مغازي الواقدي

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الواقدي (w. 207 H).

Bagian 8 dari 39 1166 halaman

— Bagian 8 · ا فِي جَمَاعَةٍ يَدْفِنُونَهَا، فَأَقْبَلُوا إلَ… —

Bagian 8

ا فِي جَمَاعَةٍ يَدْفِنُونَهَا، فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ حِينَ رَأَوْهُ مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَيْرُ، أَنْتَ قَتَلْتهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ مَا قَالَتْ لَضَرَبْتُكُمْ بِسَيْفِي هَذَا حَتّى أَمُوتَ أَوْ أَقْتُلَكُمْ. فيومئذ ظهر الإسلام

فِي بَنِي خَطْمَةَ، وَكَانَ مِنْهُمْ رِجَالٌ يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ قَوْمِهِمْ، فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُ عُمَيْرَ بْنَ عَدِيّ، أَنْشَدَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ: بَنِي وَائِلٍ وَبَنِي وَاقِف ... وخطمة دون بنى الخزرج مَتَى مَا دَعَتْ أُخْتُكُمْ وَيْحَهَا ... بِعَوْلَتِهَا وَالْمَنَايَا تَجِي فَهَزّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ ... كَرِيمَ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ فَضَرّجَهَا [ (١) ] مِنْ نَجِيعِ الدّمَاءِ [ (٢) ] ... قُبَيْلَ الصّبَاحِ وَلَمْ يَحْرَجِ فَأَوْرَدَك اللهُ بَرْدَ الْجِنَا ... نِ جَذْلَانَ فِي نِعْمَةِ الْمَوْلِجِ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ قَتْلُ عَصْمَاءَ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، مَرْجِعَ النّبِيّ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. سَرِيّةُ قَتْلِ أَبِي عَفَكٍ حَدّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيّةَ [ (٣) ] ، وَحَدّثَنَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَا: إنّ شَيْخًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَفَكٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ بَلَغَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ حِينَ [ (٤) ] قَدِمَ النّبِيّ ﷺ الْمَدِينَةَ، كَانَ يُحَرّضُ عَلَى عَدَاوَةِ النّبِيّ ﷺ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ. فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَدْرٍ رَجَعَ وَقَدْ ظفّره الله بما ظفّره،

ُحَرّضُ عَلَى عَدَاوَةِ النّبِيّ ﷺ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ. فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَدْرٍ رَجَعَ وَقَدْ ظفّره الله بما ظفّره،

فَحَسَدَهُ وَبَغَى فَقَالَ: قَدْ عِشْت حِينًا وَمَا إنْ أَرَى ... مِنْ النّاسِ دَارًا وَلَا مَجْمَعَا أَجَمّ [ (١) ] عُقُولًا وَآتَى إلَى ... مُنِيبٍ [ (٢) ] سِرَاعًا إذَا مَا دَعَا فَسَلّبَهُمْ أَمْرَهُمْ رَاكِبٌ ... حَرَامًا حَلَالًا لِشَتّى مَعَا فَلَوْ كَانَ بِالْمُلْكِ صَدّقْتُمُ ... وَبِالنّصْرِ تَابَعْتُمُ تُبّعَا فَقَالَ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْبَكّائِينَ مِنْ بَنِي النّجّارِ: عَلَيّ نَذْرٌ أَنْ أَقْتُلَ أَبَا عَفَكٍ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ. فَأَمْهَلَ فَطَلَبَ لَهُ غِرّةً، حَتّى كَانَتْ لَيْلَةٌ صَائِفَةٌ، فَنَامَ أَبُو عَفَكٍ بِالْفِنَاءِ فِي الصّيْفِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَوَضَعَ السّيْفَ عَلَى كَبِدِهِ حَتّى خَشّ فِي الْفِرَاشِ، وَصَاحَ عَدُوّ اللهِ فَثَابَ إلَيْهِ أُنَاسٌ مِمّنْ هُمْ عَلَى قَوْلِهِ، فَأَدْخَلُوهُ مَنْزِلَهُ وَقَبَرُوهُ. وَقَالُوا: مَنْ قَتَلَهُ؟ وَاَللهِ لَوْ نَعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ لَقَتَلْنَاهُ بِهِ! فَقَالَتْ النّهْدِيّةُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً، هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: تُكَذّبُ [ (٣) ] دِينَ اللهِ وَالْمَرْءَ أَحْمَدَا ... لَعَمْرُ الّذِي أَمْنَاكَ [ (٤) ] إذْ بِئْسَ مَا يُمْنَى حَبَاك حَنِيفٌ آخِرَ اللّيل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السّنّ فإنى وإن أعلم بقاتلك الّذي أ ... باتك حِلْسَ اللّيْلِ مِنْ إنْسٍ اوْ جِنّي فَحَدّثَنِي مَعْنُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ رُقَيْشٍ قَالَ: قُتِلَ أَبُو عَفَكٍ فِي شَوّالٍ عَلَى رأس عشرين شهرا.

ِ مِنْ إنْسٍ اوْ جِنّي فَحَدّثَنِي مَعْنُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ رُقَيْشٍ قَالَ: قُتِلَ أَبُو عَفَكٍ فِي شَوّالٍ عَلَى رأس عشرين شهرا.

غَزْوَةُ قَيْنُقَاعَ غَزْوَةُ قَيْنُقَاعَ يَوْمَ السّبْتِ لِلنّصْفِ مِنْ شَوّالٍ، عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا، حَاصَرَهُمْ النّبِيّ ﷺ إلَى هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ. حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عن الحارث بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ ابْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَادَعَتْهُ يَهُودُ كُلّهَا، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كِتَابًا. وَأَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلّ قَوْمٍ بِحُلَفَائِهِمْ، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانًا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا، فَكَانَ فِيمَا شَرَطَ أَلّا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوّا. فَلَمّا أَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَ بَدْرٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، بَغَتْ يَهُودُ وَقَطَعَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَهْدِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ، ثُمّ قال: يا معشر يهود، أسلموا، فو الله إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللهِ، قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللهُ بِكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ. فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، لَا يَغُرّنّكَ مَنْ لَقِيت، إنّك قَهَرْت قَوْمًا أَغْمَارًا [ (١) ] . وَإِنّا وَاَللهِ أَصْحَابُ الْحَرْبِ، وَلَئِنْ قَاتَلْتنَا لَتَعْلَمَنّ أَنّك لَمْ تُقَاتِلْ مِثْلَنَا. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ وَنَبْذِ الْعَهْدِ، جَاءَتْ امْرَأَةٌ نَزِيعَةٌ [ (٢) ] مِنْ الْعَرَبِ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَتْ عِنْدَ صَائِغٍ فِي حُلِيّ لَهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ مِنْ وَرَائِهَا وَلَا تَشْعُرُ، فَخَلّ [ (٣) ] دِرْعَهَا إلَى ظَهْرِهَا بِشَوْكَةٍ، فَلَمّا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بَدَتْ عورتها فضحكوا منها. فقام إليه

رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاتّبَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَاجْتَمَعَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَتَحَايَشُوا فَقَتَلُوا الرّجُلَ، وَنَبَذُوا الْعَهْدَ إلَى النّبِيّ ﷺ وَحَارَبُوا، وَتَحَصّنُوا فِي حِصْنِهِمْ، فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَاصَرَهُمْ، فَكَانُوا أَوّلَ مَنْ سَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وأجلى يهود قينقاع، وكانوا أوّل بهود حَارَبَتْ. فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [ (١) ] ، فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالُوا: فَحَصَرَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَشَدّ الْحِصَارِ حَتّى قَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ. قَالُوا: أَفَنَنْزِلُ وَنَنْطَلِقُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا، إلّا عَلَى حُكْمِي! فَنَزَلُوا عَلَى حكم رسول الله ﷺ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَرُبِطُوا. قَالَ: فَكَانُوا يُكَتّفُونَ كِتَافًا. قالوا: واستعمل رسول الله ﷺ عَلَى كِتَافِهِمْ الْمُنْذِرَ بْنَ قُدَامَةَ السّالِمِيّ [ (٢) ] . قَالَ: فَمَرّ بِهِمْ ابْنُ أُبَيّ وَقَالَ: حُلّوهُمْ! فَقَالَ الْمُنْذِرُ: أَتَحُلّونَ قَوْمًا رَبَطَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ وَاَللهِ لَا يَحُلّهُمْ رَجُلٌ إلّا ضَرَبْت عُنُقَهُ. فَوَثَبَ ابْنُ أُبَيّ إلَى النّبِيّ ﷺ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَنْبِ دِرْعِ النّبِيّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيّ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النّبِيّ ﷺ غَضْبَانَ، مُتَغَيّرَ الْوَجْهِ، فَقَالَ: وَيْلَك، أَرْسِلْنِي! فَقَالَ: لَا أُرْسِلُك حَتّى تُحْسِنَ فى موالىّ، أربع مائة دارع وثلاثمائة حَاسِرٍ، مَنَعُونِي يَوْمَ الْحَدَائِقِ وَيَوْمَ بُعَاثٍ مِنْ الأحمر والأسود، تريد أن تحصدهم

ِلُك حَتّى تُحْسِنَ فى موالىّ، أربع مائة دارع وثلاثمائة حَاسِرٍ، مَنَعُونِي يَوْمَ الْحَدَائِقِ وَيَوْمَ بُعَاثٍ مِنْ الأحمر والأسود، تريد أن تحصدهم

فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ يَا مُحَمّدُ، إنّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدّوَائِرَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَلّوهُمْ، لَعَنَهُمْ اللهُ، وَلَعَنَهُ مَعَهُمْ! فَلَمّا تَكَلّمَ ابْنُ أُبَيّ فِيهِمْ تَرَكَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْقَتْلِ، وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُجْلَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ ابْنُ أُبَيّ بِحُلَفَائِهِ مَعَهُ، وَقَدْ أَخَذُوا بِالْخُرُوجِ، يُرِيدُ أَنْ يُكَلّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُقِرّهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، فَيَجِدُ عَلَى بَابِ النّبِيّ ﷺ عُوَيْمَ بْنَ سَاعِدَةَ، فَذَهَبَ لِيَدْخُلَ فَرَدّهُ عُوَيْمٌ وَقَالَ: لَا تَدْخُلْ حَتّى يُؤْذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَك. فَدَفَعَهُ ابْنُ أُبَيّ، فَغَلُظَ عَلَيْهِ عُوَيْمٌ حَتّى جَحَشَ وَجْهَ ابْنِ أُبَيّ الْجِدَارُ فَسَالَ الدّمُ، فَتَصَايَحَ حَلْفَاؤُهُ مِنْ يَهُودَ، فَقَالُوا: أَبَا الْحُبَابِ، لَا نُقِيمُ أَبَدًا بِدَارٍ أَصَابَ وَجْهَك فِيهَا هَذَا، لَا نقدر أن نغيّر. فَجَعَلَ ابْنُ أُبَيّ يَصِيحُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: وَيْحَكُمْ، قِرّوا! فَجَعَلُوا يَتَصَايَحُونَ: لَا نُقِيمُ أَبَدًا بِدَارٍ أَصَابَ وَجْهَك [فِيهَا] هَذَا، لَا نَسْتَطِيعُ لَهُ غَيْرًا! وَلَقَدْ كَانُوا أَشْجَعَ يَهُودَ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ أُبَيّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَحَصّنُوا، وَزَعَمَ أَنّهُ سَيَدْخُلُ مَعَهُمْ، فَخَذَلَهُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ، وَلَزِمُوا حِصْنَهُمْ فَمَا رَمَوْا بِسَهْمٍ وَلَا قَاتَلُوا حَتّى نَزَلُوا عَلَى صُلْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَحُكْمِهِ، وَأَمْوَالُهُمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا نَزَلُوا وَفَتَحُوا حِصْنَهُمْ، كَانَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الّذِي أَجْلَاهُمْ وَقَبَضَ أَمْوَالَهُمْ.

مْوَالُهُمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا نَزَلُوا وَفَتَحُوا حِصْنَهُمْ، كَانَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الّذِي أَجْلَاهُمْ وَقَبَضَ أَمْوَالَهُمْ. وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سِلَاحِهِمْ ثَلَاثَ قِسِيّ، قَوْسٌ تُدْعَى الْكَتُومَ كُسِرَتْ بِأُحُدٍ، وَقَوْسٌ تُدْعَى الرّوْحَاءَ، وَقَوْسٌ تُدْعَى الْبَيْضَاءَ، وَأَخَذَ دِرْعَيْنِ مِنْ سِلَاحِهِمْ، دِرْعًا يُقَالُ لَهَا الصّغْدِيّةُ وَأُخْرَى فِضّةُ، وَثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ، سَيْفٌ قلعىّ [ (١) ] ، وسيف يقال له بتّار [ (٢) ] ،

وَسَيْفٌ آخَرُ، وَثَلَاثَةَ أَرْمَاحٍ. قَالَ: وَوَجَدُوا فِي حُصُونِهِمْ سِلَاحًا كَثِيرًا وَآلَةً لِلصّيَاغَةِ، وَكَانُوا صَاغَةً. قَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَوَهَبَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْعًا مِنْ دُرُوعِهِمْ، وَأَعْطَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ دِرْعًا لَهُ مَذْكُورَةً، يُقَالُ لَهَا السّحْلُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَرَضُونَ وَلَا قِرَابٌ-[يَعْنِي مَزَارِعَ] [ (١) ] . وَخَمّسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَصَابَ مِنْهُمْ، وَقَسّمَ مَا بَقِيَ عَلَى أَصْحَابِهِ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ أَنْ يُجْلِيَهُمْ، فَجَعَلَتْ قَيْنُقَاعُ تَقُولُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، مِنْ بَيْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ- وَنَحْنُ مَوَالِيك- فَعَلْت هَذَا بِنَا؟ قَالَ لَهُمْ عُبَادَةُ: لَمّا حَارَبْتُمْ جِئْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِنْهُمْ وَمِنْ حِلْفِهِمْ. وَكَانَ ابْنُ أُبَيّ وَعُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحِلْفِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ: تَبَرّأْت مِنْ حِلْفِ مَوَالِيك؟ مَا هَذِهِ بِيَدِهِمْ عِنْدَك [ (٢) ] ! فَذَكّرَهُ مَوَاطِنَ قَدْ أَبْلَوْا فِيهَا، فَقَالَ عُبَادَةُ: أَبَا الْحُبَابِ، تَغَيّرَتْ الْقُلُوبُ وَمَحَا الْإِسْلَامُ الْعُهُودَ، أَمَا وَاَللهِ إنّك لَمُعْصِمٌ بِأَمْرٍ سَتَرَى غِبّهُ غَدًا! فَقَالَتْ قَيْنُقَاعُ: يَا مُحَمّدُ، إنّ لَنَا دَيْنًا فِي النّاسِ. قَالَ النّبِيّ ﷺ: تَعَجّلُوا وَضَعُوا!

لَمُعْصِمٌ بِأَمْرٍ سَتَرَى غِبّهُ غَدًا! فَقَالَتْ قَيْنُقَاعُ: يَا مُحَمّدُ، إنّ لَنَا دَيْنًا فِي النّاسِ. قَالَ النّبِيّ ﷺ: تَعَجّلُوا وَضَعُوا! وَأَخَذَهُمْ عُبَادَةُ بِالرّحِيلِ وَالْإِجْلَاءِ، وَطَلَبُوا التّنَفّسَ فَقَالَ لَهُمْ: وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَكُمْ ثَلَاثٌ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَيْهَا! هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوْ كُنْت أَنَا مَا نَفّسْتُكُمْ. فَلَمّا مَضَتْ ثَلَاثٌ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ حَتّى سَلَكُوا إلَى الشّامِ، وَهُوَ يَقُولُ: الشّرَفَ الْأَبْعَدَ، الْأَقْصَى، فَأَقْصَى! وَبَلَغَ خَلْفَ ذُبَابٍ، ثم

رَجَعَ وَلَحِقُوا بِأَذْرِعَاتٍ [ (١) ] . وَقَدْ سَمِعْنَا فِي إجْلَائِهِمْ حَيْثُ نَقَضُوا الْعَهْدَ غَيْرَ حَدِيثِ ابْنِ كَعْبٍ. فَحَدّثَنِي مُحَمّدٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: أن رسول الله ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ حَسَدُوا فَأَظْهَرُوا الْغِشّ، فنزل عليه جبرئيل ﵇ بِهَذِهِ الْآيَةِ: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [ (٢) ] . قَالَ: فَلَمّا فَرَغَ جِبْرِيلُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَنَا أَخَافُهُمْ. فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَلِرَسُولِ اللهِ أَمْوَالُهُمْ، وَلَهُمْ الذّرّيّةُ وَالنّسَاءُ. فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إنّي لَبِالفَلْجَتَيْنِ [ (٣) ] مُقْبِلٌ مِنْ الشّامِ، إذْ لَقِيت بَنِي قَيْنُقَاعَ يَحْمِلُونَ الذّرّيّةَ وَالنّسَاءَ، قَدْ حَمَلُوهُمْ عَلَى الْإِبِلِ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَسَأَلْتهمْ فَقَالُوا: أَجْلَانَا مُحَمّدٌ وَأَخَذَ أَمْوَالَنَا. قُلْت: فَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الشّامَ. قَالَ سَبْرَةُ: فَلَمّا نَزَلُوا بِوَادِي الْقُرَى أَقَامُوا شَهْرًا، وَحَمَلْت يَهُودُ وَادِي الْقُرَى مَنْ كَانَ رَاجِلًا مِنْهُمْ، وَقَوّوْهُمْ، وَسَارُوا إلَى أَذْرِعَاتٍ فَكَانُوا بِهَا، فَمَا كَانَ أَقَلّ بَقَاءَهُمْ. حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ المنذر على المدينة ثلاث مرّات: بدر القتال، وبنى قينقاع، وغزوة السّويق.

ر بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ المنذر على المدينة ثلاث مرّات: بدر القتال، وبنى قينقاع، وغزوة السّويق.

غَزْوَةُ السّوِيق غَزْوَةُ السّوِيقِ فِي ذِي الْحِجّةِ، عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجّةِ، فَغَابَ خَمْسَةَ أَيّامٍ. حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ الزّهْرِيّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَا: لَمّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ إلَى مَكّةَ مِنْ بَدْرٍ حَرّمَ أَبُو سُفْيَانَ الدّهْنَ حَتّى يَثْأَرَ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ بِمَنْ أُصِيبَ مِنْ قَوْمِهِ فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ- فِي حَدِيثِ الزّهْرِيّ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ كَعْبٍ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا- حَتّى سَلَكُوا النّجْدِيّةَ. فَجَاءُوا بَنِي النّضير لَيْلًا، فَطَرَقُوا حُيَيّ بْنَ أَخْطَبَ لِيَسْتَخْبِرُوهُ مِنْ أَخْبَارِ النّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ، وَطَرَقُوا سَلّامَ بْنَ مِشْكَمٍ فَفَتَحَ لَهُمْ فَقَرَاهُمْ، وَسَقَى أَبَا سُفْيَانَ خَمْرًا، وَأَخْبَرَهُ مِنْ أَخْبَارِ النّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَلَمّا كَانَ بِالسّحَرِ خَرَجَ فَمَرّ بِالْعُرَيْضِ [ (١) ] ، فَيَجِدُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَ أَجِيرٍ لَهُ فِي حَرْثِهِ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَجِيرَهُ، وَحَرّقَ بَيْتَيْنِ بِالْعُرَيْضِ وَحَرّقَ حَرْثًا لَهُمْ، وَرَأَى أَنّ يَمِينَهُ قَدْ حُلّتْ، ثُمّ ذَهَبَ هَارِبًا، وَخَافَ الطّلَبَ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَدَبَ أَصْحَابَهُ فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهِ، وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ يَتَخَفّفُونَ فَيُلْقُونَ جُرُبَ السّوِيقِ [ (٢) ]- وَهِيَ عَامّةُ زَادِهِمْ- فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَمُرّونَ

جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ يَتَخَفّفُونَ فَيُلْقُونَ جُرُبَ السّوِيقِ [ (٢) ]- وَهِيَ عَامّةُ زَادِهِمْ- فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَمُرّونَ

بِهَا فَيَأْخُذُونَهَا، فَسُمّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ السّوِيقِ لِهَذَا الشّأْنِ، حَتّى انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ. فَقَالَ [أَبُو سُفْيَانَ] ، [ (١) ] فِي حَدِيثِ الزّهْرِيّ، هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: سَقَانِي فَرَوّانِي كُمَيْتًا مُدَامَةً [ (٢) ] ... عَلَى ظَمَأٍ مِنّي سَلَامُ بْنُ مِشْكَمِ وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو يَجُودُ وَدَارُهُ ... بِيَثْرِبَ مَأْوَى كُلّ أَبْيَضَ خِضْرِمِ [ (٣) ] كَانَ الزّهْرِيّ يُكَنّيهِ أَبَا عَمْرٍو، وَالنّاسُ يُكَنّونَهُ أَبَا الْحَكَمِ. واستخلف رسول الله ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ. فَحَدّثَنِي مُحَمّدٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: كَانَتْ فِي ذِي الْحِجّةِ، عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. غزوة قرارة الكدر [ (٤) ] إلى بنى سليم وَغَطَفَانَ لِلنّصْفِ مِنْ الْمُحَرّمِ، عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، غَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رسول الله ﷺ من الْمَدِينَةِ إلَى قَرَارَةَ الْكُدْرِ، وَكَانَ الّذِي هَاجَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنّ بِهَا جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ وَسُلَيْمٍ. فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الطّرِيقَ حَتّى جَاءَ فَرَأَى آثَارَ النّعَمِ وَمَوَارِدَهَا، وَلَمْ يَجِدْ فِي الْمَجَالِ أَحَدًا، فَأَرْسَلَ فِي أَعْلَى الْوَادِي نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَقْبَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَطْنِ الْوَادِي،

فَوَجَدَ رِعَاءً فِيهِمْ غُلَامٌ يُقَال لَهُ يَسَارٌ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ النّاسِ فَقَالَ يَسَارٌ: لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، إنّمَا أُورَدُ [ (١) ] لِخَمْسٍ وَهَذَا يَوْمٌ رِبْعِيّ، وَالنّاسُ قَدْ ارْتَبَعُوا إلَى الْمِيَاهِ، وَإِنّمَا نَحْنُ عُزّابٌ [ (٢) ] فِي النّعَمِ. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ ظَفِرَ بِنَعَمٍ، فَانْحَدَرَ إلَى الْمَدِينَةِ حَتّى إذَا صَلّى الصّبْحَ فَإِذَا هُوَ بِيَسَارٍ فَرَآهُ يُصَلّي. فَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ يُقَسّمُوا غَنَائِمَهُمْ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَقْوَى لَنَا أَنْ نَسُوقَ النّعَمَ جَمِيعًا، فَإِنّ فِينَا مَنْ يَضْعُفُ عَنْ حَظّهِ الّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اقْتَسِمُوا! فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ كَانَ أَنْمَا بِك [ (٣) ] الْعَبْدُ الّذِي رَأَيْته يُصَلّي، فَنَحْنُ نُعْطِيكَهُ فِي سَهْمِك. فَقَالَ رسول الله ﷺ: قد طِبْتُمْ بِهِ نَفْسًا؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْتَقَهُ، وَارْتَحَلَ النّاسُ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَاقْتَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ فَأَصَابَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَكَانَ الْقَوْمُ مِائَتَيْنِ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الصّمَدِ بْنُ مُحَمّدٍ السّعْدِيّ، عَنْ. حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَمّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي أَرْوَى الدّوْسِيّ، قَالَ: كُنْت فِي السّرِيّةِ، وَكُنْت مِمّنْ يَسُوقُ النّعَمَ، فَلَمّا كُنّا بِصِرَار- عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ- خَمّسَ النّعَمَ، وَكَانَ النّعَمُ خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ وَقَسّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَصَابَهُمْ بَعِيرَانِ بَعِيرَانِ. حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُوحٍ، عَنْ أبى عفير، قال: استخلف رسول الله

ْبَعَةَ أَخْمَاسٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَصَابَهُمْ بَعِيرَانِ بَعِيرَانِ. حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُوحٍ، عَنْ أبى عفير، قال: استخلف رسول الله

صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أُمّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ يُجَمّعُ بِهِمْ وَيَخْطُبُ إلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ، يَجْعَلُ الْمِنْبَرَ عَنْ يَسَارِهِ [ (١) ] قَتْلُ ابْنِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ. حَدّثَنِي عَبْدُ الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، وَمَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي بِطَائِفَةٍ، فَكَانَ الّذِي اجْتَمَعُوا لَنَا عَلَيْهِ قَالُوا: إنّ ابْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ شَاعِرًا وَكَانَ يَهْجُو النّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَيُحَرّضُ عَلَيْهِمْ كُفّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ- مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ الّذِينَ تَجْمَعُهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ، فِيهِمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَمِنْهُمْ حُلَفَاءُ لِلْحَيّيْنِ جَمِيعًا الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتِصْلَاحَهُمْ كُلّهُمْ وَمُوَادَعَتَهُمْ، وَكَانَ الرّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا وَأَبُوهُ مُشْرِكًا [ (٢) ] . فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَمَرَ اللهُ ﷿ نَبِيّهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصّبْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ

اللهُ ﷿ نَبِيّهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصّبْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ

مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ (١) ] . وَفِيهِمْ أَنَزَلَ اللهُ ﷿: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... [ (٢) ] الْآيَةَ. فَلَمّا أَبَى ابْنُ الْأَشْرَفِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْ أَذَى النّبِيّ ﷺ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْهُمْ، فَلَمّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِالْبِشَارَةِ مِنْ بَدْرٍ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، فَرَأَى الْأَسْرَى مُقَرّنِينَ [ (٣) ] ، كُبّتْ وَذَلّ، ثُمّ قَالَ لِقَوْمِهِ: وَيْلَكُمْ، وَاَللهِ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا الْيَوْمَ! هَؤُلَاءِ سَرَاةُ النّاسِ قَدْ قُتِلُوا وَأُسِرُوا، فَمَا عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: عَدَاوَتُهُ مَا حَيِينَا. قَالَ: وَمَا أَنْتُمْ وَقَدْ وَطِئَ قَوْمَهُ وَأَصَابَهُمْ؟ وَلَكِنّي أَخْرُجُ إلَى قُرَيْشٍ فَأَحُضّهُمْ وَأَبْكِي قَتْلَاهُمْ، فَلَعَلّهُمْ يَنْتَدِبُونَ فَأَخْرُجَ مَعَهُمْ. فَخَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكّةَ وَوَضَعَ رَحْلَهُ عِنْدَ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ السّهْمِيّ، وَتَحْتَهُ عَاتِكَةُ بنت أسيد ابن أبى العيص، فجعل يرثى قريشا ويقول: طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ ... وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ [ (٤) ] قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِ ... لَا تَبْعَدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أذل بسخطهم [ (٥) ] ... إن ابن أشرف ظل كعبا يَجْزَعُ صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتّلُوا ... ظَلّتْ تَسِيخُ بِأَهْلِهَا [ (٦) ] وَتُصَدّعُ كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهَا مِنَ ابْيَضَ مَاجِدٍ ... ذِي بَهْجَةٍ يَأْوِي إلَيْهِ الضّيّع [ (٧) ]

طَلْقِ الْيَدَيْنِ إذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ [ (١) ] ... حَمّالِ أَثْقَالٍ يَسُودُ وَيَرْبَعُ [ (٢) ] نُبّئْت أَنّ بَنِي الْمُغِيرَةِ كُلّهُمْ ... خَشَعُوا لِقَتْلِ أَبِي الْحَكِيمِ وَجُدّعُوا [ (٣) ] وَابْنَا رَبِيعَةَ عِنْدَهُ وَمُنَبّهٌ ... هَلْ نَالَ مِثْلَ الْمُهْلَكِينَ التّبّعُ فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يَقُولُ: أَبَكَى لِكَعْبٍ [ (٤) ] ثُمّ عُلّ بِعَبْرَةٍ ... مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدّعًا لَا يَسْمَعُ وَلَقَدْ رَأَيْت بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمُ ... قَتْلَى تَسُحّ لَهَا الْعُيُونُ وَتَدْمَعُ فَابْكِي فَقَدْ أَبْكَيْتِ عَبْدًا رَاضِعًا ... شِبْهَ الْكُلَيْبِ لِلْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ وَلَقَدْ شَفَى الرّحْمَنُ مِنْهُمْ سَيّدًا ... وَأَحَانَ [ (٥) ] قَوْمًا قَاتَلُوهُ وَصُرّعُوا وَنَجَا وَأَفْلَتْ مِنْهُمْ مَنْ قَلْبُهُ ... شَغَفٌ [ (٦) ] يَظَلّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدّعُ وَنَجَا وَأَفْلَتْ مِنْهُمْ مُتَسَرّعًا ... فَلّ فَلِيلٌ هَارِبٌ يَتَهَزّعُ وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حسّبان، فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ كَعْبٍ عَلَى مَنْ نَزَلَ، فَقَالَ حَسّانُ: أَلَا أَبْلِغُوا [ (٧) ] عَنّي أَسِيدًا رِسَالَةً ... فَخَالُك عبد بالسّراب مجرّب.

فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ كَعْبٍ عَلَى مَنْ نَزَلَ، فَقَالَ حَسّانُ: أَلَا أَبْلِغُوا [ (٧) ] عَنّي أَسِيدًا رِسَالَةً ... فَخَالُك عبد بالسّراب مجرّب.

