— Bagian 6 · ِينِي مِنْ رَبِّي، فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ… —
Bagian 6
ِينِي مِنْ رَبِّي، فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [٢]
السُّورَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [١] بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [٢] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ فَعَلَ لأَخَذَتْهُ الْمَلائِكَةُ عِيَانًا» قَالَ: ثَنَا أَبُو سَعْدٍ الأَشَجُّ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، فَزَبَرَهُ [٣] ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرَ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأخذته زبانية الله.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأخذته زبانية الله. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بن إسحق: اجْتِمَاعَ قُرَيْشٍ وَعَرْضَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا عَرَضُوا عَلَيْهِ مِنَ الأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلَهُ ﵇: «مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوالَكُمْ، وَلا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: فَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيُبْسِطْ عَلَيْنَا بِلادَنَا، وَلْيَخْرِقْ فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صدوق فَنَسْأَلَهُمْ عَنْ مَا تَقُولُ أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ. وَفِيهِ: وَقَالُوا لَه: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عنك، واسئله: فَلْيَجْعَلْ لَنَا جِنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالأَسْوَاقِ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ، وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ: فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسْفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ يَفْعَلُ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلائِكَةَ وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة
قُبَيْلا، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إِنَّمَا، يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَنْ نُؤْمِنَ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ مَعَكَ بِمَلَكٍ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ كَمَا تَقُولُ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُصَدِّقُكَ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا معشر قريش إني أعاهد الله لأجلس لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ، أَوْ كَمَا قَالَ: فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلاتِهِ فَضَخْتُ [١] بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوِ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ لا نُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أبدا فامض لما تريد، فلما أصبح أو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو،
ا تريد، فلما أصبح أو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ مَرْعُوبًا قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حِجْرِهِ حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: مالك يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إُلَيْهِ لأَفْعَلَ مَا قُلْتُ لَكُمُ الْبَارِحَةَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلا قَصَرَتِهِ وَلا أَنْيَابِهِ بِفَحْلٍ قَطُّ فَهَمَّ بِي أَنْ يأكلني، قال ابن إسحق: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ لَوْ دَنَا لأخذه» . وذكر في الخبر: بعث قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ وَقَالُوا لَهُمَا: سَلاهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الأَوَّلِ وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَسَأَلا أَحْبَارَ يَهُودَ فَقَالَتْ لَهُمَا: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ، وَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ،
ُهُ، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ، وَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ فَقَالا: قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ، فَقَالَ ﵇: «أخبركم
غَدًا» وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا، وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُحْدِثُ اللَّهِ إَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا وَلا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لا يُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، حَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ بسورة أصحاب الكهف، قال ابن إسحق فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدِ احْتَبَسْتَ عَنِّي يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [١] الآيَةَ وَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِحَمْدِهِ وَبِذِكْرِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﵇ وَفِيهَا ذِكْرُ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا وَهُمْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ، وَذِكْرُ الرَّجُلِ الطَّوَّافِ وَهُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنَ الروح: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [٢] الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَأَنَا اخْتَصَرْتُهُ.
لُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [٢] الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَأَنَا اخْتَصَرْتُهُ. قَالَ وَحُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمَكَ، قَالَ: «كُلًّا» قَالُوا: فإنك تتلوا فِيمَا جَاءَنَا أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٣] أَيْ إِنَّ التَّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَقْطِيعِ الأَرْضِ وَبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [٤] أَيْ لا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ إِلَّا مَا شِئْتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ إلى وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [٥] وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ إِلَى قَوْلِهِ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [١] وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ [٢] يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ [٣] وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَمَا هَمَّ بِهِ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [٤] حَتَّى آخِرِ السُّورَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ حَالَ الْحَسَدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اتِّبَاعِهِ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [٥] أَيِ اجْعَلُوهُ لَغْوًا وَبَاطِلا وَاتَّخِذُوهُ هُزُوًا لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ نَاظَرْتُمُوهُ أَوْ خَاصَمْتُمُوهُ غَلَبَكُمْ.
