فقه السيرة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya محمد الغزالي (w. 1416 H).

Bagian 1 dari 12 462 halaman

— Bagian 1 · المقدّمة —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

المقدّمة ﷽ هناك عظماء كثيرون يقرأ الناس قصص حياتهم ليتملّوا من عناصر النبوغ فيها، وليتابعوا بإعجاب مسالكها في الحياة، ومواقفها بإزاء ما يعرض لها من مشكلات وصعاب، وقد تكون هذه القراءة المجرّدة هي الرباط الفذّ بين أولئك العظماء ومن يتعرّف عليهم، وربما تطوّرت فأصبحت دراسة عميقة أو صلة إنسانية وثيقة. وأبادر إلى القول: بأني لم أكتب عن صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وفي نفسي هذا المعنى المحدود. فأنا رجل مسلم عن علم، أعرف لماذا امنت بالله رب العالمين، ولماذا صدقت بنبوة محمد ﷺ، ولماذا اتبعت الكتاب الذي جاء به، بل لماذا أدعو الاخرين إلى الإيمان بما سكنت إليه نفسي من هذا كله. وقد سبق لي أن نشرت في السيرة فصولا منوعة، وهل ابتعدت عنها في شيء مما كتبته؟ إنّ الرسائل التي عالجت فيها بحوث العقيدة والخلق والمعاملة والحكم؛ اعتمدت على سيرة النبي الكريم ﷺ في كيانها وسياقها، ولذلك يصحّ أن أقول: إن هذا الكتاب ليس صلة محدثة برسول الإسلام ﷺ، ولا جملة من الدلائل على صدقه، ولا لمحات تكشّفت للمؤلف عن عبقريته وسناء دعوته.. فإنّ ذلك قد استفاض به الكلام في مواضع أخرى؛ ولكني توفّرت على إخراج هذا الكتاب وأمامي غاية معينة أرجو أن أكون بلغتها. إن المسلمين الان يعرفون عن السيرة قشورا خفيفة، لا تحرّك القلوب، ولا تستثير الهمم، وهم يعظّمون النبي ﷺ وصحابته عن تقليد موروث ومعرفة قليلة،

ن بلغتها. إن المسلمين الان يعرفون عن السيرة قشورا خفيفة، لا تحرّك القلوب، ولا تستثير الهمم، وهم يعظّمون النبي ﷺ وصحابته عن تقليد موروث ومعرفة قليلة،

ويكتفون من هذا التعظيم بإجلال اللسان، أو بما قلّت مؤنته من عمل. ومعرفة السيرة على هذا النحو التافه تساوي الجهل بها. إنه من الظلم للحقيقة الكبيرة أن تتحول إلى أسطورة خارقة، ومن الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تعرض في أكفان الموتى. إن حياة محمد ﷺ ليست- بالنسبة للمسلم- مسلاة شخص فارغ، أو دراسة ناقد محايد، كلا كلا؛ إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها، فأيّ حيف في عرض هذه السيرة، وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه. وقد بذلت وسعي في إعطاء القارئ صورة صادقة عن سيرة رسول الله ﷺ، واجتهدت في إبراز الحكم والتفاسير لما يقع من حوادث، ثم تركت للحقائق المجلوّة أن تدع اثارها في النفوس دون افتعال أو احتيال. وقد استفدت من السير التي كتبها القدامى والمحدثون استفادة حسنة. إن المؤرّخين المحدثين يميلون إلى التعليل والموازنة، وربط الحوادث المختلفة في سياق متماسك، وذاك أحسن ما في طريقتهم. والمؤرّخون القدامى يعتمدون على حشد الاثار، وتمحيص الأسانيد، وتسجيل ما دقّ وجلّ من الوقائع والشؤون؛ وفي هذه المحفوظات الكثيرة نفائس ذات خطر لو أحسن الاستشهاد بها وإيرادها في مواضعها. ولعلّي هنا مزجت بين الطريقتين على نحو جديد، يجمع بين ما في كلتيهما من خير، فجعلت من تفاصيل السيرة موضوعا متماسكا يشدّ أجزاءه روح واحد، ثم وزعت النصوص والمرويات الاخرى بحيث تتسق مع واحدة الموضوع، وتعين على إتقان صورته وإكمال حقيقته. وقصدت من وراء ذلك أن تكون السيرة شيئا ينمّي الإيمان، ويزكّي الخلق، ويلهب الكفاح، ويغري باعتناق الحقّ والوفاء له، ويضم ثروة طائلة من الأمثلة الرائعة لهذا كله. إنني أكتب في السيرة كما يكتب جنديّ عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست- كما قلت- مؤرّخا محايدا مبتوت الصلة بمن يكتب عنه.

ة لهذا كله. إنني أكتب في السيرة كما يكتب جنديّ عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست- كما قلت- مؤرّخا محايدا مبتوت الصلة بمن يكتب عنه.

ثم إنني أكتب وأمام عينيّ مناظر قاتمة من تأخّر المسلمين العاطفيّ والفكريّ؛ فلا عجب إذا قصصت وقائع السيرة بأسلوب يومئ من قرب أو من بعد إلى حاضرنا المؤسف، كلما أوردت قصة جعلتها تحمل في طياتها شحنة من صدق العاطفة، وسلامة الفكر، وجلال العمل، كي أعالج هذا التأخر المثير. ومحمد ﷺ ليس قصة تتلى في ميلاده كما يفعل الناس الان، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضمّ إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبّه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون، ويتأوّهون أو لا يتأوهون!. فرباط المسلم برسوله الكريم ﷺ أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير- في الإبانة عن تعلقهم بنبيّهم- إلا يوم أن تركوا اللباب المليء وأعياهم حمله، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال؛ ولما كانت هذه المظاهر والأشكال محدودة في الإسلام، فقد افتنّوا في اختلاق صور أخرى، ولا عليهم؛ فهي لن تكلفهم جهدا ينكصون عنه، إن الجهد الذي يتطلّب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور، والعودة إلى جوهر الدين ذاته، فبدلا من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم نفسه، وإصلاح شأنه، حتى يكون قريبا من سنن محمد ﷺ في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه، وعلمه وعمله، وعاداته وعباداته.... إنّ المسلم الذي لا يعيش الرسول ﷺ في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره لا يغني عنه أبدا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة. وأريد هنا أن أنبّه إلى ضرورة الفصل بين الجد والهزل في حياتنا، ولا بأس أن نجعل للهو واللعب وقتا لا يعدوه، وللجد والإنتاج وقتا لا يقصر عنه.

وم والليلة. وأريد هنا أن أنبّه إلى ضرورة الفصل بين الجد والهزل في حياتنا، ولا بأس أن نجعل للهو واللعب وقتا لا يعدوه، وللجد والإنتاج وقتا لا يقصر عنه. فإذا أراد أحد أن يغنّي أو يستمع إلى غناء فليفعل، أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء؛ فيصبح القران ألحانا عذبة، وتصبح السيرة قصائد وتواشيح، فهذا ما لا مساغ له، وما لا يقبله إلا الصغار الغافلون. وقد تمّ هذا التحوّل على حساب الإسلام، فانسحب الدين من ميدان السلوك والتوجيه إلى ميدان اللهو واللعب، وحقّ فيمن فعلوا ذلك قول الله ﷿: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الأنعام: ٧٠] .

وتحوّل القران إلى تلاوة منغومة فحسب، يستمع إليها عشّاق الطّرب، هو الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الافاق، وهم واثقون أنه لن يحيي موتى. وتحوّل السيرة إلى قصص وقصائد غزل، وصلوات مبهمة؛ جعل الاستماع إليها كذلك ضربا من الخلل النفسي، أو الشذوذ الناشئ- في نظري- من اضطراب الغرائز، وفساد المجتمع. وخير من هذا كله أن يستمع طلاب الغناء إلى اللهو المجرد، والألحان الطروب، فإذا ابتغوا العمل الجادّ المهيب طلبوه من مصادره المصفّاة: قرانا يأمر وينهى ليفعل أمره ويترك نهيه، وسنّة تفصّل وتوضح ليسار في هديها وينتفع من حكمتها، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكيّ والقواعد الحصيفة، والسياسة الراشدة. وذلك هو الإسلام. بدأت أكتب هذه الصحائف وأنا في المدينة المنورة، في الجوار الطيّب الذي سعدت به حينا، وأعانني على إتمام دراسات جيدة في السنّة المطهرة والسيرة العطرة. ولله المنّة على ما أولى من نعمه، ولعلّه- جلّ شأنه- يجعلني ممن يحبونه ويحبون رسوله، ولما كنت لا أحسن القول والعمل إلا في نطاق الصراحة، فلا بدّ أن أشير إلى أن البون بعيد بين المسلمين ورسولهم ﷺ، مهما أكنّوا له من حبّ، وأدمنوا من صلوات. لقد رأيتهم يزورون الروضة مشوقين متلهّفين، ويعودون إلى موطنهم ليجدوا من يغبطهم على حظّهم، ويودّ لو ظفر بما نالوا. أمّا أنّ محبة رسول الله ﷺ واجبة؛ فهذا ما لا يماري فيه مؤمن، وما يغيض حبه إلا من قلب منافق جحود. ولكن أن تكون هذه العاطفة مظهر الولاء له، فهذا ما يحتاج إلى تهذيب وبيان. إن يثرب من ناحية العمران العام أقل منها يوم كانت موطنا للأوس والخزرج في الجاهلية الأولى، وما يزرع اليوم من أرضها عشر ما كان يزرعه العرب قديما، وجمهور السكان من رواسب المواسم المزدحمة بالحجيج

