— Bagian 1 · مقدمة لفضيلة الأستاذ الدكتور منيع عبد الحليم محم… —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
مقدمة لفضيلة الأستاذ الدكتور منيع عبد الحليم محمود ﷽ أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين بالقاهرة- جامعة الأزهر الشريف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأطهار الطيبين أفضل الصلاة وأتم التسليم وبعد.. يقول الله تعالى معبرا عن الحكمة فى إرسال سيد الخلق ﷺ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» . ومن دعاء سيدنا إبراهيم، وسيدنا إسماعيل، وهما يرفعان القواعد من البيت: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . من هذه الآيات ومن غيرها: نعلم أن الحكمة فى إرسال الرسل، إنما هى تبليغ آيات الله، أى تعاليمه وأحكامه وتكاليفه إلى بنى البشر، إن الله تعالى: لم يرد أن يترك البشر دون هداية فى الأمور الأساسية لبناء المجتمع وهى: العقيدة، والأخلاق والتشريع، فأرسل لأهل الأرض الدستور السماوى الذى يؤدى اتباعه والعمل به، إلى تزكية النفس وتطهيرها وصفائها. فالأديان والرسل إنما كانوا لبيان الأسس والقواعد التى لا يقوم المجتمع الصالح بدونها، وكانوا أيضا لمصلحة الفرد التى تتمثل فى الارتفاع به إلى مستوى التزكية والطهر والصفاء وهو مستوى يجد فيه من يحققه السعادة كل السعادة والبهجة كل البهجة، ويشعر كل من يرتقى فى معارجه منغمسا فى نور هداية الله سبحانه بالسكينة تحيط به وبالطمأنينة تملأ جميع أقطاره ويشعر فوق كل ذلك رضوان من الله أكبر، حكمة إرسال الرسول ﷺ إذن إنما هى إسعاد المجتمع وإسعاد الفرد والرقى بالجميع وبالإنسانية إلى المستوى الذى يرضاه الله لهما وهو المستوى الربانى.
لله أكبر، حكمة إرسال الرسول ﷺ إذن إنما هى إسعاد المجتمع وإسعاد الفرد والرقى بالجميع وبالإنسانية إلى المستوى الذى يرضاه الله لهما وهو المستوى الربانى. يقول الله تعالى فى حديث قدسى: «من عادى لى وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه» .
وفى هذا الحديث الشريف يبدأ الله سبحانه بالتوجيه فى قوة إلى صفاء القلب وطهارة النية لأوليائه وأولياوه هم: الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ومن عاداهم فإنما يعادى المؤمن التقى ونتيجة هذه العداوة ما يقوله الله تعالى: «آذنته بالحرب» . ثم يرسم الله تعالى الطريق إلى حبه: وأول خطوة فى هذا الطريق أداء ما فرضته عليه، ولن يتأتى حبه تعالى دون الشرط الأول شرط القرب منه سبحانه، وهو أداء الفرائض. والحب دون أداء الفرائض زيف وكذب، بل إن أداء الفرائض شرط لحسن الظن بالله. لقد ترك قوم العمل وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، كما يقول رسول الله ﷺ: «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل» . لابد من أداء الفرائض وإلا لما كان لمهملها إلى القرب من الله تعالى من سبيل ومع أداء الفرائض فى جو القرب- الإكثار من النوافل، فإذا أكثر من النوافل أحبه الله تعالى. ويترتب على حب الله تعالى للعبد هذا الخير الكثير الذى ذكره الله سبحانه فى الحديث القدسى. ويربط أسلافنا- رضوان الله عليهم- ربطا محكما بين محبة الله تعالى واتباع رسول الله ﷺ متناسقين فى ذلك مع توجيه الله سبحانه قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» . وهذا الربط معناه الربط بين محبة الله تعالى والعمل.
توجيه الله سبحانه قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» . وهذا الربط معناه الربط بين محبة الله تعالى والعمل. ومقدمات محبة الله تعالى هى العمل. ونتيجة محبة الله هى العمل، يقول الإمام أبو سعيد الخراز: وبلغنا عن الحسن البصرى رضى الله عنهما أن أناسا قالوا على عهد رسول الله ﷺ: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبّا شديدا فجعل الله تعالى لمحبته علما وأنزل ﷿: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢» . فمن صدق المحبة اتباع الرسول ﷺ فى هديه وزهده وأخلاقه، والتأسى به فى الأمور كلها والإعراض عن الدنيا وزهرتها وبهجتها، فإن الله ﷿ جعل سيدنا محمدا ﷺ علما ودليلا وحجة على أمته. ومن صدق المحبة لله تعالى إيثار محبته تعالى فى جميع الأمور على نفسك، وهواك، وأن تبدأ فى الأمور كلها بأمره قبل أمر نفسك ويقول: فعلامة الحب الموافقة للمحبوب، والتجارى مع طرقاته فى كل الأمور والتقرب إليه بكل حيلة، والهرب من كل ما لا يعينه على مذهبه، أما عن صلة المحبة بالإيمان فإن الإمام الغزالى يقول: وقد جعل رسول الله ﷺ الحب لله من شرط الإيمان فى أخبار كثيرة، إذ قال أبو رزين العقيلى: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» . وفى حديث آخر: «لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين» ، وفى رواية: «ومن نفسه» . كيف وقد قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَ
إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «١» ، وإنما أجرى ذلك فى معرض التهديد والإنكار. وهى أيضا أن يجد حلاوة الإيمان. يقول رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ١- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ٢- وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ٣- وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يلقى فى النار» . ورسول الله ﷺ هو القدوة الحسنة فى أقواله وأفعاله وأحواله. يقول الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً «٢» . ويقول الشيخ الصاوى فى شرحه على تفسير الجلالين (الاقتداء برسول الله ﷺ واجب فى الأقوال والأفعال والأحوال لأنه لا ينطق عن هوى، ولا يفعل عن هوى بل جميع أفعاله وأقواله وأحواله عن ربه) . لذا قال العارف: وحصل بالهدى فى كل أمر ... فليس تشاء إلا ما يشاء والله ﷾ يقول فى سورة النجم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣» وإذا كان الاقتداء برسول الله ﷺ واجبا فإن له شروطا لا يتأتى الاقتداء الصحيح إلا بتحقيقها، وقد ذكرت الآية الكريمة هذه الشروط. والشرط الأول منها: أن يرجو الإنسان الله تعالى: ورجاء الله تعالى قد حذده الله سبحانه فى القرآن الكريم بقوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٤» فالعمل الصالح وعدم الشرك فى العبادة أمران لا زمان لمن كان يرجو لقاء الله فى صدق. ويقول الإمام ابن كثير فى ذلك: وهذا ركنا العمل المتقبل: لابد أن يكون خالصا لله، صوابا على شريعة رسول الله ﷺ. وعن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطنى. فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٥» .
رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٥» . رجاء اليوم الآخر هو الشرط الثانى والتأسى برسول الله ﷺ إنما يتمثل فى العمل لهذا اليوم حتى يلقى الله فيه وهو عنه راض. ويصف الله سبحانه الذين لا يرجون لقاءه، ولا يرجون اليوم الآخر فيقول: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٦» . والشرط الأخير فى الوصول إلى التأسى برسول الله ﷺ هو الذكر الكثير. ولقد سأل
رجل رسول الله ﷺ قائلا: إن شرائع الإسلام كثرت على، فأخبرنى بشىء أتشبث به، فقال له ﷺ: «لا يزال فوك رطبا من ذكر» . والله ﷾ يقول: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١» . كان أصحاب رسول الله ﷺ يقتدون به فى كل شىء ... أخرج البخارى ومسلم ومالك والترمذى والنسائى وابن ماجه عن سعيد بن يسار قال: كنت مع ابن عمر رضى الله عنهما فى طريق مكة فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، فقال ابن عمر رضى الله عنهما: أليس لك فى رسول الله أسوة حسنة؟ قلت: بلى. قال: فإنه كان يوتر على البعير. وأخرج البخارى ومسلم والنسائى وغيرهم عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة، ثم قرأ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٢» . أخرج أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما أن عمر رضى الله عنه أكب على الركن فقال: إنى لأعلم أنك حجر ولو لم أر رسول الله ﷺ قبلك واستلمك ما استلمتك وما قبلتك لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٣» .
الركن فقال: إنى لأعلم أنك حجر ولو لم أر رسول الله ﷺ قبلك واستلمك ما استلمتك وما قبلتك لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «٣» . من أجل هذه الأسس الأصيلة فى الإسلام منهج الحب والاتباع أو منهج العبودية كان كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للشيخ أحمد بن محمد القسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ هـ وهو حلقة هامة فى سلسلة طويلة من الكتب المباركة التى تناولت سيرة المصطفى ﷺ والقرآن هو المصدر الأول الذى تستمد منه صفات الرسول وأخلاقه ﷺ، سئلت السيدة عائشة- رضوان الله عليها- عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «كان خلقه القرآن» . والقرآن كان يتحدث عن الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- حديثا مباشرا يرسم القواعد فى العقيدة والأخلاق ويصور فى الوقت نفسه الطريق الذى كان يسير عليه السراج المنير الرؤف الرحيم- صلوات الله وسلامه عليه-، فالقرآن إذن المصدر الأول الذى تستمد منه صفات الرسول وأخلاقه ﷺ. والمصدر الثانى هى كتب الأحاديث الصحيحة وخيرها صحيح البخارى يليه صحيح مسلم وكل كتاب من كتب الأحاديث على وجه العموم يخصص قسما منه لصفات الرسول ﷺ وأخباره، ثم يأتى فى المرتبة الثالثة كتب السيرة القديم منها والحديث. ومن خير كتب السيرة سيرة ابن هشام والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلانى وكتاب الأنوار المحمدية للعارف بالله يوسف النبهانى. والإمام أحمد بن محمد القسطلانى مؤلف المواهب اللدنية بالمنح المحمدية من قمم علماء عصره، فكان إماما حافظا متقنا جليل القدر حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة بليغ العبارة حسن الجمع والتأليف لطيف الترتيب والترصيف زينة أهل عصره ونقاوة ذوى دهره، ولا يقدح فيه، تحامل معاصروه عليه فلا زالت الأكابر على هذا فى كل عصر. هكذا وصفه علماء التراجم وذكر صاحب كشف الظنون مؤلفات عديدة له نذكر منها: ١- إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى.
