— Bagian 7 · ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي،… —
Bagian 7
ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل ﷺ بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر- رضى الله عنهما-، فعمماه وألبساه. وصف الناس ينتظرون خروجه- ﵇، فقال سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله- ﷺ على الخروج، فردوا الأمر إليه، فخرج ﷺ وقد لبس لأمته- وهى بالهمزة وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا، فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: «ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» «١» . وفى حديث ابن عباس عند أحمد والنسائى والطبرانى، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبى- ﷺ إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه للأمته، وندامتهم على ذلك وقوله- ﷺ: «لا ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» وفيه: «إنى رأيت أنى فى درع حصينة» الحديث «٢» . وعقد- ﵇ ثلاثة ألوية: لواء بيد أسيد بن حضير. ولواء للمهاجرين بيد على بن أبى طالب وقيل بيد مصعب بن عمير. ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة. وفى المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين «٣» . واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.
مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين «٣» . واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.
وأدلج- ﵇ فى السحر، وكان قد رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر، وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدرى. والنعمان بن بشير. قال مغلطاى: وفيه نظر. وكان المسلمون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة. ونزل- ﵇ بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبى فى ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق. ويقال: إن النبى- ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط، وقيل بأحد. ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة. قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل. وجعل- ﷺ على الرماة- وهم خمسون رجلا- عبد الله بن جبير، وقال: «إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» «١» . كذا فى البخارى من حديث البراء. وفى حديث ابن عباس عند أحمد والطبرانى والحاكم: أنه- ﷺ أقامه فى موضع ثم قال: «احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» «٢» . قال ابن إسحاق: وقال رسول الله- ﷺ: «من يأخذ هذا السيف بحقه» . فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟
. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله- ﷺ: «من يأخذ هذا السيف بحقه» . فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟
قال: «أن تضرب به فى وجه العدو حتى ينحنى» ، قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآه- ﷺ يتبختر قال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن» . قال الزبير بن العوام- فيما قاله ابن هشام- فقلت والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة. فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول: أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر فى الكيّول ... أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله «١» . وقوله: فى الكيول- بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية- مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلا إذا كبا ولم يخرج نارا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا فى هذا الحديث. وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف. والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله فقال ﷺ: «إن حنظلة لتغسله الملائكة» ، فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله ابن أبى فقالت: خرج وهو جنب فقال- ﵇: «لذلك غسلته الملائكة» «٢» .
د بن أوس فقتله فقال ﷺ: «إن حنظلة لتغسله الملائكة» ، فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله ابن أبى فقالت: خرج وهو جنب فقال- ﵇: «لذلك غسلته الملائكة» «٢» .
وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا. وقتل على طلحة بن أبى طلحة، صاحب لواء المشركين، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبى طلحة، فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه. ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم. وفى البخارى: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أى قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله- ﷺ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين «١» . وفى حديث عائشة عند البخارى أيضا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس: أى عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أخراهم «٢» . وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل فى المسلمين بعضهم فى بعض «٣» . وفى رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل فحملوا على من بقى من النفر الرماة فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير. وفى البخارى: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من
مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشى كامنا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحربته حتى خرجت من بين وركيه فكان آخر العهد به «١» . انتهى. وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله- ﷺ حتى قتل، وكان الذى قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله- ﷺ فصاح ابن قمئة إن محمدا قتل. ويقال كان ذلك إزب العقبة، ويقال: بل هو إبليس- لعنه الله- تصور فى صورة جعال. وقال قائل: أى عباد الله أخراكم، أى: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل. قال موسى بن عقبة: ولما فقد- ﵇، قال رجل منهم: إن رسول الله- ﷺ قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلوا البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله- ﷺ قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله ﷿ شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند رسول الله- ﷺ سعد بن معاذ. قال فى «عيون الأثر» : كذا وقع فى هذا الخبر: أنس بن مالك، وإنما هو أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى. وثبت رسول الله- ﷺ حتى انكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق، وسبعة من الأنصار. وفى البخارى: لم يبق معه- ﵊ إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان- ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.
ر. وفى البخارى: لم يبق معه- ﵊ إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان- ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.
