— Bagian 9 · يفهم من النبى- ﷺ تحتم محو علىّ نفسه، ولهذا لم ين… —
Bagian 9
يفهم من النبى- ﷺ تحتم محو علىّ نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلى تركه انتهى. ثم قال- ﷺ: «أرنى مكانها» فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله. وفى رواية البخارى- فى المغازى- فأخذ رسول الله- ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله «١» . وكذا أخرجه النسائى وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب- وليس يحسن أن يكتب- فكتب مكان رسول الله: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. قال فى فتح البارى: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجى. فادعى أن النبى- ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس فى زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذى قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا باخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجى عليهم بما لديه من المعرفة وقال الأمير: فهذا لا ينافى القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفى بما قبل ورود القرآن، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «٢» وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب فى ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى. وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجى على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروى وأبو الفتح النيسابورى وآخرون من علماء إفريقية. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبى شيبة وعمر بن شبة من طريق
ا الباجى على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروى وأبو الفتح النيسابورى وآخرون من علماء إفريقية. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبى شيبة وعمر بن شبة من طريق
مجالد عن عون بن عبد الله قال: ما مات رسول الله- ﷺ حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرته للشعبى فقال صدق، قد سمعت من يذكر ذلك. وقال القاضى عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك، وقوله لمعاوية: ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم إلى غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، إنه أوتى علم كل شىء. وأجاب الجمهور. بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكتاب فيها على بن أبى طالب، وقد صرح فى حديث المسور بن مخرمة بأن عليّا هو الذى كتب فيحمل على أن النكتة فى قوله «فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب» لبيان أن قوله «أرنى إياها» أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التى امتنع على من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة. وعلى أن قوله بعد ذلك «فكتب» فيه حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلى فكتب: أو أطلق «كتب» بمعنى: أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر. وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف فى ذلك اليوم- وهو لا يحسن الكتابة- أن يصير عالما بالكتابة، ويخرج عن كونه أميّا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّا ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى فى ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّا. وبهذا أجاب أبو جعفر السمنانى أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزى.
المراد، فيكون معجزة أخرى فى ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّا. وبهذا أجاب أبو جعفر السمنانى أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزى.
وتعقب ذلك السهيلى وغيره: بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميّا لا يكتب، وهى الآية التى قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك. قال السهيلى: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق: أن معنى قوله «فكتب» أمر عليّا أن يكتب انتهى. قال: وفى دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمى نظر كبير، والله أعلم، انتهى «١» . وأما قول: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم وقوله: أما الرحمن فو الله ما أدرى ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم. إلخ. فقال العلماء: وافقهم- ﷺ فى ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم فى محمد بن عبد الله، وترك كتابة رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. مع أنه لا مفسدة فى هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضا رسوله، وليس فى ترك وصف الله تعالى فى هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفى ذلك، ولا فى ترك وصفه- ﷺ عنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. انتهى. (قال فى رواية البخارى: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقال- ﷺ: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به» .
فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة. ولكن ذلك فى العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟) «١» . والضغطة: بالضم، قال فى القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى. فإن قلت: ما الحكمة فى كونه- ﷺ وافق سهيلا على أنه لا يأتيه منهم رجل وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين. فالجواب: أن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التى كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس فى دين الله أفواجا. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبى- ﷺ كما هى، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاؤا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبى- ﷺ ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام. فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل. وكانت العرب من غير قريش فى البوادى ينتظرون بإسلامهم إسلام
اد الآخرون ميلا إلى الإسلام. فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل. وكانت العرب من غير قريش فى البوادى ينتظرون بإسلامهم إسلام
قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب فى البوادى. قال الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً «١» . فالله ورسوله أعلم. انتهى. قال فى رواية البخارى: (فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل ابن عمرو يرسف فى قيوده، قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلىّ. فقال رسول الله- ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد» . قال: فو الله إذا لا أصالحك على شىء أبدا. قال النبى- ﷺ: «فأجزه لى» ، قال ما أنا بمجيز ذلك. قال: «بلى فافعل» . قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أى معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب فى الله عذابا شديدا) «٢» . زاد ابن إسحاق: فقال- ﷺ: «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا» . ووثب عمر يمشى إلى جنبه ويقول: اصبر إنما هم المشركون، وإن دم أحدهم كدم كلب. قال الخطابى: تأول العلماء ما وقع فى قصة أبى جندل على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التوراة، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبى جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية.
له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التوراة، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبى جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية.