جْعَلُوهُ لَغْوًا وَبَاطِلا وَاتَّخِذُوهُ هُزُوًا لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ نَاظَرْتُمُوهُ أَوْ خَاصَمْتُمُوهُ غَلَبَكُمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا وَهُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّمَا جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ فِي النَّارِ وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمُ النَّاسُ كَثْرَةً وَعَدَدًا أَفَيَعْجِزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ في ذلك في قَوْلِهِ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [٦] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ جَعَلُوا إِذَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ مَا يتلوا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي اسْتَرَقَ السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرْقًا مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ، وَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ فَظَنَّ الَّذِي يَسْمَعُ أَنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن
ئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن
عَبَّاسٍ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [١] يَعْنِي فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانَ المهاجرون بِالظُّلْمِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ، وَابْنَ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بن الحرث، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَابْنَهُ حَنْظَلَةَ، وَالْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ النضر بن الحرث، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى الأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَابْنَهُ زَمْعَةَ، وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ، وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ الأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَأَخَاهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَمَّهُمَا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَابْنَهُ أَبَا قَيْسِ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَابْنَ عَمِّهِ قَيْسَ بْنَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَزُهَيْرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ أَخَا أَبِي سَلَمَةَ، وَصَيْفِيَّ بْنَ السَّائِبِ، وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ وَابْنَهُ عَمْرًا، وَابْنَ عَمِّهِ الْحَارِثَ بْنَ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ وَنُبَيْهًا وَمُنَبِّهًا ابْنَيِ الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحَ أُمَيَّةَ وَأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَأُنَيْسَ بْنَ معير أخا أبي محذورة، والحرث بْنَ الطُّلاطِلَةِ الْخُزَاعِيَّ،
يَّةَ وَأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَأُنَيْسَ بْنَ معير أخا أبي محذورة، والحرث بْنَ الطُّلاطِلَةِ الْخُزَاعِيَّ، وَعَدِيَّ بْنَ الْحَمْرَاءِ الثَّقَفِيَّ، فَهَؤُلاءِ كَانُوا أَشَدَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُثَابَرَةً بِالأَذَى وَمَعَهُمْ سَائِرُ قُرَيْشٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُونَ مِمَّنْ لا مَنَعَةَ لَهُ وَلا جِوَارَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْذَوْنَ. وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنَ الأَذَى وَالْعَذَابِ وَالْبَلاءِ عَظِيمًا، وَرَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ عَظِيمًا، لِيَدَّخِرَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ، وَيَرْفَعَ بِهِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَالإِسْلامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ يفشو في ذلك وَيَظْهَرُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَسْلَمَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَجَمَاعَةٌ أَرَادَ اللَّهُ هُدَاهُمْ. وَأَسْرَفَ بَنُو جُمَحَ عَلَى بِلالٍ بِالأَذَى وَالْعَذَابِ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ، وَاشْتَرَى أُمَّهُ حَمَامَةَ، فَأَعْتَقَهُمَا وَأَعْتَقَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ قَالَ لابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ أَرَاكَ تُعْتِقُ قَوْمًا ضُعَفَاءَ، فَلَوْ أَعْتَقْتَ قَوْمًا جُلَدَاءَ يَمْنَعُوكَ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، فَقِيلَ فِيهِ نَزَلَتْ: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ [١] إلى آخر السورة. وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلاوَمُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لبعض مثل مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ أَنْ لا نَعُودَ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عَرَفْتُ مَعْنَاهَا وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا، قَالَ الأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ،
َأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عَرَفْتُ مَعْنَاهَا وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا، قَالَ الأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ: مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إِذَا تجاذبنا على الركب وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ، وَاللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلا نُصَدِّقُهُ، فَقَامَ عنه الأخنس وتركه. وذكر ابن إسحق حَدِيثَ الأرَاشِيِّ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ الإِبِلَ وَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا، وَدَلالَةَ قُرَيْشٍ إِيَّاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُنْصِفَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ اسْتِهْزَاءً لِمَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: «مُحَمَّد» فَخَرَجَ إليه وما فيه وجهه من رائحة قد انتفع لَوْنُهُ فَقَالَ: «اعْطِ هَذَا حَقَّهُ» قَالَ: نَعَمْ، لا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُمُ الأرَاشِيُّ ذَلِكَ، فَقَالُوا لأَبِي جَهْلٍ: وَيْلَكَ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ! قال: ويحكم والله ما هو إلا
فَعَهُ إِلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُمُ الأرَاشِيُّ ذَلِكَ، فَقَالُوا لأَبِي جَهْلٍ: وَيْلَكَ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ! قال: ويحكم والله ما هو إلا
أَنْ ضَرَبَ عَلَى بَابِي وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ فَمُلِئْتُ رُعْبًا ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلا مِنَ الإِبِلِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلا قَصَرَتِهِ وَلا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لأَكَلَنِي. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالسا فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الْمَادَّةُ، أَوْ يُجْلَبُ إِلَيْكُمْ جَلَبٌ، أَوْ يَحِلُّ تَاجِرٌ بِسَاحَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَظْلِمُونَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَرَمِكُمْ يَقِفُ عَلَى الْحَلَقِ حَلَقَةً حَلَقَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى رسول الله ﷺ صَحْبِهِ، فَقال رَسُول اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ ظَلَمَكَ» ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدِمَ بِثَلاثَةِ أجمال كَانَتْ خِيرَةَ إِبِلِهِ، فَسَامَهُ بِهَا أَبُو جَهْلٍ ثُلُثَ أَثْمَانِهَا، ثُمَّ لَمْ يَسُمْهُ بِهَا لأَجَلِهِ سَائِمٌ قَالَ: فَأَكْسَدَ عَلَيَّ سِلْعَتِي وَظَلَمَنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَيْنَ أَجْمَالُكَ» ؟ قَالَ: هِيَ هَذِهِ بِالْحَزْوَرَةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ وَقَامَ أَصْحَابُهُ فَنَظَرَ إِلَى الْجَمَلِ فَرَأَى جِمَالا فَرِهًا، فَسَاوَمَ الزُّبَيْدِيَّ حَتَّى أَلْحَقَهُ بِرِضَاهُ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَاعَ جَمَلَيْنِ مِنْهَا بِالثَّمَنِ، وَأَفْضَلَ بَعِيرًا بَاعَهُ، وَأَعْطَى أَرَامِلَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثَمَنَهُ، وَأَبُو جَهْلٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السُّوقِ لا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو: إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ فَتَرَى مِنِّي مَا تَكْرَهُ»
َلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو: إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ فَتَرَى مِنِّي مَا تَكْرَهُ» فَجَعَلَ يَقُولُ: لا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ، لا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَمَنْ حَضَرَ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالُوا: ذُلِلْتَ فِي يَدَيْ مُحَمَّدٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعَهُ وَإِمَّا رُعْبٌ دَخَلَكَ مِنْهُ، قَالَ: لا أَتَّبِعُهُ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي رأيتم من لِمَا رَأَيْتُ مَعَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالا عَنْ يمينه وشماله معهم رِمَاحٌ يَشْرَعُونَهَا إِلَيَّ، لَوْ خَالَفْتُهُ لَكَانَتْ إِيَّاهَا، لأتوا على نفسي. قال أبو عمرو كان المستهزئون الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [١] عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِي، وَالأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبَا زَمْعَةَ، وَالأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، والحارث بن الغيطلة السهمي، فكان جبرئيل مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ بِهِمَا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْغَيْطَلَةِ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَشَكَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ فَقَالَ: كَفَيْتُكَهُمْ، فَهَلَكُوا بضروب من البلاء والعمي قبل
الْهِجْرَةِ، وَفِيمَا لَقِيَ بِلالٌ وَعَمَّارٌ وَالْمِقْدَادُ وَخَبَّابٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنَعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالأَذَى مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيني بِالصَّالِحِيَّةِ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو نَصْرٍ مُوسَى بْنُ الشَّيْخِ عبد القادر الجبلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَنَّاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو نصر الزيني قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلَى بِلالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ يُلْصَقُ ظَهْرُهُ بِرَمْضَاءِ الْبَطْحَاءِ فِي الْحَرِّ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا بِلالُ صبرا، يا بلال، لم تعذبونه! فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا، يَقُولُ: لا تمسحن به.
ٌ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا بِلالُ صبرا، يا بلال، لم تعذبونه! فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا، يَقُولُ: لا تمسحن به.