٢- الإسعاد فى تلخيص الإرشاد. ٣- اللآلئ السنية. ٤- مراصد الصلات فى مقاصد الصلاة. ٥- النور الساطع فى مختصر الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع. ٦- يقظة ذوى الاعتبار فى موعظة أهل الاغترار. ويوضح الإمام القسطلانى فى مقدمة كتابه الذى بين أيدينا المنهج العلمى الذى اتبعه فى تكوينه حتى أصبح من أهم المراجع فى السيرة النبوية المشرفة والتى نعتبرها أيضا أهم تفسير للقرآن الكريم فى كل العصور وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ونعتبرها أيضا الرد السليم على الإلحاد ومهاجمة دين الإسلام فى عصرنا الراهن ويعبر بحق عن الفهم العميق لنبوة الرسول ﷺ ما ذكره الإمام الأكبر عبد الحليم محمود شيخ الإسلام- تقدس سره- مما يجعلنا ندرك قيمة هذا المصدر يقول: يتحدث القرآن الكريم عن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه-، فى كثير من سوره، يقول سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً «١» . ويقول سبحانه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «٢» . ويقول سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «٣» . ومن أجل هذه الصلة الإلهية برسول الله ﷺ، أرشدنا الله ﷾ إلى اتخاذ الرسول أسوة، فقال سبحانه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً «٤» . بل أمرنا سبحانه أن نأخذ ما آتانا، وأن ننتهى عما نهانا عنه، وهددنا إذا لم نلتزم ذلك، فقال سبحانه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٥» . أما السر فى ذلك فهو: ١- أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-: لا ينطق عن الهوى ولا ينحرف عن صراط الله المستقيم، ولقد أقسم الله تعالى على ذلك فقال سبحانه:
السر فى ذلك فهو: ١- أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-: لا ينطق عن الهوى ولا ينحرف عن صراط الله المستقيم، ولقد أقسم الله تعالى على ذلك فقال سبحانه:
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «١» . ٢- كان رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- فى جميع أحواله حركة وسكونا، إشارة ونطقا، قلبا وقالبا، يمثل القرآن الكريم، وقد كان- صلوات الله وسلامه عليه- تطبيقا للقرآن، لقد لبس القرآن ظاهرا وباطنا، لقد كان قرآنا. ولقد وصفته السيدة عائشة رضى الله عنها وصفا دقيقا حينما سئلت عن خلقه، فقالت: «كان خلقه القرآن» . ومن كان خلقه القرآن كان أسوة، وكان قدوة، وكان على خلق عظيم، ومن هنا وصف الله ﷾ له إذ يقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٢» والحق، أننا حينما نريد أن نكون صورة واضحة تامة عن رسول الله، - صلوات الله وسلامه عليه-، فإن الطريق الوحيد لذلك: إنما هو الإحاطة بالقرآن إحاطة واضحة تامة، والإحاطة بالقرآن على هذا النسق ليست من السهولة بمكان، بل ليست بممكنة: فالقرآن فى كل يوم يتفتح عن معان جديدة للإنسانية، ويتفتح عن معان جديدة للشخص المتأمل المتدبر: وهذه المعانى الجديدة: - إنسانية عامة، أو فردية شخصية- إنما هى إيضاح وتفسير للصورة النبوية الكريمة. والعكس أيضا صحيح، فإن المتدبر المتأمل فى الصورة النبوية الكريمة عن طريق السيرة الصحيحة، والأحاديث المعتمدة، يفهم عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كل يوم جديدا، وهذا الفهم إنما هو تفسير وإيضاح لجوانب من القرآن الكريم. لقد امتزج الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بالقرآن- كما قدمنا- روحا وقلبا وجسما، وامتزج القرآن به عقيدة وأخلاقا وتشريعا: فكان، - صلوات الله وسلامه عليه-، قرآنا يسير فى الناس، وكان القرآن روحا ينتقل، وكان قلبا ينبض، وكان لسانا ينطق بالهداية والإرشاد. ولقد كان- صلوات الله وسلامه عليه- حريصا كل الحرص على أن يكون خلق الأمة الإسلامية القرآن، لقد عمل على ذلك طيلة بعثته. ويحدثنا القرآن الكريم عن موقف الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من الأمة فيقول سبحانه:
أن يكون خلق الأمة الإسلامية القرآن، لقد عمل على ذلك طيلة بعثته. ويحدثنا القرآن الكريم عن موقف الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من الأمة فيقول سبحانه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٣» . صلوات الله وسلامه عليك يا سيدى يا رسول الله. ويتحدث- صلوات الله وسلامه عليه- عن حرصه الشديد على هداية أمته فيقول:
«مثلى ومثلكم: كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذهبن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدى» . هذه هى صلة الرسول ﷺ بربه، وهذه هى صلته بأمته. لقد ارتفع- صلوات الله وسلامه عليه- إلى السماء بل وتجاوزها إلى سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى، لقد ارتفع إلى الأفق الأعلى فانغمس فى الأفق الأعلى وتلقى عن الله مباشرة كيفية الصلة به وهى الصلاة، ثم ... ثم انبسط إلى الأرض سراجا منيرا، رؤفا رحيما، هاديا، يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه. يقول أحد الصالحين: «صعد رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- إلى السماء وتجاوز بذلك النهايات الكونية ثم عاد إلى الأرض لقد كان فعلا أدنى من قاب قوسين، أقسم بالله لو صعدت إلى السماء لما حاولت العودة إلى الأرض مرة أخرى» . بيد أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- نبى ورسول فهو متصل بالله دائما: إنه فى السماء على الدوام، وهو متصل بالبشر، يؤدى رسالة السماء كاملة غير منقوصة. إنه كان على حد تعبير القرآن: بَشَراً رَسُولًا فهو ببشريته مع الناس، وهو بسره مع الله: إنه مع الناس بإرادة الله وتوجيهه وأمره، إنه مع الناس بكلمة الله ورسالته، إنه مع الناس رسول من قبل الله. وبهذه المعانى كلها يمكننا أن نقول: إنه دائما مع الله ويمكننا أن نقول: إنه- منذ اللحظة الأولى للبعثة- لم ينزل إلى الأرض قط، وإنما كان دائما مع الله ﷾، فهو- صلوات الله وسلامه عليه- يبيت عند ربه، يقول ﷺ: «لست كهيئتكم، أبيت عند ربى ... » . قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ «١» .
لله ﷾، فهو- صلوات الله وسلامه عليه- يبيت عند ربه، يقول ﷺ: «لست كهيئتكم، أبيت عند ربى ... » . قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ «١» . إنه- صلوات الله وسلامه عليه-: «بشر» وما يجول فى خلد مسلم قط أن يخرجه عن البشرية، ولكنه- صلوات الله وسلامه عليه- «بشر يوحى إليه» . وما يتأتى قط أن يوحى الله إلى بشر إلا إذا أصبح وكأنه قطعة من النور: صفاء نفس، وطهارة قلب، وتزكية روح. فمنتهى القول فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم وبعض الناس حينما يقرأ القرآن الكريم، فتمر عليه الآية الكريمة: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ «٢» . يقف عند كلمة: (بشر) فيحاول التركيز عليها وتوجيه الانتباه كله إليها، وتحويل الأنظار كلها نحوها، فيتحدث عن خصائص البشرية العادية ويبرزها، ويندفع فى هذا الاتجاه المنحرف اندفاعا لا يتناسب قط مع قوله تعالى: يُوحى إِلَيَّ* بل إنه فى اندفاعته الهوجاء ينسى يُوحى إِلَيَّ* ويهملها إهمالا.
