— Bagian 2 · ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا … —
Bagian 2
، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ: تَدْرُونَ فِيمَا بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ يُخْبِرَنَا الْمَلِكُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ بِخُمُودِ النِّيرَانِ، فَازْدَادَ غَمًّا إِلَى غَمِّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ مَا رَأَى وَمَا هَالَهُ، فَقَالَ الْمُوبَذَانُ [٣] : وَأَنَا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رُؤْيَا، ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ فِي الإِبِلِ فَقَالَ: أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذَا يَا مُوبَذَانُ؟ قَالَ: حَدَثٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْعَرَبِ، وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَكتب عِنْدَ ذَلِكَ: مِنْ كِسْرَى مَلَكِ الْمُلُوكِ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَمَّا بَعْدُ: فَوَجِّهْ إِلَيَّ بِرَجُلٍ عَالِمٍ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِعَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ الْغَسَّانِيِّ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَلَكَ عِلْمٌ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عنه، قال: ليخبرني الملك أو ليسئلني عَمَّا أَحَبَّ، فَإِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ وَإِلَّا أَخْبَرْتُهُ بِمَنْ يَعْلَمُهُ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ فِيهِ، قَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ خَالٍ لي يسكن
مشارف الشام بقال لَهُ سَطِيحٌ، قَالَ: فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ عَمَّا سَأَلْتُكَ عَنْهُ ثُمَّ ائْتِنِي بِتَفْسِيرِهِ، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَسِيحِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَطِيحٍ [١] وَقَدْ أَشْفَى عَلَى الضَّرِيحِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سُطَيْحٌ جَوَابًا فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَصَمُّ أَمْ يَسْمَعُ غطريف اليمن. في أبيات ذكرها. قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ سَطِيحٌ شِعْرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ يقول عبد المسيح على جمل مشيخ إِلَى سَطِيحٍ وَقَدْ أَشْفَى عَلَى الضَّرِيحِ [٢] ، بَعَثَكَ مَلَكُ بَنِي سَاسَانَ لارْتِجَاسِ الإِيوَانِ وَخُمُودِ النِّيرَانِ وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ، رَأَى إِبِلا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلادِهَا، يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ: إِذَا كَثُرَتِ التِّلاوَةُ، وَظَهَرَ صَاحِبُ الْهِرَاوَةِ، وَفَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ [٣] ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ، فَلَيْسَ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَامًا، يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَمَلِكَاتٌ عَلَى عَدَدِ الشُّرُفَاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، ثُمَّ قَضَى سَطِيحٌ مَكَانَهُ فَنَهَضَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمّ شِمِّيرُ ... لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ ... فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ فَرُبَّمَا رُبَّمَا أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ ... تَهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ [٤] مِنْهُمْ أَخُو الصّرْحِ بَهْرَامٌ وَأُخْوَتُهُ ... وَالْهُرْمُزَانِ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا ... أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَمَهْجُورُ وهم بنو الأم أما إن رؤوا نشبًا ... فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ ... فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
ؤوا نشبًا ... فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ ... فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ فلما قدم [عبد] [٥] الْمَسِيحُ عَلَى كِسْرَى أَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ سَطِيحٌ، فَقَالَ كِسْرَى: إِلَى أَنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا كَانَتْ أُمُورٌ وَأُمُورٌ، فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ، وَمَلَكَ الْبَاقُونَ إلى خلافة عثمان ﵁.
قال ابن إسحق: فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ أَرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلامٌ فَانْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ، وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ، وَمَا أُمِرَتْ أَنْ تُسَمِّيَهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ، فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَتَشَكَّرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهَا. وَوُلِدَ ﷺ مَعْذُورًا مَسْرُورًا أَيْ مَخْتُونًا مَقْطُوعَ السُّرَّةِ، وَوَقَعَ إِلَى الأَرْضِ مَقْبُوضَةً أَصَابِعُ يَدِهِ مُشِيرًا بِالسَّبَّاحَةِ كَالْمُسَبِّحِ بِهَا، حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. رُوِّينَا عَنِ ابْنِ جُمَيْعٍ ثَنَا عُمَرُ بْنُ مُوسَى بِالْمِصِّيصَةِ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: قَالَ لَنَا صَفْوَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْبُرْسَانِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مسرورا مختونا.
َانُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْبُرْسَانِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ مسرورا مختونا.
ذكر تسميته محمدا وأحمد ﷺ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُمِرَتْ آمِنَةُ وَهِيَ حَامِلٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَمِّيَهُ أَحْمَدَ. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ إسحق فِيمَا سَلَفَ أَنَّهَا أُتِيَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الأمة، وفيه: ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ» [١] وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: فِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ. وَرَوَى حَدِيثَ جُبَيْرٍ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَسَيَأْتِي الْكَلامُ عَلَى بَقِيَّةِ الأَسْمَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ أَبُو الرَّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: وَيُرْوَى أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِرُؤْيَا رَآهَا، زَعَمُوا أَنَّهُ رأى في منامه كأن سلسلة في فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ، لَهَا طَرَفٌ فِي السَّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الأَرْضِ، وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ، ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ، عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ، وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا، فَقَصَّهَا، فَعُبِّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حَدَّثَتْهُ بِهِ أُمُّهُ.
بَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حَدَّثَتْهُ بِهِ أُمُّهُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ ﵀ قَالَ: لا يعرف في العرب من تسمى
بِهَذَا الاسْمِ قَبْلَهُ ﷺ إِلَّا ثَلاثَةٌ طَمِعَ آبَاؤُهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وِبِقُرْبِ زَمَانِهِ وأنه يعبث بِالْحِجَازِ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُمْ، ذَكَرَهُمُ ابْنُ فورك في كتاب (الفضول) وَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ جَدُّ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ وَالآخَرُ مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بْنِ عَوْفِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ، وَالآخَرُ مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ وَهُوَ مِنْ رَبِيعَةَ، وَذَكَرَ مَعَهُمْ مُحَمَّدًا رَابِعًا أُنْسِيتُهُ، وَكَانَ آبَاءُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ قَدْ وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ الأُوَلِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالْكِتَابِ الأَوَّلِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِاسْمِهِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ خَلَّفَ امْرَأَتَهُ حَامِلا، فَنَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم وإن وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَرُوِّينَا عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْفَضْلِ عِيَاضٍ ﵀ فِي تَسْمِيَتِهِ ﵇ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ قَالَ: فِي هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ مِنْ بَدَائِعِ آيَاتِهِ وَعَجَائِبِ خَصَائِصِهِ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ حَمَى أَنْ يُسَمَّى بِهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ زَمَانِهِ، أَمَّا أَحْمَدُ الَّذِي أَتَى فِي الْكتب وَبَشَّرَتْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ غَيْرَهُ، وَلا يَدَّعِي بِهِ مَدْعُوٌّ قَبْلَهُ، حَتَّى لا يَدْخُلَ لَبْسٌ عَلَى ضَعِيفِ الْقَلْبِ أَوْ شَكٌّ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلا غَيْرِهِمْ إِلَى أَنْ شَاعَ قُبَيْلَ وُجُودِهِ ﷺ وَمِيلادِهِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَسَمَّى قَوْمٌ قَلِيلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ هُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِهِ، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجَلَّاحِ الأَوْسِيُّ،
رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ هُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِهِ، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجَلَّاحِ الأَوْسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَرَاءٍ الْبَكْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ الْجُعْفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيِّ السُّلَمِيُّ، لا سَابِعَ لَهُمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمَّى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالْيَمَنُ تَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْيَحْمدِ الأَزْدِيُّ، ثُمَّ حَمَى اللَّهُ كُلَّ مَنْ سَمَّى بِهِ أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أَوْ يَدَّعِيَهَا أَحَدٌ لَهُ حَتَّى تَحَقَّقَتِ السِّمَتَانِ لَهُ، ولم ينازع فيهما والله أعلم.
ذكر الخبر عن رضاعة ﷺ وما يتصل بذلك من شق الصدر رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ عُمَيْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بُرَّةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَنْ أَرْضَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُوَيْبَةُ بِلَبَنِ ابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَسْرُوحٌ أَيَّامًا قَبْلَ أَنْ تَقْدُمَ حَلِيمَةُ، وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّاوِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ:
ْمُطَهَّرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ علي قال: قلت: يا رسول الله مالك لا تَنُوقُ فِي قُرَيْشٍ وَلا تَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «وِعِنْدَكَ» قُلْتُ: نَعَمْ، ابْنَةُ حَمْزَةَ، قَالَ: «تِلْكَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» . قَرَأْتُ عَلَى أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الْهِيتِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيونَ، أَخْبَرَكَ أَبُو نَصْرٍ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ أحمد بن البناء قال: أنا أبو نصر محمد بن محمد الزيني قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، ثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةَ قَالَ: أَنَا اللَّيْثُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَلْ لَكَ في أختي ابنة بي سفيان؟ وفيه قالت: فو الله لَقَدْ أُنْبِئْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «ابْنَةُ
أبي سلمة» قالت: نعم، قال: «فو الله لو لم تكن ربيتني فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةُ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ» [١] الحديث. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ أَنَّ حَمْزَةَ أَسَنُّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَحَكَى أَبُو عُمَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ: وَهَذَا لا يَصْلُحُ عِنْدِي، لأَنَّ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ أَنَّ حَمْزَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ أَرْضَعَتْهُمَا ثُوَيْبَةُ مَعَ رسول الله ﷺ، إلا أَنْ تَكُونَ أَرْضَعَتْهُمَا فِي زَمَانَيْنِ. قُلْتُ: وَأَقْرَبُ من هذا ما روينا عن ابن إسحق مِنْ طَرِيقِ الْبَكَّائِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَرْضَعَ لَهُ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَكَانَتْ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا [٢] وَابْنٍ لَهَا [٣] تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَتْ: وَفِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ [٤] لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ [٥] ، مَعَنَا شَارِفٌ [٦] لَنَا، وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ [٧] بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا مِنْ بُكَائِهِ مِنَ الْجُوعِ، مَا فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَلَكِنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ [٨] بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ،
يمٌ، وَذَلِكَ أَنَا إِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وَجَدُّهُ، فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ فَمَا بَقِيَتِ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إِلَّا أَخَذَتْ رضيعا غيري، فلما أجمعنا
الانْطِلاقَ قُلْتُ لِصَاحِبِي: وَاللَّهِ إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللَّهِ لأَذْهَبَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلآخُذَنَّهُ، قَالَ: لا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا أَخَذْتُهُ رَجَعْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، وَشَرِبَ حَتَّى رُوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ، ثُمَ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا أَنَّهَا الْحَافِلُ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشَبَعًا فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعْلَمِي وَاللَّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَرَكِبْتُ أَتَانِي وَحَمَلْتُهُ عليها معي، فو الله لَقَطَعْتُ بِالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى أَنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَيْحَكِ أَرْبِعِي [١] عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هذا أَتَانُكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا، فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهَا لَهِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا، قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَلا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا،
وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا، قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَلا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَى حِينِ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لَبَنًا فَنَحْلِبُ وَنَشْرَبُ، وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمُ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لَبَنًا، فَلَمْ يَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ، وَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لا يَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كَانَ غُلامًا جَفْرًا [٢] فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لما ترى مِنْ بَرَكَتِهِ، فَكَلَّمْنَا أُمَّهُ وَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يَغْلُظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ، فَلَمْ نَزَلْ بِهِ حَتَّى ردته معنا، فرجعنا به، فو الله إِنَّهُ بَعْدَ مَقْدَمِنَا بِهِ بِأَشْهُرٍ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بُهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إِذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ فَقَالَ لِي وَلأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا منتقعا لوجهه، قال: فالتزمنه والتزمه أبوه، فقلنا: مالك يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بيض فأضجعاني فشقا
بَطْنِي، فَالْتَمَسَا فِيهِ شَيْئًا لا أَدْرِي مَا هُوَ، قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ إِلَى خِيَامِنَا، وَقَالَ لِي أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ: مَا أَقْدَمَكِ بِهِ يَا ظِئْرُ [١] . وَلَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكِ، قُلْتُ: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ الأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ عَلَيْكِ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكِ، فَأَصْدِقِينِي خَبَرَكِ، قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا، قَالَتْ: أَفَتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: كَلا وَاللَّهِ، مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وإن لبني لشأنا، أَفَلا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثم حملت به، فو الله مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ وَلا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لِوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً. قَالَ السُّهَيْلِيّ: وذكر غير ابن إسحق فِي حَدِيثِ الرَّضَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لا يُقْبِلُ إِلَّا عَلَى ثَدْيِهَا الْوَاحِدِ، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِ الآخَرَ فَيَأْبَاهُ، كَأَنَّهُ قَدْ أَشْعَرَ أَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا فِي لِبَانِهَا، وَكَانَ مَفْطُورًا عَلَى الْعَدْلِ، مَجْبُولا عَلَى جَمِيلِ الْمُشَارَكَةِ وَالْفَضْلِ ﷺ.
