— Bagian 37 · مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: «مكانكم» ، ثم رجع ف… —
Bagian 37
مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: «مكانكم» ، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه «٣» . وقوله: «ذكر» أى تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم
الراوى ذلك من قرائن، أو بإعلامه له بعد ذلك. وظاهر قوله: «فكبر» الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول فى الصلاة. وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبى- ﷺ غسلا وسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه «١» . وقد استدل بعضهم بقولها: «فناولته ثوبا فلم يأخذه» على كراهة التنشيف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال المهلب «٢» : يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة بلل الماء، وللتواضع، أو لشئ رآه فى الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد فى هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمى فى شرحه: فى هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة فى التنشيف لأن كلّا منهما إزالة. وقال النووى: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه فى الصيف مباح فى الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، ولكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعى وغيره، ولفظه: «تنفضوا أيديكم فى الوضوء فإنها مراوح الشيطان» قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووى. وقالت عائشة: كان رسول الله- ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل
فرجه وتوضأ للصلاة» . رواه البخارى. وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف. وقوله: «وتوضأ للصلاة» أى وضوآ كما للصلاة، أى وضوآ شرعيّا لا لغويّا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة. والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابى قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة فيه أنه أحد الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد روى البيهقى بإسناد حسن عن عائشة أنه- ﷺ كان إذا أجنب وأراد أن ينام توضأ أو تيمم. ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل غير ذلك. انتهى ملخصا من فتح البارى.
النوع الثانى فى ذكر صلاته ص اعلم أن بالصلاة يحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة. وقد جمع الله تعالى للمصلين فى كل ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة فى الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود. واجتمع فيها أيضا من العبوديات ما لم يجتمع فى غيرها، منها: الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام
جود والقيام والقعود. واجتمع فيها أيضا من العبوديات ما لم يجتمع فى غيرها، منها: الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام
والركوع والسجود، والتسبيح فى الركوع، والدعاء فى السجود، إلى غير ذلك. فهى مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة وكذا كل فرد فرد. وقد أمر الله تعالى نبيه بالصلاة فى قوله سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ «١» ، وقال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «٢» . وفى ذلك- كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير «٣» : أمدنا الله بمدده- إشارة إلى أن فى الصلاة تكليفا للنفوس شاقّا عليها، لأنها تأتى فى أوقات ملاذّ العباد وأشغالهم، فيطالبون بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ مما سوى الله تعالى، فلذلك قال تعالى: وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «٤» . قال: ومما يدل على أن فى القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ «٥» . فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج فى الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها من غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ «٦» فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير، فذلك يدل على ما قلنا، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى فى الآية الآخرى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «٧» . انتهى ملخصا. ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب
الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:
» . انتهى ملخصا. ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
[القسم الأول] فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب
الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول:
الفصل الأول فى فرضها عن أنس قال: فرضت على النبى- ﷺ ليلة أسرى به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذه الخمس خمسين «١» . رواه الترمذى هكذا مختصرا، ورواه البخارى ومسلم من حديث طويل تقدم فى مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث. وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة «٢» . رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وقوله: «فى الخوف ركعة» محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالآخرى. وعن عائشة: فرض الله الصلاة- حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها فى الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى «٣» . رواه
البخارى. وعنده- فى كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهرى، عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر- ﷺ ففرضت أربعا. فعيّن فى هذه الرواية أن الزيادة فى قوله فى الحديث الذى قبله «وزيد فى صلاة الحضر» وقعت بالمدينة. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر فى السفر عزيمة لا رخصة. واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ «١» ، لأن نفى الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شئ أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله- ﵊: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» «٢» رواه مسلم. وأما خبر: فرضت الصلاة ركعتين، أى فى السفر فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما، جمعا بين الأخبار. قاله فى المجموع.
ا عليكم فاقبلوا صدقته» «٢» رواه مسلم. وأما خبر: فرضت الصلاة ركعتين، أى فى السفر فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما، جمعا بين الأخبار. قاله فى المجموع.
الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- ﷺ الصلوات الخمس عن جابر: أن جبريل- ﵊ أتى النبى- ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله- ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله- ﷺ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل ظل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله- ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله- ﷺ، فصلى العصر، ثم أتاه جبريل حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله- ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله- ﷺ فصلى المغرب، ثم تاه جبريل حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله- ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله- ﷺ فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله- ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله- ﷺ، فصلى الغداة.
ثم أتاه فى اليوم الثانى حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثلى شخصه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت «١» . رواه النسائى. وفى رواية قال: خرج رسول الله- ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفئ قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفئ قدر الشراك، وظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين الفجر، ثم صلى الغداة- أى الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل- شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر. وعن ابن عباس: قال- ﷺ: «أمّنى جبريل عند البيت مرتين، فصلى بى الظهر فى الأولى حين كان الفئ مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم» «٢» .
كان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم» «٢» .
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثليه، ثم صلى المغرب كوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إلى جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين، رواه الترمذى وغيره. وقوله: «صلى بى الظهر حين كان ظل كل شئ مثله» أى فرغ منها حينئذ، كما شرع فى العصر فى اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما فى وقت، ويدل له حديث مسلم «وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر» . وقوله فى حديث جابر «فصلى الظهر حين زالت الشمس» يقتضى جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفئ، مثل الشراك، كما اتفقت عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفئ حينئذ مثل الشراك، لا أنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره فى المجموع. وقد بيّن ابن إسحاق فى المغازى أن صلاة جبريل به- ﷺ كانت صبيحة الليلة التى فرضت الصلاة فيها، وهى ليلة الإسراء. ولفظه: قال نافع ابن جبير وغيره: لما أصبح- ﷺ من الليلة التى أسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت «الأولى» - أى صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: «الصلاة جامعة» ، فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبى- ﷺ بأصحابه فذكر الحديث. وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبى- ﷺ. وإنما دعاهم بقوله: «الصلاة جامعة» لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ. واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبى بكر فى صلاته خلف النبى- ﷺ وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.
ه. ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبى بكر فى صلاته خلف النبى- ﷺ وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.