فقال أبو سفيان: أفى القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبى- ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفى القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفى القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وبقى لك ما يسوؤك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال «١» . وتوجه- ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته «٢» ، والذى جرح وجهه عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبى وقاص أخو سعد هو الذى كسر رباعيته، ومن ثم لم يولد من نسله ولد يبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم- أى مكسور الثنايا من أصلها- يعرف ذلك فى عقبة. وقال ابن هشام، فى حديث أبى سعيد الخدرى: إن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله- ﷺ يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن هشام الزهرى شجه فى جبهته وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر فى وجنته، ووقع- ﷺ فى حفرة من الحفر التى كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين. وفى رواية: وهشموا البيضة على رأسه «٣» - أي كسروا الخوذة- ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه فى حفرة من الحفر التى حفرها أبو عامر، فأخذ على بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ونشبت حلقتان من المغفر فى وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما فى وجهه. وامتص مالك بن سنان- والد أبى سعيد الخدرى- الدم من وجنته ثم
فى وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما فى وجهه. وامتص مالك بن سنان- والد أبى سعيد الخدرى- الدم من وجنته ثم
ازدرده، فقال له- ﷺ: من مس دمى دمه لم تصبه النار، وسيأتى- إن شاء الله تعالى- حكم دمه- ﵇. وفى الطبرانى من حديث أبى أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله- ﷺ يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله- ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: «أقمأك الله» فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة «١» . وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعيته ﷺ يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسحه ويقول «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم» فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» «٣» . ورواه أحمد والترمذى والنسائى من طريق حميد به. وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعى: بلغنا أنه لما خرج- ﷺ يوم أحد، أخذ شيئا فجعل ينشف دمه وقال: لو وقع منه شىء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء، ثم قال: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» «٤» . وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: ضرب وجه النبى ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال فى فتح البارى: وهذا مرسل قوى، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، انتهى. وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد- فيما قاله ابن
فى فتح البارى: وهذا مرسل قوى، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، انتهى. وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد- فيما قاله ابن
هشام- فخرجت أول النهار حتى انتهت إلى رسول الله قالت: فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس حتى خلصت الجراحة إلى، أصابنى ابن قمئة- أقمأه الله تعالى- لما ولى الناس عن رسول الله- ﷺ أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت فاعترضت له، فضربنى هذه الضربة، ولكن ضربته ضربات على ذلك، ولكن عدو الله عليه درعان. قالت أم سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور. وتترس دون رسول الله- ﷺ فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه حتى كثر عليه النبل وهو لا يتحرك. ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله- ﷺ. قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمى، حتى إنه ليناولنى السهم ماله نصل فيقول: ارم به. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله- ﷺ فأخذها رسول الله بيده وردها إلى موضعها وقال: «اللهم اكسه جمالا» فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا «١» . ورواه الدارقطنى بنحوه، ويأتى لفظه- إن شاء الله تعالى- فى مقصد المعجزات. ورمى أبو رهم كلثوم بن الحصين بسهم فوقع فى نحره فبصق عليه ﷺ فبرىء. وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه- ﷺ عرجونا فعاد فى يده سيفا، فقاتل به وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركى من أمراء المعتصم بالله فى بغداد بمائتى دينار. وهذا نحو حديث عكاشة السابق فى غزوة بدر إلا أن سيف عكاشة كان يسمى العون، وهذا يسمى العرجون.
واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله- ﷺ وأشراف أصحابه. وكان أول من عرف رسول الله- ﷺ كعب بن مالك، قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله- ﷺ، فلما عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر وعمر وعلى ورهط من المسلمين، فلما أسند رسول الله- ﷺ فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منا؟ فقال- ﷺ: دعوه، فلما دنا تناول- ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه- ﵇ انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵊، فطعنه طعنة وقع بها عن فرسه ولم يخرج له دم فكسر ضلعا من أضلاعه. فلما رجع إلى قريش قال: قتلنى والله محمد، أليس قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق على لقتلنى. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة «١» . رواه البيهقى وأبو نعيم ولم يذكر: فكسر ضلعا من أضلاعه. قال الواقدى: وكان ابن عمر يقول: مات أبى بن خلف ببطن رابغ، فإنى لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا نار تأجج لى لهبها فهبتها، وإذا رجل يخرج منها فى سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله- ﷺ، هذا أبى بن خلف، ورواه البيهقى. ولما انتهى- ﷺ إلى فم الشعب ملأ على بن أبى طالب درقته من
صيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله- ﷺ، هذا أبى بن خلف، ورواه البيهقى. ولما انتهى- ﷺ إلى فم الشعب ملأ على بن أبى طالب درقته من
المهراس- وهو صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد فجاء به إلى رسول الله- ﷺ وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من رمى وجه نبيه «١» . وصلى النبى- ﷺ الظهر يومئذ قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله- ﷺ يجد عن الأذان والأنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل «٢» . وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أحد، فلما قال: أعل هبل، أى زد علوّا. فقال رسول الله- ﷺ لعمر أجبه فقل: «الله أعلى وأجل» «٣» . فقال أبو سفيان: أنعمت فعال، أى اترك ذكرها فقد صدقت فى فتواها وأنعمت، أى أجابت بنعم. فقال عمر: لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار. فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم.
عمت فعال، أى اترك ذكرها فقد صدقت فى فتواها وأنعمت، أى أجابت بنعم. فقال عمر: لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار. فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم.
فقال- ﷺ: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» «٣» . ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال- ﷺ لرجل من أصحابه: «قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «١» . وذكر الطبرانى: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنهم فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبى- ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير أحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم «٢» . ثم أرسل- ﵊ محمد بن مسلمة- كما ذكره الواقدى- فنادى فى القتلى: يا سعد بن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال إن رسول الله- ﷺ أرسلنى إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق فقال: أبلغ رسول الله- ﷺ عنى السلام، وقل له: يقول لك، جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم (عين) تطرف، ثم مات «٣» . وقتل أبو جابر، فما عرف إلا ببنانه «٤» - أى أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها. بنانه. وخرج- ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادى، قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر- ﵇ إلى شىء لم ينظر إلى شىء أوجع لقلبه منه فقال: «رحمة الله عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك» قال: فنزلت عليه خواتيم سورة
ينظر إلى شىء أوجع لقلبه منه فقال: «رحمة الله عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك» قال: فنزلت عليه خواتيم سورة
النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ «١» الآية، فصبر وكفر عن يمينه وأمسك عما أراد «٢» . وممن مثل به كما مثل بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة، ولذا يعرف بالمجدع فى الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة فى قبر واحد. ولما أشرف- ﷺ على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء وما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح المسك» «٣» . وفى رواية عبد الله بن ثعلبة قال- ﷺ لقتلى أحد: «زملوهم بجراحهم» . وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول الله- ﷺ قال: «يا جابر ألا أخبرك: ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا، فقال سلنى أعطك، فقال أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﷿: إنه سبق منى أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قال: أى رب فأبلغ من ورائى، فأنزل الله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً «٤» » «٥» الآية.