م كانت موطنا للأوس والخزرج في الجاهلية الأولى، وما يزرع اليوم من أرضها عشر ما كان يزرعه العرب قديما، وجمهور السكان من رواسب المواسم المزدحمة بالحجيج

والزوار، وهم يؤثرون الجوار العاطل على العودة للعمل في بلادهم، ويسمّون ذلك هجرة! فهل ذلك إسلام أو حبّ لرسول الله ﷺ؟!. أذكر أنه قابلني نفر من أهل المغرب يزعمون أنهم قدموا إلى المدينة فرارا بدينهم من الفتن، فأفهمتهم أنهم فارّون من الزحف، لأن إخوانهم يقاتلون الفرنسيين الغزاة، وهم مجرمون بتركهم المجاهدين يحملون واحدهم عبء هذا الكفاح «١» . إنّ هذا الحب لرسول الله ﷺ غير مفهوم، وهذه الهجرة لمدينته غير متقبلة، وصلة نبي الله بعباد الله أشدّ وأحكم من أن تأخذ هذه السبل الشاردة الملتوية. إنّ أعداء الإسلام تمكّنوا- في غفلة أهله- أن يصدعوا بناءه، ويجعلوه أنقاضا؛ فكيف يترك تراث محمد ﷺ نهبا للعوادي؟! وكيف يمهّد للجاهلية الأولى أن تعود؟! وكيف يقع هذا التبدل الخطير في سكون؟! بل في مظهر من الحب لرسول الله ﷺ؟!. فليفقه المسلمون سيرة رسولهم العظيم. وهيهات أن يتم ذلك إلا بالفقه في الرسالة نفسها، والإدراك الحقّ لحياة صاحبها، والالتزام الدقيق لما جاء به. ألا ما أرخص الحبّ إذا كان كلاما، وما أغلاه عند ما يكون قدوة وذماما!. إنني أعتذر عن تقصيري في إيفاء هذا الموضوع حقّه؛ فشأن رسول الله ﷺ كبير، والإبانة عن سيرته تحتاج إلى نفس أرقّ، وذكاء أنفذ. وحسبي أن ذاك جهدي. اللهم صلّ على محمد، وعلى ال محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى ال إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى ال محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى ال إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. محمّد الغزالي

ما صليت على إبراهيم، وعلى ال إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى ال محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى ال إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. محمّد الغزالي

حول أحاديث هذا الكتاب سرّني أن تخرج هذه الطبعة الجديدة بعد أن راجعها الأستاذ المحدّث العلّامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقد أثبتّ فيها كل التعليقات التي ارتاها على ما نقلت في هذه السيرة من اثار نبوية. وأرجو أن أكون معينا على إبراز الحقيقة العلمية، وضبط الوقائع التاريخية، بإثبات هذا النقد، وشكره لمن تطوّع به. إنّ افة المؤرّخين للسيرة الشريفة ولغيرها من أحداث الناس، وأطوار الزمان؛ قلة التثبّت، وضعف التمحيص. وقد وقع كثير من الأقدمين والمحدثين في هذا الخطأ، على تفاوت بينهم في دقة المأخذ، واحدّة الانتباه. وعند ما شرعت أكتب سيرة لسيدي رسول الله ﷺ؛ اجتهدت أن ألزم المنهج السويّ، وأن أعتمد على المصادر المحترمة. وأظنني بلغت في هذا المجال مبلغا حسنا، واستجمعت من الأخبار ما تطمئنّ إليه نفس العالم البصير. لكن القارئ سيرى في تعقيبات الشيخ ناصر الدين ما يبعث ريبته في هذا الظن. وهنا أراني مكلفا بشرح المنهج الذي سرت عليه: قد يختلف علماء السنّة في تصحيح حديث أو تضعيفه، وقد يرى الشيخ ناصر- بعد تمحيصه للأسانيد- أنّ الحديث ضعيف، وللرجل من رسوخ قدمه في السنّة ما يعطيه هذا الحق، أو قد يكون الحديث ضعيفا عند جمهرة المحدّثين، لكني أنا قد أنظر لمتن الحديث فأجد معناه متفقا كل الاتفاق مع اية من كتاب الله، أو أثر من سنّة صحيحة، فلا أرى حرجا من روايته، ولا أخشى ضيرا من كتابته؛ إذ هو لم يأت بجديد في ميدان الأحكام والفضائل، ولم يزد أن يكون شرحا لما تقرّر من قبل في الأصول المتيقّنة.

خذ مثلا أول حديث حكم الأستاذ بتضعيفه: «أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني بحبّ الله» . قد يرى الأستاذ المحدّث أن تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم لا تعويل عليهما في قبول هذا الحديث، وله ذلك. بيد أني لم أجد في المطالبة بحب الله ورسوله ﷺ ما يحملني على التوقّف فيه، ولذلك أثبتّه وأنا مطمئنّ. وفي الوقت الذي فسحت فيه مكانا لهذا الأثر- على ما به- صددت عن إثبات رواية البخاري ومسلم مثلا للطريقة التي تمّت بها غزوة بني المصطلق. فإن رواية الصحيحين تشعر بأن رسول الله ﷺ باغت القوم وهم غارّون «١» ما عرضت عليهم دعوة الإسلام، ولا بدا من جانبهم نكوص، ولا عرف من أحوالهم ما يقلق!. وقتال يبدؤه المسلمون على هذا النحو مستنكر في منطق الإسلام، مستبعد في سيرة رسوله ﷺ. ومن ثمّ رفضت الاقتناع بأن الحرب قامت وانتهت على هذا النحو. وسكنت نفسي إلى السياق الذي رواه ابن جرير.. فهو على ضعفه- الذي كشفه الأستاذ الشيخ ناصر- يتفق مع قواعد الإسلام المتيقّنة، أنه لا عدوان إلا على الظالمين. أما الغارّون الوادعون فإنّ اجتياحهم لا مساغ له. وحديث الصحيحين في هذا لا موضع له إلا أن يكون وصفا لمرحلة ثانية من القتال، بأن يكون أخذ القوم عن غرّة جاء بعد ما وقعت الخصومة بينهم وبين المسلمين، وأمسى كلا الفريقين يبيّت للاخر، ويستعدّ للنيل منه. فانتهز المسلمون فرصة من عدوهم- والحرب خدعة- وأمكنهم الغلب عليهم وهم غارّون. وفي هذه الحالة لا بدّ من التمهيد لرواية البخاري ومسلم، بكلام يشبه ما نقله ابن جرير ووهّنه فيه الشيخ ناصر.

لحرب خدعة- وأمكنهم الغلب عليهم وهم غارّون. وفي هذه الحالة لا بدّ من التمهيد لرواية البخاري ومسلم، بكلام يشبه ما نقله ابن جرير ووهّنه فيه الشيخ ناصر.