لَعَمْرُك مَا أَوْفَى أَسِيدٌ بِجَارِهِ [ (١) ] ... وَلَا خَالِدٌ وَلَا الْمُفَاضَةُ [ (٢) ] زَيْنَبُ وَعَتّابُ عَبْدٌ غَيْرُ مُوفٍ بذمّة ... كذوب شؤون الرّأْسِ قِرْدٌ مُدَرّبُ فَلَمّا بَلَغَهَا [ (٣) ] هِجَاؤُهُ نَبَذَتْ رَحْلَهُ وَقَالَتْ: مَا لَنَا وَلِهَذَا الْيَهُودِيّ؟ أَلَا تَرَى مَا يَصْنَعُ بِنَا حَسّانُ؟ فَتَحَوّلَ، فَكُلّمَا تَحَوّلَ عِنْدَ قَوْمٍ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَسّانَ فَقَالَ: ابْنُ الْأَشْرَفِ نَزَلَ عَلَى فُلَانٍ. فَلَا يَزَالُ يَهْجُوهُمْ حَتّى نُبِذَ رَحْلُهُ، فَلَمّا لَمْ يَجِدْ مَأْوًى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. فَلَمّا بَلَغَ النّبِيّ ﷺ قُدُومُ ابْنِ الْأَشْرَفِ قَالَ: اللهُمّ، اكْفِنِي ابْنَ الْأَشْرَفِ بِمَا شِئْت فِي إعْلَانِهِ الشّرّ وَقَوْلِهِ الْأَشْعَارَ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ، فَقَدْ آذَانِي؟ فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَقْتُلُهُ. قَالَ: فَافْعَلْ! فَمَكَثَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَيّامًا لَا يَأْكُلُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، تَرَكْت الطّعَامَ وَالشّرَابَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْت لَك قَوْلًا فَلَا أَدْرِي أَفِي لَك بِهِ أَمْ لَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَلَيْك الْجَهْدُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: شاور سعد بن معاذ فى أمره. فاجتمع محمّد بن مسلمة وَنَفَرٌ مِنْ الْأَوْسِ مِنْهُمْ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ أوس، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ نَقْتُلُهُ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَقُلْ [ (٤) ] ، فَإِنّهُ لَا بُدّ لَنَا مِنْهُ. قَالَ: قُولُوا ! فَخَرَجَ أَبُو نَائِلَةَ إلَيْهِ، فَلَمّا رَآهُ كَعْبٌ أَنْكَرَ شَأْنَهُ، وَكَادَ يُذْعَرُ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ كمين،

ُ. قَالَ: قُولُوا ! فَخَرَجَ أَبُو نَائِلَةَ إلَيْهِ، فَلَمّا رَآهُ كَعْبٌ أَنْكَرَ شَأْنَهُ، وَكَادَ يُذْعَرُ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ كمين،

فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ: حَدَثَتْ لَنَا حَاجَةٌ إلَيْك. قَالَ. وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَجَمَاعَتِهِمْ: اُدْنُ إلَيّ فَخَبّرْنِي بِحَاجَتِك. وَهُوَ مُتَغَيّرُ اللّوْنِ مَرْعُوبٌ- فكان أبو نائلة ومحمّد ابن مَسْلَمَةَ أَخَوَيْهِ مِنْ الرّضَاعَةِ- فَتَحَدّثَا سَاعَةً وَتَنَاشَدَا الْأَشْعَارَ، وَانْبَسَطَ كَعْبٌ وَهُوَ يَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: حَاجَتُك! وَأَبُو نَائِلَةَ يُنَاشِدُهُ الشّعْرَ- وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ يَقُولُ الشّعْرَ- فَقَالَ كَعْبٌ: حَاجَتُك، لَعَلّك أَنْ تُحِبّ أَنْ يَقُومَ مَنْ عِنْدَنَا؟ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ قَامُوا. قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: إنّي كَرِهْت أَنْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ ذَرْوَ [ (١) ] كَلَامِنَا، فَيَظُنّونَ! كَانَ قُدُومُ هَذَا الرّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلَاءِ، وَحَارَبَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَتَقَطّعَتْ السّبُلُ عَنّا حَتّى جَهِدَتْ الْأَنْفُسُ وَضَاعَ الْعِيَالُ، أَخَذَنَا بِالصّدَقَةِ وَلَا نَجِدُ مَا نَأْكُلُ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ وَاَللهِ كُنْت أُحَدّثُك بِهَذَا يَا ابْنَ سَلَامَةَ، أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ: وَمَعِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْت أَنْ آتِيَك بِهِمْ فَنَبْتَاعَ مِنْك طَعَامًا أَوْ تَمْرًا وَتُحْسِنُ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا، وَنَرْهَنُك مَا يَكُونُ لَك فِيهِ ثِقَةٌ. قَالَ كَعْبٌ: أَمَا إنّ رِفَافِي تَقْصِفُ تَمْرًا، مِنْ عَجْوَةٍ تَغِيبُ فِيهَا الضّرْسُ، أَمَا وَاَللهِ مَا كُنْت أُحِبّ يَا أَبَا نائلة أن أرى هذه الخصاصة بك، وَإِنْ كُنْت مِنْ أَكْرَمِ النّاسِ عَلَيّ، أَنْتَ أَخِي، نَازَعْتُك الثّدْيَ! قَالَ سِلْكَانُ: اُكْتُمْ عَنّا مَا حَدّثْتُك مِنْ ذِكْرِ مُحَمّدٍ. قَالَ كَعْبٌ:

ْت مِنْ أَكْرَمِ النّاسِ عَلَيّ، أَنْتَ أَخِي، نَازَعْتُك الثّدْيَ! قَالَ سِلْكَانُ: اُكْتُمْ عَنّا مَا حَدّثْتُك مِنْ ذِكْرِ مُحَمّدٍ. قَالَ كَعْبٌ: لَا أَذْكُرُ مِنْهُ حَرْفًا. ثُمّ قَالَ كَعْبٌ: يَا أَبَا نَائِلَةَ، اُصْدُقْنِي ذَاتَ نَفْسِك، مَا الّذِي تُرِيدُونَ فِي أَمْرِهِ؟ قَالَ: خِذْلَانَهُ وَالتّنَحّيَ عَنْهُ. قَالَ: سَرَرْتنِي يَا أَبَا نَائِلَةَ! فَمَاذَا تَرْهَنُونَنِي، أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تَفْضَحَنَا وَتُظْهِرَ أَمْرَنَا! وَلَكِنّا نَرْهَنُك مِنْ الْحَلْقَةِ مَا تَرْضَى بِهِ. قَالَ كَعْبٌ: إنّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءً. وَإِنّمَا يَقُولُ ذَلِكَ سِلْكَانُ لِئَلّا ينكرهم إذا جاءوا بالسلاح.

فَخَرَجَ أَبُو نَائِلَةَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى مِيعَادٍ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ إذَا أَمْسَى لِمِيعَادِهِ. ثُمّ أَتَوْا النّبِيّ ﷺ عِشَاءً فَأَخْبَرُوهُ، فَمَشَى مَعَهُمْ حَتّى أَتَى الْبَقِيعَ [ (١) ] ، ثُمّ وَجّهَهُمْ، ثُمّ قَالَ: امْضُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وَعَوْنِهِ! وَيُقَال: وَجّهَهُمْ بَعْدَ أَنْ صَلّوْا الْعِشَاءَ وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ مِثْلِ النّهَارِ، فِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. قَالَ: فَمَضَوْا حَتّى أَتَوْا ابْنَ الْأَشْرَفِ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْرَفِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَةِ مِلْحَفَتِهِ وَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إنّك رَجُلٌ مُحَارَبٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِثْلُك فِي هَذِهِ السّاعَةِ. فَقَالَ: مِيعَادٌ، إنّمَا هُوَ أَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَاَللهِ لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمِلْحَفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ دُعِيَ الْفَتَى لِطَعْنَةٍ أَجَابَ. ثُمّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَحَيّاهُمْ، ثُمّ جَلَسُوا فَتَحَدّثُوا سَاعَةً حَتّى انْبَسَطَ إلَيْهِمْ، ثُمّ قَالُوا لَهُ: يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ، هَلْ لَك أَنْ تَتَمَشّى إلَى شَرْجِ الْعَجُوزِ [ (٢) ] فَنَتَحَدّثَ فِيهِ بَقِيّةَ لَيْلَتِنَا؟ قَالَ: فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ حَتّى وَجّهُوا قِبَلَ الشّرْجِ، فَأَدْخَلَ أَبُو نَائِلَةَ يَدَهُ فِي رَأْسِ كَعْبٍ ثُمّ قَالَ: وَيْحَك، مَا أَطْيَبَ عِطْرِك هَذَا يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ! وَإِنّمَا كَانَ كَعْبٌ يَدّهِنُ بِالْمِسْكِ الْفَتِيتِ بِالْمَاءِ وَالْعَنْبَرِ حَتّى يَتَلَبّدَ فِي صُدْغَيْهِ، وَكَانَ جَعْدًا جَمِيلًا. ثُمّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ بِمِثْلِهَا حَتّى اطْمَأَنّ إلَيْهِ، وَسُلْسِلَتْ يَدَاهُ فِي شَعْرِهِ وَأَخَذَ بِقُرُونِ رَأْسِهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:

ثُمّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ بِمِثْلِهَا حَتّى اطْمَأَنّ إلَيْهِ، وَسُلْسِلَتْ يَدَاهُ فِي شَعْرِهِ وَأَخَذَ بِقُرُونِ رَأْسِهِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اُقْتُلُوا عَدُوّ اللهِ! فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، فَالْتَفّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وَرَدّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَصِقَ بِأَبِي نَائِلَةَ. قال محمّد بن مسلمة: فذكرت مغولا [ (٣) ]

مَعِي كَانَ فِي سَيْفِي فَانْتَزَعْته فَوَضَعْته فِي سُرّتِهِ، ثُمّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ فَقَطَطْته حَتّى انْتَهَى إلَى عَانَتِهِ، فَصَاحَ عَدُوّ اللهِ صَيْحَةً مَا بَقِيَ أُطْمٌ مِنْ آطَامِ يَهُودَ إلّا قَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ. فَقَالَ ابْنُ سُنَيْنَةَ، يَهُودِيّ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ: إنّي لَأَجِدُ رِيحَ دَمٍ بِيَثْرِبَ مَسْفُوحٍ. وَقَدْ كَانَ أَصَابَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ بِسَيْفِهِ وَهُمْ يَضْرِبُونَ كَعْبًا، فَكَلَمَهُ فِي رِجْلِهِ. فَلَمّا فَرَغُوا احْتَزّوا رَأْسَهُ ثُمّ حَمَلُوهُ مَعَهُمْ، ثُمّ خَرَجُوا يَشْتَدّونَ وَهُمْ يَخَافُونَ مِنْ يَهُودَ الْأَرْصَادَ، حَتّى أَخَذُوا عَلَى بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ ثُمّ عَلَى قُرَيْظَةَ، وَإِنّ نِيرَانَهُمْ فِي الْآطَامِ لَعَالِيَةٌ، ثُمّ عَلَى بُعَاثٍ [ (١) ] ، حَتّى إذَا كانوا بِحَرّةِ الْعُرَيْضِ نَزَفَ الْحَارِثُ الدّمَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ فناداهم: أقرءوا رَسُولَ اللهِ مِنّي السّلَامَ! فَعَطَفُوا عَلَيْهِ فَاحْتَمَلُوهُ حَتّى أَتَوْا النّبِيّ ﷺ. فلمّا بلغوا بقيع الغرقد كَبّرُوا. وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ اللّيْلَةَ يُصَلّي، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَكْبِيرَهُمْ بِالْبَقِيعِ كَبّرَ وَعَرَفَ أَنْ قَدْ قَتَلُوهُ. ثُمّ انْتَهَوْا يَعْدُونَ حَتّى وَجَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَفْلَحَتْ الْوُجُوهُ!