وعن ابن عباس قال رسول الله- ﷺ: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هذه الآيات وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا «١» » «٢» . قال بعض من تكلم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوى إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ «٣» وإنما تأوى إلى تلك القناديل ليلا وتسرح نهارا، وبعد دخول الجنة فى الآخرة لا تأوى إلى تلك القناديل، وإنما ذلك فى البرزخ. وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها. وقد رد هذا القول، ويشهد له ما وقع فى مسند ابن أبى شيبة وغيره: أن رسول الله- ﷺ قال: «الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة، فى قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيّا» «٤» . قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم فى الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح. قال: وقد روينا فى مسند الإمام أحمد حديثا فيه بشرى لكل مؤمن بأن
حتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح. قال: وقد روينا فى مسند الإمام أحمد حديثا فيه بشرى لكل مؤمن بأن
روحه تكون فى الجنة أيضا وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة. قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعى عن مالك بن أنس عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: «نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» «١» . وقوله يعلق، أى يأكل، وفى هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر فى الجنة، وأما أرواح الشهداء ففى حواصل طير خضر، فهى كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. وقد استشهد يوم أحد من المسلمين سبعون- فيما قاله مغلطاى. وغيره- وقيل خمسة وستون وأربعة من المهاجرين. وروى ابن منده من حديث أبى بن كعب قال: استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان من هذا الوجه. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا، وقتل- ﷺ بيده أبى بن خلف. وحضرت الملائكة يومئذ، ففى حديث سعد بن أبى وقاص عند مسلم فى صحيحه: «أنه رأى عن يمين رسول الله- ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعنى جبريل وميكائيل يقاتلان كأشد القتال» «٢» .
صحيحه: «أنه رأى عن يمين رسول الله- ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعنى جبريل وميكائيل يقاتلان كأشد القتال» «٢» .
وفيه- كما قدمناه فى غزوة بدر- أن قتال الملائكة معه- ﷺ لا يختص بيوم بدر، خلافا لمن زعمه، كما نص عليه النووى فى شرح مسلم كما قدمته والله أعلم. ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون وظهر غش اليهود. ذكر القاضى عياض فى الشفاء عن القاضى أبى عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال: من قال إن النبى- ﷺ هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لأنه تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه فى خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته. انتهى. وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطى من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف فى أصل المسألة، أعنى حكم الساب، فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل انتهى. وقد كان فى قصة أحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة. منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهى، لما وقع من ترك الرماة موقعهم الذى أمرهم رسول الله- ﷺ ألايبرحوا منه. ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العافية، والحكمة فى ذلك أن لو انتصروا دائما لدخل المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيّا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول حتى عاد التلويح تصريحا، وعرف المسلمون أن لهم عدوّا فى دارهم، واستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها: أن فى تأخير النصر فى بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع المنافقون.
ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها. ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم فى إيذاء أوليائه، فمحص ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.
غزوة حمراء الأسد «١» : وهى على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس، ونادى مؤذن رسول الله- ﷺ ألايخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، أى من شهد أحدا. وإنا خرج- ﵊ مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج فى طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. وأقام- ﷺ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة وقد غاب خمسا. وظفر- ﷺ فى مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص فأمر بضرب عنقه صبرا. قال الحافظ مغلطاى: وحرمت الخمر فى شوال، ويقال فى سنة أربع. انتهى.
اب خمسا. وظفر- ﷺ فى مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص فأمر بضرب عنقه صبرا. قال الحافظ مغلطاى: وحرمت الخمر فى شوال، ويقال فى سنة أربع. انتهى.
قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله- ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ «١» إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه فى المغرب خلط فى قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ «٢» . وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٣» قال: انتهينا ربنا «٤» . والميسر: القمار وقيل غيره. وولد الحسن بن على فى هذه السنة. ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرم على رأس خمس وثلاثين شهرا من الهجرة، إلى قطن- جبل بناحية فيد- ومعه مائة وخمسون رجلا من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابنى خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلا وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدا. ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلى بعرنة- وادى عرفة- لأنه بلغه- ﷺ أنه جمع الجموع لحربه. فلما وصل إليه قال له ممن الرجل؟ قال: من بنى خزاعة، سمعت
هرا من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلى بعرنة- وادى عرفة- لأنه بلغه- ﷺ أنه جمع الجموع لحربه. فلما وصل إليه قال له ممن الرجل؟ قال: من بنى خزاعة، سمعت
بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل. فمشى معه ساعة، ثم اغتره وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال- ﷺ: «أفلح الوجه» قال: أفلح وجهك يا رسول الله، ووضع رأسه بين يديه «١» . وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم. ثم سرية عاصم بن ثابت، فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة إلى الرجيع- بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان- بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به. وحديث عضل والقارة- بفتح الضاد المعجمة بعدها لام- بطن من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش. وأما القارة، فبالقاف وتخفيف الراء، بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، قال ابن دريد: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. وقصة عضل القارة كانت فى بعث الرجيع، لا فى سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع فى أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع. وذكر الواقدى أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاآ إلى النبى ﷺ فى ليلة واحدة. وسياق ترجمة البخارى يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شىء واحد، وليس كذلك، لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهى مع عضل والقارة.
