المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 31 dari 49 2019 halaman

— Bagian 31 · لذ من ذكر المحبوب. انتهى. —

Bagian 31

لذ من ذكر المحبوب. انتهى. فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات، وانقطعت أوهامهم عن عارض دواعى الشهوات، ورقت إلى معادن الذخائر وبغية

الطلبات، وربما تزايد وجد المحب، وهاج الحنين وباح الأنين، وتحركت المواجيد، وتغير اللون، واستبسلت الجوارح، وفتر البدن واقشعر الجلد، وربما صاح، وربما بكى، وربما شهق وربما وله وربما سقط، ولسيدى محمد وفا: إذا أباح دم المهجور هاجره ... باح المحب بما تخفى ضمائره أيكتم الحب صب باح مدمعه ... لما جرى بالذى تخفى سرائره كأنما قلبه أجفان مقلته ... ودمعه فى أماقيه خواطره يا جيرة الجزع هل من جيرة لفتى ... عليه فى حكمه قد جار جائره آه وكم لى على خطب الهوى خطب ... من الغرام به تعلو منابره مهفهف أبلج بدر على غصن ... تخفى البدور إذا لاحت بوادره مطرز الخد بالريحان فى ضرج ... مورد آسه تزهو أزاهره مكحل الخلق ما تحصى خصائصه ... منضر الحسن قد قلت نظائره وربما زاد الوجد على المحب فقتله. أول نقد أثمان المحبة بذل الروح، فما للمفلس الجبان وسومها؟! بدم المحب يباع وصلهم، تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فينفقها بالنسيئة المعسرون، لقد أسيمت للعرض فى سوق من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت السلعة بينهم ووقعت فى يد أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ «١» . فذكره- ﷺ جلاء قلوبنا، وشفاء صدورنا، وحلاوة ألسنتنا فى جميع الحالات، على اختلاف الأوقات والساعات، يتشرّف بذكره فى جميع العبادات، وفى الجمع والجماعات، والخطب والصلوات، وسائر التقلبات والتصرفات، حتى فى المعاطاة والمبايعات، وعقود المصالحات، واستفتاح المعاقدات والمعاهدات، وخصوصا عند الأذكار والدعوات، فإن بها ولوجها فى أبواب الإجابات.

التصرفات، حتى فى المعاطاة والمبايعات، وعقود المصالحات، واستفتاح المعاقدات والمعاهدات، وخصوصا عند الأذكار والدعوات، فإن بها ولوجها فى أبواب الإجابات.

ومن علامات محبته- ﷺ تعظيمه عند ذكره، وإظهار الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه، فكل من أحب شيئا خضع له، كما كان كثير من الصحابة بعده إذا ذكروه خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين فمن بعدهم يفعلون ذلك محبة وشوقا وتهيبا وتوقيرا. قال أبو إبراهيم التجيبى. واجب على كل مؤمن متى ذكره، أو ذكر عنده، أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ فى هيبته وإجلاله، بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به. وكان أيوب السختيانى إذا ذكر النبى- ﷺ بكى حتى نرحمه. وكان جعفر بن محمد كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر النبى- ﷺ اصفر لونه. وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر النبى- ﷺ ينظر إلى لونه كأنه قد نزف منه الدم، وقد جف لسانه فى فمه هيبة لرسول الله- ﷺ. وكان عبد الله بن الزبير إذا ذكر عنده النبى- ﷺ بكى حتى لا يبقى فى عينيه دموع. وكان الزهرى من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبى- ﷺ فكأنك ما عرفته ولا عرفك. وكان صفوان بن سليم من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر عنده النبى- ﷺ بكى، فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. وكان قتادة إذا سمع الحديث، أخذه البكاء والعويل والزويل. أشار إلى ذلك القاضى عياض. ومن علامات محبته- ﷺ كثرة الشوق إلى لقائه، إذ كل حبيب يحب لقاء حبيبه. ولبعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وعن معروف الكرخى: المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات، أو مشاهدة أسرار الصفات، فيرى بلوغ السؤل ولو بمشاهدة الرسول. ولهذا كانت الصحابة- رضى الله عنهم- إذا اشتد بهم الشوق وأزعجتهم لواعج المحبة قصدوا رسول الله- ﷺ واشتفوا بمشاهدته، وتلذذوا بالجلوس معه والنظر إليه والتبرك به- ﷺ. وعن عبدة بنت خالد بن معدان: ما كان خالد يأوى إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله- ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار

يسميهم ويقول: هم أصلى وفصلى، وإليهم يحن قلبى، طال شوقى إليهم، فعجل رب قبضى إليك حتى يغلبه النوم. ولما احتضر بلال نادت امرأته، وا كرباه فقال: وا طرباه، غدا ألقى الأحبة، محمدا وصحبه. إذا ذاق المحب طعم المحبة اشتاق وتأججت نيران الحب والطلب فى قلبه، ويجد الصبر عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل: والصبر يحمد فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد وعن زيد بن أسلم: خرج عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ليلة يحرس فرأى مصباحا فى بيت فإذا عجوز تنفش صوفا وتقول: على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار قد كنت قواما بكاء بالأسحار ... يا ليت شعرى والمنايا أطوار هل تجمعنى وحبيبى الدار تعنى النبى- ﷺ، فجلس عمر يبكى، ثم قام إلى باب خيمتها فقال: السلام عليكم، ثلاث مرات فقال لها: أعيدى على قولك، فأعادته بصوت حزين، فبكى وقال لها: وعمر لا تنسينه يرحمك الله، فقالت: وعمر فاغفر له يا غفار. ويحكى أنه رؤيت امرأة مسرفة على نفسها، بعد موتها، فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لى، قيل: بماذا؟ قالت: بمحبتى للنبى- ﷺ وشهوتى النظر إليه، فنوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا فنستحى أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين من يحبه. ومن علامات محبته- ﷺ حب القرآن الذى أتى به، واهتدى به وتخلق به، وإذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله ورسوله فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهى والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شىء إليه، كما قيل:

قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهى والغناء المطرب بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شىء إليه، كما قيل:

إن كنت تزعم حبى ... فلم هجرت كتابى أما تأملت ما في ... هـ من لذيذ خطابى ويروى أن عثمان بن عفان قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه. قال النبى- ﷺ لعبد الله بن مسعود: «اقرأ على» قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى» . فاستفتح وقرأ سورة النساء حتى بلغ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً «١» قال: «حسبك» ، فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله- ﷺ تذرفان من البكاء «٢» . رواه البخارى. وهذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه، قال الله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «٣» . قال صاحب «عوارف المعارف» - أذاقنا الله حلاوة مشربه-: هذا السماع هو السماع الحق، الذى لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، محكوم لصاحبه بالهداية، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين، فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزنا، والحزن حار، وتارة يثير شوقا، والشوق حار، وتارة يورث ندما، والندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات، من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين بكى وأبكى، لأن الحرارة والبرودة إذا اضطربتا عصرتا ماء، فإذا ألمّ السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره فى الجسد ويقشعر منه الجلد، قال الله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ «٤» ، وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره- أى يقصد- نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع،

لله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ «٤» ، وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره- أى يقصد- نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع،