والوجه الثانى: إنما رده لأبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك. وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلى به صبر عبادة المؤمنين. واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟. فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبى جندل وأبى بصير. وقيل: لا، وإن الذى وقع فى القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث «أنا برىء من مسلم بين مشركين» «١» وهو قول الحنفية. وعند الشافعية: تفصيل بين العاقل والمجنون والصبى، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله فى فتح البارى. قال فى رواية البخارى: (فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبى- ﷺ فقلت: ألست نبى الله حقّا؟ قال: «بلى» ، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى» ، قلت: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذا؟ قال: «إنى رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصرى» . قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: «بلى» ، «أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» . قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبى الله حقّا؟ قال:
به؟ قال: «بلى» ، «أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» . قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبى الله حقّا؟ قال:
بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصى ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو الله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به) «١» . قال العلماء: لم يكن سؤال عمر- رضى الله عنه- وكلامه المذكور شكّا، بل طلبا لكشف ما خفى عليه، وحثّا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف فى خلقه وقوته فى نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبى بكر لعمر- رضى الله عنهما- بمثل جواب النبى- ﷺ فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته فى ذلك على غيره. وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما فى السير، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبى نعيم فى مسند عبيد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم فى البيوع من المستدرك. والأول أشهر. وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم عن بعض، وألايدخل البيت إلا العام القابل ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو القراب بما فيه. والجلبان- بضم الجيم وسكون اللام- شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودا. ورواه القتيبى: بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما فيها. وفى بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس. وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم، إذ كان دخولهم صلحا. وقال مكى بن أبى طالب القيروانى فى تفسيره:
وبعث- ﵊ بالكتاب إليهم مع عثمان بن عفان. وأمسك سهيل بن عمرو عنده، فأمسك المشركون عثمان فغضب المسلمون. وقال مغلطاى فاحتبسته قريش عندها. فبلغ النبى- ﷺ أن عثمان قد قتل، فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل على أن لا يفروا، انتهى. ووضع النبى- ﷺ شماله فى يمينه وقال: هذه عن عثمان. وفى البخارى: فقال- ﷺ بيده اليمنى: «هذه بيعة عثمان، فضرب بها على يده اليسرى» «١» . ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين. وفى هذه البيعة نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٢» . وحلق الناس مع النبى- ﷺ، ونحروا هداياهم بالحديبية، قال مغلطاى: وأرسل الله ريحا حملت شعورهم فألقتها فى الحرم. وأقام- ﷺ بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل عشرين يوما، ثم قفل وفى نفوس بعضهم شىء، فأنزل الله سورة الفتح يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «٣» . قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لم ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، أى حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم.
الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لم ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، أى حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم.
وأما قوله تعالى: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً «١» . فالمراد فتح خيبر على الصحيح، لأنها وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال: (شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا رسول الله- ﷺ واقفا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس فقرأ عليهم: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «٢» . فقال رجل: يا رسول الله، أو فتح هو؟ فقال: «إى والذى نفسى بيده إنه لفتح» «٣» . وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الحديبية، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله. وأما قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٤» . وقوله- ﷺ: (لا هجرة بعد الفتح) «٥» فالمراد فتح مكة باتفاق. قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم. ثم رجع- ﷺ إلى المدينة. وفى هذه السنة كسفت الشمس. وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة.
الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم. ثم رجع- ﷺ إلى المدينة. وفى هذه السنة كسفت الشمس. وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة.
وفى هذه السنة أيضا استسقى فى رمضان ومطر الناس، فقال النبى ﷺ: «أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب» «١» . قال مغلطاى: وجزم الدمياطى فى سيرته: بأن تحريم الخمر كان فى سنة الحديبية. وذكر ابن إسحاق: أنه كان فى وقعة بنى النضير، وهى بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح. وفيه نظر: لأن أنسا كان الساقى يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادى بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك. وأخرج النسائى والبيهقى بسند صحيح عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر فى قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى فى وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخى فلان- وكانوا أخوة ليس فى قلوبهم ضغائن- فيقول: والله لو كان بى رحيما ما صنع بى هذا حتى وقعت فى قلوبهم الضغائن، فأنزل الله تعالى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ «٢» إلى مُنْتَهُونَ فقال ناس من المتكلفين: هى رجس، وهى فى بطن فلان وفلان وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إلى الْمُحْسِنِينَ «٣» «٤» . وآية تحريم الخمر نزلت فى عام الفتح قبل الفتح.
ْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إلى الْمُحْسِنِينَ «٣» «٤» . وآية تحريم الخمر نزلت فى عام الفتح قبل الفتح.
والخمر فى الأصل مصدر خمره: إذا ستره، سمى به عصير العنب إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما يسمى مسكرا لأنه يسكره، أى يحجره. وهى حرام مطلقا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر انتهى. وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندى والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن فى زمنهم، وإنما ظهرت فى أواخر المائة السادسة وأول السابعة. واختلف هل هى مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير، والذى أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به الشيخ أبو إسحاق الشيرازى فى كتاب التذكرة فى الخلاف، والنووى فى شرح المهذب، ولا نعرف فيه خلافا عندنا. ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج وغيره فإنه لا ينشى ولا يشتهى. قال الزركشى: ولم أر من خالف فى هذا إلا القرافى فى قواعده فقال: نص العلماء بالنبات فى كتبهم أنها مسكرة، والذى يظهر لى أنها مفسدة. فى كلام تعقبه الزركشى يطول ذكره. وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففى صحيح مسلم «كل مسكر حرام» «١» وقد قال تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ «٢» . وأى خبيث أعظم مما يفسد العقول التى اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن متناول الحشيشة يظهر به أثر التغير فى انتظام الفعل والقول المستمد كماله من
نور العقل. وقد روى أبو داود- بإسناد حسن- عن ديلم الحميرى قال: سألت رسول الله- ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: فهل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم) «١» . وهذا منه- ﷺ تنبيه على العلة التى لأجلها حرم المزر. فوجب أن كل شىء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه. وروى أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله- ﷺ عن كل مسكر ومفتر) «٢» . قال العلماء: المفتر كل ما يورق الفتور والخدر فى الأطراف. وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن، مسكرة كانت مفترة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤسهم بواسطة تبخيرها فى الدماغ. وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، منهم القرافى وابن تيمية وقال: إن من استحلها فقد كفر. وتعقبه الزركشى: بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة، سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعيّا على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب فى وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه.
