— Bagian 24 · حْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ: رَأَيْت… —
Bagian 24
حْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ: رَأَيْت نَخْلًا بِخَيْبَرَ فِي النّطَاةِ مُقَطّعَةً، فَكَانَ ذَلِكَ مِمّا قَطَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللّيْثِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَطَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي النّطَاةِ أَرْبَعَمِائَةِ عِذْقٍ، وَلَمْ تَقْطَعْ فِي غَيْرِ النّطَاةِ. فَكَانَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يَنْظُرُ إلَى صَوْرٍ [ (١) ] مِنْ كَبِيسٍ، قَالَ: أَنَا قَطَعْت هَذَا الصّوْرَ بِيَدِي حَتّى سَمِعْت بِلَالًا يُنَادِي عَزْمَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَا يَقْطَعُ النّخْلَ! فَأَمْسَكْنَا. قَالَ: وَكَانَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ، وَكَانَ يَوْمًا صَائِفًا شَدِيدَ الْحَرّ، وَهُوَ أَوّلُ يَوْمٍ قَاتَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ النّطَاةِ وَبِهَا بَدَأَ، فَلَمّا اشْتَدّ الْحَرّ عَلَى مَحْمُودٍ وَعَلَيْهِ أَدَاتُهُ كَامِلَةً جَلَسَ تَحْت حِصْنِ نَاعِم يَبْتَغِي فَيْئَهُ، وَهُوَ أَوّلُ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا يَظُنّ مَحْمُودٌ أَنّ فِيهِ أَحَدًا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ. إنّمَا ظَنّ أَنّ فِيهِ أَثَاثًا وَمَتَاعًا- وَنَاعِمٌ يَهُودِيّ، وَلَهُ حُصُونٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ فَكَانَ هَذَا مِنْهَا- فَدَلّى عَلَيْهِ مَرْحَبٌ رَحًى فَأَصَابَ رَأْسَهُ.
هِ أَثَاثًا وَمَتَاعًا- وَنَاعِمٌ يَهُودِيّ، وَلَهُ حُصُونٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ فَكَانَ هَذَا مِنْهَا- فَدَلّى عَلَيْهِ مَرْحَبٌ رَحًى فَأَصَابَ رَأْسَهُ. فَهَشّمَتْ الْبَيْضَةُ رَأْسَهُ حَتّى سَقَطَتْ جِلْدَةِ جَبِينِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَرَدّ الْجِلْدَةَ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ، وَعَصَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَوْبٍ. فَلَمّا أَمْسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحَوّلَ إلَى الرّجِيعِ وَخَافَ عَلَى أَصْحَابِهِ الْبَيَاتَ، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ وَبَاتَ فِيهِ، وَكَانَ مَقَامُهُ بِالرّجِيعِ سَبْعَةَ أَيّامٍ، يَغْدُو كُلّ يَوْمٍ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى رَايَاتِهِمْ مُتَسَلّحِينَ وَيَتْرُكُ الْعَسْكَرَ بِالرّجِيعِ، وَيَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁، وَيُقَاتِلُ أَهْلَ النّطَاةِ يَوْمَهُ إلَى اللّيْلِ، ثُمّ إذَا أَمْسَى رَجَعَ إلَى الرّجِيعِ. وَكَانَ قَاتَلَ أَوّلَ يَوْمٍ مِنْ أَسْفَلِ النّطَاةِ، ثُمّ عَادَ بَعْدُ فَقَاتَلَهُمْ مِنْ أَعْلَاهَا حَتّى
فتح الله عليه. وكان مَنْ جُرِحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُمِلَ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَدُووِيَ، وَإِنْ كَانَ بِهِ انْطِلَاقٌ انْطَلَقَ إلَى مُعَسْكَرِ النّبِيّ ﷺ. وَكَانَ أَوّلَ يَوْمٍ قَاتَلُوا فِيهِ جُرِحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ نَبْلِهِمْ، فَكَانُوا يُدَاوُونَ مِنْ الْجِرَاحِ. وَيُقَالُ: إنّ قَوْمًا شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَاءَ الْمَنْزِلِ فَأَمَرَهُمْ بِالتّحَوّلِ إلَى الرّجِيعِ، وَقَدِمُوا خَيْبَرَ عَلَى ثَمَرَةٍ خَضْرَاءَ وَهِيَ وَبِئَةٌ وَخَيْمَةٌ، فَأَكَلُوا مِنْ تلك الثّمرة، وأهمدتهم الْحُمّى، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: قَرّسُوا [ (١) ] الْمَاءَ فِي الشّنَانِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ فَاحْدَرُوا الْمَاءَ عَلَيْكُمْ حَدْرًا [ (٢) ] وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ. فَفَعَلُوا فَكَأَنّمَا أُنْشِطُوا مِنْ عِقَالٍ [ (٣) ] .
يْنَ الْأَذَانَيْنِ فَاحْدَرُوا الْمَاءَ عَلَيْكُمْ حَدْرًا [ (٢) ] وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ. فَفَعَلُوا فَكَأَنّمَا أُنْشِطُوا مِنْ عِقَالٍ [ (٣) ] . وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُحَدّثُ: إنّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ مِنْ أَهْلِ النّطَاةِ نَادَانَا بَعْدَ لَيْلٍ وَنَحْنُ بِالرّجِيعِ: أَنَا آمَنُ وَأُبَلّغُكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: فَابْتَدَرْنَاهُ فَكُنْت أَوّلَ مَنْ سَبَقَ إلَيْهِ فَقُلْت: مَنْ [ (٤) ] أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ. فَأَدْخَلْنَاهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ: تَؤُمّنّي وَأَهْلِي عَلَى أَنْ أَدُلّك عَلَى عَوْرَةٍ مِنْ عَوْرَاتِ الْيَهُودِ؟ قَالَ رسول الله ﷺ: نعم. فَدَلّهُ عَلَى عَوْرَةِ الْيَهُودِ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ تِلْكَ السّاعَةَ فَحَضّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَخَبّرَهُمْ أَنّ الْيَهُودَ قَدْ أَسْلَمَهَا حَلْفَاؤُهَا وَهَرَبُوا، وَأَنّهَا قَدْ تَجَادَلَتْ واختلفوا بينهم. قال
كَعْبٌ: فَغَدَوْنَا عَلَيْهِمْ فَظَفّرَنَا اللهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي النّطَاةِ شَيْءٌ غَيْرَ الذّرّيّةِ فَلَمّا انْتَهَيْنَا إلَى الشّقّ وَجَدْنَا فِيهِ ذُرّيّةً، فَدَفَعَ رسول الله ﷺ إلى الْيَهُودِيّ زَوْجَتَهُ وَكَانَتْ فِي الشّقّ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَرَأَيْته أَخَذَ بِيَدِ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ. قَالُوا: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَاوِبُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي حِرَاسَةِ اللّيْلِ فِي مَقَامِهِ بِالرّجِيعِ سَبْعَةَ أَيّامٍ. فَلَمّا كَانَتْ اللّيْلَةُ السّادِسَةُ مِنْ السّبْعِ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ عَلَى الْعَسْكَرِ، فَطَافَ عُمَرُ بِأَصْحَابِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ وَفَرّقَهُمْ أَوْ فَرّقَ مِنْهُمْ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: اذْهَبْ بِي إلَى نَبِيّكُمْ حَتّى أُكَلّمَهُ، فَأَمْسَكَهُ عُمَرُ وَانْتَهَى بِهِ إلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَهُ يُصَلّي، فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلَامَ عُمَرَ فَسَلّمَ وَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ عُمَرُ بِالْيَهُودِيّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْيَهُودِيّ: مَا وَرَاءَك وَمَنْ أَنْتَ [ (١) ] ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: تَؤُمّنّي يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَأَصْدُقُك؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ. فَقَالَ الْيَهُودِيّ: خَرَجْت مِنْ حِصْنِ النّطَاةِ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ نِظَامٌ، تَرَكْتهمْ يُتَسَلّلُونَ مِنْ الْحِصْنِ فِي هَذِهِ الليلة. قال رسول الله ﷺ: فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ؟ قَالَ: إلَى أَذَلّ مِمّا كَانُوا فِيهِ، إلَى الشّقّ، وَقَدْ رُعِبُوا مِنْك حَتّى إنّ أَفْئِدَتَهُمْ لَتَخْفِقُ، وَهَذَا حِصْنُ الْيَهُودِ فِيهِ السّلَاحُ وَالطّعَامُ وَالْوَدَكُ، وَفِيهِ آلَةُ حُصُونِهِمْ التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضا، وقد غَيّبُوا ذَلِكَ فِي بَيْتٍ مِنْ حُصُونِهِمْ تَحْتَ الْأَرْضِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
َفِيهِ آلَةُ حُصُونِهِمْ التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضا، وقد غَيّبُوا ذَلِكَ فِي بَيْتٍ مِنْ حُصُونِهِمْ تَحْتَ الْأَرْضِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