أَنَّهُ قَدْ أَشْعَرَ أَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا فِي لِبَانِهَا، وَكَانَ مَفْطُورًا عَلَى الْعَدْلِ، مَجْبُولا عَلَى جَمِيلِ الْمُشَارَكَةِ وَالْفَضْلِ ﷺ. وَيُرْوَى أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بُهْمًا لَنَا أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، فَأَخَذَانِي فَشَقَّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قلبي فسقاه، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلا قَلْبِي وَبَاطِنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لَوَزَنَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّم. وَفِيهَا: وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ كما هو الآن.
وَزَنَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّم. وَفِيهَا: وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ كما هو الآن.
قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدِّيهِ، قِيلَ: بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْغَدَاءِ، وَقِيلَ: بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهُوَ أَتَمُّ مِنَ الاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَدَاءِ دُونَ الْعَشَاءِ. وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ يُعْذِبُهُ وَمَعْنَاهُ مَا يُقْنِعُهُ حَتَّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَنْقَطِعُ عَنِ الرَّضَاعِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَذَبْتُهُ وَأَعْذَبْتُهُ إِذَا قَطَعْتُهُ عَنِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْعَذُوبُ وَجَمْعُهُ عُذُوبٌ بِالضَّمِّ، وَلا يُعْرَفُ فَعُولٌ جُمِعَ عَلَى فُعُولٍ غَيْرَهُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ انْتَهَى كَلامُ السُّهَيْلِيِّ ﵀. وَأَنْشَدَنِي أَبِي ﵀ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَهْجُو قَوْمًا بَاتَ ضَيْفَهُمْ: بِتْنَا عُذُوبًا وَبَاتَ الْبَقُّ يَلْبَسُنَا ... نَشْوِي الْقَرَاحَ كَأَنْ لا حَيَّ بِالْوَادِي وَذَكَرَ فِي فُعُولٍ غَيْرَ عُذُوبٍ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ (كِتَابٍ لَيْسَ) لابْنِ خَالوَيْهِ. وَقَوْلُهُ: أَدمتْ بِالرَّكْبِ حَبَسْتُهُمْ، وَكَأَنَّهُ مِنَ الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ الْوَاقِفُ. وَيُرْوَى أَذمتْ أَيْ الأَتَانُ أَيْ جَاءَتْ بِمَا تذمُّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ ذَمَّةٌ أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ:
. وَيُرْوَى أَذمتْ أَيْ الأَتَانُ أَيْ جَاءَتْ بِمَا تذمُّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ ذَمَّةٌ أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: يَسُوطَانِهِ، يُقَالُ: سُطْتُ اللَّبَنَ أَوِ الدَّمَ أَوْ غَيْرَهُمَا أَسُوطُهُ إِذَا ضَرَبْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَالْمُسَوِّطُ عُودٌ يُضْرَبُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: مَغْمَز الشَّيْطَانِ، هُوَ الَّذِي يَغْمِزُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ كُلِّ مَوْلُودٍ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مريم وأمه لقول أمها حنة: إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [١] وَلأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيِّ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا خُلِقَ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلا يَدُلُّ هَذَا عَلَى فَضْلِهِ ﵇ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لأنه محمدا عند ما نُزِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّهُ غُسِلَ قَلْبُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَوَهِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَوَى ذَلِكَ ذاهبا في ذلك إلى أنها واقعة واحدة مُتَقَدِّمَةُ التَّارِيخِ عَلَى لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ بِكَثِيرٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ هَذَا التَّقْدِيسُ وَهَذَا التَّطْهِيرُ مَرَّتَيْنِ: الأُولَى فِي حَالِ الطُّفُولِيَّةِ، لِيُنَقِّيَ قَلْبَهُ مِنْ مَغْمَزِ الشَّيْطَانِ، وَالثَّانِيَةُ: عند ما أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَلِيُصَلِّيَ بِمَلائِكَةِ السَّمَوَاتِ، وَمَنْ شَأْنِ الصَّلاةِ الطَّهُورُ، فَقُدِّسَ
بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَمُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [١] . رَجْعٌ إِلَى الأَوَّلِ: وَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ: وَكَانَتْ حَلِيمَةُ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ مَكَّةَ لا تَدَعُهُ أَنْ يَذْهَبَ مَكَانًا بَعِيدًا، فَغَفَلَتْ عَنْهُ يَوْمًا فِي الظَّهِيرَةِ، فَخَرَجَتْ تَطْلُبُهُ حَتَّى تَجِدَهُ مَعَ أُخْتِهِ، فَقَالَتْ: فِي هَذَا الْحَرِّ؟ فَقَالَتْ أُخْتُهُ: يَا أُمَّهْ، مَا وَجَدَ أَخِي حَرًّا، رَأَيْتُ غَمَامَةً تُظِلُّ عَلَيْهِ، إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ، وَإِذَا سَارَ سَارَتْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، تَقُولُ أُمُّهَا: أَحَقًّا يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: إِي وَاللَّهِ قَالَ: تَقُولُ حَلِيمَةُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا نَحْذَرُ عَلَى ابْنِي، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: رَجَعَ إِلَى أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: رُدَّ إليها وهو ابن أربع سنين، وهذا كله عن الواقدي. وقال أبو عمر: ردته ظئره حليمة إلى أمه بعد خمس سِنِينَ وَيَوْمَيْنِ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ عَامِ الْفِيلِ، وَأَسْلَمَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شجنة بن جابر بن رزام بن ناضرة بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَتْ حَلِيمَةُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ،
َيْنٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قُرِئَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الصُّوفِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ: سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ سنة خمس وستمائة قَالَ: أَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ قَالَ: أنا أبو علي نصر الله بن أحمد بْنِ عُثْمَانَ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَيْدَانِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَ: أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ. هَكَذَا رُوِّينَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَكَذَا حَكَى أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ أنها أسلمت
وَرَوَتْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ وَفَدَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ تَشْكُو إِلَيْهِ السَّنَةَ [١] ، وَأَنَّ قَوْمَهَا قَدْ أَسْنَتُوا، فَكَلَّمَ لَهَا خَدِيجَةَ فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ رَأْسًا مِنْ غَنَمٍ وَبَكَرَاتٍ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الأرمين فِي اسْتِدْرَاكِهِ عَلَى أَبِي عُمَرَ خَوْلَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ خِدَاشٍ الَّتِي أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِنَّ أَيْضًا أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَة حاضنته ﵇.
ْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ خِدَاشٍ الَّتِي أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِنَّ أَيْضًا أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَة حاضنته ﵇.
ذكر الخبر عن وفاة أمه آمنة بنت وهب وحضانة أم أيمن له وكفالة عبد المطلب إياه قال ابن إسحق: فكان رسول الله ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي كِلاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ سِنِينَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِالأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ [١] ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ فِي الْخَبَرِ: تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقَالَ: وَتُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ عَامِ الْفِيلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ.
َنَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ عَامِ الْفِيلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. رَجْعٌ إِلَى ابن إسحق، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ تُزِيرُهُ إِيَّاهُمْ، فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ ذَلِكَ الْفِرَاشِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهِ لا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلالا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلامٌ جَفْرٌ [٢] حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا رَأَى ذلك منهم: دعوا بنيّ، فو الله إِنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ، وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ. قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ الزَّاهِدِ: أخبرك أبو إسحق إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ أَبُو إسحق: وَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالا: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قال: أنا ابن درستويه قال: أنا
يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مَهْدِيُّ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ كِنْدِيرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: رُدَّ إِلَيَّ رَاكِبِي مُحَمَّدَا ... ارْدُدْهُ رَبِّ وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ بَعَثَ ابْنَ ابْنِهِ فِي إِبِلٍ لَهُ ضَلَّتْ، وَمَا بَعَثَهُ فِي شَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ، قَالَ: فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى جَاءَ بِالإِبِلِ مَعَهُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا بُنَيَّ حَزَنْتُ عَلَيْكَ حُزْنًا لا يُفَارِقُنِي بَعْدَهُ أَبَدًا، قَالُوا: وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تُحَدِّثُ تَقُولُ: كُنْتُ أَحْضُنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَغَفَلْتُ عَنْهُ يَوْمًا فَلَمْ أَدْرِ إِلَّا بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِي يَقُولُ: يَا بَرَكَةُ؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ وَجَدْتُ ابْنِي؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي، قَالَ: وَجَدْتُهُ مَعَ غِلْمَانٍ قَرِيبًا مِنَ السِّدْرَةِ، لا تَغْفَلِي عَنِ ابْنِي، فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ابْنِي نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَا لا آمَنُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا قال: عليّ بابني، فيؤتي به إليه.
مُونَ أَنَّ ابْنِي نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَا لا آمَنُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا قال: عليّ بابني، فيؤتي به إليه. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ أَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ الزُّهْرِيُّ عن ابن لعبد الرحمن بن موهب ابن رَبَاحٍ الأَشْعَرِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قال: حدثني مخرمة بن نوفل قال: [قال الزهري] [١] : سمعت أمي رَقِيقَةَ بِنْتُ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تُحَدِّثُ وَكَانَتْ لِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: تَتَابَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ سِنُونَ ذَهَبْنَ بِالأَمْوَالِ، وَأَشْفَيْنَ عَلَى الأَنْفُسِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ فِي الْمَنَامِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ هَذَا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ مِنْكُمْ وَهَذَا إِبَّانُ خُرُوجِهِ، وَبِهِ يَأْتِيكُمْ بِالْحَيَا وَالْخِصْبِ، فَانْظُرُوا رَجُلا مِنْ أَوْسَطِكُمْ نَسَبًا، طِوَالا عِظَامًا، أَبْيَضَ مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، أَهْدَبَ الأَشْفَارِ جَعْدًا، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ رَقِيقَ الْعِرْنَيْنِ، فَلْيَخْرُجْ هُوَ وَجَمِيعُ وَلَدِهِ، وَلْيَخْرُجْ مِنْكُمْ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَتَطَهَّرُوا وَتَطَيَّبُوا ثُمَّ اسْتَلِمُوا الرُّكْنَ، ثُمَّ ارْقُوا إِلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ [٢] ثُمَّ يتقدم هذا الرجل
نْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَتَطَهَّرُوا وَتَطَيَّبُوا ثُمَّ اسْتَلِمُوا الرُّكْنَ، ثُمَّ ارْقُوا إِلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ [٢] ثُمَّ يتقدم هذا الرجل
فَيَسْتَسْقِي وَتُؤَمِّنُونَ، فَإِنَّكُمْ سَتُسْقَوْنَ، فَأَصْبَحَتْ فَقَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَيْهِمْ، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا هَذِهِ الصِّفَةَ صِفَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ، ثُمَّ عَلَوْا عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَمَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ غُلامٌ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ المطلب وقال: لا هم [١] هَؤُلاءِ عَبِيدُكَ وَبَنُو عَبِيدِكَ، وَإِمَاؤُكَ وَبَنَاتُ إِمَائِكَ، وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مَا تَرَى، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ السِّنُونَ، فَذَهَبَتْ بِالظِّلْفِ وَالْخُفِّ، وَأَشْفَتْ عَلَى الأَنْفُسِ، فَأَذْهِبْ عَنَّا الْجَدْبَ، وَائْتِنَا بِالْحَيَا وَالخِصْبِ، فَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَالَتِ الأَوْدِيَةُ، وَبِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُقُوا، فَقَالَتْ رَقِيقَةَ بِنْتُ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: بِشَيْبَةَ الْحَمْدِ أَسْقَى اللَّهُ بَلْدَتَنَا ... وَقَدْ فَقَدْنَا الْحَيَا وَاجْلَوَّذَ [٢] الْمَطَرُ فَجَادَ بِالْمَاءِ جَوْنِيٌّ لَهُ سُبُلٌ ... دَانٍ فَعَاشَتْ بِهِ الأَنْعَامُ وَالشَّجَرُ مَنًّا مِنَ اللَّهِ بِالْمَيْمُونِ طَائِرُهُ ... وَخَيْرِ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ مُبَارَكُ الأَمْرِ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ... مَا فِي الأَنَامِ لَهُ عَدْلٌ ولا خطر
ِ طَائِرُهُ ... وَخَيْرِ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ مُبَارَكُ الأَمْرِ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ... مَا فِي الأَنَامِ لَهُ عَدْلٌ ولا خطر