دليل الإجماع قطعيّا على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب فى وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه.
واختلف: هل يحرم تعاطى اليسير الذى لا يسكر؟ فقال النووى فى شرح المهذب إنه لا يحرم أكل القليل الذى لا يسكر من الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذى لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة. وتعقبه الزركشى بأنه صح فى الحديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «١» ، قال: والمتجه أنه لا يجوز من الحشيش لا قليل ولا كثير. وأما قول النووى: إنها طاهرة وليست بنجسه، فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه. قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش، أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدّا، وكذلك السيكران وجوز الطيب مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى. وقد جمع بعضهم فى الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، حتى قال بعضهم كل ما فى الخمر من المذمومات موجود فى الحشيش وزيادة. فإن أكثر ضرر الخمر فى الدين لا فى البدن. وضررها فيهما. فمن ذلك: فساد العقل، وعدم المروءة، وكشف العورة، وترك الصلوات، والوقوع فى المحرمات، وقطع النسل، والبرص والجذام والأسقام والرعشة والأبنة، ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان، وحفر الأسنان وتسويدها، وتضييق النفس وتصفير الألوان، وتنقيب الكبد، وتجعل الأسد كالجعل، وتورث الكسل والفشل، وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما، والصحيح أبلما، وتذهب السعادة وتنسى الشهادة، فصاحبها بعيد عن السنة طريد عن الجنة، موعود من الله باللعنة إلا أن يقرع من الندم سنه ويحسن بالله ظنه. ولقد أحسن القائل:
قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة دية العقل بدرة فلماذا ... ياسفيها قد بعتها بحشيشة
لندم سنه ويحسن بالله ظنه. ولقد أحسن القائل:
قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة دية العقل بدرة فلماذا ... ياسفيها قد بعتها بحشيشة
[غزوة خيبر] : وهى مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد «١» من المدينة إلى جهة الشام. قال ابن إسحاق: خرج النبى- ﷺ فى بقية شهر المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها. وقيل: كانت فى آخر سنة ست، وهو منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: والراجح ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناء على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقى وهو ربيع الأول «٢» . وأغرب ابن سعد وابن أبى شيبة فرويا من حديث أبى سعيد الخدرى: خرجنا مع رسول الله- ﷺ إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، وإسناده حسن، لكنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت. وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج فيها- ﷺ فى رمضان جزما. قال: وذكر الشيخ أبو حامد فى التعليقة: أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، ولعلها انتقال من الخندق إلى خيبر. وكان معه- ﷺ ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس، ومعه أم سلمة زوجته.
أبو حامد فى التعليقة: أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، ولعلها انتقال من الخندق إلى خيبر. وكان معه- ﷺ ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس، ومعه أم سلمة زوجته.
وفى البخارى من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبى إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصباح عولوا علينا وفى رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد فى هذا الرجز من الزيادة: إن الذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فقال رسول الله- ﷺ كما فى رواية البخارى- «من هذا السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع، قال: «يرحمه الله» . قال رجل من القوم: وجبت يا نبى الله، لولا أمتعتنا به «١» . الحديث. وفى رواية أحمد: فجعل عامر يرتجز ويسوق الركاب، وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل فى السير ينزل بعضهم فيسوقها، ويحدو فى تلك الحال. وقوله: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا» كذا الرواية، قالوا: وصوابه فى الوزن: لا هم، أو: تالله، كما فى الحديث الآخر. وقوله: «فداء لك» قال المازرى «٢» : هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال
للبارى سبحانه: فديتك، لأن ذلك إنما يستعمل فى مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه. قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاتله الله، ولا يريد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله- ﵇: تربت يداك، وتربت يمينك، وفيه كله ضرب من الاستعارة لأن المفادى مبالغ فى طلب رضا المفدى حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر: أى أبذل نفسى فى رضاك. وعلى كل حال فإن المعنى وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز فيه يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه. قال: وقد يكون المراد بقوله: «فداء لك» رجلا يخاطبه، وفصل بين الكلام بذلك، ثم عاد إلى الأول فقال: ما اتقينا. وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى لولا أن فيه تعسفا اضطرنا إليه تصحيح الكلام. انتهى. وقيل: إنه يخاطب بهذا الشعر النبى- ﷺ. والمعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا فى حقك ونصرك. وعلى هذا فقوله: «اللهم» لم يقصد بها الدعاء وإنما افتتح بها الكلام. والمخاطب بقول الشاعر: «لولا أنت» ، النبى، لكن يعكر عليه بعد ذلك: فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا فإنه دعاء لله تعالى. ويحتمل أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت والله أعلم. وقوله: «إذا صيح بنا أتينا» أى إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكاره أتينا ولم نتأخر عنه. وفى رواية أيضا بالموحدة بدل المثناة، أى أبينا الفرار. وقوله: «وبالصياح عولوا علينا» أى استعانوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هو من التعويل على الشىء وهو الاعتماد عليه، وقيل: هو من العويل، وهو الصوت.
رار. وقوله: «وبالصياح عولوا علينا» أى استعانوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هو من التعويل على الشىء وهو الاعتماد عليه، وقيل: هو من العويل، وهو الصوت.
