ.. وَانْطَبَقَ عَلَى كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ مُخْتَارُ لَفْظِهِ.. وَهُمْ أَفْسَحُ مَا كانوا في هذا الباب مجالا.. وأشهر

فِي الْخَطَابَةِ رِجَالًا.. وَأَكْثَرُ فِي السَّجْعِ وَالشِّعْرِ سِجَالًا.. وَأَوْسَعُ فِي الْغَرِيبِ وَاللُّغَةِ مَقَالًا بِلُغَتِهِمُ التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صَارِخًا بِهِمْ فِي كُلٍّ حِينٍ وَمُقَرِّعًا لَهُمْ بضعا وعشرين عاما على رؤوس الْمَلَإِ أَجْمَعِينَ.. «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» » «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٢» » إلى قوله «وَلَنْ تَفْعَلُوا» . «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ «٣» » الآية «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ» » . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرَى أَسْهَلُ.. وَوَضْعَ الْبَاطِلِ وَالْمُخْتَلَقِ عَلَى الِاخْتِيَارِ أَقْرَبُ.. وَاللَّفْظُ إِذَا تَبِعَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ كَانَ أَصْعَبَ. وَلِهَذَا قِيلَ: فُلَانٌ يَكْتُبُ كما يقال، وَفُلَانٌ يَكْتُبُ كَمَا يُرِيدُ. وَلِلْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فضل.. وبينهما شأو. بعيد

فَلَمْ يَزَلْ يُقَرِّعُهُمْ ﷺ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ وَيُوَبِّخُهُمْ غَايَةَ التَّوْبِيخِ، وَيُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم.. ويذم آلهتهم وإياهم.. وَيَسْتَبِيحُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.. وَهُمْ فِي كُلِّ هَذَا نَاكِصُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.. مُحْجِمُونَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ.. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب. والإغتراء بِالِافْتِرَاءِ وَقَوْلِهِمْ «إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ «١» » وَ «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢» » وَ «إِفْكٌ افْتَراهُ «٣» » وَ «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٤» » . والمباهتة والرضى بِالدَّنِيئَةِ. كَقَوْلِهِمْ: «قُلُوبُنا غُلْفٌ «٥» » وَ «فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» «وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٦» » وَ «لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٧» » والادعاء مع

الْعَجْزِ بِقَوْلِهِمْ: «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا «١» » . وَقَدْ قَالَ لَهُمُ اللَّهُ «وَلَنْ تَفْعَلُوا «٢» » فَمَا فَعَلُوا وَلَا قَدَرُوا وَمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ مِنْ سفهائهم كَمُسَيْلِمَةَ «٣» . كُشِفَ عَوَارُهُ «٤» لِجَمِيعِهِمْ.. وَسَلَبَهُمُ اللَّهُ مَا ألفوه من فضح كَلَامِهِمْ.. وَإِلَّا فَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَهْلِ الْمَيْزِ «٥» منهم أنّه ليس من نمط فصاحتم، وَلَا جِنْسِ بَلَاغَتِهِمْ.. بَلْ وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وَأَتَوْا مُذْعِنِينَ مِنْ بَيْنِ مُهْتَدٍ وَبَيْنِ مَفْتُونٍ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ «٦» بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنَ النبي ﷺ «٧» «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٨» » الْآيَةَ. قَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لِحَلَاوَةً.. وَإِنَّ عليه

مُغِيرَةِ مِنَ النبي ﷺ «٧» «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٨» » الْآيَةَ. قَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لِحَلَاوَةً.. وَإِنَّ عليه

لَطَلَاوَةً «١» ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ «٢» ، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لِمُثْمِرٌ ما يقول هذا بشر» . وذكر أبو عبيدة «٣» : أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٤» » فسجد وقال: «سجدت لفصاحته» . وسمع آخر يقرأ: «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا «٥» » فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَحُكِيَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «٦» ﵁ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِقَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ.. فَاسْتَخْبَرَهُ.. فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ بَطَارِقَةِ «٧» الرُّومِ مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فيها ما أنزل الله على عيسى بن مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ

زل الله على عيسى بن مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ

فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ «١» » الْآيَةَ وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ «٢» : أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ.. فَقَالَ لَهَا: «قَاتَلَكِ «٣» اللَّهُ مَا أَفْصَحَكِ» !!. فَقَالَتْ: أو يعدّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «٤» » .. الآية فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ «٥» وَنَهْيَيْنِ «٦» وَخَبَرَيْنِ «٧» وَبِشَارَتَيْنِ «٨» . فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ إِعْجَازِهِ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.

  • وَكَوْنُ الْقُرْآنِ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ ﷺ مُتَحَدِّيًا بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً. وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ فِي فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة

مُتَحَدِّيًا بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً. وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ فِي فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة

لِلْعَالِمِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَوُجُوهِ الْبَلَاغَةِ.. وَسَبِيلُ مَنْ لَيْسَ من أهلها علم ذلك بعجز المكرين مِنْ أَهْلِهَا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْمُقِرِّينَ بِإِعْجَازِ بَلَاغَتِهِ. وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١» » وَقَوْلَهُ «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ.. وأخذوا من مكان قريب» » وَقَوْلَهُ «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» » وقوله: «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي «٤» » الْآيَةَ وَقَوْلَهُ: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً «٥» » .. الْآيَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْآيِ «٦» .. بَلْ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ.. حَقَّقَتْ مَا بَيَّنْتُهُ مِنْ إِيجَازِ أَلْفَاظِهَا وَكَثْرَةِ مَعَانِيهَا، وَدِيبَاجَةِ عِبَارَتِهَا «٧» وَحُسْنِ تَأْلِيفِ حُرُوفِهَا، وَتَلَاؤُمِ كَلِمِهَا، وَأَنَّ تَحْتَ كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا جُمَلًا كثيرة،

وَفُصُولًا جَمَّةً، وَعُلُومًا زَوَاخِرَ «١» . مُلِئَتِ الدَّوَاوِينُ مِنْ بَعْضِ مَا اسْتُفِيدَ مِنْهَا، وَكَثُرَتِ الْمَقَالَاتُ فِي المستنبطات عنها.. ثم هو في سرد الْقِصَصَ الطِّوَالَ وَأَخْبَارَ الْقُرُونِ السَّوَالِفِ الَّتِي يَضْعُفُ فِي عَادَةِ الْفُصَحَاءِ عِنْدَهَا الْكَلَامُ، وَيَذْهَبُ مَاءُ الْبَيَانِ آيَةٌ لِمُتَأَمِّلِهِ مِنْ رَبْطِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَالْتِئَامِ سَرْدِهِ، وَتَنَاصُفِ وُجُوهِهِ. كَقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَى طُولِهَا. ثُمَّ إِذَا تَرَدَّدَتْ قِصَصُهُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عَنْهَا عَلَى كَثْرَةِ تَرَدُّدِهَا.. حَتَّى تَكَادَ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُنْسِي فِي الْبَيَانِ صَاحِبَتَهَا، وَتُنَاصِفُ فِي الْحُسْنِ وَجْهَ مُقَابِلَتِهَا.. وَلَا نُفُورَ لِلنُّفُوسِ من ترديدها ولا معاداة لمعادها.