إنه ليس بنادر فى هذا العصر الحاضر أن يجرؤ بعض الناس فيتحدث عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-، وعن خطئه- معاذ الله- فى الرأى، وعن إصابته فيه، ويسير هذا البعض فى حديثه أو فى كتابته مستنتجا ومستنبطا وحاكما، وينسى فى كل ذلك: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «١» ، وينسى فى كل ذلك: يُوحى إِلَيَّ، وينسى: «لست كهيئتكم» ، وينسى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «٢» . وينسى أن بعض المسائل يمكن أن تكون لها حلول مختلفة، كلها صحيحة: بعضها رفيق رحيم، وبعضها عادل حاسم، وأن الله ﷾ قد بيّن للأمة الإسلامية أن رسوله- صلوات الله وسلامه عليه- وهو على صواب دائما- إنما يتخذ الحل الذى يتناسب مع ما حلاه الله به من الرأفة، وما فطره عليه سبحانه من الرحمة، وهو الحل الذى يتناسب مع طابع الرسالة الإسلامية العام: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٣» . والله سبحانه ببيانه ذلك فى هذه المواضع التى كان من الممكن أن يقف فيها الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- مع العدالة الحاسمة، فعدل عن ذلك إلى الرأفة الرحيمة ... أن الله ﷾ ببيانه ذلك، إنما يمدح الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-، ويبين أن منزع الرحمة إنما هو الغالب عليه، - صلوات الله وسلامه عليه-. ولم يلغ الله سبحانه اتجاها عاما سار فيه الرسول، ولم ينقض قضية كلية أقرها، - صلوات الله وسلامه عليه-، ولم ينف مبدأ أثبته رسوله، فما كان- صلوات الله وسلامه عليه- يسير إلا على هدى من ربه، وعلى بصيرة من أمره، وقد شهد الله له بذلك حيث قال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ.. «٤» . وما فعل الله فى كل ما تمسك به المنحرفون، وتمحك فيه المتمحكون إلا بيان رحمة الرسول، - صلوات الله وسلامه عليه-، ورأفته: أى أنه سبحانه كان يبين فى هذه المواطن فضله- صلوات الله وسلامه عليه- وأنه- كما وصفه سبحانه-: على خلق عظيم، والبون شاسع بين هذه الوجهة الربانية، وبين التحدث عن خطأ وصواب، وأوضاع بشرية يركز عليها ولا يلتفت لسواها. ولنضرب لذلك مثلا: أن الذين ديدنهم الجدل يتحدثون كثيرا عن قوله تعالى:
هة الربانية، وبين التحدث عن خطأ وصواب، وأوضاع بشرية يركز عليها ولا يلتفت لسواها. ولنضرب لذلك مثلا: أن الذين ديدنهم الجدل يتحدثون كثيرا عن قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «٥» . ويقذفون مباشرة بقولهم: أن العفو لا يكون إلا عن خطأ. ولهؤلاء نقول: أن الأساليب العربية فيها من أمثال هذا لكثير، ومنها قولهم مثلا: غفر الله لك، لم تشق على نفسك كل هذه المشقة؟
عفا الله عنك، لم تعنّى نفسك فى سبيل هؤلاء؟ وكأن القائل يقول: رضى الله عنك، لم ترهق نفسك كل هذا الإرهاق؟ أن الآية القرآنية من هذا الوادى. وضم هذه الآية الكريمة إلى أختها التى فى سورة النور: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «١» . تجد المعنى واضحا جليا، وهو أن الله سبحانه، فوض الأمر لنبيه، - صلوات الله وسلامه عليه-، فى أن يأذن لهم أو لا يأذن. ليس النبى إذن معاتبا بهذه الآية- وحاشاه- بل كان ﷺ مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه الله أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، ولتخلفوا بسبب نفاقهم، وأنه مع ذلك لا حرج عليه فى الإذن لهم، إنها آية مدح للرسول غاية فى الرقة ... ومن غير شك قد صدر الإذن لهم عن قلب رحيم، وعن هذا القلب الرحيم، وعن هذه الرحمة الفياضة، كان الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يصدر فى أحكامه، وما كان فى ذلك إلا متبعا لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» . وهكذا الأمر فى كل ما يمارى فيه الممارون. ومع ذلك فإننا نريد أن نزيد الأمر وضوحا فى الفرق بين من يركز على «بشر» ومن يركز على «يوحى إلى» لأهميته الكبرى، فنقص القصة التالية، ذات المغزى العميق، والقصة يرويها ابن عطاء الله السكندرى رضى الله عنه فى شرحه لقصيدة ولى الله: (أبو مدين) رضى الله عنه، يقول: زار بعض السلاطين ضريح أبى يزيد رضى الله عنه وقال: هل هنا أحد ممن اجتمع بأبى يزيد؟ فأشير إلى شيخ كبير فى السن كان حاضرا هناك. فقال له: هل سمعت شيئا من كلام أبى يزيد؟ فقال: نعم سمعته قال: «من زارنى لا تحرقه النار» . فاستغرب السلطان ذلك الكلام، فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك، وأبو جهل رأى النبى ﷺ وتحرقه النار؟
بى يزيد؟ فقال: نعم سمعته قال: «من زارنى لا تحرقه النار» . فاستغرب السلطان ذلك الكلام، فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك، وأبو جهل رأى النبى ﷺ وتحرقه النار؟ فقال ذلك الشيخ للسلطان: أبو جهل لم ير النبى ﷺ، إنما رأى (يتيم أبى طالب) ، ولو رآه ﷺ لم تحرقه النار. ففهم السلطان كلامه وأعجبه هذا الجواب منه، أى أنه لم يره بالتعظيم والإكرام والأسوة، واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لم تحرقه النار، لكنه رآه باحتقار، واعتقاد أنه (يتيم أبى طالب) ، فلم تنفعه تلك الرؤية. ولسنا هنا بصدد الحديث عن أبى يزيد رضى الله عنه، وإنما نريد أن نتحدث عن كلمة الشيخ للسلطان من أن أبا جهل لم ير النبى ﷺ وإنما رأى (يتيم أبى طالب) . هذه النظرة لأبى جهل هى التى نريد أن يتنزه المؤمنون عنها.
والمؤمنون- بحمد الله- لا يقعون فى هذا الإثم متعمدين، وإنما يتسلل هذا الإثم إلى بعض النفوس فى صورة لا شعورية، عندما يركز بعضهم على بشرية الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- وكأنه لا شىء فيه غير البشرية. ومن الغريب أنهم حينما يتحدثون عن البشرية، ويركزون عليها يعتبرون أنفسهم تقدميين متطورين، وفاتهم أن هذه النظرة لأبى جهل إنما هى النظرة التى يتبناها المستشرقون والمبشرون فى العصر الحاضر، ليقللوا من شأن الرسول فى نظر مواطنيهم. وما كان المستشرقون فى تركيزهم على بشرية الرسول إلا متابعين فى ذلك زعيمهم الأكبر فى هذه النزعة- وهو أبو جهل. وكل من يركز على بشرية الرسول من الكتاب المسلمين إنما هو بذلك يتابع المستشرقين والمبشرين فى هذه النزعة، أو يتابع أبا جهل وهم فى ذلك ليسوا تقدميين ولا متطورين، وإنما هم من الرجعيين حيث ترجع فكرتهم إلى ما قبل ثلاثة عشر قرنا مضت، يتزعمهم فيها أبو الجهل كله، وأبو الظلمة القلبية كلها!!. ليس هناك إذن اجتهاد وخطأ وصواب، وإنما هناك تصرفات تصدر عن الكرم والرحمة، فيتحدث الله مبينا طبيعة رسوله الكريمة، وفطرته الرحيمة ورأفته الواضحة، ويبين فى الوقت نفسه: أن بعض هؤلاء الذين فاضت عليهم هذه الرحمة ليسوا جديرين بها وليسوا أهلا لها لفساد فطرهم وسوء نواياهم. من الحقائق المعروفة أن الإنسان يميل إلى التركيز على: «بشر» أو على: «يوحى إلى» حسب قوة شعوره الدينى وضعفه، فالذى لا إيمان له لا يرى إلا البشرية، ومن ضعف إيمانه يركز على البشرية. ويخفف التركيز على البشرية كلما قوى الإيمان، ويزداد التركيز على: «يوحى إلى» كلما ازداد الإيمان، حتى يصل الإنسان إلى ألا يرى أو لا يكاد يرى إلا «يوحى إلى» . صلوات الله وسلامه عليك يا سيدى يا رسول الله. وهناك إذن طرفان يمثلان فريقين من الناس. طرف: «بشرا» أو، «قل: إنما أنا بشر مثلكم» . وطرف: «يوحى إلى» أو «رسولا» ، وبين الطرفين يتأرجح عدد لا يحصى من المسلمين نزولا وارتفاعا، انخفاضا وسموّا.
طرف: «بشرا» أو، «قل: إنما أنا بشر مثلكم» . وطرف: «يوحى إلى» أو «رسولا» ، وبين الطرفين يتأرجح عدد لا يحصى من المسلمين نزولا وارتفاعا، انخفاضا وسموّا. وأن مقياس الإيمان قوة وضعفا، مقياس درجة الإيمان الذى لا يخطئ، إنما هو ما وقر فى القلب أو غلب عليه، من البشرية أو من: «يوحى إلى» إنهما يمثلان ما يوضع فى كفتى ميزان. دع ما ادعته النصارى فى نبيهمو ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ولعلك تتساءل الآن عن هذا الذى لا يرى أو لا يكاد يرى، إلا: «يوحى إلى» ماذا يرى؟ وكيف يرى؟. ما هى النظرة التى تنأى بنا عن: «يتيم أبى طالب» لتقربنا من «الأسوة» ؟ كيف ينبغى أن تكون نظرة المؤمن لرسول الله- صلوات الله وسلامه عليه-؟.
