— Bagian 12 · تَنَاطَحَ الْحَجَفُ [ (١) ] ، وَفَزِعْنَا وَكَأَ… —
Bagian 12
تَنَاطَحَ الْحَجَفُ [ (١) ] ، وَفَزِعْنَا وَكَأَنّا لَمْ يُصِبْنَا قَبْلَ ذَلِكَ نَكْبَةٌ. وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: غَشِيَنَا النّعَاسُ حَتّى كَانَ حَجَفُ الْقَوْمِ تَنَاطَحَ. وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ: غَشِيَنَا النّعَاسُ فَمَا مِنّا رَجُلٌ إلّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ مِنْ النّوْمِ، فَأَسْمَعُ مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ يَقُولُ- وَإِنّي لَكَالْحَالِمِ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا [ (٢) ] فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا [ (٢) ] . قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: لَقَدْ رَأَيْتنِي يَوْمَئِذٍ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أَصَابَنَا النّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا يَغُطّ غَطِيطًا حَتّى إنّ الحجف التناطح. وَلَقَدْ رَأَيْت سَيْفَ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ، وَأَخَذَهُ بَعْدَ مَا تَثَلّمَ، وَإِنّ الْمُشْرِكِينَ لَتَحْتنَا. وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أُلْقِيَ عَلَيْنَا النّعَاسُ، فَكُنْت أَنْعَسُ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي. وَكَانَ النّعَاسُ لَمْ يُصِبْ أَهْلَ النّفَاقِ وَالشّكّ يَوْمَئِذٍ، فَكُلّ مُنَافِقٍ يَتَكَلّمُ بِمَا فِي نَفْسِهِ، وَإِنّمَا أَصَابَ النّعَاسُ أَهْلَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ. وَقَالُوا: لَمّا تَحَاجَزُوا أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ الِانْصِرَافَ، وَأَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ حَوّاءُ [ (٣) ] أُنْثَى، فَأَشْرَفَ [ (٤) ] عَلَى أصحاب النبي ﷺ في عُرْضِ الْجَبَلِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اُعْلُ هُبَلُ! ثُمّ يَصِيحُ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطّابِ؟ يَوْمٌ بيوم بدر، ألا إنّ
صَوْتِهِ: اُعْلُ هُبَلُ! ثُمّ يَصِيحُ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطّابِ؟ يَوْمٌ بيوم بدر، ألا إنّ
الْأَيّامَ دُوَلٌ، وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، وَحَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ [ (١) ] ! فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، أُجِيبُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلَى، فَأَجِبْهُ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اُعْلُ هُبَلُ! فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلّ! قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنّهَا قَدْ أَنْعَمَتْ، فَعَالِ [ (٢) ] عَنْهَا! ثُمّ قَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا عُمَرُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمُ بِيَوْمِ بَدْرٍ، أَلَا إنّ الْأَيّامَ دُوَلٌ، وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ! قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنّكُمْ لَتَقُولُونَ ذَلِكَ! لَقَدْ خِبْنَا إذَنْ وَخَسِرْنَا! قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزّى وَلَا عُزّى لَكُمْ! فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ! قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنّهَا قَدْ أَنْعَمَتْ يَا ابْنَ الْخَطّابِ، فَعَالِ عَنْهَا. ثُمّ قَالَ: قُمْ إلَيّ يَا ابْنَ الْخَطّابِ، أُكَلّمْك. فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُك بِدِينِك، هَلْ قَتَلْنَا مُحَمّدًا؟ قَالَ عُمَرُ: اللهُمّ لَا، وَإِنّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَك الْآنَ. قَالَ: أَنْتَ عِنْدِي أَصْدَقُ مِنْ ابْنِ قَمِيئَةَ- وَكَانَ ابْنُ قَمِيئَةَ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ قَتَلَ النّبِيّ ﷺ. ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ: إنّكُمْ وَاجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ عَيْثًا [ (٣) ] وَمَثْلًا، أَلَا إنّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا. ثُمّ أَدْرَكَتْهُ حَمِيّةُ الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ: أَمّا إذْ كَانَ ذَلِكَ فَلَمْ نَكْرَهْهُ. ثُمّ نَادَى: أَلَا إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ الصّفْرَاءُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ!
يّةُ الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ: أَمّا إذْ كَانَ ذَلِكَ فَلَمْ نَكْرَهْهُ. ثُمّ نَادَى: أَلَا إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ الصّفْرَاءُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ! فَوَقَفَ عُمَرُ وَقْفَةً يَنْتَظِرُ مَا يَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ، فقال رسول اللهِ ﷺ: قُلْ، نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ! ثُمّ انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ
إلَى أَصْحَابِهِ وَأَخَذُوا فِي الرّحِيلِ، فَأَشْفَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فَاشْتَدّتْ شَفَقَتُهُمْ مِنْ أَنْ يُغِيرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَتَهْلِكَ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لسعد بن أبي وقاص: ائْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، إنْ رَكِبُوا الْإِبِلَ وَجَنّبُوا الْخَيْلَ فَهُوَ الظّعْنُ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَجَنّبُوا الْإِبِلَ فَهِيَ الْغَارَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَارُوا إلَيْهَا لَأَسِيرَن إلَيْهِمْ ثُمّ لَأُنَاجِزَنهُمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَوَجّهْت أَسْعَى، وَأَرْصَدْتُ فِي نَفْسِي إنْ أَفْزَعَنِي شَيْءٌ رَجَعَتْ إلَى النّبِيّ ﷺ، فَأَنَا أَسْعَى، فَبَدَأْت بِالسّعْيِ حِينَ ابْتَدَأْت، فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ حَتّى إذَا كَانُوا بِالْعَقِيقِ، وَكُنْت حَيْثُ أَرَاهُمْ وَأَتَأَمّلُهُمْ، فَإِذَا هُمْ قَدْ رَكِبُوا الْإِبِل وَجَنّبُوا الْخَيْلَ، فَقُلْت: إنّهُ الظّعْنُ إلَى بِلَادِهِمْ. فَوَقَفُوا وَقْفَةً بِالْعَقِيقِ وَتَشَاوَرُوا فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ:
ْت: إنّهُ الظّعْنُ إلَى بِلَادِهِمْ. فَوَقَفُوا وَقْفَةً بِالْعَقِيقِ وَتَشَاوَرُوا فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: قَدْ أَصَبْتُمْ الْقَوْمَ، فَانْصَرِفُوا فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ وَأَنْتُمْ كَالّونَ، وَلَكُمْ الظّفَرُ، فَإِنّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَغْشَاكُمْ. قَدْ وَلّيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاَللهِ مَا تَبِعُوكُمْ وَالظّفَرُ لَهُمْ! فقال رسول الله ﷺ: نَهَاهُمْ صَفْوَانُ! فَلَمّا رَآهُمْ سَعْدٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مُنْطَلِقِينَ، قَدْ دَخَلُوا فِي الْمُكَيْمِنِ [ (١) ] ، رَجَعَ إلى رسول الله ﷺ، وَهُوَ كَالْمُنْكَسِرِ، فَقَالَ: وَجّهَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللهِ إلَى مَكّةَ، امْتَطَوْا الْإِبِلَ وَجَنّبُوا الْخَيْلَ. فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقُلْت ذَلِكَ، ثُمّ خَلَا بِي فَقَالَ: حَقّا مَا تَقُولُ؟ قُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: مَا لِي [ (٢) ] رَأَيْتُك مُنْكَسِرًا؟ قَالَ، فَقُلْت: كَرِهْت أَنْ آتِيَ [ (٣) ] الْمُسْلِمِينَ
فَرِحًا بِقُفُولِهِمْ إلَى بِلَادِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ سَعْدًا لَمُجَرّبٌ! وَيُقَالُ إنّ سَعْدًا لَمّا رَجَعَ جَعَلَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِأَنْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ، فَجَعَلَ رسول الله ﷺ يشير إلَى سَعْدٍ أَنْ اخْفِضْ صَوْتَك! قَالَ: ثُمّ قال رسول الله ﷺ: إنّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ! فَلَا تُرِي النّاسَ مِثْلَ هَذَا الْفَرَحَ بِانْصِرَافِهِمْ، فَإِنّمَا رَدّهُمْ اللهُ ﵎. قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: إنْ رَأَيْت الْقَوْمَ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَأَخْبِرْنِي فيما بنين وَبَيْنَك، وَلَا تَفُتّ أَعْضَادَ الْمُسْلِمِينَ. فَذَهَبَ فَرَآهُمْ قَدْ امْتَطَوْا الْإِبِلَ فَرَجَعَ، فَمَا مَلَكَ أَنْ جَعَلَ يَصِيحُ سُرُورًا بِانْصِرَافِهِمْ. فَلَمّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ لَمْ يَصِلْ إلَى بَيْتِهِ حَتّى أَتَى هُبَلَ فَقَالَ: قَدْ أَنْعَمَتْ وَنَصَرْتنِي وَشَفَيْت نَفْسِي مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ! وَحَلَقَ رَأْسَهُ. وَقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: كَيْفَ كَانَ افْتِرَاقُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: مَا تُرِيدُ [ (١) ] إلَى ذَلِكَ؟ قَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ. ثُمّ قَالَ: لَمّا كَرَرْنَا عَلَيْهِمْ أَصَبْنَا مَنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ وَتَفَرّقُوا فِي كُلّ وَجْهٍ. وَفَاءَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعْدُ، فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: لَنَا الْغَلَبَةُ، فَلَوْ انْصَرَفْنَا فَإِنّهُ بَلَغَنَا أَنّ ابْنَ أُبَيّ انْصَرَفَ بِثُلُثِ النّاسِ، وَقَدْ تَخَلّفَ نَاسٌ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُرّوا عَلَيْنَا وَفِينَا جِرَاحٌ، وَخَيْلُنَا عَامّتُهَا قَدْ عُقِرَتْ مِنْ النّبْلِ. فَمَضَوْا [ (٢) ] ، فَمَا بَلَغْنَا الرّوْحَاءَ حَتّى قَامَ عَلَيْنَا عِدّةٌ مِنْهَا، ومضينا [ (٣) ] .
