المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 34 dari 49 2019 halaman

— Bagian 34 · رين، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب ه… —

Bagian 34

رين، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، إله الحق آمين.

  • ومما جرب للخراج، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب عليه

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً «١» .

  • ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبد الله بن الإمام أحمد ابن حنبل قال: رأيت أبى يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها فى جام «٢» أبيض، أو شئ نظيف، حديث ابن عباس: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها. قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزى أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله اكتب لامرأة قد عسر عليها الولادة منذ يومين فقال: قل له يجئ بجام واسع وزعفران. قال المروزى: ورأيته يكتب لغير واحد. وفى «المدخل» : يكتب فى آنية جديدة: اخرج أيها الولد من بطن ضيق إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذى جعلك فى قرار مكين إلى قدر معلوم، لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، إلى آخر السورة، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. وتشربها النفساء، ويرش منها على وجهها. قال الشيخ المرجانى: أخذته عن بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح فى وقته. انتهى. وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى- ﵇ على امرأة وقد اعترض ولدها فى بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله لى أن يخلصنى مما أنا فيه فقال: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها وإذا هى قائمة. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.

ق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها وإذا هى قائمة. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.

ومما يكتب أيضا لذلك، ويكون فى إناء نظيف: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ «١» وتشرب الحامل منه وترش على بطنها.

  • ومما يكتب للرعاف «٢» على جبهة المرعوف وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ» ، ولا يجوز كتابتها بدم الرعاف كما يفعله بعض الجهال، فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله.
  • ومما يكتب لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب كل شئ، ومليك كل شئ، وخالق كل شئ، أنت خلقتنى وخلقت عرق النسا فىّ فلا تسلطه علىّ بأذى، ولا تسلطنى عليه بقطع، واشفنى شفاء لا يغادر سقما، لا شافى إلا أنت. وأما حفيظة رمضان: لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، إنك سميع عليم محيط به علمك كعسلهون، وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إلى آخرها ... فقال شيخنا: اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب وجملة بلدان أنها حفيظة رمضان، تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر الآفات، وتكتب فى آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر. وهذه بدعة لا أصل لها، وإن وقعت فى كلام غير واحد من الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم إلى ورودها فى حديث ضعيف، وكان الحافظ ابن حجر ينكرها جدّا، حتى وهو قائم على المنبر فى أثناء خطبته حين يرى من يكتبها.

ذكر ما يقى من كل بلاء: عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من قال بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات حين يمسى لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن

قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسى» . قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج «١» ، فتجعل الذى سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال: ما لك تنظر فو الله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على رسول الله- ﷺ، ولكن اليوم الذى أصابنى فيه ما أصابنى غضبت فنسيت أن أقولها «٢» . رواه أبو داود، ورواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح. وعنده: فكان أبان أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: ما لك تنظر إلى، أما إن الحديث كما حدثتك ولكن لم أقله يومئذ ليمضى الله أمرا قدره.

ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء: وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد المالكى الإفريقى، فى كتابه «أخبار أفريقية» عن أنس بن مالك مرفوعا: «من قال بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم عشر مرات برئ من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفى من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها الجنون والجذام والبرص والريح» . ويشهد له ما رواه الترمذى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «أكثروا من ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فإنها من كنز الجنة» . قال مكحول: من قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ولا ملجأ من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين بابا من الضر أدناها الفقر «٣» .

وروى الطبرانى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم» «١» . ومن ذلك فى الأمان من الفقر: عن أبى موسى قال: قال رسول الله- ﷺ: «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة فى كل يوم لم يصبه فقر أبدا» . رواه ابن أبى الدنيا. وروى الطبرانى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «من أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» «٢» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب يرفعه: من قال كل يوم وليلة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، مائة مرة كان له أمانا من الفقر وأنسا من وحشة القبر، واستفتح به باب الغنى، واستقرع به باب الجنة. قال بعض رواته: لو رحلتم فى هذا الحديث إلى الصين ما كان كثيرا. ذكره عبد الحق فى كتاب الطب النبوى.

القبر، واستفتح به باب الغنى، واستقرع به باب الجنة. قال بعض رواته: لو رحلتم فى هذا الحديث إلى الصين ما كان كثيرا. ذكره عبد الحق فى كتاب الطب النبوى.

ذكر دواء داء الطعام: روى البخارى فى تاريخه عن عبد الله بن مسعود: من قال حين يوضع الطعام: بسم الله خير الأسماء فى الأرض وفى السماء، لا يضر مع اسمه داء، اجعل فيه رحمة وشفاء. لم يضره ما كان «٣» .

ذكر دواء أم الصبيان: عن على قال: قال رسول الله- ﷺ: «من ولد له مولود فأذن فى أذنه

اليمنى وأقام فى اليسرى لم تضره أم الصبيان» «١» رواه ابن السنى، وذكره عبد الحق فى «الطب النبوى» . وأم الصبيان: هى الريح التى تعرض لهم، فربما يخشى عليهم منها. وسر التأذين- كما قاله صاحب تحفة المودود بأحكام المولود- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التى أول ما يدخل بها فى الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها. مع ما فى ذلك من فائدة أخرى، وهى هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التى قدرها الله وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أو أوقات تعلقه به.