والواقع أن الصورة الكاملة عن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- يلزم لها أن يصل الإنسان إلى مستواه- صلوات الله وسلامه عليه- أو إلى ما يقرب من مستواه وذلك لا يتأتى. بيد أنه إذا استحال ذلك فإنه من الميسور أن نورد صورتين، إحداهما: جاهلية، والآخرى إسلامية. والصورتان لسيدنا عمر رضى الله عنه. أما الصورة الأولى: فإنها «يتيم أبى طالب» كان سيدنا عمر يراها قبل أن يهديه الله للإسلام، وأراد سيدنا عمر أن يقتل «يتيم أبى طالب» حتى لا تتفرق كلمة القرشيين بسببه. ولكن دعاء رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه-: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمرو بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» كانت قد استجيبت لخير سيدنا عمر فهداه الله للإسلام، ولازم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- فناله من بركاته ومن خيره ما هيأه لأن يكون الخليفة الثانى للأمة الإسلامية أجمع، وأن يعز الله الإسلام به فى حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه-، وبعد وفاته. إن سيدنا عمر هذا الذى لم يكن للشيطان عليه من سبيل، والذى كان إذا سلك طريقا سلك الشيطان طريقا آخر: خشية منه ورهبة، والذى نزل القرآن أحيانا مصدقا لما رآه، إن سيدنا عمر صاحب: «يا سارية الجبل» يرسم لنا صورة إسلامية لسيده وحبيبه وصديقه ونبيه ورسوله- صلوات الله وسلامه عليه-. ولكن هذه الصورة: هى صورة سيدنا عمر، إنها تتناسب مع مستوى سيدنا عمر وهو من غير شك عظيم.
مية لسيده وحبيبه وصديقه ونبيه ورسوله- صلوات الله وسلامه عليه-. ولكن هذه الصورة: هى صورة سيدنا عمر، إنها تتناسب مع مستوى سيدنا عمر وهو من غير شك عظيم. ماذا كان يمكن أن يقول سيدنا أبو بكر- رضوان الله عليه-؟ وماذا كان يمكن أن يقول سيدنا على رضى الله عنه؟ وماذا كان يمكن أن يكون وصف سيدنا جبريل لو وصفه؟. إن الله ﷾ يقول عنه- صلوات الله وسلامه عليه-: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» . وما كانت كلمة السيدة عائشة- رضوان الله عليها-: «كان خلقه القرآن» إلا تفسيرا لما أشارت إليه الآية القرآنية الكريمة، أيمكنك أن تتصور المدى الذى تبلغه الآية الكريمة، وتفسير السيدة عائشة لها؟ أيتأتى لك أن تحيط بالقرآن، أستغفر الله وأتوب إليه. ولنعد إلى الصورة التى حاول رسمها صاحب: «يا سارية الجبل» ، لنعد إليها لنثبتها شارحين لبعض حوادثها، موضحين لبعض أنبائها، وسنجعل الإيضاح بين أقواس. بعد موت رسول الله ﷺ، سمع سيدنا عمر يبكى ويقول: «بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتها» . يروى البخارى ومسلم، وكتب السنة كلها تقريبا وكتب السيرة (حادث حنين الجذع) بعدة روايات، وننقل هنا إحدى روايات البخارى:
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كان النبى ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه» . بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده: أن جعل طاعتك طاعته، فقال ﷿: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» . بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده: أن بعثك آخر الآنبياء، وذكرك فى أولهم، فقال ﷿: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ «٢» . بأبى أنت وأمى يا رسول الله. لقد بلغ من فضيلتك عنده: أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون: يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا «٣» . بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تنفجر منه الأنهار فماذا (فليس ذلك) بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك يا سيدى يا رسول الله. إن نبع الماء من بين أصابعه الشريفة- صلوات الله وسلامه عليه-، لم يحدث مرة واحدة وإنما حدث عدة مرات، رواه البخارى ومسلم وغيرهما من كتب السنة، وروته كتب السيرة بروايات عدة، فى ظروف مختلفة، مما يدل على كثرة حدوثه، وننقل هنا إحدى روايات الإمام البخارى: عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية، والنبى ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ فجهش الناس، فأسرعوا وتكاثروا نحوه فقال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا من بين يديك. فوضع يده فى الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟. قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر، ورواحها شهر، فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح، صلى الله عليك. بأبى أنت وأمى يا رسول الله! لئن كان عيسى ابن مريم أعطاه الله إحياء الموتى، فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهى مشوية فقالت لك الذراع: لا تأكلنى فإنى مسمومة. يروى ابن سعد فى طبقاته:
ى ابن مريم أعطاه الله إحياء الموتى، فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهى مشوية فقالت لك الذراع: لا تأكلنى فإنى مسمومة. يروى ابن سعد فى طبقاته: أخبرنا سعيد بن محمد الثقفى، عن محمد بن عمر، عن أبى سلمة قال: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم، لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، فأهدت إليه يهودية شاة مصلية، فأكل رسول الله ﷺ منها هو وأصحابه، فقالت: إنى مسمومة، فقال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم، فإنها قد أخبرتنى أنها مسمومة» قال: فرفعوا أيديهم، قال: فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها الرسول ﷺ فقال: «ما حملك على ما صنعت» فقالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيّا لم يضرك وإن كنت ملكا أرحت الناس منك، قال: فأمر بها فقتلت. اه. بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «١» . ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا، فلقد وطىء ظهرك- تروى كتب السيرة أن عقبة بن أبى معيط وطأ على رقبته الشريفة وهو ساجد عند الكعبة، حتى كادت عيناه تبرزان- وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . لقد دمى وجهه- صلوات الله وسلامه عليه- وكسرت رباعيته فى غزوة أحد. روى ذلك البخارى ومسلم. أما حديث: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» فقد رواه البيهقى فى دلائل النبوة. بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد اتبعك فى قلة سنك، وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا فى كثرة سنه، وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. بأبى أنت وأمى يا رسول الله: لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تواكل إلا كفؤا لك ما واكلتنا، فقد والله جالستنا، ونكحت إلينا، وواكلتنا، ولبست الصوف، وركبت الحمار، وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض تواضعا منك صلى الله عليك وسلم. هذه صورة. ومن الطريف أن نذكر صورة أخرى استنتاجية، استنتجها رجل لم يكن يعرف الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-، ولكنه رجل واسع الأفق رحب الخيال دقيق التفكير. وقد اتخذ الاحتياط اللازم حتى لا يشوب الصورة أى مطعن، هذا الرجل هو: (هرقل) .
ل- صلوات الله وسلامه عليه-، ولكنه رجل واسع الأفق رحب الخيال دقيق التفكير. وقد اتخذ الاحتياط اللازم حتى لا يشوب الصورة أى مطعن، هذا الرجل هو: (هرقل) . أتاه كتاب رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه-، يدعوه إلى الإسلام فلم يهمل الكتاب ولم يمزقه، وإنما قرأه فى عناية وانتباه، ثم أراد أن يكون صورة صحيحة عن صاحب الخطاب، فسأل عما إذا كان بالمدينة بعض العرب الذين يعرفون الرسول فقيل له: إن بالمدينة تجارا من مكة يعرفون محمدا باعتباره من مواطنيهم فأمر بإحضارهم وكان منهم أبو سفيان. وسأل هرقل عن أقربهم نسبا إلى الرسول، فكان أبا سفيان فقربه منه وأدناه وقال لهم: إنى سائله عن أمور فإن كذبنى فكذبوه. يقول أبو سفيان، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عليه. وسنترك المقدمات والأسئلة الأولى: لأنها واضحة من النتائج التى انتهى إليها هرقل:
إن هرقل بعد أن انتهى من الأسئلة: بدأ- عن طريق الترجمان- يقول لأبى سفيان، على مشهد من الملأ الحاضر من أصحاب هرقل، ومن أصحاب أبى سفيان: سألتك عن نسبه: فذكرت أنه فيكم ذو نسب. فكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت: أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت: أن لا. قلت: لو كان من آبائه من ملك، لقلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أن ضعفاؤهم اتبعوه. وهم: أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت: أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقّا فسيملك موضع قدمى هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم: فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. هذه الصورة التى كونها هرقل بمنطقه، ويمكن أن يكونها أو يكون مثيلات لها كل إنسان اتسع أفقه، ورحب تفكيره، وكل إنسان يصدق الله والحق: لابد أن ينتهى بما انتهى إليه هرقل
كونها هرقل بمنطقه، ويمكن أن يكونها أو يكون مثيلات لها كل إنسان اتسع أفقه، ورحب تفكيره، وكل إنسان يصدق الله والحق: لابد أن ينتهى بما انتهى إليه هرقل
من قوله: «لو كنت عنده لغسلت عن قدميه» وإنما يغسل عن قدميه، من أجل: «يوحى إلى» إذ إن من اصطفاه الله لرسالته جدير بأن يكون أهلا لذلك. بيد أن هذه النهاية التى انتهى إليها هرقل، إنما هى الشعار الدائم الذى لا ينتهى بانتقال الرسول إلى الملأ الأعلى، فالرسول حى بيننا الآن برسالته وهديه وتعاليمه والغسل عن قدميه الآن أو بتعبير آخر احترامه: إنما هو باتباع هديه، والتزام رسالته، وتقديره تقديرا يتناسب مع اصطفاء الله له ﷺ. ولقد ركز هرقل نوعا ما على الصدق والإخلاص، والواقع أن صورة الصدق والإخلاص كان يراهما كل من عرف الرسول ﷺ ولم تعمه عصبية، أو حسد أو هوى. على أن صورة الصدق والإخلاص: كانت سمة من السمات التى اتصف بها الرسول قبل بعثته، وبعد بعثته- صلوات الله وسلامه عليه-، لقد لازمته طيلة حياته، لقد كان مجرد الخبر يلقيه- صلوات الله وسلامه عليه-، يأخذه أعدى أعدائه على أنه واقع لا محالة. فهذا أمية بن خلف- عدو لدود- يتلاحى مع سعد بن معاذ رضى الله عنه، يريد أن يمنعه من الطواف بالكعبة، فيقول له سعد بن معاذ فى حدة المناقشة: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه قاتلك» ويضطرب قلب أمية بن خلف ويسأل فى لهفة وضعف وتخاذل: أو قال ذلك حقّا؟ فلما أكد له سعد بن معاذ الخبر أسقط فى يده وقال: لئن كان قال ذلك، لقد صدق، وقتل أمية بن خلف يوم بدر. على أن هذه الصورة تتمثل فى وضوح بيّن حينما أعلن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- إلى قريش نبوته، فقال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم تصدقونى؟» . لقد كانت إجابتهم عن هذا السؤال تعبر عن الحقيقة التى لمسوها فيه لقد قالوا: «نعم أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذبا قط» . وصورة أخرى، صورة لم يرتب لها ترتيب مروى ولم يؤد إليها منطق محكم، صورة لم تكن نتيجة عشرة طويلة، ورفقة قريبة، وإنما جاءت على البديهة، وأوحت بها الملاحظة السليمة.