وقوله: «من هذا السائق؟ قالوا: عامر، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم وجبت» : أى ثبتت له الشهادة وستقع قريبا، وكان معلوما عندهم أن من دعا له النبى- ﷺ هذا الدعاء فى هذا الموطن استشهد، فقالوا: هلا أمتعتنا به؟ أى: وددنا أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة. وفى البخارى من حديث أنس أنه- ﷺ أتى خيبر ليلا- وكان إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح- فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبى ﷺ: «خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «١» . وفى رواية: فرفع يديه وقال الله أكبر خربت خيبر. والخميس: الجيش: سمى به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. ومحمد: خبر مبتدأ، أى هذا محمد. قال السهيلى: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل، لأنه- ﷺ لما رأى آلة الهدم عرف أن مدينتهم ستخرب، انتهى. ويحتمل- كما قاله فى فتح البارى- أن يكون قال: «خربت خيبر» بطريق الوحى، ويؤيده قوله بعد ذلك: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» . وفى رواية: أنه- ﷺ صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وقال مغلطاى وغيره: وفرق- ﷺ الرايات، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية.
: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وقال مغلطاى وغيره: وفرق- ﷺ الرايات، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية.
وقال الدمياطى: وكانت راية النبى- ﷺ السوداء من برد لعائشة. وفى البخارى: وكان على بن أبى طالب تخلف عن النبى- ﷺ وكان رمدا.. فلحق فلما بتنا الليلة التى فتحت قال: لأعطين الراية غدا- أو ليأخذن الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله- ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين على بن أبى طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله- ﷺ فى عينيه ودعا له فبرىء، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال على: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن تكون لك حمر النعم. الحديث «١» . ولما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيرا، فتناول ساق يهودى ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه. فلما قفلوا، قال سلمة: قلت يا رسول الله، فداك أبى وأمى، زعموا أن عامرا حبط عمله، قال النبى ﷺ «كذب من قال، وإن له أجرين» ، وجمع بين إصبعيه، «إنه لجاهد مجاهد» «٢» . رواه البخارى أيضا. وعن يزيد بن أبى عبيد قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر ... فأتيت النبى- ﷺ فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة «٣» . أخرجه البخارى.
وعنده أيضا عن أبى هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله- ﷺ لرجل ممن معه يدعى الإسلام: «هذا من أهل النار» ، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهما فنحر نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: «قم يا فلان فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» «١» . وفى رواية: فقال رسول الله- ﷺ عن ذلك: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة- فيما يبدو للناس- وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار- فيما يبدو للناس- وهو من أهل الجنة» . الحديث. وقاتل النبى- ﷺ أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون. وفتحها الله حصنا حصنا، وهى: النطاة، وحصن الصعب، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن أبى، وحصن البرىء، والقموس والوطيح والسلالم، وهو حصن بنى أبى الحقيق. وأخذ كنز آل أبى الحقيق الذى كان فى مسك الحمار،، وكانوا قد غيبوه فى خربة، فدل الله ورسوله عليه فاستخرجه. وقلع علىّ باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد. وفى رواية ابن إسحاق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقى فى الدلائل، ورواه الحاكم، وعنه البيهقى من جهة ليث بن أبى سليم عن أبى جعفر محمد بن على بن حسين عن جابر: أن عليّا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. وليث ضعيف.
يهقى من جهة ليث بن أبى سليم عن أبى جعفر محمد بن على بن حسين عن جابر: أن عليّا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. وليث ضعيف.
وفى رواية البيهقى: أن عليّا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه. قال شيخنا: وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى. وفى البخارى: وتزوج- ﷺ بصفية بنت حيى بن أخطب، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وكانت عروسا، فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له- يعنى طهرت من الحيض- فبنى بها- ﷺ فصنع حيسا فى نطع صغير، ثم قال لأنس: «آذن من حولك» ، فكانت تلك وليمته على صفية. قال: خرجنا إلى المدينة فرأيت النبى- ﷺ يحوى لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب «١» . وفى رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا إن حجبها فهى إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهى مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد الحجاب «٢» . وفى رواية أنه- ﷺ قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان فى السبى صفية فصارت إلى دحية الكلبى ثم صارت إلى النبى- ﷺ فجعل عتقها صداقها «٣» . وفى رواية: فأعتقها وتزوجها. وفى رواية: قال- ﷺ لدحية: «خذ جارية من السبى غيرها» «٤» .
رت إلى دحية الكلبى ثم صارت إلى النبى- ﷺ فجعل عتقها صداقها «٣» . وفى رواية: فأعتقها وتزوجها. وفى رواية: قال- ﷺ لدحية: «خذ جارية من السبى غيرها» «٤» .
وفى رواية لمسلم: أنه- ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس «١» . وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس فى قوله سبعة أرؤس ما ينافى قوله فى رواية البخارى: خذ جارية من السبى غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفى الزيادة والله أعلم. وإنما أخذ- ﷺ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم، وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان من الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان فى السبى مثل صفية فى نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه- ﷺ بها، فإن فى ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع فى الهبة فى شىء. انتهى. قال مغلطاى وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط فى حجرها، فتؤول بذلك. قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية. وفى هذه الغزوة حرم- ﷺ لحوم الحمر الأهلية. كما فى البخارى ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذى فتحت عليهم- يعنى خيبر- أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبى- ﷺ: «ما هذه النيران، على أى شىء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أى لحم؟» قالوا: لحم الحمر الإنسية، فقال النبى- ﷺ: «أهريقوها واكسروها» . فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: «أو ذاك» «٢» . والمشهور فى الإنسية: كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكى: ضم الهمزة، ضد الوحشية، ويجوز فتحها والنون أيضا، مصدر أنست به، آنس أنسا وأنسة.