النوع الثانى طبه ص بالأدوية الطبيعية

ذكر ما كان ص يعالج به الصداع والشقيقة: اعلم أن الصداع ألم فى بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه فى أحد جانبى الرأس لازما سمى شقيقة- بوزن عظيمة- وسببه أبخرة مرتفعة، أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد منفذا أحدثت الصداع، فإن مال إلى أحد شقى الرأس أحدث الشقيقة، وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة تشبيها ببيضة السلاح تشتمل على الرأس كله. وأسباب الصداع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم فى المعدة أو فى عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقئ والاستفراغ والسهر وكثرة الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث فى الرأس كضربة تصيبه أو ورم فى صفاق الدماغ، أو حمل شئ

ة الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث فى الرأس كضربة تصيبه أو ورم فى صفاق الدماغ، أو حمل شئ

ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بشئ خارج عن الاعتدال، أو بتبريده بملاقاة الهواء أو الماء فى البرد. وأما الشقيقة: فهى فى شرايين الرأس وحدها، أو تختص بالموضع الأضعف من الرأس. وعلاجها بشد العصابة. وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة أنه- ﷺ كان ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج «١» . وفى الصحيح أنه- ﷺ قال فى مرض موته: «وارأساه» «٢» وأنه خطب وقد عصب رأسه «٣» . فعصب الرأس ينفع فى الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس. وفى البخارى من حديث ابن عباس: احتجم- ﷺ وهو محرم فى رأسه من شقيقة كانت به «٤» . وقد جاءت مقيدة فى بعض طرق ابن عباس نفسه، فعند أبى داود الطيالسى فى مسنده من حديث ابن عباس أن النبى- ﷺ احتجم فى وسط رأسه «٥» . وقد قال الأطباء إنها نافعة جدّا. وورد أنه- ﷺ احتجم أيضا فى الأخدعين والكاهل «٦» . أخرجه الترمذى وحسنه، وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم. وقد قال الأطباء: الحجامة

على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف. وقد ورد فى حديث ضعيف جدّا، أخرجه ابن عدى من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رفعه: الحجامة فى الرأس تنفع فى سبع، من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين «١» . وعمر متروك، رماه الفلاس وغيره بالكذب. وروى ابن ماجة فى سننه أن النبى- ﷺ كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء، ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع «٢» . وفى صحته نظر. وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن من مادة يجب استفراغها، وإذا كان كذلك نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا. قالوا: وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع، وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم جميع الأعضاء. وفى تاريخ البخارى وسنن أبى داود: أن رسول الله- ﷺ ما شكا إليه أحد وجعا فى رأسه إلا قال له «احتجم» ، ولا شكا وجعا فى رجليه إلا قال له: «اختضب بالحناء» «٣» . وفى الترمذى عن على بن عبد الله عن جدته- وكانت تخدم النبى- ﷺ قالت: ما كان يكون برسول الله- ﷺ قرحة ولا نكتة إلا أمرنى أن أضع عليها الحناء «٤» .

ذكر طبه ص للرمد: وهو ورم حار يعرض فى الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها،

كان يكون برسول الله- ﷺ قرحة ولا نكتة إلا أمرنى أن أضع عليها الحناء «٤» .

ذكر طبه ص للرمد: وهو ورم حار يعرض فى الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها،

وسببه: انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم «١» أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة «٢» والمنخرين أحدث الخنان- بالخاء المعجمة والنون-، أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة «٣» ، وإن لم ينحدر وطلب نفاذا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم. وروى أنه- ﷺ كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة. وفى سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبى- ﷺ وبين يديه خبز وتمر فقال: «ادن وكل» ، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «تأكل تمرا وبك رمد؟» فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الآخرى، فتبسم رسول الله- ﷺ «٤» . وقد روى أنه حمى عليّا من الرطب لما أصابه الرمد. وفى البخارى من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت النبى- ﷺ يقول: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» «٥» . والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد فى الأرض من غير أن يزرع. وروى الطبرانى من طريق المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله- ﷺ، فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدرى الأرض، فبلغه ذلك فقال: «إن الكمأة ليست جدرى الأرض، ألا إن الكمأة من المن» «٦» . واختلف فى قوله: «من

سول الله- ﷺ، فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدرى الأرض، فبلغه ذلك فقال: «إن الكمأة ليست جدرى الأرض، ألا إن الكمأة من المن» «٦» . واختلف فى قوله: «من

المن» ، فقيل: من المن الذى أنزل الله على بنى إسرائيل، وهو الطل الذى يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج. وقال الخطابى: ليس المراد أنها نوع من المن الذى أنزل الله على بنى إسرائيل، فإن الذى أنزل على بنى إسرائيل كان كالترنجبيل الذى يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شئ ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقى، وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض، الذى ليس فى اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر. وقال ابن الجوزى: فى المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفا فى العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين: أحدهما أن يختلط فى الأدوية التى يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما: أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلى ماؤها ثم يؤخذ الميل «١» فيجعل فى ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل فى مائها وهى باردة يابسة فلا ينجع. وقال آخر: تجعل الكمأة فى قدر جديدة ويصب عليها الماء، ولا يطرح فيها ملح، ثم يؤخذ غطاء جديد نقى فيجعل على القدر، فما جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذى يكتحل به. وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربى به الإثمد كان ذلك من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به يقوى أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل. وقال أيضا: إذا اكتحل بماء الكمأة وحده بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة فى البصر كثيرة. وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحى وابن سينا وغيرهما، قال: والذى يزيل الإشكالات عن هذا

وحدة فى البصر كثيرة. وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحى وابن سينا وغيرهما، قال: والذى يزيل الإشكالات عن هذا

الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت فى الأصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التى أرادها الله تعالى، فالكمأة فى الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضر لنيته والعكس بالعكس والله أعلم.