، صورة لم يرتب لها ترتيب مروى ولم يؤد إليها منطق محكم، صورة لم تكن نتيجة عشرة طويلة، ورفقة قريبة، وإنما جاءت على البديهة، وأوحت بها الملاحظة السليمة. إنها الصورة التى كونتها عنه- صلوات الله وسلامه عليه- أم معبد الخزاعية، وهى صورة لا تخص الجانب المعنوى منه وإنما تتصل على الأخص بالجانب الظاهر، وأردنا أن نثبتها هنا لنثبت بها (هيئة) وظاهرا بعد أن أثبتنا زوايا من المعنويات، وجوانب من التقدير والإجلال، إن الصورة التى نثبتها الآن مجرد وصف، إنها تعبير عن ملاحظة. هاجر رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى المدينة يرافقه أبو بكر رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط. مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة قوية الأخلاق عفيفة تقابل الرجال، فتتحدث إليهم وتستضيفهم، وسألها الركب عن تمر أو لحم يشترونه فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فقد كانت سنة من السنين العجاف، فقالت لهم:
والله لو كان عندنا شىء ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى ركن الخيمة فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: هذه شاة خلفها التعب عن الغنم. فقال- صلوات الله وسلامه عليه-: هل بها من لبن؟ فقالت: هى أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين أن أحلبها؟» . قالت: نعم بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: «اللهم بارك لها فى شاتها» . فامتلأ ضرع الشاة ودر لبنها: فدعا بإناء لها كبير، فحلب فيه حتى ملأه فسقى أم معبد فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب ﷺ آخرهم وقال: «ساقى القوم آخرهم» . فشربوا جميعا مرة بعد مرة. ثم حلب فيه ثانية عودا على بدء، فغادروه عندها، ثم ارتحلوا عنها، فما لبثت أن جاء زوجها يسوق أعنزا عجافا هزلى فلما رأى اللبن عجب واستغرب وقال: «من أين لكم هذا ولا حلوبة فى البيت» ؟. قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. قال: والله إنى لأراه صاحب قريش الذى يطلب، صفيه لى يا أم معبد؟
ا ولا حلوبة فى البيت» ؟. قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. قال: والله إنى لأراه صاحب قريش الذى يطلب، صفيه لى يا أم معبد؟ قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلج (مشرق) الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة (ضخامة البطن) ولم تزر به صعلة (لم يشنه صغر الرأس) وسيم قسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف (طويل شعر الأجفان) ، وفى صوته صحل (رخيم الصوت) أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر، فى عنقه سطح (ارتفاع وطول) وفى لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقة خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق فصل لا نذر ولا هذر (لا عى فيه ولا ثرثرة فى كلامه) أجهر الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، ربعة (وسط ما بين الطول والقصر) لا تشنؤه (تبغضه) من طول ولا تقتحمه عين (تحتقره) من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا له رفقاء يخصون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود (يسرع أصحابه فى طاعته) ، محشود (يحتشد الناس حوله) ، لا عابث ولا منفذ (غير مخرف فى الكلام) . قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولو كنت وافقته يا أم معبد لتلمست أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت لذلك سبيلا. هذه هى الصورة التى حاولت أم معبد رسمها.
أما سيدنا عمرو بن العاص فإنه يقول فى صراحة وصدق- عندما حضرته الوفاة وعندما تذكر الماضى فخنقته العبرات، وتحدث مع ابنه عن أشياء عدة فى صورة مؤثرة-: (ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت: لأنى لم أكن أملأ عينى منه) . هذا وبالله التوفيق. أ. د/ منيع عبد الحليم محمود أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين بالقاهرة جامعة الأزهر
الجزء الأول
﷽
المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستهديه ونسعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد ... إننا أمام كتاب يتحدث عن سيرة رسول الله- ﷺ، ولدراسة سيرة رسول الله- ﷺ مكانة خاصة، لا أقول فى نفوس متبعيه فقط، بل فى نفوس معاديه أيضا! وذلك يرجع إلى مكانة رسول الله- ﷺ التى لم ينلها أحد قبله، ولن ينالها أحد بعده. فهو صفوة خلقه ورسوله إليهم جميعا عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، كما ورد فى حديث فضلت على الأنبياء بست فذكر منهم فكان النبى قبلى يرسل إلى قومه خاصة، وأرسلت إلى الناس عامة أبيضهم وأسودهم. ومن رحمة الله ﷿ بخلقه أنه عندما يختار لهم رسولا يجعله قدوة وأسوة فى حياته لما يدعو إليه، لا كلاما نظريّا فحسب، بل ترجمة عملية واقعية لما يدعو إليه، لأن الله ﷿ يعلم أن ذلك أبلغ وأوقع فى نفوس المتبعين، ولعل ذلك من أسباب كون الرسل من البشر لا من الملائكة؛ لأن طبيعة الملائكة تختلف عن طبيعة البشر، فلن تكون حياتهم أسوة لنا بخلاف الرسل من البشر.
متبعين، ولعل ذلك من أسباب كون الرسل من البشر لا من الملائكة؛ لأن طبيعة الملائكة تختلف عن طبيعة البشر، فلن تكون حياتهم أسوة لنا بخلاف الرسل من البشر.
ولأن حياة الرسل، وبخاصة رسولنا- ﷺ أسوة لنا اهتم العلماء قديما وحديثا بالتصنيف فى سيرة حياته- ﷺ، لنعرف عنه كل كبيرة وصغيرة، بل لم نجد أتباع رسل اهتموا بكل تفاصيل حياته خاصها وعامها كما اهتم علماؤنا بسيرة سيد الخلق أجمعين، محمد- ﷺ، ولذلك حظيت حياته عن غيره من الأنبياء بمصنفات شتى لا تعد ولا تحصى ليجد كل واحد منا بغيته فى معرفة حياة رسولنا- ﷺ. ثم إن دراسة سيرة الرسول- ﷺ لا تقف عند حد معرفة شمائله ﷺ فقط، بل معرفة شرعه- ﷺ، حيث إن فى سلوكه مع ربه نعرف هديه فى العبادات، ثم سلوكه مع من حوله نعرف هديه فى معاملة الخلق، فإذا كان مع زوجه عرفنا هديه فى معاملة الأزواج، وإن كان مع صاحب أو جار عرفنا هديه فى معاملة الأصحاب والجيران، ثم مع أعدائه عرفنا هديه فى السلم والحرب، وكيف نعامل أعداءنا!!، كل ذلك بضوابطه الشرعية التى بينتها سيرة رسول الله- ﷺ. ومن هؤلاء صاحب كتابنا شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلانى، وهو كتاب يتضمن السيرة والمغازى والخصائص والشمائل وأعلام النبوة، وسيرته- ﷺ فى العبادة، ولعله بذلك قد استوعب كل جوانب حياته ﷺ سواء كانت علاقته بربه، أو مع خلقه كأزواجه وأصحابه، حيث كان نعم الأب ونعم الأخ ونعم الزوج. إلا أنا نجد أنا صاحبنا قد غالى بعض الشىء فى مناقبه- ﷺ، قد بينا ذلك فى موضعه، ولا ننكر أنها قليلة بالنسبة إلى الكتاب عامة ولكن الأدب مع رسول الله- ﷺ أن نضعه فى المكانة التى أراد الله ﷿ أن يضعه فيها، بل هو أيضا قد أمرنا بذلك، حيث قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ، وليس فى ذلك نقص من مكانته- ﷺ، بل هذا رفعة له أن نصفه بأنه عبد ورسول، بل إن الله ﷿ حينما أراد أن يصفه فى أعظم رحلة على وجه الأرض
: عبد الله ورسوله» ، وليس فى ذلك نقص من مكانته- ﷺ، بل هذا رفعة له أن نصفه بأنه عبد ورسول، بل إن الله ﷿ حينما أراد أن يصفه فى أعظم رحلة على وجه الأرض
وهى رحلة الإسراء والمعراج لم يختر له إلا هذا اللقب فقال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ.. الآية. والخير كل الخير فى أن نقف عند ما وصفه به ربه، دون مغالاة أو تقصير حيث إن كلاهما مرفوض. ثم إن لنا كلمة أخيرة حول هذا العنوان وهو «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» حيث إن كلمة «اللدنية» تعطى انطباعا على أن «لدنه» غير «لدنى» مع العلم بأن سيرة رسول الله- ﷺ معلومة للجميع، لا لدنّ فيها، كما أن هذه الكلمة وردت على لسان الخضر- ﵇ مما أوحاه الله إليه، مما يدل على أنه رسول على الصحيح بوحى الله له، لأنه لا يحق لأحد مخالفة ظاهر الشريعة بحجة أى تأويل، إلا عن وحى أوحاه الله له، وهذا لا يكون إلا للأنبياء، أما غيرهم، فلا يصح لهم إلا ظاهر الشريعة، وإلا اتهمناه. ولذلك كان الأولى والأجدر بمصنفنا أن يختار اسما آخر غير هذا العنوان حتى لا يلتبس مع من يخالفون ظاهر النصوص بتأويلات مرفوضة بحجة العلم اللدنى الذى ما أنزل الله به من سلطان.