وَمَا هُوَ؟ قَالَ: مَنْجَنِيقٌ مُفَكّكَةٌ وَدَبّابَتَانِ وَسِلَاحٌ مِنْ دُرُوعٍ وَبَيْضٍ وَسُيُوفٍ، فَإِذَا دَخَلْت الْحِصْنَ غَدًا وَأَنْتَ تَدْخُلُهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنْ شَاءَ اللهُ. قَالَ الْيَهُودِيّ: إنْ شَاءَ اللهُ أُوقِفُك عَلَيْهِ، فَإِنّهُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ الْيَهُودِ غَيْرِي. وَأُخْرَى! قِيلَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تَسْتَخْرِجُهُ، ثُمّ أَنْصِبُ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِ الشّقّ، وَتُدْخِلُ الرّجَالَ تَحْتَ الدّبّابَتَيْنِ فَيَحْفِرُونَ الْحِصْنَ فَتَفْتَحُهُ مِنْ يَوْمِك، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِحِصْنِ الْكَتِيبَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أَحْسَبُهُ قَدْ صَدَقَ. قَالَ الْيَهُودِيّ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، احْقِنْ دَمِي. قَالَ: أَنْتَ آمِنٌ قَالَ: وَلِي زَوْجَةٌ فِي حِصْنِ النّزَارِ فَهَبْهَا لِي. قَالَ: هِيَ لَك. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا لِلْيَهُودِ حَوّلُوا ذَرَارِيّهُمْ مِنْ النّطَاةِ؟ قَالَ: جَرّدُوهَا لِلْمُقَاتِلَةِ، وَحَوّلُوا الذّرَارِيّ إلَى الشّقّ وَالْكَتِيبَةِ. قَالُوا: ثُمّ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ:
الَ: جَرّدُوهَا لِلْمُقَاتِلَةِ، وَحَوّلُوا الذّرَارِيّ إلَى الشّقّ وَالْكَتِيبَةِ. قَالُوا: ثُمّ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي أَيّامًا، فَلَمّا أَصْبَحَ رسول الله ﷺ غدا بِالْمُسْلِمِينَ إلَى النّطَاةِ، فَفَتَحَ اللهُ الْحِصْنَ، وَاسْتَخْرَجَ مَا كَانَ قَالَ الْيَهُودِيّ فِيهِ، فَأَمَرَ النّبِيّ ﷺ بِالْمَنْجَنِيقِ أَنْ تُصْلَحَ وَتُنْصَبَ عَلَى الشّقّ عَلَى حِصْنِ النّزَارِ، فَهَيّئُوا، فَمَا رَمَوْا عَلَيْهَا بِحَجَرٍ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِصْنَ النّزَارِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ انْتَهَى إلَيْهِ حَصَبِ الْحِصْنِ فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ حَتّى أَخَذَ أَهْلَهُ أَخْذًا، وَأُخْرِجَتْ زَوْجَتُهُ، يُقَالُ لَهَا نُفَيْلَةُ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ. فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْوَطِيحَ وَسُلَالِم أَسْلَمَ الْيَهُودِيّ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ خَيْبَرَ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ سِمَاكَ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ انْتَهَى إلَى حِصْنِ نَاعِم فِي النّطَاةِ وَصَفّ أَصْحَابَهُ نَهَى عَنْ
سْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ سِمَاكَ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ انْتَهَى إلَى حِصْنِ نَاعِم فِي النّطَاةِ وَصَفّ أَصْحَابَهُ نَهَى عَنْ
الْقِتَالِ حَتّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَعَمِدَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ فَحَمَلَ عَلَى يَهُودِيّ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مَرْحَبٌ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ النّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْعِدْ مَا نَهَيْت عَنْ الْقِتَالِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا فَنَادَى: لَا تَحِلّ الْجَنّةُ لِعَاصٍ. ثُمّ أَذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ وَحَثّ عَلَيْهِ، وَوَطّنَ الْمُسْلِمُونَ أنفسهم على القتال. وكان يسار الحبشىّ- عبد أَسْوَدَ [ (١) ] لِعَامِرٍ الْيَهُودِيّ- فِي غَنَمِ مَوْلَاهُ، فَلَمّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ يَتَحَصّنُونَ وَيُقَاتِلُونَ سَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الّذِي يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ. قَالَ: فَوَقَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي نَفْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ يَسُوقُهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، مَا تَقُولُ؟ مَا تدعو إليه؟ قال: أدعوا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَشْهَدُ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَمَا لِي؟ قَالَ: الْجَنّةُ إنْ ثَبَتّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ. وَقَالَ:
، فَأَشْهَدُ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَمَا لِي؟ قَالَ: الْجَنّةُ إنْ ثَبَتّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ. وَقَالَ: إنّ غَنَمِي هَذِهِ وَدِيعَةٌ. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَخْرِجْهَا مِنْ الْعَسْكَرِ ثُمّ صِحْ بِهَا وَارْمِهَا بِحَصَيَاتٍ، فَإِنّ الله ﷿ سَيُؤَدّي عَنْك أَمَانَتَك. فَفَعَلَ الْعَبْدُ فَخَرَجْت الْغَنَمُ إلَى سَيّدِهَا، وَعَلِمَ الْيَهُودِيّ أَنّ عَبْدَهُ قَدْ أَسْلَمَ. وَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ وَفَرّقَ بَيْنَهُمْ الرّايَاتِ، وَكَانَتْ ثَلَاثَ رَايَاتٍ، وَلَمْ تَكُنْ رَايَةٌ قَبْلَ يَوْمِ خَيْبَرَ، إنّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ، وَكَانَتْ رَايَةُ النّبِيّ ﷺ السّوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ، تُدْعَى الْعِقَابَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ، وَدَفَعَ رَايَةً إلَى عَلِيّ ﵇، وَرَايَةً إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَرَايَةً إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَخَرَجَ عَلِيّ ﵇ بِالرّايَةِ وَتَبِعَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَاحْتُمِلَ فَأُدْخِلَ خِبَاءً مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَاطّلَعَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه
وَسَلّمَ فِي الْخِبَاءِ فَقَالَ: لَقَدْ كَرّمَ اللهُ هَذَا الْعَبْدَ الْأَسْوَدَ وَسَاقَهُ إلَى خَيْبَرَ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ مِنْ نَفْسِهِ حَقّا، قَدْ رَأَيْت عِنْدَ رَأْسِهِ زَوْجَتَيْنِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ. قَالُوا: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُرّةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُيَيْمٌ يَقُولُ: أَنَا فِي الْجَيْشِ الّذِينَ كَانُوا مَعَ عُيَيْنَةَ مِنْ غَطَفَانَ، أَقْبَلَ مَدَدُ الْيَهُودِ، فَنَزَلْنَا بِخَيْبَرَ وَلَمْ نَدْخُلْ حِصْنًا. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَهُوَ رَأْسُ غَطَفَانَ وَقَائِدُهُمْ أَنْ ارْجِعْ بِمَنْ مَعَك وَلَك نِصْفُ تَمْرِ خَيْبَرَ هَذِهِ السّنَةَ، إنّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي خَيْبَرَ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَسْت بِمُسْلِمٍ حَلْفَائِي وَجِيرَانِي. فَأَقَمْنَا فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عُيَيْنَةَ إذْ سَمِعْنَا صَائِحًا، لَا نَدْرِي مِنْ السّمَاءِ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ: أَهْلَكُمْ، أَهْلَكُمْ بِحَيْفَاءَ [ (١) ]- صِيحَ ثَلَاثَةً- فَإِنّكُمْ قَدْ خُولِفْتُمْ إلَيْهِمْ! وَيُقَالُ: إنّهُ لَمّا سَارَ كِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فِيهِمْ حَلَفُوا مَعَهُ، وَارْتَأَسَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَدَخَلُوا مَعَ الْيَهُودِ فِي حُصُونِ النّطَاةِ قبل قدوم رسول الله ﷺ بِثَلَاثَةِ أَيّامٍ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَهُمْ فِي الْحِصْنِ، فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى الْحِصْنِ نَادَاهُمْ: إنّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلّمَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ. فَأَرَادَ عُيَيْنَةُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْحِصْنَ فَقَالَ مَرْحَبٌ: لَا تَدْخُلْهُ فَيَرَى خَلَلَ حِصْنِنَا وَيَعْرِفُ نَوَاحِيَهُ الّتِي يُؤْتَى مِنْهَا، وَلَكِنْ تَخْرُجُ إلَيْهِ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ يَدْخُلَ فَيَرَى حَصَانَتَهُ وَيَرَى عَدَدًا كَثِيرًا. فَأَبَى مَرْحَبٌ أَنْ يُدْخِلَهُ، فَخَرَجَ عُيَيْنَةُ إلَى بَابِ الْحِصْنِ،
َدْ أَحْبَبْت أَنْ يَدْخُلَ فَيَرَى حَصَانَتَهُ وَيَرَى عَدَدًا كَثِيرًا. فَأَبَى مَرْحَبٌ أَنْ يُدْخِلَهُ، فَخَرَجَ عُيَيْنَةُ إلَى بَابِ الْحِصْنِ، فَقَالَ سَعْدٌ: إنّ رَسُولَ اللهِ أَرْسَلَنِي إلَيْك يَقُولُ: إنّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي خَيْبَرَ فَارْجِعُوا وَكُفّوا، فَإِنّ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا فَلَكُمْ تَمْرُ خَيْبَرَ سَنَةً. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: إنّا وَاَللهِ مَا كُنّا لِنُسَلّمَ حَلْفَاءَنَا لِشَيْءٍ، وَإِنّا لنعلم ما لك
