— Bagian 4 · إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉. وَسَيَأْتِي بِ… —
Bagian 4
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉. وَسَيَأْتِي بِسَنَدِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ كتب النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ. أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ حُضُورًا فِي الرَّابِعَةِ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن عبد المؤمن بن أبي الفتح بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَرْجِ دِمَشْقَ، قَالا: أَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُلاعِبٍ قَالَ: أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ الأُرْمَوِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الْمِهْرَوَانِيُّ بِانْتِقَاءِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ الْحَافِظِ عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو سَهْلٍ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الْعُكْبَرِيُّ، ثَنَا أَبُو صَالِحٍ سَهْلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُوسَوِيُّ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الْغَزِّيُّ بِالرَّمْلَةِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ ثَنَا شَيْخُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ البصري: ثنا حماد بن سلمة عن عمر بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . [١]
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . [١] وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: كُنْتُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ رسول الله ﷺ فخرجت إِلَى بَعْضِ حَاجَتِي، فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ، فَقُلْتُ: أَنَا فِي جِوَارِ عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي، فَلَمَّا أَخَذْتُ مَضْجَعِي إِذَا مُنَادٍ يُنَادِي لا أَرَاهُ: عُذْ بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْجِنَّ لا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقُلْتُ: أَيُّمَ تَقُولُ؟ فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ بِالْحَجُونِ [٢] وَأَسْلَمْنَا وَاتَّبَعْنَاهُ، وَذَهَبَ كَيْدُ الْجِنِّ وَرُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَهَبْتُ إِلَى دَيْرِ أَيُّوبَ، فَسَأَلْتُ رَاهِبًا بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: صَدَقُوكَ، نَجِدُهُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجِرُهُ الْحَرَمُ، وَهُوَ خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ، فَلا تُسْبَقْ إِلَيْهِ، قَالَ تَمِيمٌ: فَتَكَلَّفْتُ الشُّخُوصَ حَتَّى جئت رسول الله ﷺ فأسلمت.
وَمُهَاجِرُهُ الْحَرَمُ، وَهُوَ خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ، فَلا تُسْبَقْ إِلَيْهِ، قَالَ تَمِيمٌ: فَتَكَلَّفْتُ الشُّخُوصَ حَتَّى جئت رسول الله ﷺ فأسلمت.
خَبَرُ قِسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الإِيَادِيِّ قُرِئَ عَلَى الشَّيْخَةِ الأَصِيلَةِ أَمَةِ الْحَقِّ (شَامِيَّةَ) [١] ابْنَةِ الإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ بِالْقَاهِرَةِ قالت: أنا أبو محمد عبد الجليل بن أَبِي غَالِبِ بْنِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ مَنْدوَيْهِ الأَصْبَهَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ عَشْرٍ وستمائة قَالَ: أَنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ نَصْرُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَرْمَكِيُّ الْجُرْجَانِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ سَنَةَ تسع وأربعين وخمسمائة قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانِ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ قَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَعْرِفُ قِسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الإِيَادِيَّ» قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَعْرِفُهُ، قَالَ: «فَمَا فَعَلَ» ؟ قَالُوا: هَلَكَ، قَالَ: «مَا أَنْسَاهُ بِعُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ: اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا وَعُوا، من عاش مات، من مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لِعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لا تَغُورُ،
آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لِعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لا تَغُورُ، أَقْسَمَ قِسٌّ قَسَمًا حَتْمًا لَئِنْ كَانَ فِي الأَمْرِ رِضًى لَيَكُونَنَّ سُخْطًا، إن الله لَدِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أنتم عليه، مالي أرى
النَّاسَ يَذْهَبُونَ وَلا يَرْجِعُونَ، أَرَضَوْا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا، أَمْ تَرَكُوا فَنَامُوا» ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ» ، فَأَنْشَدُوهُ: فِي الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الأَصَاغِرُ والأكابر لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيِّ بِدِمَشْقَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ قَالَ: أَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلْيِه وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ عِيسَى الْفُسْطَاطِيُّ بِمَكَّةَ مِنْ حِفْظِهِ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً فِي ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ ست وستين وثلاثمائة عَلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:
ّ بِمَكَّةَ مِنْ حِفْظِهِ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً فِي ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ ست وستين وثلاثمائة عَلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْبَارِيُّ، ثَنَا أَبِي عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ وَجَدْتُ صِفَتَكَ فِي الإِنْجِيلِ، وَلَقَدْ بَشَّرَ بِكَ ابْنُ الْبَتُولِ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَآمَنَ الْجَارُودُ وَآمَنَ مِنْ قَوْمِهِ كُلُّ سَيِّدٍ، فَسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ وَقَالَ: «يَا جَارُودُ هَلْ فِي جَمَاعَةِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مَنْ يُعَرِّفُ لَنَا قِسًّا» قَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْقَوْمِ كُنْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ، كَانَ مِنْ أَسْبَاطِ الْعَرَبِ فَصِيحًا، عمر سبعمائة سَنَةٍ، أَدْرَكَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ سَمْعَانَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَأَلَّهَ مِنَ الْعَرَبِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يُقْسِمُ بِالرَّبِّ الَّذِي هُوَ لَهُ لَيَبْلُغَنَّ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَلَيُوَفَّيَنَّ كُلُّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: هَاجَ لِلْقَلْبِ مِنْ جَوَاهُ ادِّكَارُ ... وَلَيَالٍ خِلالَهُنَّ نَهَارُ فِي أَبْيَاتٍ آخِرُهَا: وَالَّذِي قَدْ ذَكَرْتَ دَلَّ عَلَى اللَّهِ ... نُفُوسًا لَهَا هُدًى واعتبار