ذكر وفاة عبد المطلب وكفالة أبي طالب رسول الله ﷺ ثم إِنَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ هَلَكَ عَنْ سِنٍّ عَالِيَةٍ مُخْتَلَفٌ فِي حَقِيقَتِهَا، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ: أَدْنَاهَا فِيمَا انْتَهَى إِلَيَّ وَوَقَفْتُ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ، وَأَعْلاهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ أَيْضًا عَنْ نَوْفَلِ بْنِ عُمَارَةَ قَالَ، كَانَ عُبَيْدُ بْنُ الأَبْرَصِ تِرْبَ [١] عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَلَغَ عُبَيْدٌ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بَعْدَهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ عَامِ الْفِيلِ، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقِيلَ: بَلْ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابن ثلاث سنين، وحكاه أَبُو عُمَرَ. وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَهْلِكِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُوصِيهِ بِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لأَبٍ وَأُمٍّ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ فَكَانَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ.
لَّهِ ﷺ وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لأَبٍ وَأُمٍّ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ فَكَانَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ مُقِلًّا مِنَ الْمَالِ، وَكَانَتْ لَهُ قطعَةٌ مِنَ الإِبِلِ تَكُونُ بِعُرَنَةَ [٢] ، فَيَبْدُو إِلَيْهَا فَيَكُونُ فِيهَا، وَيُؤْتَى بِلَبَنِهَا إِذَا كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ، فَكَانَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا أَكَلُوا جَمِيعًا وَفُرَادَى لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَبِعُوا، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ يَقُولُ: كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنِي، فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ، فَيُفْضِلُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَبَنًا شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمْ، ثُمَّ تَنَاوَلَ الْقَعْبَ [٣] فَيَشْرَبُونَ مِنْهُ، فيروون من عند أخرجهم من القعب الواحد،
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لِيَشْرَبُ قَعْبًا وَحْدَهُ فَيَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّكَ لَمُبَارَكٌ. وَكَانَ الصِّبْيَانُ يُصْبِحُونَ شُعْثًا رُمْصًا [١] ، وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَهِينًا كَحِيلا، وَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ وَكَانَتْ تَحْضُنُهُ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكَا جُوعًا قَطُّ وَلا عطشا، وكان يغدوا إِذَا أَصْبَحَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا سبعان.
ذكره سفره ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام وخبره مع بحيرى الراهب وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله ﵇ قبل النبوة قَالَ أَبُو عُمَرَ: سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مِنْ الْفِيلِ وَشَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَمَانِ سِنِينَ يَوْمَ الْفِجَارِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ، الْمَاوَرْدِيُّ: خَرَجَ بِهِ ﵇ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لَهُ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ كَانَ ابن اثنتي عشرة سنة قال ابن إسحق ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ صَبَّ بِهِ [١] رسول الله ﷺ فيما يَزْعُمُونَ فَرَقَّ لَهُ أَبُو طَالِبٍ وَقَالَ: وَاللَّهِ لأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي وَلا يُفَارِقُنِي وَلا أُفَارِقُهُ أَبَدًا أَوْ كَمَا قَالَ، فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى [٢] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وبها راهب يقال له: بحيرى [٣] فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إِلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَلَمَّا نزلوا ذلك العام ببحيرى وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَعْرِضُ لَهُمْ، حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامَ، فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ،
مَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا في
ظل شجرة قريبا منه، فنطر إِلَى الْغَمَامَةِ حَتَّى أَظَلَّتِ الشَّجَرَةَ وَتَهَصَّرَتْ [١] أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بحيرى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَقَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَصُنِعَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلُّكُمْ، صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ، وَعَبِيدُكُمْ وَحُرُّكُمْ، فَقَالَ له رجل منهم: والله يا بحيري إِنَّ بِكَ الْيَوْمَ لَشَأْنًا، مَا كُنْتَ تَصْنَعَ هَذَا بِنَا وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا، ما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَتَأْكُلُوا مِنْهُ كُلُّكُمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا نزل بحيرى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ،: لا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي! قَالُوا لَهُ: يا بحيري مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إِلَّا غُلامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، قَالَ: لا تَفْعَلُوا، ادْعُوهُ فَلْيَحْضُرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِنْ كَانَ لَلُؤْمًا بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فاحتضنه وأجلسه مع القوم،
ؤْمًا بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وتفرقوا قام إليه بحيرى فَقَالَ لَهُ: يَا غُلامُ! أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأُلَكَ عَنْهُ- وإنما قال له بحيرى ذَلِكَ لأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا- فَزَعَمُوا أن رسول الله ﷺ قَالَ: لا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى شَيْئًا، فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بحيرى: فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ مِنْ نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ وَيُخْبِرُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فيوافق ذلك ما عند بحيرى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَا هَذَا الْغُلامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي، قَالَ: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ
لابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَأَسْرَعَ بِهِ إِلَى بِلادِهِ، فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ، فَزَعَمُوا أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ كَانُوا رَأَوْا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا رَأَى بحيرى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عمه أبي طالب فأرادوه، فردهم عنه بحيرى فِي ذَلِكَ، وَذَكَّرَهُمُ اللَّهَ تَعَالَى وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا لَمْ يَخْلُصُوا، إِلَيْهِ حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فتركوه وانصرفوا عنه. قَوْلُهُ: فَصَبَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الصَّبَابَةُ: رِقَّةُ الشَّوْقِ، وَصَبَبْتُ أَصُبُّ، وعند بعض الرواة: فضبت بِهِ أَيْ: لَزِمَهُ، قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الأَعْرَجُ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ أبي إسحق عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلا يَلْتَفِتُ، قَالَ: فَهُمْ يَحِلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رسول الله ﷺ ثم قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ الأَشْيَاخُ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟
َيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ الأَشْيَاخُ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكْمُ حِينَ أَشْرَفْتُمْ عَلَى الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي لأَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التِّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ قَالُوا: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا سَبْعَةٌ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا، أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أَخْبَرَنَا خبره، بعثنا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا، فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أَخْبَرَنَا خَبَرَهُ بعثنا لِطَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ
هُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ
أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلالا، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مَنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن غزوان أبو نوح لقبه: فراد، انفرد به البخاري ويونس بن أبي إسحق انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، وَهِيَ إِرْسَالُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِلالا، وَكَيْفَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ لَمْ يَبْلُغِ الْعَشْرَ سِنِينَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسَنُّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بِأَزْيَدَ مِنْ عَامَيْنِ، وَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةُ أَعْوَامٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ عَلَى مَا قَالَهُ آخَرُونَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ بِلالا لَمْ يَنْتَقِلْ لأَبِي بَكْرٍ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثلاثين عاما، فإنه كان لبني حلف الجمحيين وعند ما عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَلَى الإِسْلَامِ اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ رَحْمَةً لَهُ وَاسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ: فبايعوه، إن كان المراد فبايعوا بحيرى عَلَى مُسَالَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا أَدْرِي ما هو.
مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ: فبايعوه، إن كان المراد فبايعوا بحيرى عَلَى مُسَالَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا أَدْرِي ما هو. رجع إلى خبر ابن إسحق: وكان رسول الله ﷺ يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي غِلْمَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَارًا وَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ، فَإِنِّي لأُقْبِلُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ، إِذْ لَكَمَنِي لاكِمٌ مَا أَرَاهُ لَكْمَةً وَجِيعَةً، ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إِزَارَكَ قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ: ثُمَّ جَعَلْتُ أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ كَانَ ﷺ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ وَإِزَارُهُ مَشْدُودٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يا ابن أَخِي: لَوْ جَعَلْتَ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، فَفَعَلَ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِزَارِي إِزَارِي، فَشُدَّ عَلَيْهِ إِزَارُهُ وَقَامَ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ ضَمَّهُ الْعَبَّاسُ إِلَى نَفْسِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ أَنِ اشْدُدْ عَلَيْكَ إِزَارَكَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: وَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَا نُودِيَ. قال وحديث أبي إسحق إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الأَمْرِ كَانَ مَرَّتَيْنِ فِي
حَالِ صِغَرِهِ وَعِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مرتين. وَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيِّ بِمَرْجِ دِمَشْقَ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بن سهل بن بشر بن أحمد الإسفرايني قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ عُثْمَانَ الأَزْدِيُّ قَالَ: أَنَا الْقَاضِي أَبُو الحسن علي بن محمد بن إسحق الْحَلَبِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ بِبَغْدَادَ، ثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أبي عن محمد بن إسحق. وَبِهِ قَالَ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ علي بن أبي طالب ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا هَمَمْتُ بِقَبِيحٍ مِمَّا يَهُمُّ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، كِلْتَاهُمَا عَصَمَنِي اللَّهُ ﷿ مِنْهَا، قُلْتُ لَيْلَةً لِفَتًى كَانَ مَعِي مِنْ قُرَيْشٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي غَنَمٍ لأَهْلِهِ يَرْعَاهَا: «أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَسْمُرَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ كَمَا يَسْمُرُ الْفِتْيَانُ» قَالَ: نَعَمْ، «فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا جِئْتُ أَدْنَى دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ غِنَاءً وَصَوْتَ دُفُوفٍ وَمَزَامِيرَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟
نُ» قَالَ: نَعَمْ، «فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا جِئْتُ أَدْنَى دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ غِنَاءً وَصَوْتَ دُفُوفٍ وَمَزَامِيرَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلانٌ تَزَوَّجَ فُلانَةً لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَهَوْتُ بِذَلِكَ الْغِنَاءِ وَبَذِلَكَ الصَّوْتِ، حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ فَعَلْتُ اللَّيْلَةَ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي مِثْلُ مَا قِيلَ لِي، فَسَمِعْتُ كَمَا سَمِعْتُ حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ لِي: مَا فَعَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا» ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِغَيْرِهِمَا بِسُوءٍ مِمَّا يَعْمَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ ﷿ بِنُبُوَّتِهِ» [١] وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: كَانَتْ بُوَانَةُ صَنَمًا تَحْضُرُهُ قُرَيْشٌ وَتُعَظِّمُهُ وَتَنْسُكُ لَهُ وَتُحَلِّقُ عِنْدَهُ وَتَعْكُفُ عَلَيْهِ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْضُرُهُ مَعَ قَوْمِهِ، وَيُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الْعِيدَ مَعَهُمْ، فَيَأْبَى ذَلِكَ، قَالَتْ: حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا طَالِبٍ غَضِبَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ الْغَضَبِ، وَجَعَلْنَ يَقُلْنَ: إِنَّا لَنَخَافُ عَلَيْكَ مِمَّا تَصْنَعُ مِنَ اجْتِنَابِ آلِهَتِنَا، وَيَقُلْنَ: مَا تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَحْضُرَ لِقَوْمِكَ عِيدًا وَلا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا
ْكَ مِمَّا تَصْنَعُ مِنَ اجْتِنَابِ آلِهَتِنَا، وَيَقُلْنَ: مَا تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَحْضُرَ لِقَوْمِكَ عِيدًا وَلا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا
بِهِ حَتَّى ذَهَبَ فَغَابَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَجَعَ مَرْعُوبًا فَزِعًا، فَقُلْنَا: مَا دَهَاكَ، قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي لَمَمٌ، فَقُلْنَا: مَا كَانَ اللَّهُ ﷿ ليبتلك بِالشَّيْطَانِ وَكَانَ فِيكَ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ مَا كَانَ فَمَا الَّذِي رَأَيْتَ؟ قَالَ: إِنِّي كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي: وَرَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ لا تَمَسَّهُ، قَالَتْ: فَمَا عَادَ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ حَتَّى تَنَبَّأَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ.