ولمن معك بما هاهنا طَاقَةٌ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَهْلُ حُصُونٍ مَنِيعَةٍ، وَرِجَالٍ عَدَدُهُمْ كَثِيرٌ، وَسِلَاحٌ. إنْ أَقَمْت هَلَكْت وَمَنْ مَعَك، وَإِنْ أَرَدْت الْقِتَالَ عَجّلُوا عَلَيْك بِالرّجَالِ وَالسّلَاحِ. وَلَا وَاَللهِ، مَا هَؤُلَاءِ كَقُرَيْشٍ، قَوْمٌ سَارُوا إلَيْك، إنْ أَصَابُوا غِرّةً مِنْك فَذَاكَ الّذِي أَرَادُوا وَإِلّا انْصَرَفُوا، وَهَؤُلَاءِ يُمَاكِرُونَكَ الْحَرْبَ ويطاولونك حتى تملّهم. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَشْهَدُ لَيَحْضُرَنّكَ فِي حِصْنِك هَذَا حَتّى تَطْلُبَ الّذِي كُنّا عَرَضْنَا عَلَيْك، فَلَا نُعْطِيك إلّا السّيْفَ، وَقَدْ رَأَيْت يَا عُيَيْنَةُ مِنْ قَدْ حَلَلْنَا بِسَاحَتِهِ مِنْ يَهُودِ يَثْرِبَ، كَيْفَ مَزّقُوا كُلّ مُمَزّقٍ! فَرَجَعَ سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، وَقَالَ سَعْدٌ:
ْنَا بِسَاحَتِهِ مِنْ يَهُودِ يَثْرِبَ، كَيْفَ مَزّقُوا كُلّ مُمَزّقٍ! فَرَجَعَ سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، وَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ اللهَ مُنْجِزٌ لَك مَا وَعَدَك وَمُظْهِرٌ دِينَهُ، فَلَا تُعْطِ هَذَا الْأَعْرَابِيّ تَمْرَةً وَاحِدَةً، يَا رَسُولَ اللهِ، لَئِنْ أَخَذَهُ السّيْفُ لَيُسَلّمُنّهُمْ وَلَيُهَرّبْنَ إلَى بِلَادِهِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي الْخَنْدَقِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يُوَجّهُوا إلَى حِصْنِهِمْ الّذِي فِيهِ غَطَفَانُ، وَذَلِكَ عَشِيّةً وَهُمْ فِي حِصْنِ نَاعِم، فَنَادَى مُنَادِي رسول الله ﷺ أن أَصْبِحُوا عَلَى رَايَاتِكُمْ عِنْدَ حِصْنِ نَاعِم الّذِي فِيهِ غَطَفَانُ. قَالَ: فَرُعِبُوا مِنْ ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ هَذِهِ مِنْ تِلْكَ اللّيْلَةِ سَمِعُوا صَائِحًا يَصِيحُ، لَا يَدْرُونَ مِنْ السّمَاءِ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، أَهْلَكُمْ أَهْلَكُمْ! الْغَوْثَ، الْغَوْثَ بِحَيْفَاءَ- صِيحَ ثَلَاثَةً- لَا تُرْبَةَ وَلَا مَالَ! قَالَ: فَخَرَجْت غَطَفَانُ على الصّعب والذّلول، وكان أَمْرًا صَنَعَهُ اللهُ ﷿ لِنَبِيّهِ. فَلَمّا أَصْبَحُوا أَخْبَرَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ وَهُوَ فِي الْكَتِيبَةِ بِانْصِرَافِهِمْ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهِ [ (١) ] ، وَذَلّ وَأَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ وَقَالَ: كُنّا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ فِي بَاطِلٍ، إنّا سِرْنَا فِيهِمْ فَوَعَدُونَا النّصْرَ وَغَرّونَا، وَلَعَمْرِي لَوْلَا مَا وَعَدُونَا مِنْ نَصْرِهِمْ ما نابذنا محمّدا بالحرب،
وَلَمْ نَحْفَظْ. كَلَامَ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ إذْ قَالَ: لَا تَسْتَنْصِرُوا بِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ أَبَدًا فَإِنّا قَدْ بَلَوْنَاهُمْ. وَجَلَبَهُمْ لِنَصْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ ثُمّ غَرّوهُمْ. فَلَمْ نَرَ عِنْدَهُمْ وَفَاءً لَنَا، وَقَدْ سَارَ فِيهِمْ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ وَجَعَلُوا يَطْلُبُونَ الصّلْحَ مِنْ مُحَمّدٍ، ثُمّ زَحَفَ مُحَمّدٌ إلى بنى قريظة وَانْكَشَفَتْ غَطَفَانُ رَاجِعَةً إلَى أَهْلِهَا. قَالُوا: فَلَمّا انْتَهَى الْغَطَفَانِيّونَ إلَى أَهْلِهِمْ بِحَيْفَاءَ وَجَدُوا أَهْلَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ فَقَالُوا: هَلْ رَاعَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا وَاَللهِ. فَقَالُوا: لَقَدْ ظَنَنّا أَنّكُمْ قَدْ غَنِمْتُمْ، فَمَا نَرَى مَعَكُمْ غَنِيمَةً وَلَا خَيْرًا! فقال عيينة لأصحابه: هذا والله من مكايد مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، خَدَعَنَا وَاَللهِ! فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ: بِأَيّ شَيْءٍ؟ قَالَ عُيَيْنَةُ: إنّا فِي حِصْنِ النّطَاةِ بَعْدَ هَدْأَةٍ [ (١) ] إذْ سَمِعْنَا صَائِحًا يَصِيحُ، لَا نَدْرِي مِنْ السّمَاءِ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ: أَهْلَكُمْ أَهْلَكُمْ بِحَيْفَاءَ- صِيحَ ثَلَاثَةً- فَلَا تُرْبَةَ وَلَا مَالٍ! قَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ: يَا عُيَيْنَةُ، وَاَللهِ لَقَدْ غَبَرْت [ (٢) ] إنْ انْتَفَعْت. وَاَللهِ إنّ الّذِي سَمِعْت لَمِنْ السّمَاءِ! وَاَللهِ لَيَظْهَرَنّ مُحَمّدٌ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، حَتّى لَوْ نَاوَأَتْهُ الْجِبَالُ لَأَدْرَكَ مِنْهَا مَا أَرَادَ. فَأَقَامَ عُيَيْنَةُ أَيّامًا فِي أَهْلِهِ ثُمّ دَعَا أَصْحَابَهُ لِلْخُرُوجِ إلَى نَصْرِ الْيَهُودِ، فَجَاءَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ: يَا عُيَيْنَةُ أَطِعْنِي وَأَقِمْ فِي مَنْزِلِك وَدَعْ نَصْرَ الْيَهُودِ، مَعَ أَنّي لَا أَرَاك تَرْجِعُ إلَى خَيْبَرَ إلّا وَقَدْ فَتَحَهَا مُحَمّدٌ وَلَا آمِنْ عَلَيْك. فَأَبَى عُيَيْنَةُ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَقَالَ: لَا أَسْلَمَ حُلَفَائِي لِشَيْءٍ.
لَى خَيْبَرَ إلّا وَقَدْ فَتَحَهَا مُحَمّدٌ وَلَا آمِنْ عَلَيْك. فَأَبَى عُيَيْنَةُ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَقَالَ: لَا أَسْلَمَ حُلَفَائِي لِشَيْءٍ. وَلَمّا وَلّى عُيَيْنَةُ إلَى أَهْلِهِ هَجَمَ رسول الله ﷺ على الْحُصُونِ حِصْنًا حِصْنًا، فَلَقَدْ انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى حِصْنِ نَاعِم وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَحُصُونُ نَاعِم عِدّةٌ، فَرَمَتْ الْيَهُودُ يَوْمئِذٍ بِالنّبْلِ، وَتَرّسَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلّى الله عليه [وسلّم عن رسول
اللهِ] ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمئِذٍ دِرْعَانِ وَمِغْفَرٌ وَبَيْضَةٌ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ الظّرِبُ [ (١) ] ، فِي يَدِهِ قَنَاةٌ وَتُرْسٌ، وَأَصْحَابُهُ مُحَدّقُونَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ دَفَعَ لِوَاءَهُ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، ثُمّ دَفَعَهُ إلَى آخَرَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِوَاءَ الْأَنْصَارِ إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا، فَحَثّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ، وَسَالَتْ كَتَائِبُ الْيَهُودِ، أَمَامَهُمْ الْحَارِثُ أَبُو زَيْنَبَ يَقْدَمُ الْيَهُودَ يَهُدّ الْأَرْضَ هَدّا، فَأَقْبَلَ صَاحِبُ رَايَةِ الْأَنْصَارِ فَلَمْ يَزَلْ يَسُوقُهُمْ حَتّى انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ فَدَخَلُوهُ، وَخَرَجَ أَسِيرُ الْيَهُودِيّ يَقْدَمُ أَصْحَابَهُ مَعَهُ عَادِيَتُهُ [ (٢) ] وَكَشَفَ رَايَةَ أَصْحَابِ الْأَنْصَارِ حَتّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَوْقِفِهِ، وَوَجَدَ رسول الله ﷺ في نَفْسِهِ حِدَةً شَدِيدَةً، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُمْ الّذِي وَعَدَهُمْ اللهُ، فَأَمْسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَهْمُومًا،
ِي مَوْقِفِهِ، وَوَجَدَ رسول الله ﷺ في نَفْسِهِ حِدَةً شَدِيدَةً، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُمْ الّذِي وَعَدَهُمْ اللهُ، فَأَمْسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَهْمُومًا، وَقَدْ كَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَجَعَ مَجْرُوحًا وَجَعَلَ يَسْتَبْطِئُ أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَ صَاحِبُ رَايَةِ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَبْطِئُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ، وَأَنْتُمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ الْيَهُودَ جَاءَهُمْ الشّيْطَانُ فَقَالَ لَهُمْ: إنّ مُحَمّدًا يُقَاتِلُكُمْ عَلَى أَمْوَالِكُمْ! نَادَوْهُمْ: قُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللهُ، ثُمّ قَدْ أَحْرَزْتُمْ بِذَلِكَ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ، وَحِسَابَكُمْ عَلَى اللهِ. فَنَادَوْهُمْ بِذَلِكَ فَنَادَتْ الْيَهُودُ: إنّا لَا نَفْعَلُ وَلَا نَتْرُكُ عَهْدَ مُوسَى وَالتّوْرَاةُ بَيْنَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسَ بِفَرّارٍ، أَبَشَرٌ يَا مُحَمّدُ بْنَ مَسْلَمَةَ غَدًا، إنْ شَاءَ اللهُ يُقْتَلُ قاتل أخيك وتولّى عادية اليهود.
فَلَمّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَقَالَ: مَا أَبْصَرَ سَهْلًا وَلَا جَبَلًا. قَالَ: فَذَهَبَ إلَيْهِ فَقَالَ: افْتَحْ عَيْنَيْك. فَفَتْحهمَا فَتَفِلَ فِيهِمَا. قَالَ عَلِيّ ﵇: فَمَا رَمِدَتْ حَتّى السّاعَةِ. ثُمّ دَفَعَ إلَيْهِ اللّوَاءَ، وَدَعَا لَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّصْرِ، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِمْ الْحَارِثُ أَخُو مَرْحَبٍ فِي عَادِيَتِهِ، فَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ وَثَبَتَ عَلِيّ ﵇ فَاضْطَرَبَا ضَرْبَاتٍ فَقَتَلَهُ عَلِيّ ﵇، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ إلَى الْحِصْنِ فَدَخَلُوهُ وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَوْضِعِهِمْ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ أَضْرِبُ أَحْيَانًا وَحِينًا أُضْرَبُ فَحَمَلَ عَلِيّ ﵇ فَقَطَرَهُ [ (١) ] عَلَى الْبَابِ وَفَتَحَ الْبَابِ: وَكَانَ لِلْحِصْنِ بَابَانِ. وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ شُيُوخٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ قَالُوا: قَتَلَ أَبُو دُجَانَةَ الْحَارِثَ أَبَا زَيْنَبَ، وَكَانَ يَوْمئِذٍ مُعَلّمًا بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ، وَالْحَارِثُ مُعَلّمٌ فَوْقَ مِغْفَرِهِ، وَيَاسِرٌ وَأُسَيْرٌ وَعَامِرٌ مُعَلّمِينَ. حَدّثَنِي ابْن أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: نَزَلْت بِأَرِيحَا زَمَنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِذَا حَيّ مِنْ الْيَهُودِ، وَإِذَا رَجُلٌ يَهْدِجُ مِنْ الْكِبَرِ. فَقَالَ: مِمّنْ أَنْتُمْ؟ فَقُلْنَا: مِنْ الْحِجَازِ. فَقَالَ الْيَهُودِيّ: وَاشَوْقَاه إلَى الْحِجَازِ! أَنَا ابْنُ الْحَارِثِ الْيَهُودِيّ فَارِسُ خَيَابِرَ، قَتَلَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو دُجَانَةَ يَوْمَ نَزَلَ مُحَمّدٌ خَيْبَرَ، وَكُنّا مِمّنْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ إلَى الشّامِ. فَقُلْت: أَلَا تسلم؟ قال: أما إنّه خير لى
بُو دُجَانَةَ يَوْمَ نَزَلَ مُحَمّدٌ خَيْبَرَ، وَكُنّا مِمّنْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ إلَى الشّامِ. فَقُلْت: أَلَا تسلم؟ قال: أما إنّه خير لى
لَوْ فَعَلْت، وَلَكِنْ أُعَيّرُ، تُعَيّرُنِي الْيَهُودُ، تَقُولُ: أَبُوك ابْنُ سَيّدِ الْيَهُودِ لَمْ يَتْرُكْ الْيَهُودِيّةَ، قُتِلَ عَلَيْهَا أَبُوك وَتُخَالِفُهُ؟ وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: كُنّا مَعَ عَلِيّ ﵇ حِينَ بَعَثَهُ النّبِيّ ﷺ بِالرّايَةِ، فَلَقِيَ علىّ ﵇ رجلا على بَابِ الْحِصْنِ، فَضَرَبَ عَلِيّا وَاتّقَاهُ بِالتّرْسِ عَلِيّ، فَتَنَاوَلَ عَلِيّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ. وَبَعَثَ رَجُلًا يُبَشّرُ النّبِيّ ﷺ بِفَتْحِ الْحِصْنِ، حِصْنِ مَرْحَبٍ وَدُخُولِهِمْ الْحِصْنَ. وَيُقَالُ: إنّ مرحب برز وهو كالفحل الصّؤول يَرْتَجِزُ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ أَضْرِبُ أَحْيَانًا وَحِينًا أُضْرَبُ يَدْعُو لِلْبِرَازِ. فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاَللهِ الْمَوْتُورُ الثّائِرُ، قُتِلَ أَخِي بِالْأَمْسِ فَائْذَنْ لِي فِي قِتَالِ مَرْحَبٍ وَهُوَ قَاتِلُ أَخِي. فَأَذِنَ لَهُ رسول الله ﷺ في مُبَارَزَتِهِ، وَدَعَا لَهُ بِدَعَوَاتٍ، وَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَخَرَجَ مُحَمّدٌ فَصَاحَ: يَا مَرْحَبُ، هَلْ لَك فِي الْبِرَازِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَبَرَزَ إلَيْهِ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَرْتَجِزُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبُ وَخَرَجَ محمّد بن مسلمة وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَاضٍ ... حُلْوٌ إذَا شِئْت وَسَمّ قَاضٍ وَيُقَالُ: إنّهُ جَعَلَ يَوْمئِذٍ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ إلّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... لَا صَبْرَ لِي بَعْدَ أَبِي النّبَيْتِ وَكَانَ أَخُوهُ مَحْمُودٌ يُكَنّى بِأَبِي النّبَيْتِ. قَالَ: وَبَرَزَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: فَحَالَ بَيْنَهُمَا عَشْرَاتٌ [ (١) ] أَصْلُهَا كَمِثْلِ أَصْلِ الفحل من
ي النّبَيْتِ. قَالَ: وَبَرَزَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: فَحَالَ بَيْنَهُمَا عَشْرَاتٌ [ (١) ] أَصْلُهَا كَمِثْلِ أَصْلِ الفحل من
النّخْلِ وَأَفْنَانٌ مُنْكَرَةٌ، فَكُلّمَا ضَرَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ اسْتَتَرَ بِالْعُشْرِ حَتّى قَطَعَا كُلّ سَاقٍ لَهَا، وَبَقِيَ أَصْلَهَا قَائِمًا [ (١) ] كَأَنّهُ الرّجُلُ الْقَائِمُ. وَأَفْضَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، وَبَدَرَ مَرْحَبٌ مُحَمّدًا، فَيَرْفَعُ السّيْفَ لِيَضْرِبَهُ، فَاتّقَاهُ مُحَمّدٌ بِالدّرَقَةِ فَلَحِجَ [ (٢) ] سَيْفَهُ، وَعَلَى مَرْحَبٍ دِرْعٌ مُشَمّرَةٌ، فَيَضْرِبُ مُحَمّدٌ سَاقَيْ مَرْحَبٍ فَقَطَعَهُمَا. وَيُقَالُ: لَمّا اتّقَى مُحَمّدٌ بِالدّرَقَةِ وَشَمّرَتْ الدّرْعُ عَنْ سَاقَيْ مَرْحَبٍ حِينَ رَفَعَ يَدَيْهِ بِالسّيْفِ، فَطَأْطَأَ مُحَمّدٌ بِالسّيْفِ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ وَوَقَعَ مَرْحَبٌ، فَقَالَ مَرْحَبٌ: أَجْهِزْ يَا مُحَمّدُ! قَالَ مُحَمّدٌ: ذُقْ الْمَوْتَ كَمَا ذَاقَهُ أَخِي مَحْمُودٌ! وَجَاوَزَهُ وَمَرّ بِهِ عَلِيّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَاخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَلَبِهِ، فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاَللهِ مَا قَطَعْت رِجْلَيْهِ ثُمّ تَرَكْته إلّا لِيَذُوقَ مُرّ السّلَاحِ وَشِدّةِ الْمَوْتِ كَمَا ذَاقَ أَخِي، مَكَثَ ثَلَاثًا يَمُوتُ، وَمَا مَنَعَنِي مِنْ الْإِجْهَازِ عَلَيْهِ شَيْءٌ، قَدْ كُنْت قَادِرًا بَعْدَ أَنْ قَطَعْت رِجْلَيْهِ أَنْ أَجْهَزَ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَلِيّ ﵇: صَدَقَ، ضَرَبْت عُنُقَهُ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ. فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَيْفَهُ وَدِرْعَهُ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ، فَكَانَ عِنْدَ آلِ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ سَيْفُهُ فِيهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ حَتّى قَرَأَهُ يَهُودِيّ مِنْ يَهُودِ تَيْمَاءَ فَإِذَا فِيهِ: هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ ... مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ
هُ فِيهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ حَتّى قَرَأَهُ يَهُودِيّ مِنْ يَهُودِ تَيْمَاءَ فَإِذَا فِيهِ: هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ ... مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، وَحَدّثَنِي زَكَرِيّا بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أبيه، عن سلمة بن سلامة، ومجمّع
ابن يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَمّعِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالُوا جَمِيعًا: مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَتَلَ مَرْحَبًا. قَالُوا: وَبَرَزَ أُسَيْرٌ، وَكَانَ رَجُلًا أَيّدًا، وَكَانَ إلَى الْقِصَرِ، فَجَعَلَ يَصِيحُ، مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ، ثُمّ قتله محمّد ابن مَسْلَمَةَ. ثُمّ بَرَزَ يَاسِرٌ وَكَانَ مِنْ أَشِدّائِهِمْ، وَكَانَتْ مَعَهُ حَرْبَةٌ يَحُوشُ [ (١) ] بِهَا الْمُسْلِمِينَ حَوْشًا، فَبَرَزَ لَهُ عَلِيّ ﵇ فَقَالَ الزّبَيْرُ: أَقَسَمْت عَلَيْك أَلّا خَلّيْت بَيْنِي وَبَيْنَهُ. فَفَعَلَ عَلِيّ وَأَقْبَلَ يَاسِرٌ بِحَرْبَتِهِ يَسُوقُ بِهَا النّاسَ، فَبَرَزَ لَهُ الزّبَيْرُ، فَقَالَتْ صَفِيّةُ: يَا رَسُولَ الله وا حزنى! ابْنِي يُقْتَلُ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: بَلْ ابْنُك يَقْتُلُهُ. قَالَ: فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَهُ الزّبَيْرُ، فَقَالَ له رسول الله ﷺ: فِدَاك عَمّ وَخَالٌ! وَقَالَ النّبِيّ ﷺ: لِكُلّ نَبِيّ حَوَارِيّ وَحَوَارِيّ الزّبَيْرُ وَابْنُ عَمّتِي. فَلَمّا قُتِلَ مَرْحَبٌ وَيَاسِرٌ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْشِرُوا، قَدْ تَرَحّبَتْ خَيْبَرُ وَتَيَسّرَتْ! وَبَرَزَ عَامِرٌ وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ طَلَعَ عَامِرٌ: أَتَرَوْنَهُ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ؟ وَهُوَ يَدْعُو إلَى الْبِرَازِ، يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ، مُقَنّعٌ فِي الْحَدِيدِ يَصِيحُ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَأَحْجَمَ النّاسُ عَنْهُ، فَبَرَزَ إلَيْهِ عَلِيّ ﵇ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ، كُلّ ذَلِكَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا، حَتّى ضَرَبَ سَاقَيْهِ فَبَرَكَ، ثُمّ ذُفّفَ [ (٢) ] عَلَيْهِ فَأَخَذَ سِلَاحَهُ. فَلَمّا قُتِلَ الْحَارِثُ، وَمَرْحَبٌ، وَأُسَيْرٌ، وَيَاسِرٌ، وَعَامِرٌ، مَعَ نَاسٍ من اليهود كثير
ثُمّ ذُفّفَ [ (٢) ] عَلَيْهِ فَأَخَذَ سِلَاحَهُ. فَلَمّا قُتِلَ الْحَارِثُ، وَمَرْحَبٌ، وَأُسَيْرٌ، وَيَاسِرٌ، وَعَامِرٌ، مَعَ نَاسٍ من اليهود كثير
- وَلَكِنْ إنّمَا سُمّيَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ لِأَنّهُمْ كَانُوا أَهْلَ شَجَاعَةٍ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي حِصْنِ نَاعِم جَمِيعًا. وَلَمّا رُمِيَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنْ حِصْنِ نَاعِم حَمَلَ إلَى الرّجِيعِ فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ يَمُوتُ، وَكَانَ الّذِي دَلّى عَلَيْهِ الرّحَا مَرْحَبٌ، فَجَعَلَ مَحْمُودٌ يَقُولُ لِأَخِيهِ: يَا أَخِي، بَنَاتُ أَخِيك لَا يَتْبَعْنَ الْأَفْيَاءَ [ (١) ] ، يَسْأَلْنَ النّاسَ. فَيَقُولُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: لَوْ لَمْ تَتْرُكْ مَالًا لَكَانَ لِي مَالٌ. وَمَحْمُودٌ كَانَ أَكْثَرُهُمَا مَالًا- وَلَمْ يَنْزِلْ يَوْمئِذٍ فَرَائِضُ الْبَنَاتِ- فَلَمّا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي مَاتَ فِيهِ مَحْمُودٌ وَهُوَ الْيَوْمُ الثّالِثُ، وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ مَرْحَبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يُبَشّرُ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنّ اللهَ قَدْ أَنْزَلَ فَرَائِضَ الْبَنَاتِ، وَأَنّ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قَدْ قَتَلَ قَاتِلَهُ؟ فَخَرَجَ جُعَالُ بْنُ سُرَاقَةَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَسُرّ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَ رَسُولَ اللهِ ﷺ السّلَامَ مِنْهُ. قَالَ: فَأَقْرَأْته مِنْ رسول الله ﷺ وقال مَحْمُودٌ. لَا أَرَاهُ يَذْكُرُنِي، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبِيتُ فِي مَوْضِعِهِ بِالرّجِيعِ فَمَاتَ خِلَافَهُ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مَنْزِلَةٍ، وَقَدْ جُرِحَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ نَفْسَهُ، حُمِلَ إلَى الرّجِيعِ فَمَاتَ، فَقُبِرَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ مَعَهُ فِي غَارٍ. فَقَالَ مُحَمّدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْطَعْ لِي عِنْدَ قَبْرِ أَخِي. قَالَ: لَك حَضَرُ [ (٢) ] الْفَرَسِ فَإِنْ عَمِلْت فَلَك حَضَرُ فَرَسَيْنِ.