وتارة يتصوب أثره إلى الروح، فتموج منه الروح موجا، ويكاد يضيق عنه نطاق القالب، فيكون من ذلك الصياح والاضطراب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الأحوال. وقد كان ابن عمر، - رضى الله عنهما-، ربما مر باية فى ورده فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب مريضا. وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعرى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون. فلمحبى السماع القرآنى من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبى السماع الشيطانى، فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه ونشأته فى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفى سماع الألحان دون سماع القرآن كما قيل: نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوانى، فاعلم أن هذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله ورسوله، أدام الله لنا حلاوة محبته، ولا سلك بنا فى غير سبيل سنته، بمنه ورحمته. ومن علامات محبته- ﷺ محبة سنته، وقراءة حديثه، فإن من دخلت حلاوة الإيمان فى قلبه إذا سمع كلمة من كلام الله تعالى، أو من حديث رسوله- ﷺ تشربتها روحه وقلبه ونفسه، ويقول: أشم منك نسيما لست أعرفه ... أظن لمياء جرت فيك أردانا فتعمه تلك الكلمة وتشمله، فتصير كل شعرة منه سمعا، وكل ذرة منه بصرا، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل ويقول: لى حبيب خياله نصب عينى ... سره فى ضمائرى مدفون إن تذكرته فكلى قلوب ... أو تأملته فكلى عيون فحينئذ يستنير قلبه، ويشرق سره، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين، ويرتوى برى عطف محبوبه، الذى لا شىء أروى لقلبه من

عطفه عليه، ولا شىء أشد للهيبه وحريقه من إعراضه عنه، ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم من العذاب الجسمانى، كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله أعظم من النعيم الجسمانى، لا حرمنا الله ذوق حلاوة هذا المشرب. ومن علامات محبته- ﷺ أن يلتذ محبه بذكره الشريف ويطرب عند سماع اسمه المنيف، وقد يوجب له ذلك سكرا يستغرق قلبه وروحه وسمعه. وسبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، وسبب اللذة إدراك المحبوب- ﷺ، فإذا كانت المحبة قوية وإدراك هذا المحبوب قويّا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين. فإن كان العقل قويّا مستحكما لم يتغير لذلك، وإن كان ضعيفا حدث السكر المخرج له عن حكمه. وقد حدوا السكر بأنه: سقوط التمالك فى الطرب، كأنه يبقى فى السكران بقية يلتذ بها ويطرب، فلا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يفنى معها. وقد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله، بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر. وربما قتله سكر هذا الفرح بسبب طبيعى، وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد، والدم هو حائل الحار الغريزى، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح- بوجود راحلته فى المفازة بعد أن استشعر الموت-: اللهم أنت عبدى وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه «١» ، وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور فى نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمنا مطمئنا، كيف تكون سكرته؟ أو

رحه «١» ، وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور فى نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمنا مطمئنا، كيف تكون سكرته؟ أو

من غاب عنه غلامه بمال عظيم مدة سنين، حتى أضرّ به العدم، فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله، وقد كسب أضعافه، كيف تكون سكرته؟ ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة بالإنشادات بالصفات النبوية المغربة المعربة إذا صادفت محلّا قابلا فلا تسأل عن سكرة السامع، وهذا السكر يحدث عندها من جهتين: إحداهما أنها فى نفسها توجب لذة قوية ينغمر منها العقل، الثانية: أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته، فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره فى النفس، وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تغمر القلب، فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان، فتسكر الروح سكرا عجيبا أطيب وألذ من سكر الشراب، وتحصل له به نشأة ألذ من نشأة الشراب. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أن الله تعالى يقول لداود: مجدنى بذلك الصوت الذى كنت تمجدنى به فى الدنيا، فيقول: كيف وقد أذهبته فيقول: أنا أرده عليك، فيقوم عند ساق العرش ويمجده، فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة. وأعظم من ذلك: إذا سمعوا كلام الرب ﷻ وخطابه لهم، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذى يغنيهم لذة رؤيته عن رؤية الجنة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة، وهذه صفة لا تلج كل أذن، وصيب لا تحيا به كل أرض، وعين لا يشرب منها كل وارد، وسماع لا يطرب عليه كل سامع، ومائدة لا يجلس عليها كل طفيلى، أشار إليه فى المدارج. فمن اتصف بهذه العلامات التى ذكرتها فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالف بعضها فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها بدليل قوله- ﷺ للذى حده فى الخمر- لما لعنه بعضهم وقال: ما أكثر ما يؤتى به- فقال- ﷺ: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» «١» ، فيخبر أنه يحب الله

عن اسمها بدليل قوله- ﷺ للذى حده فى الخمر- لما لعنه بعضهم وقال: ما أكثر ما يؤتى به- فقال- ﷺ: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» «١» ، فيخبر أنه يحب الله

ورسوله مع وجود ما صدر عنه. وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهى عن لعنه، وثبوت الأمر بالدعاء له. وفيه أنه لا تنافى بين ارتكاب النهى وثبوت محبة الله ورسوله فى قلب المرتكب، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله. ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة الله ورسوله فى قلب العاصى مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد، فكفر عن ذنبه المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى بتكرار الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب منه ذلك الحب، نسأل الله العفو والثبات على محبته وسلوك سنته برحمته ومنّه. تنبيه: قد اختلف العلماء، أيما أرفع درجة المحبة أو درجة الخلة؟ فحكى القاضى عياض: أن بعضهم جعلهما سواء، فلا يكون الحبيب إلا خليلا، ولا الخليل إلا حبيبا، لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا- ﷺ بالمحبة، وقال بعضهم: درجة الخلة أرفع واحتج بقوله- ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر» «١» فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة. انتهى. وهذا هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من معنى الخلة، لكن يرد ما روى فى قصة الإسراء فى مناجاته- ﷺ لربه تعالى حيث قال له تعالى: يا محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمات موسى تكليما، فقال له تعالى: ألم أعطك خيرا من هذا. إلى قوله: واتخذتك حبيبا، أو ما فى معناه، رواه البيهقى. بنحوه، وهذا يعطى أن درجة المحبة أرفع. [فروق بين المحبة والخلة] وقد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة على الخلة بفروق كثيرة، ذكر القاضى عياض فى الشفاء منها نقلا عن الإمام أبى بكر بن فورك عن بعض المتكلمين نبذة:

منها: أن الخليل يصل بالواسطة، من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» ، والحبيب يصل إليه به، من قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢» .

ومنها: أن الخليل قال: وَلا تُخْزِنِي «٣» ، والحبيب قيل له: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ «٤» . ومنها: أن الخليل قال فى المحنة: حَسْبِيَ اللَّهُ «٥» والحبيب قيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ «٦» . ومنها: أن الخليل هو الذى تكون مغفرته فى حد الطمع، من قوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ «٧» ، والحبيب الذى مغفرته فى حد اليقين، من قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٨» . وفى كتابى: «تحفة السامع والقارى بختم حجج البخارى» وجوه أخر غير ما حكاه القاضى عياض. [مناقشة المؤلف للفروق بين المحبة والخلة] وفى كلها نظر واضح كما بينته فى حاشية الشفاء، وذلك أن مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكون فى حد ذاتيهما، يعنى باعتبار مدلولى «خليل» و «حبيب» وما حكاه القاضى عياض، وذكرته فى التحفة، يقتضى تفضيل ذات محمد- ﷺ ذات إبراهيم- ﵊. لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك. لأنا نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة. إذ لا يسلب عن إبراهيم- ﵊ وصف المحبة

د- ﷺ ذات إبراهيم- ﵊. لا يقال باعتبار ثبوت وصف الخلة له فيلزم ذلك. لأنا نقول: كل منهما ثابت له وصف الخلة والمحبة. إذ لا يسلب عن إبراهيم- ﵊ وصف المحبة