اهُ ادِّكَارُ ... وَلَيَالٍ خِلالَهُنَّ نَهَارُ فِي أَبْيَاتٍ آخِرُهَا: وَالَّذِي قَدْ ذَكَرْتَ دَلَّ عَلَى اللَّهِ ... نُفُوسًا لَهَا هُدًى واعتبار
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رَسْلِكَ يَا جَارُودُ، فَلَسْتُ أَنْسَاهُ بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ [١] وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ مَا أَظُنُّ أَنِّي أَحْفَظُهُ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي أَحْفَظُهُ، كُنْتُ حَاضِرًا ذَلِكَ اليوم بسوق عكاظ، فقال في خطبته: يا أيها النَّاسُ: اسْمَعُوا وَعُوا، وَإِذَا وَعَيْتُمْ فَانْتَفِعُوا، إِنَّهُ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، مَطَرٌ وَنَبَاتٌ، وَأَرْزَاقٌ وَأَقْوَاتٌ، وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، وَأَحْيَاءٌ وَأَمْوَاتٌ، جَمْعٌ وَأَشْتَاتٌ، وَآيَاتٌ بَعْدَ آيَاتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَرًا، لَيْلٌ دَاجٍ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ رِتَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ مَالِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلا يَرْجِعُونَ، أَرَضَوْا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا هُنَاكَ فَنَامُوا، أَقْسَمَ قِسٌّ قَسَمًا لا حَانِثًا فِيهِ وَلا آثِمًا: إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَنَبِيًّا قَدْ حَانَ حِينُهُ وَأَظَلَّكُمْ أَوَانُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِهِ فَهَدَاهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: تَبًّا لأَرْبَابِ الْغَفْلَةِ مِنَ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، يَا مَعْشَرَ إِيَادٍ: أَيْنَ الآبَاءُ وَالأَجْدَادُ، وَأَيْنَ الْمَرِيضُ وَالْعُوَّادُ، وَأَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ، أَيْنَ مَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ، وَغَرَّهُ الْمَالُ وَالْوَلَدُ، أَيْنَ مَنْ بَغَى وَطَغَى، وَجَمَعَ فَأَوْعَى، وَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، أَلَمْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ أَمْوَالا، وَأَطْوَلَ مِنْكُمْ آجَالا، وَأَبْعَدَ مِنْكُمْ آمَالا،
َ فَأَوْعَى، وَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، أَلَمْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ أَمْوَالا، وَأَطْوَلَ مِنْكُمْ آجَالا، وَأَبْعَدَ مِنْكُمْ آمَالا، طَحَنَهُمُ الثَّرَى بِكَلْكَلِهِ وَمَزَّقَهُمْ بِتَطَاوُلِهِ، فَتِلْكَ عِظَامُهُمْ بَالِيَةٌ، وَبُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ، عَمَّرَتْهَا الذِّئَابُ الْعَاوِيَةُ، كَلا: بَلْ هُوَ اللَهُ الْوَاحِدُ الْمَعْبُودُ، ليس بوالد ولا مولد، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فِي الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا ... لة حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرُ قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، وَقَامَ رَجُلٌ أَشْدَقُ أَجَشُّ الصَّوْتِ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ قِسٍّ عَجَبًا، خَرَجْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي، حَتَّى إِذَا عَسْعَسَ اللَّيْلُ وَكَادَ الصُّبْحُ أن يتنفس هتف بي هاتف يقول: يا أيها الرَّاقِدُ فِي اللَّيْلِ الأَحَمّ ... قَدْ بَعَثَ اللَّهُ نبيا في الحرم
مِنْ هَاشِمٍ أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْكَرَمْ ... يَجْلُو دَجَنَاتِ اللَّيَالِي وَالْبُهُمْ قَالَ: فَأَدَرْتُ طَرَفِي فَمَا رَأَيْتُ شخصا، فأنشأت أقول: يا أيها الْهَاتِفُ فِي دَاجِي الظُّلَمْ ... أَهْلا وَسَهْلا بِكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمّ بَيِّنْ هَدَاكَ اللَّهُ فِي لَحْنِ الْكَلِمْ ... مَنْ ذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ تَغْتَنِمْ قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِنَحْنَحَةٍ وَقَائِلٍ يَقُولُ: ظَهَرَ النُّورُ، وَبَطَلَ الزُّورُ، وَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَبُورِ، صَاحِبَ النَّجِيبِ الأحمر، والتاج والمغفر، وَالْوَجْهِ الأَزْهَرِ، وَالْحَاجِبِ الأَقْمَرِ، وَالطَّرْفِ الأَحْوَرِ، صَاحِبَ قَوْلِ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَذَلِكَ مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ إِلَى الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ، أَهْلِ الْمَدَرِ وَالْوَبَرِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبَثْ ... وَلَمْ يُخَلِّنَا سُدًا مِنْ بَعْدِ عِيسَى وَاكْتَرَثْ أَرْسَلَ فِينَا أَحْمَدا خَيْرَ نَبِيٍّ قَدْ بُعِثْ ... صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا حَجَّ لَهُ رَكْب وَحَثْ قَالَ: وَلاحَ الصَّبَاحُ وَإِذَا بِالْفَنِيقِ [١] يُشَقْشِقُ [٢] إِلَى النُّوقِ، فَمَلَكْتُ خِطَامَهُ وَعَلَوْتُ سَنَامَهُ، حَتَّى إِذَا لَغَبَ [٣] فَنَزَلَ فِي رَوْضَةٍ خَضِرَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِقِسِّ بْنِ سَاعِدَةَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ يَنْكُثُ بِهِ فِي الأَرْضِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَالْمَلْحُودُ فِي جَدَثٍ ... عليهم من بقايا بزهم حرق دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصَاحُ بِهِمْ ... فَهُمْ إِذَا انْتَبَهُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فُرُقُوا حَتَّى يَعُودُوا بِحَالٍ غَيْرِ حَالِهِمْ ... خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا مِنْ قبله خلقوا منهم عراة ومنهم من ثِيَابِهِمُ ... مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْمَنْهَجُ الْخَلَقُ
الٍ غَيْرِ حَالِهِمْ ... خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا مِنْ قبله خلقوا منهم عراة ومنهم من ثِيَابِهِمُ ... مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْمَنْهَجُ الْخَلَقُ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَإِذَا أَنَا بِعَيْنٍ خَرَّارَةٍ فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ، وَمَسْجِدٍ بَيْنَ قَبْرَيْنِ، وَأَسَدَيْنِ عَظِيمَيْنِ يَلُوذَانِ بِهِ، وَإِذَا بِأَحَدِهِمَا قَدْ سَبَقَ الآخَرَ إِلَى الْمَاءِ، فَتَبِعَهُ الآخَرُ يَطْلُبُ الْمَاءَ، فَضَرَبَهُ بِالْقَضِيبِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ حَتَّى يَشْرَبَ الَّذِي وَرَدَ قَبْلَكَ، فَرَجَعَ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ؟ قَالَ: هَذَانِ قَبْرَا أَخَوَيْنِ كَانَا لِي يَعْبُدَانِ اللَّهَ ﷿ مَعِي فِي هَذَا الْمَكَانِ، لا