وقد صلى- ﷺ العصر والشمس فى حجرة عائشة لم يظهر الفئ من حجرتها «١» . رواه البخارى ومسلم. وقال أنس: كان رسول الله- ﷺ يصلى العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالى فيأتيهم والشمس مرتفعة «٢» ، وبعض العوالى من المدينة على أربعة أميال. رواه البخارى. وفى ذلك دليل على تعجيله- ﷺ بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال، والمراد بالشمس ضوؤها وعن سلمة بن الأكوع أنه- ﷺ كان يصلى المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب «٣» . رواه البخارى ومسلم والترمذى. وعن رافع بن خديج: كنا نصلى المغرب معه- ﷺ فينصرف أحدنا، وإنه ليرى مواقع نبله «٤» . رواه البخارى ومسلم. والنبل- بفتح النون-: السهام العربية: أى يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب فى أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق. وكان- ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل «٥» . رواه
النسائى من حديث أنس. ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية «١» . رواه أبو داود من رواية على بن شيبان. وقال- ﵊: «إذا قدّم العشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» «٢» ، رواه البخارى ومسلم. وعند أبى داود: «ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره» «٣» . واعتم- ﷺ بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله- ﷺ فقال: «ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم» ، قال: ولا تصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول «٤» . زاد فى رواية: وذلك قبل أن يفشوا الإسلام. وفى رواية: فخرج ورأسه تقطر ماء يقول: «لولا أن أشق على أمتى، أو على الناس، لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة» «٥» . رواه البخارى ومسلم. وفى رواية أبى داود من حديث أبى سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: «خذوا مقاعدكم» ، فأخذنا مقاعدنا، فقال: «إن الناس قد صلوها وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة،
ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لآخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل» «١» . وفى حديث أبى هريرة: «لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» «٢» ، صححه الترمذى. فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمورين فالتأخير فى حقه أفضل. وقد قرر النووى ذلك فى شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وقال الطحاوى: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعى فى الجديد. وقال فى القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال فى «الإملاء» وصححه النووى فى جماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم. وتعقب: بأنه ذكره فى «الإملاء» وهو من كتبه الجديدة. والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله فى فتح البارى.
الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته ص وفيه فروع:
الفروع الأول: فى صفة افتتاحه ﷺ روى أبو داود أنه- ﵊ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال: «أقامها الله وأدامها» «٣» . وكان- ﷺ
يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة. وروى البخارى عن ابن عمر قال: رأيت النبى- ﷺ افتتح التكبير فى الصلاة «١» . واستدل بهما على تعيين لفظ «التكبير» دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن على أن النبى- ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر» . ولأحمد والنسائى من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله- ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع «٢» . وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهرى. ولم يختلف أحد فى إيجاب النية فى الصلاة. قال البخارى- فى أواخر الإيمان-: باب ما جاء فى قوله- ﷺ الأعمال بالنية، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة «٣» . وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: كان- ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال:
: باب ما جاء فى قوله- ﷺ الأعمال بالنية، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة «٣» . وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: كان- ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلى صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال: وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة البتة، بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقال الشافعى: «إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر» أى تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعى أمرا لم يفعله- ﷺ فى صلاة واحدة، ولا أحد من أصحابه. انتهى.
وعبارة الشافعى فى كتاب المناسك: «ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأة، وليس كالصلاة، لأن فى أولها نطقا واجبا» ، هذا نصه. وقد قال الشيخ أبو على السنجى فى شرح التلخيص، وابن الرفعة فى المطلب، والزركشى فى الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعى بذلك تكبيرة الإحرام فقط، انتهى. وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه- ﷺ تلفظ بالنية، ولا علّم أحدا من أصحابه التلفظ بها، ولا أقره على ذلك. بل المنقول عنه فى السنن أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» «١» . وفى الصحيحين أنه- ﷺ لما علم المسئ صلاته قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» » فلم يأمره بالتلفظ بشئ قبل التكبير. نعم اختلف العلماء فى التلفظ بها: فقال قائلون: هو بدعة لأنه لم ينقل فعله. وقال آخرون: هو مستحب، لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة للسان، كما أنه عبودية للقلب، والأفعال المعنوية عبودية الجوارح. وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقى الدين السبكى والحافظ عماد الدين بن كثير. وأطنب ابن القيم- فى غير الهدى- فى رد الاستحباب، وأكثر فى الاستدلال بما فى ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذى استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها. وقاسه بعضهم على ما فى الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع
لاستدلال بما فى ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذى استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها. وقاسه بعضهم على ما فى الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع
النبى- ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا، يقول: «لبيك عمرة وحجّا» «١» وفى البخارى من حديث عمر: سمعت رسول الله- ﷺ يقول- وهو بوادى العقيق-: «أتانى الليلة آت من ربى فقال: صل فى هذا الوادى المبارك وقل: عمرة فى حجة» «٢» . وهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس. ولكن تعقب هذا بأنه- ﷺ قال ذلك فى ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذى جاءه من ربه تعالى فى ذلك الوادى، ولقد صلى- ﷺ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلى صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوى بين ما فعله وتركه، فنأتى من القول فى الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به فى الموضع الذى فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل. وكان- ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، فإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفى رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» . وفى أخرى: نحوه وقال: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود «٣» . رواه البخارى ومسلم.
وعند أبى داود من حديث علقمة: كان- ﷺ إذا قام من سجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح «١» . وهو قطعة من حديث رواه أيضا الترمذى. وكان يكبر فى كل خفض ورفع. رواه مالك. وقال النووى: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها: فقال الشافعى وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة: يستحب أيضا رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وهو رواية عن مالك. وللشافعى قول: أنه يستحب رفعهما فى موضع رابع وهو: إذا قام من التشهد الأول. وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه- ﷺ أنه كان يفعله «٢» . رواه البخارى. وكان- ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى «٣» ، رواه أبو داود. ومذهب الشافعى والأكثرين: أن المصلى إذا وضع يديه حطهما تحت صدره فوق سرته. وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية: تحت سرته. وكان- ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، فقال له أبو هريرة: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، إسكاتتك بين التكبير وبين القراءة ما تقول؟ قال: «أقول اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج والبرد» «٤» . رواه البخارى ومسلم.
كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقنى من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج والبرد» «٤» . رواه البخارى ومسلم.
وعن على: كان- ﷺ إذا قام إلى الصلاة- وفى رواية: إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: «وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسى، واعترفت بذنبى فاغفر لى ذنوبى جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنى لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» «١» ، الحديث رواه مسلم. وعن عائشة: كان- ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» «٢» . رواه الترمذى وأبو داود. وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله- ﷺ يصلى صلاة قال: «الله أكبر كبيرا ثلاث مرات «٣» ، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا،
أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه» «١» . قال عمرو «٢» : نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة «٣» . رواه أبو داود. وعن محمد بن مسلمة «٤» قال: إن رسول الله- ﷺ كان إذا قام يصلى تطوعا قال: «الله أكبر، وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» «٥» . وذكر الحديث مثل حديث جابر إلا أنه قال: وأنا من المسلمين، ثم قال: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك» ، ثم يقرأ. رواه النسائى.
الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة روى عن ابن عباس قال: كان النبى- ﷺ يفتتح الصلاة ببسم الله
حانك وبحمدك» ، ثم يقرأ. رواه النسائى.
الفرع الثانى: فى ذكر قراءته ص البسملة فى أول الفاتحة روى عن ابن عباس قال: كان النبى- ﷺ يفتتح الصلاة ببسم الله
الرحمن الرحيم «١» . رواه أبو داود. وقال الترمذى: ليس إسناده بذاك. ورواه الحاكم عن ابن عباس قال: كان رسول الله- ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم «٢» . ثم قال: صحيح. وفى صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة: أن رسول الله- ﷺ قرأ البسملة أول الفاتحة فى الصلاة، وعدها آية «٣» ، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخى، وفيه ضعف عن ابن جريج عن ابن أبى مليكة عنها. وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه فى تفسيره عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «الحمد لله رب العالمين سبع آيات، بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهى السبع المثانى والقرآن العظيم، وهى أم الكتاب» ورواه الدار قطنى عن أبى هريرة مرفوعا بنحوه أو مثله «٤» ، وقال: رواته كلهم ثقات. وروى البيهقى عن على وابن عباس وأبى هريرة أنهم فسروا قوله سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي «٥» بالفاتحة، وأن البسملة هى الآية السابعة منها «٦» . وعن شعبة عن قتادة عن أنس أن النبى- ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٧» «٨» . رواه البخارى، أى كانوا
يفتتحون بالفاتحة. وفى رواية مسلم: فلم أسمع أحدا منهم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم «١» . كذا أخرجه مسلم وغيره. لكنه معلول أعله الحفاظ، كما هو فى كتب علوم الحديث. وفى شرح ألفية العراقى لشيخنا الحافظ أبى الخير السخاوى- أمتع الله بوجوده- فى باب العلل ما نصه: وعلة المتن القادحة فيه كحديث نفى قراءة البسملة فى الصلاة المروى عن أنس، إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبى- ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان- رضى الله عنهم- فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، نفى البسملة، فنقله مصرحا بما ظنه وقال: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول القراءة ولا فى آخرها. وفى لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. وصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا. والراوى لذلك مخطئ فى ظنه «٢» .
ولذا قال الشافعى- ﵀ فى الأم، ونقله عنه الترمذى فى جامعه: المعنى أنهم يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلا. ويتأيد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» فى صحيح البخارى، وكذا بحديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة رسول الله- ﷺ؟ قال: كانت مدّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد «بسم الله» ويمد «الرحمن» ويمد «الرحيم» «٢» . كذا أخرجه البخارى فى
صحيحه، وكذا صححه الدار قطنى والحازمى وقال: إنه لا علة له، لأن الظاهر- كما أشار إليه أبو شامة- أن قتادة لما سأل أنسا عن الاستفتاح فى الصلاة بأى سورة وأجابه ب «الحمد لله» ، سأله عن كيفية قراءته فيها، وكأنه لم ير إبهام السائل مانعا من تعيينه بقتادة خصوصا وهو السائل أولا. وقد أخرج ابن خزيمة فى صحيحه، وصححه الدار قطنى أن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا: أكان رسول الله- ﷺ يستفتح ب الْحَمْدُ لِلَّهِ أو ب بِسْمِ اللَّهِ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا. قال: وهذا مما يتأيد به خطأ النافى «١» . ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة منهم حميد وقتادة، والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة، إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم عن مالك عنه، بل ومن بعضه أصحاب حميد عنه، فإنها فى سائر الموطات عن مالك: صليت وراء أبى بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لا ذكر للنبى- ﷺ فيه، وكذا الذى عند سائر حفاظ أصحاب حميد عنه، إنما هو فى الوقف خاصة. وبه صرح ابن معين عن ابن أبى عدى حيث قال: إن حميدا كان إذا رواه عن أنس لم يرفعه، وإذا قال فيه: عن قتادة عن أنس رفعه. وأما رواية قتادة، وهى من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعى: أن قتادة كتب إليه ليخبره أن أنسا حدثه قال: صليت ... فذكره بلفظ: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا فى أول قراءة ولا فى آخرها، فلم يتفق أصحابه عنه على هذا اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفى فيه، وجماعة منهم بلفظ: فلم يكونوا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم.
راءة ولا فى آخرها، فلم يتفق أصحابه عنه على هذا اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفى فيه، وجماعة منهم بلفظ: فلم يكونوا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم. وممن اختلف عليه فيه من أصحابه شعبة، فجماعة منهم «غندر» لا ذكر عندهم فيه للنفى، وأبو داود الطيالسى فقط حسبما وقع من طريق غير واحد عنه بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ب «بسم الله» وهى موافقة للأوزاعى.
وأبو عمر الدورى وكذا الطيالسى وغندر أيضا بلفظ: فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ب «بسم الله» . بل كذا اختلف غير قتادة من أصحاب أنس، فإسحاق بن أبى طلحة وثابت البنانى باختلاف عليهما، ومالك بن دينار ثلاثتهم عن أنس بدون نفى، وإسحاق وثابت أيضا ومنصور بن زاذان وأبو قلابة وأبو نعامة كلهم عنه باللفظ النافى للجهر خاصة. ولفظ إسحاق منهم: يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين فيما يجهر فيه. وحينئذ فطريق الجمع بين هذه الروايات- كما قال شيخنا، يعنى شيخ الإسلام ابن حجر- ﵀ ممكن بحمل نفى القراءة على نفى السماع، ونفى السماع على نفى الجهر. ويؤيده: أن لفظ رواية منصور بن زاذان: فلم يسمعنا قراءة بسم الله. وأصرح منها رواية الحسن عن أنس- كما عند ابن خزيمة- كانوا يسرون ببسم الله. وبهذا الجمع زالت دعوى الاضطراب. كما أنه ظهر أن الأوزاعى- الذى رواه عن قتادة مكاتبة مع أن قتادة ولد أكمه، وكاتبه مجهول لعدم تسميته- لم ينفرد به، وحينئذ فيجاب عن قول أنس: «لا أحفظه» بأن المثبت مقدم على النافى، خصوصا وقد تضمن النفى عدم استحضار أنس- ﷺ لأهم شئ يستحضره. وبإمكان نسيانه حين سؤال أبى مسلمة له وتذكره له بعد، فإنه ثبت أن قتادة أيضا سأله: أيقرأ الرجل فى الصلاة بسم الله؟ فقال: صليت وراء رسول الله- ﷺ وأبى بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله. ويحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفى الجهر إلى دليل له، وإن لم يكن من مباحثنا.