لُنَا عَامّتُهَا قَدْ عُقِرَتْ مِنْ النّبْلِ. فَمَضَوْا [ (٢) ] ، فَمَا بَلَغْنَا الرّوْحَاءَ حَتّى قَامَ عَلَيْنَا عِدّةٌ مِنْهَا، ومضينا [ (٣) ] .
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حدّثنى سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ. وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ رُبَيْحِ بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري مِثْلَهُ. وَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، أَرْبَعَةٌ من قريش وَسَائِرُهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ- الْمُزَنِيّ، وَابْنُ أَخِيهِ، وَابْنَا الْهَبِيتِ- أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ، هَذَا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ. وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، قَتَلَهُ وَحْشِيّ، هَذَا الْأَصَحّ لَا. اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. ومن بنى أميّة: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، قَتَلَهُ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ. وَيُقَالُ خَمْسَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ- مِنْ بَنِي أَسَدٍ: سَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: شَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشّرِيدِ، قَتَلَهُ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ. وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ أَصَابَهُ جُرْحٌ بِأُحُدٍ، فَلَمْ يَزَلْ جَرِيحًا حَتّى مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَغُسِلَ بِبَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَالِيَةِ بَيْنَ قَرْنَيْ [ (١) ] الْبِئْرِ الّتِي صَارَتْ لِعَبْدِ الصّمَدِ بْنِ عَلِيّ الْيَوْمَ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ. وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ: عَبْدُ الله وعبد الرحمن ابنا الهبيت.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ. وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ: عَبْدُ الله وعبد الرحمن ابنا الهبيت.
وَمِنْ مُزَيْنَةَ رَجُلَانِ: وَهْبُ بْنُ قَابُوسٍ، وَابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ قَابُوسٍ. وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا: عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، قَتَلَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَنَسِ بْنِ رَافِعٍ، وَعِمَارَةُ بْنُ زِيَادِ بْنِ السّكَنِ، وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، قَتَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، قَتَلَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَرِفَاعَةُ ابْنُ وَقْشٍ، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ، قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ خَطَأً، وَيُقَالُ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ قَتَلَهُ خَطَأً، وَصَيْفِيّ بْنُ قَيْظِيّ، قَتَلَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَالْحَبَابُ بْنُ قَيْظِيّ، وَعَبّادُ بْنُ سَهْلٍ، قَتَلَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ. وَمِنْ أَهْلِ رَاتِجَ [ (١) ] ، وَهُمْ إلَى عَبْدِ الْأَشْهَلِ: إيَاسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ ابْنِ زَعُورَاءَ بْنِ جُشَمٍ، قَتَلَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعُبَيْدُ بْنُ التّيْهَانِ، قَتَلَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَحَبِيبُ [ (٢) ] بْنُ قِيَمٍ. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وَهُوَ أَبُو الْبَنَاتِ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أُقَاتِلُ ثُمّ أَرْجِعُ إلَى بَنَاتِي. فقال رسول الله ﷺ: صَدَقَ اللهُ ﷿ [ (٣) ] . وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ ابْنُ شَعُوبٍ.
لله ﷺ: صَدَقَ اللهُ ﷿ [ (٣) ] . وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ ابْنُ شَعُوبٍ. وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنِيسُ بْنُ قَتَادَةَ، قَتَلَهُ أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ أَمِيرُ النبىّ ﷺ على
الرّمَاةِ، قَتَلَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ السّلَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ: خَيْثُمَةُ أَبُو سَعْدٍ، قَتَلَهُ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ. وَمِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ، قَتَلَهُ ابْنُ الزّبَعْرَى. وَمِنْ بَنِي معاوية: سيتق [ (١) ] بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هَيْشَةَ، قَتَلَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ- ثَمَانِيَةٌ. وَمِنْ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، قَتَلَهُ صَفْوَانُ ابْنُ أُمَيّةَ، وَسَعْدُ بْنُ رَبِيعٍ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. وَأَوْسُ بْنُ أَرْقَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبٍ- أَرْبَعَةٌ. وَمِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خَدِرَةَ [ (٢) ] : مَالِكُ بْنُ سِنَانِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَهُوَ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَتَلَهُ غُرَابُ بْنُ سُفْيَانَ، وَسَعْدُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمّارِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ابن عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ- ثَلَاثَةٌ. وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بن نميلة، وحارثة ابن عَمْرٍو، وَنَفْثُ [ (٣) ] بْنُ فَرْوَةَ بْنِ الْبَدِيّ- ثَلَاثَةٌ. وَمِنْ بَنِي طَرِيفٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَقَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَطَرِيفٌ، وَضَمْرَةُ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ. وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بن
بَةَ، وَطَرِيفٌ، وَضَمْرَةُ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ. وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بن
الْعَجْلَانِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ، وَالْعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنُ نَضْلَةَ، قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ السّلَمِيّ، وَالنّعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، قَتَلَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، وَعَبَدَةُ بْنُ الْحِسْحَاسِ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. وَمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ، قَتَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ غِيلَةً. حَدّثَنِي الْيَمَانُ بْنُ مَعَنٍ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ، قَالَ: دُفِنَ ثَلَاثَةُ نفر يوم أحد فى قَبْرٍ وَاحِدٍ- نُعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ وَالْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ، وَعَبَدَةُ بْنُ الْحِسْحَاسِ. وَكَانَتْ قِصّةُ مُجَذّرِ بْنِ ذِيَادٍ أَنّ حُضَيْرَ الْكَتَائِبِ جَاءَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَكَلّمَ سُوَيْدَ بْنَ الصّامِتِ، وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ- وَيُقَالُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ- فَقَالَ: تَزُورُونِي فَأَسْقِيكُمْ مِنْ الشّرَابِ وَأَنْحَرُ لَكُمْ، وَتُقِيمُونَ عِنْدِي أَيّامًا. قَالُوا: نَحْنُ نَأْتِيك يَوْمَ كَذَا وَكَذَا. فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَاءُوهُ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا وَسَقَاهُمْ الْخَمْرَ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ حَتّى تَغَيّرَ اللّحْمُ، وَكَانَ سُوَيْدٌ يَوْمئِذٍ شَيْخًا كَبِيرًا. فَلَمّا مَضَتْ الثّلَاثَةُ الْأَيّامِ، قَالُوا: مَا نُرَانَا [ (١) ] إلّا رَاجِعِينَ إلَى أَهْلِنَا. فَقَالَ حُضَيْرٌ:
دٌ يَوْمئِذٍ شَيْخًا كَبِيرًا. فَلَمّا مَضَتْ الثّلَاثَةُ الْأَيّامِ، قَالُوا: مَا نُرَانَا [ (١) ] إلّا رَاجِعِينَ إلَى أَهْلِنَا. فَقَالَ حُضَيْرٌ: مَا أَحْبَبْتُمْ! إنْ أَحْبَبْتُمْ فَأَقِيمُوا، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ فَانْصَرِفُوا فَخَرَجَ الْفِتْيَانُ بِسُوَيْدٍ يَحْمِلَانِهِ حَمْلًا مِنْ الثّمْلِ، فَمَرّوا لَاصِقَيْنِ بِالْحَرّةِ حَتّى كَانُوا قَرِيبًا مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ [ (٢) ]- وَهِيَ وِجَاهَ بَنِي سَالِمٍ إلَى مَطْلَعِ الشّمْسِ. فَجَلَسَ سُوَيْدٌ وَهُوَ يَبُولُ، وهو ممتلى سُكْرًا، فَبَصُرَ بِهِ [ (٣) ] إنْسَانٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، فَخَرَجَ حَتّى أَتَى الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ فَقَالَ: هَلْ لَك فِي الْغَنِيمَةِ الْبَارِدَةِ؟ قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: سُوَيْدٌ! أَعَزْلُ لَا سِلَاحَ مَعَهُ، ثَمِلٌ! قال: فخرج المجذّر
ابن ذِيَادٍ بِالسّيْفِ صَلْتًا [ (١) ] ، فَلَمّا رَآهُ الْفَتَيَانِ وَلّيَا، وَهُمَا أَعَزَلَانِ لَا سِلَاحَ مَعَهُمَا- وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ- فَانْصَرَفَا سَرِيعَيْنِ. وَثَبَتَ الشّيْخُ وَلَا حَرَاكَ بِهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ مُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ فَقَالَ: قَدْ أَمْكَنَ اللهُ مِنْك! فَقَالَ: مَا تُرِيدُ بِي؟ قَالَ: قَتْلَك. قَالَ: فَارْفَعْ عَنْ الطّعَامِ وَاخَفْضِ عَنْ الدّمَاغِ، وَإِذَا رَجَعْت إلَى أُمّك فَقُلْ: إنّي قَتَلْت سُوَيْدَ بْنَ الصّامِتِ. وَكَانَ قَتْلُهُ هَيّجَ وَقْعَةَ بُعَاثَ، فَلَمّا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أَسْلَمَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ وَمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ، فَشَهِدَا بَدْرًا فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَطْلُبُ مُجَذّرًا لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، فَلَا يَقْدِرُ [ (٢) ] عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْجَوْلَةَ أَتَاهُ الْحَارِثُ مِنْ خَلْفِهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
[ (٢) ] عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْجَوْلَةَ أَتَاهُ الْحَارِثُ مِنْ خَلْفِهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ ثُمّ خَرَجَ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فلمّا رجع من حمراء الأسد أتاه جبرئيل ﵇ فَأَخْبَرَهُ أَنّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ قَتَلَ مُجَذّرًا غِيلَةً، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ. فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى قُبَاءٍ فِي الْيَوْمِ الّذِي أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ، فِي يَوْمٍ حَارّ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا لَا يَرْكَبُ فِيهِ رسول الله ﷺ إلى قُبَاءٍ، إنّمَا كَانَتْ الْأَيّامُ الّتِي يَأْتِي فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُبَاءَ يَوْمَ السّبْتِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ. فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَسْجِدَ قُبَاءٍ صَلّى فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُصَلّيَ. وَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ فَجَاءَتْ تُسَلّمُ [ (٣) ] عَلَيْهِ، وَأَنْكَرُوا إتْيَانَهُ فِي تَلِك السّاعَةِ وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَدّثُ وَيَتَصَفّحُ النّاسَ حَتّى طَلَعَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فِي مِلْحَفَةٍ مُوَرّسَةٍ [ (٤) ] ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عُوَيْمَ بْنَ سَاعِدَةَ فَقَالَ لَهُ: قَدِمَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ بِمُجَذّرِ بْنِ ذِيَادٍ، فَإِنّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. فَأَخَذَهُ عُوَيْمٌ فَقَالَ الْحَارِثُ: دَعْنِي أُكَلّمْ رَسُولَ اللهِ! فَأَبَى عُوَيْمٌ عَلَيْهِ، فَجَابَذَهُ يُرِيدُ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ، وَدَعَا بِحِمَارِهِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَقُولُ: قَدْ وَاَللهِ قَتَلْته يَا رَسُولَ اللهِ. وَاَللهِ مَا كَانَ قَتْلِي إيّاهُ رُجُوعًا عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَا ارْتِيَابًا فِيهِ، وَلَكِنّهُ حَمِيّةَ الشّيْطَانِ وَأَمْرٌ وُكِلْت فِيهِ إلَى نَفْسِي. وَإِنّي أَتُوبُ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِمّا عَمِلْت، وَأُخْرِجُ دِيَتَهُ، وَأَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَأُعْتِقُ رِقْبَةً، وَأُطْعِمُ سِتّينَ مِسْكِينًا، إنّي أَتُوبُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ! وَجَعَلَ يُمْسِكُ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبَنُو الْمُجَذّرِ حُضُورٌ لَا يَقُولُ لهم رسول الله ﷺ شَيْئًا حَتّى إذَا اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُ قَالَ: قَدّمْهُ يَا عُوَيْمُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ! وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَدِمَهُ عُوَيْمُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَيُقَالُ: إنّ خُبَيْبَ بْنَ يِسَافٍ، نَظَرَ إلَيْهِ حَيْنَ ضَرَبَ عُنُقَهُ فَجَاءَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ يَفْحَصُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ. فَبَيْنَا رسول الله ﷺ على حِمَارِهِ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَخَبّرَهُ بِذَلِكَ فِي مَسِيرِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُوَيْمًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا حَارِ فِي سِنَةٍ مِنْ نَوْمِ أوّلكم [ (١) ] ... أم كنت ويلك [ (٢) ] مغترّا بجبريل
ِ ﷺ عُوَيْمًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا حَارِ فِي سِنَةٍ مِنْ نَوْمِ أوّلكم [ (١) ] ... أم كنت ويلك [ (٢) ] مغترّا بجبريل
وَأَنْشَدَنِي مُجَمّعُ بْنُ يَعْقُوبَ وَأَشْيَاخُهُمْ أَنّ سُوَيْدَ بْنَ الصّامِتِ قَالَ عِنْدَ مَقْتَلِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: أَبْلِغْ جُلَاسًا [ (١) ] وَعَبْدَ اللهِ مَأْلُكَةً [ (٢) ] ... وَإِنْ كَبِرَتْ [ (٣) ] فَلَا تَخْذُلْهُمَا حَارِ اُقْتُلْ جِدَارَةَ [ (٤) ] إمّا كُنْت لَاقِيَهَا ... وَالْحَيّ عَوْفًا [ (٥) ] عَلَى عُرْفٍ وَإِنْكَارِ وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ: عَنْتَرَةُ مَوْلَى بَنِي سَلِمَةَ، قَتَلَهُ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ. وَمِنْ بَلْحُبْلَى: رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرٍو. وَمِنْ بَنِي حَرَامٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَخَلّادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ جَعُونَةَ- ثَلَاثَةٌ. وَمِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ: الْمُعَلّى بْنُ لَوْذَانَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ رُسْتُمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَتَلَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، قتله أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق. وَمِنْ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادٍ: عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، قَتَلَهُ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ، وَابْنُهُ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَامِرُ بْنُ مُخَلّدٍ. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ: أَبُو أُسَيْرَةَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرِو ابْنِ مَالِكٍ، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ مُطَرّفِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرٍو. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وهم بنو مغالة: أوس بن حرام.
تَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ مُطَرّفِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرٍو. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وهم بنو مغالة: أوس بن حرام.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ: أَنَسُ بْنُ النّضر بن ضمضم، قتله سفيان ابن عُوَيْفٍ. وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: قَيْسُ بْنُ مُخَلّدٍ [ (١) ] ، وَكَيْسَانُ مَوْلَاهُمْ، وَيُقَالُ عَبْدٌ لَهُمْ لَمْ يَعْتِقْ. وَمِنْ بَنِي دِينَارٍ: سُلَيْمُ بْنُ الحارث، والنعمان بن عبد عَمْرٍو، وَهُمَا ابْنَا السّمَيْرَاءِ بِنْتِ قَيْسٍ. اُسْتُشْهِدَ مِنْ بَنِي النّجّارِ اثْنَا عَشَرَ. تَسْمِيَةُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ: طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ يَحْمِلُ لِوَاءَهُمْ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وَعُثْمَانُ بن ابى طَلْحَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ﵁، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَمُسَافِعُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكِلَابُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُ الزّبَيْرُ ابْنُ الْعَوّامِ، وَالْجُلَاسُ [ (٢) ] بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَرْطَاةُ بْنُ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ [ (٣) ] ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وقاسط [ (٤) ] بن
شُرَيْحِ بْنِ عُثْمَانَ- ثُمّ حَمَلَهُ صُؤَابٌ- فَيُقَالُ قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَأَبُو عَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ: أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وَسِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى الْخُزَاعِيّ، وَاسْمُ عَبْدِ الْعُزّى عَمْرُو بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبّاسِ بْنِ سُلَيْمٍ وَهُوَ ابْنُ أُمّ أَنْمَارٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: هِشَامُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بن المغيرة، قتله قزمان، والوليد ابن الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعُقَيْلِيّ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ. حَدّثْنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلَ قُزْمَانُ يَشُدّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَتَلَقّاهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلٌ، فَاضْطَرَبَا بِأَسْيَافِهِمَا. فَيَمُرّ بِهِمَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَحَمَلَ الرّمْحَ عَلَى قُزْمَانَ، فَسَلَكَ الرّمْحُ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، شَطَبَ [ (١) ] الرّمْحَ، وَمَضَى خَالِدٌ وَهُوَ يَرَى أَنّهُ قَدْ قَتَلَهُ. فَضَرَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَطَعَنَهُ أُخْرَى فَلَمْ يُجْهِزْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَالَا يَتَجَاوَلَانِ حَتّى قَتَلَ قُزْمَانُ خَالِدَ بْنَ الْأَعْلَمِ، وَمَاتَ قُزْمَانُ مِنْ جِرَاحَةٍ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ. وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ- خَمْسَةٌ. وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: عُبَيْدُ بْنُ حَاجِزٍ، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ، وشيبة ابن مَالِكِ بْنِ الْمُضَرّبِ، قَتَلَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ. وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: أَبَيّ بْنُ خَلَفٍ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَهُوَ
َحٍ: أَبَيّ بْنُ خَلَفٍ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَهُوَ
أَبُو عَزّةَ، أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسِيرًا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَأْخُذْ رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ أَسِيرًا غَيْرَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، مُنّ علي! فقال رسول الله ﷺ: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مَرّتَيْنِ، وَلَا تَرْجِعْ إلَى مَكّةَ تَمْسَحْ عَارِضَيْك تَقُولُ: سَخِرْت بِمُحَمّدٍ مَرّتَيْنِ! ثُمّ أَمَرَ بِهِ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْوَاقِدِيّ: وَسَمِعْنَا فِي أَسْرِهِ غَيْرَ ذَلِكَ. حَدّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ نَزَلُوا بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ فِي أَوّلِ اللّيْلِ سَاعَةً، ثُمّ رَحَلُوا وَتَرَكُوا أَبَا عَزّةَ نَائِمًا مَكَانَهُ حَتّى ارْتَفَعَ النّهَارُ وَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ مُسْتَنْبِهٌ يَتَلَدّدُ [ (١) ] ، وَكَانَ الّذِي أَخَذَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، فَأَمَرَهُ النّبِيّ ﷺ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ َمنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ: خَالِدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ، وَأَبُو الشّعْثَاءِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ، وَأَبُو الْحَمْرَاءِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ، وَغُرَابُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ. قَالُوا: فَلَمّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَاتِهِمْ، فَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِيمَنْ أُتِيَ بِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ أَوّلًا، صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسّلُهُ، لِأَنّ حَمْزَةَ ﵁ كَانَ جُنُبًا ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَلَمْ يُغَسّلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشّهَدَاءَ، وَقَالَ: لُفّوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ، فَإِنّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُجْرَحُ فِي اللهِ إلّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِجُرْحِهِ، لَوْنُهُ لَوْنُ [ (٢) ] دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
َحَدٌ يُجْرَحُ فِي اللهِ إلّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِجُرْحِهِ، لَوْنُهُ لَوْنُ [ (٢) ] دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ضَعُوهُمْ، أَنَا الشّهِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَة. فَكَانَ حمزة أوّل من كبّر عليه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا. ثُمّ جَمَعَ إلَيْهِ الشّهَدَاءَ، فَكَانَ كُلّمَا أُتِيَ بِشَهِيدٍ وَضَعَ إلَى جَنْبِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَصَلّى عَلَيْهِ وَعَلَى الشّهَدَاءِ، حَتّى صَلّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ مَرّةً لِأَنّ الشّهَدَاءَ سَبْعُونَ. وَيُقَالُ كَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ وَحَمْزَةُ عَاشِرُهُمْ فَيُصَلّي عَلَيْهِمْ، ثُمّ يَرْفَعُ التّسْعَةَ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ، وَيُؤْتَى بِتِسْعَةٍ آخَرِينَ فَيُوضَعُونَ إلَى جَنْبِ حَمْزَةَ فَيُصَلّي عَلَيْهِمْ، حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ. وَيُقَالُ كَبّرَ عَلَيْهِمْ تِسْعًا وَسَبْعًا وَخَمْسًا. وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَابْنُ عَبّاسٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُونَ: صلى رسول الله ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنَا عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدٌ. فقال أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسُوا إخْوَانَنَا، أَسْلَمُوا كَمَا أَسْلَمْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَلَا أَدْرِي مَا تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر وَقَالَ: إنّا لَكَائِنُونَ بَعْدَك؟ وَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمْ يُصَلّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ النّبِيّ ﷺ مِثْلَهُ.
ِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ النّبِيّ ﷺ مِثْلَهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمئِذٍ لِلْمُسْلِمِينَ: احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُقَدّمُونَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فِي الْقَبْرِ. وَكَانَ مِمّنْ يُعْرَفُ أَنّهُ دُفِنَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعْدُ بْنُ رَبِيعٍ، وَالنّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ الْحَسْحَاسِ، فِي
قَبْرٍ وَاحِدٍ. فَلَمّا وَارَوْا [ (١) ] حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبُرْدَةٍ تُمَدّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْقَبْرِ، فَجَعَلَتْ الْبُرْدَةُ إذَا خَمّرُوا رَأْسَهُ بَدَتْ قَدَمَاهُ، وَإِذَا خَمّرُوا رِجْلَيْهِ تَنْكَشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: غَطّوا وَجْهَهُ! وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلَ، فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَمّ رَسُولِ اللهِ، لَا نَجِدُ [ (٢) ] لَهُ ثَوْبًا! فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: تَفْتَتِحُ- يَعْنِي الْأَرْيَافَ وَالْأَمْصَارَ- فَيَخْرُجُ إلَيْهَا النّاسُ، ثُمّ يُبْعَثُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ: إنّكُمْ بِأَرْضِ حِجَازٍ جَرْدِيّةٍ [الْجَرْدِيّةُ الّتِي لَيْسَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَشْجَارِ] [ (٣) ] وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَصْبِرُ وَاحِدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدّتِهَا إلّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا- أَوْ شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ! قَالُوا: وَأَتَى عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ [ (٤) ] بِطَعَامٍ، فَقَالَ: حَمْزَةُ- أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إلّا بُرْدَةٌ، وَكَانَا [ (٥) ] خَيْرًا مِنّي. وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ على مصعب ابن عُمَيْرٍ، وَهُوَ مَقْتُولٌ [ (٦) ] فِي بُرْدَةٍ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُك بِمَكّةَ وَمَا بِهَا أَحَدٌ أَرَقّ حُلّةً وَلَا أَحْسَنَ لِمّةً مِنْك، ثُمّ أَنْتَ شَعِثُ الرأس فى بردة. ثم أمر به ي بر، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ أَخُوهُ أَبُو الرّومِ، وَعَامِرُ بن ربيعة، وسويبط بن عمرو ابن حَرْمَلَةَ. وَنَزَلَ فِي قَبْرِ حَمْزَةَ عَلِيّ، وَالزّبَيْرُ، وأبو بكر، وَعُمَرُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جالس على حفرته.
رُ بن ربيعة، وسويبط بن عمرو ابن حَرْمَلَةَ. وَنَزَلَ فِي قَبْرِ حَمْزَةَ عَلِيّ، وَالزّبَيْرُ، وأبو بكر، وَعُمَرُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جالس على حفرته.