ارٍ. فَقَالَ مُحَمّدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْطَعْ لِي عِنْدَ قَبْرِ أَخِي. قَالَ: لَك حَضَرُ [ (٢) ] الْفَرَسِ فَإِنْ عَمِلْت فَلَك حَضَرُ فَرَسَيْنِ. وَكَانَ حِصْنُ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ فِي النّطَاةِ، وَكَانَ حِصْنُ الْيَهُودِ فِيهِ الطّعَامُ وَالْوَدَكُ وَالْمَاشِيَةُ وَالْمَتَاعُ، وَكَانَ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ النّاسُ قَدْ أَقَامُوا أَيّامًا يُقَاتِلُونَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ طَعَامٌ إلّا العلف [ (٣) ] . قال معتّب الأسلمىّ:
أَصَابَنَا مَعْشَرَ أَسْلَمَ خَصَاصَةً حِينَ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، وَأَقَمْنَا عَشَرَةَ أَيّامٍ عَلَى حِصْنِ النّطَاةِ لَا نَفْتَحُ شَيْئًا فِيهِ طَعَامٌ، فَأَجْمَعَتْ أَسْلَمُ أَنْ يرسلوا أسماء بن حارثة فقالوا: ايت مُحَمّدًا رَسُولَ اللهِ فَقُلْ: إنّ أَسْلَمَ يُقْرِئُونَك السّلَامَ وَيَقُولُونَ إنّا قَدْ جَهْدَنَا مِنْ الْجَوْعِ وَالضّعْفِ. فَقَالَ بُرَيْدَة بْنُ الْحُصَيْبِ: وَاَللهِ إنْ رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ أَمْرًا [ (١) ] بَيْنَ الْعَرَبِ يَصْنَعُونَ [فِيهِ] هَذَا! فَقَالَ هِنْدُ بْنُ حَارِثَةَ: وَاَللهِ إنّا لَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ الْبِعْثَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِفْتَاحَ الْخَيْرِ. فَجَاءَهُ أَسَمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَسْلَمَ تَقُولُ: إنّا قَدْ جَهِدْنَا مِنْ الْجُوعِ وَالضّعْفِ فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَدَعَا لهم رسول الله ﷺ فَقَالَ: وَاَللهِ مَا بِيَدِي مَا أَقْرِيهِمْ [ (٢) ] . ثُمّ صَاحَ بِالنّاسِ فَقَالَ: اللهُمّ افْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حِصْنٍ فِيهِ، أَكْثَرُهُ طَعَامًا وَأَكْثَرُهُ وَدَكًا. وَدَفَعُوا اللّوَاءَ إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ، وَنَدَبَ النّاسَ، فَمَا رَجَعْنَا حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا الْحِصْنَ- حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ. فَقَالَتْ أُمّ مُطَاعٍ الْأَسْلَمِيّة، وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مع رسول الله ﷺ فِي نِسَاءٍ، قَالَتْ:
الْحِصْنَ- حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ. فَقَالَتْ أُمّ مُطَاعٍ الْأَسْلَمِيّة، وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مع رسول الله ﷺ فِي نِسَاءٍ، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ حِينَ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا شَكَوْا مِنْ شِدّةِ الْحَالِ، فَنَدَبَ رسول الله ﷺ الناس فَنَهَضُوا، فَرَأَيْت أَسْلَمَ أَوّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَإِنّ عَلَيْهِ لَخَمْسُمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَمَا غَابَتْ الشّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتّى فَتَحَهُ اللهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ قِتَالٌ شَدِيدٌ. بَرَزَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ يَدْعُو إلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ إلَيْهِ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٌ فَقَتَلَهُ الْحُبَابُ. وَبَرَزَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ الزّيّالُ، فَبَرَزَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ الْغِفَارِيّ فَبَدَرَهُ الْغِفَارِيّ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً عَلَى هَامَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْغِفَارِيّ! فَقَالَ النّاسُ: بَطَلُ جِهَادِهِ. فَبَلَغَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا بَأْسُ بِهِ، يُؤْجَرُ [ (١) ] وَيُحْمَدُ. وَكَانَ أَبُو الْيُسْرِ يُحَدّثُ أَنّهُمْ حَاصَرُوا حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، وَكَانَ حِصْنًا مَنِيعًا، وَأَقْبَلَتْ غَنَمٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ تَرْتَعُ وَرَاءَ حِصْنِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: من رجل يُطْعِمُنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ؟ فَقُلْت: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَخَرَجْت أَسْعَى مِثْلَ الظّبْيِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلّيًا قَالَ: اللهُمّ مَتّعْنَا بِهِ! فَأَدْرَكْت الْغَنَمَ وَقَدْ دَخَلَ أَوّلُهَا الْحِصْنَ، فَأَخَذْت شَاتَيْنِ مِنْ آخِرِهَا فَاحْتَضَنْتهمَا تَحْتَ يَدَيّ، ثُمّ أَقْبَلْت أَعْدُو كَأَنْ لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ حَتّى أَتَيْت بهما رسول الله ﷺ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذُبِحَتَا ثُمّ قَسَمَهُمَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الّذِينَ هُمْ مَعَهُ مُحَاصِرِينَ الْحِصْنَ إلّا أَكَلَ مِنْهَا. فَقِيلَ لِأَبِي الْيَسَرِ: وَكَمْ كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. فَيُقَالُ: أَيْنَ بَقِيّةُ النّاسِ؟ فَيَقُولُ: فِي الرّجِيعِ بِالْمُعَسْكَرِ. فَسَمِعَ أَبُو الْيَسَرِ- وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ- وَهُوَ يَبْكِي فِي شَيْءٍ غَاظَهُ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ، فَقَالَ: لَعَمْرِي بَقِيت بَعْدَ أَصْحَابِي وَمُتّعُوا بِي وَمَا أُمَتّعُ بِهِمْ! لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: اللهُمّ مَتّعْنَا بِهِ! فَبَقِيَ فَكَانَ مِنْ آخِرِهِمْ. وَكَانَ أَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيّ يُحَدّثُ قَالَ: أَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، وَنَزَلْنَا خَيْبَرَ زَمَانَ الْبَلَحِ، وَهِيَ أَرْضٌ وَخِيمَةٌ حَارّةٌ شَدِيدٌ حُرّهَا. فَبَيْنَا نَحْنُ مُحَاصِرُونَ حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ فَخَرَجَ عِشْرُونَ حِمَارًا مِنْهُ أَوْ ثَلَاثُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ الْيَهُودُ عَلَى إدْخَالِهَا، وَكَانَ حِصْنُهُمْ له منعة، فأخذها المسلمون فانتحروها،
رَجَ عِشْرُونَ حِمَارًا مِنْهُ أَوْ ثَلَاثُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ الْيَهُودُ عَلَى إدْخَالِهَا، وَكَانَ حِصْنُهُمْ له منعة، فأخذها المسلمون فانتحروها،
وَأَوْقَدُوا النّيرَانَ وَطَبَخُوا لُحُومَهَا فِي الْقُدُورِ وَالْمُسْلِمُونَ جِيَاعٌ، وَمَرّ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ فَأَمَرَ مُنَادِيًا: إنّ رَسُولَ اللهِ يَنْهَاكُمْ عَنْ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ- قَالَ: فَكَفَوْا الْقُدُورَ- وَعَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ، وَعَنْ كُلّ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ. وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ مُبَشّرٍ، قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، فَذَبَحَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْلًا مِنْ خَيْلِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: أَرَأَيْت الْبِغَالَ، أَكُنْتُمْ تَأْكُلُونَهَا؟ قَالَ: لَا. وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: ذَبَحْنَا بِخَيْبَرَ لِبَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ فَرَسَيْنِ، فَكُنّا نَأْكُلُ مِنْهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ. وَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ قَالَ: سَمِعْت خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَقُولُ: حَضَرَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ يَقُولُ: حَرَامٌ أَكْلُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ. قَالُوا: وَكُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السّبَاعِ، وَمِخْلَبٍ مِنْ الطّيْرِ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: الثّبْت عِنْدَنَا أَنّ خَالِدًا لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَرَ، وَأَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَوّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ.