ذكر طبه ص من العذرة: وهى- بضم المهملة وسكون الذال المعجمة- وجع فى الحلق يعترى الصبيان غالبا، وقيل: هى قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو فى الخرم الذى بين الأنف والحلق، وهو الذى يسمى سقوط اللهاة، وقيل هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمى باسمها، وقيل: هو موضع قريب من الهاة، واللهاة- بفتح اللام- اللحمة التى فى أقصى الحلق. وفى البخارى، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية- أسد خزيمة- وهى أخت عكاشة، أنها أتت رسول الله- ﷺ بابن لها قد علقت عليه من العذرة، فقال النبى- ﷺ: «علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندى فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب» «١» يريد الكست وهو العود الهندى. قوله: «تدغرن» خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق. وعن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله- ﷺ على عائشة وعندها صبى يسيل منخراه دما، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: به العذرة، أو وجع فى رأسه، فقال: «ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع فلتأخذ قسطا هنديا فلتحله بماء ثم تسعطه إياه» فأمرت عائشة

فصنع ذلك للصبى فبرئ. الحديث «١» . وفى القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق: وهو شئ يعلقونه على الصبيان، فنهاهم النبى- ﷺ عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. والسعوط: ما يصب فى الأنف. وقد استشكل معالجتها- أى العذرة- بالقسط الهندى مع كونه حارّا، والعذرة إنما تعرض فى زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجارة حار؟ وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفى القسط تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه فى هذا الداء بالخاصية، وأيضا فالأدوية الحارة قد تنفع فى الأمراض الحارة بالعرض كثيرا، بل وبالذات أيضا، وقد ذكر ابن سينا فى معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع الشب اليمانى، على أنا لو لم نجد شيئا من التوجيهات لكان المعجز خارجا من القواعد الطبية.

ذكر طبه ص لداء استطلاق البطن «٢» : فى الصحيحين من حديث أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى: أن رجلا أتى النبى- ﷺ فقال: إن أخى يشتكى بطنه- وفى رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا» ، فسقاه فقال: إنى سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» «٣» . وفى رواية مسلم فقال له ثلاث مرات،

استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا» ، فسقاه فقال: إنى سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» «٣» . وفى رواية مسلم فقال له ثلاث مرات،

ثم جاء الرابعة فقال: «اسقه عسلا» ، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: «صدق الله» . وفى رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال فى الرابعة: «اسقه عسلا» ، قال فأظنه فسقاه فبرأ، فقال- ﷺ: «صدق الله وكذب بطن أخيك» . قال الخطابى وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب فى موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أى زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك، أى لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه. وقال الإمام فخر الدين الرازى: لعله- ﷺ علم بنور الوحى أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه فى الحال مع كونه- ﷺ كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان جاريا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. وقد اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ «١» . فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التى تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له- ﷺ العسل لدفع الفضول المجتمع فى نواحى المعدة من أخلاط لزجة تمنع من استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شئ فى ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن

ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن

جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر، فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفى بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى. وفى قوله- ﷺ: «وكذب بطن أخيك» إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء فى الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها. وقال بعضهم: إن العسل تارة يجرى سريعا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضا، وتارة يبقى فى المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى تدفع ويسهل البطن فيكون مسهلا، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقا قصور من المنكر. وقال ابن الجوزى: فى وصفه- ﷺ العسل لهذا المسهل أربعة أقوال: أحدها: أن حمل الآية على عمومها فى الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله: صدق الله، أى فى قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «١» فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفى بإذن الله تعالى. الثانى: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوى بالعسل من الأمراض كلها. الثالث: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة، كما تقدم تقريره. الرابعة: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ، انتهى. والثانى والرابع ضعيفان: ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» «٢» أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعا، وأخرجه

أولا بغير طبخ، انتهى. والثانى والرابع ضعيفان: ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» «٢» أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعا، وأخرجه

ابن أبى شيبة والحاكم موقوفا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر على: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئا من صداقها فليشتر به عسلا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئا مريئا مباركا، أخرجه ابن أبى حاتم فى التفسير بسند حسن. وروينا عنه- رضى الله عنه- أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله فى صحفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلا فليشربه فإنه شفاء: قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أى من وجوه: قال الله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ» وقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «٢» وقال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «٣» وقال فى العسل: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٤» .

ذكر طبه ص فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه: روى الترمذى وابن ماجه فى سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله- ﷺ: «بماذا كنت تستمشين؟» قالت: بالشبرم، قال: «حار حار ضار ضار» ثم قالت: استمشيت بالسنا، فقال النبى- ﷺ: «لو أن شيئا كان فيه شفاء من الموت لكان فى السنا» «٥» . قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكر البخارى فى تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذى. وذكر أبو محمد الحميدى فى كتاب «الطب» له أنه- ﷺ قال: «إياكم والشبرم فإنه حار حار، ضار ضار،

وعليكم بالسنا فتداووا به، فلو دفع الموت شئ لدفعه السنا» . وحكى عبد الحق الإشبيلى فى كتاب «الطب النبوى» له أن المحاسبى ذكر فى كتابه المسمى ب «القصد إلى الله» أن النبى- ﷺ شرب السنا بالتمر. وفى سنن ابن ماجه، من حديث إبراهيم بن أبى عبلة قال: سمعت عبد الله بن أم حرام، وكان ممن صلى مع رسول الله- ﷺ إلى القبلتين، يقول: «عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام» ، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: «الموت» «١» . قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس فى الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التى منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وأما السنا: فهو نبت حجازى، وأفضله المكى، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس فى الدرجة الأولى، يسهل الصفراء أو السوداء، ويقوى جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع فى الوسواس السوداوى. قال الرازى: السنا والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان فى الجرب والحكة، قال والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوت، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطا سودا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرمانى، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل إنه الشبث، وقيل إنه العسل الذى يكون فى زقاق السمن. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أى: يخلط السنا مدقوقا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما فى العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته على الإسهال.

لى الصواب، أى: يخلط السنا مدقوقا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما فى العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته على الإسهال.