َرَفَ أَنْ قَدْ قَتَلُوهُ. ثُمّ انْتَهَوْا يَعْدُونَ حَتّى وَجَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَفْلَحَتْ الْوُجُوهُ! فَقَالُوا: وَوَجْهُك يَا رَسُولَ اللهِ! وَرَمَوْا بِرَأْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى قَتْلِهِ. ثُمّ أَتَوْا بِصَاحِبِهِمْ الْحَارِثِ فَتَفَلَ فِي جُرْحِهِ فَلَمْ يُؤْذِهِ، فَقَالَ فِي ذَلِك عبّاد بن بشر: صَرَخْت بِهِ فَلَمْ يَجْفِلْ [ (٢) ] لِصَوْتِي ... وَأَوْفَى [ (٣) ] طَالِعًا مِنْ فَوْقِ قَصْرِ فَعُدْت فَقَالَ مَنْ هَذَا المنادى ... فقلت أخوك عبّاد بن بشر

فَقَالَ مُحَمّدٌ أَسْرِعْ إلَيْنَا ... فَقَدْ جِئْنَا لِتَشْكُرَنَا [ (١) ] وَتَقْرِي وَتَرْفِدَنَا فَقَدْ جِئْنَا سِغَابًا ... بِنِصْفِ الْوَسْقِ [ (٢) ] مِنْ حَبّ وَتَمْرٍ وَهَذِي دِرْعُنَا رَهْنًا فَخُذْهَا ... لِشَهْرٍ إنْ وَفّى أَوْ نِصْفِ شَهْرِ فَقَالَ مَعَاشِرٌ سَغِبُوا وَجَاعُوا ... لَقَدْ عَدِمُوا الْغِنَى مِنْ غَيْرِ فَقْرِ وَأَقْبَلَ نَحْوَنَا يَهْوِي سَرِيعًا ... وَقَالَ لَنَا لَقَدْ جِئْتُمْ لِأَمْرِ وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ حِدَادٌ ... مُجَرّبَةٌ بِهَا الْكُفّارُ نَفْرِي فَعَانَقَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ الْمُرَادِي [ (٣) ] ... بِهِ الْكَفّانِ كَاللّيْثِ الْهِزَبْرِ وَشَدّ بِسَيْفِهِ صَلْتًا عَلَيْهِ ... فَقَطّرَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ وَصَلْت وَصَاحِبَايَ فَكَانَ لَمّا ... قَتَلْنَاهُ الْخَبِيثَ كَذِبْحِ عِتْرِ [ (٤) ] وَمَرّ بِرَأْسِهِ نَفَرٌ كِرَامٌ ... هُمُ نَاهُوك مِنْ صِدْقٍ وَبِرّ وَكَانَ اللهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا ... بِأَفْضَلِ نِعْمَةٍ وَأَعَزّ نَصْرِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ: أَنَا رَأَيْت قَائِلَ هَذَا الشّعْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الزّنَادِ: لَوْلَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ لَظَنَنْت أَنّهَا ثَبْتٌ. قَالُوا: فَلَمّا أصبح رسول الله ﷺ مِنْ اللّيْلَةِ الّتِي قُتِلَ فِيهَا ابْنُ الْأَشْرَفِ قال رسول الله ﷺ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ الْيَهُودِ فَاقْتُلُوهُ.

ا أصبح رسول الله ﷺ مِنْ اللّيْلَةِ الّتِي قُتِلَ فِيهَا ابْنُ الْأَشْرَفِ قال رسول الله ﷺ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ الْيَهُودِ فَاقْتُلُوهُ. فَخَافَتْ الْيَهُودُ فَلَمْ يَطْلُعْ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ وَلَمْ يَنْطِقُوا، وَخَافُوا أَنْ يُبَيّتُوا كَمَا بُيّتَ ابْنُ الْأَشْرَفِ. وَكَانَ ابْنُ سُنَيْنَةَ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِحُوَيّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،

قَدْ أَسْلَمَ، فَعَدَا مُحَيّصَةُ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ فَقَتَلَهُ، فَجَعَلَ حُوَيّصَةُ يَضْرِبُ مُحَيّصَةَ، وَكَانَ أَسَنّ مِنْهُ، يَقُولُ: أَيْ عَدُوّ اللهِ، أَقَتَلْته؟ أَمَا وَاَللهِ لَرُبّ شَحْمٍ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ! فَقَالَ مُحَيّصَةُ: وَاَللهِ، لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِك الّذِي أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُك. قَالَ: وَاَللهِ، لَوْ أَمَرَك محمّد أن تقتلني؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ حُوَيّصَةُ: وَاَللهِ، إنّ دِينًا يَبْلُغُ هَذَا لَدِينٌ مُعْجِبٌ. فَأَسْلَمَ حُوَيّصَةُ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ مُحَيّصَةُ- وَهِيَ ثَبْتٌ، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَدْفَعُهَا- يَقُولُ: يَلُومُ ابْنُ أُمّي لَوْ أُمِرْت بِقَتْلِهِ ... لَطَبّقْت ذِفْرَاهُ [ (١) ] بِأَبْيَضَ قَاضِبِ حُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ ... مَتَى مَا تُصَوّبُهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ وَمَا سَرّنِي أَنّي قَتَلْتُك طَائِعًا ... وَلَوْ أَنّ لِي مَا بَيْنَ بُصْرَى [ (٢) ] وَمَأْرِبِ فَفَزِعَتْ الْيَهُودُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءُوا إلَى النّبِيّ ﷺ حِينَ أَصْبَحُوا فَقَالُوا: قَدْ طُرِقَ صَاحِبُنَا اللّيْلَةَ وَهُوَ سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا قُتِلَ غِيلَةً بِلَا جُرْمٍ وَلَا حَدَثٍ عَلِمْنَاهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّهُ لَوْ قَرّ كَمَا قَرّ غَيْرُهُ مِمّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ مَا اُغْتِيلَ، وَلَكِنّهُ نَالَ مِنّا الْأَذَى وَهَجَانَا بِالشّعْرِ، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْكُمْ إلّا كَانَ لَهُ السّيْفُ [ (٣) ] . وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا يَنْتَهُونَ إلَى مَا فِيهِ، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابًا تَحْتَ الْعِذْقِ فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. فَحَذِرَتْ الْيَهُودُ وَخَافَتْ وَذَلّتْ مِنْ يَوْمِ قَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ. فَحَدّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعِنْدَهُ ابْنُ يَامِينَ النّضْرِيّ: كيف كان قتل ابن الأشرف؟

عْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعِنْدَهُ ابْنُ يَامِينَ النّضْرِيّ: كيف كان قتل ابن الأشرف؟

قَالَ ابْنُ يَامِينَ: كَانَ غَدْرًا. وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ جَالِسٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا مَرْوَانُ، أَيَغْدِرُ [ (١) ] رَسُولُ اللهِ عِنْدَك؟ وَاَللهِ، مَا قَتَلْنَاهُ إلّا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَاَللهِ، لَا يُؤْوِينِي وَإِيّاكَ سَقْفُ بَيْتٍ إلّا الْمَسْجِدَ. وَأَمّا أَنْتَ يَا ابْنَ يَامِينَ، فَلِلّهِ عَلَيّ إنْ أَفْلَتّ، وَقَدَرْت [ (٢) ] عَلَيْك وَفِي يَدِي سَيْفٌ إلّا ضَرَبْت بِهِ رَأْسَك! فَكَانَ ابْنُ يَامِينَ لَا يَنْزِلُ فِي بَنِي قُرَيْظَة حتى يبعث له رسول يَنْظُرُ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ ضِيَاعِهِ نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمّ صَدَرَ، وَإِلّا لَمْ يَنْزِلْ. فَبَيْنَا مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي جِنَازَةٍ وَابْنُ يَامِينَ بِالْبَقِيعِ، فَرَأَى نَعْشًا عَلَيْهِ جَرَائِدُ رَطْبَةٌ لِامْرَأَةٍ، جَاءَ فَحَلّهُ. فَقَامَ النّاسُ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ، مَا تَصْنَعُ؟ نَحْنُ نَكْفِيك! فَقَامَ إلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُهُ بِهَا جَرِيدَةً جَرِيدَةً حَتّى كَسَرَ تِلْكَ الْجَرَائِدَ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيهِ مَصَحّا، ثُمّ أَرْسَلَهُ وَلَا طَبَاخَ [ (٣) ] بِهِ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ، لَوْ قَدَرْت عَلَى السّيْفِ لَضَرَبْتُك بِهِ. شَأْنُ غَزْوَةِ غَطَفَانَ بِذِي أَمَر [ (٤) ] وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ، عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وعشرين شهرا. خرج رسول الله ﷺ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ من ربيع، فغاب أحد عشر يوما.

ْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ، عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وعشرين شهرا. خرج رسول الله ﷺ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ من ربيع، فغاب أحد عشر يوما.

حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي هُنَيْدَةَ قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي عَتّابٍ، وَحَدّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الضّحّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بن محمد بن أبي بكر، عن عبد اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَزَادَ بَعْضُهُمْ [عَلَى بَعْضٍ] [ (١) ] فِي الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَدّثَنَا أَيْضًا، قَالُوا: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ جَمْعًا مِنْ ثَعْلَبَة وَمُحَارِبٍ بِذِي أَمَرّ، قَدْ تَجَمّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْ أَطْرَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور ابن الْحَارِثِ بْنِ مُحَارِبٍ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ، وَمَعَهُمْ أَفْرَاسٌ، فَأَخَذَ عَلَى الْمُنَقّى [ (٢) ] ، ثم سلك مضيق الخبيث [ (٣) ] ، ثُمّ خَرَجَ إلَى ذِي الْقَصّةِ [ (٤) ] ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ بِذِي الْقَصّةِ يُقَالُ لَهُ جَبّارٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَة، فَقَالُوا: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ يَثْرِبَ [ (٥) ] . قَالُوا: وَمَا حَاجَتُك بِيَثْرِبَ؟ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَرْتَادَ لِنَفْسِي وَأَنْظُرَ. قَالُوا: هَلْ مَرَرْت بِجَمْعٍ، أَوْ بَلَغَك [خَبَرٌ] لِقَوْمِك؟ قَالَ: لَا، إلّا أَنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ دُعْثُورَ بْنَ الْحَارِثِ فِي أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ عُزْلٌ. فَأَدْخَلُوهُ على رسول الله ﷺ فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، إنّهُمْ لَنْ يُلَاقُوك، إنْ سَمِعُوا [ (٦) ] بِمَسِيرِك هَرَبُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَأَنَا سَائِرٌ مَعَك وَدَالّك عَلَى عَوْرَتِهِمْ [ (٧) ] . فَخَرَجَ بِهِ النّبِيّ ﷺ وَضَمّهُ إلَى بِلَالٍ، فَأَخَذَ بِهِ طَرِيقًا أَهْبَطَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَثِيبٍ [ (٨) ] ، وَهَرَبَتْ مِنْهُ

الْأَعْرَابُ فَوْقَ الْجِبَالِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا قَدْ غيّبوا سرحهم فى ذرى الجبال وذراريّهم، فَلَمْ يُلَاقِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَدًا، إلّا أَنّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَا أَمَرّ وَعَسْكَرَ مُعَسْكَرَهُمْ [ (١) ] فَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ كَثِيرٌ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ فَأَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فَبَلّ ثَوْبَهُ، وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَادِيَ ذِي أَمَرّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ. ثُمّ نَزَعَ ثِيَابَهُ فَنَشَرَهَا لِتَجِفّ، وَأَلْقَاهَا عَلَى شَجَرَةٍ ثُمّ اضْطَجَعَ تَحْتَهَا [ (٢) ] وَالْأَعْرَابُ يَنْظُرُونَ إلَى كُلّ مَا يَفْعَلُ، فَقَالَتْ الْأَعْرَابُ لِدُعْثُور، وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنت مُحَمّدٌ، وَقَدْ انْفَرَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَيْثُ إنْ غَوّثَ بِأَصْحَابِهِ لَمْ يُغَثْ حَتّى تَقْتُلَهُ. فَاخْتَارَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِمْ صَارِمًا، ثُمّ أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى السّيْفِ حَتّى قَامَ عَلَى رَأْسِ النّبِيّ ﷺ بِالسّيْفِ مَشْهُورًا، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، مَنْ يَمْنَعُك مِنّي الْيَوْمَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ! قَالَ: وَدَفَعَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي صَدْرِهِ وَوَقَعَ السّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَامَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُك مِنّي الْيَوْمَ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ. قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَاَللهِ، لَا أُكْثِرُ عَلَيْك جَمْعًا أَبَدًا! فَأَعْطَاهُ رسول الله ﷺ سيفه، ثُمّ أَدْبَرَ، ثُمّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ لِأَنْتَ خَيْرٌ مِنّي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنَا أَحَقّ بِذَلِكَ مِنْك. فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالُوا: أَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ وَقَدْ أَمْكَنَك وَالسّيْفُ فِي يَدِك؟ قَالَ: وَاَللهِ، كَانَ ذَلِكَ وَلَكِنّي نَظَرْت إلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ، دَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْت لِظَهْرِي، فعرفت أنه ملك وشهدت

فِي يَدِك؟ قَالَ: وَاَللهِ، كَانَ ذَلِكَ وَلَكِنّي نَظَرْت إلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ، دَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْت لِظَهْرِي، فعرفت أنه ملك وشهدت

أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَاَللهِ لَا أُكْثِرُ عَلَيْهِ! وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [ (١) ] الْآيَةَ. وَكَانَتْ غَيْبَةُ النّبِيّ ﷺ إحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَاسْتَخْلَفَ النّبِيّ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁. غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بِبُحْرَانَ [ (٢) ] بِنَاحِيَةِ الْفُرْعِ لِلَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى [ (٣) ] ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، غَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرًا. حَدّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: لَمّا بَلَغَ رسول الله ﷺ أن جمعا من بنى سليم كثيرا [ (٤) ] ببحران، تَهَيّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِذَلِكَ وَلَمْ يُظْهِرْ وَجْهًا، فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَغَذّوا [ (٥) ] السّيْرَ حَتّى إذَا كَانُوا دُونَ بُحْرَانَ بِلَيْلَةٍ، لَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَاسْتَخْبَرُوهُ عَنْ الْقَوْمِ وَعَنْ جَمْعِهِمْ. فَأَخْبَرَهُ أَنّهُمْ قَدْ افْتَرَقُوا أَمْسِ وَرَجَعُوا إلَى مَائِهِمْ [ (٦) ] ، فَأَمَرَ بِهِ النّبِيّ ﷺ فَحُبِسَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ، ثُمّ سَارَ النّبِيّ ﷺ حَتّى ورد بحران، وليس به أحد، وأقام

ُوا إلَى مَائِهِمْ [ (٦) ] ، فَأَمَرَ بِهِ النّبِيّ ﷺ فَحُبِسَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ، ثُمّ سَارَ النّبِيّ ﷺ حَتّى ورد بحران، وليس به أحد، وأقام

أَيّامًا ثُمّ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرّجُلَ. وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَشْرَ لَيَالٍ. حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُوحٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: استخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ. شَأْنُ سَرِيّةِ الْقَرَدَةِ [ (١) ] فِيهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهِيَ أَوّلُ سَرِيّةٍ خَرَجَ فِيهَا زَيْدٌ ﵁ أَمِيرًا، وَخَرَجَ لِهِلَالِ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَهْلِهِ، قَالُوا: كَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ حَذِرَتْ طَرِيقَ الشّامِ أَنْ يَسْلُكُوهَا، وَخَافُوا من رسول الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا قَوْمًا تُجّارًا، فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: إنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ عَوّرُوا عَلَيْنَا مَتْجَرَنَا، فَمَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَصْحَابِهِ، لَا يَبْرَحُونَ السّاحِلَ، وَأَهْلُ السّاحِلِ قَدْ وَادَعَهُمْ وَدَخَلَ عَامّتُهُمْ مَعَهُ، فَمَا نَدْرِي أَيْنَ نَسْلُك، وَإِنْ أَقَمْنَا نَأْكُلُ رُءُوسَ أَمْوَالِنَا وَنَحْنُ فِي دَارِنَا هَذِهِ، مَا لَنَا بِهَا نِفَاقٌ [ (٢) ] ، إنّمَا نَزَلْنَاهَا عَلَى التّجَارَةِ، إلَى الشّامِ فِي الصّيْفِ وَفِي الشّتَاءِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ: فَنَكّبْ [ (٣) ] عَنْ السّاحِلِ، وَخُذْ طَرِيقَ الْعِرَاقِ. قَالَ صَفْوَانُ: لَسْت بِهَا عَارِفًا. قَالَ أَبُو زَمْعَةَ: فَأَنَا أَدُلّك عَلَى أَخْبَرِ [ (٤) ] دَلِيلٍ بِهَا يَسْلُكُهَا وَهُوَ مُغْمَضُ الْعَيْنِ إنْ شَاءَ الله. قال:

مَنْ هُوَ؟ قَالَ: فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ الْعِجْلِيّ. قَدْ دَوّخَهَا وَسَلَكَهَا. قَالَ صَفْوَانُ: فَذَلِكَ وَاَللهِ! فَأَرْسَلَ إلَى فُرَاتٍ. فَجَاءَهُ فَقَالَ: إنّي أُرِيدُ الشّامَ وَقَدْ عَوّرَ عَلَيْنَا مُحَمّدٌ مَتْجَرَنَا لِأَنّ طَرِيقَ عِيرَاتِنَا عَلَيْهِ. فَأَرَدْت طَرِيقَ الْعِرَاقِ. قَالَ فُرَاتٌ: فَأَنَا أَسْلُكُ بِك فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِ. ليس يطأها أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ- إنّمَا هِيَ أَرْضُ نَجْدٍ وَفَيَافٍ. قَالَ صَفْوَانُ: فَهَذِهِ حَاجَتِي، أَمّا الْفَيَافِي فَنَحْنُ شَاتُونَ وَحَاجَتُنَا إلَى الْمَاءِ الْيَوْمَ قَلِيلٌ. فَتَجَهّزَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ أَبُو زَمْعَةَ بِثَلَاثِمِائَةِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَنُقَرِ [ (١) ] فِضّةٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ بِبَضَائِعَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ. وَخَرَجَ صَفْوَانُ بِمَالٍ كَثِيرٍ- نُقَرِ فِضّةٍ وَآنِيَةِ فِضّةٍ وَزْنِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَخَرَجُوا عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ [ (٢) ] .