ذكر انْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [١] . روينا من طريق البخاري: ثنا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْهَدُوا» . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ قَالَ: (وَرَوَاهُ عَنْهُ مَسْرُوقٌ) أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ، وَزَادَ: فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ كَانَ سَحَرَ الْقَمَرَ فَإِنَّهُ لا يَبْلُغُ مِنْ سِحْرِهِ أَنْ يَسْحَرَ الأَرْضَ كُلَّهَا، فَاسْأَلُوا مَنْ يَأْتِيكُمْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، هَلْ رَأَوْا هَذَا؟ فَسَأَلُوا، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ ذَلِكَ. وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا سِحْرٌ، فَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الآفَاقِ حَتَّى يَنْظُرُوا: ارَأَوْا ذَلِكَ أَمْ لا، فَأَخْبَرَ أَهْلُ الآفَاقِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُنْشَقًّا، فَقَالُوا (يَعْنِي الْكُفَّارَ) : هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ فَنَزَلَتْ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إلى قوله: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يَقُولُ: ذَاهِبٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُحَمَّد بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ، عَلَى هَذَا الْجَبَلِ وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَعَلِيٍّ ﵃.
ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ، فَكَانَ عَدَدُ الْمُهَاجِرِينَ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رجلا وأربع نسوة، ثم رجعوا عند ما بَلَغَهُمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ سُجُودُهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ، فَلَقُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَشَدَّ مِمَّا عَهِدُوا، فَهَاجَرُوا ثَانِيَةً، وَكَانُوا ثَلاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا، إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً، إحدى عشرة قرشيات، وسبعا غرباء، وبعثت قريشا فِي شَأْنِهِمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَرَّتَيْنِ: الأُولَى عِنْدَ هِجْرَتِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ: عَقِيبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَسُولا فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَمَعَهُ فِي إِحْدَاهُمَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِي الأُخْرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّانِ.
ُولا فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَمَعَهُ فِي إِحْدَاهُمَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِي الأُخْرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّانِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَظَهَرَ الإِيمَانُ، أَقْبَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ آمَنَ مِنْ قَبَائِلِهِمْ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيُؤْذُونَهُمْ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ: «تَفَرَّقُوا فِي الأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى سيجمعهم» قَالُوا: إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟ قَالَ: «إِلَى هَاهُنَا» ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا نَاسٌ ذَوُو عَدَدٍ، مِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ، حَتَّى قَدِمُوا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شمس بن عبد ود أخو سهيل عن عَمْرٍو، وَقِيلَ: هُوَ سُلَيْطُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ هَارِبًا عَنْ أَبِيهِ بِدِينِهِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مُسْلِمَةٌ مُرَاغِمَةٌ لأَبِيهَا، فَارَّةٌ عَنْهُ بِدِينِهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أم
سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، وَمَعُهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي خَيْثَمَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيَّةُ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو- ولم يذكرها ابن إسحق فهي خامسة لهن- وسهيل بن بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ الْفِهْرِيُّ، وَعَبْد اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، فَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِينَ سِرًّا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الشُّعَيْبَةِ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، فَوَفَّقَ اللَّهُ لَهُمْ سَفِينَتَيْنِ لِلتُّجَّارِ حَمَلُوهُمْ فِيهِمَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ مَخْرَجُهُمْ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى جَاءُوا الْبَحْرَ مِنْ حَيْثُ رَكِبُوا، فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ بَنِيهِ مُحَمَّدًا وَعَبْدَ اللَّهِ وَعَوْنًا، وَعَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُِحَرَّثٍ الْكِنَانِيِّ، وَأَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ الْخُزَاعِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ ابْنَهُ سَعِيدًا، وَابْنَتَهُ أُمَّ خَالِدٍ، واسمها أمة، وعيد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جحش، وقيس بن عبد الله بن حليف لبني أمية بن أمية بن عبد شمس،