وَكَانَ النّاسُ أَوْ عَامّتُهُمْ قَدْ حَمَلُوا قَتَلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَدُفِنَ بِبَقِيعِ الْجَبَلِ مِنْهُمْ عِدّةٌ، عِنْدَ دَارِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْيَوْمَ بِالسّوقِ، سُوقِ الظّهْرِ، وَدُفِنَ بِبَنِي سَلِمَةَ بَعْضُهُمْ، وَدُفِنَ مَالِكُ بْنُ سِنَانَ فِي مَوْضِعِ أَصْحَابِ الْعَبَاءِ الّذِي عِنْدَ دَارِ نَخْلَةَ. ثُمّ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: رُدّوا الْقَتْلَى إلَى مَضَاجِعِهِمْ! وَكَانَ النّاسُ قَدْ دَفَنُوا قَتَلَاهُمْ، فَلَمْ يُرَدّ أَحَدٌ إلّا رَجُلًا وَاحِدًا أَدْرَكَهُ الْمُنَادِي وَلَمْ يُدْفَنْ، وَهُوَ شَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيّ، كَانَ حُمِلَ إلَى الْمَدِينَةِ وَبِهِ رَمَقٌ فَأُدْخِلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَتْ أم سلمة زوج النبي ﷺ: ابْنُ عَمّي يُدْخَلُ عَلَى غَيْرِي! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: احْمِلُوهُ إلَى أُمّ سَلَمَةَ. فَحُمِلَ إلَيْهَا فَمَاتَ عِنْدَهَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَرُدّهُ إلَى أُحُدٍ، فَدُفِنَ هُنَاكَ كَمَا هُوَ فِي ثِيَابِهِ الّتِي مَاتَ فِيهَا، وَكَانَ قَدْ مَكَثَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَكِنّهُ لَمْ يُذَقْ شَيْئًا، وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُغَسّلْهُ. قَالُوا: وَكَانَ مَنْ دُفِنَ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنّمَا دُفِنَ فِي الْوَادِي.
ْئًا، وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُغَسّلْهُ. قَالُوا: وَكَانَ مَنْ دُفِنَ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنّمَا دُفِنَ فِي الْوَادِي. وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ إذَا سُئِلَ عَنْ تِلْكَ الْقُبُورِ الْمُجْتَمِعَةِ بِأُحُدٍ يَقُولُ: قَوْمٌ مِنْ الْأَعْرَابِ كَانُوا زَمَانَ الرّمَادَةِ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ هُنَاكَ، فَمَاتُوا فَتِلْكَ قُبُورُهُمْ. وَكَانَ عَبّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيّ يُنْكِرُ تِلْكَ [ (١) ] الْقُبُورِ وَيَقُولُ: إنّمَا هُمْ قَوْمٌ مَاتُوا زَمَانَ الرّمَادَةِ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ يَقُولَانِ: لَا نَعْرِفُ تِلْكَ الْقُبُورِ الْمُجْتَمِعَةِ، إنّمَا هِيَ قُبُورُ نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَقُبُورٌ مَنْ قُبُورِ الشّهَدَاءِ قَدْ غُيّبَتْ، لَا نَعْرِفُهُمْ بِالْوَادِي وَبِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، إلّا أَنّا نَعْرِفُ قَبْرَ حمزة بن عبد المطّلب، وقبر
سَهْلِ [ (١) ] بْنِ قَيْسٍ، وَقَبْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. وَقَدْ كان رسول الله ﷺ يَزُورُهُمْ فِي كُلّ حَوْلٍ، وَإِذَا تَفَوّهَ [ (٢) ] الشّعْبَ رَفَعَ صَوْتَهُ فَيَقُولُ: السّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ! ثُمّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كُلّ حَوْلٍ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ عُثْمَانُ ﵁، ثُمّ مُعَاوِيَةُ حَيْنَ مَرّ حَاجّا أَوْ مُعْتَمِرًا.
يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ عُثْمَانُ ﵁، ثُمّ مُعَاوِيَةُ حَيْنَ مَرّ حَاجّا أَوْ مُعْتَمِرًا. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَيْتَ أَنّي غُودِرْت مَعَ أَصْحَابِ الْجَبَلِ. وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَأْتِيهِمْ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَالثّلَاثَةِ، فَتَبْكِي عِنْدَهُمْ وَتَدْعُو. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَذْهَبُ إلَى مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَيَأْتِي مِنْ خَلْفِ قُبُورِ الشّهَدَاءِ فَيَقُولُ: السّلَامُ عَلَيْكُمْ! ثَلَاثًا، ثُمّ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: أَلَا تُسَلّمُونَ عَلَى قَوْمٍ يَرُدّونَ عَلَيْكُمْ السّلَامَ؟ لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلّا رَدّوا ﵇ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَدَعَا، وَقَرَأَ: رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ (٣) ] ، أَشْهَدُ أَنّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ! وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يسلّم عليهم أحدا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلّا رَدّوا عَلَيْه. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ فَيَدْعُو وَيَقُولُ لِمَنْ مَعَهُ: لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أحدا إلّا ردّوا ﵇، فلا تدعوا
السّلَامَ عَلَيْهِمْ وَزِيَارَتَهُمْ. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ يُحَدّثُ أَنّهُ كَانَ يَذْهَبُ مَعَ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَسَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ فِي الْأَشْهُرِ إلَى أُحُدٍ، فَيُسَلّمَانِ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ أَوّلَهَا، وَيَقِفَانِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ قبر عبد الله بن عمرو ابن حَرَامٍ مَعَ قُبُورِ مَنْ هُنَاكَ. وَكَانَتْ أُمّ سلمة زوج النبي ﷺ تَذْهَبُ فَتُسَلّمُ عَلَيْهِمْ فِي كُلّ شَهْرٍ فَتَظَلّ [ (١) ] يَوْمَهَا، فَجَاءَتْ يَوْمًا وَمَعَهَا غُلَامَهَا نَبْهَانُ [ (٢) ] ، فَلَمْ يُسَلّمْ فَقَالَتْ: أَيْ لُكَعُ، أَلَا تُسَلّمُ عَلَيْهِمْ؟ وَاَللهِ لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلّا رَدّوا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَكَانَ أَبُو هَرِيرَةَ يُكْثِرُ الِاخْتِلَافَ إلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو إذَا رَكِبَ إلَى الْغَابَةِ فَبَلَغَ ذُبَابَ، عَدَلَ إلَى قُبُورِ الشّهَدَاءِ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمّ رَجَعَ إلَى ذُبَابَ حَتّى اسْتَقْبَلَ الطّرِيقَ- طَرِيقَ الْغَابَةِ- وَيَكْرَهُ أَنْ يَتّخِذَهُمْ طَرِيقًا، ثُمّ يُعَارِضُ الطّرِيقَ حَتّى يَرْجِعَ إلَى طَرِيقِهِ الْأُولَى. وَكَانَتْ فَاطِمَةُ الْخُزَاعِيّةُ قَدْ أَدْرَكَتْ تَقُولُ: رَأَيْتنِي وَغَابَتْ الشّمْسُ بِقُبُورِ الشّهَدَاءِ وَمَعِي أُخْتٌ لِي، فَقُلْت لَهَا: تَعَالَيْ، نُسَلّمُ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ وَنَنْصَرِفُ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَوَقَفْنَا عَلَى قَبْرِهِ فَقُلْنَا: السّلَامُ عَلَيْك يَا عَمّ رَسُولِ اللهِ. فَسَمِعْنَا كَلَامًا رَدّ عَلَيْنَا: وَعَلَيْكُمَا السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. قَالَتَا: وَمَا قُرْبَنَا أَحَدٌ مِنْ النّاسِ. قَالُوا: فَلَمّا فَرَغَ رسول الله ﷺ من دَفْنِ أَصْحَابِهِ دَعَا بِفَرَسِهِ فَرَكِبَهُ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ عَامّتُهُمْ جَرْحَى، وَلَا مِثْلَ لِبَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَمَعَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَلَمّا كَانُوا بِأَصْلِ الْحَرّةِ قَالَ:
مْ جَرْحَى، وَلَا مِثْلَ لِبَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَمَعَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَلَمّا كَانُوا بِأَصْلِ الْحَرّةِ قَالَ: اصْطَفّوا فَنُثْنِيَ عَلَى اللهِ! فَاصْطَفّ النّاسُ صَفّيْنِ خَلْفَهُمْ النّسَاءُ، ثُمّ [ (٣) ] دَعَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ، لَك الْحَمْدُ كُلّهُ! اللهُمّ،
لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْت، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضَلَلْت، وَلَا مُضِلّ لِمَنْ هَدَيْت، وَلَا مُقَرّبَ لِمَا بَاعَدْت، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرّبْت! اللهُمّ إنّي أَسْأَلُك مِنْ بَرَكَتِك وَرَحْمَتِك وَفَضْلِك وَعَافِيَتِك! اللهُمّ إنّي أَسْأَلُك النّعِيمَ الْمُقِيمَ الّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ! اللهُمّ إنّي أَسْأَلُك الْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ وَالْغِنَاءَ يَوْمَ الْفَاقَةِ، عَائِذًا بِك اللهُمّ مِنْ شَرّ مَا أَعْطَيْتنَا [ (١) ] وَشَرّ مَا مَنَعْت مِنّا! اللهُمّ تَوَفّنَا مُسْلِمِينَ! اللهُمّ حَبّبْ إلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرّهْ إلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الرّاشِدِينَ! اللهُمّ عَذّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الّذِينَ يُكَذّبُونَ رَسُولَك وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِك! اللهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْهِمْ رِجْسَك وَعَذَابَك! إلَهَ الْحَقّ! آمِينَ! وَأَقْبَلَ حَتّى نَزَلَ بِبَنِي حَارِثَةَ يَمِينًا حَتّى طَلَعَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَى قَتَلَاهُمْ، فَقَالَ: لَكِنّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. فَخَرَجَ النّسَاءُ يَنْظُرْنَ إلَى سِلَامَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَتْ أُمّ عَامِرٍ الْأَشْهَلِيّةُ تَقُولُ: قِيلَ لَنَا قَدْ أَقْبَلَ النّبِيّ ﷺ وَنَحْنُ فِي النّوْحِ عَلَى قَتَلَانَا، فَخَرَجْنَا فَنَظَرْت إلَيْهِ فَإِذَا عَلَيْهِ الدّرْعُ كَمَا هِيَ، فَنَظَرْت إلَيْهِ فَقُلْت: كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ.