َرَ، وَأَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَوّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَكَانَ ابْنُ الْأَكْوَعِ يَقُولُ: كُنّا عَلَى حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، أَسْلَمَ بِأَجْمَعِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ حَصَرُوا أَهْلَ الْحِصْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتنَا وَصَاحِبَ رَايَتِنَا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَ الرّايَةَ فَغَدَوْنَا مَعَهُ. وغدا عامر ابن سِنَانٍ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ، وَبَدَرَهُ الْيَهُودِيّ فَيَضْرِبُ عَامِرًا، قَالَ عَامِرٌ:
فَاتّقَيْته بِدَرَقَتِي فَنَبَا سَيْفُ الْيَهُودِيّ عَنْهُ. قَالَ عَامِرٌ: فَأَضْرِبُ رِجْلَ الْيَهُودِيّ فَأَقْطَعُهَا، وَرَجَعَ السّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَأَصَابَهُ ذُبَابُهُ فَنَزَفَ فَمَاتَ. فَقَالَ أسيد ابن حُضَيْرٍ: حَبَطَ عَمَلُهُ. فَبَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ! إنّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ، إنّهُ جَاهَدَ مُجَاهِدٌ، وَإِنّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنّةِ عَوْمَ الدّعْمُوصِ [ (١) ] . حَدّثَنِي خالد بن إلياس، عن جعفر بن محمود بن محمّد، عن محمّد ابن مَسْلَمَةَ قَالَ: كُنْت فِيمَنْ تَرّسَ عَنْ النّبِيّ ﷺ، فَجَعَلْت أَصِيحُ بِأَصْحَابِهِ: تَرَامَوْا بِالْحَجَفِ! فَفَعَلُوا فَرَمَوْنَا حَتّى ظَنَنْت أَلّا يُقْلِعُوا، فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى بِسَهْمٍ، فَمَا أَخْطَأَ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَتَبَسّمَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَانْفَرَجُوا وَدَخَلُوا الْحِصْنَ.
ُوا، فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى بِسَهْمٍ، فَمَا أَخْطَأَ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَتَبَسّمَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَانْفَرَجُوا وَدَخَلُوا الْحِصْنَ. حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمّا انْتَهَيْنَا إلَى حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَالْمُسْلِمُونَ جِيَاعٌ وَالْأَطْعِمَةُ فِيهِ كُلّهَا، وَغَزَا بِنَا الْحُبَابُ ابن الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ وَمَعَهُ رَايَتُنَا وَتَبِعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ نُقَاتِلُهُمْ أَشَدّ الْقِتَالِ، فَلَمّا كَانَ الْيَوْمُ الثّالِثُ بَكّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ كَأَنّهُ الدّقَلُ [ (٢) ] فِي يَدِهِ حَرْبَةٌ لَهُ، وَخَرَجَ وَعَادِيَتُهُ مَعَهُ فَرَمَوْا بِالنّبْلِ سَاعَةً سُرَاعًا، وَتَرّسْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
وَأَمْطَرُوا عَلَيْنَا بِالنّبْلِ، فَكَانَ نَبْلُهُمْ مِثْلَ الْجَرَادِ حَتّى ظَنَنْت أَلّا يُقْلِعُوا، ثُمّ حَمَلُوا عَلَيْنَا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتّى انْتَهَوْا إلى رسول الله ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ، قَدْ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَمِدْعَمٌ [ (١) ] يُمْسِكُ فَرَسَهُ. وَثَبَتَ الْحُبَابُ بِرَايَتِنَا، وَاَللهِ مَا يَزُولُ، يُرَامِيهِمْ عَلَى فَرَسِهِ، وَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ وَحَضّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَرَغّبَهُمْ فِيهِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنّ اللهَ قَدْ وَعَدَهُ خَيْبَرَ يُغَنّمُهُ إيّاهَا. قَالَ: فَأَقْبَلَ النّاسُ جَمِيعًا حَتّى عَادُوا إلَى صَاحِبِ رَايَتِهِمْ، ثُمّ زَحَفَ بِهِمْ الْحُبَابُ فَلَمْ يَزَلْ يَدْنُو قَلِيلًا قَلِيلًا، وَتَرْجِعُ الْيَهُودُ عَلَى أَدْبَارِهَا حَتّى لَحَمَهَا الشّرّ فَانْكَشَفُوا سِرَاعًا، وَدَخَلُوا الْحِصْنَ وَغَلّقُوا عَلَيْهِمْ، وَوَافَوْا عَلَى جُدُرِهِ- وَلَهُ جُدُرٌ دُونَ جُدُرٍ- فَجَعَلُوا يَرْمُونَنَا بِالْجَنْدَلِ [ (٢) ] رَمْيًا كَثِيرًا، وَنَحّونَا عَنْ حِصْنِهِمْ بِوَقْعِ الْحِجَارَةِ حَتّى رَجَعْنَا إلَى مَوْضِعِ الْحُبَابِ الْأَوّلِ. ثُمّ إنّ الْيَهُودَ تَلَاوَمَتْ بَيْنَهَا وَقَالَتْ: مَا نَسْتَبْقِي لِأَنْفُسِنَا؟ قَدْ قُتِلَ أَهْلُ الْجَدّ وَالْجِلْدِ فِي حِصْنِ نَاعِم. فَخَرَجُوا مُسْتَمِيتِينَ، وَرَجَعْنَا إلَيْهِمْ فَاقْتَتَلْنَا عَلَى بَابِ الْحِصْنِ أَشَدّ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ عَلَى الْبَابِ ثَلَاثَةٌ مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ أبو ضيّاح، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا، ضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِالسّيْفِ فَأَطَنّ قِحْفَ رَأْسِهِ، وَعَدِيّ بْنُ مَرّةَ بْنِ سراقة، طعنه حدهم بِالْحَرْبَةِ بَيْنَ ثَدْيِهِ فَمَاتَ، وَالثّالِثُ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ فَدَمَغَهُ. وَقَدْ قَتَلْنَا مِنْهُمْ عَلَى الْحِصْنِ عِدّةً، كُلّمَا قَتَلْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا حَمَلُوهُ حَتّى يُدْخِلُوهُ الْحِصْنَ.
ْقِ الْحِصْنِ فَدَمَغَهُ. وَقَدْ قَتَلْنَا مِنْهُمْ عَلَى الْحِصْنِ عِدّةً، كُلّمَا قَتَلْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا حَمَلُوهُ حَتّى يُدْخِلُوهُ الْحِصْنَ. ثُمّ حَمَلَ صَاحِبُ رَايَتِنَا وَحَمَلْنَا مَعَهُ، وَأَدْخَلْنَا الْيَهُودَ الْحِصْنَ وَتَبِعْنَاهُمْ فِي جَوْفِهِ، فَلَمّا دَخَلْنَا عَلَيْهِمْ الْحِصْنَ فَكَأَنّهُمْ غَنَمٌ، فقتلنا من أشرف لنا، وأسرنا منهم،
وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ يَرْكَبُونَ الْحَرّةَ يُرِيدُونَ حِصْنَ قَلْعَةِ الزّبَيْرِ، وَجَعَلْنَا نَدَعُهُمْ يَهْرُبُونَ، وَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جُدُرِهِ فَكَبّرُوا عَلَيْهِ تَكْبِيرًا كَثِيرًا، فَفَتَتْنَا أَعْضَادَ الْيَهُودِ بِالتّكْبِيرِ، لَقَدْ رَأَيْت فَتَيَانِ أَسْلَمَ وَغِفَارٍ فَوْقَ الْحِصْنِ يُكَبّرُونَ، فَوَجَدْنَا وَاَللهِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَا لَمْ نَظُنّ أَنّهُ هُنَاكَ، مِنْ الشّعِيرِ، وَالتّمْرِ، وَالسّمْنِ، وَالْعَسَلِ، وَالزّيْتِ، وَالْوَدَكِ. وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: كُلُوا وَاعْلِفُوا وَلَا تَحْتَمِلُوا. يَقُولُ: لَا تَخْرُجُوا بِهِ إلَى بِلَادِكُمْ. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْخُذُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحِصْنِ مَقَامَهُمْ طَعَامَهُمْ وَعَلَفَ دَوَابّهِمْ، لَا يُمْنَعُ أَحَدُ أَنْ يَأْخُذَ حَاجَتَهُ وَلَا يُخَمّسُ الطّعَامَ. وَوَجَدُوا فِيهِ مِنْ الْبَزّ وَالْآنِيّةِ، وَوَجَدُوا خَوَابِيَ، السّكَرِ، فَأُمِرُوا فَكَسَرُوهَا، فَكَانُوا يَكْسِرُونَهَا حَتّى سَالَ السّكَرُ فِي الْحِصْنِ، وَالْخَوَابِي كِبَارٌ لَا يُطَاقُ حَمْلُهَا. وَكَانَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ يَقُولُ: وَجَدْنَا فِيهِ آنِيّةً مِنْ نُحَاسٍ وَفَخّارٍ كَانَتْ الْيَهُودُ تَأْكُلُ فِيهَا وَتَشْرَبُ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلُوهَا وَاطْبُخُوا وَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا. وَقَالَ: أَسْخِنُوا فِيهَا الْمَاءَ ثُمّ اُطْبُخُوا بَعْدُ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا.
