— Bagian 23 · قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خ… —
Bagian 23
قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح".
"ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا، به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتى".
"ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل"
"آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، و"أما الظاهران، فالنيل والفرات. ثم رفع إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت".
"بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك".
"ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع".
إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع".
"عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي".
وفي رواية له: "ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه". وفي رواية شريك: فحشى به صدره ولغاديده وهي بلام مفتوحة وغين معجمة، أي عروق حلقه، وفي النهاية: جمع لغدودة: وهي لحمة مشرفة عند اللهاة. والشك في قوله: وربما قال في الحجر من قتادة، كما بينه أحمد بن عفان، ولفظه: "بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر والمراد بالحطيم هنا: الحجر".
ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق بلفظ: "بينما أنا عند البيت" وهو أعم. وفي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة". وفي رواية الواقدي بأسانيده: "أنه أسري به من شعب أبي طالب". وفي حديث أم هانئ -عند الطبراني- أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: "إن جبريل أتاني". والجمع بين هذه الأقوال -كما في فتح الباري- أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لأنه كان يسكنه فنزل منزله الملك، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك فأخرجه من المسجد إلى باب
المسجد، فأركبه البراق، قال: وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع. فإن قيل: لم فرج سقف بيته ﵊ ونزل منه الملك، ولم يدخل من الباب، مع قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] . أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة على جهة الاستقامة، ولم يعرج على شيء سواه، فكان نزوله على السقف مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له ﵊. وهذا بخلاف موسى ﵊، فكانت كرامته بالمناجاة عن ميعاد واستعداد بخلاف نبينا محمد ﷺ فإنه حمل عنه ألم الانتظار، كما حمل عنه ألم
الاعتذار، ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا ﵊ بالنسبة إلى مقام موصى ﵊ مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد، ويحتمل أن يكون توطئة وتميهدًا لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئام السقف على الفور كيفية ما يصنع به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد في بيته، لطفًا في حقه ﵊ وتثبيتًا لصبره، والله أعلم بحقيقة السر. وقوله: مضطجعًا، زاد في بدء الخلق بين النائم واليقظان. وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق، استمر في يقظته. وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضًا فلما استيقظت فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت: يعني أنه أفاق مما كان فيه
يقظته. وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضًا فلما استيقظت فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت: يعني أنه أفاق مما كان فيه
من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي، فالمراد: الإفاقة البشرية من الغمرة الملكية. وقوله: "إذ أتاني آت هو جبريل ﵇"، وفي رواية شريك أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة -أي كانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا- فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما
يرى قلبه وتنام عليه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه ... وقد أنكر الخطابي قوله: قبل أن يوحى إليه ولذلك قال القاضي عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك -يعني هذه- أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، قبل الوحي. انتهى، فقد صرح هؤلاء بأن شريكًا تفرد بذلك. لكن قال الحافظ ابن حجر: في دعوى التفرد نظر، وافقه كثير بن خينس -بالمعجمة ونون مصغرًا- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي له من طريقه. قال: ولم يقع التعيين بين المجيئين،
فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي أو عدد سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط تشنيع الخطابي وغيره بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة. ووقع في رواية ميمون بن سياه -عند الطبراني-: فأتاه جبريل وميكائيل،
ل قال لبواب السماء إذ قال: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة. ووقع في رواية ميمون بن سياه -عند الطبراني-: فأتاه جبريل وميكائيل،
فقال: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤه وهم ثلاثة نفر، وفي رواية مسلم: سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق بي، والمراد بالرجلين: حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، وكان النبي ﷺ نائمًا بينهما. وقوله: "فقد" بالقاف والدال الثقيلة وفي رواية فشق. "من ثغره" بضم المثلة وسكونة الغين المعجمة بعدها، راء الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين. إلى شعرته بكسر الشين المعجمة، أي شعر العانة الشريفة، وفي رواية مسلم: إلى أسفل البطن.