ت وراء رسول الله- ﷺ وأبى بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله. ويحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفى الجهر إلى دليل له، وإن لم يكن من مباحثنا. وقد ذكر له الشارح دليلا، وأرشد شيخنا- يعنى الحافظ ابن حجر- لما يؤخذ منه ذلك. بل قال: إن قول نعيم المجمر «صليت وراء أبى هريرة فقرأ ب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين، وقال الناس: آمين، وكان كلما سجد وإذا قام من الجلوس فى الاثنتين يقول الله
أكبر، ويقول إذا سلم: والذى نفسى بيده إنى لأشبهكم صلاة برسول الله- ﷺ «١» » ، أصح حديث ورد فيه، ولا علة له. وممن صححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه النسائى والحاكم، وقد بوب عليه النسائى: الجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم. ولكن تعقب الاستدلال به، لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله «أشبهكم» فى معظم الصلاة لا فى جميع أجزائها، لا سيما وقد رواه عنه جماعة غير نعيم بدون ذكر البسملة. وأجيب: بأن نعيما ثقة، فزيادته مقبولة، والخبر ظاهر فى جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصه. ومع ذلك فيطرقه أن يكون سماع نعيم لها من أبى هريرة حال مخافتته لقربه منه. وقد قال الإمام فخر الدين الرازى فى تصنيف له فى الفاتحة: روى الشافعى بإسناده وكذا رواه الحاكم فى مستدركه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم، أين التكبير عند الركوع والسجود، فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير «٢» . ثم قال الشافعى: وكان معاوية سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية والتكبير كان كالأمر المقرر عن كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه. انتهى. وهو حديث حسن أخرجه الحاكم فى صحيحه والدار قطنى وقال: إن رجاله ثقات.
ثم قال الإمام بعد: وقد بينا أن هذا- يعنى الإنكار المتقدم- يدل على أن الجهر بهذه الكلمة كالأمر المتواتر فيما بينهم. وكذا قال الترمذى عقب إيراده، بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة حديث معتمر بن سليمان عن إسماعيل بن حماد بن أبى سليمان عن أبى خالد الوالبى الكوفى عن ابن عباس قال: كان النبى- ﷺ يفتتح الصلاة ب بسم الله الرحمن الرحيم «١» . ووافقه على تخريجه الدار قطنى، وأبو داود وضعفه. بل وقال الترمذى: ليس إسناده بذاك. والبيهقى فى المعرفة، واستشهد له بحديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله- ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بها صوته الحديث «٢» ، وهو عند الحاكم فى مستدركه أيضا، ما نصه: وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبى- ﷺ منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين رووا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعى، انتهى «٣» . وقال الشيخ أبو أمامة بن النقاش: والذى يروم تحقيق هذه المسألة ينبغى أن يعرف أن هذه المسألة بعلم القراآت أمس، وذلك أن من القراء الذين صحت قراءتهم وتواترت عن النبى- ﷺ من كان يقرأ بها آية من الفاتحة وهم: حمزة وعاصم والكسائى وابن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من لا يعدها آية من الفاتحة كابن عامر، وأبى عمرو، ونافع فى رواية عنه. وحكم قراءتها فى الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على قراءة من جعلها من أم القرآن لزمه فرضا أن يقرأ بها. ومن قرأ على قراءة من لم
نافع فى رواية عنه. وحكم قراءتها فى الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على قراءة من جعلها من أم القرآن لزمه فرضا أن يقرأ بها. ومن قرأ على قراءة من لم
يرها من أم القرآن فهو مخير بين القراءة والترك. فحينئذ الخلاف فيها كالخلاف فى حرف من حروف القرآن، وكلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته ولا على منفيه. ولا ريب أن النبى- ﷺ تارة قرأ بها، وتارة لم يقرأ بها، هذا هو الإنصاف. ثم قال: والمستيقن الذى يجب المصير إليه، أن كلّا من العملين ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراآت السبع كلها حق مقطوع بها من عند الله، وليست هذه أول كلمة ولا أول حرف اختلف فى إثباته وحذفه، وقلّ سورة من القرآن ليس فيها ذلك، كلفظ «هو» فى سورة الحديد لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «١» ، ولفظ «من» فى سورة التوبة، فى قوله تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «٢» ، وألفات عديدة، وواوات، وهاآت كذلك، وكل هذا من نتيجة كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا هو الذى يدلك على بطلان قول من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلاف الناس فيها، وقوله: إن الاختلاف لا يثبت معه قرآن «٣» ، فما أدرى ما هذا الظن. وهذا الذى ذكرناه هو الذى يريحك من تلك التقريرات من الجانبين. ثم قال: ولا ريب أن الواقع من النبى- ﷺ كلا الأمرين، من الجهر والإسرار، فجهر وأسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره، وقد صح فى الجهر أحاديث، لا مطعن فيها لمنصف نحو ثلاثة أحاديث، كما أنه قد صح فى الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها لعار من العصبية، ولا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبى- ﷺ كان الجهر فقط، انتهى. وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر اسم الإمام الشافعى وغلب ذكره؟ أرى ذلك بإظهار اسم الله فى البسملة لكل صلاة. انتهى.
ن النبى- ﷺ كان الجهر فقط، انتهى. وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر اسم الإمام الشافعى وغلب ذكره؟ أرى ذلك بإظهار اسم الله فى البسملة لكل صلاة. انتهى.
الفرع الثالث: فى ذكر قراءته ص الفاتحة وقوله آمين بعدها كان النبى- ﷺ إذا قرأ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ «١» قال: «آمين» ، ومد بها صوته، وفى رواية: وخفض بها صوته «٢» ، رواه الترمذى. وفى رواية أبى داود: ورفع بها صوته، وفى رواية له: جهر بامين. وقال ابن شهاب: وكان- ﷺ إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَ «٣» جهر بامين، أخرجه السراج. ولابن حبان من رواية الزبيدى عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: «آمين» . وللحميدى من طريق سعيد المقبرى عن أبى هريرة بنحوه بلفظ: إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَ «٤» ولأبى داود، وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حجر نحو رواية الزبيدى. وفيه رد على من أومأ إلى النسخ فقال: إنما كان- ﷺ يجهر بامين فى ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم فى أواخر الأمر.