والمشهور فى الإنسية: كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكى: ضم الهمزة، ضد الوحشية، ويجوز فتحها والنون أيضا، مصدر أنست به، آنس أنسا وأنسة.
وفى رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية «١» . وفى رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ورخص فى الخيل «٢» . قال ابن أبى أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة. قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها، والصواب ما قدمناه. وأما قوله- ﷺ: «اكسروها» فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: «أو ذاك» . فهذا محمول على أنه- ﷺ اجتهد فى ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده، أو أوحى إليه بغسلها. وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء فى إباحتها: فمذهب الشافعى والجمهور من السلف والخلف: أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبى بكر. وفى صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله- ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة «٣» ، وفى رواية الدارقطنى: فأكلناه نحن وأهل بيت النبى ﷺ. قال فى فتح البارى: ويستفاد من قولها: «ونحن بالمدينة» أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد.
وفى قولها: «وأهل بيت النبى- ﷺ» الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبى- ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بال أبى بكر أنهم يقدمون على فعل شىء فى زمنه- ﷺ إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به- ﷺ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله- ﵇ عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن الصحابى إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه- ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك فى مطلق الصحابة فكيف بال أبى بكر. وقال الطحاوى: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما. واحتجوا بالأخبار المتواترة فى حلها. انتهى. وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح- على شرط الشيخين- عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريح: قلت له أصحاب رسول الله- ﷺ فقال: نعم. وأما ما نقل فى ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين «١» . وقال أبو حنيفة فى الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازى على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلى، وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم. وقال القرطبى فى شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهانى: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
تحريم، وهو قول أكثرهم. وقال القرطبى فى شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهانى: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
وقال ابن أبى جمرة: الدليل على الجواز مطلقا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا فى الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، ولو كثر استعماله لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذى وقع الأمر به فى قوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ «١» . فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضى أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى. وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلالا لجازت الأضحية بها. فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية به. وأما حديث خالد ابن الوليد عند أبى داود والنسائى: نهى رسول الله- ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير «٢» ، فضعيف، ولو سلم ثبوته، لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. وقد ضعف حديث خالد ابن الوليد أحمد والبخارى والدار قطنى والخطابى وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون. وزعم بعضهم: أن حديث جابر دال على التحريم لقوله «رخص» لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التى أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق. وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن، كما رواه مسلم، وفى رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبى- ﷺ عن الحمار الأهلى وعند الدار قطنى من حديث ابن عباس: نهانا- ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل «٣» فدل على أن المراد بقوله: «رخص» أذن.
نهانا النبى- ﷺ عن الحمار الأهلى وعند الدار قطنى من حديث ابن عباس: نهانا- ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل «٣» فدل على أن المراد بقوله: «رخص» أذن.
ونوقض أيضا بالإذن فى أكل الخيل، ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن فى أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة. وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً «١» . وقرروا ذلك بأوجه: أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضى خلاف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكها معهما فى حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليها إلى دليل. ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها فى الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل فى المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة. وأجيب: بأن آية النحل [٨] مكية اتفاقا، والإذن فى أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبى- ﷺ من الآية المنع لما أذن فى الأكل. وأيضا: فاية النحل [٨] ليست نصّا فى منع الأكل والحديث صريح فى جوازه. وأيضا: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر فى الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل فى غيرهما، وفى غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة
المذكورة فى الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث «١» ، فإنه مع كونه أصرح فى الحصر، ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهى تؤكد وينتفع بها فى أشياء غير الحرث اتفاقا. وقال البيضاوى: واستدل بها أى باية النحل [٨]- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا ألايقصد منه غيره أصلا. انتهى. وأيضا: فلو سلم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به. وأما عطف البغال والحمير، فدلالة العطف إنما هى دلالة اقتران وهى ضعيفة. وأما أنها سيقت مساق الامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتهم فى بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها أكثر لحمل الأثقال والأكل، فاقتصر فى كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر فى هذا الشق لأضر. وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها إلخ. فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن فى أكلها أن تفنى، للزم مثله فى البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به. وإنما أطلت فى ذلك لأمر اقتضاه، والله أعلم. وفى هذه الغزوة أيضا نهى- ﷺ عن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وألاتوطأ جارية حتى تستبرأ. وفى هذه الغزوة أيضا سمت النبى- ﷺ زينب بنت الحارث، امرأة
أيضا نهى- ﷺ عن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وألاتوطأ جارية حتى تستبرأ. وفى هذه الغزوة أيضا سمت النبى- ﷺ زينب بنت الحارث، امرأة
سلام بن مشكم، كما فى البخارى من حديث أبى هريرة ولفظه: (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله- ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله- ﷺ: «اجمعوا لى من كان هاهنا من اليهود» ، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إنى سائلكم عن شىء، فهل أنتم صادقونى عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله- ﷺ: «من أبوكم؟» قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله- ﷺ: «كذبتم، بل أبوكم فلان» ، فقالوا: صدقت وبررت، فقال: «هل أنتم صادقونى عن شىء إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته فى أبينا. فقال لهم رسول الله- ﷺ: «من أهل النار؟» فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله- ﷺ: «اخسئوا فيها. والله لا نخلفكم فيها أبدا» ، ثم قال لهم: «هل أنتم صادقونى عن شىء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم. فقال: «هل جعلتم فى هذه الشاة سمّا؟» فقالوا: نعم، فقال: «ما حملكم على ذلك؟» فقالوا: أردنا إن كنت كذابا أن نستريح منك، وإن كنت نبيّا لم يضرك «١» . وفى حديث جابر عند أبى داود: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله- ﷺ، فأخذ رسول الله- ﷺ فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله- ﷺ: «ارفعوا أيديكم» ، وأرسل إلى اليهود فقال: «سممت هذه الشاة؟» فقالت: من أخبرك؟ قال: «أخبرتنى هذه فى يدى» ، للذراع. قالت: نعم، قلت: إن كان نبيّا فلن يضره، وإن لم يكن نبيّا استرحنا منه. فعفا عنها- ﷺ ولم يعاقبها، وتوفى أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله- ﷺ على كاهله من أجل الذى أكل من الشاة «٢» .