وفي رواية البخاري: إلى مراق البطن. وفي رواية شريك: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته -بفتح اللام وتشديد الموحدة- وهو موضع القلادة من الصدر. وقد أنكر القاضي عياض في "الشفاء" وقوع شق صدره الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي قبل الوحي في بني سعد. ولا إنكار في ذلك -كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلاني ﵀ فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم
في الدلائل، ولكل منها حكمة: فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه المروي عند البزار من حديث ابن عباس، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى حظ الشيطان المباين كالعفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه. وأما شق الصدر عند البعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب
قوي على أكمل الأحوال من التطهير. وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى، والثبوت في المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء الأسماء الحسنى، ولهذا لما لم ينفق لموسى ﵇ مثل هذ التهيؤ لم تتفق له الرؤية، وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل؟!. ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل، لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه ﵇. ثم أن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من
الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك. قال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن قدرة الله تعالى لا يعجزها ممكن، ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده، وليست مربوطة بالعادة إلا حيث شاءته القدرة؛ لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذ النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب وغسل،
لا حيث شاءته القدرة؛ لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذ النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب وغسل،
وقد شق بطنه كذلك أيضًا وهو صغير وشق قلبه وأخرج منه نزغة الشيطان، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي ﵊ شق بطنه في هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة، وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا. انتهى. وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا وتلا للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ [الصافات: ١٠٢] ، ووفي بما وعد الله تعالى، فأكره الله بالثناء على صبره إلى الأبد. ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا ﷺ أشد وأجل؛ لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه، ثم شقه ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر. فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما
انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في دقع المشاق وحمل الآلام. أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منقع اللون أو ممتقع، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق. انتهى. قال القاضي عياض: وأصل "انتقع" صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة. وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شقه عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى. وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد ما
وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شقه عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى. وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد ما
فطم، وأيضًا: فإنه كان منفردًا عن أمه ويتيما من أبيه، واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجهه الشريف وجرح وكسرت رباعيته قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، زاده الله شرفًا وفضلًا. وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب" إنما أتي بالطست؛ لأنه أشهر آلات الغسل عرفًا. فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇ فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟. أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به
في هذه الدار، وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة"، قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊ وإنما كان غيره في السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعت في القلب المبارك. فسوقان الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررنا. انتهى. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك لمن الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم، ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه
الشريعة، ويظهر ههنا مناسبات: منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ومنها أنه لا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه ﵊؛ لأنه من أواني أحوال الجنة، ولا تأكله النار ولا التراب، كما قال ﷺ: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب قلبه ﵊؛ لأنه من أواني أحوال الجنة، وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى وهي ثقل الوحي فيه. انتهى. قلت: قوله: "ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة"، قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري: بأنه تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة. قال السهيلي: وابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهابه
الرجس عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه، فلوضاءته ونقائه وصفاته. انتهى. والمراد بقوله: ملئ حكمة وإيمانًا أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا. والملء يحتمل أن يكون حقيقة وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة
أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا. والملء يحتمل أن يكون حقيقة وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة
تجئ يوم القيامة، كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك. وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس.
وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معاني؛ لأنه ﵇ قال عن الطست: "إنه أتي به مملوءا حكمة وإيمانًا"، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف، والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ، وإنما يملأ الإناء بالأجسام والجواهر، وهذا نص من الشارع ﵊ بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض. والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة، وإنما هي غلبة ظن؛ لأن للعقل -بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق- حدًا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها؛ لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع ﷺ في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة
التي أخبر بها ﷺ فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذي يدرك بالعقل، والحقيقة ما ذكره ﵊ في الحديث. ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه، ثم مثل بمجيء الموت في هيئة كبش أملح، ثم بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات؛ لأنها توزن، ولا يوزن في الميزان إلا جواهر. قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر
واهر. قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر
محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح، ومنهم من يعاينه مثل الشمعة، ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها. ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققًا، حتى يعاين قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من النقصان. فإن قلت: ما الحكمة في شق صدره الشريف ثم ملئه إيمانًا وحكمة، ولم لم يوجد الله تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل به ما فعل؟ أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأنه ﷺ لما أعطي كثرة الإيمان وقوي
التصديق إذ ذاك، أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف في جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له ﵇ قوة الإيمان، من ثلاثة أوجه: بقوة التصديق، والمشاهد، وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل له ﵊ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله ﷿، وعدم الخفو مما سواه. ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان ﵇ في العالمين أشجعهم، وأثبتهم وأعلاهم حالًا ومقالًا. ففي العلوى: كان -كما أخبر ﵇ أن جبريل لما وصل إلى مقامه قال: ها أنت وربك، وهذا مقامي لا أتعداه، فزج به في النور زجة، ولم يتوان ولم
يلتفت، فكان هناك في الحضرة كما أخبر عنه ربه ﷿ بقول: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] . وأما حاله ﵇ في هذا العالم: فكان إذا حمي الوطيس في الحرب ركض بغلته في نحر العدو، وهم شاكون في سلاحهم، ويقول: "أنا النبي لا كذب". ثم إن في العناية بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة، فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة في أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر أو
الفكر إنما هو القلب لا الدماغ، خلافًا للمعتزلة والفلاسفة. وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس ﵊ بماء زمزم، فقيل: لأنه ماء زمزم يقوي القلب ويسكن الروع، قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل به قلبه ﵊ ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت، واستدل شيخ الإسلام السراج البلقيني، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء الكوثر.