در بمصنفنا أن يختار اسما آخر غير هذا العنوان حتى لا يلتبس مع من يخالفون ظاهر النصوص بتأويلات مرفوضة بحجة العلم اللدنى الذى ما أنزل الله به من سلطان.
كلمة عن مصادر السيرة النبوية إن المتتبع لما ألف فى السيرة النبوية، وما يلحقه من الخصائص النبوية، والشمائل المحمدية، وأعلام النبوة ودلائلها، يرى حشدا هائلا من المصادر والمراجع مما لا يكاد يحصيه مؤلف. وقد ذكر طرفا منهم العلامة السفاوى- ﵀ فى «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» (ص ١٤٦- ١٦٠) ومما قاله بهذا الصدد فى آخر حديثه عنها «إلى غيرها مما لو حصل التصدى لجمعه كله فى كتاب لكان من عشرين مجلدا فأكثر» (ص ١٦٠) ، وكذلك ذكر بعضها العلامة الكتانى فى «الرسالة المستطرقة لبيان كتب السنة المشرفة» (ص ١٠٥- ١١٠ و ١٩٧- ٢٠٣) ، والمحاولة القيامة من الدكتور صلاح الدين المنجد فى كتابه: «معجم ما ألف عن رسول الله- ﷺ» . ناهيك عن الكتب المؤلفة فى الكتب والفنون والمؤلفين والعلوم الإسلامية مثل كتاب الدكتور فؤاد سزكين «تاريخ التراث العربى» مما يجعلنا نكاد نجزم بأنه ما من شاردة ولا واردة فى حياته- ﷺ إلا وذكرت ورويت عنه- بطريقة الإسناد- مما لم يتوفر لأحد فى القديم ولا الحديث ولا فيما سيأتى، والله أعلم. وقد كانت بداية التدوين فى السيرة أو فى المغازى والسير فى عصر التابعين ومن تلاهم أى فى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى وأولى من عرف بذلك جماعة منهم: ١- سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجى. ٢- سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى. ٣- عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى المتوفى سنة ٩٧ هـ. ٤- سهل بن أبى حثمة المدنى الأنصارى. ٥- أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبى المتوفى سنة ١٠٣ هـ. وقد ذكرت المصادر أن له كتابا فى «المغازى» .
٦- أبان بن عثمان بن عفان المتوفى سنة ٩٦ أو ١٠٥ هـ. ٧- عروة بن الزبير بن العوام الأسدى، المتوفى سنة ٩٢ أو ٩٣ أو ٩٥ هـ. ٨- شرحبيل بن سعد. ٩- عاصم بن عمر بن قتادة المدنى، أبو عمرو المتوفى سنة ١٢٠ هـ. ١٠- أبو محمد القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق المتوفى سنة ١٠٧ هـ. ١١- الزهرى، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب (٥٠- ١٠١) ، قيل إنه أول من أسند الحديث، وأول من دون السيرة، وعليه مدار سلاسل كثيرة من الأسانيد فى السيرة النبوية (انظر الروض الأنف ١/ ١٢٢، وحلية الأولياء ١/ ٢) . وقد جمعت سيرته تحت اسم «المغازى» (بتحقيق سهيل زكار) . ١٢- السبيعى، أبو إسحاق عمرو عبد الله الهمدانى (المتوفى سنة ١٢٧) . ١٣- يعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفى المدنى (المتوفى سنة ١٢٣) . ١٤- عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدنى. وقد دون الحديث بأمر من عمر بن عبد العزيز وقيل هو من أوائل من دون فيه. (توفى سنة ١٣٠/ أو ١٣٥ هـ) . ١٥- يزيد بن رومان الأسدى المدنى، مولى آل الزبير (توفى سنة ١٣٠ هـ) . ١٦- أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسدى ربيب عروة بن الزبير (توفى سنة ١٣١ هـ) . ١٧- داود بن الحسين الأموى تلميذ عكرمة ونافع وشيخ ابن إسحاق ومالك (توفى سنة ١٣٥ هـ) .
ن نوفل بن الأسود الأسدى ربيب عروة بن الزبير (توفى سنة ١٣١ هـ) . ١٧- داود بن الحسين الأموى تلميذ عكرمة ونافع وشيخ ابن إسحاق ومالك (توفى سنة ١٣٥ هـ) .
١٨- أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمى (توفى سنة ١٤٣ هـ) . وغالب من ذكرنا من أعلام هذه الطبقات لم تصلنا مؤلفاتهم بل وصلنا شذرات من مروياتهم فى كتب المغازى والتاريخ كمغازى ابن إسحاق والواقدى وتاريخ الطبرى. ١٩- موسى بن عقبة بن أبى عياش أبو محمد الأسدى (المتوفى سنة ١٤١ هـ) ، روى عن مالك قوله «عليكم بمغازى ابن عقبة فهى أصح المغازى» وقد وصلنا قسم من مروياته فى ابن سعد والطبرى. ٢٠- محمد بن إسحاق بن يسار (٨٥- ١٥١ أو ١٥٢ هـ) قال ابن سيد الناس: «وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحاق، إذ هو العمدة فى هذا الباب لنا ولغيرنا» «١» . وقال الزهرى: لا يزال بالمدينة علم ما بقى هذا، يعنى ابن إسحاق. وقال شعبة: «محمد بن إسحاق أمير المحدثين» ، وقال ابن المدينى: مدار حديث رسول الله- ﷺ على ستة فذكرهم، ثم قال: وصار علم الستة عن اثنى عشر أحدهم ابن إسحاق. وسئل ابن شهاب الزهرى عن المغازى فقال: هذا أعلم الناس بها، يعنى ابن إسحاق. وقال الشافعى «من أراد أن يتبحر فى المغازى فهو عيال على ابن إسحاق» ، وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصرى: محمد بن إسحاق قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه منهم سفيان وشعبة وابن عيينة والحمادان وابن المبارك وإبراهيم بن سعد، وقال عباس الدورى، سمعت أحمد بن حنبل وذكر محمد بن إسحاق فقال: أما فى المغازى وأشباهه فيكتب، وأما فى الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ومد يده وضم أصابعه ... إلخ. ولابن إسحاق كتاب المغازى معروف وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام: المبتدأ والمبعث والمغازى وقد طبع «المغازى والسير» بتحقيق سهيل زكار ... ٢١- معمر بن واقد مولى بنى حدان من بطون الأزد (توفى سنة
قسمه إلى ثلاثة أقسام: المبتدأ والمبعث والمغازى وقد طبع «المغازى والسير» بتحقيق سهيل زكار ... ٢١- معمر بن واقد مولى بنى حدان من بطون الأزد (توفى سنة
١٥٤ هـ) ألف أيضا «المغازى» وكان عبد الرزاق بن همام راوية كتبه. وروى الطبرى معظم روايته للمغازى. ٢٢- الحنيفى: أبو محمد بن عبد الرحمن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان (توفى سنة ١٦٢ هـ) كتابه «السيرة» أحد المصادر الأساسية لمغازى الواقدى. ٢٣- أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندى، معاصر لابن إسحاق وأحدث منه سنّا. (توفى سنة ١٧٠ هـ) ، له أيضا «المغازى» حصل الخطيب على إجازة روايته فى دمشق. وقد وصل إلينا قسم منه فى كتاب الواقدى. ٢٤- إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزارى (توفى سنة ١٨٨ هـ) له كتاب «السير فى الأخبار» . ٢٥- أبو إسماعيل محمد بن عبد الله الأزدى البصرى (توفى فى الربع الأخير من القرن الثانى الهجرى) . ٢٦- يحيى بن سعيد بن أبان الأموى الكوفى (توفى سنة ١٩٤ هـ) له «المغازى» وقد وصلت إلينا قطع منه عند البخارى وذكر طرفا من أخباره ابن كثير فى قسم السيرة من البداية والنهاية. ٢٧- أبو العباس الوليد بن مسلم الأموى الدمشقى (توفى سنة ١٩٥ هـ) . ٢٨- أبو حذيفة إسحاق بن مبشر بن محمد البخارى (المتوفى سنة ٢٠٦ هـ) . ٢٩- الواقدى: أبو عبد الله محمد بن عمر (١٣٠- ٢٠٧ هـ) كان الثانى بعد ابن إسحاق فى العلم بالمغازى والسير والتواريخ، قال أحمد: «هو بصير بالمغازى» وقال فيه أيضا «الواقدى يركب الأسانيد» وللعلماء فى قبول حديثه بين معدّل ومجرح «١» . وللواقدى كتاب «المغازى» مطبوع ومحقق وله كتب أخرى غيره مطبوعة أيضا. كفتوح الشام.