الْفَصْلُ الْخَامِسُ إِعْجَازُ النَّظْمِ وَالْأُسْلُوبِ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ.. صُورَةُ نَظْمِهِ الْعَجِيبِ وَالْأُسْلُوبُ الْغَرِيبُ الْمُخَالِفُ لِأَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَنَاهِجِ نَظْمِهَا وَنَثْرِهَا الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ، وَوَقَفَتْ مَقَاطِعُ آيِهِ وَانْتَهَتْ فَوَاصِلُ كَلِمَاتِهِ إِلَيْهِ.. وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ نَظِيرٌ لَهُ.. وَلَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مُمَاثَلَةَ شيء فيه مِنْهُ بَلْ حَارَتْ فِيهِ عُقُولُهُمْ.. وَتَدَلَّهَتْ «١» دُونَهُ أَحْلَامُهُمْ.. وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مِثْلِهِ فِي جِنْسِ كَلَامِهِمْ.. مِنْ نَثْرٍ، أَوْ نَظْمٍ، أَوْ سَجْعٍ، أَوْ رَجَزٍ، أَوْ شِعْرٍ.. وَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُ ﷺ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ «٢» . وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ رَقَّ فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ «٣» مُنْكِرًا عَلَيْهِ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أعلم

بْنُ الْمُغِيرَةِ «٢» . وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ رَقَّ فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ «٣» مُنْكِرًا عَلَيْهِ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أعلم

بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا» . وَفِي خَبَرِهِ الْآخَرِ «١» حِينَ جمع قريشا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْسِمِ وَقَالَ: «إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَرِدُ فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا لَا يُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ.. مَا هُوَ بِزَمْزَمَتِهِ «٢» وَلَا سَجْعِهِ. قَالُوا: مَجْنُونٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ.. وَلَا بِخَنْقِهِ «٣» وَلَا وَسْوَسَتِهِ «٤» . قَالُوا: فَنَقُولُ شَاعِرٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ.. قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ «٥» وَهَزَجَهُ «٦» ، وَقَرِيضَهُ «٧» وَمَبْسُوطَهُ «٨» وَمَقْبُوضَهُ «٩» مَا هُوَ بِشَاعِرٍ. قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ!! قَالَ: مَا هُوَ بساحر، ولا نفثه «١٠»

وَلَا عَقْدِهِ «١» . قَالُوا: فَمَا نَقُولُ؟!!. قَالَ: مَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ بَاطِلٌ.. وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَإِنَّهُ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ وَالْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَالْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَالْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا وَجَلَسُوا عَلَى السُّبُلِ يُحَذِّرُونَ النَّاسَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» «٢» وَقَالَ عُتْبَةُ «٣» بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ: «يَا قَوْمُ.. قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وَقَرَأْتُهُ وَقُلْتُهُ.. وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا.. وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ.. مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكِهَانَةِ» . وَقَالَ النَّضْرُ «٤» بْنُ الْحَارِثِ نَحْوَهُ.. وَفِي حَدِيثِ «٥» إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ «٦» وَوَصَفَ أَخَاهُ أُنَيْسًا «٧» فقال:

بِالْكِهَانَةِ» . وَقَالَ النَّضْرُ «٤» بْنُ الْحَارِثِ نَحْوَهُ.. وَفِي حَدِيثِ «٥» إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ «٦» وَوَصَفَ أَخَاهُ أُنَيْسًا «٧» فقال:

وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِأَشْعَرَ مِنْ أَخِي أُنَيْسٍ.. لَقَدْ نَاقَضَ اثْنَيْ عَشَرَ شَاعِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَا أَحَدُهُمْ.. وَإِنَّهُ انْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ وَجَاءَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ.. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟!. قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكهانة فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُهُ عَلَى أَقْرَاءِ «١» الشِّعْرِ فَلَمْ يَلْتَئِمْ، وَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ وَإِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ وَالْإِعْجَازُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّوْعَيْنِ الْإِيجَازُ وَالْبَلَاغَةُ بِذَاتِهَا، والأسلوب الْغَرِيبُ بِذَاتِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ إِعْجَازٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لَمْ تَقْدِرِ الْعَرَبُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.. إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهَا، مُبَايِنٌ لِفَصَاحَتِهَا وَكَلَامِهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُقْتَدَى بِهِمْ إِلَى أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي مَجْمُوعِ الْبَلَاغَةِ وَالْأُسْلُوبِ وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلٍ تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَالصَّحِيحُ: مَا قَدَّمْنَاهُ والعلم بهذا كله ضرورة وقطعا. ومن تفنّن في علوم البلاغة،

وَأَرْهَفَ خَاطِرَهُ وَلِسَانَهُ أَدَبُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا قُلْنَاهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي وَجْهِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ فَأَكْثَرُهُمْ يقول: إنّه مما جَمَعَ فِي قُوَّةِ جَزَالَتِهِ وَنَصَاعَةِ أَلْفَاظِهِ، وَحُسْنِ نَظْمِهِ، وَإِيجَازِهِ، وَبَدِيعِ تَأْلِيفِهِ، وَأُسْلُوبِهِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ.. وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَوَارِقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الْخَلْقِ عَلَيْهَا كإحياء «١» الموتى، وقلب العصا «٢» ، وتسبيح الحصا «٣» وذهب الشيخ أبو الحسن «٤» إلى أنّه مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَيُقَدِّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا يَكُونُ.. فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ هَذَا وَعَجَّزَهُمْ عَنْهُ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» . وَعَلَى الطريقتين.. فَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنْهُ ثَابِتٌ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بما أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَتَحَدِّيهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ قَاطِعٌ.. وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعْجِيزِ، وَأَحْرَى بِالتَّقْرِيعِ وَالِاحْتِجَاجُ بِمَجِيءِ بِشَرٍ مِثْلِهِمْ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ لَازِمٌ.. وَهُوَ أَبْهَرُ آية، وأقمع دلالة.

حْرَى بِالتَّقْرِيعِ وَالِاحْتِجَاجُ بِمَجِيءِ بِشَرٍ مِثْلِهِمْ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ لَازِمٌ.. وَهُوَ أَبْهَرُ آية، وأقمع دلالة.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا أَتَوْا فِي ذَلِكَ بِمَقَالٍ بَلْ صَبَرُوا عَلَى الْجَلَاءِ، وَالْقَتْلِ، وَتَجَرَّعُوا كَاسَاتِ الصَّغَارِ «١» وَالذُّلِّ، وَكَانُوا مِنْ شُمُوخِ «٢» الْأَنْفِ «٣» وَإِبَاءَةِ الضَّيْمِ بِحَيْثُ لَا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا، وَلَا يَرْضَوْنَهُ إِلَّا اضْطِرَارًا.. وَإِلَّا فَالْمُعَارَضَةُ- لَوْ كَانَتْ مِنْ قُدَرِهِمْ «٤» - وَالشُّغْلُ بِهَا أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرَعُ بِالنَّجْحِ «٥» وَقَطْعِ الْعُذْرِ، وَإِفْحَامِ الْخَصْمِ لَدَيْهِمْ.. وَهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَلَامِ، وَقُدْوَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ، وَمَا مِنْهُمْ الا من جهد جهده واستنفر «٦» مَا عِنْدَهُ فِي إِخْفَاءِ ظُهُورِهِ، وَإِطْفَاءِ نُورِهِ فَمَا جَلَوْا «٧» فِي ذَلِكَ خَبِيئَةً «٨» مِنْ بَنَاتِ شفاههم «٩» ، ولا أتوا بنطفة «١٠» من

معين «١» مياههم مع طول الأمر، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَتَظَاهُرِ الْوَالِدِ وَمَا وَلَدَ بَلْ أبلسوا «٢» فما نبسوا «٣» ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه.

الفصل السّادس الإخبار عن المغيّبات الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ، مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «١» » وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «٢» » . وقوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «٣» » . وَقَوْلِهِ: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «٤» » الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٥» » إلى آخرها.

ْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «٤» » الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٥» » إلى آخرها.