قال: لأنه لم يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه، وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس".
وأما قوله ﵊: $"فغسل صدري" فالظاهر أن المراد به القلب كما في الرواية الأخرى، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع الجمع بأن يقال: أخبر ﵊ مرة بغسل صدره الشريف ولم يتعرض لذكر قلبه، وأخبر مرة أخرى بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره، فيكون الغسل قد حصل فيهما معًا مبالغة في تنظيف المحل المقدس، ولا شك أن المحل الشريف كان طاهر مطهرًا، وقابلًا لجميع ما يلقى إليه من الخير، وقد غسل أولًا وهو ﵇ طفل، وأخرج من قلبه نزغة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظامًا وتأهبا لما يلقى هناك، وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا؛ لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام، وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته، فكذلك
وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا؛ لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام، وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته، فكذلك
غسل جوفه الشريف هنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ، فكان الغسل له ﵇ من تعظيم شعائر الله، وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر الله، كما نص عليه بالقول. وأما قوله: " ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا"، وفي رواية عنده في الصلاة ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء. فظاهره: أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء. قال العارف ابن أبي جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء، وقد
جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وكان راكبًا على دابة من ذوات الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان، فكما بسط تعهالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشيهم في الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية، وقد سئل ﵇ حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة كيف يمشون فقال ﵇: "الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم". انتهى. وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا. فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقي في المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به في حديث عن ابن إسحاق
لم يذكر هنا. فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقي في المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به في حديث عن ابن إسحاق
والبيهقي في الدلائل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ويموكن أن يقال: ما وقع هنا اختصار من الراوي، والإتيان بـ"ثم" المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما: الانطلاق والعروج. وحاصله: أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وثابت البناني قد حفظ الحديث، ففي روايته عند مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى به ثم عرج إلى السماء كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكبًا، مع القدرة على طي الأرض له، إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة، في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه بمركوب سني يحمله عليه في
وفادته إليه. وفي كلام بعض أهل الإشارات: لما كان ﷺ ثمرة شجرة الكون، ودرة صدقة الوجود، وسر معنى كلمة "كن" ولم يكن بد من عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها رفعها إلى حضرة قدسه، والطواف بها على ندمان حضرته، أرسل إليه أعزل خدام الملك عليه، فلما ورد عليه قادمًا، وافاه على فراشه نائمًا، فقال له: "قم يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم، قال: "يا جبريل إلى أين"؟ قال: يا محمد ارفع "الأين" من البين، إنما أنا رسول للقدم أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة،
أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعرف، أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمي ذلك الحمى إلا لوصلك، وما روق كأس المحبة إلا لشربك. فقال ﵇: "يا جبريل فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل"؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: يا جبريل هذا لي، فما لعيالي وأطفالي؟ قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٦] ، قال: الآن طاب قلبي ها أنا
ذاهب إلى ربي، ثم قال جبريل: يا محمد إنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك؛ لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبًا، أو استدعوا قريبًا وأرادوا ظهور كرامته واحترامه أرسلو أخص خدامهم وأعز قوامهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه يصل إليه بالخطا فقد وقع بالخطأ، ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا. انتهى. والحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم يكن
على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراء الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، وذكره بقوله: أبيض، باعتبار كونه مركوبًا، أو عطفًا على لفظ البراق. واختلف في تسميته بذلك، فقيل: من البريق، وقال القاضي عياض: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقيل: من البرق؛ لأنه وصف بسرعة السير، ويحتمل أن يكون مشتقًا. ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه -بسكون الراء وبالفاء- أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وقال ابن المنير: يقطع ما انتهى إليه بصره في
خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات. انتهى. وفي حديث ابن مسعود عد أبي يعلى والبزار -كما أفاده في الفتح-: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه". وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: "له جناحان"، قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره.
فتح-: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه". وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: "له جناحان"، قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره.