ولست بدعا في تلك الخطة التي اخترتها؛ فإن أغلب العلماء جرى على مثلها في مواجهة المرويات الضعيفة والصحيحة على سواء. وقرّروا أن الحديث الضعيف يعمل به ما دام ملتئما مع الأصول العامة، والقواعد الجامعة. وهذه الأصول والقواعد مستفادة- بداهة- من الكتاب والسنّة. وعلى ضوء هذا النظر المنصف حكيت استشارة رسول الله ﵊ للحباب في موقعة بدر- وإن وهّن المحدثون سندها- لأنها تدور في نطاق الفضائل التي أمر بها الله ورسوله، وليس في سوقها ما يحذر قط. ذاك بالنسبة إلى الأحاديث الضعاف. أما الصّحاح فإن في تفاوت دلالتها مجالا رحبا للترجيح والرد، كما يعلم الأستاذ المحدّث. وما من إمام فقيه إلا وردّ بعض ما صحّ، إيثارا لما ظهر أنه أصحّ. ومعاذ الله أن نشغب على السنّة، فهي الأصل الثاني للإسلام يقينا. بيد أنني إذا تتبّعت السنن، فعرفت- أنها في جملتها- تتفق مع القران الكريم؛ في أنه لا حرب إلا بعد دعوة وإعذار، وتعريف مشرق، لا تبقى معه شائبة غموض، فكيف أقبل ما يوهم غير هذا؟!. الله جلّ شأنه يأمر نبيّه في قرانه الكريم: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) [الأنبياء] . بعد هذا الإعلام الذي يستوي في الإحاطة به الداعون والمدعوّون، وبعد أن سار النبيّ ﵊ في مغازيه، وسار الخلفاء في معاركهم على هذا النحو من توضيح للدعوة، وإتاحة الفرصة للناس كي يقبلوا أو يرفضوا. بعد هذا لا أرى أن يلزمني أحد بقبول ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عون، قال: كتبت إلى نافع ﵀ أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إليّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام! وقد أغار ﵊ على بني المصطلق وهم غارّون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية. قال: حدّثني به عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.

الإسلام! وقد أغار ﵊ على بني المصطلق وهم غارّون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية. قال: حدّثني به عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.

وكما تجاوزت هذا الحديث، تجاوزت عن مثله أن الرسول ﷺ خطب أصحابه، وأعلمهم بالفتن وأصحابها إلى قيام الساعة. فقد صحّ من كتاب الله وسنّة رسوله أنه- ﵊ لا يعلم الغيوب على هذا النحو المفصّل الشامل العجيب. اثرت هذا المنهج في كتابة السيرة، فقبلت الأثر الذي يستقيم متنه مع ما صحّ من قواعد وأحكام، وإن وهى سنده. وأعرضت عن أحاديث أخرى توصف بالصحة؛ لأنّها- في فهمي لدين الله، وسياسة الدعوة- لم تنسجم مع السياق العام. ولا أرى مكانا لبسط وجهة نظري في أمور كثيرة خالفت فيها الأستاذ المحدّث. ولكنّي أرى المكان متسعا لتسجيل تعقيباته كلّها على ما أوردت من نصوص، فإني عظيم الحفاوة بهذا الاستبحار العلمي، وهو يمثل وجهة نظر محترمة في تمحيص القضايا الدينية. وأعتقد أن من حق القارئ عليّ أن يعرف رأي أحد المحققين المتشدّدين في المرويات التي أحصيتها هنا، سواء خالفته أم وافقته. وشكر الله له جهده في المحافظة على تراث النبوّة، وهدانا جميعا سواء السبيل.

١

رسالة وإمام (مدخل إلى السيرة النبوية)

الوثنيّة تسود الحضارة القديمة إنّ تاريخ الحياة مؤسف!!. منذ هبط ادم وبنوه في الأرض، ثم بعد أن شبّ بهم الزمن، واطّرد العمران، وتشعّبت الحضارات، وأدبرت أجيال، وأقبلت على أنقاضها أخرى، منذ ذلك الحين السحيق والناس أخلاط متنافرون، لا تستقيم بهم السّبل يوما إلا شردت أياما، ولا يشيمون «١» بوارق الحق حينا إلا أطبقت عليهم ظلمات الباطل أحيانا. ولو تقصّينا تاريخ البشر- على ضوء الإيمان بالله والاستعداد للقائه- لوجدنا العالم أشبه بمخمور تربو فترات سكره على فترات صحوه، أو بمحموم غاب عنه في سورة الألم- رشده؛ فهو يهذي ولا يدري. وقد كان في تجارب الناس مع أنفسهم ودنياهم مزدجر؛ يزع عن الشر، ويردّ إلى الخير، بيد أن الهوى الغالب لا تجدي معه معرفة. كم سلخت الدنيا من عمرها قبل أن يظهر محمد ﷺ؟!. لقد مرّت عليها قرون طوال أفادت فيها علما كثيرا، ووعت تجارب خطيرة، ونمت اداب وفنون، وشاعت فلسفات وأفكار. ومع ذلك فقد غلب الطيش، واستحكم الزّيغ، وسقطت أمم شتى دون المكانة المنشودة لها. فماذا كان مصير الحضارات في مصر واليونان، وفي الهند والصين، وفي فارس وروما؟ لا أقصد مصيرها من ناحية السياسة والحكم، بل من ناحية العاطفة والعقل. إن الوثنية الوضيعة اغتالتها؛ وفرضت عليها السقوط في هذه الوهدة «٢»

في فارس وروما؟ لا أقصد مصيرها من ناحية السياسة والحكم، بل من ناحية العاطفة والعقل. إن الوثنية الوضيعة اغتالتها؛ وفرضت عليها السقوط في هذه الوهدة «٢»

الزرية، فأمسى الإنسان الذي استخلفه الله ليكون ملكا في السموات والأرض، أمسى عبدا مسخرا لأدنى شيء في السموات والأرض. وماذا بعد أن تقدّس العجول والأبقار، وتعبد الأخشاب والأحجار، وتطبق شعوب بأسرها على هذه الخرافة؟!. إن الوثنية هوان يأتي من داخل النفس لا من خارج الحياة، فكما يفرض المحزون كابته على ما حوله، وكما يتخيل المرعوب الأجسام القائمة أشباحا جاثمة؛ كذلك يفرض المرء الممسوخ صغار نفسه وغباء عقله على البيئة التي يحيا فيها، فيؤلّه من جمادها وحيوانها ما يشاء. ويوم ينفسح القلب الضيّق، ويشرق الفكر الخامد، وتثوب إلى الإنسان معانيه الرفيعة، فإن هذه الانعكاسات الوثنية تنزاح من تلقاء نفسها. ومن ثمّ كان العمل الأول للدين داخل الإنسان نفسه، فلو ذبحت العجول المقدّسة، ونكّست الأصنام المرموقة، وبقيت النفس على ظلامها القديم، ما أجدى ذلك شيئا في حرب الوثنية! فيبحث العبّاد المفجوعون عن الهة أخرى غير ما فقدوا، يوفضون إليها من جديد! وما أكثر الوثنيين في الدنيا وإن لم يلتفّوا حول نصب، وما أسرع الناس إلى تجاهل الوجود الحق، وربّه الأعلى، والجري وراء وهم جديد!!. والخرافة لا تأخذ مجراها في الحياة وهي تعلن عن باطلها، أو تكشف عن هرائها؛ كلّا، إنها تداري مجونها بثوب الجد، وتستعير من الحق لبوسه المقبول، وقد تأخذ بعض مقدماته وبعض نتائجه، ثم تتزين بعد ذلك للمخدوعين. وكذلك فعلت الوثنية، لقد أغارت على الدين الصحيح، وحقائقه الناصعة، لا كما يغير النحل على أزهار الربيع، بل كما تغير الديدان وأسراب الجراد على الحدائق الغنّاء، فتحيلها قاعا بلقعا. وهي إذا أفسدت ما تركت، لم تصلح ما أخذت، ولئن كان ما أخذته خيرا قبل أن تتصل به، لقد أصبح شرّا بعد ما تحوّل في جوفها إلى سموم. وهذا هو السرّ في أنّ الوثنية التي لا تعرف الله تزعم أنها بأصنامها تتقرّب إليه وتبغي مرضاته.

ن تتصل به، لقد أصبح شرّا بعد ما تحوّل في جوفها إلى سموم. وهذا هو السرّ في أنّ الوثنية التي لا تعرف الله تزعم أنها بأصنامها تتقرّب إليه وتبغي مرضاته.

جزء من الحق، في أجزاء من الباطل، في سياق يصرف الناس اخر الأمر عن الله، ويبعدهم عن ساحته. وأعظم نكبة أصابت الأديان إثر عدوان الوثنيات عليها، ما أصاب شريعة عيسى ابن مريم ﵇ من تبدّل مروّع، ردّ نهارها ليلا، وسلامها ويلا، وجعل الواحدة شركة، وانتكس بالإنسان، فعلق همته بالقرابين، وفكره بالألغاز المعمّاة. إن خرافة الثالوث والفداء تجددت حياتها بعد ما أفلحت الوثنية مرتين: الأولى في إقحامها إقحاما على النصرانية الجديدة، وبذلك انتصرت الوثنية مرتين: الأولى في تدعيم نفسها، والاخرى في تضليل غيرها. فلما جاء القرن السادس لميلاد عيسى ﵇؛ كانت منارات الهدى قد انطفأت في مشارق الأرض ومغاربها؛ وكان الشيطان يذرع الأقطار الفيح، فيرى ما غرس من أشواك قد نما وامتد. فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الفاشي في الهند والصين، وبلاد العرب وسائر المجاهل. والنصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرز ماثرها من خرافات الهنود والمصريين القدامى، فهي تجعل لله صاحبة وولدا؛ وتغري أتباعها في (رومة) ومصر والقسطنطينية بلون من الإشراك أرقى مما ألف عبّاد النيران وعبّاد الأوثان، شرك مشوب بتوحيد يحارب شركا محضا. ولكن ما قيمة هذه النقائض التي جمعت النصرانية بين شتاتها؟: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) [يونس] .

ِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) [يونس] . ويظهر أنّ اصرة الشرك بين المجوسية والديانات السماوية المشوّهة هي التي جعلت هذه الأحزاب إلبا على المسلمين يوم بدؤوا يقيمون جماعتهم على عبادة الواحد الحق، وقد نبّأ الله هذه الأمة بأن الأذى سوف ينصبّ عليها من عبدة الأصنام، ومن أهل الكتاب في ان، ووصاها أن تتذرع بالصبر أمام هذا التحامل. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ

قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [ال عمران] . والظلام الذي ران على الأفئدة والعقول في غيبة أنوار التوحيد، طوى في سواده أيضا تقاليد الجماعة وأنظمة الحكم، فكانت الأرض مذأبة يسودها الفتك والاغتيال، ويفقد فيها الضّعاف نعمة الأمان والسكينة. وأيّ خير يرجى في أحضان وثنية كفرت بالعقل، ونسيت الله، ولانت في أيدي الدجّالين؟!. لا غرابة إذا رفع الله عنها يده كما جاء في الحديث: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب ... » «١» . وهذه البقايا هي التي ظلّت مستعصية على الشرك برغم طوفان الكفر الذي طمّ البقاع والتلاع. لقد عمّت الدنيا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم حيرة وبؤس، ناءت بهما الكواهل: أتيت والنّاس فوضى لا تمرّ بهم ... إلّا على صنم قد هام في صنم فعاهل الرّوم يطغى في رعيّته ... وعاهل الفرس من كبر أصمّ عمي «٢» حتّى تأذّن الله ليحسمنّ هذه الاثار، وليسوقنّ هدايته الكبرى إلى الأنام، فأرسل إلى الأمة محمدا ﵊.

م يطغى في رعيّته ... وعاهل الفرس من كبر أصمّ عمي «٢» حتّى تأذّن الله ليحسمنّ هذه الاثار، وليسوقنّ هدايته الكبرى إلى الأنام، فأرسل إلى الأمة محمدا ﵊.

طبيعة الرّسالة الخاتمة وتمتاز بعثة محمد ﷺ بأنها عامة ودائمة. والله ﷿ كان يستطيع أن يبعث في كلّ قرية نذيرا، ولكلّ عصر مرشدا، وإذا كانت القرى لا تستغني عن النّذر، والأعصار لا تستغني عن المرشدين، فلم استعيض عن ذلك كله برجل فذ؟. الحقّ أن هذا الاكتفاء أشبه بالإيجاز الذي يحصّل المعنى الكثير في اللفظ اليسير؛ وبعثة محمد ﵊ كانت عوضا كاملا عن إرسال جيش من النبيين يتوزّع على الأعصار والأمصار، بل إنها سدّت مسدّ إرسال ملك كريم إلى كل إنسان تدبّ على الأرض قدماه، ما بقيت على الأرض حياة، وما تطلعت عين إلى الهدى والنجاة، ولكن كيف ذلك؟!. في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين: أغمض عينيك واتبعني، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك، وربما تكون السلامة في طاعته؛ فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك، إنه في هذه الحال رائدك المعين، الذي يفكر لك، وينظر لك، ويأخذ بيدك؛ فإن هلك هلكت معه. أمّا لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم خطّ السير، وحذّرك مواطن الخطر، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهوّن المتاعب، وسار معك قليلا ليدرّبك على العمل بما علمت؛ فأنت في هذه الحال رائد نفسك، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك. إن الوضع الأوّل أليق بالأطفال والسّذّج، وأما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس. والله ﷿ عند ما بعث محمدا ﵊ لهداية العالم، ضمّن رسالته الأصول التي تفتّق للألباب منافذ المعرفة بما كان ويكون. والقران الذي أنزله على قلبه هو كتاب من ربّ العالمين إلى كلّ حيّ، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.

أصول التي تفتّق للألباب منافذ المعرفة بما كان ويكون. والقران الذي أنزله على قلبه هو كتاب من ربّ العالمين إلى كلّ حيّ، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.

لم يكن محمد ﵊ إماما لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان، بل كان قوة من قوى الخير، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة. وإن بعثته لتمثّل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه، ثم شبّ الطفل عن الطوق، ورشّح لاحتمال الأعباء واحده، وجاء الخطاب الإلهي إليه- عن طريق محمد ﷺ يشرح له كيف يعيش في الأرض، وكيف يعود إلى السماء. فإذا بقي محمد ﷺ أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته. إن رسالته تفتيح الأعين والاذان، وتجلية البصائر والأذهان، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنّة. إنه لم يبعث ليجمع حول اسمه أناسا قلّوا أو كثروا؛ إنما بعث صلة بين الخلق والحق الذي يصحّ به وجودهم، والنور الذي يبصرون به غايتهم. فمن عرف في حياته الحق، وكان له نور يمشي به في الناس فقد عرف محمدا ﷺ، واستظلّ بلوائه، وإن لم ير شبحه أو يعش معه: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) [النساء] . فإذا رأيت بعض الناس يتناسى دروس الأستاذ، ويتشبّث بثيابه وهو حيّ، أو يتعلق برفاته وهو ميت، فاعلم أنه طفل غرير، ليس أهلا لأن يخاطب بتعاليم الرسالة بله أن يستقيم على نهجها. في مسجد النبي ﷺ بالمدينة رأيت حشدا من الناس يتلمّس جوار الرّوضة الشريفة، ويودّ أن يقضي العمر بجانبها. ولو خرج النبيّ ﷺ حيّا على هؤلاء؛ لأنكر مراهم وكره جوارهم. إن رثاثة هيئتهم، وقلّة فقههم، وفراغ أيديهم، وضياع أوقاتهم، وطول غفلتهم، تجعل علاقتهم بنبيّ الإسلام أوهى من خيط العنكبوت. قلت لهم: ما تفيدون من جوار النبي ﷺ؟ وما يفيد هو نفسه منكم؟

وفراغ أيديهم، وضياع أوقاتهم، وطول غفلتهم، تجعل علاقتهم بنبيّ الإسلام أوهى من خيط العنكبوت. قلت لهم: ما تفيدون من جوار النبي ﷺ؟ وما يفيد هو نفسه منكم؟ إنّ الذين يفقهون رسالته ويحيونها من وراء الرمال والبحار، أعرف بحقيقة

محمد ﷺ منكم. إنّ القرابة الروحية والعقلية هي الرباط الوحيد بين محمد ﵊ ومن يمتّون إليه. فأنّى للأرواح المريضة والعقول الكليلة أن تتصل بمن جاء ليودع في الأرواح والعقول عافية الدين والدنيا؟!. أهذا الجوار اية حبّ ووسيلة مغفرة؟!. إنك لن تحبّ لله إلا إذا عرفت أولا الله الذي تحبّ من أجله!! فالترتيب الطبيعيّ أن تعرف قبل كل شيء: من ربّك؟ وما دينك؟ فإذا عرفت ذلك- بعقل نظيف- وزنت- بقلب شاكر- جميل من بلّغك عن الله، وتحمّل العنت من أجلك، وذلك معنى الأثر: «أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني بحبّ الله..» «١» ، ومعنى الاية: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) [ال عمران] . ثم إن نبيّ الإسلام لم ينصّب نفسه (بابا) يهب المغفرة للبشر، ويمنح البركات، إنه لم يفعل ذلك يوما ما، لأنه لم يشتغل بالدجل قط. إنه يقول لك: تعال معي؛ أو اذهب مع غيرك من الناس، لنقف جميعا في ساحة ربّ العالمين نناجيه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] .

فإذا رضي عنك هذا النبيّ- دعا الله لك، وإذا رضيت أنت عنه، ووقر في نفسك جلال عمله وكبير فضله؛ فادع الله كذلك له! فإنك تشارك بذلك الملائكة الذين يعرفون قدره ويستزيدون أجره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) [الأحزاب] . وليس عمل محمد ﵊ أن يجرّك بحبل إلى الجنة، وإنما عمله أن يقذف في ضميرك البصر الذي ترى به الحق، ووسيلته إلى ذلك كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ميسّر للذكر، محفوظ من الزيغ، وذاك سرّ الخلود في رسالته. فلننظر كيف عالج الرسول ﵊ البيئة التي ظهر فيها على ضوء هذه الطبيعة المفروضة في رسالته، ولننظر قبل ذلك إلى أحوال هذه البيئة نفسها.