لم يكن نبيّا استرحنا منه. فعفا عنها- ﷺ ولم يعاقبها، وتوفى أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله- ﷺ على كاهله من أجل الذى أكل من الشاة «٢» .
وفى رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أى الشاة أحب إلى محمد فيقولون الذراع فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يبطىء- يعنى لا يلبث أن يقتل من ساعته- وقد شاورت يهود فى سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت فى الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول- ﷺ الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظاما آخر، فلما ازدرد- ﷺ لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما فى يده وأكل القوم، فقال- ﷺ: «ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرنى أنها مسمومة» . وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه أنه دفعها- ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطى. وقد اختلف هل عاقبها- ﷺ؟: فعند البيهقى من حديث أبى هريرة: فأعرض عنها، ومن طريق أبى نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهرى: أسلمت فتركها «١» . قال البيهقى: يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها. وبذلك أجاب السهيلى وزاد: أنه تركها لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصا. ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت. وإنما أخر قتلها حتى مات بشر، لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه. وفى مغازى سليمان التيمى: أنها قالت: إن كنت كذابا أرحت الناس منك. وقد استبان لى الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أنى على دينك وألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. وفيه: موافقة الزهرى على إسلامها، فالله أعلم. وفى هذه الغزوة أيضا: نام- ﷺ عن صلاة الفجر، لما وكل به بلالا
كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم (أن رسول الله- ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلته حتى أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: «اكلأ لنا الليل» ، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله- ﷺ وأصحابه فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحته، فلم يستيقظ رسول الله- ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله- ﷺ أولهم استيقاظا، فقال: «أى بلال!» فقال بلال: أخذ بنفسى الذى أخذ- بأبى أنت وأمى يا رسول الله- بنفسك. قال: «اقتادوا» فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله- ﷺ وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: أقم الصلاة لذكرى» «١» . وفيها قدم جعفر ومن معه من الحبشة. واختلف فى فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحا؟ وفى حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال فتحت صلحا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لتحقن دماؤهما، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى. ثم فتح وادى القرى، فى جمادى الآخرة بعد ما أقام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك. وأصاب «مدعما» مولاه سهم فقال- ﷺ: «إن الشملة التى غلها من خيبر لتشتعل عليه نارا» «٢» .
فى جمادى الآخرة بعد ما أقام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك. وأصاب «مدعما» مولاه سهم فقال- ﷺ: «إن الشملة التى غلها من خيبر لتشتعل عليه نارا» «٢» .
وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاى. ثم سرية عمر بن الخطاب «١» - رضى الله عنه- إلى تربة فى شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا فخرج معه دليل من بنى هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا وجاء عمر بن الخطاب، إلى محالهم فلم يلق منهم أحدا، فانصرف راجعا إلى المدينة. ثم سرية أبى بكر الصديق، - رضى الله عنه- إلى بنى كلاب بنجد ناحية ضربة، سنة سبع، ويقال إلى فزارة، فسبى منهم جماعة وقتل آخرين «٢» . وفى صحيح مسلم: فزارة وهو الصواب. ثم سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى بنى مرة بفدك، فى شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل قد مات. وقدم علبة بن زيد الحارثى بخبرهم على رسول الله- ﷺ ثم قدم بعده بشير بن سعد. ثم سرية غالب بن عبد الله الليثى إلى الميفعة بناحية نجد من المدينة، على ثمانية برد، فى شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، فى مائتين وثلاثين رجلا، فهجموا عليهم فى وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة. قالوا: وفى هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس بعد أن قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله- ﷺ: «ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» فقال أسامة: لا أقاتل أحدا يشهد ألاإله إلا الله «٣» .
رداس بعد أن قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله- ﷺ: «ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» فقال أسامة: لا أقاتل أحدا يشهد ألاإله إلا الله «٣» .