وعند الثعلبي -بسند ضعيف- عن ابن عباس في صفة البراق: له خد كخد إنسان وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذنب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء. وفي رواية أبي سعد في "شرف المصطفى"، فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل. وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا، ما
ركبك خلق أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقًا، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب وصححه ابن حبان. وذكر ابن إسحاق عن قتادة: أنه لما شمس وضع جبريل ﵇ يده على معرفته وقال: أما تستحيي وذكر نحوه، لكنه مرسل؛ لأنه لم يذكر أنسا. وفي رواية وثيمة عند ابن إسحاق: "نعست حتى لصقت بالأرض فاستويت عليها". في رواية للنسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولًا، وزاد: وكانت تسخر للأنبياء قبله، ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن إسحاق.
وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء، خلاف لمن نفى ذلك، كابن دحية، وأول قول جبريل: "فما ركبك أكرم على الله منه" أي: ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه؟ فيكون مثل قول امرئ القيس: على لاحب لا يهتدي لمناره فيفهم أن له منارًا لا يهتدي له، وليس المراد: إلا أنه لا منار له البتة، فتأمله. وقد جزم السهيلي بأن البراق إنما استصعب عليها لبعد عهد ركوب الأنبياء قبله. قال النووي: قال صاحب مختصر العين، وتبعه صاحب التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى وقد تقدم النقل بذلك. قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء.
نبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى وقد تقدم النقل بذلك. قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء.
انتهى، فليتأمل فإنه ليس فيه فربطته التي تربطه بها الأنبياء، وإنما قال: تربط بها الأنبياء وسكت عن ذكر المربوط ما هو؟ فيحتمل -كما قال ابن المنير- أن يكون غير البراق، ويحتمل أن يريد ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي تمسكهم بها، ويكون من جنس العروة الوثقى، انتهى. ولكن وقع التصريح بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي ولفظه: "فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه". وقد وقع عند ابن إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء أيضًا: "فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة". وفي مغازي ابن عائذ، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: البراق هي الدابة التي كان يزور إبرهيم عليها إسمعيل، وعلى ذلك فلا يكون ركوب
البراق من خصائصه ﷺ. نعم قيل: ركوبه مسرجًا ملجمًا لم يرو لغيره من الأنبياء ﵈. فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟ أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا: إنه لم يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد إن قلنا: إنه ركب قبله. ويحتمل أن يكون استصعابه تيها وزهوًا بركوبه ﷺ وأراد جبريل "أبمحمد تستعصب"؟ استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما تاه زهوًا لمكان الرسول ﵇ منه، ولهذا قال: فارفض عرقًا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبريًا
من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب، ومثل هذا رجفة الجبل به حتى قال: "أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب. وكذا البراق لما قال له جبريل: اسكن فما ركبك أحد أكرم على الله منه أقر فاستقر وخجل من ظاهر الاستصعاب، وتوجه الخطاب فعرق حتى غرق. ووقع في حديث حذيفة عند الإمام أحمد قال: أتي رسول الله ﷺ بالبراق فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس، وهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ﷺ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاده، ويحتمل أن يكون قوله: "هو وجبريل" متعلقًا مرافقته في السير، لا في الركوب. وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق بمرافقته في السير، لا في الركوب، وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك؛ لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي ﷺ فلا مدخل لغيره فيها.
وقد تعقب الحافظ ابن حجر التأويل المذكور: بأن في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفًا له، وفي رواية الحارث في مسنده: أتي بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما، فهذا صريح في ركوبه معه، والله أعلم. انتهى. وقد وقع غير هذه الرواية بيان ما رآه في ليلة الإسراء، فمن ذلك: ما وقع في حديث شداد بن أوس -عند البزار والطبراني، وصححه البيهقي في الدلائل- أنه أول ما أسري به مر بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل
فصل، فصلى، فقال له: أتدري أين صليت؟ صليت بيثرب، ثم مر بأرض بيضاء فقال: انزل فصل، فصلى، فقال له جبريل: صليت بمدين، ثم مر ببيت لحم فقال له جبريل: انزل فصل، فصلى، فقال صليت حيث ولد عيسى.
صليت بيثرب، ثم مر بأرض بيضاء فقال: انزل فصل، فصلى، فقال له جبريل: صليت بمدين، ثم مر ببيت لحم فقال له جبريل: انزل فصل، فصلى، فقال صليت حيث ولد عيسى.