٣٠- أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميرى المعافرى (توفى سنة ٢١٨ أو ٢١٣ هـ) اشتهر بالسيرة وهو مختصر لابن إسحاق. مع بعض الزيادات أو التعقيبات والتصحيحات. وهى روايته عن البكائى عن ابن إسحاق. كما اشتهر شرحها للسهيلى المعروف بالروض الأنف، ولسيرته شروح واختصارات كثيرة. وقد طغت شهرة سيرته على مغازى ابن إسحاق نفسه حتى إنها لا تكاد تذكر إلا قليلا بجانبها. وقد طبعت السيرة النبوية لابن هشام طبعات عدة بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد مرة، وبتحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبيارى وعبد الحفيظ شلبى مرة ثانية، وللأستاذ عبد السلام هارون تهذيب لها مشهور، وقام أخيرا بتحقيقها الدكتور عمر عبد السلام تدمرى وطبعتها دار الكتاب العربى فى بيروت فى أربعة مجلدات. وابن هشام هو الذى أطلق على كتابه اسم «السيرة» فقال فى مستهله «هذا كتاب سيرة رسول الله- ﷺ» . ٣١- ابن سعد، وهو أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصرى الزهرى المعروف بكاتب الواقدى. وقد اعتمد عليه فى كثير من مروياته. (ولد سنة ١٦٨ هـ وتوفى سنة ٢٣٠ هـ ببغداد) وهو صاحب «الطبقات» المعروفة باسمه وقد تضمن سيرة رسول الله- ﷺ ونبذا من أخبار الصحابة والتابعين وسيرهم. قال الخطيب: «محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى فى كثير من رواياته وهو أحد شيوخ البلاذرى المؤرخ الكبير، أجل كتبه «الطبقات الكبير» . والكتاب له مخطوطات كثيرة وهو مطبوع. ٣٢- ابن عائذ، أبو عبد الله محمد بن عائذ بن أحمد الدمشقى القرشى (المتوفى سنة ٢٣٣ هـ فى دمشق) له المغازى، نقل عنه ابن سيد الناس فى «عيون الأثر» . ٣٣- حماد بن إسحاق بن إسماعيل الأزدى (المتوفى سنة ٢٦٧ هـ) . ٣٤- أبو زرعة عبد الرحمن بن عبد الله الدمشقى (المتوفى سنة ٢٨٠ هـ فى دمشق) .
«عيون الأثر» . ٣٣- حماد بن إسحاق بن إسماعيل الأزدى (المتوفى سنة ٢٦٧ هـ) . ٣٤- أبو زرعة عبد الرحمن بن عبد الله الدمشقى (المتوفى سنة ٢٨٠ هـ فى دمشق) .
٣٥- أبو على محمد بن هارون بن شعيب الأنصارى (المتوفى سنة ٣٥٣) ثم تتابعت بعد هؤلاء كتب كثيرة فى السيرة النبوية نذكر من أبرزها: ١- جوامع السيرة لأبى محمد على بن أحمد بن حزم الأندلسى المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. ٢- السيرة للحافظ الكبير عبد المؤمن بن خلف الدمياطى المصرى (توفى ٧٠٥ هـ) . ٣- «عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير» ، لابن سيد الناس أبو الفتح محمد بن محمد الأندلسى (توفى ٧٣٤ هـ) ولبرهان الدين إبراهيم ابن محمد الحلبى (توفى ١٠٤٤ هـ) شرح مشتهر عليه معروف «بإحسان العيون فى سيرة الأمين المأمون أو السيرة الحلبية» ... ٤- مختصر السيرة لابن حجر العسقلانى (توفى سنة ٨٥٢ هـ) . ٥- المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لشهاب الدين أحمد بن محمد العسقلانى (توفى سنة ٩٢٣ هـ) وهو كتابنا هذا ويتضمن السيرة والخصائص والشمائل وأعلام النبوة وسيرته- ﷺ فى العبادة، ومن أفضل شروحها شرح العلامة الزرقانى. ٦- سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد «السيرة الشامية» لمحمد بن يوسف الصالح (توفى سنة ٩٤٢ هـ) . ٧- إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع للمقريزى أحمد بن على (توفى ٨٤٥ هـ) . ٨- بهجة المحافل وبغية الأماثل فى تلخيص المعجزات والسير والشمائل ليحيى بن أبى بكر العامرى (توفى ٨٩٣ هـ) . ٩- الدرر فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر القرطبى يوسف بن عبد الله (توفى سنة ٤٦٣ هـ) . ١٠- الوفا فى سيرة المصطفى لعبد الرحمن بن على بن الجوزى (توفى ٥٩٧ هـ) .
صار المغازى والسير لابن عبد البر القرطبى يوسف بن عبد الله (توفى سنة ٤٦٣ هـ) . ١٠- الوفا فى سيرة المصطفى لعبد الرحمن بن على بن الجوزى (توفى ٥٩٧ هـ) .
١١- الاكتفا فى مغازى المصطفى والثلاثة الخلفا للكلاعى (توفى سنة ٦٣٤ هـ) . ١٢- تاريخ الخميس فى أحوال أنفس النفيس للديار بكرى (المتوفى سنة ٩٦٦ هـ) «١» وهناك كتب ألفت فى التاريخ العام، عرجت على السيرة النبوية والمغازى وكتبت فيها بإطناب أو بإسهاب أشهرها: ١- طبقات ابن سعد المتقدم الذكر- قسم السيرة. ٢- تاريخ الإمام الطبرى (تاريخ الأمم والملوك) محمد بن جرير (توفى سنة ٣١٠ هـ) . ٣- المنتظم لابن الجوزى (توفى سنة ٥٩٧) . ٤- الكامل فى التاريخ لابن الأثير عز الدين على بن محمد بن الأثير (توفى سنة ٦٣٠ هـ) . ٥- تاريخ الإسلام للذهبى محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقى (توفى سنة ٧٤٨ هـ) . وقد طبع منه قسما السيرة والمغازى فى مجلدين بتحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمرى. ٦- البداية والنهاية لابن كثير (٧٧٤ هـ) . ٧- تاريخ دمشق لابن عساكر هبة الله على بن الحسين (توفى سنة ٥٧١ هـ) . وهناك مؤلفات فى السيرة تعدت السيرة إلى الحديث عن أمور أخرى من حياة الرسول- ﷺ من زاوية فقهية وحديثية من أمثال ما كتبه «ابن القيم الجوزية فى زاد المعاد فى هدى خير العباد» فضلا عن المنظومات فى السيرة والمغازى «٢» كنظم مسيرة ابن هشام للقصرى، وللديرينى وللعراقى والدميرى وابن الشهبة والبقاعى ... إلخ. جزى الله هؤلاء العلماء خير ما جزى عباده، ببركة كتابتهم عن رسول الله- ﷺ وحبهم له. ولله المنة والفضل يؤتيه من يشاء من عباده.
عملى فى الكتاب ١- ضبط الآيات القرآنية مع عزوها إلى اسم السورة ورقم الآية. ٢- تخريج الأحاديث النبوية مع بيان درجة صحتها من حيث القبول أو الرد مستفيدين فى ذلك من أقوال أهل هذا الشأن قديما وحديثا. ٣- ضبط النص ومراجعته ومقابلته مع بعض المصادر التى كان يعزو إليها لتصويب ما قد رأيناه من خطأ أو زلل. ٤- شرح غريب بعض الكلمات. ٥- عزو القارئ إلى كتب أخرى شاركت المصنف فى بعض المواضع للاستزادة والاستفادة. ٦- عمل ترجمة موجزة للمصنف للتعريف به. وأخيرا أسأل الله ﷿ أن يتقبل منا هذا العمل، وأن يجعله فى ميزان حسناتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير. وكتبه أبو عمرو عماد زكى البارودى ٢١ ذو القعدة سنة ١٤٢١ هـ الموافق ١٥ فبراير سنة ٢٠٠١ م
ترجمة المؤلف «١»
نسبه: هو أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك بن أحمد المعروف بالقسطلانى الإمام العلامة المسند المحدث أبو العباس شهاب الدين القتيبى المصرى ثم القاهرى، صاحب المؤلفات الحافلة والفضائل الكاملة.
ولادته ونشأته: ولد الإمام فى ثانى عشر ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر ونشأ بها، فحفظ القرآن والشاطبية والجزرية والوردية فى النحو وغير ذلك.
مشايخه: أخذ عن ابن حجر العسقلانى وعدة مشايخ منهم: عمر بن قاسم الأنصارى النشار وعبد الغنى الهيثمى والشهاب بن أسد وخالد الأزهرى النحوى، والفخر المقسمى والسخاوى، والبرهان العجلونى وشيخ الإسلام زكريا الأنصارى وقرأ صحيح البخارى فى خمسة مجالس على العلوى النشاوى وتتلمذ له. وأخذ بمكة أيضا عن جماعة منهم: النجم بن فهد وزينب ابنة الشوبكى.
صفاته: لقد كان من أزهد الناس كثير الأسقام قانعا متعفف، وكان منقادا إلى
وى وتتلمذ له. وأخذ بمكة أيضا عن جماعة منهم: النجم بن فهد وزينب ابنة الشوبكى.