لا سيما والخلة أخص من المحبة، ولا يسلب عن نبينا- ﷺ وصف الخلة لا سيما وقد ثبت فى حديث أبى هريرة قول الله تعالى له: (إنى اتخذتك خليلا) «١» . وقد قام الإجماع على فضل نبينا- ﷺ على جميع الأنبياء، بل هو أفضل خلق الله تعالى مطلقا. أما قوله: إن الخليل يصل بالواسطة فلا يفيد غرضا فى هذا المقام الذى هو بصدده، وليس المراد به قطعا إلا الوصول إلى المعرفة، إذ الوصول الحسى يمتنع على الله تعالى. وأما قوله: والحبيب يصل إليه به، فالوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا به حبيبا كان أو خليلا. وأما قوله: الخليل هو الذى تكون مغفرته فى حد الطمع إلخ ... فإنه لا يصح أن يكون على جهة التفسير للخليل، ولا تعلق له بمعناه. وقصارى ما ذكره: أنه يعطى تفضيل نبينا- ﷺ على إبراهيم- ﵊ فى حد ذاته من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية فى ذلك من وصف المحبة والخلة. والحق: أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من المحبة. قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمدا حبيب الله فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة. قال: وقد أخبر النبى- ﷺ أن الله اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين، وخلته خاصة بالخليلين. قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله. انتهى. وقال الشيخ بدر الدين الزركشى فى شرحه لبردة الأبوصيرى: وزعم بعضهم أن المحبة أفضل من الخلة وقال: محمد حبيب الله وإبراهيم خليل

الله. وضعف: بأن الخلة خاصة، وهو توحيد المحبة، والمحبة عامة، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ «١» قال: وقد صح أن الله اتخذ نبينا خليلا فقال: إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. انتهى.

الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ «١» قال: وقد صح أن الله اتخذ نبينا خليلا فقال: إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. انتهى.

تنبيه: والخليل مشتق من الخلة- بالفتح- وهى الحاجة، أو الخلة- بالضم- وهى المودة الحاصلة، أو من الخلل، قال ثعلب سمى خليلا لأن مودته تتخلل القلب، وأنشد: قد تخللت مسلك الروح منى ... وبدا سمى الخليل خليلا وقال الراغب: الخلة- بالفتح-: الاختلال العارض للنفس، إما لشهرتها بشىء أو لحاجتها إليه، ولهذا فسّر الخلة بالحاجة، والخلة- بالضم- إما لأنها تتخلل النفس أو تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيها تأثير السهم فى الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها.

الفصل الثانى فى حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنة وفضيلة وصفة ومحلّا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» . قال أبو العالية: معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء. قال فى فتح البارى: وهذا أولى الأقوال، فيكون معنى صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة. وعن ابن عباس: أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة. وروى ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان قال: صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار.

وقال الضحاك بن مزاحم: صلاة الله رحمته، وفى رواية عنه: مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضى عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها. وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة. وتعقب: بأنه الله غاير بين الصلاة والرحمة فى قوله ﷾: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «١» ، ولذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» حتى سألوه عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر «الرحمة» فى تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، وأقرهم النبى- ﷺ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم، قد علمتم ذلك فى السلام. وجوز الحليمى أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر. وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فصلاته على أنبيائه هى ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهى التى وسعت كل شىء. وحكى القاضى عياض: عن بكر القشيرى أنه قال: الصلاة على النبى- ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبى رحمة. وبهذا يظهر الفرق بين النبى- ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى فى سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٣» ، وقال قبل ذلك فى السورة المذكورة: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «٤» ، ومن المعلوم أن القدر الذى يليق بالنبى- ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره. والإجماع منعقد على أن فى هذه الآية من تعظيم النبى- ﷺ والتنويه به ما ليس فى غيرها. وقال الحليمى فى «الشعب» ، معنى الصلاة على النبى- ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد، عظم محمدا، والمراد تعظيمه فى الدنيا

ه به ما ليس فى غيرها. وقال الحليمى فى «الشعب» ، معنى الصلاة على النبى- ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد، عظم محمدا، والمراد تعظيمه فى الدنيا

بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفى الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه فى أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ «١» ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى. ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبى العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى، وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف فى جواز الترحم على غير الأنبياء: واختلف فى جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: ارحم محمدا، أو ترحم على محمد، جاز لغير الأنبياء، وكذا لو كان بمعنى البركة، وكذلك الرحمة، لسقط الوجوب فى التشهد عند من يوجبه بقول المصلى فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته. ويمكن الانفصال عنه بأن ذلك وقع بطريق التعبد فلابد من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. [سؤال] فإن قلت: فى أى وقت وقع الأمر بالصلاة عليه- ﷺ؟

فالجواب - كما قال أبو ذر الهروى-: أنه وقع فى السنة الثانية من الهجرة، وقيل ليلة الإسراء، وقيل: إن شهر شعبان شهر الصلاة على رسول الله- ﷺ، لأن آية الصلاة- يعنى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» نزلت فيه. والله أعلم. قال الحليمى: والمقصود بالصلاة عليه- ﷺ التقرب إلى الله تعالى بامتثال أمره تعالى، وقضاء حق النبى- ﷺ علينا. وتبعه ابن عبد السلام، فقال فى الباب الثامن من كتابه المسمى «بشجرة المعارف» : ليست صلاتنا على النبى- ﷺ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من

لسلام، فقال فى الباب الثامن من كتابه المسمى «بشجرة المعارف» : ليست صلاتنا على النبى- ﷺ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من

أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله- لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا- إلى الصلاة عليه. وذكر نحوه عن الشيخ أبى محمد المرجانى. وقال ابن العربى: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذى يصلى عليه، لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة- ﷺ. [حكم الصلاة على النبي ص] واختلف فى حكم الصلاة عليه- صلوات الله وسلامه عليه- على أقوال:

أحدها: أنها تجب فى الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة.

الثانى: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد ، قاله القاضى أبو بكر ابن بكير من المالكية، وعبارته- كما قاله القاضى عياض-: افترض الله تعالى على خلقه أن يصلوا على نبيه- ﷺ ويسلموا تسليما، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغافل عنها.

الثالث: تجب كل ما ذكر ، قاله الطحاوى وجماعة من الحنفية، والحليمى، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربى: إنه الأحوط، وكذا قاله الزمخشرى. واستدلوا لذلك بحديث: (من ذكرت عنده فلم يصل على فمات فدخل النار فأبعده الله) «١» أخرجه ابن حبان من حديث أبى هريرة. وحديث: (رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل على) «٢» رواه الترمذى من حديث أبى هريرة، وصححه الحاكم. وحديث: (شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل على) «٣» أخرجه الطبرانى من حديث جابر: لأن الدعاء: ب «الرغم

والإبعاد والشقاء» يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب. ومن حيث المعنى: إن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فتتأكد إذا ذكر. واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «١» فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كاحاد الناس وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها: أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو مخترع. ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلى عليه، وكذا سامعه، وللزم القارئ إذا مر باية فيها ذكره- ﷺ فى القرآن، وللزم الداخل فى الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان فى ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة المطهرة بخلافه، ولكان الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به. وقد أطلق القدورى وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب الصلاة كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى. وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد ذلك وطلبه، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة: فلا دلالة على تكرر وجوب ذلك بتكرر ذكره- ﷺ فى المجلس الواحد، انتهى ملخصا، والله أعلم.