وفى الإكليل: فعل ذلك أسامة فى سرية كان هو أميرا عليها سنة ثمان. وفى البخارى: (عن أبى ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله- ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصارى عنه، وطعنته برمحى حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبى- ﷺ فقال: «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟» قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) «١» . ثم سرية بشير بن سعد الأنصارى أيضا إلى يمن وجبار- بفتح الجيم- وهى أرض لغطفان، ويقال لفزارة وعذرة، فى شوال سنة سبع من الهجرة، وبعث معه ثلاثمائة رجل لجمع تجمعوا للإغارة على المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا. وأصاب لهم نعما كثيرة فغنمها، وأسر رجلين وقدم بهما إلى المدينة إلى رسول الله- ﷺ فأسلما.
عمرة القضاء: ثم عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء، لأنه قاضى فيها قريشا، لا لأنها قضاء عن العمرة التى صد عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامة، ولهذا عدوا عمر النبى- ﷺ أربعا، كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى. وعدوا عمرة الحديبية فى العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت. وهذا الخلاف مبنى على الاختلاف فى وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.
العمرة الأولى. وعدوا عمرة الحديبية فى العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت. وهذا الخلاف مبنى على الاختلاف فى وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.
فقال الجمهور: يجب عليه الهدى ولا قضاء عليه. وعند أبى حنيفة: عكسه. وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هدى ولا قضاء. وأخرى: يلزمه القضاء والهدى. فحجة الجمهور: قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ «١» . وحجة أبى حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء. وحجة من أوجبها: ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدى حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدى. وحجة من لم يوجبها: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدى، بل أمر من معه هدى أن ينحر، ومن ليس معه هدى أن يحلق. قال الحاكم فى الإكليل: تواترت الأخبار أنه- ﷺ لما هلّ ذو القعدة يعنى سنة سبع- أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التى صدهم المشركون عنها بالحديبية، وألايتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا. وخرج معه- ﷺ من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفارى، وساق- ﷺ ستين بدنة، وحمل السلاح والبيض والدرع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن سعد. وأحرم- ﷺ ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن مسلمة فى الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه فقال: هذا
رسول الله- ﷺ يصبح هذا المنزل غدا- إن شاء الله تعالى-. فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا. ونزل رسول الله- ﷺ بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج كيسمع وينصر ويضرب- موضع بمكة، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولى الأنصارى فى مائتى رجل. وخرجت قريش من مكة إلى رؤس الجبال. وقدم رسول الله- ﷺ الهدى أمامه، فحبس بذى طوى، وخرج رسول الله- ﷺ على راحلته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله- ﷺ يلبون، فدخل من الثنية التى تطلعه على الحجون، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته. وفى رواية الترمذى فى الشمائل، من حديث أنس أنه- ﷺ دخل مكة فى عمرة القضاء وابن رواحة يمشى بين يديه وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر: يا بن رواحة بين يدى رسول الله- ﷺ تقول شعرا؟ فقال- ﷺ: «خل عنه يا عمر، فلهى أسرع فيهم من نضح النبل» «١» . ورواه عبد الرزاق من حديث أنس أيضا من وجهين بلفظ خلوا بنى الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن فى تنزيله بأن خير القتل فى سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
نس أيضا من وجهين بلفظ خلوا بنى الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن فى تنزيله بأن خير القتل فى سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
وأخرجه الطبرانى والبيهقى فى الدلائل وفيه: اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله ... يا رب إنى مؤمن بقيله «١» وعن ابن عقبة فى المغازى بعد قوله: قد أنزل الرحمن فى تنزيله ... فى صحف تتلى على رسوله لكنه لم يذكر أنسا، وزاد ابن إسحاق بعد قوله: يا رب إنى مؤمن بقيله ... إنى رأيت الحق فى قبوله وقال ابن هشام: إن قوله: نحن ضربناكم على تأويله إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله يوم صفين. قالوا: ولم يزل رسول الله- ﷺ يلبى حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم. وفى البخارى، عن ابن عباس ( ... قال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبى- ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) «٢» . وفى رواية: (قال: ارملوا ليرى المشركون قوتكم) «٣» (والمشركون من قبل قعيقعان) «٤» .
لركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) «٢» . وفى رواية: (قال: ارملوا ليرى المشركون قوتكم) «٣» (والمشركون من قبل قعيقعان) «٤» .
ومعنى قوله: «إلا الإبقاء عليهم» أى لم يمنعه من أمرهم بالرمل فى جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم. ثم طاف رسول الله- ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه- وقد وقف الهدى عند المروة- قال: هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر «١» . فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون. وأمر رسول الله- ﷺ ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج، فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا. وأقام رسول الله- ﷺ بمكة ثلاثا. وفى البخارى من حديث البراء (.. فلما دخلها- يعنى مكة- ومضى الأجل، أتوا عليّا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل) «٢» . (فخرج النبى- ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادى: يا عم يا عم، فتناولها على فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها على وزيد وجعفر، قال على: أنا أخذتها وهى بنت عمى. وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتى، وقال زيد ابنة أخى فقضى بها النبى- ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» «٣» الحديث. وإنما أقرهم النبى- ﷺ على أخذها مع اشتراط المشركين ألايخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها.
خالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» «٣» الحديث. وإنما أقرهم النبى- ﷺ على أخذها مع اشتراط المشركين ألايخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها.