ذكر طبه ص للمفؤود: وهو الذى أصيب فؤاده، فهو يشتكيه كالمبطون. روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضا، فأتانى رسول الله- ﷺ يعودنى، فوضع يده بين ثديىّ حتى وجدت بردها على فؤادى، وقال لى: «إنك رجل مفؤود، فائت الحارث ابن كلدة «١» من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلد بهن الفؤاد» «٢» . وهذا الحديث من الخطاب العام الذى أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم، و «اللدود» : ما يسقاه الإنسان من أحد جانبى الفم. وفى التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما أهل المدينة، ولا سيما العجوة، وفى كونها سبعا خاصية أخرى تدرك بالوحى. وفى الصحيحين «من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره فى ذلك اليوم سم ولا سحر» «٣» .

ذكر طبه ص لذات الجنب: فى البخاري مرفوعا: «عليكم بهذا العود الهندى، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب» «٤» . وفى الترمذى من حديث زيد بن أرقم قال: قال- ﷺ: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحرى والزيت» «٥» . واعلم أن ذات الجنب هو ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات

رى والزيت» «٥» . واعلم أن ذات الجنب هو ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات

والعضل الذى فى الصدر والأضلاع، فيحدث وجعا. فالأول هو ذات الجنب الحقيقى، الذى تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشارى. ويقال لذات الجنب أيضا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سئ الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا الثانى، لأن القسط وهو العود الهندى هو الذى يداوى به الريح الغليظة. وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحى أنه قال: العود حار يابس قايض، محبس للبطن، ويقوى الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما فى وقت انحطاط العلة.

ذكر طبه ص لداء الاستسقاء: عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبى- ﷺ، فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبى- ﷺ فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها» ، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله- ﷺ فى آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم فى الشمس حتى ماتوا «١» . رواه الشيخان. واعلم أن الاستسقاء مرض مادى، سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحى التى فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثة: لحمى، وهو أصعبها، وهو الذى يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم فى

ع الخالية من النواحى التى فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثة: لحمى، وهو أصعبها، وهو الذى يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم فى

الأعضاء. وزقى: وهو الذى يجتمع منه فى البطن الأسفل مادة مائية رديئة يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء فى الزق، وهو أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء، وطبلى: وهو الذى ينتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتا كصوت الطبل. وإنما أمرهم- ﷺ بشرب ذلك، لأن فى لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصا إذا استعمل بحرارته التى يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك ما يزيد فى ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن. وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج فى المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجانى النبى- ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز «١» ، يفعل ذلك سبعة أيام ففعله فبرئ. ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجانى أيضا النبى- ﷺ وهو يشير بهذا الدواء: أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودر همين شونيز، ومثلها أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل نصف درهم، ومن القرفة نصف درهم، وشئ من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ. ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجانى النبى- ﷺ وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم، ومن خزامى در همين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامى ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقى تجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن

در همين على الريق، وعند النوم وزن درهم ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه- ﷺ بعد ذلك قال فى النوم لذلك الشخص الذى أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء هى: الريح، وسلسل الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، وألم النفاس، وتعقد الرياح. والزيت المرقى: صفته أن تأخذ شيئا من الزيت الطيب، وتجعله فى إناء نظيف وتحركه بعود، وتقرأ عليه سورة الإخلاص والمعوذتين، ولَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١» إلى آخر السورة وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ «٣» إلى آخر السورة. وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبى- ﷺ فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم ونصف من الزيت المرقى، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، وتعمل له التلبينة ويستعملها بعد إن يفطر على ذلك، والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء. ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبى- ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الألية والزيت المرقى، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقّا ناعما حتى يعود مثل الدقيق. ففعله فبرئ. وشكا بعض الناس الدوخة فى رأسه فرأى الشيخ النبى- ﷺ فى النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من

كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبا عليه، ففعله فبرأ، انتهى. وهذا وإن كان مناما فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجانى لذلك.

ا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبا عليه، ففعله فبرأ، انتهى. وهذا وإن كان مناما فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجانى لذلك.

ذكر طبه ص من داء عرق النسا: وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشئ إلى محله. قيل: وسمى بذلك لأن ألمه ينسى ما سواه. وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهى إلى آخر القدم وراء الكعب. وعن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق فى كل يوم جزآ» «١» رواه ابن ماجه. وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم، لأن هذا المرض يحدث عن يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال. والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفى تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيح والقيصوم ونحوهما، وهذه إذا تغذى بها الحيوان صار فى لحمه من طبعها، بعد أن يلطفه تغذية، ويكسبها مزاجا ألطف منها ولا سيما الألية.

ذكر طبه ص من الأورام والخراجات: بالبط والبزل «٢» ، يذكر عن على- رضى الله عنه- قال: دخلت مع رسول الله- ﷺ على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله، هو بهذه مدة،

فقال: «بطوا عنه» قال على: فما برحت حتى بطت، والنبى- ﷺ شاهد «١» .

ذكر طبه ص بقطع العروق والكى: روى البخارى ومسلم من حديث جابر بن عبد الله، أن النبى- ﷺ بعث إلى أبى بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه «٢» . وأخرج مسلم عن جابر: لما رمى سعد بن معاذ فى أكحله، حسمه النبى- ﷺ «٣» . وروى الطحاوى، وصححه الحاكم عن أنس قال: كوانى أبو طلحة فى زمن النبى- ﷺ «٤» . وعند الترمذى: أنه- ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة «٥» . وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يسلّم على حتى اكتويت فتركت، ثم تركت فعاد «٦» . وفى رواية: إن الذى كان انقطع عنى رجع إلى، يعنى تسليم الملائكة. وروى أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران: نهى رسول الله- ﷺ عن الكى، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث «٧» .