الرابع: فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا . حكاه الزمخشرى.

الخامس: فى كل دعاء ، حكاه أيضا.

السادس: أنها من المستحبات ، وهو قول ابن جرير الطبرى، وادعى

بع: فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا . حكاه الزمخشرى.

الخامس: فى كل دعاء ، حكاه أيضا.

السادس: أنها من المستحبات ، وهو قول ابن جرير الطبرى، وادعى

الإجماع على ذلك، واحتج على ذلك مع ورود صيغة الأمر بذلك، بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، أن ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى يكون تارك ذلك عاصيا، فدل على أن الأمر فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة. قال فى فتح البارى: وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك فى الصلاة، إما بطريق الوجوب، وإما بطريق الندب، ولا يعرف عن- السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه ابن أبى شيبة والطبرانى عن إبراهيم النخعى أنه كان يرى أن قول المصلى فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته مجزئ عن الصلاة، ومع ذلك: إنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة.

السابع: تجب فى العمر مرة فى الصلاة أو غيرها، ككلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازى من الحنفية.

الثامن: تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل ، ونقل ذلك عن أبى جعفر الباقر.

التاسع: تجب فى التشهد ، وهو قول الشعبى وإسحاق بن راهواه.

العاشر: تجب فى القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل ، قاله الشافعى ومن تبعه. واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم عن أبى مسعود البدرى: أنهم قالوا يا رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» الحديث «١» . ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفنا، هو الذى فى

نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا فقال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» الحديث «١» . ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفنا، هو الذى فى

التشهد، الذى كان قد علمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن. وفيه: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، ورواه الشافعى فى مسنده عن أبى هريرة بمثله. وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة، والبيهقى، لإيجاب الصلاة عليه- ﷺ بعد التشهد وقبل السلام. [استدلال الشافعي على وجوب الصلاة على النبي ص] وقال الشافعى فى الأم: فرض الله الصلاة على رسول الله- ﷺ بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» ولم يكن فرض الصلاة عليه فى موضع أولى منه فى الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبى- ﷺ بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صفوان بن سليم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أنه قال: يا رسول الله، كيف نصلى عليك- يعنى فى الصلاة- قال: «تقولون اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم» الحديث «٢» . أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنى سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبى- ﷺ أنه كان يقول فى الصلاة: «اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» الحديث «٣» . قال الشافعى: فلما روى أن النبى- ﷺ كان يعلمهم التشهد فى الصلاة، وروى أنه علمهم كيف يصلون عليه فى الصلاة، لم يجز أن نقول: التشهد فى الصلاة واجب والصلاة فيه غير واجبة «٤» . [تعقيب هذا الاستدلال] وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:

أحدها: ضعف إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى ، والكلام فيه مشهور.

الثانى: على تقدير صحته فقوله فى الأول: يعنى فى الصلاة ، لم يصرح بالقائل «يعنى» .

الثالث: قوله فى الثانى: «أنه كان يقول فى الصلاة» وإن كان ظاهره أن المراد الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله فى الصلاة، أى فى صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قوى، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها.

الرابع: ليس فى الحديث ما يدل على تعيين ذلك فى التشهد ، خصوصا بينه وبين السلام. وقد أطنب قوم من متأخرى المالكية وغيرهم فى التشنيع على الشافعى فى اشتراطه ذلك فى الصلاة وزعم أنه تفرد بذلك. وحكى الإجماع على خلافه جماعة، منهم أبو جعفر الطبرى والطحاوى وابن المنذر والخطابى. وحكى القاضى عياض فى الشفاء مقالاتهم. وقد عاب عليه غير واحد، وقالوا: كان ينبغى سكوته عنها، لأن مبنى تأليفه «الشفاء» على كمال المبالغة فى تعظيمه- ﷺ، وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة عليه فى الصلاة من غرض المبالغة فى تعظيمه، وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته، مع أن الأكثر على خلافه، لكنه استجاده لما فيه من الزيادة فى تعظيمه، وكيف ينكر القول بوجوب الصلاة عليه وهو من جنس الصلاة ومقتضياتها، وإذا شرع السلام فيها على نفس المصلى وعلى عباد الله الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين؟ وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعى، كالحافظ عماد الدين ابن كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام والحافظ أبى الفضل بن حجر، وتلميذه شيخنا الحافظ والعلامة أبى أمامة بن النقاش وغيرهم ممن يطول عدهم. واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود

قاش وغيرهم ممن يطول عدهم. واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود

والبدرى وجابر بن عبد الله، ونقله أصحاب الشافعى عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومن التابعين: الشعبى، فيما رواه البيهقى كما سيأتى، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل. وأخرج الحاكم- بسند قوى- عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يدعو لنفسه «١» . قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى شىء يحتج به للشافعى، فإن ابن مسعود ذكر أن النبى- ﷺ علمهم التشهد فى الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء، دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود فى دفع ما ذهب إليه الشافعى وادعى مثل ما ذكره القاضى عياض قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذى علمه له النبى- ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه. وفى جزء الحسن بن عرفة، وأخرج المعمرى «٢» فى عمل اليوم والليلة عن ابن عمر- بسند جيد- قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة علىّ. وأخرج البيهقى فى الخلافيات- بسند قوى- عن الشعبى، وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد ربه ويثنى عليه ثم يصلى على النبى- ﷺ ثم يسأل حاجته. وفى حديث أبى جعفر، عن ابن مسعود، مرفوعا: «من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى لم تقبل منه» . قال الدارقطنى: والصواب أنه من قول أبى جعفر محمد بن على بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبى- ﷺ وعلى أهل بيته لرأيت أنها لا تتم، لكن راويه عن أبى جعفر جابر الجعفى وهو ضعيف. كذا فى الشفاء. وقد وافق الشافعى من فقهاء الأمصار أحمد فى إحدى الروايتين عنه، وعمل به أخيرا، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقى، فيما ذكره الحافظ ابن

عيف. كذا فى الشفاء. وقد وافق الشافعى من فقهاء الأمصار أحمد فى إحدى الروايتين عنه، وعمل به أخيرا، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقى، فيما ذكره الحافظ ابن

كثير، وأوجب إسحاق بن راهواه الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، والمشهور عن أحمد أنها تبطل بتركها عمدا أو سهوا، وعليه أكثر أصحابه، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال فى الصلاة عليه: ﷺ، كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، كما ذكره ابن كثير، ووافق الخرقى إسحاق فى التقييد بالعمد دون السهو. والخلاف أيضا عند المالكية كما ذكره ابن الحاجب فى سنن الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن فى وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام الإمام ابن المواز وبه صرح عنه ابن القصار، وعبد الوهاب، كما فى الشفاء بلفظ: إنه يراها فريضة فى الصلاة كقول الشافعى، قال: وحكى أبو يعلى العبدى عن المذهب فيها ثلاثة أقوال فى الصلاة: الوجوب، والسنة، والندب. ورأيت مما يعزى للقاضى أبى بكر بن العربى فى «سراج المريدين» : قال ابن المواز والشافعى: الصلاة على النبى- ﷺ من فرائض الصلاة وهو الصحيح. انتهى. وقد يلزم القائل الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر كالطحاوى، ونقله السروجى فى شرح الهداية عن أصحاب المحيط والعقد والتحفة من كتبهم أن يقولوا بوجوبها فى التشهد لتقدم ذكره- ﷺ فى آخر التشهد فى قوله: وأشهد أن محمدا رسول الله، لكن لهم أن يلتزموا ذلك ولا يجعلونه شرطا فى صحة الصلاة. ولم يخالف الشافعى أحد من أصحابه فى ذلك. بل قال بعض أصحابنا بوجوب الصلاة على الآل، كما حكاه البندنيجى والدارمى، ونقله إمام الحرمين والغزالى قولا عن الشافعى، قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، والقول بوجوبه ظهور للحديث. وأما مخالفة الخطابى من أصحاب الشافعى فلا يعتد به لمقتضى الآمر المحمول على الوجوب إجماعا، وأولى أحواله الصلاة ولا مانع من احتمال كونه مرادا. وأما قوله: ولا أعلم له فيها قدوة، فيقال عليه: لا ريب أن

