المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 29 dari 49 2019 halaman

— Bagian 29 · وله، لم يقصد بها إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب بما … —

Bagian 29

وله، لم يقصد بها إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد. وهل المراد بقوله تعالى: «ن» اسم الحوت، وهل المراد به الجنس، أو البهموت وهو الذى عليه الأرض؟

وقيل: المراد به الدواة وهو مروى عن ابن عباس، ويكون هذا قسما بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق، وتارة بالكتابة. وقيل: إن «ن» لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به الله. رواه معاوية بن قرة مرفوعا. والحق أنه اسم للسورة، وأقسم الله تعالى بالكتاب وآلته وهو القلم الذى هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذى جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحى، وقيد به الدين، وأثبتت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد فى المعاش والمعاد، وقام فى الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظا تشفى مواعظه القلوب من السقم، وطبيبا يبرئ بإذن بارئه من أنواع الألم على تنزيه نبيه ورسوله محمد المحمود فى كل أفعاله وأقواله مما غمصته أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له بقوله تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «١» . وكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة عن معارضته، وكلّت عن مماثلته، وعرّفهم من الحق ما لا تهتدى إليه عقولهم، بحيث أذعنت له عقول العقلاء، وخضعت له ألباب الألباء، وتلاشت فى جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها إلا التسليم له، والانقياد والإذعان طائعة مختارة، فهو الذى كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدى. ثم أخبر تعالى عن كمال حالتى نبيه- ﷺ فى دنياه وآخرته فقال: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ «٢» أى: ثوابا غير منقطع، بل هو دائم مستمر، ونكر الأجر للعظيم، أى أجرا عظيما لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير. ثم أثنى عليه بما منحه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣» وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة- رضى الله عنها- عن خلقه- ﷺ فقالت: «كان خلقه القرآن» ومن ثم قال ابن عباس وغيره: أى على دين

عظيم، وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هى أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه- ﷺ المقتبسة من القرآن، فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلا وتبيينا، وعلومه علوم القرآن، وإراداته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه فى تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين- لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها- عن هذا كله بقولها: «كان خلقه القرآن» ، وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى. ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ «١» أى فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظما فى القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين، وتستولى عليهم بالقتل والنهب.

الفصل الثانى فى قسمه تعالى على ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العلى لديه قال الله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٢» السورة. أقسم تعالى على إنعامه على رسوله- ﷺ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه فى الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد. وأقسم تعالى بايتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته ووحدانيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم- كما حكاه الإمام فخر الدين- الضحى بوجهه- ﷺ والليل بشعره، قال: ولا استبعاد فيه. وتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذى يوافى بعد ظلام

وفسر بعضهم- كما حكاه الإمام فخر الدين- الضحى بوجهه- ﷺ والليل بشعره، قال: ولا استبعاد فيه. وتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذى يوافى بعد ظلام

الليل، للمقسم عليه وهو نور الوحى الذى وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدا ربّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحى ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. وأيضا فإن الذى اقتضت رحمته أن لا يترك عباده فى ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم لا يتركهم فى ظلمة الجهل والغى بل يهداهم بنور الوحى والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه. وتأمل هذه الجزالة والرونق الذى على هذه الألفاظ، والجلالة التى على معانيها. ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه، والتوديع: الترك، والقلى: البغض، أى: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أبغضك منذ أحبك، وحذف «الكاف» من «قلا» اكتفاء بكاف ودعك، ولأن رؤوس الآيات بالياء فأوجب اتفاق الفواصل حذفها. وهذا يعم كل أحواله، وإن كل حالة يرقيه إليها هى خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقربه عينه وتفرح به نفسه، وينشرح له صدره، وهو أن يعطيه فيرضى. وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر والظفر بأعدائه يوم بدر وفتح مكة، ودخول الناس فى الدين أفواجا، والغلبة على بنى قريظة والنضير، وبث عساكره وسراياه فى بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين فى أقطار الأرض من المدائن، وقذف فى قلوب أعدائه من الرعب، ونشر الدعوة، ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه فى موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود، وما يعطيه فى الجنة من الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر. وقال ابن عباس: يعطيه ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها المسك وفيها ما يليق بها. وبالجملة: فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه- ﷺ كل ما يرضيه. وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى واحد من أمته فى النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه- صلوات الله وسلامه عليه- يرضى بما يرضى به ربه تبارك

من أمته فى النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه- صلوات الله وسلامه عليه- يرضى بما يرضى به ربه تبارك

وتعالى، وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ثم يحد لرسول الله- ﷺ حدّا يشفع فيهم- كما سيأتى فى المقصد الأخير- إن شاء الله تعالى- ورسوله- ﷺ أعرف به وبحقه من أن يقول: لا أرضى أن تدخل أحدا من أمتى النار أو تدعه فيها، بل ربه ﵎ يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه، ولا يشفع فى غير من أذن له ورضيه. ثم ذكره سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى «١» وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم من قولهم: درة يتيمة، أى: ألم يجدك واحدا فى قريش عديم النظير فاواك إليه وأغناك بعد الفقر. ثم أمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من شكر النعمة الحديث بها. وقيل المراد بالنعمة النبوة، والتحدث بها: تبليغها.

الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه ص فيما أتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى فى خطابه قال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٢» . أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغى. واختلف المفسرون فى المراد بالنجم بأقاويل معروفة. منها: «النجم» على ظاهره، وتكون «أل» لتعريف العهد فى قول، ولتعريف الجنس فى آخر، وهى النجوم التى يهتدى بها. فقيل: الثريا إذا سقطت وغابت، وهو مروى عن ابن عباس فى رواية على بن أبى طلحة وعطية. والعرب إذا أطلقت النجم تريد به الثريا. وعن ابن عباس فى رواية

عكرمة: النجوم التى ترمى بها الشياطين إذا سقطت فى آثارها عند استراق السمع، وهذا قول الحسن، وعن السدى الزهرى، وعن الحسن أيضا النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقيل المراد به النبت الذى لا ساق له، و «هوى» أى سقط على الأرض. وقيل: القرآن، رواه الكلبى عن ابن عباس، لأنه نزل نجوما على رسول الله- ﷺ وهو قول مجاهد ومقاتل والضحاك. وقال جعفر بن محمد بن على ابن الحسين: هو محمد- ﷺ «إذا هوى» أى نزل من السماء ليلة المعراج. وأظهر الأقوال- كما قاله ابن القيم- أنها النجوم التى ترمى بها الشياطين، ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التى نصبها الله تعالى آية وحفظا للوحى من استراق الشياطين. على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدى الوحى، وحرسا له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه فى غاية الظهور. وفى المقسم به دليل على المقسم عليه. وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويا، ولا عهد فى القرآن بذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه. وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت. وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة. بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه باياته، فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث، فإنه سبحانه إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، ثم إن بين المقسم به والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى. فإن قلنا إن المراد النجوم التى هى للاهتداء فالمناسبة ظاهرة، وإن قلنا إن المراد الثريا فلأنه أظهر النجوم عند الرائى، لأنه لا يشتبه بغيره فى السماء، بل هو ظاهر لكل أحد، والنبى- ﷺ تميز عن الكل بما منح من الآيات البينات، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أواخر الخريف فتقل الأمراض، والنبى- ﷺ لما ظهر قل الشرك، والأمراض القلبية.

ت، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أواخر الخريف فتقل الأمراض، والنبى- ﷺ لما ظهر قل الشرك، والأمراض القلبية.

وإن قلنا إن المراد بها القرآن فهو استدلال بمعجزته- ﷺ على صدقه وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى، وإن قلنا إن المراد النبات، فالنبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها، والقوى العقلية أولى بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل. وتأمل كيف قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ «١» ولم يقل: ما ضل محمد، تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غى ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى بقوله ﷿: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ «٢» . ثم نزه نطق رسوله- ﷺ أن يصدر عن هوى فقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣» ولم يقل: وما ينطق بالهوى، لأن نفى نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فيتضمن هو الأمرين: نفى الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغى والضلال. ثم قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٤» فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أى: ما نطقه إلا وحى يوحى، وهذا أحسن من جعل الضمير عائدا إلى القرآن، فإن نطقه بالقرآن والسنة، وإن كليهما وحى، قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «٥» وهما القرآن والسنة. وذكر الأوزاعى عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على رسول الله- ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها. ثم أخبر تعالى فى وصف من علمه الوحى والقرآن بما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى «٦»

آن يعلمه إياها. ثم أخبر تعالى فى وصف من علمه الوحى والقرآن بما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى «٦»

وهو جبريل، أى قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه لم يحصل للنبى- ﷺ به فضيلة ظاهرة. وهذا نظير قوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «١» كما سيأتى البحث فيه- إن شاء الله تعالى-. ثم أخبر ﷾ عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه. وأن القلب صدق العين، وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك. وفى حديث قصة الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، والله الموفق والمعين. وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ إلى قوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ «٢» . أى: لا أقسم إذا الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أو: أقسم، و «لا» مزيدة للتأكيد، وهذا قول أكثر المفسرين بدليل قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «٣» . قال الزمخشرى: والوجه أن يقال هى للنفى، أى أنه لا يقسم بالشىء إلا إعظاما له، فكأنه بإدخال حرف النفى يقول: إن إعظامى بإقسامى كلا إعظام، يعنى أنه يستأهل فوق ذلك. أقسم ﷾ بالنجوم فى أحوالها الثلاثة: فى طلوعها وجريانها وغروبها، وبانصرام الليل وإقبال النهار عقيبه من غيره فصل، فذكر ﷾ حالة ضعف هذا وإدباره، وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله، يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته أن القرآن قول رسول كريم، وهو هنا جبريل، لأنه ذكر صفته قطعا بعد ذلك بما يعينه به. وأما رَسُولٍ كَرِيمٍ فى «الحاقة» ٤٠ فهو محمد- ﷺ. فأضافه

إلى الرسول الملكى تارة، وإلى البشرى أخرى، وإضافته إليهما إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ «الرسول» يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذى يبلغ كلام من أرسله، فهذا صريح فى أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا- ﷺ، فجبريل تلقاه عن الله، ومحمد- ﷺ تلقاه عن جبريل. وقد وصف الله تعالى رسوله الملكى فى هذه السورة بأنه كريم يعطى أفضل العطايا، وهى العلم والمعرفة والهداية والبر والإرشاد، وهذا غاية الكرم. «ذو قوة» كما قال فى النجم: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى «١» فيمنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وروى أنه رفع قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها. عند ذى العرش مكين، أى متمكن المنزلة، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم. مطاع ثم، فى ملائكة الله المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، أمين على وحى الله ورسالته، فقد عصمه الله من الخيانة والزلل. فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد- ﷺ من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوّا وجلالة، فقد تولى الله تزكيته بنفسه، ثم نزه رسوله البشرى وزكاه مما يقول فيه أعداؤه، فقال: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ «٢» وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون. ثم أخبر عن رؤيته- ﷺ لجبريل- ﵇، وهذا يتضمن أنه ملك موجود فى الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر، خلافا لقوم؛ فحقيقته عندهم أنه خيال موجود فى الأذهان لا فى العيان، وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبى- ﷺ لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه ﵎، فإن رؤيته- ﷺ لجبريل هى

مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبى- ﷺ لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه ﵎، فإن رؤيته- ﷺ لجبريل هى

أصل الإيمان الذى لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعا، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب سبحانه أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة. ثم نزه تعالى رسوليه كليهما- صلى الله عليهما وسلم-، أحدهما بطريق النطق، والثانى بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذى هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذى يوجب التهمة، فقال: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ «١» فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان. والقراءتان كالآيتين، تضمنت إحداهما- وهى قراءة الضاد- تنزيهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت أبخل ومعناه، وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله، وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم. وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا: القرآن والوحى. قال الفراء: يقول الله تعالى: يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه، فلا يضنن به عليكم. وهذا معنى حسن جدّا، فإن عادة النفوس الشح بالشىء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول- ﷺ لا يبخل عليكم بالوحى الذى هو أنفس شىء وأجله. وقال أبو على الفارسى: المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا. وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدا بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذى هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمين فيه لا يزيد فيه ولا ينقص منه. وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد

ن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمين فيه لا يزيد فيه ولا ينقص منه. وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد

  • ﷺ، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكى بالأمانة ثم قال وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ «١» ثم قال: وما هو: أى وما صاحبكم بمتهم وبخيل فنفى سبحانه عن رسوله- ﷺ ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ «٢» الآية. أقسم تعالى بالأشياء كلها، ما يبصرون منها وما لا يبصرون، وهذا أعمّ قسم وقع فى القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما لا يرى ويدخل فى ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسى وكل مخلوق، وذلك من آيات قدرته وربوبيته، ففى ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله- ﷺ، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى وهو كلامه تعالى، لا كلام شاعر ولا مجنون، ولا كاهن، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ «٣» فكأنه ﷾ يقول: إن القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود، ويكفى الإنسان من جميع ما يبصره «نفسه» ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهد من أحواله ظاهرا وباطنا، ففى ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب سبحانه وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله- ﷺ، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم يخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده

واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم، فيسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم وبلادهم ونساءهم قائلا إن الله أمرنى بذلك، وأباحه لى؟ بل كيف يليق به أن يصدق بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلائل القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك. والمراد بالرسول الكريم هنا محمد- ﷺ كما قدمته- لأنه لما قال: إنه لقول رسول كريم ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون ما كانوا يصفون جبريل- ﵇ بالشعر والكهانة. ومن ذلك قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «١» . قيل المراد ب «الكتاب المكنون» اللوح المحفوظ. قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذى بأيدى الملائكة، وهو المذكور فى قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ «٢» قال مالك: أحسن ما سمعت فى هذه أنها مثل الذى فى «عبس» ، قال: ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، والأول أرجح لأن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تتنزل به الشياطين، أن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ «٣» وأيضا:

تتنزل به الشياطين، أن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ «٣» وأيضا:

فإن قوله لا يَمَسُّهُ «١» بالرفع، فهذا خبر لفظا ومعنى، ولو كان نهيا لكان مفتوحا. ومن حمل الآية على النهى احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهى، والأصل فى الخبر والنهى حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهى، انتهى ملخصا. وهذا الذى قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود، بأنه يجوز مس المصحف للمحدث. وقد أجاب ابن الرفعة فى «الكفاية» عن أدلتهم المزخرفة فقال ما نصه: القرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذى هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهى إلى اللوح المحفوظ لأنه غير منزل، ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون المراد بالمطهرين الملائكة،. لأنه قد نفى وأثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أن المراد: المطهرين من الآدميين، ويبين ذلك ما روى أنه- ﷺ قال فى كتاب عمرو بن حزم المروى فى الدار قطنى وغيره: «ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر» «٢» ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدى أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل لأن قوله لا يَمَسُّهُ «٣» بضم السين، ليس ينهى عن المراد ولو كان نهيا لكان بفتح السين، فهو إذا خبر. قلنا: أما قول «أكثر المفسرين» فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل، وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهى، وهو كثير فى القرآن، قال الله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها «٤» ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ «٥» . انتهى.

اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهى، وهو كثير فى القرآن، قال الله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها «٤» ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ «٥» . انتهى.

وأجاب العلامة البساطى فى شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن (يمسه) مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب فى «شافيته» انتهى. وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبى الشافعى، المشهور ب «السمين» ، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال فى «لا» هذه وجهان، الثانى: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فكّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ «١» ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضمة لأجل «هاء» ضمير المذكور الغائب، ولم يحفظ سيبويه فى نحو هذا إلا الضم. وفى الحديث «إنا لم نردّه عليك إلا أنا حرم» «٢» وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفا. قال: وبهذا الذى ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهيا لكان يقال: (لا يمسّه) بالفتح، لأنه خفى عليه جواز ضم ما قبل الهاء فى هذا النحو، لا سيما على رأى سيبويه فإنه لا يجيز غيره.