وفي حديث أنس عند البيهقي في الدلائل: لما جاء جبريل بالبراق إليه ﷺ فكأنها أصرت أذنيها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فوالله ما ركبك مثله، فسار رسول الله ﷺ فإذا هو بعجوز على جنب الطريق، فقال: "ما هذه يا جبريل"؟ قال: سر يا محمد، فسار ما شار الله أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه منحنيًا متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر، وأنه مر بجماعة فسلموا عليه فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: أردد ﵈، فرد، الحديث، وفي آخره فقال له جبريل: أما العجوز التي رأيت جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز،
والذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، أما لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، قال الحافظ عماد الدين بن كثير: في ألفاظه نكارة وغرابة. وفي رواية: أنه ﷺ مر بموسى ﵇، وهو يصلي في قبره، قال أنس: ذكر كلمة فقال: أشهد أنك رسول الله، ولا مانع أن الأنبياء ﵈ يصلون في
قبورهم؛ لأنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [ألاعراف: ١٦٩] ، فهم يتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر، وسيأتي الإشارة إلى ذلك في حجة الوداع إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار: أنه ﵊ مر علي قوم يزرعون ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون، في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ
ريل: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون، في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ
رؤسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام، يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم، قال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من
النيئ الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبا، فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت عنده حتى تصبح، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، قال: ثم أتى على
جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: رب آتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي، ومراكبي، وعسلي
ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي شيئًا، ولم يتخذ من دوني أنددًا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جازيته، ومن توكل علي كفيته، إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحا منتنة فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل
مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس. وفي رواية أبي سعيد عند البيهقي: "دعاني داع عن يميني: انظرني أسألك، فلم أجبه، ثم دعاني آخر عن يساري كذلك فلم أجبه، وفيه: إذا امرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه أن جبريل قال له: أما الداعي الاول فهو داعي اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك، وأما الثاني فداعي النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا، وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون، قال
المرأة فالدنيا، وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون، قال
"يا جبريل: ما هذا"؟ قال جبريل: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام، وفيه: أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر، وأن جبريل قال له: هم أكلة الربا، وأنه مر بقوم مشارفهم كالإبل يلتقمون حمرًا، فيخرج من أسافلهم، وأن
جبريل قاله له: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، وأنه مر بنساء يعلقن بثديهن وأنهن الزواني، وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون، وأنهم الغمازون اللمازون.
وفي حديث أبي هريرة -عند البزار والحاكم- أنه ﷺ صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أتي هناك بأرواح الانبياء فأثنوا على الله، وفيه قول إبراهيم: لقد فضلكم محمد. وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس: ثم بعث له آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة. وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى: ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم وموسى وعيسى. وفي رواية أبي سملة ثم حانت الصلاة فأممتهم، أخرجه مسلم.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط: ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدًا ﷺ. وفي رواية ثابت البناني عن أنس عند مسلم قال: "فربطته"، يعني البراق، بالحلقة -وهي بإسكان اللام على الأشهر- التي تربط به الأنبياء بتذكير الضمير، إعادة على معنى الحلقة وهو الشيء، والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، قاله صاحب التحرير- قال ﵇: "ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم
"خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة". أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم ونشز العظم،
ت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة". أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم ونشز العظم،
واخترته؛ لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام بخلاف الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر. وقال النووي: المراد بالفطرة هنا، في قول جبريل: أخذت الفطرة الإسلام والاستقامة، قال: ومعناه -والله أعلم-: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طارهًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة الأنواع الشر في الحال والمآل. انتهى.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لكون أول شيء يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي ﷺ إليه دون غيره لكونه مألوفًا له أولًا، انتهى. وإذا كانت الخمرة مباحة؛ لأنها إنما حرمت بالمدينة والإسراء كان بمكة، فما وجد تعيينه ﵇ لأحد المباحين، وما وجه عد ذلك صوابًا وعد الآخر خطأ، وهما سواء في الإباحة؟ فيحتمل أن يكون توقاها تورعًا وتعريضًا بأنها ستحرم، وأنه لما وافق الصواب في علم الله تعالى قال له جبريل: أصبت الفطرة، أو أصبت أصاب الله
بك، كما رويا، وإن قلنا: أنها كانت من خمر الجنة، فيكون سب تجنبها صورتها ومضاهاتها الخمر المحرمة، أي في علم الله تعالى، وذلك أبلغ في الورع. ويستفاد منه: أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره، ولو ماء قراحًا، وضاهى به الخمر في الصورة وهيأه في الهيآت التي يتعاطاها أهل السماعات الشهوات من الاجتماعات فقد أتى منكرًا، وإن كان لا يحد عليه، قاله ابن المنير.
وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن بمكة المشرفة وجدة وغيرهما من ماء قشر اللبن ويسمونه بالقهوة، وهو اسم من أسماء الخمر. وفي حديث ابن عباس -عند أحمد-: فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين في أحدها لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن. وفي رواية البزار: بثلاث أوان، وأن الثالث كان خمرًا، وأن ذلك وقع ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل. وفي حديث شداد بن أوس: "فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني
"من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، ثم هداني الله فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدي -يعني لجبريل-: أخذ صاحبك الفطرة". وقد كان إتيانه بالأواني مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة. وممن صرح بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير، وعلى هذا فيكون
تكرار جبريل ﵇ بالتصويب حيث اختار اللبن تأكيدًا للتحذير مما سواه. وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال: يحدثون أنه ربطه، أخاف أن يفر منه، وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ وكذا أنكر حذيفة أيضًا صلاته ﵇ ببيت المقدس. وتعقبه البيهقي وابن كثير: بأن المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفي ذلك، فهو أولى بالقبول.
ووقع في رواية بريدة عند البزار: "لما كان ليلة أسري بي، فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها، فشد البراق"، ونحوه للترمذي. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "حتى أتيت ببيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء ترطبها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس،
نحوه للترمذي. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "حتى أتيت ببيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء ترطبها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس،
فصل كل واحد منا ركعتين. وفي رواية ابن مسعود نحوه، وزاد: "ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم". وفي حديث ابن مسعود أيضًا -عند مسلم-: "وحانت الصلاة فأممتهم". وفي حديث ابن عباس، عند أحمد: لما أتى ﷺ الأقصى قام يصلي، فإذا
النبيون أجمعون يصلون معه. وفي حديث أبي سعيد: "ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا
معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم. فقال إبراهيم ﵇: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردًا وسلامًا.
ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد الله الذي كلمني تكليمًا، واصطفاني، وأنزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون. ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير وآتاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد الله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والجن، والطير وآتاني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل لي ملكًا طيبًا ليس علي فيه حساب.
ق الطير وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والجن، والطير وآتاني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل لي ملكًا طيبًا ليس علي فيه حساب.
ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعلني مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال: وإن محمدًا ﷺ على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه وأنا أثني على ربي: فأٌول الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا
"ونذيرًا، وأنزل علي الفرقان، فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطًا، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا".
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء، ذكره القاضي عياض في "الشفاء" مختصرًا من حديث أبي هريرة من غير عزو. ورواه البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري، وهذا لفظه.
وفي رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس: لما بلغ بيت المقدس، فبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به فغمز جبريل بأصبعه فثقبه ثم ربطها، ثم صعدا، فلما استويا في سرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: "نعم"، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة
"فسلم عليهن: قال: فسلمت عليهن فرددن علي السلام، فقلت: لمن أنتن؟ ققلن: خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرًا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل ﵇ بيدي فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبريل: أتدري من صلى خلفك؟ قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله". قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ﷺ صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعد منهم إلى السماء من ذكر أنه ﵇ رآه في السماوات ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا، والأظهر أن
صلاته بهم في بيت المقدس كان قبل العروج. انتهى. وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قبل العرج وبعده، فإن في الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى. وقد اختلف في هذه الصلاة، هل هي فرض أو نفل؟ وإذا قلنا: إنها فرض، فأي صلاة هي؟ قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وأما على قول من قال:
ي صلاة هي؟ قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وأما على قول من قال:
صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح. قال ابن كثير: ومن لناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، والظاهر أنه بعد رجوعه إليهم؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل من يسأل جبريل عنهم واحدًا بعد واحدًا، وهو يخبره بهم، ثم قال: وهذا هو اللائقق؛ لأنه أولًا كان مطلوبًا إلى الجناب العلوي، ليفرض الله عليه وعل أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه عليهم بتقدمه في الإمامة. وفي رواية ابن إسحاق: أنه ﵇ قال: "لما فرغت مما كان في بيت
"المقدس، أتي بالمعراج، ولم أر قط شيئًا أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت عينيه إذا احتضر، فأصعدني صاحبي جبريل فيه حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء". وفي روياة كعب: "فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل". وفي "شرف المصطفى" أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه منضد باللؤلؤ عن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة. وفي رواية أبي سعيد -عند البيهقي- "ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق
"بصره طامحًا إلى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج". وقد تقدم في حديث البخاري السابق: "فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاسفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم". ولم يقل جبريل ﵇: أنا، حيث قال له: من هذا؟ إنما سمى نفسه فقال: جبريل؛ لأن لفظ "أنا" فيه إشعار بالعظمة، وفي الكلام السائر: أول من قال: "أنا" إبليس فشقي، وأيضًا فقوله: "أنا" مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان. وعلى هذا ف ينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟ لا يقول: "أنا"، بل
فشقي، وأيضًا فقوله: "أنا" مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان. وعلى هذا ف ينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟ لا يقول: "أنا"، بل
يقول: فلان. وفي رواية للبخاري ومسلم: فعرج، وهو بفتح العين بمعنى صعد. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، وعليه مالك يقال له: إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك.