صفاته: لقد كان من أزهد الناس كثير الأسقام قانعا متعفف، وكان منقادا إلى
الحق من رد له سهوا أو غلطا، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة شجى الصوت، مشارك فى الفضائل، متواضع متودد لطيف العشرة. وكان يجلس للوعظ بالجامع الغمرى فيجتمع عنده الجم الغفير ليس له نظير فى الوعظ، وكان له اعتقاد تام فى الصوفية. ولى مشيخة مقام أحمد بن أبى العباس الحرار بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وكتب بخطه لنفسه ولغيره. ويحكى أن جلال الدين السيوطى كان ينقصه ويزعم أنه يسرق من كتبه ويستمد منها ولم ينسب النقل إليها وأدعى عليه بذلك بين يدى شيخ الإسلام زكريا الأنصارى فألزمه ببيان مدعاه فقال: إنه نقل عن البيهقى وله عدة مؤلفات فليذكر لنا أنه ذكره فى أى من مؤلفاته لنعلم أنه نقله عنه، ولكنه رأى ذلك فى مؤلفاتى فنقله، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطى عنه. ثم إن الشيخ القسطلانى قصد إزالة ما فى خاطره فمشى من القاهرة حافى مكشوف الرأس إلى الروضة وكان السيوطى معتزلا عن الناس بها. فوصل إلى بابه ودقه فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلانى جئت إليك حافيا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علىّ. فقال له: قد طاب ولم يفتح له الباب ولم يقابله. وحج غير مرة وجاور سنة أربع وثمانين وأربع وتسعين وستين قبلها، وبالجملة فإنه كان إماما حافظا متقنا جليل القدر حسن التقرير والتحرير لطيف الإشارة بليغ العبارة حسن الجمع والتأليف لطيف الترتيب والترصيف زينة أهل عصره ونقاوة ذوى دهره ولا يقدح فيه، تحامل معاصريه عليه فلا زالت الأكابر على هذا فى كل عصر. قال عنه الشعراوى: كان من أحسن الناس وجها طويل القامة حسن الشيب يقرأ بالأربع عشرة رواية: وكان صوته بالقرآن يبكى القاسى إذا قرأ فى المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء وقال: أقام عند النبى- ﷺ فحصل له جذب فصنف المواهب اللدنية لما صحا، وقد أكثر فيه من
الاستشهاد بكلام سيد وفا وكان يميل إلى الغلو فى رفعة قدر النبى- ﷺ حتى أنه اختار مذهب مالك فى تفضيل المدينة على مكة «١» .
ية لما صحا، وقد أكثر فيه من
الاستشهاد بكلام سيد وفا وكان يميل إلى الغلو فى رفعة قدر النبى- ﷺ حتى أنه اختار مذهب مالك فى تفضيل المدينة على مكة «١» .
وفاته: وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة لعروض فالج له، نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاء الله المكى صديق السلطان الغورى، بحيث سقط عن دابته وأغمى عليه فحمل إلى منزله ثم مات بعد أيام، وصلى عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة ودفن بقبة قاضى القضاة بدر الدين العينى من مدرسته بقرب جامع الأزهر. وتأثر كثير من الناس لموته لحسن معاشرته وتواضعه، وصلى عليه غائبة بدمشق مع جماعة منهم: البرهان ابن أبى شريف. وقال ابن أياس: وافق يوم وفاته دخول السلطان سليم عنوة إلى مصر وتملكه بها.
مصنفاته: قال فى النور: ولقد ارتفع شأنه فأعطى السعادة فى قلمه وكلمه وصنف التصانيف المقبولة التى سارت بها الركبان فى حياته، وأول دليل على قبول أعماله وإخلاصه فى تأليفه عناية الناس بكتابه المواهب اللدنية ومغالاتهم فى ثمنه، ومن تصانيفه: ١- إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى «٢» : وهو فى عشرة مجلدات. ٢- الإسعاد فى تلخيص الإرشاد «٣» : من فروع الشافعية لشرف الدين المقرى. ٣- إمتاع الأسماع والأبصار «٤» .
٤- الأنوار المضية فى شرح البردة «١» . ٥- تحفة السامع والقارى بختم صحيح البخارى «٢» . ٦- رسالة فى الربع المجيب «٣» . ٧- الروض الزاهر فى مناقب الشيخ عبد القادر «٤» . ٨- زهر الرياض «٥» . ٩- العقود السنية فى شرح المقدمة الجزرية «٦» : فى القراآت. ١٠- فتح الدانى فى شرح حرز الأمانى «٧» : للشاطبى. زاد فيه زيادات ابن الجزرى مع فوائد غريبة لا توجد فى غيره. ١١- فتح المواهبى فى مناقب الشاطبى «٨» . ١٢- الكنز فى حمزة وهشام على الهمز «٩» . ١٣- اللآلئ السنية «١٠» . ١٤- لطائف الإشارات لفنون القراآت «١١» . ١٥- لوامع الأنوار فى الأوعية والأذكار «١٢» . ١٦- مدارك المرام فى مسالك الصيام «١٣» .
١٧- مراصد الصلات فى مقاصد الصلاة «١» . ١٨- مسالك الخفا إلى مشارع الصلاة على النبى المصطفى «٢» . ١٩- مشارق الأنوار المضية فى شرح الكواكب الدرية «٣» . ٢٠- منهاج الابتهاج فى شرح الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج «٤» : وهو إلى نحو نصفه فى ثمان مجلدات. ٢١- منهاج الهداية «٥» . ٢٢- المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: فى السيرة النبوية «٦» . ٢٣- نزهة الأبرار فى مناقب الشيخ أبى العباس أحمد الحرار «٧» . ٢٤- نفائس الأنفاس فى الصحبة واللباس «٨» . ٢٥- النور الساطع فى مختصر الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع «٩» : للسخاوى. ٢٦- يقظة ذوى الاعتبار فى موعظة أهل الاغترار «١٠» .
كلمة عن كتاب المواهب اللدنية إن كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية جامع للسيرة النبوية المطهرة حسب تسلسلها الزمنى ابتداء من المولد وانتهاء بالوفاة، ويتضمن المغازى
واهب اللدنية إن كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية جامع للسيرة النبوية المطهرة حسب تسلسلها الزمنى ابتداء من المولد وانتهاء بالوفاة، ويتضمن المغازى
والسرايا والبعوث والوفود والغزوات ثم الحديث عن صفات النبى- ﷺ. وخصائصه وجمال خلقه وخلقه ومواليه وأزواجه وسراريه وخدمه وركوبه وسلاحه وأصناف ثيابه ومعجزاته وغير ذلك. وقد قال ابن العماد الحنبلى عنه: «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» كتاب جليل المقدار عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير فى بابه» «١» . وقال صاحب كتاب كشف الظنون: «وقد شرح كتاب المواهب المولى العلامة خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقى بن يوسف الزرقانى المصرى المالكى المتوفى سنة (١١٢٢ هـ) ؛ شرحا حافلا فى أربع مجلدات جمع فيه أكثر الأحاديث المروية فى شمائل المصطفى وسيرته وصفاته الشريفة» «٢» . وقال الزرقانى شارح الكتاب: «وله- أى القسطلانى- عدة مؤلفات أعظمها هذه المواهب اللدنية التى أشرقت من سطورها أنوار الأبهة والجلالة وقطرت من أديمها ألفاظ النبوة والرسالة أحسن فيها ترتيبا وضعا وأحكمها ترصيعا ووضعا وكساه الله فيها رداء القبول ففاقت على كثير مما سواها عند ذوى العقول» . وللشيخ أبى الضياء على بن على الشبراملسى سنة (١٠٨٧ هـ) . حاشية على المواهب فى خمس مجلدات ضخام نقلها الأمينى فى خلاصة السير، وقد لخصه يوسف النبهانى فى كتاب سماه «الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية» . طبع فى بيروت سنة (١٣١٠ هـ) . وقد اعتمد مصنف كتاب المواهب اعتمادا كبيرا على كتاب الشفا للقاضى عياض. وقال الزرقانى شارحه: «لقد صدق المصنف- ﵀ فإنه فى هذا الكتاب اقتبس من أنوار الشفا وتعلق بأذياله فى غالب التقسيم والأبواب حتى أنه اقتفى أثره فى صدر الخطبة ... » .
نى شارحه: «لقد صدق المصنف- ﵀ فإنه فى هذا الكتاب اقتبس من أنوار الشفا وتعلق بأذياله فى غالب التقسيم والأبواب حتى أنه اقتفى أثره فى صدر الخطبة ... » .
كما كان لكتاب فتح البارى للعسقلانى أثره أيضا وقد ذكر ذلك فى المقدمة فقال: «مستمدا من فتح البارى فيض فضله السارى» . وفى خاتمة الكتاب أيضا إشارة إلى ذلك قوله: «واستفتحت مغاليق المعانى بمغاشيح فتح البارى ... » . وقوله أيضا: «وقد انتهت كتابة النسخة المنقولة منها النسخة المباركة النافعة- إن شاء الله تعالى- فى خامس عشر شعبان المكرم سنة تسع وتسعين وثمانمائة وكان الابتداء فى المسودة المذكورة ثانى يوم قدومى من مكة المشرفة صحبة الحاج فى شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة» . فيكون على ذلك أنه قضى فى تأليفه مدة سنة وثمانية أشهر تقريبا.
صورة بداية الجزء الأول من المخطوط
صورة نهاية الجزء الأول من المخطوط
صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من المخطوط
صورة بداية الجزء الثانى من المخطوط
صورة الصفحة قبل الأخيرة من الجزء الثانى من المخطوط
صورة آخر المخطوط
المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمّديّة تأليف الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ هـ
﷽