الشافعى قدوة يقتدى به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له فيه إلى غيره. وأما قوله فى «الشفاء» : والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعى وإجماعهم عليه. ففيه نظر، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب، وأنى يوجد ذلك؟ وأما قوله: وقد شنع الناس عليه- يعنى الشافعى- فى هذه المسألة جدّا، فلا معنى له، وأى شناعة فى ذلك؟ ولم يخالف فيه نصّا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة. بل القول بذلك من محاسن مذهبه، ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلق الله فى الصلاة التى هى رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار شارعها والثناء عليه أولى بالتشنيع. وأما نقله الإجماع فقد تقدم ما فيه. وأما قوله: إن الشافعى اختار تشهد ابن مسعود، فلم يقل به أحد، والشافعى إنما اختار تشهد ابن عباس كما سيأتى- إن شاء الله تعالى- فى مقصد عباداته. وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبى- ﷺ رجلا يدعو فى صلاته، لم يحمد الله ولم يصل على النبى- ﷺ فقال: «عجل هذا» ، ثم دعاه إليه فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثم ليصل على النبى- ﷺ ثم ليدع بما شاء» «١» . قلت: ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعى وسره السارى، أن القاضى عياضا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذى من غير أن يطعن فى سنده بعد قوله: «فصل فى المواطن التى تستحب فيها الصلاة على النبى- ﷺ

ره السارى، أن القاضى عياضا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذى من غير أن يطعن فى سنده بعد قوله: «فصل فى المواطن التى تستحب فيها الصلاة على النبى- ﷺ

ويرغب» من ذلك: فى تشهد الصلاة، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء. وهذا الحديث- كما ترى- من أعظم الأدلة لنا. فإن قال قائل: ليس لكم فيه دلالة لأنه قال: سمع فيه رجلا يدعو فى صلاته، ولم يقل فى تشهده. فيجاب: بأنه يلزم على هذا أن القاضى عياضا ساقه فى غير محله، لأنه عقد الفصل- كما قدمته- لبيان مواطن استحباب الصلاة. ثم قال: ومن ذلك فى تشهد الصلاة. وفى «مصابيح» البغوى، من حديث فضالة بن عبيد هذا ما يدل على أنه كان فى التشهد، ولفظه: قال دخل رجل فقال: اللهم اغفر لى وارحمنى، فقال رسول الله- ﷺ: «عجلت أيها المصلى، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، ثم صل علىّ، ثم ادعه» . وفى قوله: «عجلت» استلواح فوات الكمال عن الحقيقة المجزئة، إذ لو كانت مجزئة لما حسن اللوم والتعليم بصيغة الأمر، فإن قيل إنه فى مقام تعليم المستحبات إذ لو كان فى الواجبات لأمره بالإعادة، كما أمر المسىء صلاته، فيجاب: بأن فى قوله هذا غنية عن الأمر بالإعادة، لأنه حيث علمه ما هو الواجب علم قطعا أنه لم يأت به أولا فلم يكن آتيا به فوجبت إعادته، وهم أهل الفهم والعرفان. فإن قال: إن قوله «فقعدت» يحتمل أن يكون عطفا على مقدر، تقديره: إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله. فيجاب: بأن الأصل عدمه، وإنما هو عطف على المذكور، أى: إذا كنت فى الصلاة فقعدت للتشهد فاحمد الله، أى اثن عليه بقولك، التحيات لله إلخ والله أعلم. وقال الجرجانى من الحنفية وغيره: لو كانت فرضا لما لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه- ﷺ علمهم التشهد وقال: «فليتخير من الدعاء ما شاء، ولم يذكر الصلاة عليه» . وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ. وقال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: قد ورد هذا الصحيح بلفظ: ثم ليتخير، و «ثم»

لم يذكر الصلاة عليه» . وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ. وقال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: قد ورد هذا الصحيح بلفظ: ثم ليتخير، و «ثم»

للتراخى، فدل على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء، انتهى. وقد أطنب الشيخ أبو أمامة بن النقاش فى تفسيره فى الانتصار للشافعى فى هذه المسألة، مما يطول ذكره، فالله يثيبه على قصده الجميل. وأما صفة الصلاة عليه- ﷺ، (فعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: لقينى كعب بن عجرة فقال: ألا أهدى لك هدية؟ إن النبى- ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك فيكف نصلى عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ) «١» رواه البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى. فإن قلت: كيف يطابق قوله: (اللهم صل على محمد) قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) ؟. أجاب القاضى عياض: بأن «آل» مقحم، كما فى قوله- ﷺ فى أبى موسى: «إنه أعطى مزمارا من مزامير آل داود» «٢» ، ولم يكن له آل مشهور بحسن الصوت. وقد روى هذا الحديث ابن أبى حاتم بلفظ: لما نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٣» قال: قلنا يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى يقول: وعلينا معهم. وعن أبى حميد الساعدى: (أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلى

عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ) «١» رواه الإمام أحمد. وعن أبى مسعود الأنصارى قال: أتانا رسول الله- ﷺ ونحن فى مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد أمرنا الله أن نصلى عليك، فكيف نصلى عليك؟ قال: فسكت رسول الله- ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله- ﷺ: «قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فى العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» «٢» ، رواه مالك ومسلم وغيرهما. [إشكال] فإن قلت: ما موقع التشبيه فى قوله: (كما صليت على إبراهيم) ، مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به؟ والواقع هنا عكسه، لأن محمدا- ﷺ وحده أفضل من إبراهيم ومن آل إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره. [الجواب] فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة:

منها: أنه- ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم . وقد أخرج مسلم حديث أنس: أن رجلا قال للنبى- ﷺ: يا خير البرية، قال: «ذاك إبراهيم» «٣» . وتعقب: بأنه لو كان كذلك لغير صيغة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل.

ومنها: أنه قال ذلك تواضعا ، وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.

ومنها: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر ، فهو كقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ «١» ، وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «٢» ، ورجح هذا القول القرطبى فى «المفهم» .

حسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «٢» ، ورجح هذا القول القرطبى فى «المفهم» .

ومنها: أن قوله: (اللهم صل على محمد) مقطوع عن التشبيه ، فيكون التشبيه متعلقا بقوله: (وعلى آل محمد) وتعقب: بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التى وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله. ويمكن الجواب عنه: بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التى كانت سببا للثواب. وقد نقل العمرانى فى «البيان» عن الشيخ أبى حامد أنه نقل هذا الجواب عن نص الشافعى. واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعى، لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام المستلزم هذا التركيب الركيك البعيد من كلام العرب، كذا قال. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: ليس التركيب المذكور ركيكا، بل التقدير: اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت إلخ، فلا يمتنع الشبيه بالجملة الثانية.