ُمَّ حَبِيبَةَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جحش، وقيس بن عبد الله بن حليف لبني أمية بن أمية بن عبد شمس، معه امرأته ركة بِنْتُ يَسَارٍ مَوْلاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ، حَلِيفٌ لِبَنِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّة، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الحرث بْنِ أَسَدٍ، وَالأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَكُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ قُصَيٍّ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ، وَيُقَالُ: حُرَيْمِلَةُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدَرِيُّ، وَجَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عبد الدار العبدري، معه امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الأَسْوَدِ بْنِ جُزَيْمَةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ، وَخُزَيْمَةُ بِنْتُ جَهْمٍ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخُو سَعْدٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عبد عوف، معه امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ السَّهْمِيَّةُ، وَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، وَأَخُوهُ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ، تَبَنَّاهُ الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بن ثعلبة
لأَسْوَدِ، تَبَنَّاهُ الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بن ثعلبة
البهراني، والحرث بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَمَعُهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُوسَى وَزَيْنَبُ وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ عَمُّ طَلْحَةَ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ بْنِ هِلالٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ الْخُزَاعِيُّ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مُعَتِّبٌ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَعَمَّاهُ قُدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مَظْعُونٍ، وَحَاطِبٌ وَحَطَّابٌ ابنا الحرث بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، وَمَعَ حَاطِبٍ زَوْجُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلّلِ الْعَامِرِيِّ، وَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا، والحرث ابني حاطب، ومع حطاب زوجه فكيهة بنت يسار، وسفيان بن مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرٌ وَجُنَادَةُ، وَأُمُّهُمَا حَسَنَةُ، وَأَخُوهُمَا لأُمِّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَهُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَاعِ الْكِنْدِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي الْغَوْثِ بْنِ مُرٍّ أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَسَهْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ، وَأَخَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَيْسٌ ابْنَا حُذَافَةَ،
يْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَسَهْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ، وَأَخَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَيْسٌ ابْنَا حُذَافَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ اسْمُهُ: سَعِيدُ بن عمر، وكان أخا بشر بن الحرث بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ لأُمِّهِ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرٍو وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حذيفة السهمي، وأبو قيس بن الحرث بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَإِخْوَتُهُ: الْحَارِثُ وَمَعْمَرٌ وَسَعِيدٌ وَالسَّائِبُ وَبِشْرٌ وَأَخٌ لَهُمْ مِنْ أُمِّهِمْ مِنْ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عمرو، ومحمئة بْنُ جَزْءٍ الزُّبْيَدِيُّ حَلِيفُ بَنِي سَهْمٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ، وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْد اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ نَضْلَةَ الْعَدَوِيُّ، وعروة بن عبد العزيز بْنِ حُرْثَانَ الْعَدَوِيُّ، وَعَنْ مُصْعَبٍ الزُّبْيَرِيِّ: عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أَوْ عَمْرُو بْنُ أُثَاثَةَ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَدَوِيُّ، وَابْنُهُ النُّعْمَانُ وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ أَسْعَدَ [ (١) ] بْنِ وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْعَامِرِيَّةُ، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَمَّاهُ سُلَيْطٌ وَالسَّكْرَانُ ابْنَا
عَمْرٍو الْعَامِرِيُّونَ، وَامْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْفِهْرِيُّونَ، وَعَمَّارُ بْنُ ياسر، وفيه خلاف بين أهل السير. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ: إِنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ كَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وليس كذلك، ولكنه خرج من طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَرْضِهِمْ بِالْيَمَنِ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، فَرَمَتْهُمُ الرِّيحُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَقَامَ هُنَاكَ حَتَّى قَدِمَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا نَزَلَ هَؤُلاءِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ أَمِنُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَأَقَامُوا بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، وَطَلَبَتْهُمْ قُرَيْشٌ عِنْدَهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلامِهِ.