رَيْشٍ. وَخَرَجَ صَفْوَانُ بِمَالٍ كَثِيرٍ- نُقَرِ فِضّةٍ وَآنِيَةِ فِضّةٍ وَزْنِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَخَرَجُوا عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ [ (٢) ] . وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَنَزَلَ عَلَى كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فِي بَنِي النّضِيرِ فَشَرِبَ مَعَهُ، وَشَرِبَ مَعَهُ سَلِيطُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَسْلَمَ- وَلَمْ تُحَرّمْ الْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ- وَهُوَ يَأْتِي بَنِي النّضِيرِ وَيُصِيبُ مِنْ شَرَابِهِمْ. فَذَكَرَ نُعَيْمٌ خُرُوجَ صَفْوَانَ فِي عِيرِهِ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ زيد بن حَارِثَةَ فِي مِائَةِ رَاكِبٍ، فَاعْتَرَضُوا لَهَا فَأَصَابُوا الْعِيرَ. وَأَفْلَتْ أَعْيَانُ الْقَوْمِ وَأَسَرُوا رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ، وَقَدِمُوا بِالْعِيرِ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَخَمّسَهَا، فَكَانَ الْخُمُسُ يَوْمَئِذٍ قِيمَةَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَسَمَ مَا بَقِيَ عَلَى أَهْلِ السّرِيّةِ. وَكَانَ فِي الْأَسْرَى فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، فَأُتِيَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَسْلِمْ، إنْ تُسْلِمْ نَتْرُكْكَ مِنْ الْقَتْلِ، فَأَسْلَمَ فَتَرَكَهُ مِنْ القتل.

فِي الْأَسْرَى فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، فَأُتِيَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَسْلِمْ، إنْ تُسْلِمْ نَتْرُكْكَ مِنْ الْقَتْلِ، فَأَسْلَمَ فَتَرَكَهُ مِنْ القتل.

غَزْوَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوّالٍ، عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا. وَاسْتَخْلَفَ رسول الله ﷺ على الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ. حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ، قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمُوسَى بْنُ مُحَمّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ، وَمُعَاذُ ابن مُحَمّدٍ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَيُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزّنَادِ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، فِي رِجَالٍ لَمْ أُسَمّ، فَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ كَانَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، وقد جمعت كلّ الذي دّثونى، قالوا: لمّا رجع من حضر بدرا من الْمُشْرِكِينَ إلَى مَكّةَ، وَالْعِيرُ الّتِي قَدِمَ بِهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ الشّامِ مَوْقُوفَةٌ فِي دَارِ النّدْوَةِ- وَكَذَلِك كَانُوا يَصْنَعُونَ- فَلَمْ يُحَرّكْهَا أَبُو سُفْيَانَ وَلَمْ يُفَرّقْهَا لِغَيْبَةِ أَهْلِ العير، مشت أشراف قريش إلى أبو سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وعبد الله ابن أَبِي رَبِيعَةَ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، وَحُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ، فَقَالُوا:

ُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وعبد الله ابن أَبِي رَبِيعَةَ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، وَحُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا سُفْيَانَ، اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِيرَ الّتِي قَدِمْت بِهَا فَاحْتَبَسْتهَا [ (١) ] ، فَقَدْ عَرَفْت أَنّهَا أَمْوَالُ أَهْلِ مَكّةَ وَلَطِيمَةُ قريش، وهم طيّبو الأنفس، يجهّزون بهذه

الْعِيرِ جَيْشًا [ (١) ] إلَى مُحَمّدٍ، وَقَدْ تَرَى مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا، وَعَشَائِرِنَا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَقَدْ طَابَتْ أَنْفُسُ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَا أَوّلُ مَنْ أَجَابَ إلَى ذَلِكَ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَعِي، فَأَنَا وَاَللهِ الْمَوْتُورُ الثّائِرُ، قَدْ قُتِلَ ابْنِي حَنْظَلَةُ بِبَدْرٍ وَأَشْرَافُ قَوْمِي. فَلَمْ تَزَلْ الْعِيرُ مَوْقُوفَةً حَتّى تَجَهّزُوا لِلْخُرُوجِ إلَى أُحُدٍ، فَبَاعُوهَا وَصَارَتْ ذَهَبًا عَيْنًا، فَوُقِفَ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ. وَيُقَالُ إنّمَا قَالُوا: يَا أَبَا سُفْيَانَ، بِعْ الْعِيرَ ثُمّ اعْزِلْ أَرْبَاحَهَا. وَكَانَتْ الْعِيرُ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ الْمَالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانُوا يَرْبَحُونَ فِي تِجَارَتِهِمْ. لِلدّينَارِ دِينَارًا، وَكَانَ مَتْجَرُهُمْ مِنْ الشّامِ غَزّةَ، لَا يَعْدُونَهَا إلَى غَيْرِهَا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ حَبَسَ عِيرَ زُهْرَةَ لِأَنّهُمْ رَجَعُوا مِنْ طَرِيقِ بَدْرٍ، وَسَلّمَ مَا كَانَ لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَلِبَنِي أَبِيهِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَأَبَى مَخْرَمَةُ أَنْ يَقْبَلَ عِيرَهُ حَتّى يُسَلّمَ إلَى بَنِي زُهْرَةَ جَمِيعًا. وَتَكَلّمَ الْأَخْنَسُ فَقَالَ: مَا لِعِيرِ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ بَيْنِ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لِأَنّهُمْ رَجَعُوا عَنْ قُرَيْشٍ. قَالَ الْأَخْنَسُ: أَنْتَ أَرْسَلْت إلَى قُرَيْشٍ أَنْ ارْجِعُوا فَقَدْ أَحْرَزْنَا الْعِيرَ، لَا تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ شَيْءٍ، فَرَجَعْنَا. فَأَخَذَتْ زُهْرَةُ عِيرَهَا، وَأَخَذَ أَقْوَامٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ- أَهْلُ ضَعْفٍ، لَا عَشَائِرَ لَهُمْ وَلَا مَنَعَةَ- كُلّ مَا كَانَ لَهُمْ فِي الْعِيرِ. فَهَذَا يُبَيّنُ أَنّمَا أَخْرَجَ الْقَوْمُ أَرْبَاحَ الْعِيرِ. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ (٢) ] الْآيَةَ.

لْقَوْمُ أَرْبَاحَ الْعِيرِ. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ (٢) ] الْآيَةَ. فَلَمّا أَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ قَالُوا: نَسِيرُ فِي الْعَرَبِ فَنَسْتَنْصِرُهُمْ فَإِنّ عَبْدَ مَنَاةَ غَيْرُ مُتَخَلّفِينَ عَنّا، هُمْ أَوْصَلُ العرب لأرحامنا، ومن اتّبعنا من الأحابيش [ (٣) ] .

فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا أَرْبَعَةً مِنْ قُرَيْشٍ يَسِيرُونَ فِي الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلَى نَصْرِهِمْ، فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ، وَابْنَ الزّبَعْرَى، وَأَبَا عَزّةَ الْجُمَحِيّ، فَأَطَاعَ النّفَرُ وَأَبَى أَبُو عَزّةَ أَنْ يَسِيرَ، وَقَالَ: مَنّ عَلَيّ مُحَمّدٌ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَمْ يَمُنّ عَلَى غَيْرِي، وَحَلَفْت لَا أُظَاهِرُ عَلَيْهِ عَدُوّا أَبَدًا. فَمَشَى إلَيْهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَالَ: اُخْرُجْ! فأبى فقال: عاهدت محمّدا يوم بدر لَا أُظَاهِرُ عَلَيْهِ عَدُوّا أَبَدًا، وَأَنَا أَفِي [ (١) ] لَهُ بِمَا عَاهَدْته عَلَيْهِ، مَنّ عَلَيّ وَلَمْ يَمُنّ عَلَى غَيْرِي حَتّى قَتَلَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اُخْرُجْ مَعَنَا، فَإِنْ تُسْلِمْ أُعْطِك مِنْ الْمَالِ مَا شِئْت، وَإِنْ تُقْتَلْ كَانَ عِيَالُك مَعَ عِيَالِي. فَأَبَى أَبُو عَزّةَ حَتّى كَانَ الْغَدُ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ آيِسًا مِنْهُ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ صَفْوَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ الْكَلَامَ الْأَوّلَ فَأَبَى، فَقَالَ جُبَيْرٌ: مَا كُنْت أَظُنّ أَنّي أَعِيشُ حَتّى يَمْشِي إلَيْك أَبُو وَهْبٍ فِي أَمْرٍ تَأْبَى عَلَيْهِ! فَأَحْفَظُهُ، فَقَالَ: فَأَنَا أَخْرُجُ! قَالَ: فَخَرَجَ فِي الْعَرَبِ يَجْمَعُهَا، وَهُوَ يَقُولُ: يَا [ (٢) ] بَنِي عَبْدِ مناة الرّزّام [ (٣) ] ... أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلّ إِسْلَامْ ... لَا تَعِدُونِي [ (٤) ] نَصْرَكُمْ بَعْدَ الْعَامْ

ة الرّزّام [ (٣) ] ... أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلّ إِسْلَامْ ... لَا تَعِدُونِي [ (٤) ] نَصْرَكُمْ بَعْدَ الْعَامْ قَالَ: وَخَرَجَ مَعَهُ النّفَرُ فَأَلّبُوا الْعَرَبَ وَجَمَعُوهَا، وَبَلَغُوا ثَقِيفًا فَأَوْعَبُوا [ (٥) ] . فَلَمّا أَجْمَعُوا الْمَسِيرَ وَتَأَلّبَ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَحَضَرُوا، اخْتَلَفَتْ قريش

فِي إخْرَاجِ الظّعُنِ [ (١) ] مَعَهُمْ. فَحَدّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى سَعْدٍ، عَنْ نِسْطَاسٍ، قَالَ: قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: اُخْرُجُوا بِالظّعُنِ، فَأَنَا أَوّلُ مَنْ فَعَلَ، فَإِنّهُ أَقْمَنُ أَنْ يُحْفِظْنَكُمْ وَيُذَكّرْنَكُمْ قَتْلَى بَدْرٍ، فَإِنّ الْعَهْدَ حَدِيثٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ مُسْتَمِيتُونَ لَا نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إلَى دَارِنَا حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا أَوْ نَمُوتَ دُونَهُ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ: أَنَا أَوّلُ مَنْ أَجَابَ إلَى مَا دَعَوْت إلَيْهِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَشَى فِي ذَلِكَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا لَيْسَ بِرَأْيٍ، أَنْ تُعَرّضُوا حُرَمَكُمْ عَدُوّكُمْ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ [ (٢) ] لَهُمْ، فَتَفْتَضِحُوا فِي نِسَائِكُمْ. فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: لَا كَانَ غَيْرُ هَذَا أَبَدًا! فَجَاءَ نَوْفَلٌ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، فَصَاحَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: إنّك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلَى نِسَائِك، نَعَمْ، نَخْرُجُ فَنَشْهَدُ الْقِتَالَ، فَقَدْ رُدّتْ الْقِيَانُ مِنْ الْجُحْفَةِ فِي سَفَرِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَقُتِلَتْ الْأَحِبّةُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَسْت أُخَالِفُ قُرَيْشًا، أَنَا رَجُلٌ مِنْهَا، مَا فَعَلَتْ فَعَلْت. فَخَرَجُوا بِالظّعُنِ.