ومنها: رفع المقدمة المذكورة أولا ، وهى أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس مطردا، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل بالدون، كما فى قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ «٣» ، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا: لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد

هرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا: لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد

وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله (فى العالمين) أى كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فى العالمين، ولهذا لم يقع (فى العالمين) إلا فى ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع فى الحديث الذى وردت فيه، وهو حديث أبى مسعود الأنصارى الذى ذكرته. وهذا معنى قول الطيبى: وليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، لكن من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. وقال النووى: أحسن الأجوبة ما نسب إلى الشافعى: أن التشبيه لأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع. وقال ابن القيم- بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع-: وأحسن منه أن يقال: هو- ﷺ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس فى تفسير قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ «١» قال: محمد من آل إبراهيم، فكأنه أمرنا أن نصلى على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقى كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم. وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ. وقال الحليمى: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت فى بيت إبراهيم: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «٢» وقد علم أن محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال: قولوا اللهم أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك فى محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها فى آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختم به الآية وهو قوله إنك حميد مجيد.

ومما يعزى للعارف الربانى أبى محمد المرجانى أنه قال: وسر قوله- ﷺ (كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم) ولم يقل: كما صليت على موسى، لأن موسى- ﵊ كان التجلى له بالجلال، فخر موسى صعقا، والخليل إبراهيم كان التجلى له بالجمال، لأن المحبة والخلة من آثار التجلى بالجمال، فلهذا أمرهم- صلوات الله وسلامه عليه- أن يصلوا عليه كما صلى على إبراهيم، فيسألوا له التجلى بالجمال، وهذا لا يقتضى التسوية فيما بينه وبين الخليل- صلوات الله وسلامه عليهما-، لأنه إنما أمرهم أن يسألوا له التجلى بالوصف الذى تجلى به للخليل- ﵊، فالذى يقتضيه الحديث المشاركة فى الوصف الذى هو التجلى بالجمال، ولا يقتضى التسوية فى المقامين ولا الرتبتين، فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما، وإن اشتركا فى وصف التجلى بالجمال، فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده، ورتبته منه ومكانته، فيتجلى للخليل- ﵊ بالجمال بحسب مقامه، ويتجلى لسيدنا محمد- ﷺ بالجمال بحسب مقامه، فعلى هذا يفهم الحديث انتهى. فإن قلت: ما المراد بال محمد فى هذا الحديث؟ فالجواب: أن الراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعى، واختاره الجمهور، ويؤيده قوله- ﷺ للحسن بن على: «إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة» «١» وقيل: المراد بال محمد أزواجه وذريته. وقيل: المراد بهم جميع الأمة أمة الإجابة. حكاه أبو الطيب الطبرى عن بعض الشافعية، ورجحه النووى فى شرح مسلم، وقيده القاضى حسين بالانقياد منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده ما رواه تمام فى فوائده، والديلمى عن أنس قال: سئل رسول الله- ﷺ: من آل محمد؟ فقال: «كل تقى من أمة محمد» ، زاد الديلمى: ثم قرأ: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا

ا رواه تمام فى فوائده، والديلمى عن أنس قال: سئل رسول الله- ﷺ: من آل محمد؟ فقال: «كل تقى من أمة محمد» ، زاد الديلمى: ثم قرأ: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا

الْمُتَّقُونَ «١» ، وإسنادهما ضعيف، لكن ورد ما يشهد لذلك فى الصحيحين كحديث (إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء، إنما وليى الله وصالح المؤمنين) «٢» انتهى ملخصا. وقد استدل العلماء بتعليمه- ﷺ لأصحابه هذه الكيفية بعد سؤالهم عنها، بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل. ويترتب على ذلك: أنه لو حلف أن يصلى على النبى- ﷺ أفضل الصلاة، فطريق البر أن يأتى بذلك، هكذا صوبه النووى فى «الروضة» بعد ذكر حكاية الرافعى عن إبراهيم المروزى أنه قال: يبر إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون. قال النووى: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعى ذكر هذه الكيفية- يعنى فى خطبة «الرسالة» له- ولكن بلفظ «غفل» بدل «سها» . وقال الأذرعى: «إبراهيم» المذكور كثير النقل من تعليقة القاضى حسين، ومع ذلك فالقاضى قال فى طريق البر؛ أن يقول: اللهم صل على محمد كما هو أهله ويستحقه، وكذا نقله البغوى فى تعليقه. ولو جمع بينها فقال ما فى الحديث، وأضاف إليه أثر الشافعى، وما قاله القاضى لكان أشمل. ولو قيل: إنه يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكرا يحصل به البر لكان حسنا. وعن ابن مسعود، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا تشهد أحدكم فى الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» «٣» ، رواه الحاكم. وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز

مد، وارحم محمدا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» «٣» ، رواه الحاكم. وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز

الترحم على النبى- ﷺ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابى الذى قال: اللهم ارحمنى وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له رسول الله- ﷺ: «لقد تحجرت واسعا» «١» وحكى القاضى عياض عن جمهور المالكية منعه قال: وأجازه أبو محمد بن أبى زيد. انتهى. وسيأتى ما فى ذلك من البحث- إن شاء الله تعالى- فى المقصد التاسع عند الكلام على التشهد. وعن سلامة الكندى أن عليّا كان يعلم الناس الدعاء- وفى لفظ: يعلم الناس الصلاة على رسول الله- ﷺ فيقول: اللهم داحى المدحوات، وبارئ المسموكات، اجعل شرائف صلواتك، ونوامى بركاتك، ورأفة تحننك، على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، الخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمّل فاضطلع بأمرك بطاعتك، مستوفزا فى مرضاتك، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله، تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب، بعد خوضات الفتن والإثم، وأبهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له فى عدنك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول، اللهم أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، ومرضى المقالة، ذا منطق عدل، وخطة فصل، وبرهان عظيم «٢» . حديث موقوف، رواه الطبرانى لكن قال الحافظ ابن كثير: فى سنده نظر،

قال: وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى: سلامة الكندى هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليّا، كذا قال: وقوله: «داحى المدحوات» : أى باسط الأرضين، وكل شىء بسطته ووسعته فقد دحوته. «وبارئ المسموكات» : أى خالق السماوات، وكل شىء رفعته وأعليته فقد سمكته. «والدافع لجيشات الأباطيل» : أى المهلك لما نجم وارتفع منها وفار. وأصل «الدمغ» من الدماغ، دمغه: أصاب دماغه، و «جيشات» من جاش إذا ارتفع. «واضطلع» : افتعل من الضلاعة، وهى القوة. «وأورى قبسا لقابس» : أى أظهر نورا من الحق لطالبه. «وآلاء الله» : نعم الله «تصل بأهله» : أى أهل ذلك القبس وهو الإسلام والحق أسبابه، وأهله المؤمنون. «وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم» : أى هديت بعد الكفر والفتن لموضحات الأعلام. «ونائرات» و «المنيرات» : الواضحات، يقال: نار الشىء، وأنار إذا وضح. «وشهيدك يوم الدين» : يريد الشاهد على أمته يوم القيامة. «وبعيثك نعمة» : أى مبعوثك، فعيل بمعنى مفعول. «وافسح له» : أى وسع له. «وفى عدنك» : أى فى جنة عدن. «والمعلول» : من العلل وهو الشرب بعد الشرب، يريد أن إعطاءه مضاعف، كأنه يعل به عباده، أى: يعطيهم عطاء بعد عطاء. «وأعل على بناء الناس» وفى رواية: البانين، أى ارفع فوق أعمال العاملين عمله. «وأكرم مثواه» : أى منزله. «ونزله» : رزقه. «والخطة» : بضم الخاء المعجمة، الأمر والقصة. «والفصل» : القطع. وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله- ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، فقالوا له علمنا، قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا، يغبطه فيه الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «١» حديث موقوف، رواه ابن ماجه.