ّ الخلود في رسالته. فلننظر كيف عالج الرسول ﵊ البيئة التي ظهر فيها على ضوء هذه الطبيعة المفروضة في رسالته، ولننظر قبل ذلك إلى أحوال هذه البيئة نفسها.

العرب حين البعثة كان أهل مكة ضعاف التفكير، أقوياء الشهوات. إذ لا صلة بين نضج الفكر ونضح الغريزة، ولا بين تخلّف الجماعات من الناحية العقلية، وتخلّفها من ناحية الأهواء والمطامع. إن عرام الشهوات الذي نسمع عنه في (باريس) و (هوليود) لا يزيد كثيرا عمّا وعته القرون الخالية من مفاسد الإنسان على ظهر الأرض. وتقدّم الحضارة لا أثر له من هذه الناحية إلا في زيادة وسائل الإغراء فحسب. أمّا الشهوات نفسها فهي هي من قبل الطوفان ومن بعده: الأثرة، والجشع، والرياء، والتهارش، والحقد، وغير ذلك من ذميم الخصال، ملأت الدنيا من قديم، وإن تغيرت الأزياء التي تظهر بها على مر العصور. وإنّ الإنسان ليرى في القرية التافهة، وفي القبيلة الساذجة من التنافس على المال والظهور ما يراه في أرقى البيئات، وكثيرا من الناس تفوتهم أنصبة رائعة من العلم والفضل، ولكن لا تفوتهم أنصبة كبيرة جدا من الاحتيال والتطلّع والدّسّ، وقد تستغرب إذ ترى الشخص لا يحسن فهم مسألة قريبة من أنفه؛ ومع ذلك فهو يفهم جيدا ألا يكون فلان أفضل منه!!. من عهد نوح ﵇ والحياة تجمع أمثلة شتى لهذا الغباء وهذا العناد؛ فعند ما دعي قوم نوح ﵇ إلى الإيمان بالله واحده، كانت إجابتهم لنوح ﵇ لا تهتم بموضوع الدعوة قدر اهتمامها بشخص الداعي، وما سيحرزه من فضل بهذه الرسالة!: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ... [المؤمنون: ٢٤] . ما أكثر منافذ الهوى إلى الأعمال والأحكام، وما أعقد مخلّفات الهوى في الأخلاق والأفكار، والسير والسياسات!!.

لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ... [المؤمنون: ٢٤] . ما أكثر منافذ الهوى إلى الأعمال والأحكام، وما أعقد مخلّفات الهوى في الأخلاق والأفكار، والسير والسياسات!!.

وقد كانت (مكة) على عهد البعثة تموج بحركة عاصفة من الشهوات والماثم، وكان الرجال الذين يحيون فيها أمثلة قوية لنضج الأهواء، وشلل الأفكار، أو نمائها في ظلّ الهوى الجامح ولخدمته واحده. كفر بالله واليوم الاخر، إقبال على نعيم الدنيا، وإغراق في التشبّع منه، رغبة عميقة في السيادة والعلو ونفاذ الكلمة، عصبيات طائشة تسالم وتحارب من أجل ذلك، تقاليد متوارثة توجه نشاط الفرد المادي والأدبي داخل هذا النطاق المحدود. من الخطأ أن تحسب (مكة) يومئذ قرية منقطعة عن العمران في صحراء موحشة، لا تحس من الدنيا إلا الضرورات التي تمسك عليها الرمق، كلّا، إنها شبعت حتى بطرت، وتنازعت الكبرياء حتى تطاحنت عليها، وكثر فيها من تغلغل الإلحاد في أغوار نفسه حتى عزّ إخراجه منه؛ فهم بين عم عن الصواب، أو جاحد له، وفي هذا المجتمع الذي لم ينل حظا يذكر من الحضارة العقلية بلغ غرور الفرد مداه، ووجد من يسابق فرعون في عتوّه وطغواه. قال عمرو بن هشام «١» - معلّلا كفره برسالة محمد ﷺ: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتّى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبيّ يوحى إليه! والله لا نؤمن به، ولا نتّبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه!!. زعموا أن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله ﷺ: لو كانت النبوّة حقّا لكنت أولى بها منك! لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا!. وهذه السفاهات العاتية، لم تنفرد مكة بها، فما كان كفر عبد الله بن أبي في المدينة إلا لمثل هذه الأسباب. ذهب رسول الله ﷺ بعد الهجرة- يعود سعد بن عبادة في مرض أصابه قبل وقعة بدر، فركب حمارا وأردف وراءه أسامة بن زيد، وسارا حتى مرّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبّروا علينا، فسلم رسول الله ﵊، ثم وقف ونزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القران..

فقال عبد الله: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقّا فلا تؤذنا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل الرسول ﵊ يخفّضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابّته وسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي ﷺ: «ألم تسمع ما قال أبو حباب- يعني ابن أبيّ-؟» قال سعد: وما قال؟ قال رسول الله ﵊: «قال كذا وكذا» ... فقال سعد: اعف عنه واصفح يا رسول الله، فو الذي أنزل عليك الكتاب! لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اجتمع أهل هذه البحرة- يعني المدينة- على أن يتوّجوه، ويعصّبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت «١» . إن ابن أبيّ غصّ بالإسلام؛ لأنه راه خطرا على زعامته، وكذلك فعل أبو جهل من قبل، ولئن كان هؤلاء قد ازورّوا عن الحق بعد ما تبينوه، إنّ هناك ألوفا غيرهم لا يدركون قيلا ولا يهتدون سبيلا، كرهوا الإسلام وحاربوه. ووسط هذه الجهالات البسيطة أو المركبة، والعداوات المقصودة أو المضللة، وسط نماذج لا حصر لها من الضلال والغافلة، أخذ الإسلام رويدا رويدا ينشر أشعته، فأخرج أمة من الظلام إلى النور؛ بل جعلها مصباحا وهّاجا يضيء ويهدي، والدروس التي أحدثت هذا التحول الخطير والتي رفعت شعوبا وقبائل من السفوح إلى القمم ليست دواء موقوتا أو مخصوصا، بل هي علاج أصيل لطبيعة الإنسان إذا التاثت، وستظل ما بقي الإنسان وبقيت الحياة تكرم الإنسان وتجدد الحياة.

السفوح إلى القمم ليست دواء موقوتا أو مخصوصا، بل هي علاج أصيل لطبيعة الإنسان إذا التاثت، وستظل ما بقي الإنسان وبقيت الحياة تكرم الإنسان وتجدد الحياة.

رسول معلم كانت الإشاعات قد فاضت بين أهل الكتاب الأولين أن نبيّا قد اقترب ظهوره، ولهذه الإشاعات ما يبرّرها، فإن عهد الناس بالرسل أن يتتابعوا فلا تطول فترة الانقطاع بين أحدهم والاخر، وكثيرا ما تعاصر المرسلون فجمعتهم أقطار واحدة أو متجاورة، ولكن الأمر تغيّر بعد عيسى ﵇ فكادت المئة السادسة تتم بعد بعثته، ولما يأت نبي جديد. فلما اكتظّت الأرض بالمفاسد والضلالات زاد التطلّع إلى مقدم هذا المصلح المرتقب، وكان هناك رجال ممن ينكرون الجهالة السائدة يستشرفون للمنصب الجليل، ويتمنّون لو اختيروا له؛ منهم: (أمية بن أبي الصلت) الذي حفل شعره بالتحدّث عن الله وما يجب له من محامد، حتى قال الرسول ﷺ فيه: «كاد أمية أن يسلم» «١» . وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه: ردفت رسول الله ﷺ يوما، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم؟ قال: «هيه» ، فأنشدته بيتا، فقال: «هيه» ، حتى أنشدته مئة بيت «٢» . غير أن القدر الأعلى تجاوز أولئك المتطلّعين من شعراء وناثرين، وألقى بالأمانة الكبرى على رجل لم يتطلّع إليها ولم يفكر فيها: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) [القصص] . إن الاصطفاء للرسالات العظيمة ليس بالأمل فيها، ولكن بالطاقة عليها. وكم في الحياة من طامحين لا يملكون إلا الجرأة على الأمل، وكم من راسخين يطويهم الصّمت، حتى إذا كلّفوا أتوا بالعجب العجاب.

مل فيها، ولكن بالطاقة عليها. وكم في الحياة من طامحين لا يملكون إلا الجرأة على الأمل، وكم من راسخين يطويهم الصّمت، حتى إذا كلّفوا أتوا بالعجب العجاب.