لهِ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلُوهَا وَاطْبُخُوا وَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا. وَقَالَ: أَسْخِنُوا فِيهَا الْمَاءَ ثُمّ اُطْبُخُوا بَعْدُ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا. وَأَخْرَجْنَا مِنْهُ غَنَمًا كَثِيرًا وَبَقَرًا وَحُمُرًا، وَأَخْرَجْنَا مِنْهُ آلَةً كَثِيرَةً لِلْحَرْبِ، وَمَنْجَنِيقًا [ (١) ] وَدَبّابَاتٍ وَعُدّةً، فَنَعْلَمُ أَنّهُمْ قَدْ كَانُوا يَظُنّونَ أَنّ الْحِصَارَ يَكُونُ دَهْرًا، فَعَجّلَ اللهُ خِزْيَهُمْ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ خَرَجَ مِنْ أُطُمٍ مِنْ حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ الْبَزّ عِشْرُونَ عِكْمًا [ (٢) ] مَحْزُومَةً مِنْ غَلِيظِ مَتَاعِ الْيَمَنِ، وَأَلْفُ وَخَمْسُمِائَةِ قَطِيفَةٍ، يُقَالُ: قَدِمَ كُلّ رَجُلٍ بِقَطِيفَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَوَجَدُوا عَشَرَةَ أَحْمَالِ خَشَبٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأَخْرَجَ مِنْ الْحِصْنِ ثم أحرق،
فَمَكَثَ أَيّامًا يَحْتَرِقُ، وَخَوَابِي سَكَرٍ كُسِرَتْ، وَزُقَاقُ خَمْرٍ فَأُهْرِيقَتْ. وَعَمِدَ يَوْمئِذٍ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَشَرِبَ مِنْ الْخَمْرِ، فَرَفَعَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَكَرِهَ حِينَ رَفَعَ إلَيْهِ فَخَفَقَهُ بِنَعْلَيْهِ، وَمَنْ حَضَرَهُ، فَخَفَقُوهُ بِنِعَالِهِمْ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ الْخَمّارِ، وَكَانَ رَجُلًا لَا يَصْبِرُ عَنْ الشّرَابِ قَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِرَارًا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: اللهُمّ الْعَنْهُ! مَا أَكْثَرَ مَا يُضْرَبُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَفْعَلْ يَا عُمَرُ، فَإِنّهُ يُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: ثُمّ رَاحَ عَبْدُ اللهِ فَجَلَسَ مَعَهُمْ كَأَنّهُ أَحَدُهُمْ حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عَنْ أُمّ عُمَارَةَ قَالَتْ: لَقَدْ وَجَدْنَا فِي حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ مِنْ الطّعَامِ مَا كُنْت أَظُنّ أَنّهُ لَا يَكُونُ بِخَيْبَرَ، جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ مَقَامَهُمْ شَهْرًا وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْحِصْنِ، فَيَعْلِفُونَ دَوَابّهُمْ، مَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خُمُسٌ، وَأُخْرِجُ مِنْ الّبُزُوزِ شَيْءٌ كَثِيرٌ يُبَاعُ فِي الْمَقْسَمِ، وَوُجِدَ فِيهِ خَرْزٌ مِنْ خَرْزِ الْيَهُودِ. فَقِيلَ لَهَا: فَمَنْ الّذِي يَشْتَرِي ذَلِكَ فِي الْمَقْسَمِ؟ قَالَتْ: الْمُسْلِمُونَ، وَالْيَهُودُ الّذِينَ كَانُوا فِي الْكَتِيبَةِ فَآمَنُوا، وَمَنْ حَضَرَ من الأعراب، فكل هولاء يَشْتَرِي، فَأَمّا مَنْ يَشْتَرِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّمَا يُحَاسَبُ بِهِ مِمّا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَغْنَمِ.
وَمَنْ حَضَرَ من الأعراب، فكل هولاء يَشْتَرِي، فَأَمّا مَنْ يَشْتَرِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّمَا يُحَاسَبُ بِهِ مِمّا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَغْنَمِ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمّا نَظَرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ إلَى حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْقُلُونَ مِنْهُ الطّعَامَ وَالْعَلَفَ وَالْبَزّ قَالَ: مَا أَحَدٌ يَعْلِفُ لَنَا دَوَابّنَا وَيُطْعِمُنَا مِنْ هَذَا الطّعَامِ الضّائِعِ، فَقَدْ كَانَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كِرَامًا! فَشَتَمَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا:
لَك الّذِي جَعَلَ لَك رَسُولُ اللهِ ﷺ، ذُو الرّقَيْبَةِ [ (١) ] ، فَاسْكُتْ! وَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ يَجُولُونَ فِي حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَلَهُ مَدَاخِلُ، فَأَخْرَجُوا رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَتَعَجّبُوا لِسَوَادِ دَمِهِ، وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ سَوَادِ هَذَا الدّمِ قَطّ- قَالَ: يَقُولُ مُتَكَلّمٌ: فِي رَفّ مِنْ تِلْكَ الرّفَافِ الثّومُ وَالثّرِيدُ- وَأُنْزِلَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ.
سَوَادِ هَذَا الدّمِ قَطّ- قَالَ: يَقُولُ مُتَكَلّمٌ: فِي رَفّ مِنْ تِلْكَ الرّفَافِ الثّومُ وَالثّرِيدُ- وَأُنْزِلَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ. قَالَ: وَتَحَوّلَتْ الْيَهُودُ مِنْ حِصْنِ نَاعِم كُلّهَا، وَمِنْ حصن الصّعب ابن مُعَاذٍ، وَمِنْ كُلّ حُصُونِ النّطَاةِ، إلَى حِصْنٍ يُقَالُ لَهُ قُلْعَةُ الزّبَيْرِ، فَزَحَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ وَالْمُسْلِمُونَ، فَحَاصَرَهُمْ وَغَلّقُوا عَلَيْهِمْ حِصْنَهُمْ وَهُوَ حَصِينٌ مَنِيعٌ، وَإِنّمَا هُوَ فِي رَأْسِ قَلْعَةٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ الْخَيْلُ وَلَا الرّجَالُ لِصُعُوبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ، وَبَقِيت بَقَايَا لَا ذِكْرَ لَهُمْ فِي بَعْضِ حُصُونِ النّطَاةِ، الرّجُلُ وَالرّجُلَانِ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِزَائِهِمْ رِجَالًا [ (٢) ] يَحْرُسُونَهُمْ، لَا يَطْلُعُ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ إلّا قَتَلُوهُ. وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُحَاصَرَةِ الّذِينَ فِي قَلْعَةِ الزّبَيْرِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ غَزَالٌ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ، تُؤَمّنّي عَلَى أَنْ أَدُلّك عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ بِهِ مِنْ أَهْلِ النّطَاةِ وَتَخْرَجُ إلَى أَهْلِ الشّقّ، فَإِنّ أَهْلَ الشّقّ قَدْ هَلَكُوا رُعْبًا مِنْك؟ قَالَ: فَأَمّنّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ. فَقَالَ الْيَهُودِيّ: إنّك لَوْ أَقَمْت شَهْرًا مَا بَالُوا، لَهُمْ دُبُولٌ [ (٣) ] تَحْتَ الْأَرْضِ، يَخْرُجُونَ بِاللّيْلِ فَيَشْرَبُونَ بها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون
ّك لَوْ أَقَمْت شَهْرًا مَا بَالُوا، لَهُمْ دُبُولٌ [ (٣) ] تَحْتَ الْأَرْضِ، يَخْرُجُونَ بِاللّيْلِ فَيَشْرَبُونَ بها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون
مِنْك، وَإِنْ قَطَعْت مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ ضَجّوا. فَسَارَ رسول الله ﷺ إلى دُبُولِهِمْ فَقَطَعَهَا، فَلَمّا قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَشَارِبَهُمْ لَمْ يُطِيقُوا الْمَقَامَ عَلَى الْعَطَشِ، فَخَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدّ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ نَفَرٌ، وَأُصِيبَ مِنْ الْيَهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَشَرَةٌ، وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَانَ آخِرَ حُصُونِ النّطَاةِ. فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ النّطَاةِ أَمَرَ بِالِانْتِقَالِ، وَالْعَسْكَرِ أَنْ يُحَوّلَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِالرّجِيعِ إلَى مَكَانِهِ الْأَوّلِ بِالْمَنْزِلَةِ، وَأَمّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْبَيَاتِ وَمِنْ حَرْبِ الْيَهُودِ وَمَا يَخَافُ مِنْهُمْ، لِأَنّ أَهْلَ النّطَاةِ كَانُوا أَحَدّ الْيَهُودِ وَأَهْلَ النّجْدَةِ مِنْهُمْ. ثُمّ تَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِ الشّقّ.