وقوله: «الخالة بمنزلة الأم» أى فى هذا الحكم الخاص، لأنها تقرب منها فى الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة فى الحضانة مقدمة على العمة، لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهى مقدمة على غيرها. ويؤخذ منها تقديم أقارب الأم على أقارب الأب انتهى. قال ابن عباس: وتزوج- ﷺ ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال «١» . وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها- ﷺ إلا بعد ما حل «٢» . ذكره البخارى. و «وهم» بكسر الهاء أى غلط. وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجنى رسول الله- ﷺ ونحن حلالان بسرف «٣» . رواه مسلم. وسيأتى فى الخصائص من مقصد معجزاته- إن شاء الله تعالى-: أن له- ﷺ النكاح فى حال الإحرام على أصح الوجهين عند الشافعية. ثم سرية ابن أبى العوجاء السلمى «٤» إلى بنى سليم، فى ذى الحجة سنة سبع، فى خمسين رجلا، فأحدق بهم الكفار من كل ناحية، وقاتل القوم قتالا شديدا، حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبى العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله- ﷺ فى أول صفر سنة ثمان.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثى «١» إلى بنى الملوح- بالحاء المهملة- بالكديد- بفتح الكاف- قال فى القاموس: الكديد بفتح الكاف ماء بين الحرمين شرفهما الله تعالى. والبطن الواسع من الأرض الغليظة، كالكدة بالكسر، ويوم الكديد معروف. فى صفر سنة ثمان من مهاجره، فغنم. وفى هذا الشهر قدم خالد بن الوليد وعثمان بن أبى طلحة وعمرو بن العاصى المدينة فأسلموا. وقال ابن أبى خيثمة: كان ذلك سنة خمس، وقال الحاكم: سنة سبع. ثم سرية غالب «٢» أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك فى صفر سنة ثمان، ومعه مائتا رجل، فأغاروا عليهم مع الصبح وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعما. ثم سرية شجاع بن وهب الأسدى «٣» إلى بنى عامر، بالسىء، ماء من ذات عرق إلى وجرة على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة، وخمس مراحل من المدينة. فى شهر ربيع الأول سنة ثمان، ومعه أربعة وعشرون رجلا إلى جمع من هوازن، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم، فأصابوا نعما وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم. ثم سرية كعب بن عمير الغفارى «٤» إلى ذات أطلاح، وراء ذات
القرى، فى ربيع الأول سنة ثمان، فى خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعا كثيرا فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح فى القتلى. قال مغلطاى: قيل هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله- ﷺ فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليه فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
طاى: قيل هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله- ﷺ فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليه فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
غزوة مؤتة «١» ثم سرية مؤتة- بضم الميم وسكون الواو- بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، وجزم ثعلب والجوهرى وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين. وهى من عمل البلقاء بالشام، دون دمشق. فى جمادى الأولى سنة ثمان. وذلك أن رسول الله- ﷺ كان أرسل الحارث بن عمير الأزدى بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى فقتله، ولم يقتل لرسول الله- ﷺ رسول غيره. فأمر- ﷺ زيد بن حارثة على ثلاثة آلاف وقال: إن قتل فجعفر بن أبى طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم «٢» .
وفى حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائى. بإسناد صحيح «إن قتل زيد فأميركم جعفر» «١» الحديث. قالوا: وعقد لهم- ﷺ لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيعا لهم، حتى إذا بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم، فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال ابن رواحة. لكننى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه. وقد نزل المسلمون معان- بفتح الميم- موضع من أرض الشام، وبلغ الناس كثرة العدو وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء فى مائة ألف من المشركين. فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضى، فمضوا إلى مؤتة. ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والعدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب. والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح.
الذهب. والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح.
ثم أخذ اللواء جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد فى أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح. قال فى رواية البخارى: ووجدنا ما فى جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية «١» . وفى رواية: أن ابن عمر وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل قال: فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شىء فى دبره «٢» . وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن، وهو عند أبى داود من طريقه عن رجل من مرة قال: والله لكأنى أنظر إلى جعفر بن أبى طالب، حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل «٣» . قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل. فأخذ اللواء ابن أقرم العجلانى، إلى أن اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين. وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة. وقال ابن سعد: إنما انهزم بالمسلمين. وقال ابن إسحاق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة «٤» . ورفعت الأرض لرسول الله- ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم.
وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثنى أبى الذى أرضعنى- وكان أحد بنى مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبى طالب وأصحابه، فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، خرجه البغوى فى معجمه. وقطعت فى تلك الوقعة يداه جميعا ثم قتل، فقال رسول الله- ﷺ: «إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما فى الجنة حيث شاء» «١» ، أخرجه أبو عمر. وفى البخارى عن عائشة- رضى الله عنها-: لما جاء قتل ابن رواحة وابن حارثة وجعفر بن أبى طالب جلس رسول الله- ﷺ يعرف فيه الحزن «٢» . وأخرج الطبرانى بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال: قال لى رسول الله- ﷺ: «هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة فى السماء» «٣» . وعن أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «رأيت جعفر بن أبى طالب يطير مع الملائكة» «٤» ، أخرجه الترمذى والحاكم وفى إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث على عند ابن سعد. وعن أبى هريرة أيضا عن النبى- ﷺ قال: «مر بى جعفر الليلة فى ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم» «٥» ، أخرجه الترمذى والحاكم بإسناد على شرط مسلم. وأخرج أيضا هو والطبرانى عن ابن عباس مرفوعا: دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبى طالب يطير مع الملائكة «٦» .