ولا يعلم أقدار النفوس إلا بارئها، والذي يريد هداية العالم أجمع يختار للغاية العظيمة أنفسا عظيمة، وقد كان العرب في جاهليتهم يرمقون محمدا ﷺ بالإجلال، ويحترمون في سيرته شارات الرجولة الكاملة، إلّا أنهم لم يتخيّلوا قط أن مستقبل الحياة قد ارتبط بمستقبله، وأن الحكمة ستتفجّر من ذلك الفم الطّهور، فتطوي السهوب والجدوب، وتثب الوهاد والنّجاد. إنهم لا يرون منه إلا ما يراه الطفل من سطح البحر، تشغله الصفحة الهادئة عن الغور البعيد. كان اصطفاء الله لمحمد ﷺ مفاجأة لم تلبث روعتها أن تكشفت عنه، ثم ثبت الكاهل الجلد لما ألقي عليه، ومضى على النهج مسددا مؤيدا. ومكث الوحي ينزل ثلاثا وعشرين سنة كانت الايات تنزل خلالها حسب الحوادث والأحوال، وهذه الفترة الطويلة الحافلة هي فترة تعلّم وتعليم. الله ﷿ يعلّم رسوله، والرسول ﷺ يتلقى هذه المعارف الحية، فيديرها في نفسه حتى يحيلها جزا من كيانه، ثم يعلّمها الناس ويأخذهم بها أخذا. ونزول القران على هذه الوتيرة مقصود للشارع الحكيم، فإن الزمن جزء من علاج النفوس، وسياسة الأمم، وتقرير الأحكام. واتساق القران في أغراضه ومعانيه- على طول المدة التي استغرقها في تجمّعه- يعتبر من وجوه إعجازه؛ فإن خواتيمه- بعد ربع قرن- جاءت مطابقة مساوقة لفواتحه، يصدق بعضها بعضا ويكمله، كأنما أرسلت في نفس واحد. وقد تساءل العرب: لم نزل القران كذلك؟ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان] .

َ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان] . إنّ القران يشرح حقيقة الدين عند الله وتاريخ هذه الحقيقة، وهو- في دعوته العامة- يبسط الشبهات العارضة ويفنّدها، ويسوق أدلته وهو على بينة من اراء خصومه، ويتتبع أقصى ما يثار ضدّه، ثم يكرّ عليه بالحجة فيمحقه، وقد بدأ القران بين قوم تشعّب الكفر في نفوسهم، ومرنت على الجدل ألسنتهم، وكأنّ القدر تخيّر هذه البيئة لتكون مجتمعا يمثل اخر ما يحيك في القلوب من ريبة، واخر ما يبذله الباطل من التحدي، فإذا أفلح الإسلام في

تبديد هذه الريب، وتذليل هذه العوائق، فهو على ما دونها أقدر. والأسئلة التي توجّه للنبي ﷺ، أو التي ينتظر أن توجّه إليه في مختلف العقائد والأحكام؛ وجدت إجابتها الشافية في القران، باعتبار أن السؤال لا يمثل حاجة صاحبه واحدها، بل حاجات الناس على مر الأيام. وفي هذا الجوّ المليء بالتساؤل استفهاما أو استنكارا؛ كان الإلهام يلاحقّ الرسول ﷺ: قل كذا، قل كذا. وما أكثر الايات التي صدرت بهذا الأمر إجابة لسؤال ورد أو سؤال مفترض. وأنت تحسّ- إذ تقرأ هذه الأجوبة المستفيضة- فيضا من اليقين ينساب إلى قلبك، كأنها حسمت وساوس عرضت لك أو في الإمكان أن تعرض، والرسالة الخالدة هي التي تصلها بضمائر الناس هذه الأواصر المتينة. إنّ القران رسول حي، تسائله فيجاوبك، وتستمع إليه فيقنعك. انظر: كيف يؤسس عقيدة البعث والجزاء، وينوّه بشمول الإرادة والقدرة في ثنايا إجابة على سؤال موجّه، وكيف صيغت المعاني في أخذ وردّ، واعتراض ودفع، كأنها حوار سيّال، يتعدّى أصحابه حتى يجمع الناس إلى اخر الدهر: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) [يس] .

ْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) [يس] . إنّ هذا مثل للاستدلال القائم على النّظر الصائب، لا يختص به زمان دون زمان، ولا مكان دون مكان، فهو خطاب للعقل العام في البشر أجمعين، وهو بيان لحكمة نزول القران منجّما إذ جاءت الايات للرسول ﷺ: قل كذا، ردّا على ما عرض له من أسئلة في أثناء تطوافه هنا وهناك يدعو إلى الله، ثم ثبت السؤال والجواب ليكون منهما علم ينفع الناس اخر الدهر.

وقد استوقف الأمر ب قالَ نظر العلماء؛ إنه تعليم من الله لرسوله ﷺ؛ وتعليم من الرسول للناس، وقد سيقت بعد هذا الأمر الأقوال التي تضمّنت ما شاء الله من النصائح والعظات والأحكام. فعند ما أحبّ المشركون- على عادتهم- أن ينقلوا ميدان الجدل من حقيقة الدين، إلى شخص الرسول ﷺ وأتباعه؛ نزلت الايات: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) [الملك] . فانظر كيف يستخلص اللّباب وسط غبار الجدل! ما يجديكم تنقّص الرسول ﷺ ومن معه؟ فكّروا في أنفسكم كيف أهلكتها الخرافات، وشردت بها عن الجادة! إنه ليس لرسول الله ﷺ ومن معه تفكير في أنفسهم وحظوظها، إنهم دعاة للرحمن، آمنوا به، وتوكّلوا عليه فإن شئتم فالطريق إلى الرحمن ميسرة. وليس من الضروري أن يقع سؤال ما لتأتي الإجابة عليه من لدن الله قالَ!! فربما يجيء السياق على هذا النحو ابتداء عند عرض أصول الدعوة وادابها، وتكون الغاية منه التعريف بالإسلام ونبيّه تعريفا مشبعا مقنعا، يستأصل الرّيب قبل أن تولد:

يجيء السياق على هذا النحو ابتداء عند عرض أصول الدعوة وادابها، وتكون الغاية منه التعريف بالإسلام ونبيّه تعريفا مشبعا مقنعا، يستأصل الرّيب قبل أن تولد: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام] . فالخطاب للرسول ﷺ هنا يتضمّن أمرا إلى كل حيّ وجد في عهده، أو يوجد من بعده: أن يتدبّر- بعقله- ما يلقى إليه، وأن يحكم- بضميره- على مدى صحته وإخلاصه. فإذا تعلّق بقلبه إيمان فهو إيمان بربّ كل شيء، وعمل الرسول ﷺ ينتهي عند هذا الحدّ، عند وصل العقول والقلوب ببارئها، وإيضاح الصراط المستقيم لها، وعلى كلّ إنسان تحمّل تبعته في فعل الخير أو الشرّ بعد ذلك. فليس الرسول ﷺ وسيطا يحمل لك خيرا قدمته، ولا قربانا يحمل عنك

عقابا استحققته، لأنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهنا يبدو بعد الشّقة بين المسيحية والإسلام. الإسلام يغالي بقدر الإنسان، ويعطيه جزاءه الحق على الرفعة والضّعة. أما النصرانية فالمرء عندها أنزل قدرا من أن يتّصل برب العالمين من تلقاء نفسه، لا بد من اخر يحمل قربته ويقبل توبته، ومن ذلك الاخر؟ شخص دعيّ! فإذا اقترف ذنبا فليس هو الذي يلقى قصاصه، إن القربان ذبح قديما من أجل خطيئته تلك، وعليه أن يصدق بذلك لينجو إن أراد النجاة، وهذا الخبط يحتاج إلى جرارات ثقيلة ليسير في الحياة مراغما للمنطق والعدالة. أما إلاسلام فإن الله يقول لنبيّه ﵊ قولا تتفتّح له الأعين والأفهام: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) [الرعد] . إن هذه الاستفهامات المترادفة سياط تلدغ الباطل، وتجعل العقل النائم يصحو من سباته، وتحفز الإنسان إلى اعتناق الحقيقة والتسامي بها. وذلك ما يعلنه ويعمل له رسول الإسلام محمد ﷺ. وقد لقي الإسلام مقاومة عنيفة أشدّ العنف من الوثنية السائدة، فهي لم تلفظ أنفاسها في معركة أو معركتين؛ بل قاتلت ببأس شديد على كلّ شبر من الأرض، وكان الظنّ أن قواها خارت وانماعت عند ما أدّى الرسول ﷺ أمانته وذهب إلى الرفيق الأعلى، بيد أن الجزيرة انتفضت بأسرها في عهد أبي بكر ﵁، وانحصر المسلمون وسط طوفان من الردة العمياء، شرعوا يكافحونه مرة أخرى، فما استطاعوا كسر شوكته إلا بعد ما تكبّدوا من الخسائر أكثر مما فقدوا على عهد النبي ﵊ في مقاتلة أولئك المشركين «١» .