ذكر رعيته ﷺ الْغَنَمَ رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَزْرَقِيُّ قَالا: ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْقُرَشِيُّ عَنْ جَدِّهِ سَعِيدٍ (يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَاعِيَ غَنَمٍ» قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَأَنَا رَعَيْتُهَا لأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ» . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ الإِبِلِ وَأَصْحَابِ الْغَنَمِ تَنَازُعٌ، فَاسْتَطَالَ أَصْحَابُ الإِبِلِ، قَالَ: فَبَلَغَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وهو راعي غنم، وبعث وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» [١] .
شهوده ﷺ يوم الفجار ثم حلف الْفُضُولِ قَالَ السِّهَيْلِيُّ: وَالْفِجَارُ (بِكَسْرِ الْفَاءِ) بِمَعْنَى الْمُفَاجَرَةِ، كَالْقِتَالِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قِتَالا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَفَجَرُوا فِيهِ جَمِيعًا، فَسُمِّيَ الْفِجَارَ، وَكَانَتْ لِلْعَرَبِ فِجَارَاتٌ أَرْبَعَةٌ ذَكَرَهَا الْمَسْعُودِيُّ [١] آخِرُهَا فِجَارُ الْبَرَّاضِ وَهُوَ هَذَا، وَكَانَ لِكِنَانَةَ وَلِقَيْسٍ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مَذْكُورَةٍ يَوْمُ شَمْظَةَ وَيَوْمُ العيلاءِ، وَهُمَا عِنْدَ عُكَاظٍ، وَيَوْمُ الشّربِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا يَوْمًا فِيهِ قَيَّدَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وَسُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ ابْنَا أُمَيَّةَ أَنْفُسَهُمْ كَيْ لا يَفِرُّوا فَسُمُّوا الْعَنَابِسَ، وَيَوْمَ الْحَرِيرَةِ عِنْدَ نَخْلَة، وَيَوْمُ الشّربِ انْهَزَمَتْ قَيْسٌ إِلَّا بَنِي نَصْرٍ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ ثَبَتُوا، وَكَانَ انْقِضَاءُ أَمْرِ الْفِجَارِ عَلَى يَدَيْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ هَوَازِنَ تَوَاعَدُوا مَعَ كِنَانَةَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ بِعُكَاظٍ، فَجَاءُوا لِلْوَعْدِ، وَكَانَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ رَئِيسَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ، وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، فَضَنَّ بِهِ حَرْبٌ وَأَشْفَقَ مِنْ خُرُوجِهِ مَعَهُ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ ببين الصَّفَّيْنِ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ مُضَرَ: عَلامَ تُفَانُونَ، فَقَالَتْ: لَهُ هَوَازِنُ: مَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ قَالَ: الصُّلْحُ عَلَى أَنْ نَدْفَعَ لَكُمْ دِيَةَ قَتْلاكُمْ وَتَعْفُوا عَنْ دِمَائِنَا، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: نَدْفَعُ لَكْمُ رَهْنًا مِنَّا، قَالُوا: وَمَنْ لَنَا بِهَذَا؟ قَالَ: أَنَا، قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَرَضَوْا بِهِ، رَضِيَتْ بِهِ كِنَانَةُ وَدَفَعُوا إِلَى هَوَازِنَ أَرْبَعِينَ رَجُلا فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ،
ْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَرَضَوْا بِهِ، رَضِيَتْ بِهِ كِنَانَةُ وَدَفَعُوا إِلَى هَوَازِنَ أَرْبَعِينَ رَجُلا فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَلَمَّا رَأَتْ بَنُو عَامِرِ بْنُ صَعْصَعَةَ الرَّهْنَ فِي أَيْدِيهِمْ عَفَوْا عَنِ الدِّمَاءِ وَأَطْلَقُوهُمْ، وَانْقَضَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقَاتِلْ فِيهَا. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِدَهَا وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَقَالَ: قَالَ عَلَيْهِ
السَّلامُ: «قَدْ حَضَرْتُهُ مَعَ عُمُومَتِي وَرَمَيْتُ فِيهِ بَأَسْهُمٍ وَمَا أُحِبُّ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ» [١] . وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِلْفَ الْفُضُولِ مُنْصَرَفَ قُرَيْشٍ مِنَ الْفِجَارِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَكَانَ الْفِجَارُ فِي شَوَّالٍ، وَهَذَا الْحِلْفُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ أَشْرَفَ حِلْفٍ كَانَ قَطُّ، وَأَوَّلُ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاجْتَمَعَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَزُهْرَةُ وَبَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا بِاللَّهِ، لَنَكُونَنَّ مَعَ الْمَظْلُومِ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَيْهِ حَقُّهُ مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وَقَالَ ﵇: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ حُمُرِ النَّعَمِ وَأَنِّي أَغْدِرُ بِهِ بِعَيْنِهِ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ بَنِي هاشم بهذا الحلف.