حَبَشَةِ أَمِنُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَأَقَامُوا بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، وَطَلَبَتْهُمْ قُرَيْشٌ عِنْدَهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلامِهِ. قَرَأْتُ عَلَى الإِمَامِ الزَّاهِدِ أبي إسحق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيِّ بِالصَّالِحِيَّةِ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ النَّفِيسِ بْنِ بورنداز قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قال: قال أَبُو بَكْرِ بْنُ مَاجَهْ قَالَ: أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ الْحَزَوَّرِيِّ عن محمد بن سلمان لُوَيْنٍ، ثَنَا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إسحق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بعثنا رسول الله ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلا، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ﵃، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بِهَدِيَّةٍ فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَدَخَلا عَلَيْهِ وَسَجَدَا لَهُ وَابْتَدَرَاهُ، فَقَعَدَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالا: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَمِّنَا نَزَلُوا أَرْضَكَ، فَرَغِبُوا عَنَّا وَعَنْ مِلَّتِنَا، قال: وأين هم؟
يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالا: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَمِّنَا نَزَلُوا أَرْضَكَ، فَرَغِبُوا عَنَّا وَعَنْ مِلَّتِنَا، قال: وأين هم؟ قالوا: بأرضك، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ، فَاتَّبَعُوهُ، فَدَخَلَ فَسَلَّمَ فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا تسجد إِلَّا لِلَّهِ ﷿، قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ فِينَا رَسُولا، وَأَمَرَنَا أَنْ لا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ ﷿، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ، قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ؟ قَالَ: كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ وَلَمْ يفرضْهَا [١] وَلَدٌ قَالَ: فَرَفَعَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، ما
لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ وَلَمْ يفرضْهَا [١] وَلَدٌ قَالَ: فَرَفَعَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، ما
تزيدون على ما يقولون؟ أشهد أن رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى فِي الإِنْجِيلِ، وَاللَّهِ لَوْلا مَا أَنَا فِيهِ من الملك لأتيته فأكون أن الَّذِي أَحْمِلُ نَعْلَيْهِ وَأُوَضِّئُهُ، وَقَالَ: انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَأَمَرَ بِهَدِيَّةِ الآخَرِينَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَتَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتُهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي هَذَا الْوَجْهِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عَمْرٌو يُخَاطِبُ عُمَارَةَ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ ... وَلَمْ يَنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً ... إِذَا ذكرت أمثالها تملأ الفما ولم يذكر ابن إسحق مَعَ عَمْرٍو إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فِي رِوَايَةِ زِيَادٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بكير لعمارة بن الوليد ذكر: فَأَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ، بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فِي أَحْسَنِ جِوَارٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمُهَاجِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِي نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ- وَقِيلَ:
كَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ- وَقِيلَ: الْمُحَرَّمُ- سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ كتب رسول الله ﷺ إلى النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الإِسْلامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَلَمَّا قريء عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ وَقَالَ: لَوْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَهُ لأَتَيْتُهُ وَكتب إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بنت أبي سفيان ففعل وأصدق عنه تسعمائة دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى التَّزْوِيجَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكتب إِلَيْهِ رسول الله ﷺ أن يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ويحملهم ففعل، فجاءوا حتى قدموا المدينة، فيجدون رسول الله ﷺ في خَيْبَرَ [١] ، فَشَخَصُوا إِلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، فكلم رسول الله ﷺ المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم، ففعلوا، وَكَانَ سَبَبُ رَجُوعِ الأَوَّلِينَ الاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فِيمَا رُوِيَ أن رسول الله ﷺ قَرَأَ يَوْمًا عَلَى الُمْشِرِكيَن: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى حَتَّى بَلَغَ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [٢]
أَلْقَى الشَّيْطَانُ كَلِمَتَيْنِ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ العلى وإن شفاعتهن لترجى، فتلكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا، ثُمَّ مَضَى فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَسَجَدَ وَسَجَدَ الْقَوْمُ جَمِيعًا، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إِلَى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا أُحَيْحَةَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخَذَ تُرَابًا فَسَجَدَ عليه، ويقال: كلاهما فعل ذلك، فَرَضَوْا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَكِنَّ آلِهَتَنَا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذا جَعَلْتَ لَهَا نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَبُرَ ذَلِكَ علي رسول الله ﷺ مِنْ قَوْلِهِمْ، حَتَّى جَلَسَ فِي الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [١]
ِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [١] قَالُوا: فَفَشَتْ تِلْكَ السَّجْدَةُ فِي النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: عَشَائِرُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا دُونَ مَكَةَ بِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ لَقَوْا رُكْبَانًا مِنْ كِنَانَةَ، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ قُرْيَشٍ، فَقَالَ الرَّكْبُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَتَابَعَهُ الْمَلأُ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْهَا فَعَادَ لِشَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَعَادُوا لَهُ بِالشَّرِّ، فتركناهم على ذلك، فائتمر الْقَوْمُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَالُوا: قَدْ بَلَغْنَا مَكَّةَ، فَنَدْخُلُ فَنَنْظُرُ مَا فِيهِ قُرَيْشٌ وَيُحْدِثُ عَهْدًا مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَدَخَلُوا مَكَّةَ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ منهم إِلَّا بِجِوَارٍ، إِلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ مَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانُوا خَرَجُوا فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ، فَأَقَامُوا شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَتِ السَّجْدَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدِمُوا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ يَعْنِي خَبَرَ هذه السجدة: موسى بن عقبة، وابن إسحق مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبَكَّائِيِّ، وَأَهْلُ الأُصُولِ يَدْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحُجَّةِ، وَمَنْ صَحَّحَهُ قَالَ فِيهِ أَقْوَالا: مِنْهَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ ذَلِكَ وَأَشَاعَهُ، وَالرَّسُولُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وَهَذَا جَيِّدٌ، لَوْلا أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ: مَا أَتَيْتُكَ بِهَذَا. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وعنى بها الملائكة أن شفاعتهم ترتجى.
ِبْرِيلَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ: مَا أَتَيْتُكَ بِهَذَا. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وعنى بها الملائكة أن شفاعتهم ترتجى.
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا حَاكِيًا عَنِ الْكَفَرَةِ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَقَالَهَا مُتَعَجِّبًا مِنْ كُفْرِهِمْ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا خُيِّلْتُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ. قُلْتُ: بَلَغَنِي عَنِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ الرُّوَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ. وَالَّذِي عِنْدِي فِي هذا الخبر أن جَارٍ مَجْرَى مَا يُذْكَرُ مِنْ أَخْبَارِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ. وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّرَخُّص فِي الرَّقَائِقِ وَمَا لا حُكْمَ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي، وَمَا يُجْرَى مَجْرَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لا يُقْبَلُ فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الأَحْكَامِ بِهَا، وَأَمَّا هَذَا الْخَبَرُ فَيَنْبَغِي بِهَذَا الاعْتِبَارِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِسَنَدٍ لا مَطْعَنَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَلا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلى تأويله.
ذكر إِسْلامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ الْمَزِّيِّ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو حَفْصِ بْنُ طَبَرْزَدَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ غَالِبٍ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِكِيُّ القاضي، ثنا الحسين بن إسحق، ثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الفروي، ثنا عبد الملك بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنِ الزَّنْجِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» [١] . وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفَرَّاءِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ صَصْرَى التَّغْلِبِيُّ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا الشَّيْخَانِ الشَّرِيفُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ حَيْدَرَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْحُسَيْنِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُنِّ الأَسَدِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَلاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بن أبي نصر التيمي قَالَ: أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، ثَنَا سُفْيَانُ الطَّائِيُّ قَالَ: قرأت على إسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيِّ قَالَ: ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلامِي؟ قُلْنَا:
َنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ: قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ بِالْهَاجِرَةِ فِي بعض طرق مكة إذا لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لِي: أين تذهب يا ابن الْخَطَّابِ؟ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ فِي بَيْتِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَتْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ
يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٍ فَيَكُونَانِ مَعَهُ وَيُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: وَقَدْ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ الْقَوْمُ جلوسا يقرؤون صَحِيفَةً مَعَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي تَبَادَرُوا وَاخْتَفَوْا وَتَرَكُوا أَوْ نَسُوا الصَّحِيفَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ قَدْ صَبَوْتِ؟
مِنْ أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ قَدْ صَبَوْتِ؟ قَالَ: فَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبُهَا بِهِ، قَالَ: فَسَالَ الدَّمُ، قَالَ: فَلَمَّا رأت المرأة الدم بكت ثم قالت: يا ابن الْخَطَّابِ مَا كُنْتَ فَاعِلا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فقلت: ما هذا الكتاب أعطينه؟ فَقَالَتْ: لا أُعْطِيكَهُ، لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، أَنْتَ لا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَلا تَطْهُرُ وَهَذَا لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتْنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَلَمَّا مَرَرْتُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذُعِرْتُ وَرَمَيْتُ الصَّحِيفَةَ مِنْ يَدِي، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَإِذَا فِيهَا: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [١] قَالَ: فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِالاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﷿ ذُعِرْتُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيَّ نَفْسِي حَتَّى بَلَغْتُ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٢] قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ يَتَبَادَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا لله ﷿، ثم
للَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ يَتَبَادَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا لله ﷿، ثم قالوا: يا ابن الْخَطَّابِ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ إِمَّا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَإِمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» [٣] وَأَنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ فَأَبْشِرْ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ، أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، وَصَفُوهُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَعَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَعْلَمُوا إِسْلامِي، قَالَ: فَمَا اجْتَرَأَ أجد أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَحُوا لَهُ فَإِنْ يرد الله به خيرا