ليلة واحدة. وسياق ترجمة البخارى يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شىء واحد، وليس كذلك، لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهى مع عضل والقارة.
وبئر معونة كانت سرية القراء، وهى مع رعل وذكوان، وكأن البخارى أدمجها معها لقربها منها. ويدل على قربها منها ما فى حديث أنس من تشريك النبى- ﷺ بين بنى لحيان وبين عصية وغيرهم فى الدعاء. ولم يرد البخارى- ﵀ أنهما قصة واحدة، ولم يقع ذكر عضل والقارة عنده صريحا. وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق. فإنه بعد أن استوفى قصة أحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه وأمر- ﷺ على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى. كذا فى السيرة له- وفى الصحيح: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتى، وهو أصح- فخرجوا مع القوم حتى أتوا على الرجيع- ماء لهذيل- غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم، وهم فى رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألانقتلكم، فأبوا، فأما مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا وقاتلوا حتى قتلوا. وفى البخارى: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة- ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم فى مائتى رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام «١» . والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الآخرى غير رماة.
وفى رواية أبى مشعر فى مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما، فرأت النواآت وأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب فصاحت فى قومها قد أتيتم، فجاؤا فى طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا فى الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم. وفى رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد- بفاءين مفتوحتين، ومهملتين، الأولى ساكنة- وهى الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألانقتل منكم رجلا، فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل فى ذمة كافر، ثم قال اللهم أخبر عنا رسولك، فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسول الله خبرهم يوم أصيبوا. فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب ابن عدى وزيد بن الدثنة- بفتح الدال المهملة، وكسر المثلاثة، والنون المفتوحة المشددة- وعبد الله بن طارق. فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث ابن عامر خبيبا، فلبث خبيب عندهم أسيرا، حتى إذا أجمعوا على قتله استعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها- يعنى يحلق عانته- فغافلت عن ابن لها صغير فأقبل إليه الصبى فأجلسه عنده فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر. قال قالت: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفا من عنب مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقا رزقه الله «١» .
له ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفا من عنب مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقا رزقه الله «١» .
وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته. والكرامة للأولياء ثابتة مطلقا عند أهل السنة. لكن استثنى بعض المحققين منهم كالعلامة الربانى أبى القاسم القشيرى ما وقع به التحدى لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك. وهذا أعدل المذاهب فى ذلك. وإن إجابة الدعوة فى الحال، وتكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتى ونحو ذلك قد كثر جدّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة. فانحصر الخارق الآن فى نحو ما قاله القشيرى، وتعين تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبى يجوز أن تقع كرامة لولى. ووراء ذلك: أن الذى استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله، وهو غلط. فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله إلى فارق، وأولى ما ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهى، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا. والله أعلم انتهى ملخصا من الفتح «١» . ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعونى أصلى ركعتين- وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما فى موضع مسجد التنعيم- وقال: اللهم أحصهم عددا، ولا تبق منهم أحدا، واقتلهم بددا- يعنى متفرقين- فلم يحل الحول ومنهم أحد حى. وفى رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهم إنى لا أجد من يبلغ رسولك منى السلام فبلغه. وفى رواية أبى الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبى- ﷺ فأخبره بذلك.. الحديث.
يدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهم إنى لا أجد من يبلغ رسولك منى السلام فبلغه. وفى رواية أبى الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبى- ﷺ فأخبره بذلك.. الحديث.