الفصل الرابع: فى قسمه تعالى على تحقيق رسالته قال الله ﷾: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ «٣» الآية. اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجى كان فى أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن إلا «نون» . ثم إن فى ذكر هذه الحروف فى أوائل السور أمورا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك. واختلف المفسرون فى معنى (يس) على أقوال:

أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طىء، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبى أنها بالسريانية. قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين، وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال (يس) ، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد- ﷺ ويدل عليه قوله تعالى إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ «١» . وتعقبه أبو حيان: بأن الذى نقل عن العرب فى تصغير إنسان: أنيسيان- بياء بعدها ألف- فدل على أن أصله: إنسيان، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، لا يعلم أنهم قالوا فى تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يا بنى على الضم لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز لأنه تحقير، ويمتنع ذلك فى حق النبوة. انتهى. قال السمين: وهذا الاعتراض الأخير صحيح، فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل فى الأسماء المعظمة شرعا، ولذلك يحكى أن ابن قتيبة لما قال فى «المهيمن» إنه مصغر من «مؤمن» والأصل: مؤتمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له: هذا يقرب من الكفر، فليتق الله قائله، انتهى. وقيل معنى (يس) يا محمد، قاله ابن الحنفية والضحاك. وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية. وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. وعن أبى بكر الوراق: يا سيد البشر. وعن جعفر الصادق: أنه أراد يا سيد، مخاطبة النبى- ﷺ وفيه من تعظيمه وتمجيده ما لا يخفى، وعن طلحة عن ابن عباس: أنه قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه. وعن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفى عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. ثم قال: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ «٢» وهو رد على الكفار حيث قالوا: لَسْتَ مُرْسَلًا «٣» فأقسم الله تعالى باسمه وكتابه:

إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أى طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة فى كتابه إلا له- ﷺ.

باده وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أى طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة فى كتابه إلا له- ﷺ.

الفصل الخامس فى قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «١» . والعمر والعمر واحد، ولكنه فى القسم يفتح لكثرة الاستعمال، فإذا أقسموا قالوا: لعمرك القسم. قال النحويون: ارتفع قوله (لعمرك) بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: قسمى، فحذف الخبر لأن فى الكلام دليلا عليه، وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: تالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله، فتحذف «أحلف» لعلم المخاطب بأنك حالف. قال الزجاجى: من قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله، ومن ثم قال المالكية والحنفية: ينعقد بها اليمين، لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك: لا يعجبنى الحلف بذلك. وقال الإمام الشافعى وإسحاق: لا يكون يمينا إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعى. واختلف فيمن المخاطب فى الآية على قولين: أحدهما: أن الملائكة قالت للوط- ﵇ لما وعظ قومه وقال: هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ «٢» : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «٣» ، أى يتحيرون فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟! والثانى: أن الخطاب لرسول الله- ﷺ، وأنه تعالى أقسم بحياته،

مْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «٣» ، أى يتحيرون فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟! والثانى: أن الخطاب لرسول الله- ﷺ، وأنه تعالى أقسم بحياته،

وفى هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال ابن عباس: ما خلق الله، وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد- ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «١» يقول: وحياتك وعمرك وبقائك فى الدنيا إنهم لفى سكرتهم يعمهون. رواه ابن جرير. ومراده بقوله: «وما سمعت الله» ؛ سمعت كلامه المتلو فى الكتب المنزلة. ورواه البغوى فى تفسيره بلفظ: وما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياته، وما أقسم بحياة أحد غيره، وذلك يدل على أنه أكرم خلق الله على الله، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد- ﷺ كلاما معترضا فى قصة لوط. قال القرطبى: وإذا أقسم الله تعالى بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا: أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبى- ﷺ ينعقد به يمينه وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكونه- ﷺ أحد ركنى الشهادة. وقال ابن خويز منداد: واستدل من جوز الحلف به- ﷺ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده- ﷺ أن يحلفوا به- ﷺ حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا خاصم أحدهم صاحبه قال له: احلف لى بحق ما حواه صاحب القبر، أو بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعنى النبى- ﷺ «٢» .

وقال الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ «١» الآية. أقسم تعالى بالبلد الأمين، وهى مكة أم القرى بلده- ﷺ، وقيده بحلوله- ﷺ فيه إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله. قاله البيضاوى. ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل، وما ولد: محمد- ﷺ، وعلى هذا فتتضمن السورة القسم به فى موضعين، وقيل المراد به آدم وذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين. وإنما أقسم تعالى بهم لأنهم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنظر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما فى الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم. وقوله: وَأَنْتَ حِلٌّ «٢» هو من: الحلول، ضد الظعن، فيتضمن إقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع واشتمل على خير العباد فقد جعل الله بيته هدى للناس، ونبيه إماما وهاديا لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: المعنى أنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذى يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروى عن شرحبيل بن سعد. وعن قتادة: وَأَنْتَ حِلٌّ «٣» أى لست باثم، وحلال لك أن تقتل بمكة

ن الذى يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروى عن شرحبيل بن سعد. وعن قتادة: وَأَنْتَ حِلٌّ «٣» أى لست باثم، وحلال لك أن تقتل بمكة

من شئت. وذلك أن الله تعالى يفتح عليه مكة وأهلها، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره، وحرم دار أبى سفيان. فإن قلت: هذه السورة مكية، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ «١» إخبار عن الحال، والواقعة التى ذكرت فى آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟ أجيب: بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى مستقبل، كقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» . وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول الله- ﷺ، ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم، وقد روى أن عمر ابن الخطاب- رضى الله عنه- قال للنبى- ﷺ: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ «٣» . وقال تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «٤» . اختلف فى تفسير العصر على أقوال. فقيل: هو الدهر، لأنه مشتمل على الأعاجيب، لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم وغير ذلك. وقيل: ذكر العصر الذى بمضيه ينقضى عمرك، فإذا لم يكنى فى مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل: إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل وفى تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوى وغيرهما: أنه أقسم بزمان الرسول- ﷺ. قال الإمام الرازى: واحتجوا له بقوله- ﷺ: «إنما مثلكم

وكل يوم مضى نقص من الأجل وفى تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوى وغيرهما: أنه أقسم بزمان الرسول- ﷺ. قال الإمام الرازى: واحتجوا له بقوله- ﷺ: «إنما مثلكم

ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لى من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لى من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لى من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، فقال الله تعالى: وهل نقصت من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلى أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا» «١» رواه البخارى. قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصره- ﷺ الذى هو فيه، فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه فى هذه الآية، وبمكانه فى قوله: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ «٢» ، وبعمره فى قوله لَعَمْرُكَ «٣» ، فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى.