ا يَخَافُ مِنْهُمْ، لِأَنّ أَهْلَ النّطَاةِ كَانُوا أَحَدّ الْيَهُودِ وَأَهْلَ النّجْدَةِ مِنْهُمْ. ثُمّ تَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِ الشّقّ. فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ عُمَرَ الْحَارِثِيّ، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: لَمّا تَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الشّقّ، وَبِهِ حُصُونٌ ذَاتُ عَدَدٍ، كَانَ أَوّلَ حِصْنِ بَدَأَ مِنْهَا حِصْنُ أُبَيّ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَلْعَةٍ يُقَالُ لَهَا سُمْرَانُ [ (١) ] ، فَقَاتَلَ عَلَيْهَا أَهْلَ الْحِصْنِ قِتَالًا شَدِيدًا. وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ غَزَالٌ [ (٢) ] فَدَعَا إلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ، ثُمّ حَمَلَ عَلَيْهِ الْحُبَابُ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ نِصْفِ الذّرَاعِ، فَوَقَعَ السّيْفُ مِنْ يَدِ غَزّالٍ فَكَانَ أَعَزْلَ، وَرَجَعَ مُبَادِرًا مُنْهَزِمًا إلَى الْحِصْنِ، وَتَبِعَهُ الْحُبَابُ فَقَطَعَ عُرْقُوبَهُ، فَوَقَعَ فَذَفّفَ عَلَيْهِ. وَخَرَجَ آخَرُ فَصَاحَ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ آلِ جَحْشٍ فَقَتَلَ الْجَحْشِيّ. وَقَامَ مكانه يدعو إلى
الْبِرَازِ وَيَبْرُزُ لَهُ أَبُو دُجَانَةَ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ فَوْقَ الْمِغْفَرِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ، فَبَدَرَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، ثُمّ ذَفّفَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، دِرْعَهُ وَسَيْفَهُ، فَجَاءَ بِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ فَنَفّلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ. وَأَحْجَمُوا عَنْ الْبِرَازِ، فَكَبّرَ الْمُسْلِمُونَ ثُمّ تَحَامَلُوا عَلَى الْحِصْنِ فَدَخَلُوهُ، يَقْدُمُهُمْ أَبُو دُجَانَةَ، فَوَجَدُوا فِيهِ أَثَاثًا وَمَتَاعًا وَغَنَمًا وَطَعَامًا، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَتَقَحّمُوا الْجُدُرَ كَأَنّهُمْ الظّبَاءُ [ (١) ] حَتّى صَارُوا إلَى حِصْنِ النّزَارِ [ (٢) ] بِالشّقّ، وَجَعَلَ يَأْتِي مَنْ بَقِيَ مِنْ قُلَلِ [ (٣) ] النّطَاةِ إلَى حِصْنِ النّزَارِ فَعَلّقُوهُ وَامْتَنَعُوا فِيهِ أَشَدّ الِامْتِنَاعِ. وَزَحَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ فَقَاتَلُوهُمْ، فَكَانُوا أَشَدّ أَهْلِ الشّقّ قِتَالًا، رَمَوْا الْمُسْلِمِينَ بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ، حَتّى أَصَابَتْ النّبْلُ ثِيَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلِقَتْ بِهِ، فَأَخَذَ النّبْلَ فَجَمَعَهَا ثُمّ أَخَذَ لَهُمْ كَفّا من حصا فَحَصَبَ بِهِ حِصْنَهُمْ، فَرَجَفَ بِهِمْ ثُمّ سَاخَ فِي الْأَرْضِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ: اسْتَوَى بِالْأَرْضِ حَتّى جَاءَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذُوا أَهْلَهُ أَخْذًا [ (٤) ] . وَكَانَتْ فِيهِ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ وَابْنَةُ عَمّهَا. فَكَانَ عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللّحْمِ يَقُولُ: شَهِدْت صفيّة أخرجت وابنة عمّها وصبيّات من
وَكَانَتْ فِيهِ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ وَابْنَةُ عَمّهَا. فَكَانَ عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللّحْمِ يَقُولُ: شَهِدْت صفيّة أخرجت وابنة عمّها وصبيّات من
حِصْنِ النّزَارِ، فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِصْنَ النّزَارِ بَقِيَتْ حُصُونٌ فِي الشّقّ، فَهَرَبَ أَهْلُهَا مِنْهَا حَتّى انْتَهَوْا إلَى أَهْلِ الْكَتِيبَةِ وَالْوَطِيحِ وَسُلَالِم. وَكَانَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يَقُولُ: وَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى حِصْنِ النّزَارِ فَقَالَ: هَذَا آخِرُ حُصُونِ خَيْبَرَ كَانَ فِيهِ قِتَالٌ، لَمّا فَتَحْنَا هَذَا الْحِصْنَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ قِتَالٌ حَتّى خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ، قُلْت لِجَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ: كَيْفَ صَارَتْ صَفِيّةُ فِي حِصْنِ النّزَارِ فِي الشّقّ وَحِصْنِ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِسُلَالِمَ، وَلَمْ يَسُبّ فِي حُصُونِ النّطَاةِ مِنْ النّسَاءِ وَالذّرّيّةِ أَحَدٌ وَلَا بِالشّقّ، إلّا فِي حِصْنِ النّزَارِ، فَإِنّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ ذُرّيّةٌ وَنِسَاءٌ؟ فَقَالَ:
ُصُونِ النّطَاةِ مِنْ النّسَاءِ وَالذّرّيّةِ أَحَدٌ وَلَا بِالشّقّ، إلّا فِي حِصْنِ النّزَارِ، فَإِنّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ ذُرّيّةٌ وَنِسَاءٌ؟ فَقَالَ: إنّ يَهُودَ خَيْبَرَ أَخَرَجُوا النّسَاءَ وَالذّرّيّةَ إلَى الْكَتِيبَةِ وَفَرّغُوا حِصْنَ النّطَاةِ لِلْمُقَاتِلَةِ فَلَمْ يُسْبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلّا مَنْ كَانَ فِي حِصْنِ النّزَارِ، صَفِيّةُ وَابْنَةُ عَمّهَا وَنُسَيّاتٌ مَعَهَا. وَكَانَ كِنَانَةُ قَدْ رَأَى أَنّ حِصْنَ النّزَارِ أَحْصَنُ مَا هُنَالِكَ، فَأَخْرَجَهَا فِي اللّيْلَةِ الّتِي تَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَبِيحَتِهَا إلَى الشّقّ حَتّى أُسِرَتْ وَبِنْتُ عَمّهَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ ذَرَارِيّ الْيَهُودِ، وَبِالْكَتِيبَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَمِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفَيْنِ، فَلَمّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْكَتِيبَةِ أَمِنَ الرّجَالَ وَالذّرّيّةَ، وَدَفَعُوا إلَيْهِ الْأَمْوَالَ، وَالْبَيْضَاءَ وَالصّفْرَاءَ، وَالْحَلْقَةَ، وَالثّيَابَ، إلّا ثَوْبًا [ (١) ] عَلَى إنْسَانٍ. فَلَقَدْ كَانَ مِنْ الْيَهُودِ حِينَ أَمّنَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْبِلُونَ وَيُدْبِرُونَ، وَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، لَقَدْ أَنْفَقُوا عَامّةَ الْمَغْنَمِ مِمّا يشترون من الثياب من
نَ أَمّنَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْبِلُونَ وَيُدْبِرُونَ، وَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، لَقَدْ أَنْفَقُوا عَامّةَ الْمَغْنَمِ مِمّا يشترون من الثياب من
الثّيَابِ وَالْمَتَاعِ، وَكَانُوا قَدْ غَيّبُوا نَقُودَهُمْ وَعَيْنَ مَالِهِمْ. قَالُوا: ثُمّ تَحَوّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْكَتِيبَةِ وَالْوَطِيحِ وَسُلَالِم، حصن ابن أَبِي الْحُقَيْقِ الّذِي كَانُوا فِيهِ، فَتَحَصّنُوا أَشَدّ التّحَصّنِ، وَجَاءَهُمْ كُلّ فَلّ [ (١) ] كَانَ قَدْ انْهَزَمَ مِنْ النّطَاةِ وَالشّقّ، فَتَحَصّنُوا مَعَهُمْ فِي الْقَمُوص وَهُوَ فِي الْكَتِيبَةِ، وَكَانَ حِصْنًا مَنِيعًا، وَفِي الوطيح وسلالم. وجعلوا لا يطلعون مِنْ حُصُونِهِمْ مُغَلّقِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى هَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَيْهِمْ لَمّا رَأَى مِنْ تَغْلِيقِهِمْ، وَأَنّهُ لَا يَبْرُزُ مِنْهُمْ بَارِزٌ. فَلَمّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ وَقَدْ حَصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الصّلْحَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ، قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ: وُجِدَ فِي الْكَتِيبَةِ خَمْسُمِائَةِ قَوْسٍ عَرَبِيّةٌ. وَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَمّنْ رَأَى كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ يَرْمِي بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ- يَعْنِي ذِرَاعً- فَيُدْخِلُهَا فِي هَدَفٍ شِبْرًا فِي شِبْرٍ، فَمَا هُوَ إلّا أَنْ قِيلَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ الشّقّ فِي أَصْحَابِهِ، وَقَدْ تَهَيّأَ أَهْلُ الْقَمُوص وَقَامُوا عَلَى بَابِ الْحِصْنِ بِالنّبْلِ، فَنَهَضَ كِنَانَةُ إلَى قَوْسِهِ فَمَا قَدَرَ أَنْ يُوتِرَهَا مِنْ الرّعْدَةِ، وَأَوْمَأَ إلَى أَهْلِ الْحُصُونِ: لَا تَرْمُوا! وَانْقَمَعَ فِي حِصْنِهِ، فَمَا رُئِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتّى أَجْهَدَهُمْ الْحِصَارُ وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ.
حُصُونِ: لَا تَرْمُوا! وَانْقَمَعَ فِي حِصْنِهِ، فَمَا رُئِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتّى أَجْهَدَهُمْ الْحِصَارُ وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ. فَأَرْسَلَ كِنَانَةَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ شَمّاخٌ إلَى النّبِيّ ﷺ يَقُولُ: أَنْزِلْ إلَيْك أُكَلّمْك! فَلَمّا نَزَلَ شَمّاخٌ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأُتِيَ بِهِ النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِرِسَالَةِ كِنَانَةَ. فَأَنْعَمَ لَهُ، فَنَزَلَ كِنَانَةُ فِي نَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ، فَصَالَحَهُ عَلَى مَا صَالَحَهُ، فَأَحْلَفَهُ عَلَى مَا أَحْلَفَهُ عَلَيْهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ: تِلْكَ الْقِسِيّ وَالسّلَاحُ إنّمَا كَانَ لِآلِ أَبِي الْحُقَيْقِ جَمَاعَةٌ يُعِيرُونَهُ العرب، والحلي يعيرونه
الْعَرَبَ. ثُمّ يَقُولُ: كَانُوا شَرّ يَهُودِ يَثْرِبَ. قَالُوا: وَأَرْسَلَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنْزِلْ فَأُكَلّمَك؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَزَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَصَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَتَرَكَ الذّرّيّةَ لَهُمْ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيّهِمْ، وَيُخَلّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ أَرْضٍ، وَعَلَى الصّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْكُرَاعِ وَالْحَلْقَةِ، وَعَلَى الْبَزّ، إلّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا. فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْأَمْوَالِ فَقَبَضَهَا، الْأَوّلُ فَالْأَوّلُ، وَبَعَثَ إلَى الْمَتَاعِ وَالْحَلْقَةِ فَقَبَضَهَا، فَوَجَدَ مِنْ الدّرُوعِ مِائَةَ دِرْعٍ، وَمِنْ السّيُوفِ أَرْبَعَمِائَةِ سَيْفٍ، وَأَلْفَ رُمْحٍ، وَخَمْسَمِائَةِ قَوْسٍ عَرَبِيّةٍ بِجِعَابِهَا. فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ عَنْ كَنْزِ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُلِيّ مِنْ حُلِيّهِمْ، كَانَ يَكُونُ فِي مَسْكِ [ (١) ] الْجَمَلِ، كَانَ أَسْرَاهُمْ [ (٢) ] يُعْرَفُ بِهِ، وَكَانَ الْعُرْسُ يَكُونُ بِمَكّةَ فَيَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَعَارُ ذَلِكَ الْحُلِيّ الشّهْرَ فَيَكُونُ فِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْحُلِيّ يَكُونُ عِنْدَ الْأَكَابِرِ فَالْأَكَابِرِ مِنْ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَنْفَقْنَاهُ فِي حَرْبِنَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكُنّا نَرْفَعُهُ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، فَلَمْ تُبْقِ الْحَرْبُ وَاسْتِنْصَارُ الرّجَالِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَحَلَفَا عَلَى ذَلِكَ فَوَكّدَا الْأَيْمَانَ وَاجْتَهَدَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لهما [ (٣) ] :