يُشْرِكَانِ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَأَدْرَكَهُمَا الْمَوْتُ فَقَبَرْتُهُمَا، وَهَا أَنَا بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِهِمَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِمَا وَجَعَلَ يَقُولُ: خَلِيلَيَّ هُبَّا طَالَمَا قَدْ رَقَدْتُمَا ... أَجِدَّكُمَا لا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا أَلَمْ تعلما أني بسمعان مفردا ... ومالي فِيهِ مِنْ خَلِيلٍ سِوَاكُمَا مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحًا ... طُوَالَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبُ صَدَاكُمَا أبكيكما طُولَ الْحَيَاةِ وَمَا الَّذِي ... يَرُدُّ عَلَى ذِي لَوْعَةٍ أَنْ بَكَاكُمَا كَأَنَّكُمَا وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ غَائِبٍ ... بِرُوحِي فِي قَبْرَيْكُمَا قَدْ أَتَاكُمَا أَمِنْ طُولِ نوم لا يجيبان دَاعِيًا ... كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ [١] سَقَاكُمَا فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسٍ وِقَايَةً ... لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ فِدَاكُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ قِسًّا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ ﷿ أُمَّةً وَحْدَهُ» .
ْتُ بِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ فِدَاكُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ قِسًّا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ ﷿ أُمَّةً وَحْدَهُ» .
خبر سواد بن قارب وكان يتكهن في الجاهلية وكان شاعرا ثم أسلم قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ وَثَّابٍ الصُّورِيِّ بِالزُّعَيْزِعَيَّةِ بِمَرْجِ دِمَشْقَ قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخَانِ الْمُؤَيِّدُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ نَزِيلُ أَصْبَهَانَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ عَائِشَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ الْفَاخِرِ الْقُرَشِيَّةُ إِجَازَةً قَالا: أَنَا أَبُو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي قراءة عليه ونحن نسمع بِأَصْبَهَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو نَصْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيُّ الْكِسَائِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُقْرِئِ قَالَ: أَنَا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حُجْرِ بْنِ النُّعْمَانِ السَّامِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الأَنْبَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بن عبد الرحمن لو قاصي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَعْرِفُ هَذَا الْمَارَّ؟ قَالَ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِي أَتَاكَ رئيك بظهور رسول الله ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهَذَا أَحَدٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ عُمَرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ، فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيِّكَ بِظُهُورِ رسول الله ﷺ؟ قال: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَا أَنَا ذَاتَ ليلة بين النائم واليقظان، إذا أتاني رئيى فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ فَاسْمَعْ مَقَالَتِي وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله ﷿ وإلى عِبَادَتِهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتِطْلابِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيس بِأَقْتَابِهَا
تَهْوَى إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا صَادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... لَيْسَ قَدَامَاهَا كَأَذْنَابِهَا قَالَ: قُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ أتاني فضربي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ فَاسْمَعْ مَقَالَتِي، وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله ﷿ وإلى عبادته ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتِخْبَارِهَا ... وَشَدِّهَا العيس بأكوراها تَهْوَى إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُ لجن كَكُفَّارِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا قَالَ: قُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ، فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَتَانِي فضربني برجله وقال: ثم يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ فَاسْمَعْ مَقَالَتِي، وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله ﷿ وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتِجْسَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلاسِهَا تَهْوَى إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا خَيْرُ الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... وَاسْمُ بعينك إِلَى رَاسِهَا فَقُمْتُ فَقُلْتُ: قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبِي، فَرَحَلْتُ نَاقَتِي ثُمَّ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رسول الله ﷺ وَصَحْبُهُ حَوْلَهُ، فَدَنَوْتُ فَقُلْتُ: اسْمَعْ مَقَالَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَاتْ» فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: أَتَانِي نجى بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ ... وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْتُ بِكَاذِبِ ثَلاثُ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَشَمَّرْتُ مِنْ ذَيْلِي الأَزَارَ وَوَسَّطَتْ ... بِيَ الذِّعْلِبُ [١] الْوَجْنَاءُ بني السَّبَاسِبِ [٢]
. أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَشَمَّرْتُ مِنْ ذَيْلِي الأَزَارَ وَوَسَّطَتْ ... بِيَ الذِّعْلِبُ [١] الْوَجْنَاءُ بني السَّبَاسِبِ [٢] فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرَهُ ... وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَائِبِ وَأَنَّكَ أَدْنَى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأَكْرَمِينَ الأَطَايِبِ فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفَاعَةٍ ... سِوَاكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ قَالَ، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِمَقَالَتِي فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى رُؤِيَ الْفَرَحُ فِي وُجُوهِهِمْ، قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْكَ، فَهَلْ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَمَّا مُنْذُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فَلَا، وَنِعْمَ الْعَوَضُ كِتَابُ اللَهِ مِنَ الْجِنِّ، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ يَقُولُ: كُنَّا يَوْمًا فِي حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُمْ: آلُ ذُرَيْحٍ، وَقَدْ ذَبَحُوا عِجْلا لَهْمُ، وَالْجَزَّارُ يُعَالِجُهُ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتًا مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ ولا نرى شيئا: يا لآل ذُرَيْحٍ، أَمْرٌ نَجِيحٌ، صَائِحٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَدْ رُوِّينَا خَبَرُ سَوَادٍ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وُهَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْخَبَرَ أَخْصَرَ مِمَّا سُقْنَاهُ، وفِي الأَلْفَاظِ اخْتِلافٌ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَلِسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ هَذَا مَقَامٌ حَمِيدٌ فِي دَوْسٍ حِينَ بَلَغَهُمْ وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا.