ثم أنشأ يقول: فلست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى شق كان لله مصرعى وذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع «١» والأوصال جمع: وصل، وهو العضو. والشلو- بكسر المعجمة- الجسد ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع- بالزاى، ثم المهملة- القطع ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع. وعند أبى الأسود عن عروة زيادة فى هذا الشعر: لقد أجمع الأحزاب فى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وفيه أيضا: إلى الله أشكو غربتى بعد كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى وساق ابن إسحاق هذه الأبيات ثلاثة عشر بيتا، قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب. وكان خبيب أول من سن الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرا، كذا قال ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية. وإنما صار فعل خبيب سنة- والسنة إنما هى أقوال رسول الله- ﷺ وأفعاله وتقريره- لأنه فعله فى حياته- ﷺ، فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون. والصلاة خير ما ختم به عمل العبد. وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله- ﷺ، وذلك فى حياته- ﵊، كما رويناه من طريق السهيلى بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغنى أن زيد بن حارثة اكترى بغلا من رجل بالطائف، فاشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا فى الخربة قتلى كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله قال له
دعنى أصلى ركعتين، قال: صلّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، فلما صليت أتانى ليقتلنى فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلبه فلم ير شيئا، فرجع إلى، فناديت: يا أرحم الراحمين فعل ذلك ثلاثا، فإذا بفارس على فرس فى يده حربة حديد فى رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين كنت فى السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت فى سماء الدنيا، فلما دعوت الثالثة أتيتك. انتهى. ووقع فى رواية أبى الأسود عن عروة: فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب- يعنى خبيبا- نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفدينى بشوكة فى قدمه «١» . ويقال: إن الذى قال ذلك زيد بن الدثنة، وأن أبا سفيان قال له: يا زيد، أنشدك الله أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه، وأنك فى أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإنى لجالس فى أهلى. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب كحب أصحاب محمد محمدا. ثم قتله نسطاس- بكسر النون-. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشىء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظامائهم يوم بدر، ولعل العظيم المذكور: عقبة بن أبى معيط، فإن عاصما قتله صبرا بأمر النبى- ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق وكذا فى رواية بريدة بن سفيان: أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهى أم مسافح وجلاس ابنى طلحة
من بدر. ووقع عند ابن إسحاق وكذا فى رواية بريدة بن سفيان: أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهى أم مسافح وجلاس ابنى طلحة
العبدرى، وكان عاصم قتلهما يوم أحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر فى قحفه- بكسر القاف، وهو ما انفلق من الجمجمة فبان-. قال الطبرى: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة. فمنعهم منه الدبر- بفتح المهملة وسكون الموحدة: الزنابير- فلم يقدروا منه على شىء «١» . وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدا ألايمسه مشرك ولا يمس مشركا. فكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه فى حياته. وإنما استجاب الله تعالى له فى حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. سرية المنذر بن عمرو- بفتح العين المهملة- إلى بئر معونة- بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون- موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد. بعث معه المطلب السلمى ليدلهم على الطريق. وكانت مع رعل- بكسر الراء وسكون العين المهملة- بطن من بنى سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك. وذكوان بطن من بنى سليم أيضا ينسون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها. وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها- كما قاله ابن إسحاق- أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة
ة. فنسبت الغزوة إليها. وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها- كما قاله ابن إسحاق- أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة
على رسول الله- ﷺ فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام. وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال- ﷺ: «إنى أخشى أهل نجد عليهم» قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم. فبعث- ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون- وقيل أربعون وقيل: ثلاثون-. وقد بين قتادة فى روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، وفى رواية ثابت: يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل. فساروا حتى نزلوا بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه- ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامرى، ومات كافرا- وليس هو عامر بن الطفيل الأسلمى الصحابى- فلما أتاه لم ينظر فى كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر فلم يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية ورعلا فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم فى رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا «١» . وأسر عمرو بن أمية الضمرى، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فلما بلغ النبى- ﷺ خبرهم، قال «هذا عمل أبى براء قد كنت لهذا كارها متخوفا» ، فبلغ ذلك أبا براء فمات أسفا على ما صنع عامر بن الطفيل «٢» . وقتل عامر بن فهيرة يومئذ فلم يوجد جسده، دفنته الملائكة.
قال ابن سعد عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله- ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وفى صحيح مسلم عن أنس أيضا: (دعا- ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا، يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله فى الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنا ثم نسخ بعد أى نسخت تلاوته- أن بلغوا قومنا أنا قد لقينا بنا، فرضى عنا ورضينا عنه «١» . كذا وقع فى هذه الرواية، وهو يوهم أن بنى لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى رسول الله ﷺ عنهم كلهم فى وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه فى الموضعين دعاء واحدا والله أعلم.
[غزوة بنى النضير] «٢» : ثم غزوة بنى النضير- بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، فى ربيع الأول سنة أربع. وذكرها ابن إسحاق هنا. قال السهيلى: وكان ينبغى أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهرى قال: كانت غزوة بنى النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. ورجح الداودى ما قاله ابن إسحاق من أن غزوة بنى النضير بعد بئر
بن خالد وغيره عن الزهرى قال: كانت غزوة بنى النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. ورجح الداودى ما قاله ابن إسحاق من أن غزوة بنى النضير بعد بئر
معونة، مستدلا بقوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ «١» . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت فى شأن بنى قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم فى الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب فى جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤسهم حيى بن أخطب، وهو الذى حسن لبنى قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقا. انتهى. وقد تقدم قريبا أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة عن أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بنى عامر معهما عقد وعهد من رسول الله- ﷺ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بنى عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله- ﷺ بذلك فقال: «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» «٢» . قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج- ﷺ إلى بنى النضير ليستعين بهم فى دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للجوار الذى كان- ﷺ عقده لهما، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف. فلما أتاهم- ﷺ يستعينهم فى ديتهما قالوا: يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان- ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم. وقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فيلقى هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه الصخرة ورسول الله فى نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى- رضى الله عنهم-.
يحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه الصخرة ورسول الله فى نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى- رضى الله عنهم-.
قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذى بيننا وبينه. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله- ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام- ﷺ مظهرا أنه يقضى حاجته، وترك أصحابه فى مجلسهم، ورجع مسرعا إلى المدينة. واستبطأ النبى- ﷺ أصحابه، فقاموا فى طلبه حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به. قال ابن عقبة: ونزل فى ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ «١» الآية. قال ابن إسحاق: فأمر- ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه فى الحصون فقطع النخل وحرقها وخرب. فنادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها. قال السهيلى: قال أهل التأويل: وقع فى نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شىء حتى أنزل الله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ إلى قوله: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ «٢» واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرنى. ففى هذه الآية أنه ﷺ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون العجوة، وفى الحديث «العجوة من الجنة وتمرها يغذو أحسن غذاء» «٣» ، والبرنى أيضا كذلك. ففى قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ «٤» . ولم يقل
من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجى أن يصل إلى المسلمين. قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبد الله ابن أبى ابن سلول بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم فسألوا رسول الله- ﷺ أن يجليهم عن أرضهم ويكف عن دمائهم. وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره- ﷺ وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدى فلا تساكنونى بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا، فمن رؤى منكم بعد ذلك ضربت عنقه. فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم عبد الله بن أبى: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا فى حصونكم فإن معى ألفين من قومى من العرب يدخلون حصونكم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيى فيما قاله ابن أبى، فأرسل إلى رسول الله ﷺ، إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فأظهر- ﷺ التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم- ﷺ فى أصحابه، فصلى العصر بفناء بنى النضير، وعلى يحمل رايته، فلما رأوا رسول الله- ﷺ قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أبى ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان، فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم- ﷺ وقطع نخلهم، وقال لهم- ﵊: «اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة» - وهى بإسكان اللام قال فى القاموس، الدرع- فنزلت يهود على ذلك فحاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم «١» .
كم وما حملت الإبل إلا الحلقة» - وهى بإسكان اللام قال فى القاموس، الدرع- فنزلت يهود على ذلك فحاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم «١» .
ثم أجلاهم عن المدينة وولى إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير فلحقوا بخيبر. وحزن عليهم المنافقون حزنا شديدا. وقبض- ﷺ الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. وكانت بنو النضير صفيّا لرسول الله- ﷺ حبسا لنوائبه، ولم يسهم منه لأحد، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قذف فى قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم، فقسمها- ﷺ بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد قاسموهم فى الأموال والديار، غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفى الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبى الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم.
[غزوة ذات الرقاع] «١» : واختلف فيها متى كانت: فعند ابن إسحاق: بعد بنى النضير سنة أربع، فى شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى. وعند ابن سعد وابن حبان: فى المحرم سنة خمس. وجزم أبو معشر: بأنها بعد بنى قريظة فى ذى القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع فى آخر السنة الخامسة وأول التى تليها.
بن سعد وابن حبان: فى المحرم سنة خمس. وجزم أبو معشر: بأنها بعد بنى قريظة فى ذى القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع فى آخر السنة الخامسة وأول التى تليها.
قال فى فتح البارى: قد جنح البخارى إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدرى: هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازى أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين كما أشار إليها البيهقى. على أن أصحاب المغازى مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون فى زمانها. انتهى. والذى جزم به ابن عقبة تقدمها، لكن تردد فى وقتها: لا ندرى كانت قبل بدر أو بعدها؟ أو قبل أحد أو بعدها؟ قال الحافظ ابن حجر: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذى ينبغى الجزم به أنها بعد غزوة بنى قريظة، لأن صلاة الخوف فى غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع. فدل على تأخرها بعد الخندق. ثم قال عند قول البخارى: «وهى بعد خيبر» لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، وإذا كان كذلك وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع لزم أنها كانت بعد خيبر. قال: وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخارى حديث أبى موسى هذا حجة فى أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر. قال: وليس فى خبر أبى موسى ما يدل على شىء من ذلك، انتهى كلام ابن سيد الناس. قال: وهذا النفى مردود، والدلالة على ذلك واضحة كما قررته. قال: وأما الدمياطى: فادعى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه. وقد تقدم أنهم مختلفون فى زمانها. فالأولى الاعتماد على ما ثبت فى الصحيح. وأما قول الغزالى: إنها آخر الغزوات. فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح فى إنكاره.
تقدم أنهم مختلفون فى زمانها. فالأولى الاعتماد على ما ثبت فى الصحيح. وأما قول الغزالى: إنها آخر الغزوات. فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح فى إنكاره.