يهده [١] » وقال: فَفَتَحُوا لِي وَأَخَذَ رَجُلانِ بِعَضُدَيَّ حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «أَرْسِلُوهُ» قَالَ: فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أسلم يا ابن الْخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ اسْتَخْفَى، ثُمَّ خَرَجْتُ فَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلا إِذَا أَسْلَمَ ضُرِبَ إِلَّا رَأَيْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: لا أُحِبُّ أَنْ لا يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ:
يْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي وَتَرَكَنِي، قال: قلت: ما هذا بشيء؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ شَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ فَقَالَ: أَوَ فَعَلْتَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: تُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ إِسْلامُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ وَاجْتَمَعُوا أَتَيْتَ فُلانًا لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ فَاصْغَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يُظْهِرُ عَلَيْكَ ذلك ويصيح ويعلنه، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: أَعَلِمْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَصَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
مِنْهُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: أَعَلِمْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَصَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِأَعْلاهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ؟ قَالَ: فَمَا زَالَ النَّاسُ يَضْرِبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَقِيلَ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَقَامَ عَلَيَّ فِي الْحَجَرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أُخْتِي، قَالَ: فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي، قَالَ: وَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ وَأَنَا لا أُضْرَبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مِثْلَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَأَمْهَلْتُ، حَتَّى إِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحَجَرِ وَصَلْتُ إلى خالي فقلت: اسمع، فقال: ما أَسْمَعُ، قَالَ: قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، قَالَ: فقال: لا تفعل يا ابن أختي، قال: قلت: بلى
الْحَجَرِ وَصَلْتُ إلى خالي فقلت: اسمع، فقال: ما أَسْمَعُ، قَالَ: قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، قَالَ: فقال: لا تفعل يا ابن أختي، قال: قلت: بلى
هُوَ ذَاكَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأَضْرِبُ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ. وروينا هذا الخبر من طريق ابن إسحق وَفِيهِ قَالَ: وَكَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا سَعِيدٌ وَهُمْ مُسْتَخْفُونَ بِإِسْلامِهِمْ مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمٌ النَّحَّامُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَسْلَمَ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يَقْصِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ مَا قَالَ نُعَيْمٌ، وَأَنَّ خَبَّابًا كَانَ فِي بَيْتِ أُخْتِهِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ سُورَةُ طَه [١] وَأَنَّ الَّذِي أَذِنَ فِي دُخُولِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالرَّجُلُ الَّذِي صَرَّحَ بِإِسْلامِ عمر عند ما قَالَهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ذُو الْقَلْبَيْنِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [٢] عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جميل بن معمر
جَوْفِهِ [٢] عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جميل بن معمر وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وفيها: فأتيته بصحفة فِيهَا طه فَقَرَأَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا بَلَغَ: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [٣] قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَفِيهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَفْتِحُ؟ فقال رسول الله ﷺ: «ائْذَنُوا لَهُ فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ بِإِذْنِ اللَّهِ» قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي ابْنَ عَائِذٍ، وَهَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَ: «إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ حَمْزَة» وَفِي الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ عُمَرُ: فَحَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ إِذْ جَاءَهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ وَقَمِيصٌ مُكَفَّفٌ بِالْحَرِيرِ، فقال: مالك يا ابن الخطاب؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إِذَا أَسْلَمْتُ، قَالَ الْعَاصُ: لا سَبِيلَ إِلَيْكَ، فَمَا عَدَا أَنْ قَالَهَا الْعَاصُ فَأمنت عَلَيْهِ، قال عبد الله بن عمر: فخرج عمرو العاص، فإذا
الْوَادِي قَدْ سَالَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، قَالَ: لا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرَ الحافظ فيما رأيته عنده بِإِسْنَادِهِ إِلَى شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [١] قَالَ: قُلْتُ: كَاهِنٌ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَرَأَ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [٢] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَوَقَعَ الإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ. وَقَدْ ذُكِرَ غَيْرُ هَذَا فِي خَبَرِ إِسْلامِ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.