ّوْحِ عَلَى قَتَلَانَا، فَخَرَجْنَا فَنَظَرْت إلَيْهِ فَإِذَا عَلَيْهِ الدّرْعُ كَمَا هِيَ، فَنَظَرْت إلَيْهِ فَقُلْت: كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ. وَخَرَجَتْ أُمّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- وَهِيَ كَبْشَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ [ (٢) ] بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ- تَعْدُو نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى فَرَسِهِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمّي! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَرْحَبًا بِهَا! فَدَنَتْ حَتّى تَأَمّلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فقالت: أمّا
إذْ رَأَيْتُك سَالِمًا، فَقَدْ أَشْوَتْ [ (١) ] الْمُصِيبَةُ. فَعَزّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ ابْنِهَا، ثُمّ قَالَ: يَا أُمّ سَعْدٍ، أَبْشِرِي وَبَشّرِي أَهْلِيهِمْ أَنّ قَتَلَاهُمْ قَدْ تَرَافَقُوا فِي الْجَنّةِ جَمِيعًا- وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا- وَقَدْ شَفَعُوا فِي أَهْلِيهِمْ. قَالَتْ: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ هَذَا؟ ثُمّ قَالَتْ: اُدْعُ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ خُلّفُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ أَذْهِبْ حُزْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْبُرْ [ (٢) ] مُصِيبَتَهُمْ، وَأَحْسِنْ الْخَلَفَ عَلَى مَنْ خُلّفُوا. ثُمّ قال رسول الله ﷺ: خَلّ أَبَا عَمْرٍو الدّابّةَ. فَخَلّى [ (٣) ] الْفَرَسَ وَتَبِعَهُ الناس، فقال رسول الله ﷺ: يا أَبَا عَمْرٍو، إنّ الْجِرَاحَ فِي أَهْلِ دَارِك فَاشِيَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَجْرُوحٌ إلّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ كَأَغْزَرِ مَا كَانَ، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ [ (٤) ] ، فَمَنْ كَانَ مَجْرُوحًا فَلْيَقِرّ فِي دَارِهِ وَلْيُدَاوِ جُرْحَهُ، وَلَا يَبْلُغُ مَعِي بَيْتِي عَزْمَةً مِنّي. فَنَادَى فِيهِمْ سَعْدٌ: عَزْمَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلّا يَتّبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَرِيحٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَتَخَلّفَ كُلّ مَجْرُوحٍ، فَبَاتُوا يُوقِدُونَ النّيرَانَ وَيُدَاوُونَ الْجِرَاحَ، وَإِنّ فِيهِمْ لَثَلَاثِينَ جَرِيحًا. وَمَضَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَعَهُ ﷺ إلَى بَيْتِهِ، ثُمّ رَجَعَ إلَى نِسَائِهِ فَسَاقَهُنّ، وَلَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ إلّا جَاءَ بِهَا إلَى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَكَيْنَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ النّوُمِ لثلث الليل،
جَاءَ بِهَا إلَى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَكَيْنَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ النّوُمِ لثلث الليل،
فَسَمِعَ الْبُكَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَضِيَ اللهُ عَنْكُنّ وَعَنْ أَوْلَادِكُنّ! وَأَمَرَنَا أَنْ نُرَدّ إلَى مَنَازِلِنَا [ (١) ] . قَالَتْ [ (٢) ] : فَرَجَعْنَا إلَى بُيُوتِنَا بَعْدَ لَيْلٍ، مَعَنَا رِجَالُنَا، فَمَا بَكَتْ مِنّا امْرَأَةٌ قَطّ إلّا بَدَأَتْ بِحَمْزَةَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَيُقَالُ إنّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ جَاءَ بِنِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَجَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بِنِسَاءِ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا أَرَدْت هَذَا! وَنَهَاهُنّ الْغَدَ عَنْ النّوْحِ أَشَدّ النّهْيِ. وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَغْرِبَ بِالْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ نَكْبَةٍ قَدْ أَصَابَتْ أَصْحَابَهُ، وَأُصِيبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ. فَجَعَلَ ابْنُ أُبَيّ وَالْمُنَافِقُونَ مَعَهُ يَشْمَتُونَ وَيُسَرّونَ بِمَا أَصَابَهُمْ وَيُظْهِرُونَ أَقْبَحَ الْقَوْلِ. وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَامّتُهُمْ جَرِيحٌ، وَرَجَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ وَهُوَ جَرِيحٌ، فَبَاتَ يَكْوِي الْجِرَاحَةَ بِالنّارِ حَتّى ذَهَبَ اللّيْلُ، وَجَعَلَ أَبُوهُ يَقُولُ: مَا كَانَ خُرُوجُك مَعَهُ إلَى هَذَا الْوَجْهِ بِرَأْيٍ! عَصَانِي مُحَمّدٌ وَأَطَاعَ الْوِلْدَانَ، وَاَللهِ لَكَأَنّي كُنْت أَنْظُرُ إلَى هَذَا. فَقَالَ ابْنُهُ: الّذِي صَنَعَ اللهُ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ.
مّدٌ وَأَطَاعَ الْوِلْدَانَ، وَاَللهِ لَكَأَنّي كُنْت أَنْظُرُ إلَى هَذَا. فَقَالَ ابْنُهُ: الّذِي صَنَعَ اللهُ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ. وَأَظْهَرَتْ الْيَهُودُ الْقَوْلَ السّيّئَ فَقَالُوا: مَا مُحَمّدٌ إلّا طَالِبُ مُلْكٍ، مَا أُصِيبَ هَكَذَا نَبِيّ قَطّ، أُصِيبَ فِي بَدَنِهِ وَأُصِيبَ فِي أَصْحَابِهِ! وَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يُخَذّلُونَ عن رسول الله ﷺ أَصْحَابَهُ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالتّفَرّقِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِ رسول الله ﷺ: لو كَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ عِنْدَنَا مَا قُتِلَ. حتى سمع
عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ ذَلِكَ فِي أَمَاكِنَ، فَمَشَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَسْتَأْذِنَهُ فِي قَتْلِ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ رسول الله ﷺ: يا عُمَرُ، إنّ اللهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ وَمُعِزّ نَبِيّهُ، وَلِلْيَهُودِ ذِمّةٌ فَلَا أَقْتُلُهُمْ. قَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أليس يظهرون شهادة أن لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَعَوّذًا مِنْ السّيْفِ، فَقَدْ بَانَ لَهُمْ أَمْرُهُمْ وَأَبْدَى اللهُ أَضْغَانَهُمْ عِنْدَ هَذِهِ النّكْبَةِ. فقال رسول الله ﷺ: نُهِيت عَنْ قَتْلِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ. يَا ابْنَ الْخَطّابِ، إنّ قُرَيْشًا لَنْ يَنَالُوا مِنّا مِثْلَ هَذَا الْيَوْمِ حَتّى نَسْتَلِمَ الرّكْنَ.
إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ. يَا ابْنَ الْخَطّابِ، إنّ قُرَيْشًا لَنْ يَنَالُوا مِنّا مِثْلَ هَذَا الْيَوْمِ حَتّى نَسْتَلِمَ الرّكْنَ. قَالُوا: فَكَانَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلّ جُمُعَةٍ شَرَفًا لَهُ لَا يُرِيدُ تَرْكَهُ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أُحُدٍ إلَى الْمَدِينَةِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ ابْنُ أُبَيّ فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، قَدْ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بِهِ، اُنْصُرُوهُ وَأَطِيعُوهُ. فَلَمّا صَنَعَ بِأُحُدٍ مَا صَنَعَ قَامَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقَامَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا: اجْلِسْ يَا عَدُوّ اللهِ! وَقَامَ إلَيْهِ أَبُو أَيّوبَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وَكَانَا أَشَدّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ مِمّنْ حَضَرَ، وَلَمْ يَقُمْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَجَعَلَ أَبُو أَيّوبَ يَأْخُذُ بِلِحْيَتِهِ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ يَدْفَعُ فِي رَقَبَتِهِ، وَيَقُولَانِ لَهُ: لَسْت لِهَذَا الْمَقَامِ بِأَهْلٍ! فَخَرَجَ بَعْدَ مَا أَرْسَلَاهُ، وَهُوَ يَتَخَطّى رِقَابَ النّاسِ وَهُوَ يَقُولُ: كَأَنّمَا قُلْت هُجْرًا [ (١) ] ، قُمْت لِأَشُدّ أَمْرَهُ! فَلَقِيَهُ مُعَوّذُ بْنُ عَفْرَاءَ فقال: مالك؟ قَالَ: قُمْت ذَلِكَ الْمَقَامَ الّذِي كُنْت أَقَوْمُ أَوّلًا، فَقَامَ إلَيّ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي، فَكَانَ أَشَدّهُمْ عَلَيّ عُبَادَةُ، وَخَالِدُ بْنُ زَيْدٍ. فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَيَسْتَغْفِرَ لَك رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ:
وَاَللهِ مَا أَبْغِي يَسْتَغْفِرُ لِي. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ.. [ (١) ] الْآيَةُ. قَالَ: وَلَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى ابْنِهِ جَالِسٌ فِي النّاسِ، مَا يَشُدّ الطّرْفَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَخَرَجَنِي مُحَمّدٌ مِنْ مِرْبَدِ سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ [ (٢) ] . مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ بِأُحُدٍ قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عن أمّ بكر بنت المسور ابن مَخْرَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ أَبِي الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: حَدّثْنَا عَنْ أُحُدٍ! فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي عُدّ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ فَكَأَنّك حَضَرْتنَا: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ.. إلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ: غَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ فَجَعَلَ يَصُفّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ كَأَنّمَا يُقَوّمُ بِهِمْ الْقِدَاحَ، إنْ رَأَى صَدْرًا خَارِجًا قَالَ: تَأَخّرْ! وَفِي قَوْلِهِ: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا.. إلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ: هُمْ بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ، هَمّوا أَلّا يَخْرُجُوا مَعَ النّبِيّ ﷺ إلَى أُحُدٍ، ثُمّ عَزَمَ لَهُمَا فَخَرَجُوا. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، يَقُولُ: قَلِيلٌ، كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ مَا أَبْلَاكُمْ بِبَدْرٍ مِنْ الظّفَرِ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذَا يَوْمُ أُحُدٍ، أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ
مِنْ الظّفَرِ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذَا يَوْمُ أُحُدٍ، أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ
مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا.. الْآيَةُ، كَانَ نَزَلَ عَلَى النّبِيّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ: إنّي مُمِدّكُمْ بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ قَالَ: فَلَمْ يَصْبِرُوا وَانْكَشَفُوا فَلَمْ يُمَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَلَكٍ وَاحِدٍ يَوْمَ أُحُدٍ. وَقَوْلُهُ مُسَوِّمِينَ قَالَ: مُعْلِمِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِمْ وَلِتَطْمَئِنّوا إلَيْهِمْ. لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ يَقُولُ: نُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا وَيَنْقَلِبُونَ خَائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قَالَ: يَعْنِي الّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ. وَيُقَالُ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ حَيْنَ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بِهِ مِنْ الْمَثْلِ فَقَالَ: لَأُمَثّلَنّ بِهِمْ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَيُقَالُ نَزَلَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْنَ رُمِيَ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيّهِمْ؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ إذَا حَلّ حَقّ أَحَدِهِمْ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ غَرِيمَهُ أَخّرَهُ عَنْهُ وَأَضْعَفَهُ عَلَيْهِ. وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قَالَ: التّكْبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَيُقَالُ الْجَنّةُ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ:
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَيُقَالُ الْجَنّةُ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ: السّرّاءُ الْيُسْرُ وَالضّرّاءُ الْعُسْرُ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ يَعْنِي عَمّنْ آذَاهُمْ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ مَا أُوتِيَ إلَيْهِمْ. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا فَكَانَ يُقَالُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ تَوْبَةٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ. هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ مِنْ الْعَمَى، وَهُدىً مِنْ الضّلَالَةِ، وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا يَقُولُ: فِي
قِتَالِ الْعَدُوّ، وَلا تَحْزَنُوا عَلَى مَنْ أُصِيبَ مِنْكُمْ بِأُحُدٍ مِنْ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يَقُولُ: قَدْ أَصَبْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ ضِعْفَ مَا أَصَابُوا مِنْكُمْ بِأُحُدٍ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ يَعْنِي جِرَاحٌ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يَعْنِي جِرَاحَ يَوْمِ بَدْرٍ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يَقُولُ: لَهُمْ دَوْلَةٌ وَلَكُمْ دَوْلَةٌ، وَالْعَاقِبَةُ لَكُمْ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ: مَنْ قَاتَلَ [مَعَ] نَبِيّهِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَعْنِي يَبْلُوهُمْ- الّذِينَ قَاتَلُوا وَثَبَتُوا، وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ يَعْنِي مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ وَأَبْلَى فِيهِ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ مَنْ يَصْبِرُ يَوْمئِذٍ.
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ يَعْنِي مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ وَأَبْلَى فِيهِ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ مَنْ يَصْبِرُ يَوْمئِذٍ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ قَالَ: السّيُوفُ فِي أَيَدِي الرّجَالِ، كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ قَدْ تَخَلّفُوا عَنْ بَدْرٍ فَكَانُوا هُمْ الّذِينَ أَلَحّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إلَى أُحُدٍ فَيُصِيبُونَ مِنْ الْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَلّى مِنْهُمْ مَنْ وَلّى. وَيُقَالُ هُوَ فِي نَفَرٍ كَانُوا تَكَلّمُوا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ النّبِيّ ﷺ إلَى أُحُدٍ فَقَالُوا: لَيْتَنَا نَلْقَى جَمْعًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِمّا أَنْ نَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ نُرْزَقَ الشّهَادَةَ. فَلَمّا نَظَرُوا إلَى الْمَوْتِ يَوْمَ أُحُدٍ هَرَبُوا. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.. إلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ: إنّ إبْلِيسَ تَصَوّرَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي صُورَةِ جُعَالَ بْنِ سُرَاقَةَ الثّعْلَبِيّ فَنَادَى «إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ» فَتَفَرّقَ النّاسُ فِي كُلّ وَجْهٍ، فَقَالَ عُمَرُ: إنّي أَرْقَى فِي الْجَبَلِ كَأَنّي أُرْوِيّةً حَتّى انْتَهَيْت إلَى رسول الله ﷺ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.. الْآيَةُ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ يَقُولُ: تَوَلّى. وَما كانَ
لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا يَقُولُ: مَا كَانَ لَهَا أَنْ تَمُوتَ دُونَ أَجَلِهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أُبَيّ حَيْنَ رَجَعَ بِأَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا. فَأَخْبَرَهُ اللهُ أَنّهُ كِتَابٌ مُؤَجّلٌ، يَقُولُ اللهُ ﷿: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يَقُولُ: مَنْ يَعْمَلْ لِلدّنْيَا نُعْطِهِ مِنْهَا مَا يَشَاءُ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ يَقُولُ: يُرِيدُ الْآخِرَةَ، نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ قَالَ: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا يَقُولُ: مَا اسْتَسْلَمُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا ضَعُفَتْ نِيّاتُهُمْ، وَمَا اسْتَكانُوا يَقُولُ: مَا ذَلّوا لِعَدُوّهِمْ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ يُخْبِرُ أَنّهُمْ صَبَرُوا. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إلَى قَوْلِهِ وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ يَقُولُ: أَعْطَاهُمْ النّصْرَ وَالظّفَرَ وَأَوْجَبَ لَهُمْ الْجَنّةَ فِي الْآخِرَةِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ يَقُولُ: إنْ تُطِيعُوا الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ فِيمَا يَخْذُلُونَكُمْ تَرْتَدّوا عَنْ دِينِكُمْ. بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: يَتَوَلّاكُمْ. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: نُصِرْت بِالرّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي وَشَهْرًا خَلْفِي.