نقطع عنى رجع إلى، يعنى تسليم الملائكة. وروى أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران: نهى رسول الله- ﷺ عن الكى، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث «٧» .

وإنما يستعمل الكى فى الخلط الباغى الذى لا تحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه- ﷺ ثم نهى عنه «١» ، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول فى أمثلتها: آخر الدواء الكى. والنهى فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكى نوعان: كى الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذى قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثانى: كى الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذى شرع التداوى له، فإن كان الكى لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق. وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهى عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء. وقال بعضهم: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذى يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون. قال فى فتح البارى: ولم أر فى أثر صحيح أن النبى- ﷺ اكتوى، إلا أن القرطبى نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبرى أن النبى- ﷺ اكتوى، وذكره الحليمى بلفظ: وروى أنه أكوى للجرح الذى أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر: والثابت فى الصحيح فى غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه. وليس هذا الكى المعهود.

ذكر طبه ص من الطاعون: قال الخليل «١» : الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذى يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال القاضى أبو بكر بن العربى: الطاعون، الوجع الغالب الذى يطفئ الروح، سمى بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجى: وهو مرض يعم الكثير من الناس فى جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضى عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة فى الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونا تشبيها بها فى الهلاك. وقال النووى فى تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدّا ويخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقئ، ويخرج غالبا فى المراق والآباط، وقد يخرج فى الأيدى والأصابع وسائر البدن. وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث فى المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأربية، وسببه ورم ردئ يستحيل إلى جوهر سمى يفسد العضو، ويغير ما يليه، ويؤدى إلى القلب كيفية رديئة تحدث القئ والغثيان والغشى والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع فى الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عن الوباء فى البلاد الوبيئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جواهر الهواء الذى هو مادة الروح ومدده. والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونا بطريق المجاز، لاشتراكهما فى عموم المرض أو كثرة الموت.

وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونا بطريق المجاز، لاشتراكهما فى عموم المرض أو كثرة الموت.

والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهى أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى أرض الوباء. والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم يتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن، لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارع، فتكلموا فى ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وإنما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا فى أعدل الفصول، وفى أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام فى الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانا ويجئ أحيانا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو فى مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع دون موضع من الجسد لا يجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضى تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا فى الغالب يقتل غالبا بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن. كما ثبت فى الأحاديث الواردة فى ذلك. منها حديث أحمد والطبرانى عن أبى بكر بن أبى موسى الأشعرى عن أبيه قال: سألت عنه رسول الله- ﷺ فقال: «هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة» «١» . وقال الشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع فى الألسنة، وهو فى النهاية تبعا لغريبى الهروى بلفظ «وخز إخوانكم» ولم أره بلفظ «إخوانكم» بعد التتبع الطويل البالغ فى شئ من طرق الحديث المسندة، لا فى الكتب المشهورة، ولا فى الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد الطبرانى أو كتاب الطواعين لابن أبى الدنيا، ولا وجود لذلك فى واحد منها والله أعلم. انتهى.

لمشهورة، ولا فى الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد الطبرانى أو كتاب الطواعين لابن أبى الدنيا، ولا وجود لذلك فى واحد منها والله أعلم. انتهى.

وفى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» «١» . وقد ذكر العلماء فى النهى عن الخروج حكما: منها: أن الطاعون: فى الغالب يكون عاما فى البلد الذى يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل. ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره ضائع المصلحة، لفقد من يتعهده حيّا وميتا. وأيضا: لو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان فى ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد فى الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه. وقد جمع الغزالى بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر فى الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير فى الباطن، فالخارج من البلد الذى يقع فيه لا يخلص غالبا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء فى الخروج لبقى المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم. ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذى يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التى حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج لهذه النكتة.

ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع اللوم المنهى عنه. وقال العارف ابن أبى جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله تعالى إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب. وقال ابن القيم: جمع- ﷺ للأمة فى نهيه عن الدخول إلى الأرض التى هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن فى الدخول فى الأرض التى هو فيها تعرضا للبلاء وموافاة له فى محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التى أرشد الله تعالى إليها، وهى حمية من الأمكنة والأهوية المؤذية، وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان: أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا. والثانى: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهى مضرة جدّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبى من الحديث النبوى، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.

ذكر طبه ص من السلعة «١» : أخرج البخارى فى تاريخه، والطبرانى والبيهقى عن شرحبيل الجعفى قال: أتيت النبى- ﷺ وبكفى سلعة، فقلت يا رسول الله قد آذتنى، تحول بينى وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث فى كفى، ووضع كفه على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.

ومسح- ﷺ وجه أبيض بن حمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر «١» ، رواه البيهقى وغيره.

فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.

ومسح- ﷺ وجه أبيض بن حمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر «١» ، رواه البيهقى وغيره.

ذكر طبه ص من الحمى: روى البخارى من حديث ابن عمر عن النبى- ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد» «٢» واختلف فى نسبتها إلى جهنم. فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل فى جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها فى هذه الدار عبرة ودلالة. وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم، تنبيها للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. قوله «فأطفئوها» بهمزة قطع، أمر من: أطفأ. وروى الطبرانى «الحمى حظ المؤمن من النار» » . وفى رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول الله- ﷺ: «إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» بهمزة وصل والراء مضمومة على المشهور وحكى كسر الراء. وفى رواية ابن ماجه «بالماء البارد» «٤» . وفى رواية أبى جمرة- بالجيم- عند البخارى، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتنى الحمى، فاحتبست أياما، فقال: ما حبسك؟ فقلت: الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله- ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم» «٥» شك.

ى، فاحتبست أياما، فقال: ما حبسك؟ فقلت: الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله- ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم» «٥» شك.