َاظِ اخْتِلافٌ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَلِسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ هَذَا مَقَامٌ حَمِيدٌ فِي دَوْسٍ حِينَ بَلَغَهُمْ وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا. قَالَ: وَمِنْ هذا الباب خبر سوادة بِنْتَ زُهْرَةَ بْنِ كِلابٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا حِينَ وَلَدَتْ وَرَآهَا أَبُوهَا زَرْقَاءَ سِيمَاءَ أَمَرَ بِوَأْدِهَا، وَكَانُوا يَئِدُونَ مِنَ الْبَنَاتِ مَا كَانَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْحَجُونِ لِتُدْفَنَ هُنَاكَ، فلما حفر لها الحفار وَأَرَادَ دَفْنَهَا سَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: لا تَئِدِ الصَّبِيَّةَ وَخَلِّهَا فِي الْبَرِيَّةِ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَعَادَ لِدَفْنِهَا، فَسَمِعَ الْهَاتِفُ يَسْجَعُ بِسَجْعٍ آخَرَ فِي الْمَعْنَى، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهَا وَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ، فَقَالَ: إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا وَتَرَكَهَا، فَكَانَتْ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِبَنِي زُهْرَةَ: إِنَّ فِيكُمْ نَذِيرَةً، أَوْ: تَلِدُ نَذِيرًا، فَاعْرِضُوا عَلَيَّ بَنَاتِكُمْ، فَعُرِضْنَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَوْلا ظَهَرَ بَعْدَ حِينٍ، حَتَّى عُرِضَتْ عَلَيْهَا آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ فَقَالَتْ: هَذِهِ النَّذِيرَةُ، أَوْ: سَتَلِدُ نَذِيرًا، وَهُوَ خَبَرٌ طَوِيلٌ، ذَكَرَ الزُّبَيْرُ يَسِيرًا مِنْهُ، وَذَكَرَهُ بِطُولِهِ أَبُو بكر النقاش.
خَبَرُ مَازِنِ بْنِ الْغضُوبَةِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّغْلِبِيُّ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ بْنِ غَافِلٍ وَغَيْرُهُ قَالا: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: أَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَجِيهُ ابْنَا طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّحَّامِيَّانِ بِنَيْسَابُورَ قَالا: أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ الْجُوَيْنِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا الْمُنْذِرُ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعَمَّانِيِّ، عَنْ مَازِنِ بْنِ الْغضُوبَةِ قَالَ: كُنْتُ أَسْدُنُ صَنَمًا بِشمَالِ قَرْيَةٍ بِعَمَّانَ، فَعَتَرْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَهُ عَتِيرَةً (وَهِيَ الذَّبِيحَةُ) فَسَمِعْنَا صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ: يَا مَازِنُ اسْمَعْ تُسَرْ ... ظَهَرَ خَيْرٌ وَبَطُنَ شَرْ بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ مُضَرْ ... بِدِينِ اللَّهِ الْكبَرْ فَدَعْ نَحِيتًا من حجر ... تسلم من حسر سَقَرْ قَالَ: فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ فِي هَذَا لَعَجَبًا. قَالَ: ثُمَّ عَتَرْتُ بَعْدَ أَيَّامٍ عَتِيرَةً، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ: أَقْبِلْ إِلَيَّ أَقْبِلْ تَسْمَعْ مَا لَا يُجْهَلْ ... هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلْ جَاءَ بِحَقٍّ مُنْزَلْ فَآمِنْ بِهِ كَيْ تَعْدِلْ ... عَنْ حَرِّ نَارٍ تُشْعَلْ وَقُودُهَا بِالْجَنْدَلْ فَقُلْتُ: إِنَّ فِي هَذَا لَعَجَبًا وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ يُرَادُ بِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ قُلْنَا: مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ قَالَ: ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ:
َلِكَ إِذْ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ قُلْنَا: مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ قَالَ: ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: هَذَا نَبَأٌ مَا سَمِعْتُهُ، فَثُرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَرْتُهُ جُذَاذًا، وَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَرَحَ لِي الإِسْلامَ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: كَسَرْتُ بَادرَ أَجْذَاذًا وَكَانَ لَنَا ... رَبًّا نُطِيفُ بِهِ ضُلًّا بِتِضْلالِ
بِالْهَاشِمِيِّ هَدَانَا مِنْ ضَلالَتِنَا ... وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّي عَلَى بَالِ يَا رَاكِبًا بَلِّغَنْ عَمْرًا وإخوتها ... إني لمن قال ربي بادر قالي يَعْنِي بِعَمْرٍو بَنِي الصَّامِتِ وَإِخْوَتَهَا بَنِي الْخَطامَةِ، قَالَ مَازِنٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مولع بالطرب وبشرب الخمر. بالهلوك مِنَ النِّسَاءِ، وَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا السِّنُونَ فَذَهَبْنَ بِالأَمْوَالِ، وَهَزَلْنَ الذَّرَارِيُّ وَالْعِيَالُ، وَلَيْسَ لِي وَلَدٌ، فَادْعُ اللَهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي مَا أَجِدُ وَيَأْتِينِي بِالْحَيَا، وَيَهِبُ لِي وَلَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَبْدِلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِالْحَرَامِ الْحَلالَ، وَبِالْخَمْرِ رَيًّا لا إِثْمَ فِيهِ، وَبِالْعَهْرِ عِفَّةَ الْفَرْجِ، وَائْتِهِ بِالْحَيَا وَهَبْ لَهُ وَلَدًا» قَالَ مَازِنٌ: فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا كُنْتُ أَجِدُ، وَتَعَلَّمْتُ شَطْرَ الْقُرْآنِ، وَحَجَجْتُ حِجَجًا وَأَخْصَبْتُ عَمَّانَ، وَوَهَبَ اللَهُ لِي حَيَّانَ بْنَ مَازِنٍ، وَأَنْشَدْتُ أَقُولُ: إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي ... تَجُوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مِنْ وَطِئَ الْحَصَى ... فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي وَأَرْجِعَ بِالفَلْجِ إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتَ فِي اللَّهِ دِينَهُمْ ... فَلا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلا شَرْجُهُمْ شَرْجِي وَكُنْتُ امْرَأً بِالرُّعْبِ والخمر مولعا ... شبابي حنى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