الفرع الرابع: فى ذكر قراءته ص بعد الفاتحة فى صلاة الغداة عن أبى برزة: كان- ﷺ يقرأ فى صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة «٥» . رواه النسائى. وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبى- ﷺ يقرأ
الفاتحة فى صلاة الغداة عن أبى برزة: كان- ﷺ يقرأ فى صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة «٥» . رواه النسائى. وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبى- ﷺ يقرأ
فى الفجر وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ «١» «٢» رواه مسلم. وفى رواية النسائى: أنه- ﷺ قرأ فى الفجر إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ «٣» «٤» وعن جابر بن سمرة كان- ﷺ يقرأ فى الفجر ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «٥» ونحوها، وكانت قراءته بعد تخفيفا «٦» . رواه مسلم. وعن عبد الله بن السائب قال: صلى- ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى- شك الراوى، أو اختلف عليه- أخذت النبى- ﷺ سعلة فركع. الحديث «٧» رواه مسلم. قال النووى: فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة. وكرهه مالك. انتهى. وتعقب: بأن الذى كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر فى أنه كان للضرورة فلا يرد عليه. وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كلّا من الموضعين يقع فى وسط آية، نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل. وأدلة الجواز كثيرة: وفى حديث زيد بن ثابت أنه- ﷺ قرأ الأعراف فى الركعتين «٨» ، وأمّ أبو بكر بالصحابة فى صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها
فى الركعتين. وهذا إجماع منهم. وقرأ فى الصبح إِذا زُلْزِلَتِ «١» فى الركعتين كلتيهما، قال الراوى: فلا أدرى أنسى أم قرأ ذلك عمدا «٢» . رواه أبو داود. وكان- ﷺ يقرأ فى صبح الجمعة الم (١) تَنْزِيلُ «٣» ، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ «٤» «٥» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من حديث أبى هريرة. وإنما كان يقرؤهما كاملتين، وقراءة بعضهما خلاف السنة. وإنما كان يقرأ بهما لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك يقع يوم الجمعة. ذكره ابن دحية فى «العلم المشهور» وقرره تقريرا حسنا، كما أفاده ابن حجر. قال: وقد ورد فى حديث ابن مسعود التصريح بمداومته- ﷺ على قراءتهما فى صبح الجمعة «٦» . أخرجه الطبرانى، ولفظه «يديم ذلك» وأصله فى ابن ماجه لكن بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله.
قال: وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال فى الكلام على حديث الباب: «ليس فى الحديث ما يقتضى فعل ذلك دائما اقتضاء قويّا» ، وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصّا فى المداومة، لكن الزيادة المذكورة نص فى ذلك، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: «كل جمعة» أخرجه الطبرانى فى الكبير. وأما تعيين السورة للركعة فورد من حديث على- عند الطبرانى- بلفظ: كان رسول الله- ﷺ يقرأ فى الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة الم (١) تَنْزِيلُ «١» ، وفى الركعة الثانية هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ «٢» . وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السجدة فى الصلاة. فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود فى الفرض. قال القرطبى: وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث.
. وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السجدة فى الصلاة. فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود فى الفرض. قال القرطبى: وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث. وقيل لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية والسرية، لأن الجهرية يؤمن معها التخليط لكن صح من حديث ابن عمر أنه- ﷺ قرأ سورة فيها سجدة فى صلاة الظهر فسجد بهم فيها «٣» . رواه أبو داود والحاكم، فبطلت التفرقة. ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهية مطلقا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغى أن تترك أحيانا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك فى بعض الأوقات. انتهى. وقال صاحب «المحيط» من الحنفية: يستحب قراءتها فى صبح يوم
الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر فى شئ من الطرق التصريح بأنه- ﷺ سجد لما قرأ سورة الم (١) تَنْزِيلُ «١» فى هذا المحل، إلا فى كتاب «الشريعة» لابن أبى داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غدوت على النبى- ﷺ يوم الجمعة فى صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة فسجد، الحديث، وفى إسناده من ينظر فى حاله. انتهى. وعن على عند الطبرانى فى الأوسط: أن رسول الله- ﷺ سجد فى الصبح يوم الجمعة فى الم (١) تَنْزِيلُ «٢» ، وهذه الزيادة حسنة تدفع احتمال أن يكون قرأ السورة ولم يسجد.
ند الطبرانى فى الأوسط: أن رسول الله- ﷺ سجد فى الصبح يوم الجمعة فى الم (١) تَنْزِيلُ «٢» ، وهذه الزيادة حسنة تدفع احتمال أن يكون قرأ السورة ولم يسجد.
الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- ﷺ فى صلاتى الظهر والعصر عن أبى قتادة قال: كان رسول الله- ﷺ يقرأ فى الظهر فى الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفى الركعتين الآخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول فى الركعة الأولى ما لا يطول فى الركعة الثانية، وهكذا فى العصر، وهكذا فى الصبح «٣» . رواه البخارى ومسلم. قال الشيخ تقى الدين السبكى: كأن السبب فى تطويله الأولى على الثانية أن النشاط فى الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف فى الثانية حذرا من الملل. انتهى. وروى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى فى آخر هذا الحديث: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وعن أبى سعيد الخدرى قال: كنا نحزر أى نقدر- قيام رسول الله- ﷺ فى الظهر والعصر، فحزرنا قيامه فى الركعتين الأوليين من الظهر قدر الم (١) تَنْزِيلُ «٤» ، وفى
رواية: فى كل ركعة قدر ثلاثين آية، وحزرنا قيامه فى الآخريين قدر النصف من ذلك، وحزرناه فى الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه فى الآخريين من الظهر، وفى الآخريين من العصر على النصف من ذلك «١» . رواه مسلم. وعن جابر بن سمرة: كان- ﷺ يقرأ فى الظهر بالليل إذا يغشى، وفى رواية ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٢» وفى العصر نحو ذلك «٣» . الحديث رواه مسلم. وعنه: كان- ﷺ يقرأ فى الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق «٤» ، رواه أبو داود والترمذى. وعن البراء: كنا نصلى خلفه- ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من لقمان والذاريات «٥» . رواه النسائى. قال ابن دقيق العيد: فيه جواز الاكتفاء بظاهر الحال فى الأخبار دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة فى السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان فى الجهرية. وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على باقيها. ويحتمل أن يكون الرسول- ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائما أو غالبا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدّا. انتهى.
مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على باقيها. ويحتمل أن يكون الرسول- ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائما أو غالبا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدّا. انتهى. وعن أنس: قرأ- ﷺ فى الظهر ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٦»
وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «١» «٢» رواه النسائى. وعن أبى سعيد: كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى حاجته، ثم يأتى أهله فيتوضأ ويدرك النبى- ﷺ فى الركعة الأولى «٣» . رواه مسلم.