قال ابن القيم: قوله «بالماء» فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثانى: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبى جمرة هذا، وراوى هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، وأخبرهم بما عندهم من الماء، انتهى. وتعقب: بأنه وقع فى رواية أحمد عن عفان بن همام: «فأبردوها بماء زمزم» ولم يشك، وكذا أخرجه النسائى، وابن حبان والحاكم. وقال ابن القيم: واختلف من قال إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذى حمل من قال إن المراد به الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد فى الحمى ولم يفهم وجهه. مع أن لقوله وجها حسنا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا، انتهى. وقال الخطابى وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببا للتلف. وقد غلط بعض من ينسب إلى العلم «١» ، فانغمس فى الماء لما أصابته الحمى، فاحتنقت الحرارة فى باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه فى ذلك جهله بمعنى الحديث. والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب فى صدق الخبر، فيقال له أولا، من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس فى الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، وإنما فى الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم فى الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده- ﷺ استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل

الانتفاع به، وهذا كما وقع فى أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى الله عنهما-: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابى ولا سيما مثل أسماء بنت أبى بكر التى هى كانت تلازم بيت النبى- ﷺ أعلم بالمراد من غيرها. وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس يرفعه: «إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر» «١» . وقال المازرى: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشئ دواءه فى ساعة فيكون داءه فى الساعة التى تليها لعارض يعرض له من غضب يحمى مزاجه مثلا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص لشئ فى حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره فى سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف، وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا فى وقت مخصوص فيكون من الخواص التى اطلع عليها النبى- ﷺ بالوحى، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب. وجعل ابن القيم خطابه- ﷺ فى هذا الحديث خاصّا لأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التى تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة من شدة حرارة الشمس. قال: هذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل فى القلب، وتنشر منه بتوسط الروح والدم فى العروق إلى جميع البدن وهى قسمان: عرضية وهى الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك،

لب، وتنشر منه بتوسط الروح والدم فى العروق إلى جميع البدن وهى قسمان: عرضية وهى الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك،

ومرضية وهى ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهى حمى يوم، لا تقلع غالبا فى يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهى حمى دق، وهى أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفينية، وهى بعدد الأخلاط الأربعة: أعنى صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذا الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب. انتهى. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس فى الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس: لو أن شابّا خشن اللحم خصب البدن ليس فى أحشائه ورم استحم بماء بارد وسبح فيه فى وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك. وقد تكرر فى الحديث استعماله- ﷺ الماء البارد فى علته، كما فى الحديث: «صبوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن» «١» . وفى المسند وغيره من حديث الحسن عن سمرة يرفعه «الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد» وكان- ﷺ إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل «٢» وصححه الحاكم، ولكن قال فى إسناده راو ضعيف. وعن أنس رفعه: «إذا حم أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال» «٣» أخرجه الطحاوى وأبو نعيم فى الطب. وأخرج الطبرانى من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: «الحمى رائد الموت، وهى سجن الله فى

الأرض، فبردوا لها الماء فى الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء» «١» قال ففعلوا فذهب عنهم. وقد أخرج الترمذى من حديث ثوبان مرفوعا: «إذا أصاب أحدكم الحمى وهى قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع فى نهر جار، ويستقبل جريته، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاثة غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله» «٢» قال الترمذى: غريب، وفى سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.

سات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله» «٢» قال الترمذى: غريب، وفى سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.

ذكر طبه ص من حكة الجسد وما يولد القمل: لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص- ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف فى لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما فى البخارى عن قتادة أن أنسا حدثهم أن النبى- ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير فى قميص من حرير من حكة كانت بهما. وفى رواية أن عبد الرحمن والزبير شكيا إلى النبى- ﷺ يعنى القمل- فأرخص لهما فى الحرير، فرأيته عليهما فى غزاة. وفى رواية رخص النبى- ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فى الحرير. وفى رواية رخص النبى- ﷺ، أو رخص لحكة كانت بهما «٣» . ويحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، أو أن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى المسبب. قال النووى: هذا

الحديث صريح فى الدلالة لمذهب الشافعى وموافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكذا للقمل وما فى معنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى. وتعقب قوله: «لما فيه من البرودة» بأن الحرير حار. والصواب: أن الحكمة فيه إنما هى لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل. وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة فى مزاجه، مسخنا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه. وقال الرازى: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير ليس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة، لأن الحكة- كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص- ﷺ لهما فى الحرير لمداواة الحكة.

ذكر طبه ﷺ من السم الذى أصابه بخيبر: تقدم فى غزوتها قصة اليهودية التى أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبى- ﷺ شاة مصلية بخيبر، فقال: «ما هذه؟» قالت: هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل. فأكل النبى- ﷺ وأكل أصحابه، ثم قال: «أمسكوا» ثم قال للمرأة: «هل سميت هذا الشاة؟» قالت من أخبرك؟ قال: «هذا العظم، لساقها» وهو فى يده، قالت: نعم قال: «لم؟» قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيّا لم يضرك. قال: فاحتجم النبى- ﷺ ثلاثا على كاهله «١» .

قها» وهو فى يده، قالت: نعم قال: «لم؟» قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيّا لم يضرك. قال: فاحتجم النبى- ﷺ ثلاثا على كاهله «١» .

وقد ذكروا فى علاج السم أنه يكون بالاستفراغات وبالأدوية التى تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء الكلى، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا، فإن القوة السمية تسرى فى الدم، فتبعثه فى العروق والمجارى، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التى خالطته، فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه. ولما احتجم- ﷺ احتجم على الكاهل، لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليّا بل بقى أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.