ّهِ دِينَهُمْ ... فَلا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلا شَرْجُهُمْ شَرْجِي وَكُنْتُ امْرَأً بِالرُّعْبِ والخمر مولعا ... شبابي حنى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً ... وَبِالْعُهْرِ إِحْصَانًا فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الْجِهَادِ وَنِيَّتِي ... فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي وَلِلَّهِ ما حجي وَرُوِّينَا عَنْ زَمْلِ بْنِ عَمْرٍو الْعُذْرِيِّ قَالَ: كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ (خُمَامٌ) فكانوا يعظمون، وَكَانَ فِي بَنِي هِنْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُذْرَةَ، وَكَانَ سَادِنُهُ رَجُلا يُقَالُ لَهُ: طَارِقٌ، وَكَانُوا يَعْتَرُونَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْنَا صَوْتًا يَقُولُ: يَا بَنِي هِنْدِ بْنِ حَرَامٍ ظَهَرَ، الْحَقُّ وَأَوْدَى خُمَام وَدَفَعَ الشِّرْكَ الإِسْلامُ، قَالَ: فَفَزِعْنَا لِذَلِكَ وَهَالَنَا، فَمَكَثْنَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَمِعْنَا صَوْتًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا طَارِقُ يَا طَارِقُ، بُعِثَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ، بِوَحْيٍ نَاطِقٍ، صَدَعَ صَادِعَةً بِأَرْضِ تِهَامَةَ [١] ، لِنَاصِرِيهِ السَّلامَةُ، وَلِخَاذِلِيهِ النَّدَامَةُ، هَذَا الْوَدَاعُ مِنِّي إِلَى يوم القيامة. قال زمل: فوقع الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ. قَالَ زَمْلٌ: فَابْتَعْتُ رَاحِلَةً وَرَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي وَأَنْشَدْتُهُ شِعْرًا قُلْتُهُ:
إليك رسول الله أعلمت نَصَّهَا ... أُكَلِّفُهَا حُزْنًا وَقوزا مِنَ الرَّمَلِ لأَنْصُرَ خَيْرَ النَّاسِ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ... وَأَعْقِدُ حَبْلا مِنْ حِبَالِكَ فِي حَبْلِي وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لا شَيْءَ غَيْرَهُ ... أَدِينُ لَهُ مَا أَثْقَلَتْ قَدَمِي نعلي في خبر ذكره وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ هِشَامٍ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ لِمِرْدَاسٍ أَبِي عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ وَثَنٌ يَعْبُدُهُ وَهُوَ حَجَرٌ يُقَالُ لَهُ: ضِمَارُ، فَلَمَّا حَضَرَ مِرْدَاسٌ قَالَ لِعَبَّاسٍ: أَيْ بُنَيَّ: اعْبُدْ ضِمَارَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ وَيَضُرُّكَ، فَبَيْنَمَا عَبَّاسٌ يَوْمًا عِنْدَ ضِمَارَ إِذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِ ضِمَارَ مُنَادِيًا يَقُولُ: قَلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا ... أَوْدَى ضِمَار وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَنَّ الَّذِي وَرَثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِ أَوْدَى ضِمَار وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً ... قَبْلَ الْكِتَابِ إِلَى النبي محمد فَحَرَقَ الْعَبَّاسُ ضِمَار وَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي لَهَبٍ يُقَالُ لَهُ: لُهَيْبٌ، أَوْ: لُهَيْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: حَضَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ عِنْدَهُ الْكَهَانَةَ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حراسة السماء، وزجر الشياطين، ومعهم مِنَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النُّجُومِ، وَذَلِكَ أَنَا اجْتَمَعْنَا إِلَى كَاهِنٍ لَنَا يُقَالُ لَهُ: خطرُ بْنُ مَالِكٍ: وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ كُهَّانِنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا خطرُ هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، فَإِنَّا قَدْ فَزِعْنَا لِذَلِكَ وَخِفْنَا سُوءَ عَاقِبَتِهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَحَرٍ ... أُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ ألخير أم ضرر ... أولا لأَمْنٍ أَوْ حَذَرٍ.
َدْ فَزِعْنَا لِذَلِكَ وَخِفْنَا سُوءَ عَاقِبَتِهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَحَرٍ ... أُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ ألخير أم ضرر ... أولا لأَمْنٍ أَوْ حَذَرٍ. قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ يَوْمَنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ فِي وَجْهِ السَّحَرِ أَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ شَاخِصٌ فِي السَّمَاءِ بِعَيْنَيْهِ، فَنَادَيْنَاهُ: يَا خَطَرُ يَا خطرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا أَمْسِكُوا فَأَمْسَكْنَا فَانْقَضَّ نَجْمٌ عَظِيمٌ مِنَ السَّمَاءِ وَصَرَخَ الْكَاهِنُ رَافِعًا صَوْتَهُ: أصابه أصابه- خامرة عقابه- عالة عَذَابُهُ- أَحْرَقَهُ شِهَابُهُ- زَايَلَهُ جَوَابُهُ- يَا وَيْلَهُ مَا حَالُهُ- بَلْبَلَهُ بَلْبَالُهُ- عَاوَدَهُ خبَالُهُ- تَقَطَّعَتْ حِبَالُهُ- وَغُيِّرَتْ أَحْوَالُهُ. ثُمَّ أَمْسَكَ طَوِيلا يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قَحْطَانَ: ... أُخْبِرُكُمْ بِالْحَقِّ وَالْبَيَانِ.