الفرع السادس: فى ذكر قراءته ص فى صلاة المغرب عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعته- ﷺ يقرأ فى المغرب بالمرسلات عرفا «٤» رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والترمذى والنسائى وصرح عقيل فى روايته عن ابن شهاب: أنها آخر صلاته- ﷺ ولفظه: ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله تعالى. أورده البخارى فى باب الوفاة. وعنده فى باب «إنما جعل الإمام ليؤتم به» من حديث عائشة: أن الصلاة التى صلاها النبى- ﷺ بأصحابه فى مرض موته كانت الظهر. وجمع بينهما: بأن الصلاة التى حكتها عائشة كانت فى المسجد، والتى حكتها أم الفضل كانت فى بيته، كما رواه النسائى. لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب فى هذا الحديث بلفظ: خرج إلينا رسول الله- ﷺ وهو عاصب رأسه فى مرضه فصلى المغرب. الحديث رواه الترمذى. ويمكن حمل قوله: «خرج إلينا» أى من مكانه الذى هو راقد فيه إلى من فى البيت فصلى بهم فتلتئم الروايات.
صب رأسه فى مرضه فصلى المغرب. الحديث رواه الترمذى. ويمكن حمل قوله: «خرج إلينا» أى من مكانه الذى هو راقد فيه إلى من فى البيت فصلى بهم فتلتئم الروايات.
وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور «١» . رواه البخارى ومسلم. زاد مسلم فى «الجهاد» : وكان جبير بن مطعم جاء فى أسارى بدر. وزاد الإسماعيلى: وهو يومئذ مشرك. وللبخارى فى «المغازى» : وذلك أول ما وقر الإيمان فى قلبى. وللطبرانى: وأخذنى من قراءته الكرب، ولسعيد بن منصور: فكأنما صدع قلبى. وفى قوله: «سمعته- ﷺ» دليل على الجهر بها، والله أعلم. وعن مروان بن الحكم قال: قال لى زيد بن ثابت: ما لك تقرأ فى المغرب بقصار المفصل؟ وقد سمعت النبى- ﷺ يقرأ بطولى الطوليين «٢» . رواه البخارى. زاد أبو داود: قلت وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف. وفى رواية النسائى من حديث عائشة أنه- ﷺ صلى المغرب بسورة الأعراف فرقها فى ركعتين «٣» . وعن عبد الله بن عتبة: قرأ- ﷺ فى صلاة المغرب ب «حم» الدخان «٤» . رواه النسائى. وهذه الأحاديث فى القراءة مختلفة المقادير، لأن «الأعراف» من السبع الطوال، و «الطور» من طوال المفصل، و «المرسلات» من أوساطه قال الحافظ ابن حجر: ولم أر حديثا مرفوعا فيه التنصيص على القراءة فيها بشئ من قصار المفصل، إلا حديثا فى ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص «٥» . ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدار قطنى: أخطأ بعض رواته فيه،
على الكافرون والإخلاص «٥» . ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدار قطنى: أخطأ بعض رواته فيه،
وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعد بن السماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما فى الركعتين بعد المغرب. واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبى هريرة قال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله- ﷺ من فلان، قال سليمان: فكان يقرأ فى الصبح بطوال المفصل، وفى المغرب بقصار المفصل «١» . رواه النسائى، وصححه ابن خزيمة وغيره. وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، لكن فى الاستدلال به نظر، نعم حديث رافع أنهم كانوا ينتضلون «٢» بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: أنه- ﷺ كان أحيانا يطيل القراءة فى المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، وليس فى حديث جبير دليل على أن ذلك تكرر منه، وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبى- ﷺ واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه- فيما يظهر- المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبى- ﷺ. وفى حديث أم الفضل إشعاره بأنه- ﷺ كان يقرأ فى الصحة بأطول من المرسلات، لكونه كان فى حال شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف. وهو يرد على أبى داود ادعاء نسخ التطويل فى المغرب، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ فى المغرب بالقصار قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة. وكيف تصح دعوى النسخ وأم
الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات. قال ابن خزيمة فى صحيحه: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلى أن يقرأ فى المغرب وفى الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماما أستحب له أن يخفف القراءة. انتهى. والراجح عند النووى: أن المفصل من الحجرات إلى آخر القرآن، والله أعلم.
فى الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماما أستحب له أن يخفف القراءة. انتهى. والراجح عند النووى: أن المفصل من الحجرات إلى آخر القرآن، والله أعلم.
الفرع السابع: فى ذكر ما كان ص يقرأ فى صلاة العشاء عن البراء: كان- ﷺ يقرأ فى العشاء وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ «١» فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه- ﷺ «٢» . رواه البخارى ومسلم. وكان- ﷺ إذا أتى على آية عذاب وقف وتعوذ «٣» ، رواه الترمذى من حديث حذيفة. وكان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٤» قال: سبحان ربى الأعلى «٥» ، رواه أحمد وأبو داود من رواية ابن عباس. وقال- ﷺ: «من قرأ منكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ «٦» فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فانتهى إلى قوله: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى «١» فليقل: بلى، ومن قرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ «٢» فليقل: آمنا بالله» «٣» رواه أبو داود، والترمذى إلى قوله «وأنا على ذلك من الشاهدين» . وكان- ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة وعنها سأله أبو هريرة «٤» ، ويسكت بعد الفاتحة، ويسكت ثالثة بعد قراءة السورة، وهى سكتة لطيفة جدّا حتى يترادّ إليه النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع. وأما السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح، وأما الثانية فلأجل قراءة المأموم الفاتحة، فينبغى تطويلها بقدرها. ذكره فى زاد المعاد. وعن سمرة بن جندب: سكتتان حفظتهما من رسول الله- ﷺ: إذا دخل فى صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ وَلَا الضَّالِّينَ «٥» قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادّ إليه نفسه «٦» . رواه الترمذى.
الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه ﷺ عن أبى حميد الساعدى: كان رسول الله- ﷺ إذا قام إلى الصلاة
رفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه، فذكر الحديث، إلى أن قال: ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصوب رأسه ولا يقنع «١» رواه أبو داود والدارمى.
ث، إلى أن قال: ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصوب رأسه ولا يقنع «١» رواه أبو داود والدارمى.
الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه ﷺ عن ابن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله- ﷺ أشبه صلاة برسول الله- ﷺ من هذا الفتى- يعنى عمر بن عبد العزيز- قال: فخررنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات «٢» . رواه أبو داود. وعن البراء: كان ركوع النبى- ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء «٣» . رواه البخارى ومسلم. قال النووى: هذا حديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبت فى الحديث تطويل القيام، فإنه كان يقرأ فى الصبح بالستين آية إلى المائة، وفى الظهر ب الم السجدة، وأنه كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى حاجته ثم يرجع إلى أهله فيتوضأ ثم يأتى المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ فى المغرب بالطور والمرسلات. وفى البخارى: بالأعراف «٤» ، فكل هذا يدل أنه كانت فى إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات. انتهى. وقال ابن القيم: مراد البراء أن صلاته- ﷺ كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال القيام والركوع والسجود، وإذا خفف خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، وهديه- ﷺ الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. انتهى.
قراءة أطال القيام والركوع والسجود، وإذا خفف خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، وهديه- ﷺ الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. انتهى.
الفرع العاشر: فى ذكر ما كان ص يقوله فى الركوع والرفع منه عن عائشة: كان- ﷺ يكثر أن يقول فى ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لى، يتأول القرآن «١» . رواه البخارى ومسلم. ومعنى «يتأول القرآن» : يعمل بما أمر به فى قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً «٢» فكان- ﷺ يقول هذا الكلام البديع فى الجزالة المستوفى ما أمر به فى الآية. وعنها: كان- ﷺ يقول فى ركوعه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح «٣» . رواه البخارى. وعن حذيفة أنه- ﷺ كان يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم، وفى سجوده سبحان ربى الأعلى، وكان- ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد «٤» . رواه مسلم. قال النووى: يبدأ- يعنى المصلى- بقوله: «سمع الله لمن حمده» حين الشروع فى الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع فى ذكر الاعتدال وهو: ربنا ولك الحمد إلخ. قال: وفى هذا الحديث دلالة للشافعى وطائفة: أنه يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين «سمع الله لمن حمده» و «ربنا ولك الحمد» فى حال انتصابه فى الاعتدال. لأنه ثبت أنه- ﷺ فعلهما جميعا. وقد قال- ﷺ: «صلوا كما رأيتمونى أصلى» «٥» رواه البخارى. انتهى.
لمن حمده» و «ربنا ولك الحمد» فى حال انتصابه فى الاعتدال. لأنه ثبت أنه- ﷺ فعلهما جميعا. وقد قال- ﷺ: «صلوا كما رأيتمونى أصلى» «٥» رواه البخارى. انتهى.
وقال ابن القيم: كان- ﷺ إذا استوى قائما قال: ربنا ولك الحمد، وربما قال: وربنا لك الحمد، وربما قال: اللهم ربنا لك الحمد. صح عنه ذلك كله، وأما الجمع بين «اللهم» و «الواو» فلم يصح. انتهى. قلت: وقع فى صحيح البخاري من حديث أبى هريرة- فى رواية الأصيلى- مرفوعا: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد» «١» فجمع بين «اللهم» و «الواو» وهو يرد على ابن القيم كما ترى. وقال الشيخ تقى الدين فى شرح العمدة: كأن إثبات «الواو» دال على معنى زائد، لأنه يكون التقدير: ربنا استجب، أو ما قارب ذلك، ولك الحمد، فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء، ومعنى الخبر، وإذا قيل بإسقاط «الواو» دل على أحد هذين. انتهى. وقال ابن العراقى: إسقاط «الواو» حكاه عن الشافعى ابن قدامة وقال: لأن «الواو» للعطف، وليس هنا شئ يعطف عليه. وعن مالك وأحمد فى ذلك خلاف. وقال النووى: كلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. انتهى. وعن أبى سعيد الخدرى قال: كان رسول الله- ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد- وكلنا لك عبد- اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» «٢» رواه مسلم. قوله: «ملء السماوات وملء الأرض» : أى حمدا لو كان أجساما لملأ السماوات والأرض.
ومعنى سمع الله لمن حمده» أى أجاب، يعنى: أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله له، فأعطاه ما تعرض له، فأنا أقول ربنا لك الحمد ليحصل ذلك. وقوله «أهل» : منصوب على النداء. وقوله: «وكلنا لك عبد» بالواو، يعنى: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت إلخ. واعترض بينهما قوله: «وكلنا لك عبد» ، ومثل هذا الاعتراض قوله تعالى: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى «١» على قراءة من قرأ «وضعت» بفتح العين وإسكان التاء. و «الجد» بفتح الجيم، الغنى أى: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة، وقيل غير ذلك والله أعلم. وفى رواية ابن أبى أوفى- عند مسلم-: كان- ﷺ يقول بعد قوله «من شئ» : «اللهم طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد» «٢» .
الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده ص وما يقول فيه كان- ﷺ إذا انتهى من ذكر قيامه عن الركوع يكبر، ويخرّ ساجدا، ولا يرفع يديه. وقد روى أنه- ﷺ كان يرفع يديه أيضا، وصححه بعض الحفاظ كابن حزم، والذى غره أن الراوى غلط من قوله: «كان يكبر فى كل خفض ورفع» إلى قوله: «كان يرفع يديه فى كل خفض ورفع» وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلطه، ووهم فصححه. نبه عليه فى زاد المعاد. وكان- ﷺ يضع يديه قبل ركبتيه «٣» . رواه أبو داود، ثم جبهته
يرفع يديه فى كل خفض ورفع» وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلطه، ووهم فصححه. نبه عليه فى زاد المعاد. وكان- ﷺ يضع يديه قبل ركبتيه «٣» . رواه أبو داود، ثم جبهته
وأنفه. وقال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين» «١» . رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس. قال النووى: فينبغى للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفى بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعى ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة عليهما معا لظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما فى حكم عضو واحد، لأنه قال فيه «سبعة» فلو جعلا عضوين لصارت ثمانية. وكان- ﷺ إذا سجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه «٢» . رواه الشيخان. وقالت ميمونة: جافى بين يديه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت «٣» . رواه مسلم. ولم يذكر عنه- ﷺ أنه سجد على كور عمامته، ولم يثبت عنه ذلك فى حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق فى المصنف عن أبى هريرة: كان- ﷺ يسجد على كور عمامته «٤» ، وهو من رواية عبد الله بن محرز، وهو متروك. وذكر أبو داود فى المراسيل أنه- ﷺ رأى رجلا يصلى فسجد بجبينه وقد اعتم فحسر- ﷺ عن جبهته «٥» . وكان- ﷺ يقول فى سجوده: «اللهم اغفر لى ذنبى كله، دقه وجله، أوله وآخره، علانيته وسره» «٦» رواه مسلم من حديث أبى هريرة.
وقد اعتم فحسر- ﷺ عن جبهته «٥» . وكان- ﷺ يقول فى سجوده: «اللهم اغفر لى ذنبى كله، دقه وجله، أوله وآخره، علانيته وسره» «٦» رواه مسلم من حديث أبى هريرة.