النوع الثالث فى طبه ص بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية

ذكر طبه ص من القرحة والجرح وكل شكوى: عن عائشة أن رسول الله- ﷺ كان يقول للمريض: «بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا» . وفى رواية: كان يقول فى الرقية: «بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» «١» رواه البخارى. وفى رواية لمسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث. وقوله: «تربة أرضنا؟» خبر مبتدأ محذوف، أى هذه تربة أرضنا. وقوله «يشفى سقيمنا» ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.

ربة أرضنا. وقوله «يشفى سقيمنا» ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.

قال النووى: معنى الحديث، أنه أخذ من ريق نفسه: على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شئ منه، ثم مسح به على الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور فى حالة المسح. وقال القرطبى: زعم بعض الناس أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذى به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته فى تجفيف الجراح واندمالها. وقال فى الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع. وتعقبة القرطبى: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك فى أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله- ﷺ: وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية فى ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة. وقال البيضاوى: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا فى النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير فى حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغى للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه فى سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها. وقال التوربشتى كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأن تضرع بلسان الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفى من كانت هذه نشأته. وقال النووى: وقيل المراد «بأرضنا؟» أرض المدينة لبركتها، و «بعضنا» رسول الله- ﷺ لشرف ريقه فيكون ذلك مخصوصا. وفيه نظر. وفى حديث عائشة عند أبى داود والنسائى: أن النبى- ﷺ دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: «اكشف الباس رب الناس» ، ثم أخذ

ترابا من بطحان فجعله فى قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقى.

ذكر طبه- ص من لدغة العقرب: عن عبد الله بن مسعود قال: بينا رسول الله- ﷺ يصلى إذ سجد فلدغته عقرب فى إصبعه، فانصرف رسول الله- ﷺ وقال: «لعن الله العقرب، ما تدع نبيّا ولا غيره» ، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة فى الماء والملح، ويقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «١» والمعوذتين حتى سكنت «٢» رواه ابن أبى شيبة فى مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى رسول الله- ﷺ من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع بماء فيه ملح. وهذا طب مركب من الطبيعى والإلهى، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة، التى هى مجامع التوحيد، وفى المعوذتين استعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصى- ﷺ عقبة بن عامر أن يقرأهما عقب كل صلاة «٣» . رواه الترمذى. وفى هذا سر عظيم فى استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» «٤» . وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعى، فإن فى الملح نفعا لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة ما يجذب السموم ويحللها، ولما كان فى لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل- ﷺ الماء والملح لذلك.

ذكر الطب من النملة: وهى بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج فى الجنب، وسمى نملة لأن صاحبه يحس فى مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. وفى حديث مسلم عن أنس أنه- ﷺ رخص فى الرقية من الحمة والعين والنملة «١» . وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقى فى الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبى- ﷺ وكانت بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إنى كنت أرقى فى الجاهلية من النملة، وأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: «ترقى بها على عود سبع مرات، وتقصد به مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة» .

اهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: «ترقى بها على عود سبع مرات، وتقصد به مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة» .

ذكر طبه ص من البثرة: روى النسائى عن بعض أزواج النبى- ﷺ قال: «عندك ذريرة؟» قلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: «اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عنى، فطفئت» «٢» .

ذكر طبه ص من حرق النار: روى النسائى عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفى من مائها، فاحترق ظهر كفى، فانطلقت بى أمى إلى النبى- ﷺ، فقال: «أذهب الباس رب الناس» قال: وأحسبه قال: «واشف أنت الشافى وتفل» «٣» .

ذكر طبه ص بالحمية: وهى قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله. فالأولى: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن التزايد، وأخذت القوى فى دفعه. والأصل فى الحمية قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ إلى قوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً «١» فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك فى أوائل هذا المقصد. وقد قال بعض أفاضل الأطباء: رأس الطب الحمية. والحمية للصحيح عندهم فى المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس والانتكاس أصعب من ابتداء المرض. والفاكهة تضر الناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفى سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبى- ﷺ وبين يديه خبز وتمر، فقال: «ادن وكل» فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «أتأكل تمرا وبك رمد؟» فقلت يا رسول الله أمضغ من الناحية الآخرى، فتبسم رسول الله- ﷺ «٢» . ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر. وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل على رسول الله- ﷺ ومعه على، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله- ﷺ يأكل منها، وقام على يأكل منها، فطفق النبى- ﷺ يقول لعلى: «إنك ناقه» حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال- ﷺ لعلى: «من هذا أصب فإنه أنفع لك» «٣» رواه ابن ماجه.

لى يأكل منها، فطفق النبى- ﷺ يقول لعلى: «إنك ناقه» حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال- ﷺ لعلى: «من هذا أصب فإنه أنفع لك» «٣» رواه ابن ماجه.

وإنما منعه- ﷺ من أكله من الدوالى لأن فى الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففى ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء، لكى يمتنع تزايده وانتشاره. قال ابن القيم: ومما ينبغى أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشئ اليسير الذى لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة يتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناوله ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء. ولهذا أقر النبى- ﷺ صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففى هذا الحديث- يعنى حديث صهيب- سر طبى لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه عن جوع صادق وإن كان نافعا فى نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك بالعكس.

ذكر حمية المريض من الماء: عن قتادة بن النعمان أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء» «١» . قال الترمذى حديث حسن غريب. وروى الحميدى مرفوعا: «لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم» . وللطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد مرفوعا: «من شرب الماء على الريق انتقصت قوته» وفيه محمد بن مخلد الرعينى، وهو ضعيف.