العمياء، شرعوا يكافحونه مرة أخرى، فما استطاعوا كسر شوكته إلا بعد ما تكبّدوا من الخسائر أكثر مما فقدوا على عهد النبي ﵊ في مقاتلة أولئك المشركين «١» .

إنّ الرجال الذي ثبتوا على الحق بعد رحيل نبيهم ﷺ عنهم هم المسلمون حقّا، فإن الإسلام رباط بمبادئ لا بأشخاص، وقد علّم الله نبيّه وعلّم المسلمين في شخصه أن يلتزموا الحقّ الذي عرفوا، وأن يتشبثوا به مهما غولبوا وحوربوا. والدنيا طافحة بأسباب الزيغ، وهي تحاول أولا ألا تبقي للإيمان مكانا بها، فإذا ظفر بكسب بعد طول عناء، حاولت أن تلاينه حتى ينزل عن شيء ويكتفي بشيء، ولو أفلحت في استدراجه إلى هذه المنزلة لأمكنها الإجهاز عليه، ولذلك جاءت أوامر الله في كتابه حاسمة تقضي بأن الإيمان كلّ لا يتجزأ، وأن مناجزة الكافرين، على هذه الحقيقة لا يجوز أن تهدأ، فلا بد من الاستمساك بهذه التعاليم المترابطة! والحبّ والبغض عليها، والمسالمة أو المحاربة دونها، فإن نصيب العاطفة في خدمة العقيدة، لا يقل عن نصيب العقل. والايات الواردة في ذلك هي أوامر للمسلمين تنزلت في شكل خطاب للرسول ﷺ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) [الأحزاب] . فليس الرسول ﷺ مظنة أن يطيع الكافرين والمنافقين حتى ينبّه إلى التحرّز منهم، ولكننا نحن المعنيون بهذا الإرشاد. ومن ذلك: وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [القصص] . لقد كان الرسول ﷺ من بدء دعوته حربا على الشرك، وعلى الالهة الاخرى، ومنه تعلّم الناس هذه الخصومة، ويستحيل أن يتوقّع منه غيرها. ومن ذلك: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) [الحجر] .

من ذلك: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) [الحجر] . وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف] . فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) [يونس] .

قال المفسّرون: خوطبت الأمة في شخص رسولها كما تصدر الأوامر إلى القائد، مع أنّ الجند هم المنفّذون. وقيل: بل الخطاب للرسول ﵊ على طريق الإهاجة واستثارة الهمّة، يقال للقوي البادي العزم: لا تهن، وللعاقل الصحيح الذهن: لا تغافل، وليس يخاف عليهما وهن ولا غفلة، ولكن الأمر تحريض على استدامة القوة والذكاء، والشجاع يزداد على الموت إقبالا إذا قيل له: لا تجبن. وسواء كان هذا أم ذاك فإنّ الرسول ﵊ مناط الأسوة الحسنة، ومن سلوكه يأخذ الناس مثلهم الأعلى، وقد أمر وأمرنا معه بالتوجس من الضالين، والتنائي عن خلقهم وعملهم، وازدراء متاعهم وغرورهم؛ وذلك لأن هناك أحيانا شتى يضعف فيها الحقّ، ويعزّ التمسّك به، ويقوى فيها الباطل، وتكثر المغريات على مصادقته، أو مهادنته. ومن حقّ العقائد على أصحابها أن يتشدّدوا في تدعيم جانبها، وأن يتنكّروا لما يمسّها من بعيد. والأوامر التي تنظّم هذه المشاعر لن تنقصها الصّرامة، وماذا بعد أن يقول الله لنبيه ﷺ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) [الزمر] . إن هذا الخطاب يقرع اذاننا، وله مغزاه، كما قيل: «إياك أعني واسمعي يا جارة» «١» ، وقد كان لهذا الأسلوب أثره في تأليب المسلمين على الفساد، وترهيبهم من الرّكون إليه، بله الوقوع فيه.

له مغزاه، كما قيل: «إياك أعني واسمعي يا جارة» «١» ، وقد كان لهذا الأسلوب أثره في تأليب المسلمين على الفساد، وترهيبهم من الرّكون إليه، بله الوقوع فيه. وأقوال المفسّرين التي سردناها تنطبق أيضا على الاية: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] . الخطاب للقارئ، أو السامع، أو للرسول ﵊ نفسه على جهة التهييج والتحريض كما علمت: إذ إنّ الرسول ﵊ لن يقع

منه شك في أمر نبوّته، والكلام هنا، فرض للمستحيل كما قيل في سورة أخرى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) [الزخرف] ، ولكن ما معنى سؤال أهل الكتاب؟!. قالوا: المراد: الثقات المنصفون منهم، فهم لن يكتموا شهادة الحق إذا طلبت إليهم. وعندي: أن العدول الصادقين من أهل الكتاب قلة لا يعوّل على حكمها، وما أظن الاية تعني ذلك. ولكن المرء يزداد تبصّرا بنفاسة ما عنده من خير إذا رأى ما عند غيره من خلط، ولو ارتبت لحظة في أن القران من عند الله، ثمّ تصفحت كتب العهدين القديم والجديد، لعدت- على عجل- إلى كتابك تتشبّث به، وتحمد الله ألف مرة أن هديت إليه!!. وأحسب أن هذا ما تشير إليه الاية، فإنّ تبيّن ما في الإسلام من حقّ يزداد قوة عند اكتشاف ما طرأ على الأديان الأولى من تشويه، وهذا يتفق مع قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠] ، ويزكي فهمنا هذا في الاية الكريمة ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب؟! وكتابكم الذي أنزل على نبيّكم أحدث الكتب بالله، تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! ولا، والله ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم!» . إن الإسلام من الناحية العقلية معرفة للحقيقة، ومن الناحية العاطفية حبّ لها وإعزاز، وكراهية للباطل وعداء صريح. إن هناك أناسا في مشاعرهم برودة يلقون بها الرأي وضدّه! وقد يتصوّر هذا في بعض المسائل التافهة، أما أن يتعلّق الأمر بالإيمان والإلحاد، والفجور والعفاف، فلا.

اك أناسا في مشاعرهم برودة يلقون بها الرأي وضدّه! وقد يتصوّر هذا في بعض المسائل التافهة، أما أن يتعلّق الأمر بالإيمان والإلحاد، والفجور والعفاف، فلا.

إن الله علّم رسوله ﷺ الكتاب، والإيمان، فكان من عرفان الرسول ﷺ بهذا الفضل الإلهي أن غالى بإيمانه واعتزّ بقرانه، فعاش بهما وعاش لهما، وخاصم وسالم فيهما، وطالما تمنّى عداته أن يركن إليهم شيئا قليلا، ولكن هيهات! وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم] ، والأمة الجديرة بالانتماء إليه هي الأمة التي تناضل على الحق؛ فلا تسمح بانتقاص له، ولا حيف عليه، ومن خصائصها أنها أمة فكر ومنهاج، يقوم كيانها المادي والأدبي على ما تبذل في ذلك من جهد وتثمر من نتاج.

منزلة السنّة من الكتاب الكريم من حقّ المسلم أن يرتّب المصادر التي يأخذ عنها دينه، وأن يدرك الوضع الصحيح للمحفوظ من قول النبيّ ﵊ وفعله، إلى جوار السّجل الثابت للوحي الإلهي الذي خصّت به الرسالة الخاتمة. إن القران روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شرع دستوره، وبسطت دعوته، وقد تكفّل الله بحفظه فصينت به حقيقة الدين، وكتب لها الخلود أبد الابدين، والرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالاته، كان (قرانا) حيّا يسعى بين الناس، كان مثالا لما صوّره القران من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها؛ تعدّ ركنا في الدين، وشريعة للمؤمنين. إن الله اختاره ليتحدّث باسمه ويبلّغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟! ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القران القريبة والبعيدة؟!. إن تطبيق القانون لا يقلّ خطرا عن صياغته، وللقانون نصّ وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدّ فتاوى وتدوّن نصائح وتحفظ تجارب وعبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه، وهكذا.

أحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدّ فتاوى وتدوّن نصائح وتحفظ تجارب وعبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه، وهكذا. والقران هو قانون الإسلام، والسنّة هي تطبيقه، والمسلم مكلّف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيّه حقّ الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه- في ذلك- لا يصدر عن نفسه، بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، وليست خضوعا أعمى لواحد من الناس. قال الله ﷿: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) [النساء] .

وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] . وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] . على أن الإلهام الأعلى لا يعطّل مواهب الإنسان الراقي، فمن الخطأ أن نتصور المرسلين أناسا مسخّرين تنطقهم الملائكة أو تسكتهم، إنهم لو لم يكونوا أنبياء لكانوا رجالا يرمقون باحترام، ويقدّمون عن جدارة. إنّ الوحي لا يصيب الناس اتفاقا، بل يرشّح له أكمل الناس رشدا، وأسبقهم فضلا، وأنبلهم خلقا، وأنضجهم رأيا. وسيرة هؤلاء في الحياة ليست مما ينبذ، وكلمهم ليس مما يهمل، فكيف إذا تأيّدت هذه العراقة بالعصمة، وهذا الذكاء بالتسديد؟!. إنّ السّير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثمّ كانت سنّة محمد ﵊ مصدرا لشريعته، مع الكتاب الذي شرّفه الله به، وجمهور المسلمين على هذا الفهم، إلا أن السّنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول ﵊ سنّة تقبل، ولا كلّ ما صحت نسبته صح فهمه، أو وضع موضعه!! والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها، واضطربت أوضاعها؛ حتى جاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنّى لو تخلّص المسلمون منها.

عة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها، واضطربت أوضاعها؛ حتى جاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنّى لو تخلّص المسلمون منها. وهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولا، فإن الدنيا لم تعرف بشرا أحصيت اثاره، ونقدت بحذر، ومحّصت بدقة كما حدث ذلك في اثار محمد بن عبد الله ﷺ «١» ، فكيف ترمى بعد ذلك في مطارح الإهمال؟!. والناحية الاخرى أن في السنّة كنوزا من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع على صاحبها ويحرم الناس خيرها؟!. عند ما درسنا تراث محمد ﵊ في الأخلاق، وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل؛ خيّل إلينا لو أن جيشا من

علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد ﵊ الضخمة، إلا أنّ الاشتغال بالسنّة مع هذا- يجب أن يحظر على من لم يستجمع الشروط التي تجعل مثل هذا الاشتغال مفيدا للإسلام والمسلمين. ١- فلا يجوز أن يشتغل بالسنّة من لم يدرس علوم القران، ويضرب فيها بسهم وافر، فإن القران هو الدستور الأصيل للإسلام، وهو الذي يحدّد للمسلم بدقة تامة واجباته وحقوقه، ويرتّب التكاليف المنوطة به، ويوزّع العبادات على حياته، فلا تطغى عبادة على أخرى، ولا تطغى كلها على عمله للحياة ومكانه فيها، والمرء الذي يعجز عن تحصيل هذه الحقائق من القران لن يعوضه عن فقدانها شيء اخر، والصورة التي تستقر في نفسه للإسلام- من غير القران- تضطرب فيها النّسب والألوان، وربما لحقها اختلاف كبير. ولذلك حرص أئمة الصّحابة على أن يخلوا الطريق للقران الكريم ليحتلّ مكانته الأولى في القلوب، وحرصوا على ألّا يزاحمه في موضع الصّدارة شيء. روى ابن عبد البر في كتابه (جامع العلم وفضله) بأسانيده التي ذكرها، قال: عن جابر بن «١» عبد الله بن يسار قال: سمعت عليّا يقول: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم. وعن الزهري عن عروة «٢» : أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي ﵊ في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما، وقد عزم الله له، فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني- والله- لا أشوب- وفي رواية: لا أنسي- كتاب الله بشيء أبدا» .

أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني- والله- لا أشوب- وفي رواية: لا أنسي- كتاب الله بشيء أبدا» .

وعن ابن سيرين قال: إنما ضلّ بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن ابائهم. ودخل علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود، ومعهما صحيفة فيها حديث حسن، فقال عبد الله بن مسعود: يا جارية هاتي بطشت واسكبي فيه ماء، فجعل يمحوها بيده ويقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣] . فقالا له: انظر فيها حديثا عجيبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقران ولا تشغلوها بغيره- كانت الصحيفة تضم طرفا من علوم أهل الكتاب-. وعن عامر الشعبي «١» عن قرظة بن كعب «٢» قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى (صرار) ، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ، مشيت معنا تريد أن تشيّعنا وتكرمنا. فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقران كدويّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوّدوا القران، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ﷺ، امضوا وأنا شريككم. فلما قدم (قرظة) قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب. وعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القران حظّه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ إن هذه التفاصيل والشروح لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة. وخصوصا لأن الطريقة التي تروى بها الأحاديث تجمع في صعيد واحد ما صدر عن الرسول ﵊ متناثرا في أمكنة شتى، وأزمنة شتى، وملابسات شتى. عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء يجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول الله ﵊، يسمعنى وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي- أنهي صلاتي- ولو أدركته لرددت

شة، قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء يجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول الله ﵊، يسمعنى وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي- أنهي صلاتي- ولو أدركته لرددت

عليه. إن رسول الله ﵊ لم يكن يسرد الحديث كسردكم «١» ..!!. ٢- ويجيء بعد رسوخ القدم في فهم القران فهم ما يروى من السنن على وجهه الحق، فخير لمن يقصّر عن فهم السنن أن يحبس لسانه في فمه فلا يقول: قال رسول الله ﵊، ثم يسوق حديثا لا يعرف ما المقصود منه؟!. وإن كان يفهم عبارته الظاهرة واحدها. وقد بليت السنّة من قديم بمن يحفظ منها الكثير ولا يعي إلا اليسير، وتعجب السيدة عائشة من أبي هريرة حين جلس يروي، ليس لأنّها تتهمه بكذب، بل لأن أسلوب تحديثه يهدر الملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث بعد ما طويت طيا في سرده الموصول. وقد روى مسلم في صحيحه: أن عمر ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول الله ﵊: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» ، ولعلّ عمر فعل ذلك لأنه وجد أبا هريرة يذكر الحديث لمن لا يعي منه إلا أن الإسلام كلمة تقال باللسان ولا عمل وراءها [٢] ، ومنع الحديث- ولو صحّ- إذا أوحى بهذه الجهالة، أفضل من إباحة روايته. وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة!!. وفقه عمر في هذا المنع: أنه يريد- كما علمت- بناء المجتمع على تعاليم القران، وشغل الأفكار بتدبرها والاستنباط منها، فإذا رويت السنن بعدئذ تلقفتها أذهان نيّرة، فلم تعد بها معناها الصحيح. يستطيع أبو هريرة- لجودة حفظه- أن يسرد مئة حديث في الصلاة مثلا، وعمر ربما لا يرى حرجا من سرد هذه السنن في مدرسة خاصة، ولكنه يكره أن يشغل جمهور المسلمين بأمر يكفيهم منه القليل، ثم ينصرفون بعده إلى عمل أجدى على الإسلام وأهله.

وذلك سرّ تضييقه على الرواة المكثرين!. لقد روى ابن حزم قرابة ألف صفحة من الأحاديث في الوضوء، ولمن شاء أن يتوفر على هذا اللون من العلم، لكن شغل عامة المسلمين به حمق! فماذا يبقى بعدئذ للقران نفسه؟! بل إن شغل المسلمين بالقران على هذا النحو ليس من الدين، قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القران، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به» «١» . وإن يكن لهؤلاء الحفّاظ فضل فلأنهم حملوا العلم إلى من يحسن الإفادة منه. على نحو ما قال الرسول ﵊: «ربّ حامل فقه ليس بفقيه، ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «٢» ، عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير، فأجبته، فقال له: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت! ثم حدّثته! فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك، ما عرفت تأويله إلا الان!!. وقد يبصر أبو يوسف «٣» الفقيه ما يغيب عن الأعمش «٤» الحافظ، ولكن المحذور ليس في الحفظ بلا فهم، بل أن يفهم الأمر على غير وجهه. والترتيب الفني للسنن- كما دوّنت وتلقيناها- يجعل ما ورد في الإيمان بابا، وما ورد في القضاء بابا ... وهكذا ... ولما كان الإسلام جملة هذه الحقائق، فإنّ السنّة أصبحت كمتجر كبير للملابس وزعت فيه أنواعها على مختلف الجوانب، هنا أغطية الرأس، وهنا سراويل، وهنا قمصان، وهنا حلل سابغة ... إلخ. والطبيعي أن من يريد كسوة كاملة يمرّ بهذه الجوانب كلها ليأخذ ما يغطيه

Bagian 1 dari 12