وقال بعض من انتصر للغزالى: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة الخوف. وهو انتصار مردود، بما أخرجه أبو داود والنسائى وصححه ابن حبان من حديث أبى بكرة: أنه صلى مع النبى- ﷺ صلاة الخوف «١» . وإنما أسلم أبو بكرة بعد غزوة الطائف بالاتفاق. انتهى. وأما تسميتها بذات الرقاع: فلأنهم رقعوا فيها راياتهم، قاله ابن هشام. وقيل: لشجرة فى ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع. وقيل: الأرض التى نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض، كأنها مرقعة برقاع مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك. وقيل: إن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبان. وقال الواقدى: سميت بجبل هناك فيه بقع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف عليه بخيل. قال: وأغرب الداودى فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. انتهى. قال السهيلى: وأصح من هذه الأقوال كلها، ما رواه البخارى عن أبى موسى الأشعرى قال: (خرجنا مع رسول الله- ﷺ فى غزوة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماى، وسقطت أظفارى، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا) «٢» . وكان من خبر هذه الغزوة، كما قاله ابن إسحاق: أنه- ﷺ غزا نجدا
يريد بنى محارب وبنى ثعلبة- بالمثلاثة- من غطفان- بفتح الغين المعجمة والمهملة- لأنه- ﷺ بلغه أنهم جمعوا الجموع: فخرج فى أربعمائة من أصحابه- وقيل: سبعمائة- واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، وقيل أبا ذر. حتى نزل نخلا- بالخاء المعجمة- موضعا من نجد من أراضى غطفان. قال ابن سعد: فلم يجد فى محالهم إلا نسوة فأخذهن. وقال ابن إسحاق: فلقى جمعا منهم فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله- ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس. قال ابن سعد: وكان ذلك أول ما صلاها. وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة وسيأتى إن شاء الله تعالى الكلام على ما تيسر منها فى مقصد عباداته- ﷺ. وكانت غيبته- ﷺ فى هذه الغزوة خمس عشرة ليلة. وفى البخارى عن جابر قال: كنا مع النبى- ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى- ﷺ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبى- ﷺ معلق بالشجرة فاخترطه- يعنى سلة من غمده- فقال تخافنى قال: لا، قال: فمن يمنعك منى؟ قال: «الله» «١» . وعند أبى عوانة: فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله- ﷺ فقال: «من يمنعك منى؟» قال: كن خير آخذ. قال: «تشهد ألاإله إلا الله وأنى رسول الله؟» ، قال الأعرابى: أعاهدك أنى لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. وفى رواية عند البخارى: ولم يعاقبه «٢» .
أعاهدك أنى لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. وفى رواية عند البخارى: ولم يعاقبه «٢» .
وإنما لم يؤاخذه- ﷺ بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته- ﵊ فى استئلاف الكفار ليدخلوا فى الإسلام. وفى رواية أبى اليمان عند البخارى- فى الجهاد- قال: من يمنعك منى ثلاث مرات «١» . وهو استفهام إنكارى، أى لا يمنعك منى أحد. وقد كان الأعرابى قائما على رأسه والسيف فى يده والنبى- ﷺ جالس لا سيف معه. ويؤخذ من مراجعة الأعرابى له فى الكلام أن الله سبحانه منع نبيه، وإلا فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الخطوة عند قومه بقتله. وفى قوله- ﷺ فى جوابه: الله، أى يمنعنى منك، إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابى فلم يزده على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به. وذكر الواقدى فى نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. وقال فيه: إنه رمى بالزلخة حين هم بقتله- ﷺ، فندر السيف من يده وسقط إلى الأرض. والزلخة- بضم الزاى وتشديد اللام- وجع يأخذ فى الصلب. وقال البخارى: قال مسدد عن أبى عوانة عن أبى بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، أى على وزن جعفر. وحكى الخطابى فيه: غويرث، بالتصغير. وقد تقدم فى غزوة غطفان وهى غزوة ذى أمر بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور، وأنه قام على رأسه- ﷺ، بالسيف فقال: من يمنعك منى؟ فقال: ﷺ: الله، ودفع جبريل فى صدره فوقع السيف من يده وأنه أسلم. قال فى عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.
وقال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان فى غزوتين. وفى هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال- ﷺ. وفى انصرافه- ﷺ من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه- ﷺ فانطلق متقدما بين يدى الركاب، ثم قال: «أتبيعينيه؟» فابتاعه منه وقال: لك ظهره إلى المدينة، فلما وصلها أعطاه الثمن وأرجح، ووهب له الجمل «١» . والحديث أصله فى البخارى. ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.
لثمن وأرجح، ووهب له الجمل «١» . والحديث أصله فى البخارى. ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.
[غزوة بدر] «٢» : وهى الصغرى، وتسمى: بدر الموعد. وكانت فى شعبان، بعد ذات الرقاع. قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله- ﷺ المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها جمادى الأولى إلى آخر رجب، ثم خرج فى شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان. ويقال: كانت فى هلال ذى القعدة. وميعاد أبى سفيان: هو ما سبق أن أبا سفيان قال يوم أحد: الموعد بيننا وبينكم بدر العام القابل، فقال- ﷺ لرجل من أصحابه: قل: «نعم هو بيننا وبينكم موعد» . فخرج- ﷺ ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وعشرة أفراس،
واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان. وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، ويقال: عسفان، ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب، ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة: جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. وأقام- ﷺ ببدر ثمانية أيام، وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الدرهم درهمين. وأنزل الله فى المؤمنين: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. إلى قوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ «١» الآية. والصحيح أن هذه الآية نزلت فى شأن حمراء الأسد، كما نص عليه العماد بن كثير.
غزوة دومة الجندل «٢» : وهى بضم الدال من «دومة» هى مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال، وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. قال أبو عبيد البكرى: سميت بدومى بن إسماعيل، كان نزلها. وكانت فى شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة، وكان سببها أنه بلغه- ﷺ أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مر بهم،
فخرج- ﵊ لخمس ليال بقين من شهر ربيع، فى ألف من أصحابه، فكان يسير الليل ويكمن النهار واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة. فلما دنا منهم، لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب، وهرب من هرب فى كل وجه. وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا، ونزل- ﷺ بساحتهم فلم يلق بها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا وفرقها، فرجعوا، ولم يصب منهم أحد. ودخل المدينة فى العشرين من ربيع الآخر.