وقوله: «دقه وجله» بكسر أولهما، أى قليله وكثيره. وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله- ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدميه وهو فى السجود، وهما منصوبتان، وهو يقول: «اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «١» رواه مسلم. قال الخطابى: فى هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه- ﷺ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه، ومعناه: الاستغفار من التقصير فى بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. وقوله: «لا أحصى ثناء عليك» أى لا أطيقه ولا آتى عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصى نعمتك وإحساناتك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت فى الثناء عليك. وقوله: «أنت كما أثنيت على نفسك» اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك كله لله تعالى المحيط بكل شئ جملة وتفصيلا، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شئ أثنى به عليه- وإن كثر وطال وبولغ فيه- فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى. وهاهنا فائدة لطيفة ذكرها بعض المحققين، فى نهيه- ﷺ عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود «٢» ، وهى أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع
وسع وأسبغ. انتهى. وهاهنا فائدة لطيفة ذكرها بعض المحققين، فى نهيه- ﷺ عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود «٢» ، وهى أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع
والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ فى هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله أعلم. وروى أبو داود: أنه- ﷺ سجد على الماء والطين «١» . وكان- ﷺ يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه، ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. وكان- ﷺ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما فى صحيح البخارى «٢» وغيره. قال النووى: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية من كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب فى سجود التلاوة فى الصلاة. وكان- ﷺ يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لى وارحمنى واهدنى وعافنى وارزقنى» «٣» . رواه أبو داود والدارمى من حديث ابن عباس.
الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه ص للتشهد كان- ﷺ إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى «٤» . رواه مسلم. قال النووى: معناه يجلس مفترشا، وفيه حجة لأبى حنيفة ومن وافقه: أن الجلوس فى الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات. وعند مالك: يسن متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويفضى بوركه إلى الأرض.
وقال الشافعى- ﵀: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التى يعقبها السلام. والجلسات عند الشافعى أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة فى كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، والجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة، ولو كان على المصلى سجود سهو فالأصح أن يجلس مفترشا فى تشهده فإذا سجد سجدتى السهو تورك ثم سلم. هذا تفصيل مذهب الشافعى. واحتج أبو حنيفة: بإطلاق حديث عائشة هذا. واحتج الشافعى: بحديث أبى حميد الساعدى فى صحيح البخارى، وفيه التصريح بالافتراش فى الجلوس الأول والتورك فى آخر الصلاة، وحمل حديث عائشة هذا على الجلوس فى غير التشهد الأخير ليجمع بين هذه الأحاديث. انتهى. فليتأمل مع قول ابن القيم فى الهدى: إنه لم ينقل أحد عنه- ﷺ أن هذا كان صفة جلوسه فى التشهد الأول، ولا أعلم أحدا قال به. انتهى. وقال أبو حميد الساعدى فى عشرة من أصحابه- ﷺ: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله- ﷺ، قالوا: فاعرض.. فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت السجدة التى فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر ثم سلم، قالوا صدقت هكذا كان يصلى «١» ، رواه أبو داود والدارمى. وفى رواية لأبى داود: فإذا قعد فى الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان فى الرابعة أفضى بوركه إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. الحديث «٢» . وكان- ﷺ إذا قعد فى التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة «٣» .
وفى رواية مسلم: وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التى تلى الإبهام ويدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها «١» . وفى حديث ابن الزبير عنده أيضا: كان يشير بها ولا يحركها. الحديث «٢» . وعند أبى داود من حديث وائل بن حجر: مد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها ويدعو. وكان- ﷺ يستقبل بأصابعه القبلة فى رفع يديه وركوعه وفى سجوده وفى التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة فى سجوده «٣» .
ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها ويدعو. وكان- ﷺ يستقبل بأصابعه القبلة فى رفع يديه وركوعه وفى سجوده وفى التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة فى سجوده «٣» .
الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده ﷺ كان- ﷺ يتشهد دائما فى هذه الجلسة الأخيرة، ويعلم أصحابه أن يقولوا: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» «٤» رواه مسلم من رواية ابن عباس. وهو الذى اختاره الشافعى لزيادة «المباركات» لا تشهد ابن مسعود «٥» ، وإن قاله القاضى عياض- رحمه الله تعالى- وعبارة الشافعى فيما أخرجه البيهقى بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعى جوابا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: «فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبى- ﷺ، فروى
ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعا وسمعته- يعنى حديث ابن عباس- صحيحا، ورأيته أكثر لفظا من غيره- يعنى من المرفوعات- أخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره «هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعلم عند الله. وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة. وقال مالك- ﵀ تشهد عمر بن الخطاب «١» الموقوف عليه أفضل، لأنه علمه للناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله، ومذهب الشافعى أن التشهد الأول سنة والثانى واجب. وجمهور المحدثين: أنهما واجبان. وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثانى ركن تبطل الصلاة بتركه. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك رواية بوجوب الأخير. وقد كان- ﷺ يأتى بالتشهدين. وفى الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتنى عائشة قالت: هذا تشهد رسول الله- ﷺ: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وهو مثل حديث ابن مسعود سواء. رواه البيهقى بإسناد جيد. قال النووى: فى هذا الحديث فائدة حسنة وهى أن تشهده- ﷺ بلفظ تشهدنا «٢» . انتهى.
مدا عبده ورسوله. وهو مثل حديث ابن مسعود سواء. رواه البيهقى بإسناد جيد. قال النووى: فى هذا الحديث فائدة حسنة وهى أن تشهده- ﷺ بلفظ تشهدنا «٢» . انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه «١» يشير إلى رد ما وقع فى الرافعى: أنه- ﷺ كان يقول فى التشهد: «وأشهد أنى رسول الله» ، وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحا. نعم وقع فى البخارى من حديث سلمة بن الأكوع قال: خفّت أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال- ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله» «٢» . ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوى: علمهم أن يفردوه- ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ، وهو خطاب لبشر مع كونه منهيّا عنه فى الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه- ﷺ. فإن قلت: ما الحكمة فى العدول عن الغيبة إلى الخطاب فى قوله: «السلام عليك أيها النبى» مع أن لفظ الغيبة هو الذى يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبى، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبى، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟. أجاب الطيبى بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذى علمه للصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم فى الدخول فى حريم الحى الذى لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبى الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا (فإذا الحبيب فى حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته. انتهى) . وقال الترمذى الحكيم: فى قوله: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» : من أراد أن يحظى بهذا السلام الذى يسلمه الخلق فى صلاتهم فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.