قُتِلَتْ الْأَحِبّةُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَسْت أُخَالِفُ قُرَيْشًا، أَنَا رَجُلٌ مِنْهَا، مَا فَعَلَتْ فَعَلْت. فَخَرَجُوا بِالظّعُنِ. قَالُوا: فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِامْرَأَتَيْنِ- هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وَأُمَيْمَةَ [ (٣) ] بِنْتِ سَعْدِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَشْيَمَ بْنِ كِنَانَةَ. وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بِامْرَأَتَيْنِ، بَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ، وَهِيَ أُمّ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ الْأَصْغَرِ. وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بِامْرَأَتِهِ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، وَهِيَ مِنْ الْأَوْسِ، وَهِيَ أُمّ بَنِي طلحة، أمّ مسافع، والحارث، وكلاب، وجلاس،

بَنِي طَلْحَةَ. وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِامْرَأَتِهِ أُمّ جُهَيْمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ بِامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِامْرَأَتِهِ هِنْدِ بِنْتِ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، وَهِيَ أُمّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَخَرَجَتْ خُنَاسُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ الْمُضَرّبِ مَعَ ابْنِهَا أَبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَبْدَرِيّ. وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بِامْرَأَتِهِ رَمْلَةَ بِنْتِ طَارِقِ بْنِ عَلْقَمَةَ. وَخَرَجَ كِنَانَةُ بن علىّ بن ربيعة ابن عَبْدِ الْعُزّى بِامْرَأَتِهِ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتِ طَارِقٍ. وَخَرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ بِامْرَأَتِهِ قَتِيلَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ هِلَالٍ. وَخَرَجَ النّعْمَانُ وَجَابِرٌ ابْنَا مَسْكِ الذّئْبِ بِأُمّهِمَا الدّغُنّيّةِ. وَخَرَجَ غُرَابُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ بِامْرَأَتِهِ عَمْرَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهِيَ الّتِي رَفَعَتْ لِوَاءَ قُرَيْشٍ حِينَ سَقَطَ. حَتّى تَرَاجَعَتْ قُرَيْشٌ إلَى لِوَائِهَا. قَالُوا: وَخَرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ بِعَشَرَةٍ مِنْ وَلَدِهِ، وَحَشَدَتْ بَنُو كِنَانَةَ. وَكَانَتْ الْأَلْوِيَةُ يَوْمَ خَرَجُوا مِنْ مَكّةَ ثَلَاثَةَ أَلْوِيَةٍ عَقَدُوهَا فِي دَارِ النّدْوَةِ- لِوَاءٌ يَحْمِلُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ، وَلِوَاءٌ فِي الْأَحَابِيشِ [ (١) ] يَحْمِلُهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَلِوَاءٌ يَحْمِلُهُ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَيُقَالُ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَلَفّهَا عَلَى لِوَاءٍ وَاحِدٍ يَحْمِلُهُ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: وَهُوَ أَثْبَتُ عِنْدَنَا.

وَيُقَالُ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَلَفّهَا عَلَى لِوَاءٍ وَاحِدٍ يَحْمِلُهُ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: وَهُوَ أَثْبَتُ عِنْدَنَا. وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ بِمَنْ ضَوَى [ (٢) ] إلَيْهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ ثَقِيفٍ مِائَةُ رَجُلٍ، وَخَرَجُوا بِعُدّةٍ وَسِلَاحٍ كَثِيرٍ، وَقَادُوا مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُمِائَةِ دَارِعٍ وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ. فَلَمّا أَجْمَعُوا الْمَسِيرَ كَتَبَ الْعَبّاسُ

ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ كِتَابًا وَخَتَمَهُ، وَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثًا إلى رسول الله ﷺ يُخْبِرَهُ أَنْ قُرَيْشًا قَدْ أَجْمَعَتْ الْمَسِيرَ [ (١) ] إلَيْك فَمَا كُنْت صَانِعًا إذَا حَلّوا بِك فَاصْنَعْهُ. وَقَدْ تَوَجّهُوا إلَيْك [ (٢) ] ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقَادُوا مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَفِيهِمْ سَبْعُمِائَةِ دَارِعٍ وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ، وَأَوْعَبُوا مِنْ السّلَاحِ. فَقَدِمَ الْغِفَارِيّ فَلَمْ يجد رسول الله ﷺ بالمدينة وَوَجَدَهُ بِقُبَاءَ [ (٣) ] ، فَخَرَجَ حَتّى يَجِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى بَابِ مَسْجِدِ قُبَاءَ يَرْكَبُ حِمَارَهُ، فَدَفَعَ إلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَاسْتَكْتَمَ أُبَيّا مَا فِيهِ، فَدَخَلَ مَنْزِلَ سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ فَقَالَ: فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: لَا، فَتَكَلّمْ بِحَاجَتِك. فَأَخْبَرَهُ بِكِتَابِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَجَعَلَ سَعْدٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ، وَقَدْ أَرْجَفَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَالْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا:

َعْدٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ، وَقَدْ أَرْجَفَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَالْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا: مَا جَاءَ مُحَمّدًا شَيْءٌ يُحِبّهُ. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَكْتَمَ سَعْدًا الْخَبَرَ. فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَرَجَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ إليه فقال: مَا قَالَ لَك رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ: مَا لَك وَلِذَلِكَ، لَا أُمّ لَك؟ قَالَتْ: قَدْ كُنْت أَسْمَعُ عَلَيْك. وَأَخْبَرَتْ سَعْدًا الْخَبَرَ، فَاسْتَرْجَعَ سَعْدٌ وَقَالَ: لَا أَرَاك تَسْتَمِعِينَ عَلَيْنَا وَأَنَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَكَلّمْ بِحَاجَتِك! ثُمّ أَخَذَ يَجْمَعُ لَبّتَهَا [ (٤) ] ، ثُمّ خَرَجَ يَعْدُو بِهَا حَتّى أَدْرَكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجِسْرِ [ (٥) ] وَقَدْ بَلَحَتْ [ (٦) ] ، فقال: يا رسول

اللهِ، إنّ امْرَأَتِي سَأَلَتْنِي عَمّا قُلْت، فَكَتَمْتهَا فَقَالَتْ قَدْ سَمِعْت قَوْلَ رَسُولِ اللهِ! فَجَاءَتْ بِالْحَدِيثِ كُلّهِ، فَخَشِيت يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَتَظُنّ أَنّي أَفْشَيْت سِرّك. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَلّ سَبِيلَهَا. وَشَاعَ الْخَبَرُ فِي النّاسِ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، وَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، سَارُوا مِنْ مَكّةَ أَرْبَعًا، فَوَافَوْا قُرَيْشًا وَقَدْ عَسْكَرُوا بِذِي طُوًى، فَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرَ، ثُمّ انْصَرَفُوا فَوَجَدُوا قُرَيْشًا بِبَطْنِ رَابِغٍ فَنَكّبُوا عَنْ قُرَيْشٍ- وَرَابِغٌ عَلَى لَيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.

َسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرَ، ثُمّ انْصَرَفُوا فَوَجَدُوا قُرَيْشًا بِبَطْنِ رَابِغٍ فَنَكّبُوا عَنْ قُرَيْشٍ- وَرَابِغٌ عَلَى لَيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمَةَ الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: لَمّا أَصْبَحَ أَبُو سفيان بالأبواء أخبر أنّ عمرو ابن سَالِمٍ وَأَصْحَابَهُ رَاحُوا أَمْسِ مُمْسِينَ إلَى مَكّةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَحْلِفُ بِاَللهِ أَنّهُمْ جَاءُوا مُحَمّدًا فَخَبّرُوهُ بِمَسِيرِنَا، وَحَذّرُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِعَدَدِنَا، فَهُمْ الْآنَ يَلْزَمُونَ صَيَاصِيَهُمْ، فَمَا أَرَانَا نُصِيبُ مِنْهُمْ شَيْئًا فِي وَجْهِنَا. فَقَالَ صَفْوَانُ: إنْ لَمْ يَصْحَرُوا [ (١) ] لَنَا عَمَدْنَا إلَى نَخْلِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَقَطَعْنَاهُ، فَتَرَكْنَاهُمْ وَلَا أَمْوَالَ لَهُمْ فَلَا يَجْتَبِرُونَهَا [ (٢) ] أَبَدًا، وَإِنْ أَصْحَرُوا لَنَا فَعَدَدُنَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهِمْ وَسِلَاحُنَا أَكْثَرُ مِنْ سِلَاحِهِمْ، وَلَنَا خَيْلٌ وَلَا خَيْلَ مَعَهُمْ، وَنَحْنُ نُقَاتِلُ عَلَى وِتْرٍ عِنْدَهُمْ وَلَا وِتْرَ لَهُمْ عِنْدَنَا. وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ قَدْ خَرَجَ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ أَوْسِ [ (٣) ] اللهِ حَتّى قَدِمَ بِهِمْ مَكّةَ حِينَ قَدِمَ النّبِيّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَقَامَ مَعَ قُرَيْشٍ وَكَانَ دَعَا قَوْمَهُ فَقَالَ لَهُمْ: إنّ مُحَمّدًا ظَاهِرٌ فَاخْرُجُوا بِنَا إلى قوم نوازرهم.

Bagian 8 dari 39