ْنِ جُدْعَانَ حُمُرِ النَّعَمِ وَأَنِّي أَغْدِرُ بِهِ بِعَيْنِهِ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ بَنِي هاشم بهذا الحلف.
ذكر سفره ﵇ إلى الشام مرة ثانية وتزويجه خديجة ﵍ بعد ذلك قال ابن إسحق: وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي عَقِبِ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ من يوم الفيل. وقال الزهري: كانت سنن رسول الله ﷺ يوم تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ وَغَيْرُهُ: كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، قَالُوا: وَخَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
: وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ وَغَيْرُهُ: كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، قَالُوا: وَخَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ الدَّوْلابِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ أَبُو بَكْرٍ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنْيَةَ أُخْتِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، وَحَدِيثُ أَحَدِهِمَا دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ الآخَرِ مَعَ تَقَارُبِ اللَّفْظِ، وَرُبَّمَا زَادَ أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عَلَى الآخَرِ، وَكِلاهُمَا يُنْمِي إِلَى نَفِيسَةَ قَالَتْ: لَمَّا بلغ رسول الله ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ بِمَكَّةَ اسْمٌ إِلَّا الأَمِينَ لِمَا تَكَامَلَتْ فِيهِ مِنْ خِصَالِ الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أَخِي أَنَا رَجُلٌ لَا مَالَ لِي، وَقَدِ اشْتَدَّ الزَّمَانُ عَلَيْنَا، وَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا سِنُونٌ مُنْكَرَةٌ، وَلَيْسَ لَنَا مَادَّةٌ وَلا تِجَارَةٌ، وَهَذِهِ عِيرُ قَوْمِكَ قَدْ حَضَرَ خُرُوجُهَا إِلَى الشَّامِ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَبْعَثُ رِجَالا مِنْ قَوْمِكَ فِي عيرانها، فيتجرون لها في ما لها، وَيُصِيبُونَ مَنَافِعَ، فَلَوْ جِئْتَهَا فَوَضَعْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهَا لأسرعت
إِلَيْكَ، وَفَضَّلَتْكَ عَلَى غَيْرِكَ، لِمَا يَبْلُغُهَا عَنْكَ مِنْ طَهَارَتِكَ، وَإِنْ كُنْتُ لأَكْرَهُ أَنْ تَأْتِيَ الشَّامَ، وَأَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ يَهُودَ، وَلَكِنْ لا نَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ كَثِيرٍ وَتِجَارَةٍ وَتَبْعَثُ بِهَا إِلَى الشَّامِ فَتَكُونُ عِيرُهَا كَعَامَّةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ وَتَدْفَعُ إِلَيْهِمُ الْمَالَ مُضَارَبَةً، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ تَاجِرًا مِنْ قُرَيْشٍ فَلَيْسَ عِنْدَهْمُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلَعَلَّهَا تُرُسِلُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُوَلِّيَ غَيْرَكَ فَتَطُلُبَ أَمْرًا مُدَبَّرًا فَتَرْقَا، وَبَلَغَ خَدِيجَةَ مَا كَانَ مِنْ مُحَاوَرَةِ عَمِّهِ لَهُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أمانته، وكرم أخلافه، فَقَالَتْ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ هَذَا، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: إِنَّهُ دَعَانِي إِلَى الْبَعْثَةِ إِلَيْكَ مَا بَلَغَنِي مِنْ صِدْقِ حَدِيثِكَ، وَعِظَمِ أَمَانَتِكَ، وَكَرَمِ أَخْلاقِكَ، وَأَنَا أُعْطِيكَ ضِعْفَ مَا أُعْطِي رَجُلا مِنْ قَوْمِكَ، فَفَعَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَلَقِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَرِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَخَرَجَ مَعَ غُلامِهَا مَيْسَرَةَ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، وَجَعَلَ عُمُومَتُهُ يُوصُونَ بِهِ أَهْلَ الْعِيرِ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، فَنَزَلا فِي سُوقِ بُصْرَى فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صومعة راهب قال لَهُ: نُسْطُورَا، فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا مَيْسَرَةُ مَنْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ فَقَالَ مَيْسَرَةُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ،
جَرَةِ؟ فَقَالَ مَيْسَرَةُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ؟ قَالَ مَيْسَرَةُ: نَعَمْ لا تُفَارِقُهُ، قَالَ الرَّاهِبُ: هُوَ هُوَ وَهُو آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَيَا لَيْتَ أَنِّي أُدْرِكُهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، فَوَعَى ذَلِكَ مَيْسَرَةُ، ثُمَّ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُوقَ بَصْرَى فَبَاعَ، سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا وَاشْتَرَى، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ اخْتِلافٌ فِي سِلْعَةٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: احْلِفْ بِاللَاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: الْقَوْلُ قَوْلُكَ، ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ وَخَلا بِهِ: يَا مَيْسَرَة هَذَا نَبِيٌّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَإِنَّهُ لَهُوَ تَجِدُهُ أَحْبَارُنَا مَنْعُوتًا فِي كُتُبِهِمْ، فَوَعَى ذَلِكَ مَيْسَرَةُ، ثُمَّ انْصَرَفَ أَهْلُ الْعِيرِ جَمِيعًا، وَكَانَ مَيْسَرَةُ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الحريري مَلَكَيْنِ يُظِلانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، قَالَ: وَكَانَ اللَّهُ ﷿ قَدْ أَلْقَى علي رسول الله ﷺ الْمَحَبَّةَ مِنْ مَيْسَرَةَ، فَكَانَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَجَعُوا وكانوا بمر الظهران [١] تقدم رسول