وفي رواية شريك -عند البخاري أيضًا- ثم عرج به إلى سماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل سماء الدنيا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلًا، فيستبشر به اهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، أي على لسان من شاء كجبريل. ووقع في هذه الرواية أيضًا أنه رأى في سماء الدنيا النيل والفرات عنصرهما. وظاهرها يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: وإذا في أصلها أربعة أنهار. ويجمع بينهما: بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
ووقع في هذه الروياة أيضًا: ثم مضى به في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، وأنه الكوثر. وهو مما استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر من الجنة، والجنة فوق السماء السابعة، ويحتمل أن يكون تقديره: ثم مضى في سماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر. ثم إن قوله في الحديث: "استفتح" دلالة على أنه صادف أبواب السماء مغلقة، والحكمة في ذلك -والله أعلم- التنويه بقدره ﵇، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة لم يتحرر أنها فتحت
لأجله، فلما فتحت له تحقق غليه السلام أن المحل مصون، وأن فتح له كرامة وتبجيل. وأما قوله في الحديث: "أرسل إليه"؟ وفي رواية وقد "بعث إليه"؟ فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله: "إليه"؛ لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى. وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن من الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. قيل: إن الله تعالى أراد أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى،
لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب. وأما قوله: "من معك"؟ فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوي كزيادة أنوارها ونحوه، قاله الحافظ ابن حجر. ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في "بهجته": الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من
حجر. ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في "بهجته": الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من
المآثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك؟ فأخبرهم بما أردوا وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى. وقد قال بعض العلماء: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة. وأما قولهم له: "مرحبًا به ولنعم المجيء جاء" فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك،
بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياة قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن "هاء" الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب. وأما قوله في الحديث: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت: لجبريل: "من هذا"؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن
يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. فالأسودة: بوزن أزمنة، مفرد سواد، هي الأشخاص. والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح. وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟
تين جمع نسمة، وهي الروح. وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟
وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي ﷺ ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . واعتراض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن. والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها -وهو في السماء- أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها. وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن
شماله حزن، وهذا -لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر.
وأما قوله في الحديث: "ثم صعد بي، حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردًا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد
"السلام وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح". فهذه الرواية موافقة لروية ثابت عن أنس عن مسلم: أن في السماء الأولى؛ آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم. وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر -كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا- أنه لم يثبت كيف منازلهم، وقال فيه: وإبراهيم في السماء السادسة. وفي رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، بتفضيل
كلام الله تعالى، وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا كما صرح به الزهري. ورواية من ضبط أولى، لا سيما من اتفاق، قتادة وثابت، وقد وافهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلا أنه خالف في إدريس وهارون فقال: "هارون في الرابعة، وإدريس في الخامسة". ووافقهم أبو سعيد الخدري إلا أن في روايته: يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة. والمشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة: بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور.
فمع التعدد: فلا إشكال. ومع الاتحاد فقد جمع: بأن موسى كان حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط: كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى ﵇، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات. ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا
لهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات. ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا
له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، قاله في فتح الباري، وقال: إن النووي أشار إلى شيء من ذلك. وفي رواية شريك عن أنس في قصة موسى: "لم أظن أن أحدًا يرفع علي". قال ابن بطال: فهم موسى ﵊ من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدًا ﵊ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك.
وفي حديث أبي سعيد قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني، زاد الأمور في روايته: ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله. وفي حديث مالك بن صعصعة: "ولما جاوزته -بقي موسى- يبكي، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي". ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان اسفًا على ما فاته من
الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا ﷺ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباه الرحماء"، والأنبياء
الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا ﷺ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباه الرحماء"، والأنبياء
عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى ﵊ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة. فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيهم قد مر ونفذ. قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدرًا وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى ﵊ من اللطف ...
والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يحلق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم وقد قال نبينا ﷺ: "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله"، وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت
القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم. وفي بكائه ﵊ وجه آخر، وهو البشارة لنبينا ﷺ، وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه السلاة والسلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر مما يدخلها من أمتي. وأما قول موسى ﵊: لأن غلامًا ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه. وفي القاموس: الغلام، الطار الشارب، والكهل ضد. وقال الخطابي: العرب تسمي الرجال المستجمع السن غلامًا، ما دامت فيه
بقية من القوة في الكهولة. قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا ﵇ من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفًا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه ﵇ في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم. انتهى. وقد ذكرت ذلك في الهجرة من المقصد الأول.
وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري في ذكر إبراهيم: "فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي". وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذ هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، إلى يوم القيامة وفيه، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي
ا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذ هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، إلى يوم القيامة وفيه، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي
شطر الحسن. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري: "فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب". وهذا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى
الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا"، فعلى هذا يحتمل حديث المعراج على أن االمراد غير النبي ﷺ ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ. وأما قوله في الحديث عن إدريس: ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح فيحمل على أخوة النبوة والإسلام؛ لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح، وهذه هي القياس؛ لأنه جده الأعلى.
وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس، فإن كان كذلك ارتفع الإشكال. فإن قلت: لم يكن هؤلاء الانبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟ وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟ ولم كان في السماء الثانية بخصوصها اثنان؟ أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقاة
نبينا ﷺ فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته. وقيل: إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه، من مظير ما وقع لكل منهم: فأما آدم ﵇ فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع لنبينا ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه.
وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه. وبيوسف، على ما وقع له مع إخوته على ما وقع لنبينا ﷺ من قريش، من
وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه. وبيوسف، على ما وقع له مع إخوته على ما وقع لنبينا ﷺ من قريش، من
نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار عغليه السلام إلى ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: كما قال يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أي العتقاء.
وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى. وبهارون إذ رجع قومه إلى محبته بعد إن آذوه.
وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك ﵊ بقوله: " لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور، بما ختم الله له ﷺ في آخر عمره من إقامة نسك الحج، وتعظيم البيت الحرام.
وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء: بأن الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء،
وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة. وأما عيسى فإنما كان في السماء الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء إلى النبي ﷺ ولا انمحت شريعة عيسى ﵇ إلا بشريعة سيدنا محمد ﷺ؛ ولأنه ينزل في آخر الزمان لأمة محمد ﷺ على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال ﵇: "أنا أولى الناس بعسيى"، فكان في الثانية لأجل هذا المعنى. وإنما كان يحيى ﵇ معه هناك؛ لأنه ابن خالته، وهما كالشيء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا.
وإنما كان يوسف ﵇ في السماء الثالثة؛ لأن على حسنه تدخل أمة النبي ﷺ الجنة، فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له ﵇ فيسر بذلك. وإنما كان إدريس ﵇ في السماء الرابعة؛ لأنه هناك توفي ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر. وإنما كان هارون عليه الئلام في السماء الخامسة؛ لأنه ملازم لموسى عليه
السلام، لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى، وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة؛ لأن لموسى مزية وحمرة وهي كونه كليمًا واختص بأشياء لم تكن لهارون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه. وإنما كان موسى في السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل؛ ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء أتباعًا بعد نبينا ﷺ. وإنما كان إبراهيم ﵊ في السماء السابعة؛ لأنه الخليل والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي ﵇ بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وهو اختراق الحجب، وأيضًا؛ لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص مما زاد به عليهم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ
فوق الكل لأجل ما اختص مما زاد به عليهم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ
بَعْضَهُمْ دَرَجَات﴾ [البقرة: ٢٥٣] فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة، والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعًا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول، انتهى فليتأمل. وقد اختلف في رؤية نبينا ﷺ لهؤلاء الأنبياء ﵈، فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك. وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل: الأجساد بأرواحها.
وقيل: يحتمل أن يكون ﵇ عاين كل واحد منهم في قبر في الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله ﷿ قد أعطاه من القوة في البصرة، والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له رؤيته ﵊ رآهما من ذلك الموضع، أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما. وقيل: يحتمل أن يكون الله ﷾ لما أراد بإسراء نبينا، رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكرامًا لنبيه ﵇ وتعظيمًا له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن.
وكل هذه الوجوه محتملة، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى. وأما قوله في الحديث: "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال
هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران فقلت: وما هذا يا جبريل: قال: أما الباطنان فنهران في
الجنة"، وأما الظاهران: فالنيل والفرات. وفي رواية عند البخاري أيضًا: "فإذا في أصلها -أي سدرة المنتهى- أربعة أنهار". وعند مسلم: "يخرج من أصلها". وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة: "أربعة أنهار من الجنة، النيل والفرات وسيحان وجيحان". فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة. ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في التوحيد: أنه رأى في سماء