أَقْسَمْتُ بِالْكَعْبَةِ وَالأَرْكَانِ ... وَالْبَلَدِ الْمُؤْتَمِنِ السّدَانِ. قَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُتَاةُ الْجَانِ ... بِثَاقِبٍ بِكَفِّ ذِي سُلْطَانِ. مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمٍ الشَّانِ ... يُبْعَثُ بِالتَّنْزِيلِ وَالْفُرْقَانِ. وَبِالْهُدَى وَفَاضِلِ الْقُرْآنِ ... تَبْطُلُ بِهِ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا خطرُ، إِنَّكَ لَتَذْكُرُ أَمْرًا عَظِيمًا، فَمَاذَا تَرَى لِقَوْمِكَ؟ فَقَالَ: أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي ... أَنْ يتبعوا خير بني الإِنْسِ بُرْهَانُهُ مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ ... يُبْعَثُ فِي مَكَّةَ دَارِ الْحمْسِ بِمُحَكَمِ التَّنْزِيلِ غَيْرِ اللَّبْسِ فقلنا لنا: يَا خطرُ وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْحَيَاةُ وَالْعَيْشُ ... ... إِنَّهُ لِمَنْ قُرَيْشٍ. مَا فِي حُكْمِهِ طَيْشٌ ... ... وَلا فِي خَلْقِهِ هيشٍ [١] . يَكُونُ فِي جَيْشٍ وَأَيِّ جَيْشٍ ... ... مِنْ آلِ قَحْطَانَ وَآلِ أَيْش. فَقُلْنَا: بَيِّنْ لَنَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْبَيْتِ ذِي الدَّعَائِمِ ... ... أَنَّهُ لِمَنْ نَجْلِ هَاشِمٍ.
َحْطَانَ وَآلِ أَيْش. فَقُلْنَا: بَيِّنْ لَنَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْبَيْتِ ذِي الدَّعَائِمِ ... ... أَنَّهُ لِمَنْ نَجْلِ هَاشِمٍ. مِنْ مَعْشَرِ أَكَارِمَ ... ... يُبْعَثُ بِالْمَلاحِمِ. وَقَتَلَ كُلَّ ذِي ظَالِمٍ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْبَيَانُ ... ... أَخْبَرَنِي بِهِ رَئِيسُ الْجَانِّ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ وَانْقَطَعَ عَنِ الْجِنِّ الْخَبَرُ. ثُمَّ سَكَتَ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَمَا أَفَاقَ إِلَّا بَعْدَ ثَلاثَةٍ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ نَطَقَ عَنْ مِثْلِ نُبُوَّةٍ، وَإِنَّهُ لَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ» . قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْمَعْنَى وَصَابَهُ مِثْلَ وَشَاحَ وَأَشَاحَ وَتَكُونُ الْهَمْزَةُ بَدَلا مِنْ وَاوٍ مَكْسُورَةٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَاجَهْ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا إِسْرَائِيلَ، ثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُرَيْشًا أَتَوُا امْرَأَةً كَاهِنَةً فَقَالُوا لَهَا: أَخْبِرِينَا: أشبهنا أثرا بصاحب المقام؟ فقالت: إن أنتم حررتم كِسَاءً عَلَى هَذِهِ السَّهْلَةِ ثُمَّ مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا أَنْبَأْتُكُمْ، فَجَرُّوا كِسَاءً ثُمَّ مَشَى النَّاسُ عَلَيْهَا، فَأَبْصَرَتَ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: هذا أقربكم إليها شَبَهًا، ثُمَّ مَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدا ﷺ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا مُوسَى، ثَنَا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مَرُّوا بِجَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، فَإِذَا هُمْ بِشَيْخٍ مِنْ جَرْهَمٍ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمْ؟ قُلْنَا: نَحْنُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ ذَاتَ يَوْمٍ: لَقَدْ طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمٌ، لَقَدْ بُعِثَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بُعِثَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
ذَاتَ يَوْمٍ: لَقَدْ طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمٌ، لَقَدْ بُعِثَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بُعِثَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَقْدِسِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ: أَخْبَرَتْكُمْ أُمُّ النُّورِ عَيْنُ الشَّمْسِ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ الثَّقَفِيِّ [١] إِجَازَةً، قَالَتْ: أَنَا أَبُو الْفَتْحِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الأَخْشِيدِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، ثَنَا الشَّيْخُ الزَّكِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أله الْمُعَدَّلُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَاعٍ يَرْعَى بِالْجَزِيرَةِ، إِذْ عَرَضَ الذِّئْبُ لِشَاةٍ مِنْ شَائِهِ، فَحَالَ الرَّاعِي بَيْنَ الذِّئْبِ وَبَيْنَ الشَّاةِ، فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ فَقَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ: تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ رِزْقٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ! فَقَالَ الرَّاعِي: هَلْ أَعْجَبُ مِنْ ذِئْبٍ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي بِكَلامِ الإِنْسِ، فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنِّي، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ [٢] ، يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، فَسَاقَ الرَّاعِي شَاءَهُ فَأَتَى الْمَدِينَةَ، فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُهُ بِمَا قَالَ الذِّئْبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ الرَّاعِي، إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَلامَ السِّبَاعِ الإِنْسَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تقوم
ِّئْبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ الرَّاعِي، إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَلامَ السِّبَاعِ الإِنْسَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تقوم
السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ شِرَاكُ نَعْلِهِ، وَعَذَبَةُ صوته، وَيُخْبِرُهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُهُ» . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ قَوْمًا مِنْ خَثْعَمَ كَانُوا عِنْدَ صَنَمٍ لَهُمْ جُلُوسًا، وَكَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى أَصْنَامِهِمْ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَبَيْنَا الْخَثْعَمِيُّونَ عند صنمهم إذ سمعوا هاتفا يهتف: يا أيها النَّاسُ ذَوُو الأَجْسَامِ ... وَمُسْنِدُو الْحُكْمِ إِلَى الأَصْنَامِ أكلكم أوره كالكهام ... أم تَرَوْنَ مَا أَرَى أَمَامِي مِنْ سَاطِعٍ يَجْلُو دُجَى الظَّلامِ ... ذَاكَ نَبِيٌّ سَيِّدُ الأَنَامِ مِنْ هَاشِمٍ فِي ذُرْوَةِ السَّنَامِ ... مُسْتَعْلِنٌ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ جَاءَ بِهَدِّ الْكُفْرِ بِالإِسْلامِ ... أَكْرَمَهُ الرَّحْمَنُ مِنْ إِمَامِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَمْسَكُوا عَنْهُ سَاعَةً حَتَّى حَفِظُوا ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمْ تَمْضِ بِهِمْ ثَالِثَةٌ حَتَّى فَجِئَهُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بِمَكَّةَ، فَمَا أَسْلَمَ الْخَثْعَمِيُّونَ حَتَّى اسْتَأْخَرَ إِسْلامُهُمْ ورأوا عبرا عند صنمهم.
ئَهُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بِمَكَّةَ، فَمَا أَسْلَمَ الْخَثْعَمِيُّونَ حَتَّى اسْتَأْخَرَ إِسْلامُهُمْ ورأوا عبرا عند صنمهم. قال ابن إسحق: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الْجَرْشِيُّ أَنَّ جَنْبَا (بَطْنًا مِنَ الْيَمَنِ) كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: انْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فِي أَسْفَلِ جَبَلٍ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، طَوِيلا ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وظهر قَلْبَهُ وَحَشَاهُ، وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَلِيلٌ، ثُمَّ اشْتَدَّ فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جاء. والأخبار في هذا كثيرة.
ذكر المبعث
متى وجبت له ﷺ النبوة قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ محمد بن الْفَضْلِ بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الْخَضِرِ السُّلَمِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ العزيز بن أحمد الكتاني قَالَ: أَنَا تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، ثَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَنْمَاطِيِّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ سَمَاعًا وَأَبُو الْحَسَنِ الْمُؤَيِّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ إِجَازَةً قَالَ: أَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ: أنبأنا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَرَاوِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ: أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرازي قال: أنا محمد بن سنان العوفي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ بُدَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفجر قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجسد» [١] .
قِيقٍ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفجر قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجسد» [١] .
كم كانت سِنُّهُ ﷺ حِينَ بُعِثَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْقَوَّاسِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِعربيل بِغُوطَةِ دِمَشْقَ قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمُ الْقَاضِي الإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأَنْصَارِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِحُضُورِكَ فِي الرَّابِعَةِ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا جَمَالُ الإِسْلامِ أَبُو الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو نَصْرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طِلابٍ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ جُمَيْعٍ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِدِمْيَاطَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ التِّنِّيسِيُّ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الأَرْبَعِينَ، وَقُبِضَ عَلَى رَأْسِ السِّتِّينَ، وَمَا فِي رَأْسِهِ ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
َّثَنِي أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الأَرْبَعِينَ، وَقُبِضَ عَلَى رَأْسِ السِّتِّينَ، وَمَا فِي رَأْسِهِ ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
خبر بَعْثُهُ ﵇ إِلَى الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَلِيٍّ ضياء بن أبي القاسم بن الْخَرِيفِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْبَاقِلَّانِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسول الله ﷺ عَامَ تَبُوكَ [١] قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَهْمُ: «لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، أَمَّا أَوَّلُهُنَّ فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةٍ وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شهر لمليء مِنِّي رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ كُلُّهَا وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَهَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ. وَالْخَامِسَةُ قِيلَ لِي: سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [٢] . قريء عَلَى عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ الْمَوْصِلِيِّ وَأَنَا أسمع، أخبركم ابن طبرزد
قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ أَنَا ابْنُ غَيْلانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَمِعَ بِي مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ ثُمَّ لَمْ يُسْلِمْ دَخَلَ النَّارَ» . قَالَ ابْنُ إسحق: فلما بلغ رسول الله ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَكَافَّةً لِلنَّاسِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالإِيمَانِ بِهِ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ ما كان عليهم من الحق فيه، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي- أي ثقل ما حملتكم من عهدي- قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [١] . فَأَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ وَالنَّصْرِ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إِلَى مَنْ آمَنَ بِهِمْ، وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ به رسول الله ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَحَبَّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ.
رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَحَبَّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ الدَّوْلابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو قُرَّةَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضْلَةَ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَدْءِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِصَاحِبَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَقَالَتْ لَهُ: أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَصْنَعُ بِكَ إِلَّا خَيْرًا، فَذَكَرَ لَهَا أَنَّهُ رَأَى أَنَّ بَطْنَهُ أُخْرِجَ فَطُهِّرَ وَغُسِلَ ثُمَّ أُعِيدَ كَمَا كَانَ، قَالَتْ: هَذَا خَيْرٌ فَأَبْشِرْ، ثُمَّ اسْتَعْلَنَ بِهِ جِبْرِيلُ فَأَجْلَسَهُ عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ، وَبَشَّرَهُ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ ثُمَّ قال: اقرأ؟ قال: كيف أقرأ؟ قال:
َأَجْلَسَهُ عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ، وَبَشَّرَهُ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ ثُمَّ قال: اقرأ؟ قال: كيف أقرأ؟ قال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [١] فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَاتَّبَعَ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ من عند الله، وانصرف إلى أهله، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ قَالَ: أَرَأَيْتُكِ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكِ وَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ اسْتَعْلَنَ، فَأَخْبَرَهَا بِالَّذِي جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ جل وسمع فقالت: أبشر فو الله لا يَفْعَلُ اللَّهُ بِكَ إِلَّا خَيْرًا، فَاقْبَلِ الَّذِي أَتَاكَ اللَّهُ، وَأَبْشِرْ فَإِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الدَّوْلابِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَايذٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ ﷿ مُحَمَّدًا على رأس خمسين سنة مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ أَرَاهُ إِيَّاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ رُؤْيَا فِي النَّوْمِ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَفِي آخِرِهِ: فَلَمَّا قَضَى إِلَيْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْقَلِبًا إِلَى أَهْلِهِ، لا يَأْتِي عَلَى حَجَرٍ وَلا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ: سَلامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَهُوَ مُوقِنٌ، قَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. الْحَدِيثَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ» [٢]
مُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ» [٢] وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ ابن إسحق بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أن رسول الله ﷺ قَالَ لِخَدِيجَةَ: «إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا أَمْرٌ» ، قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ، وَتَصِلَ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بكر وَلَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ لَهُ، فَقَالَتْ: يَا عَتِيقُ اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى وَرَقَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ رسول الله ﷺ أخذ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى وَرَقَةَ، فَقَالَ: وَمَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ فَقَصَّا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً مِنْ خَلْفِي: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، إِذَا أَتَاكَ فَاثْبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ لَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي، فَلَمَّا خَلا نَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، قل بسم الله الرحمن
الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حتى بلغ: ولا الضالين، قال: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: اثْبُتْ [١] فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى وَإِنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّكَ سَتُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ لأُجَاهِدَنَّ مَعَكَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَرَقَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ الْقِسَّ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ لأَنَّهُ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي» ، يَعْنِي وَرَقَةَ [٢] . وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى، ثَنَا عُثْمَانُ بن عمرو بْنِ فَارِسٍ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الْهُنَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رسول الله ﷺ قال: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَسَارِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ مِنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً، بَارِدًا، فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عليّ ماء باردا، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مُثَنَّى عَنْ عُثْمَانَ بن عمر بن فارس [٣] .
ت هذه الآية: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مُثَنَّى عَنْ عُثْمَانَ بن عمر بن فارس [٣] . وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ- وهو التعبد- اللَّيَالِي ذَوَاتَ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ [٤] وَهُوَ فِي غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: مَا أَنَا بِقَارِئٍ [٥] ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
غَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ [١] حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ مَالِي، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ [٢] اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ [٣] ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ [٤] ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ [٥] ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكتب الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكتب مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكتب، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ: اسْمَعْ مِنَ إبن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ [٦] الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا [٧] ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رسول الله ﷺ: «أو مُخْرِجِيَّ هُمْ» قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، رَوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ وَهَذَا لَفْظُهُ [٨] .
َ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، رَوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ وَهَذَا لَفْظُهُ [٨] . ولرويناه مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَفْظُهُمْ مُتَقَارِبٌ، وَرَوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الدَّوْلابِيِّ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أو في بِذُرْوَةٍ كَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهَا تَبَدَّى لَهُ جبريل عليه
السَّلامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنْ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقَرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى ذُرْوَةً تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كان رسول الله ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالتَّحَنُّثُ التَّبُرُّرُ، فَكَانَ يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشَّهْرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى جِوَارَهُ مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ إِذَا انْصَرَفَ قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف به سَبْعًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كرامته، وذلك الشهر رمضان خرج ﷺ إِلَى حِرَاءٍ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ:
رِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ فغتتني بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ، أفغتني بِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَاذَا أَقْرأُ، مَا أَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا افْتَدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ قَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، فَقَرَأْتُهَا ثُمَّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنِّي وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كتب فِي قَلْبِي كِتَابًا، فَخَرَجْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنَ الْجَبَلِ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أنت رسول الله ﷺ وأنا جِبْرِيلُ، رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ فَإِذَا جبريل في صورة رجل صاف قديمه فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُول: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رسول الله ﷺ وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه فما أقدم وَمَا أَتَأَخَّرُ، وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَلا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إِلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيْهَا وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي، وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إِلَيْهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَيْنَ كُنْتَ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتُ رُسُلِي فِي طَلَبِكَ فَبَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيَّ! ثُمَّ حَدَّثْتُهَا بِالَّذِي رَأَيْتُ فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَمِّي وَاثْبُتْ،
ْتُ رُسُلِي فِي طَلَبِكَ فَبَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَيَّ! ثُمَّ حَدَّثْتُهَا بِالَّذِي رَأَيْتُ فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَمِّي وَاثْبُتْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذا الأُمَّةِ، ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ،
وَقَرَأَ الْكتب، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتِنِي يَا خَدِيجَةُ لَقَدْ جَاءَهُ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقُولِي لَهُ: فَلْيَثْبُتْ، فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إلى رسول الله ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ وَرَقَةَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ صَنَعَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فقال له: يا ابن أَخِي: أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي جَاءَ مُوسَى وَلْتُكَذِّبَنَّهُ وَلْتُؤْذِيَنَّهُ وَلْتُقَاتِلَنَّهُ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ فَقَبَّلَ يَأْفُوخَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رسول الله ﷺ إلى مَنْزِلِهِ.
َ الْيَوْمَ لأَنْصُرَنَّ اللَّهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ فَقَبَّلَ يَأْفُوخَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رسول الله ﷺ إلى مَنْزِلِهِ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ عَنْ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بن إسحق: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ خَدِيجَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيِ ابْنَ عَمِّ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي قالت: قم يا ابن عَمِّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، قَالَ: فَقَامَ رسول الله ﷺ فجلس عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، قَالَ: فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَتْ: فَتَحَوَّلَ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، فَتَحَوَّلَ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَتَحَسَّرَتْ فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ، قَالَ: «لا» قالت: يا ابن عَمِّ اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَلَكٌ مَا هَذَا بِشَيْطَانٍ.