غزوة بنى المصطلق «١» : غزوة المريسيع: - بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبنى خزاعة، بينه وبين الفرع يومان. وتسمى غزوة بنى المصطلق- بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة، وكسر اللام بعدها قاف- وهو لقب واسمه: جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة. وكانت لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس، وفى البخارى، قال ابن إسحاق سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع انتهى. قالوا: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذى فى مغازى موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابورى والبيهقى فى الدلائل وغيرهم سنة خمس. وسببها أنه بلغه- ﷺ أن رئيسهم الحارث بن أبى ضرار سار فى قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله- ﷺ فأجابوه، وتهيئوا للمسير معه إليه.
مس. وسببها أنه بلغه- ﷺ أن رئيسهم الحارث بن أبى ضرار سار فى قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله- ﷺ فأجابوه، وتهيئوا للمسير معه إليه.
فبعث- ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمى يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبى ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله- ﷺ. وخرج- ﷺ مسرعا فى بشر كثير من المنافقين، لم يخرجوا فى غزاة قط مثلها. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرسا وخرجت عائشة وأم سلمة. وبلغ الحارث ومن معه مسيره- ﵇ فسىء بذلك هو ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب. وبلغ- ﵇ المريسيع، وصف أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر- ﵇ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم، وسبوا النساء والرجال والذرية والنعم والشاء. ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، كذا ذكره ابن إسحاق. والذى فى صحيح البخارى من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه: «أغار على بنى المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تستقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وهم على الماء» «١» . فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكونوا لما دهمهم وهم على الماء وتصافوا وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. قيل وفى هذه الغزوة نزلت آية التيمم. وفى الصحيحين من حديث
نوا لما دهمهم وهم على الماء وتصافوا وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. قيل وفى هذه الغزوة نزلت آية التيمم. وفى الصحيحين من حديث
عائشة: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ فى بعض أسفاره، فذكر حديث التيمم «١» . قال فى فتح البارى: «قوله فى بعض أسفاره» قال ابن عبد البر فى التمهيد: يقال إنه كان فى غزوة بنى المصطلق. وجزم بذلك فى الاستذكار. وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزوة بنى المصطلق هى غزوة المريسيع. وفيها كانت قصة الإفك لعائشة «٢» ، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا. فإن كان ما جزموا به ثابتا، حمل على أنه سقط منها فى تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما «٣» . قال: واستبعد بعض شيوخنا ذلك، لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها فى الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهما بين مكة وخيبر كما جزم به النووى. قال: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين فإنه قال البيداء هى ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذى الحليفة. وقال أبو عبيد البكرى فى معجمه: البيداء أدنى إلى مكة من ذى الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال. والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين. وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد، ومنهم محمد بن حبيب الأخبارى فقال: سقط عقد عائشة فى غزوة ذات الرقاع وفى غزوة بنى المصطلق.
ر، فاستقام ما قاله ابن التين. وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد، ومنهم محمد بن حبيب الأخبارى فقال: سقط عقد عائشة فى غزوة ذات الرقاع وفى غزوة بنى المصطلق.
وقد اختلف أهل المغازى فى أى هاتين الغزوتين كانت أولا. وقال الداودى: كانت قصة التيمم فى غزوة الفتح ثم تردد فى ذلك. وروى ابن أبى شيبة من حديث أبى هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بنى المصطلق، لأن إسلام أبى هريرة كان فى السنة السابعة، وهى بعدها بلا خلاف. وكان البخارى يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبى موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبى هريرة. ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك ما رواه الطبرانى من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدى ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ فى غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدى حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر: يا بنية فى كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة فى التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة «١» . وفى إسناده محمد بن حميد الرازى. وفيه مقال. وفى سياقه من الفوائد: بيان عتاب أبى بكر الذى أبهم فى حديث الصحيح، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين فى غزوتين. انتهى. وفى هذه الغزوة قال ابن أبى: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم، ذو الأذن الواعية، فحدث رسول الله ﷺ بذلك فأرسل إلى ابن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ «٢» فقال له رسول الله- ﷺ: «إن الله قد صدقك يا زيد» «٣» . رواه البخارى.
وكانت غيبته- ﷺ فى هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما.
غزوة الخندق: وهى الأحزاب: جمع حزب، أى طائفة. فأما تسميتها بالخندق: فلأجل الخندق الذى حفر حول المدينة بأمره ﷺ، ولم يكن اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس. وكان الذى أشار بذلك سلمان، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبى- ﷺ بحفره، وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين. وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم: قريش وغطفان واليهود ومن معهم. وقد أنزل الله تعالى فى هذه القصة صدرا من سورة الأحزاب. واختلف فى تاريخها: فقال موسى بن عقبة: كانت فى شوال سنة أربع. وقال ابن إسحاق: كانت فى شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازى. ومال البخارى إلى قول موسى بن عقبة، وقواه بقول ابن عمر: أن رسول الله- ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه «١» . فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع. ولا حجة فيه إذا ثبت لنا أنها كانت سنة خمس، لاحتمال أن يكون ابن عمر. فى أحد كان أول ما طعن فى الرابعة عشر، وكان فى الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقى.