ذكر أمره ص بالحمية من الماء المشمس خوف البرص: روى الدار قطنى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: «لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص» «١» . وروى الدار قطنى هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبى- ﷺ، وهو ضعيف. وكذا خرج العقيلى نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعى عن عمر. فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون فى البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفى الأوانى المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما. واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجوينى بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس فى الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال فى البدن لا فى الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة فى الأصح فى الروضة وصحح فى الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب- كما قاله الجيلى- أن يكون رأس الإناء منسدا لتنحبس الحرارة، وفى شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال فى شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبرى: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووى فى الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الرويانى فى البحر عن النص.

ذكر الحمية من طعام البخلاء: عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله- ﷺ قال: «طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء» . رواه التنيسى عن مالك فى غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق فى الأحكام.

ذكر الحمية من داء الكسل: روى أبو داود فى المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن: أنه رآه مضطجعا فى الشمس، قال يونس فنهانى وقال: بلغنى أن رسول الله- ﷺ قال: «إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين» «١» .

ذكر الحمية من داء البواسير: عن الحسن قال: قال رسول الله- ﷺ: «لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير» «٢» رواه أبو أحمد الحاكم.

«١» .

ذكر الحمية من داء البواسير: عن الحسن قال: قال رسول الله- ﷺ: «لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير» «٢» رواه أبو أحمد الحاكم.

ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى: عن أبى هريرة- رضى الله عنه-، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء» «٣» . وفى رواية أبى داود: «فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء، فليغمسه كله» . وفى رواية الطحاوى: فإن يقدم السم ويؤخر الشفاء. وفى قوله «كله» دفع توهم المجاز فى الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا «٤» : لم يقع لى فى شئ من الطرق تعيين الجناح الذى فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقى بجناحه الأيسر. فعرف أن الأيمن هو الذى فيه الشفاء. وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: «عمر الذباب أربعون ليلة. والذباب كله فى النار إلا النحل» «٥» . وسنده لا بأس به.

قال الجاحظ: كونه فى النار ليس تعذيبا له بل ليعذب أهل النار له، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر فى أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقى عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعى: لأى علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكان ألحت عليه ذبابة. وقال الشافعى: سألنى ولم يكن عندى جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.

ذكره أمره ص بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته: عن جابر قال: قال رسول الله- ﷺ: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن فى السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء» «١» . رواه مسلم فى صحيحه. قيل: وذلك فى آخر شهور السنة الرومية.

يها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء» «١» . رواه مسلم فى صحيحه. قيل: وذلك فى آخر شهور السنة الرومية.

ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى: روى أبو داود فى المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمى قال: نهى رسول الله- ﷺ أن نسترضع الحمقاء، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدى، وعند القضاعى بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا: «الرضاع يغير الطباع» «٢» . وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا: «أنه نهى عن استرضاع الفاجرة» . وعن عمر بن الخطاب: «أن اللبن ينزع لمن تسترضع» . وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: «اتقوا البرد فإنه قتل أبا

الدرداء» » . لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه: فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبى دهرا. انتهى. وأما ما اشتهر أيضا: «أصل كل داء البردة» «٢» ، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفرى معا فى الطب النبوى والدار قطنى فى العلل، كلهم من طريق تمام ابن نجيح عن الحسن البصرى عن أنس رفعه. وتمام: ضعفه الدار قطنى وغيره، ووثقه ابن معين. ولأبى نعيم أيضا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله بن على بن زحر عن ابن عباس مرفوعا مثله. ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد رفعه: «أصل كل داء من البردة» «٣» . وقد قال الدار قطنى عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن من قوله، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشرى فى «الفائق» من كلام ابن مسعود. قال الدار قطنى فى كتاب التصحيف: قال أهل اللغة «البردة» يعنى بإسكان الراء، والصواب «البردة» يعنى بالفتح، وهى التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من «برد» إذا ثبت وسكن. وقد أورد أبو نعيم مضموما لهذه الأحاديث، حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن ميناء عن أبى هريرة رفعه: «استدفئوا من الحر والبرد» . وكذا أورد المستغفرى مع ما عنده منها حديث إسحاق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: «إن الملائكة لترح بفراغ البرد عن أمتى، أصل كل داء البرد» وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكى عن اللغويين فى كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى.

الفصل الثانى فى تعبيره ص الرؤيا يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة فى ذلك. وأما «الرؤيا» بوزن فعلى- وقد تسهل الهمزة- فهى ما يراه الشخص فى منامه. قال القاضى أبو بكر بن العربى: الرؤيا إدراكات يخلقها الله تعالى فى قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أى حقيقتها، وإما بكناها أى بعبارتها، وإما تخليطا. وذهب أبو بكر بن الطيب: إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائى قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربى: والأول أولى، والذى ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك يتعلق به لا بأصل الذات. وقال المازرى: كثر كلام الناس فى حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع «١» ، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمى إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح فى الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود فى الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجرى الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع فى موضع التجويز غلط.

لصعود فى الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجرى الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع فى موضع التجويز غلط.

ومن ينتمى إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى فى الأرض هى فى العالم العلوى كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادا من الأول، لكونه تحكما لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى فى العالم العلوى الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها. قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله تعالى يخلق فى النائم اعتقادات قل يخلقها فى قلب اليقظان فإذا خلقها جعلها علما على أمور أخرى خلقها أو يخلقها فى ثانى الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف. وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله. وأخرج الحاكم والعقيلى من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقى عمر عليّا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذى لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى صدق، والذى يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التى تكذب» «١» . قال الذهبى فى تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف. وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به فى المنام. ووجد الحديث للترمذى «٢» فى «نوادر الأصول» من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه فى الأصل الثامن والسبعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبى عمر، وهو واه، وفى سنده جند بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة.

Bagian 34 dari 49