حمودا، يغبطه فيه الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «١» حديث موقوف، رواه ابن ماجه.

وعن رويفع بن ثابت الأنصارى أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد الصدق المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتى» «١» . رواه الطبرانى. قال ابن كثير: وإسناده حسن ولم يخرجوه. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبى الأمى وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» «٢» رواه أبو داود. وعن طاووس: سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله فى الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى. رواه إسماعيل القاضى. قال ابن كثير: وإسناده جيد قوى صحيح. [مواطن الصلاة على النبي ص] وأما المواطن التى تشرع فيها الصلاة عليه- ﷺ.

فمنها: التشهد الأخير ، وهى واجبة فيه، كما قدمنا، وفى وجوبها فى التشهد الأول قولان، أظهرهما المنع، لبنائه على التخفيف، بل هى سنة، وفى استحباب الصلاة على الآل فى التشهد الأول القولان، وفى وجوبها فى الأخير رأيان: أصحهما المنع، بل هى سنة تابعة، وأقلها اللهم صل على محمد، وكذا: صلى الله على محمد، وأقلها على الآل: وآله. وقال فى «الكفاية» بإعادة «على» .

ومنها: خطبة الجمعة ، وكذا غيرها من الخطب، فلا تصح خطبتا الجمعة إلا بها، لأنها عبادة. وذكر الله فيها شرط، فوجب ذكر الرسول فيها كالأذان والصلاة، وهذا مذهب الشافعى وأحمد.

ومنها: عقب إجابة المؤذن ، لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ابن العاصى، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه بها

عن عبد الله بن عمرو ابن العاصى، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه بها

عشرا، ثم سلوا الله لى الوسيلة، فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة» «١» وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من حديث كعب ابن علقمة، وذكره بلفظ «الرجاء» وإن كان متحقق الوقوع أدبا وإرشادا منه وتذكيرا بالخوف، وتفويضا إلى الله بحسب مشيئته، وليكون الطالب للشىء بين الرجاء والخوف. وقوله: «حلت عليه الشفاعة» أى وجبت، وقيل غشيته ونزلت به.

تنبيه: قال شيخنا فى «المقاصد الحسنة» : حديث «الدرجة الرفيعة» المدرج فيما يقال بعد الأذان، لم أره فى شىء من الروايات، وأصل الحديث عند أحمد والبخارى والأربعة عن جابر مرفوعا: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته، حلت له شفاعتى يوم القيامة) «٢» : قال وكأن من زادها اغتر بما وقع فى بعض نسخ «الشفاء» من حديث جابر المشار إليه، لكن مع زيادتها فى هذه النسخة المعتمدة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها، ولم يرها فى سائر نسخ الشفاء، بل فى الشفاء عقد لها فصلا فى مكان آخر ولم يذكر فيه حديثا صريحا، وهو دليل لغلطها. انتهى والله أعلم.

ومنها: أول الدعاء وأوسطه وآخره ، لما روى أحمد من حديث جابر: أن رسول الله- ﷺ قال: «لا تجعلونى كقدح الراكب، فإن الراكب يملأ

قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإذا احتاج إلى شراب شرب، أو الوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلونى فى أول الدعاء وأوسطه وآخره» «١» .

ومنها: وهو من آكدها، عقب دعاء القنوت ، لما رواه أحمد وأهل السنن، وابن جرير وابن حبان والحاكم، من حديث أبى الجوزاء، عن الحسن ابن على قال: علمنى رسول الله- ﷺ كلمات أقولهن فى الوتر: (اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لى فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت، فإنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، [ولا يعز من عاديت] «٢» تباركت ربنا وتعاليت) «٣» وزاد النسائى فى سننه: وصلى الله على النبى، وسيأتى فى المقصد التاسع البحث فى ذلك- إن شاء الله تعالى-.

ومنها: أثناء تكبيرات العيدين ، لما روى إسماعيل القاضى أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة فقال: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله: تبتدئ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلى على النبى- ﷺ، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتكبر وتحمد ربك وتصلى على النبى- ﷺ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن. قال ابن كثير: إسناده صحيح.

ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه ، لما رواه أحمد عن فاطمة قالت: كان رسول الله- ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد ثم قال: «اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك» ، وإذا خرج صلى على محمد ثم قال: «اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك» » .

ومنها: فى صلاة الجنازة ، فإن السنة أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى التكبيرات، وبعد الأولى أولى، وأن يصلى على النبى- ﷺ بعد الثانية، ويدعو للميت بعد الثالثة، وبعد الرابعة يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» «٢» . وفى ذلك حديث رواه الشافعى والنسائى.

ومنها: عند التلبية ، لما رواه الشافعى والدار قطنى عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على النبى- ﷺ على كل حال.

د التلبية ، لما رواه الشافعى والدار قطنى عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على النبى- ﷺ على كل حال.

ومنها: عند الصفا والمروة ، لما روى إسماعيل القاضى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرا بعد حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النبى- ﷺ ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك. قال ابن كثير: إسناده حسن جيد قوى.

ومنها: عند الإجماع والتفرق ، لما روى الترمذى عن أبى هريرة أن

رسول الله- ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيه إلا كان عليه ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» «١» . وروى إسماعيل القاضى عن أبى سعيد قال: ما من قوم يقاعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبى- ﷺ إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب «٢» .

ومنها: عند الصباح والمساء ، لما روى الطبرانى من حديث أبى الدرداء مرفوعا: «من صلى على حين يصبح عشرا، وحين يمسى عشرا، أدركته شفاعتى يوم القيامة» «٣» .

ومنها: عند الوضوء ، لحديث ابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله- ﷺ: «لا وضوء لمن لم يصل على النبى- ﷺ» «٤» .

ومنها: عند طنين الأذن ، لحديث أبى رافع عند ابن السنى مرفوعا: «إذا طنت أذن أحدكم فليذكرنى، وليصل على وليقل ذكر الله من ذكرنى بخير» «٥» .

ومنها: عند نسيان الشىء ، لحديث أبى موسى المدينى، بسند فيه ضعف، عن أنس يرفعه: «إذا نسيتم شيئا فصلوا على تذكروه إن شاء الله تعالى» .

ومنها: بعد العطاس ، كما ذهب إليه أبو موسى المدينى وجماعة،

ونازعهم فى ذلك آخرون، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى، كالأكل والشرب والوقاع ونحو ذلك.

بعد العطاس ، كما ذهب إليه أبو موسى المدينى وجماعة،

ونازعهم فى ذلك آخرون، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى، كالأكل والشرب والوقاع ونحو ذلك.