فَكَانَ جَمِيعُ هَذَا كَمَا قَالَ.. فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا فَمَا مَاتَ ﷺ وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا مَوْضِعٌ لَمْ يَدْخُلْهُ الْإِسْلَامُ. وَاسْتَخْلَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَرْضِ ومكن دِينَهُمْ.. وَمَلَّكَهُمْ إِيَّاهَا مِنْ أَقْصَى الْمَشَارِقِ إِلَى أَقْصَى الْمَغَارِبِ.. كَمَا قَالَ ﷺ «١» «زويت «٢» لي الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» . وَقَوْلِهِ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ «٣» وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٤» » فَكَانَ كَذَلِكَ، لَا يَكَادُ يُعَدُّ مَنْ سَعَى فِي تَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِ مُحْكَمِهِ مِنَ الْمُلْحِدَةِ «٥» وَالْمُعَطِّلَةِ «٦» لا سيما القرامطة «٧» ، فأجمعوا كيدهم،

وَحَوْلَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ الْيَوْمَ «١» نَيِّفًا عَلَى خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَمَا قَدَرُوا عَلَى إِطْفَاءِ شَيْءٍ مِنْ نُورِهِ، ولا تغير كَلِمَةٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَا تَشْكِيكِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» » . وقوله: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ «٣» » الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى «٤» » الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ «٥» » الْآيَةَ. فَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ، وَمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ وَمَقَالِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فِي حَلِفِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِذَلِكَ. كَقَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «٦» » . وَقَوْلِهِ: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ» » الآية.

يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «٦» » . وَقَوْلِهِ: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ» » الآية. وقوله: «وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ «٨» الآية.

وَقَوْلِهِ: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» إلى قوله «فِي الدِّينِ «١» » . وَقَدْ قَالَ مُبْدِيًا مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَاعْتَقَدَهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ بَدْرٍ «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٢» » ومنه قوله تعالى: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «٣» » . وَلَمَّا نَزَلَتْ بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ.. بِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ. وكان المستهزؤون نَفَرًا بِمَكَّةَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ عَنْهُ وَيُؤْذُونَهُ فَهَلَكُوا.. وقوله: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٤» » . فَكَانَ كَذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ مَنْ رَامَ ضُرَّهُ وقصد قتله. والأخبار بذلك معروفة وصحيحة.

الفصل السّابع إخباره عن القرون السّالفة والأمم البائدة الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ «١» ، مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةَ الْوَاحِدَةَ إِلَّا الْفَذُّ «٢» مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي قَطَعَ عُمُرَهُ فِي تَعَلُّمٍ ذَلِكَ. فَيُورِدُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَأْتِي بِهِ عَلَى نَصِّهِ، فَيَعْتَرِفُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بِصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِتَعْلِيمٍ. وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ ﷺ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَلَا اشْتَغَلَ بِمُدَارَسَةٍ وَلَا مُثَافَنَةٍ «٣» ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ، وَلَا جَهِلَ حَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَثِيرًا مَا يَسْأَلُونَهُ ﷺ عَنْ هذا فينزل عليه

ٍ «٣» ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ، وَلَا جَهِلَ حَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَثِيرًا مَا يَسْأَلُونَهُ ﷺ عَنْ هذا فينزل عليه

مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْهُ ذِكْرًا. كَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ قَوْمِهِمْ وَخَبَرِ مُوسَى وَالْخَضِرِ «١» ، وَيُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ «٢» ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ «٣» ، وَلُقْمَانَ «٤» وابنه، وأشباه ذلك من الأنبياء، وَبَدْءِ الْخَلْقِ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِمَّا صَدَّقَهُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ بِهَا، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَكْذِيبِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا، بَلْ أَذْعَنُوا لِذَلِكَ. فَمِنْ مُوَفَّقٍ آمَنَ بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَمِنْ شَقِيٍّ مُعَانِدٍ حَاسِدٍ.. وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحْكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مَصَاحِفُهُمْ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لَهُ ﷺ، وتعينتهم «٥» إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار علومهم،

Bagian 7 dari 24