النوع السادس فى وصفه تعالى له ص بالنور والسراج المنير اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله- ﷺ ب «النور» فى قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ «٤» ، وقيل المراد: القرآن. ووصفه- ﷺ أيضا ب «السراج المنير» فى قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً «٥» .

«السراج المنير» فى قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً «٥» .

والمراد: كونه هاديا مبينا كالسراج الذى يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم فى النورانية من الشمس، فكما أن الشمس فى عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبى- ﷺ تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية، ولذلك وصف الله الشمس بأنها سراج حيث قال: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً «١» . وكما وصف الله رسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» ، فليس فيهما نور إلا الله، ونوره القدسى هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذى أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجا منيره، يستمد منها من هو دونها بجود الله تعالى، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس فى الوجود إلا نور الله السارى إلى الشىء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه. والنور فى الأصل: كيفية يدركها الباصر أولا، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين- الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو معنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق فى التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به فى الأمور، ويؤيد هذا القول قراءة على بن أبى طالب وزيد بن

على وغيرهما (نوّر) فعلا ماضيا، و (الأرض) بالنصب. وقوله: (مثل نوره) أى: مثل هداه ﷾. وأضاف النور إلى السماوات والأرض إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضىء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماء والأرض، وأنهم يستضيئون به. وعن مقاتل: أى مثل الإيمان فى قلب محمد كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد- ﷺ، المصباح نظير الإيمان والنبوة فى قلب محمد- ﷺ. وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل- ﵉، والمصباح جسد محمد- ﷺ، والشجرة: النبوة والرسالة. وعن أبى سعيد الخراز «١» : المشكاة: جوف محمد- ﷺ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذى جعله الله فى قلب محمد- ﷺ. وعن كعب وابن جبير: النور الثانى هنا محمد- ﷺ. وعن سهل بن عبد الله: مثل نور محمد إذ كان مستودعا فى الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة صدره، أى كأنه كوكب درى لما فيه من الإيمان والحكمة. توقد من شجرة مباركة، أى من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة. وقوله: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ «٢» أى تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا القول الأخير القاضى أبو الفضل اليحصبى والفخر الرازى، لكنه عن كعب الأحبار.

َكادُ زَيْتُها يُضِيءُ «٢» أى تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا القول الأخير القاضى أبو الفضل اليحصبى والفخر الرازى، لكنه عن كعب الأحبار.

وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحى. قال عبد الله ابن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر لكن التفسير الأول فى هذه الآية هو المختار، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ «١» فإذا كان المراد بقوله (مثل نوره) أى مثل هداه كان ذلك مطابقا لما قبله. واختلفوا فى هذا التشبيه. أو هو مشبه جملة بجملة، لا يقصد فيها إلى تشبيه جزء بجزء، ومقابلة شىء بشىء، أو مما قصد منه ذلك؟ أى: مثل نور الله، الذى هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق، وبراهينه الساطعة، على الجملة كهذه الجملة من النور الذى تتخذونه أنتم على هذه الصفة التى هى أبلغ صفات النور الذى بين يدى الناس، أى: مثل نور الله فى الوضوح كهذا الذى هو منتهاكم أيها البشر. وقيل: هو من التشبيه المفصل، المقابل جزء بجزء، قد رده على تلك الأقوال الثلاثة. أى: مثل نوره فى محمد- ﷺ، أو فى المؤمنين، أو فى القرآن والإيمان كمشكاة، فالمشكاة هو الرسول أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة الوحى، والملائكة رسل الله إليه، وشبه الفضل به بالزيت وهو الحجج والبراهين، والآيات التى تضمنها الوحى. وعلى قول: «المؤمنين» ، فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التى تضمنتها.

وعلى قول: «الإيمان والقرآن» ، أى مثل الإيمان والقرآن فى صدر المؤمنين وفى قلبه كمشكاة. وأما الضمير على قول المؤمنين فى قراءة أبى المذكورة فى بعض التفاسير، ففيه إشكال من حيث الإفراد، وعن أبى: هو عائد على المؤمنين، وفى قراءته: مثل نور المؤمنين، وفى رواية عنه: مثل نور من آمن به. وعن الحسن: يعود على القرآن والإيمان.

من حيث الإفراد، وعن أبى: هو عائد على المؤمنين، وفى قراءته: مثل نور المؤمنين، وفى رواية عنه: مثل نور من آمن به. وعن الحسن: يعود على القرآن والإيمان.

النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٢» . وقال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «٣» . قال القاضى عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب. وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «٤» . يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك فى الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «٥» فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق فإن أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ

فإن أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ

فى شىء منها لم تكن طاعته طاعة الله تعالى، وأيضا وجب أن يكون معصوما فى جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله: وَاتَّبِعُوهُ» ، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى. وقال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ «٢» الآية. وهذا عام فى المطيعين لله من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام فى المعية فى هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله- ﷺ كان شديد الحب لرسول الله- ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه، وعرف الحزن فى وجهه، فسأله رسول الله- ﷺ عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بى وجع، غير أنى إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك، لأنى إذا دخلت الجنة فأنت تكون فى درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية. وذكر ابن أبى حاتم عن أبى الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله ما ينبغى لنا أن نفارقك، فإنك لو قد متّ لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية. وذكر عن عكرمة مرسلا، قال: أتى فتى النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لنا منك نظرة فى الدنيا ويوم القيامة لا نراك لأنك فى الجنة فى الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله- ﷺ: «أنت معى فى الجنة» . وذكر فيها أيضا روايات أخر ستأتى- إن شاء الله تعالى- فى مقصد محبته- ﷺ. لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول

هذه الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ، فهذه الآية عامة فى حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى. ثم إن ظاهر قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ «١» أنه يكفى الاكتفاء بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفى فى جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لابد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. قال الرازى: قد ثبت فى أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ «٢» أى فى كونه إلها، وطاعة الله فى كونه إلها هى معرفته والإقرار بجلالته وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد: فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة الله، فكل من كانت هذه الأنوار فى قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب، وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثانى: أن الله تعالى ذكر فى الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل، ثم ذكر فى هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم فى

ع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم فى

الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقى قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية، وقد ثبت وصح عنه- ﷺ أنه قال: «المرء مع من أحب» «١» ، وثبت عنه أيضا أنه قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا نزلتم منزلا إلا وهم معكم حبسهم العذر» «٢» ، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هى بالسر والروح لا بمجرد البدن، فهى بالقلب لا بالقالب، ولهذا كان النجاشى معه- ﷺ ومن أقرب الناس إليه، وهو بين النصارى بأرض الحبشة، وعبد الله بن أبى من أبعد الخلق عنه، وهو معه فى المسجد، وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون مع الرسول- ﷺ وأصحابه- رضى الله عنهم-، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم. وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «٣» . وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي «٤» وقال تعالى: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٥» إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع رسوله- ﷺ مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة،

جعل سبحانه اتباع رسوله- ﷺ مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة،

فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله- ﷺ فدل على أن متابعة الرسول هى حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفى ذلك فى العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شىء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان شىء عنده أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذى لا يغفر لصاحبه ألبتة ولا يهديه الله، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «١» ، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصا من كتاب «مدارج السالكين» ، وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى مقصد محبته- ﷺ. وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢» . أى إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول واتباعه، تنبيها على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو فى الضلالة، فكل ما أتى به الرسول- ﷺ يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل. وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا «٣» يعنى القرآن،

فالإيمان به- ﷺ واجب متعين- على كل أحد. لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه، قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً «١» أى ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «٢» الآية. معناه: فوربك، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ «٣» و «لا» مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما فى لِئَلَّا يَعْلَمَ «٤» ولا يؤمنون جواب. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول فى جميع أموره، ويرضى بجميع ما حكم به، وينقاد له ظاهرا وباطنا، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفهم، كما ورد فى الحديث: «والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» «٥» ، وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول- ﷺ لا يكون مؤمنا، وعلى أنه لابد من حصول الرضا بحكمه فى القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن فى القلب بأن الذى يحكم به- ﷺ هو الحق والصدق، فلابد من الانقياد باطنا وظاهرا، وسيأتى مزيد بيان لذلك- إن شاء الله تعالى- فى مقصد محبته- ﷺ. ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره. وقوله: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ «٦» مشعر بذلك، لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضى ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج فى

النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليما كليّا، قاله الإمام فخر الدين. وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكى فى جمع الجوامع.

ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليما كليّا، قاله الإمام فخر الدين. وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكى فى جمع الجوامع.

النوع الثامن فيما يتضمن الأدب معه ص قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ «١» . فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهى، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر الله تعالى بذلك فى هذه الآية، وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ. فالتقدم بين يدى سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه فى حياته، لا فرق بينهما عند كل ذى عقل سليم. قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله- ﷺ بشىء، حتى يقضيه الله تعالى على لسانه. وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون رسول الله- ﷺ. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى. وانظر أدب الصديق- رضى الله عنه- معه- ﷺ فى الصلاة، إذ تقدم بين يديه كيف تأخر وقال: ما كان لابن أبى قحافة أن يتقدم بين يدى رسول الله- ﷺ، كيف أورثه مقامه والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك، سعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطى. ومن الأدب معه- ﷺ أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ «٢» . قال الرازى: أفاد أنه ينبغى أن لا يتكلم المؤمن عنده- ﷺ كما يتكلم العبد عند سيده، لأن العبد أدخل فى قوله

ِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ «٢» . قال الرازى: أفاد أنه ينبغى أن لا يتكلم المؤمن عنده- ﷺ كما يتكلم العبد عند سيده، لأن العبد أدخل فى قوله

تعالى: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ «١» لأنه للعموم، فلا ينبغى أن يجهر المؤمن للنبى- ﷺ كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض. قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٢» ، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا فى مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبى- ﷺ، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه فى التهلكة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبى- ﷺ، فكما أن العضو الرئيس أول بالرعاية من غيره، لأن عند خلل القلب مثلا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبى- ﷺ لهلك هو أيضا بخلاف العبد والسيد. انتهى. وإذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبا لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به. واعلم أن فى الرفع والجهر استخفافا قد يؤدى إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة. وروى أن أبا بكر- رضى الله عنه-، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السرار، وأن عمر- رضى الله عنه- كان إذا حدثه حدّثه كأخى السرار ما كان يسمع النبى- ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه «٣» . وقد روى أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكا فى مسجد رسول الله- ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك فى هذا المسجد، فإن الله ﷿ أدب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٤» ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ «٥» ، وذم قوما فقال: إِنَ

الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ «١» الآية. وإن حرمته ميتا كحرمته حيّا، فاستكان لها أبو جعفر. ومن الأدب أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضا، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «٢» وفيه قولان للمفسرين: أحدهما: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبى الله، مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أى دعاؤكم الرسول. والثانى: إن المعنى، لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أى دعاءه إياكم، وقد تقدم فى الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعى أن الصلاة لا تبطل بإجابته- ﷺ. ومن الأدب معه- ﷺ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد، أو رباط، لم يذهب أحد مذهبا فى حاجة له حتى يستأذنه، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ «٣» . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا لحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق فى تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، دقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٤» . ومن الأدب معه- ﷺ أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء

يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٤» . ومن الأدب معه- ﷺ أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء

بقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه، وهو عين الجراءة عليه. ورأس الأدب معه- ﷺ كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقى خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه معقولا، أو يسميه شبهة، أو شكّا، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، انتهى ملخصا من «المدارج» والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه- ﷺ فلتراجع.

النوع التاسع فى آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه ص ترفيعا لشأنه قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «١» لما قال المشركون: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «٢» ، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يسب حبيبه تولى بنفسه- منتصرا له- جوابه، فهنا تولى الحق ﷾ جوابهم بنفسه منتصرا له، لأن نصرته تعالى أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت فى ديوان مجده.

بنفسه- منتصرا له- جوابه، فهنا تولى الحق ﷾ جوابهم بنفسه منتصرا له، لأن نصرته تعالى أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت فى ديوان مجده.

فأقسم تعالى بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته أعداؤه الكفرة به وتكذيبهم له بقوله: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «١» وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون، هو أو هم؟ وقد علموا هم والعقلاء ذلك فى الدنيا، ويزداد علمهم به فى البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور فى الآخرة بحيث يتساوى الخلق كلهم فى العلم به. وقال تعالى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» . ولما رأى العاصى بن وائل السهمى النبى- ﷺ يخرج من المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بنى سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس فى المسجد، فلما دخل العاصى قالوا: من ذا الذى كنت تحدث معه، قال: ذلك الأبتر، يعنى النبى- ﷺ، وكان قد توفى ابن لرسول الله- ﷺ من خديجة، فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ «٣» أى عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير. ولما قالوا: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً «٤» قال الله تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ «٥» . ولما قالوا: لَسْتَ مُرْسَلًا «٦» أجاب الله تعالى عنه فقال: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ «٧» . ولما قالوا: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ «٨» رد الله تعالى عليهم فقال: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ «٩» فصدقه ثم ذكر

وعيد خصمائه فقال: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ «١» ولما قالوا: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ «٢» رد الله تعالى عليهم بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ «٣» . ولما حكى الله عنهم قولهم: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٤» سماهم الله تعالى كاذبين بقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً «٥» . قال: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٦» . ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال الله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ «٧» الآية ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٨» قال الله تعالى: تكذيبا لهم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ «٩» . ولما قال وليد بن المغيرة: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «١٠» قال الله تعالى: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ «١١» تسلية له- ﵊. ولما قالوا: محمد قلاه ربه، رد الله تعالى عليهم بقوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «١٢» .

لٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ «١١» تسلية له- ﵊. ولما قالوا: محمد قلاه ربه، رد الله تعالى عليهم بقوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «١٢» .

ولما قالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ «١» قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ «٢» . ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته إلا النكاح، رد الله تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً «٣» . ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولا من البشر بقولهم الذى حكى الله عنهم: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا «٤» وجهلوا أن التجانس يورث التانس، وأن التخالف يورث التباين. قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا «٥» أى لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر. فما أجل هذه الكرامة، وقد كانت الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح- ﵊: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ «٦» . وقول هود لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ «٧» وأشباه ذلك.

ت الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح- ﵊: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ «٦» . وقول هود لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ «٧» وأشباه ذلك.

النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه ص متشابهات قال الله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «١» . اعلم أنه قد اتفق العلماء على أنه- ﷺ ما ضل لحظة واحدة قط، وهل هو جائز عقلا على الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- قبل النبوة؟ قالت المعتزلة: هو غير جائز عقلا لما فيه من التنفير. وعند أصحابنا: أنه جائز فى العقول، ثم يكرم الله من أراد بالنبوة، إلا أن الدليل السمعى قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبى، قال الله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى «٢» قاله الإمام فخر الدين. وقال الإمام أبو الفضل اليحصبى فى «الشفاء» : والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكك فى شىء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة، ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبئ واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل. ثم قال: وقد استبان لك بما قررناه ما هو الحق من عصمته- ﷺ عن الجهل بالله وصفاته، أو كونه على حالة تنافى العلم بشىء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا، وقبلها سمعا ونقلا، ولا بشىء مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحى قطعا، عقلا وشرعا، وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله، قصدا وغير قصد، واستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا، نظرا وبرهانا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعا، وعن الصغائر تحقيقا، وعن استدامة السهو والغافلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته فى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد

الضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبى- ﷺ، أو يجوز أو يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد فى بعضها خلاف ما [هى] عليه، ولا ينزهه عما لا يجوز أن يضاف إليه، فيهلك من حيث لا يدرى، ويسقط فى هوة الدرك الأسفل من النار، إذ ظن الباطل به واعتقاد ما لا يجوز عليه يحل صاحبه دار البوار. وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر، بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم وسيرتهم مطلقا. وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعى وأبى حنيفة فى غير التزام قرينة بل مطلقا عند بعضهم، وإن اختلفوا فى حكم ذلك، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يكن الاقتداء بهم فى أفعالهم، إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده من القربة والإباحة والخطر والمعصية. انتهى.

[وجوه تفسير آية وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى] واختلف فى تفسير هذه الآية على وجوه كثيرة:

أحدها: وجدك ضالا عن معالم النبوة . وهو مروى عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب، ويؤيده قوله تعالى ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ «١» أى ما كنت تدرى قبل الوحى أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، قاله السمرقندى، وقال بكر القاضى: ولا الإيمان الذى هو الفرائض والأحكام، فقد كان- ﷺ قبل مؤمنا بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التى لم يكن يدريها قبل، فازداد بالتكاليف إيمانا، وسيأتى آخر هذا النوع مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى-.

الثانى: من معنى قوله: (ضالا) ما روى مرفوعا مما ذكره الإمام فخر الدين: أنه- ﷺ قال: «ضللت عن جدى عبد المطلب وأنا صبى حتى كاد الجوع يقتلنى فهدانى الله» «٢» .

الثالث: يقال: ضل الماء فى اللبن إذا صار مغمورا، فمعنى الآية: كنت مغمورا بين الكفار بمكة فقواك الله حتى أظهرت دينه.

الرابع: أن العرب تسمى الشجرة الفريدة فى الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله تعالى ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة فى مفازة الحمد.

الخامس: قد يخاطب السيد، والمراد قومه ، أى وجد قومك ضالين فهداهم بك وبشرعك.

ثمر الإيمان بالله تعالى ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة فى مفازة الحمد.

الخامس: قد يخاطب السيد، والمراد قومه ، أى وجد قومك ضالين فهداهم بك وبشرعك.

السادس: أى محبّا لمعرفتى ، وهو مروى عن ابن عطاء، والضال: المحب، كما قال تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ «١» أى محبتك القديمة، ولم يريدوا هاهنا: فى الدين، إذ لو قالوا ذلك فى نبى الله لكفروا.

السابع: أى وجدك ناسيا فذكرك ، وذلك ليلة المعراج نسى ما يجب بأن يقال بسبب الهيبة، فهداه تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: لا أحصى ثناء عليك.

الثامن: أى وجدك بين أهل ضلال فعصمك من ذلك وهداك للإيمان وإلى إرشادهم.

التاسع: أى وجدك متحيرا فى بيان ما أنزل إليك ، فهداك لبيانه، كقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» وهذا مروى عن الجنيد.

العاشر: عن على أنه- ﷺ قال: «ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد، ثم ما هممت بعدهما بشىء حتى أكرمنى الله برسالته. قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى بأعلى مكة: لو حفظت لى غنمى حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت حتى أتيت أول دار من دور أهل مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذنى فنمت، فما

أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت حتى أتيت أول دار من دور أهل مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذنى فنمت، فما

أيقظنى إلا مسّ الشمس، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك فضرب الله على أذنى فما أيقظنى إلا مسّ الشمس، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمنى الله برسالته» «١» . وأما قوله تعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «٢» . فقد احتج بها جماعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين المجوزين للصغائر على الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وبظواهر كثيرة من القرآن والحديث، إن التزموا ظواهرها أفضت بهم- كما قال القاضى عياض- إلى تجويز الكبائر، وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم، فكيف وكلما احتجوا به منها مما اختلف المفسرون فى معناه، وتقابلت الاحتمالات فى مقتضاه. وجاءت الأقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموه من ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا، وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما، وقامت الدلالة على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه والمصير إلى ما صح، انتهى. وقد اختلف فى هذه الآية: فقال أهل اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض، أى صوت كصوت المحامل والرحال، وهذا مثل لما كان يثقل على رسول الله- ﷺ من أقداره. وقيل: المراد منه تخفيف أعباء النبوة التى يثقل الظهر القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، فسهل الله ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له. وقيل الوزر: ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل- ﵇، وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله تعالى وقال له: اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ «٣» . وقيل: معناه عصمناك من الوزر الذى أنقض ظهرك لو كان ذلك الذنب حاصلا، فسمى الله العصمة «وضعا» مجازا، ومن ذلك ما فى الحديث أنه

  • ﷺ حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة فضرب الله على أذنه فما أيقظه إلا حر الشمس من الغد. وقيل: ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك، حتى شرعنا لك ذلك. وقيل معناه: خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظ عليك، ومعنى (أنقض) أى كاد ينقضه. قال القاضى: فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة: اهتمام النبى- ﷺ بأمور فعلها قبل نبوته وحرمت عليه بعد النبوة فعدها أوزارا وثقلت عليه وأشفق منها. وقيل: إنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، فأمنه الله تعالى من عذابهم فى العاجل بقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «١» ووعده الشفاعة فى الآجل. وأما قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» . فقال ابن عباس: أى أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان. وقال بعضهم: أراد غفران ما وقع وما لم يقع، أى أنك مغفور لك. وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبرى واختاره القشيرى. وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه السمرقندى والسلمى عن ابن عطاء. وقيل: المراد أمته وقيل المراد بالذنب ترك الأولى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان فى إباحة الفعل. وقال السبكى: قد تأملتها- يعنى الآية- مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهو تشريف النبى- ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب فى الآية جميع أنواع النعم- من الله على عباده- الآخروية، وجميع النعم الآخروية شيئان: سلبية وهى غفران الذنوب، وثبوتية وهى لا تتناهى، أشار إليها بقوله وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ «٣» ، وجميع

Bagian 29 dari 49