ومنها: عند زيارة قبره الشريف ، لحديث أبى داود عن أبى هريرة: أن رسول الله- ﷺ قال: «ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد ﵇» «١» . وروى ابن عساكر: «من صلى على عند قبرى سمعته» وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة وليلتها، فعن أوس بن أوس الثقفى قال: قال رسول الله- ﷺ: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة على» ، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت- يعنى: وقد بليت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٢» ، رواه أحمد وأبو داود والنسائى. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطنى. [الإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة] قال الحافظ ابن كثير: وقد روى البيهقى من حديث أبى أمامة عن النبى- ﷺ الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن فى إسناده ضعف. فإن قلت: ما الحكمة فى خصوصية الإكثار من الصلاة عليه- ﷺ يوم الجمعة وليلتها؟ أجاب ابن القيم بأن رسول الله- ﷺ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى، وهى أن كل خير نالته أمته فى الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده- ﷺ، فجمع الله لأمته بين خيرى الدنيا والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم فإنها تحصل لهم يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم فى الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيدهم فى الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم

بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه- ﷺ أن يكثر من الصلاة عليه فى هذا اليوم وليلته. [فضيلة الصلاة على النبي ص] وأما فضيلة الصلاة عليه- ﷺ فقد ورد التصريح بها فى أحاديث قوية، لم يخرج البخارى منها شيئا، أمثلها ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة، عن النبى- ﷺ «من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا» «١» . وعن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: خرج رسول الله- ﷺ لحاجة، فلم يجد أحدا يتبعه، فأتاه عمر بمطهرة من خلفه، فوجد النبى- ﷺ ساجدا، فتنحى عنه حتى رفع النبى- ﷺ رأسه، فقال: «أحسنت يا عمر حين وجدتنى ساجدا فتنحيت عنى، إن جبريل أتانى فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، ورفعه عشر درجات» «٢» . رواه الطبرانى وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح قال ابن كثير: وقد اختار هذا الحديث الحافظ الضياء المقدسى فى كتابه «المستخرج على الصحيحين» . وعن أبى طلحة أن رسول الله- ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى فى وجهه، فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور فى وجهك، فقال: «إنه أتانى الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك ﷿ يقول: إنه لا يصلى عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا، قال: بلى» «٣» ، رواه الدارمى وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائى، واللفظ له.

من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا، قال: بلى» «٣» ، رواه الدارمى وأحمد وابن حبان والحاكم والنسائى، واللفظ له.

وعن عامر بن ربيعة، أن رسول الله- ﷺ قال: «من صلى على صلاة لم تزل الملائكة تصلى عليه ما صلى على، فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر» «١» . رواه أحمد وابن ماجه من حديث شعبة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: من صلى على رسول الله- ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ليكثر «٢» ، رواه أحمد. والتخيير بعد الإعلام بما فيه الخيرة فى المختبر فيه على جهة التحذير من التفريط فى تحصيله، وهو قريب من معنى التهديد. وروى الترمذى، أن أبى بن كعب قال: يا رسول الله، إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى؟ قال: «ما شئت» ، قلت: الربع؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت: فالنصف؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت: فالثلثين؟ قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» ، قلت: أجعل لك صلاتى كلها، قال: «إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك» «٣» . ثم قال: هذا حديث حسن. فهذا ما يتعلق بالصلاة، وأما السلام فقال النووى: يكره إفراد الصلاة عن السلام، واستدل بورود الأمر بهما معا فى الآية، يعنى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٤» . وتعقبوه: بأن النبى- ﷺ علم أصحابه التسليم قبل تعليمهم الصلاة، كما هو مصرح به فى قولهم: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك، وقوله- ﷺ بعد أن علمهم الصلاة والسلام: «كما قد علمتم» ، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة عليه. لكن قال فى فتح البارى: إنه

ا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك، وقوله- ﷺ بعد أن علمهم الصلاة والسلام: «كما قد علمتم» ، فأفرد التسليم مدة قبل الصلاة عليه. لكن قال فى فتح البارى: إنه

يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلا، أما لو صلى فى وقت، وسلم فى وقت آخر فإنه يكون ممتثلا. وقال أبو محمد الجوينى من أصحابنا: السلام بمعنى الصلاة، فلا يستعمل فى الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: على ﵇، سواء فى هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى. وقد جرت عادة بعض النساخ أن يفردوا عليّا وفاطمة- رضى الله عنهما- بالسلام، فيقولو: عليه أو ﵍ من دون سائر الصحابة فى ذلك، وهذا وإن كان معناه صحيحا لكن ينبغى أن يساوى بين الصحابة- رضى الله عنهم- فى ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، والشيخان وعثمان أولى بذلك منهما، أشار إليه ابن كثير. وأما الصلاة على غير النبى- ﷺ فاختلف فيها. وأخرج البيهقى بسند واه من حديث بريدة رفعه: «لا تتركن فى التشهد الصلاة على وعلى أنبياء الله» . وأخرج إسماعيل القاضى بسند ضعيف من حديث أبى هريرة: «صلوا على أنبياء الله» . وأخرج الطبرانى من حديث ابن عباس رفعه: «إذا صليتم على فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثنى» «١» . وثبت عن ابن عباس اختصاص ذلك بالنبى- ﷺ. أخرجه ابن أبى شيبة من طريق عثمان عن عكرمة عنه قال: «ما أعلم الصلاة تنبغى على أحد من أحد إلا على النبى- ﷺ» . وسنده صحيح. وحكى القول به عن مالك، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على نبى. وعن بعض شيوخ مذهب مالك: لا يجوز أن يصلى إلا على محمد. قالوا: وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغى لنا أن نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى

فقال: لا بأس به، واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا تمنع إلا بنص أو إجماع. وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كان على سبيل التبعية كما تقدم فى الحديث: اللهم صل على محمد وآل محمد ونحوه، فهو جائز بالإجماع. وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم. فقال قائلون بجواز ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «١» وبقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «٢» ، وبقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ «٣» ، وبحديث عبد الله بن أبى أوفى قال: كان رسول الله- ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل عليهم» ، فأتاه أبى بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبى أوفى» «٤» أخرجه الشيخان. وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال أبو بكر ﷺ. أو: قال على ﷺ، وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: قال محمد ﷿، وإن كان عزيزا جليلا، لأن هذا من شعار ذكر الله ﷿. وحملوا ما ورد فى ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبى أوفى. وهذا مسلك حسن. وقال آخرون: لا يجوز ذلك، لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم فى ذلك. ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو كراهة

التنزيه، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها النووى فى كتاب «الأذكار» ، ثم قال: والصحيح الذى عليه الأكثرون، أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.

ى ثلاثة أقوال، حكاها النووى فى كتاب «الأذكار» ، ثم قال: والصحيح الذى عليه الأكثرون، أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.

الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه ص وقرابته وأهل بيته وذريته [فى ذكر محبة آله ص وقرابته وأهل بيته وذريته] قال الطبرى: اعلم أن الله تعالى لما اصطفى نبيه- ﷺ على جميع من سواه، وخصه بما عمه به من فضله الباهر وحباه، أعلى ببركته من انتمى إليه نسبا أو نسبة، ورفع من انطوى عليه نصرة وصحبة، وألزم مودة قرباه كافة بريته، وفرض محبة جملة أهل بيته المعظم وذريته، فقال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» . ويروى أنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء؟ قال: «على وفاطمة وابناهما» . وقال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٢» . وقد اختلف فى المراد بأهل البيت فى هذه الآية. فروى ابن أبى حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت فى نساء النبى- ﷺ وروى ابن جرير عن عكرمة، أنه كان ينادى فى السوق إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٣» قال: نزلت فى نساء النبى- ﷺ. قال الحافظ ابن كثير: وهذا يعنى: ما فى الآية نص فى دخول أزواجه- ﷺ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وقيل: المراد النبى- ﷺ.

Bagian 31 dari 49