ولُ: يَتَوَلّاكُمْ. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: نُصِرْت بِالرّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي وَشَهْرًا خَلْفِي. وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ وَالْحِسّ الْقَتْلُ، يَقُولُ: الّذِي خَبّرَكُمْ أَنّكُمْ إنْ صَبَرْتُمْ أَمَدّكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَهَنْتُمْ عَنْ الْعَدُوّ، وَتَنَازَعْتُمْ يَعْنِي اخْتِلَافَ الرّمَاةِ حَيْثُ وَضَعَهُمْ النّبِيّ ﷺ وَمَعْصِيَتَهُمْ وَتَقَدّمَ النّبِيّ ﷺ أَلّا تَبْرَحُوا وَلَا تُفَارِقُوا مَوْضِعَكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تُعِينُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نَغْنَمُ فَلَا تُشْرِكُونَا، مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ يَعْنِي هَزِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَتَوَلّيْتُمْ هَارِبِينَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ
الدُّنْيا يَعْنِي الْعَسْكَرَ وَمَا فِيهِ مِنْ النّهْبِ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الّذِينَ ثَبَتُوا مِنْ الرّمَاةِ وَلَمْ يَغْنَمُوا [ (١) ]- عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كُنْت أَرَى أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ الدّنْيَا حَتّى سَمِعْت هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ يَقُولُ: حَيْثُ كَانَتْ الدّوْلَةُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ، لِيَبْتَلِيَكُمْ ليرجع المشركون فيقتلوا من قتلوا مِنْكُمْ وَيَجْرَحُوا مَنْ جُرِحُوا مِنْكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ يَعْنِي عَمّنْ وَلّى يَوْمئِذٍ مِنْكُمْ وَمَنْ أَرَادَ مَا أَرَادَ مِنْ النّهْبِ، فَعَفَا عَنْ ذَلِكَ كُلّهِ. إِذْ تُصْعِدُونَ يَعْنِي فِي الْجَبَلِ تَهْرُبُونَ، وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ كَانُوا يَمُرّونَ مُنْهَزِمِينَ يَصْعَدُونَ إلَى الْجَبَلِ، وَرَسُولُهُمْ يُنَادِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنَا رَسُولُ اللهِ! إلَيّ! إلَيّ! فَلَا يَلْوِي عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَعَفَا ذَلِكَ عَنْهُمْ.
، وَرَسُولُهُمْ يُنَادِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنَا رَسُولُ اللهِ! إلَيّ! إلَيّ! فَلَا يَلْوِي عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَعَفَا ذَلِكَ عَنْهُمْ. فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ فالغمّ الأوّل الجراح والقتل، والغمّ الْآخِرُ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْغَمّ الْأَوّلِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ. وَيُقَالُ الْغَمّ الْأَوّلُ حَيْثُ صَارُوا إلَى الْجَبَلِ بِهَزِيمَتِهِمْ وَتَرْكِهِمْ النّبِيّ ﷺ، وَالْغَمّ الْآخِرُ [حَيْنَ] [ (٢) ] تَفَرّعَهُمْ الْمُشْرِكُونَ [ (٣) ] ، فَعَلَوْهُمْ مِنْ فَرْعِ الْجَبَلِ فَنَسُوا الْغَمّ الْأَوّلَ. وَيُقَالُ غَمًّا بِغَمٍّ بَلَاءً عَلَى أَثَرِ بَلَاءٍ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ يَقُولُ: لِئَلّا تَذْكُرُوا مَا فَاتَكُمْ مِنْ نَهْبِ مَتَاعِهِمْ، وَلا مَا أَصابَكُمْ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ أَوْ جُرِحَ. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً إلَى قَوْلِهِ مَا قُتِلْنا هاهُنا، قَالَ الزّبَيْرُ ﵁: سَمِعْت هَذَا الْقَوْلَ مِنْ مُعَتّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيّ
النّعَاسُ وَإِنّي لَكَالْحَالِمِ، أَسْمَعُهُ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنّهُ صَاحِبُ هَذَا الْكَلَامِ. قَالَ اللهُ: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدّ مِنْ أَنْ يَصِيرُوا إلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ يَقُولُ: يُخْرِجُ أَضْغَانَهُمْ وَغِشّهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يَقُولُ: مَا يُكِنّونَ مِنْ نُصْحٍ أَوْ غِشّ. إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا يَعْنِي مَنْ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُ: أَصَابَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ يَعْنِي انْكِشَافَهُمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إلَى قَوْلِهِ مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا قَالَ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيّ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لِلْمُؤْمِنَيْنِ: لَا تَكَلّمُوا وَلَا تَقُولُوا كَمَا قَالَ ابْنُ أُبَيّ. وَهُوَ الّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ كَالَّذِينَ كَفَرُوا، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ. وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ إلَى آخِرِ الْآيَةِ، يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ بِالسّيْفِ أَوْ مَاتَ بِإِزَاءِ عَدُوّ أَوْ مُرَابِطٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُ مِنْ الدّنْيَا.
مُتُّمْ إلَى آخِرِ الْآيَةِ، يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ بِالسّيْفِ أَوْ مَاتَ بِإِزَاءِ عَدُوّ أَوْ مُرَابِطٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُ مِنْ الدّنْيَا. وَقَوْلُهُ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ يَقُولُ: تَصِيرُونَ إلَيْهِ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ يَعْنِي أَصْحَابَهُ الّذِينَ انْكَشَفُوا بِأُحُدٍ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أَمَرَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي الْحَرْبِ وَحْدَهُ، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ لَا يُشَاوِرُ أَحَدًا إلّا فِي الْحَرْبِ، فَإِذا عَزَمْتَ أَيْ جَمَعْت، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي يوم بدر، كَانُوا قَدْ غَنِمُوا قَطِيفَةً حَمْرَاءَ، فَقَالُوا: مَا نَرَى النّبِيّ ﷺ إلّا قَدْ أَخَذَهَا! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِاَللهِ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللهِ؟ وَقَوْلُهُ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ: فَضَائِلُ
هِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِاَللهِ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللهِ؟ وَقَوْلُهُ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ: فَضَائِلُ
بَيْنَهُمْ عِنْدَ اللهِ. قَوْلُهُ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْنِي مُحَمّدًا ﷺ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ* الْقُرْآنَ وَالْحِكْمَةَ وَالصّوَابَ فِي الْقَوْلِ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ*، قَوْلُهُ أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها.. إلَى آخِرِ الْآيَةِ، هَذَا مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ مَعَ مَا نَالَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ. قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بِمَعْصِيَتِكُمْ الرّسُولَ، يَعْنِي الرّمَاةَ، وَقَوْلُهُ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا يَعْلَمُ مَنْ أَبْلَى وَقَاتَلَ وَقَتَلَ، وَيَعْلَمُ الّذِينَ نَافَقُوا، وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هَذَا ابْنُ أُبَيّ، وَقَوْلُهُ أَوِ ادْفَعُوا يَقُولُ: كَثّرُوا السّوَادَ وَيُقَالُ الدّعَاءَ. قَالَ ابْنُ أُبَيّ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتّبَعْنَاكُمْ، يَقُولُ اللهُ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيّ. وَفِي قَوْلِهِ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا هذا ابن أبىّ، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيّ. وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إلَى قَوْلِهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ



