— Bagian 29 · لفظ. —
Bagian 29
لفظ. وقد اعترض بعض الملحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَم
يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له ﷺ العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لاسيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم
يفسده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه شرب منه أولًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى. وفي قوله ﷺ: "كذب بطن أخيك" إشارة إلى أن هذا الدواء، نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها. وقال بعضهم: إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر.
وقال ابن الجوزي: في وصفه ﷺ العسل لهذا المسهل أربعة أقوال: أحدها: أن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله ﷺ: صدق الله، أي في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله تعالى. الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها. الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره.
لله تعالى. الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها. الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره.
الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغ، فلعله شربه أو لا بغير طبخ، انتهى. والثاني والرابع ضعيفان. ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم بالشفاءين العسل والقرآن أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر علي: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئًا من صداقها درهمًا فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئًا مريئًا مباركًا، أخرجه
ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن. وروينا عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلًا فليشربه فإنه شفاء. قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أي من وجوه: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ [النحل: ٦٩] .
..................
[ذكر طبه ﷺ من يبس الطبيعة] : بما يمشيه ويلينه روى الترمذي وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله ﷺ: "بماذا كنت تستمشين؟ " قالت: بالشبرم، قال: حار حار ثم قالت: استمشيت بالسنى فقال النبي ﷺ: "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى"، قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكره البخاري في
تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذي. وذكر أبو محمد الحميدي في كتاب "الطب" النبوي له أنه ﷺ قال: "إياكم والشبرم فإنه حار حار، وعليكم بالسنى فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفعه السنى". وحكى عبد الحق الإشبيلي في كتاب "الطب" له أن المحاسبي ذكر في كتابه المسمى بـ"المقصد والرجوع إلى الله تعالى" أن النبي ﷺ شرب السنى بالتمر. وفي سنن ابن ماجه، من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن حرام، وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين يقول
شرب السنى بالتمر. وفي سنن ابن ماجه، من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن حرام، وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين يقول
سمعت رسول الله ﷺ يقوله: "عليكم بالسنى والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام"، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: "الموت". قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وأما السنى، فهو نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس
السوداوي. قال الرازي: السنى والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوات، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطًا سودًا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرماني، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل: إنه الشبت، وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي: يخلط السنى مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا، لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال.
[ذكر طبه ﷺ للمفؤود] : وهو الذي أصيب فؤاده بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون. روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: "إنك رجل مفؤود، فائت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلد بهن الفؤاد".
وهذا الحديث من الخطاب العام الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم. و"اللدود": ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجزة، وفي كونها سبعًا خاصية أخرى تدرك بالوحي. وفي الصحيحين "من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره
لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجزة، وفي كونها سبعًا خاصية أخرى تدرك بالوحي. وفي الصحيحين "من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره
ذلك اليوم سم ولا سحر".
.....................................................
[ذكرطبه ﷺ لداء ذات الجنب] : في البخاري مرفوعًا: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، ومنها ذات الجنب". وفي الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال ﷺ: "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت".
واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا. فالأول هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض، الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري.
ويقال لذات الجنب أيضًا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا الثاني؛ لأن القسط وهو العود الهندي هو الذي يداوي به الريح الغليظة. وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي أنه قال: العود حار يابس قابض، محبس للبطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة.
[ذكر طبه ﷺ لداء الاستسقاء] : عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ. فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال ﷺ: "لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها"، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا الله
ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا. رواه الشيخان.
واعلم أن الاستسقاء مرض مادي، سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها، وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن، بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائية ردية يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء في الزق، وهو أرادأ أنواعه عند أكثر الأطباء. وطبلي: وهو الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل. وإنما أمرهم ﵊ بشرب ذلك؛ لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد، إذا كان أكثر رعيها الشيخ والقيصوم
والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصًا إذا استعمل بحراراته التي يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن. وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج في المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
ذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
ففعله فبرئ. ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودرهمان شونيز، ومثلهما أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ. ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم ومن خزامي درهمين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقي يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم
ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه ﵊ بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح. والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن﴾ إلى آخر السورة. وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
قي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيه عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء. ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية والزيت المرقي، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقًَّا ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق؛ ففعله فبرئ. وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه فرأى الشيخ النبي ﷺ في النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ، انتهى. وهذا وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك.
[ذكر طبه ﷺ من داء عرف النسا] : وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه. وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء". رواه ابن ماجه. وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم؛ لأن
هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال. والإلية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها؛ لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيخ والقيصوم ونحوهما، وهذا إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها، بعد أن تلطفه تغذية، وتكسبها مزاجًا ألطف منها ولا سيما الإلية.
[ذكر طبه ﷺ من الورم] : والخراجات بالبط والبزل، يذكر عن علي ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله، بهذه معدة فقال: "بطوا عنه"، قال علي: فما برحت حتى بطت، والنبي ﷺ شاهد.
[ذكر طبه ﵊ بقطع العروق والكي جميعًا] : روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه. وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، جسمه النبي ﷺ. وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة في
زمن النبي ﷺ. وعند الترمذي: أنه ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت فعاد. وفي رواية: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي، يعني تسليم الملائكة. وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران: نهى رسول الله ﷺ عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث.
كان انقطع عني رجع إلي، يعني تسليم الملائكة. وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران: نهى رسول الله ﷺ عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث.
وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي الذي لا تنقطع مادته إلا به، ولهذا وصفه ﷺ ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولذا كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي. والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كي
الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق. وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولهذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. وقال بعضهم: إنما نهى ﷺ عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي ﷺ اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبري أن النبي ﷺ اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر: والثابت في الصحيح في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. انتهى.
ذكر طبه ﷺ من الطاعون: قال الخليل بن أحمد: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، وقال القاضي أبو
ﷺ من الطاعون: قال الخليل بن أحمد: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، وقال القاضي أبو
بكر بن العربي: الطاعون المرض الغالب الذي يطفئ الروح، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك. وقال النووي في تهذيبه: هو بئر وورم مؤلم جدًّا يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد. وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند الأربية، وسببه ورم رديء: يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو، ويغير ما يليه،
ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحصل القيء والغثيات والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جواهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده. والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونًا بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت. والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى
أرض الوباء. والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم تتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارح، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو مثلهم في مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد لا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب بقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك. منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه
ذا في الغالب بقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك. منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه
قال: سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: "هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة". قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع في الألسنة، وهو في النهاية تبعًا لغريبي الهروي بلفظ "وخز إخوانكم" ولم أره بلفظ "إخوانكم" بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم. انتهى.
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا
سمعت به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه".
وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا. منها: أن الطاعون يكون في الغالب عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل. ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره، أو الكبر حيًّا وميتًا. وأيضًا: فلو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء. وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه. وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر
لوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه. وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر
البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا يسلم غالبًا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لبقي المرض لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم. ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج
لهذه النكتة. ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه. وقال العارف بن أبي جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب.
وقال ابن القيم: جمع ﷺ للأم في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشدنا الله إليها، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية والمؤذية، وأما نهيهه عن الخروج من بلده ففيه معنيان. أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا.
والثاني: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.
[ذكر طبه ﷺ من السلعة] : أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي عن شرحبيل الجعفي قال: أتيت رسول الله ﷺ وبكفي سلعة، فقلت: يا رسول الله هذه السلعة قد أذتني، تحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث في كفي، ووضع كفه على السلعة
فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها. ومسح ﷺ وجه أبيض بن جمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر، رواه البيهقي وغيره.
[ذكر طبه ﷺ من الحمى] : روى البخاري من حديث مالك عن النبي ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد". واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم
المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة. وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم، تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. قوله "فأطفئوها" الحمى حظ المؤمن من النار.
وفي رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول الله ﷺ: "إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" بهمزة وصل والراء مضمومة
على المشهور وحكي كسرها الراء. وفي رواية ابن ماجه بالماء البارد. وفي رواية همام عن أبي جمرة عند البخاري، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم"، شك همام. قال ابن القيم: قوله "بالماء" فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو
زم، فإن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم"، شك همام. قال ابن القيم: قوله "بالماء" فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو
الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبي جمرة هذا، وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ إذ هو متيسر عندهم، وأمر غيرهم بما عندهم من المياه، انتهى. وتعقب: بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام: فأبردوها بماء زمزم ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم. قال ابن القيم: واختلف من قال: إنه على عمومه: هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال إن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى. ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا، انتهى. وقال الخطابي وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن
قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار ويعكس الحرارة التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف. وقد غلط بعض من ينسب إلى العمل، فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولًا سيئًا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث. والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولًا: من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلًا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده عليه الصلاة
الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده عليه الصلاة
والسلام استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهذا كله وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت الصديق ﵂: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي، ولا سيما مثل أسماء التي كانت تلازم بيت النبي ﷺ أعلم بالمراد من غيرها. وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس رفعه: "إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر". وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل
حتى إن المريض يكون الشيء دواء له في ساعة فيصير داء له في الساعة الأخرى التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلًا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف، وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي أطلع عليه النبي ﷺ بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب. وجعل ابن القيم خطابه ﷺ في هذا الحديث خاصًّا لأهل الحجاز وما والأهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة عن شدة حرارة الشمس. قال: وهذا ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا؛ لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق
إلى جميع البدن وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم، لا تقلع غالبًا في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها. وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس: لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس: لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
وقد تكرر في الحديث استعماله ﷺ الماء البارد في علته، كما في الحديث: "صبوا علي من ماء سبع قرب لم تحلل أوكيتهن" وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سيرة يرفعه "الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد". وكان رسول الله ﷺ إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل، وصححه الحاكم، ولكن قال: في إسناده راو ضعيف. وعن أنس يرفعه: "إذا حم أحدكم فليسن على رأسه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال". رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب.
وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: "الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء". قال: ففعلوا فذهب عنهم الحمى. وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته،
وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله". قال الترمذي: غريب، وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
[ذكر طبه ﷺ من الحكة وما يولد القمل﴾ : لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري عن قتادة أن أنسًا حدثهم أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف
والزبير بن العوام في قميص من حرير من حكة كانت بهما. وفي رواية أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكيا إلى النبي ﷺ -يعني القمل- فأرخص لهما في لبس الحرير، قال فرأيته عليهما في غزاة. وفي رواية رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في الحرير. وفي رواية رخص، أو رخص لحكة كانت بهما.
ي لبس الحرير، قال فرأيته عليهما في غزاة. وفي رواية رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في الحرير. وفي رواية رخص، أو رخص لحكة كانت بهما.
ويحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، أو أن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى المسبب. قال النووي: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكان للقمل وما في بمعنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى. وتعقب قوله: "لما فيه من البرودة" بأن الحرير حار.
والصواب: أن الحكمة فيه إنما هي لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل. وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسميته إياه. وقال الرازي: الأبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، ويربي اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتاب باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير لبس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة؛ لأن الحكة -كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص ﵊ لهما في لباس الحرير لمداواة الحكة.
[ذكر طبه ﷺ من السم الذي أصابه بخيبر] : تقدم في غزوتها قصة اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبي ﷺ شاة مصلية بخيبر، فقال: "ما هذه"؟ فقالت: هدية، وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل. فأكل النبي ﷺ وأكل أصحابه، ثم قال: "أمسكوا"،
ثم قال للمرأة: "هل سميت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم"، لساقها، وهو في يده، قالت: نعم، قال: "لِم"؟ قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك والناس، وإن كنت نبيا لم يضرك. قال: فاحتجم النبي ﷺ ثلاثا على كاهله. وقد ذكروا في علاج السم أن يكون بالاستفراغات والأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء
الكلي، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا، فإن القوة السمية تسري في الدم، فتبعثه في العروق والمجاري، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه. ولما احتجم ﷺ احتجم على الكاهل؛ لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.
قلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.
فهرس الجزء التاسع: من شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني الفهرس ... فهرس الجزء الناسع: من شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني الفهرس: ٣ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ٥٨ المقصد السابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه ٥٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ١٥٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ٢٣٩ الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه ﵊ ٣٢٩ المقصد الثامن في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ٣٣٢ الفصل الأول في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ٣٦٦ النوع الأول في طبه ﷺ بالأدوية الإلهية ٤٠٥ ذكر طبه ﷺ من الفزع والأرق المانع من النوم ٤٠٦ ذكر طبه ﵊ من مر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى ٤٠٩ ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب ٤٢٧ ذكر طبه ﷺ من داء الفقر ٤٢٨ ذكر طبه ﷺ من داء الحريق ٤٣١ ذكر ما كان ﵊ يطب به من داء الصرع ٤٣٤ ذكر دوائه ﷺ من داء السحر ٤٥٣ ذكر رقية تنفع لكل شكوى ٤٥٤ رقيته ﷺ من الصداع ٤٥٥ رقيته ﷺ من وجع الضرس ٤٥٦ رقية لعسر البول ٤٥٧ رقية الحمى ٤٦٤ ذكر ما يقي من كل بلاء ٤٦٥ ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء ٤٦٧ ذكر دواء داء الطعام ٤٦٩ النوع الثاني في طبه ﷺ بالأدوية الطبيعية ٤٧٤ ذكر طبه ﷺ للرمد
٤٨١ ذكر طبه ﷺ من العذرة ٤٨٦ ذكر طبه ﷺ لداء استطلاق البطن ٤٩٤ ذكر طبه ﷺ من يبس الطبيعة ٤٩٨ ذكر طبه ﷺ للمفئود ٥٠١ ذكر طبه ﷺ لداء ذات الجنب ٥٠٥ الاستسقاء ٥١١ ذكر طبه ﷺ من داء عرق النسا ٥١٢ ذكر طبه ﷺ في الورم ٥١٣ ذكر طبه ﵊ بقطع العروق والكي جميعا ٥١٧ ذكر طبه ﷺ من الطاعون ٥٢٨ ذكر طبه ﷺ من السلعة ٥٢٩ ذكر طبه ﷺ من الحمى ٥٤٠ ذكر طبه ﷺ من الجنة وما يولد القمل ٥٤٤ ذكر طبه ﷺ من السم الذي أصابه بخيبر
المجلد العاشر تابع المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات تابع الفصل الأول: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ... ﷽ تابع المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات تابع الفصل الأول: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات النوع الثالث: في طبه ﵊ بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية: "ذكر طبه ﵊ من القرحة والجرح وكل شكوى": عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول للمريض: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا". وفي رواية أنه ﷺ كان يقول في الرقية: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا". رواه البخاري. وفي رواية مسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث.
وقوله: "تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا. وقوله: "يشفى سقيمنا" ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية. قال النووي: معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح. وقال القرطبي: زعم بعض علمائنا أن السر في أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.
ب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.
وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله ﷺ وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة. وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها. وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان
الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. وقال النووي: قيل المراد "بأرضنا" أرض المدينة لبركتها، و"بعضنا" ريق رسول الله ﷺ لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه وفيه نظر. وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي: أنه ﷺ دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: "اكشف الباس رب الناس"، ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه، قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي.
"ذكر طبه ﷺ من لدغة العقرب": عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله ﷺ وقال: "لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره"، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى ﷺ من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع
ح، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى ﷺ من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع
بماء فيه ملح. وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة التي هي مجامع التوحيد، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصى ﷺ عقبة بن عامر أن يقرأ بهما عقب كل صلاة. رواه الترمذي. وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها. وقال: "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما". وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل ﷺ الماء والملح لذلك.
"ذكر الطب من النملة": وهي بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. وفي حديث مسلم عن أنس أنه ﷺ رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة.
وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي ﷺ وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها عليه، فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة.
"ذكر طبه ﵊ من البثرة": روى النسائي عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال لها: "عندك ذريرة؟ " فقلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: "اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عني". فطفئت.
"ذكر طبه ﵊ من حرق النار": روى النسائي عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي إلى النبي ﷺ، فقال: "أذهب الباس رب الناس"، وأحسبه قال: و "اشف أنت الشافي" ويتفل.
"ذكر طبه ﷺ بالحمية": وهي قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله. فالأولى: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد، وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فحمى المريض من استعمال الماء
لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد. وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية. والحمية للصحيح عندهم في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض. والفاكهة تضر بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر، فقال: "ادن وكل". فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد"؟. فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ. ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.
: "أتأكل تمرا وبك رمد"؟. فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ. ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.
وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه علي، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله ﷺ يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق النبي ﷺ يقول لعلي: "إنك ناقه"، حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال ﷺ لعلي: "من هذا فأصب فإنه أنفع لك"، رواه ابن ماجه. وإنما منعه ﷺ من أكله من الدوالي لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء لكي تمنع تزايده وانتشاره. وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع
من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء, ولهذا أقر النبي ﷺ صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففي هذا الحديث -يعني حديث صهيب- سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك العكس.
"ذكر حمية المريض من الماء": عن قتادة بن النعمان أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وروى الحميدي مرفوعا: "لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم". وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت قوته". وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.
ا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم". وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت قوته". وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.
"ذكر طبه ﷺ بالحمية من الماء المشمس خوف البرص": روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص. وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي ﷺ وهو ضعيف.
وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر. فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون في البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفي الأواني المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما, واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجويني بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال في البدن لا في الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة في الأصح في الروضة وصحح في الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب -كما قاله الجبلي- أن يكون
رأس الإناء منسدا لتنجس الحرارة، وفي شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبري: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووي في الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الروياني في البحر عن النص.
"ذكر الحمية من طعام البخلاء": عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء". رواه التنيسي عن مالك في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في الأحكام.
"ذكر الحمية من داء الكسل": روى أبو داود في المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رآه مضطجعا في الشمس، قال يونس فنهاني وقال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين".
"ذكر الحمية من داء البواسير": عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير" رواه أبو أحمد الحاكم.
"ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني": عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".
وفي رواية أبي داود: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله". وفي رواية الطحاوي: "فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". وفي قوله: "كله" رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا: لم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء.
لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء.
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: "عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل". وسنده لا بأس به. قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة. قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "غطوا الإناء، وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء". رواه مسلم في صحيحه قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية.
"ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى": روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا: "الرضاع يغير الطباع".
وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة. وعن عمر بن الخطاب: أن اللبن ينزع لمن تسترضع له. وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد فإنه قتل أبا الدرداء. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه، فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبي ﷺ دهرا. انتهى. وأما ما اشتهر أيضا: أصل كل داء البردة، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفري معا في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين وغيره.
فري معا في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين وغيره.
ولأبي نعيم أيضا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله عن علي بن زحر عن ابن عباس مثله. ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رفعه: "أصل كل داء من البردة". وقد قال الدارقطني عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن البصري من قوله، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشري في "الفائق" من كلام ابن مسعود. قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة رواه المحدثون البردة يعني بإسكان الراء، والصواب "البردة" يعني الفتح، وهي التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من "برد" إذا ثبت وسكن.
وقد أورد أبو نعيم مضموما لهذه الأحاديث، حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن مينا عن أبي هريرة رفعه: "استدفئوا من الحر والبرد". وكذا أورد المستغفري مع ما عنده منها حديث إسحاق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: "إن الملائكة لتفرح بفراغ البرد عن أمتي، أصل كل داء البرد". وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكي عن اللغويين في كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى.
الفصل الثاني: في تعبيره ﷺ الرؤيا يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في
ذلك. وأما "الرؤيا" بوزن فعلى -وقد تسهل الهمزة- فهي ما يراه الشخص في منامه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات يلقيها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليطا. وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب: إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد
يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل التنسل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات. وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤايا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره. وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجري الله
العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادا من الأول، لكونه تحكما لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا انتقاش فيها. قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني حال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع اليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف.
ور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني حال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع اليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف.
وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله. وأخرج الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب". قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف. وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو: "إن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به في المنام". ووجد الحديث للترمذي في "نوادر الأصول" من حديث عبادة بن
الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والتسعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واهن وفي سنده جنيد بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة. قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] قال: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي في المنام. ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منه، ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره
ياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره
بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليظه فيها أو بغفلته عنها. وفي البخاري عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة، مع أن النبوة قد انقطعت بموته ﷺ. وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز.
وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق. وتعقب بقول مالك -كما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة. وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشيء لا يسلتزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا، وفي حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات. وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعا: "لم يبق بعدي من المبشرات
إلا الرؤيا"، وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأبو داود أنه ﵊ كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: "يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له". والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقوله: "من الرجل الصالح" لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك،
وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله: "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" كذا في أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبي هريرة: "جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة"، وعنده أيضا من حديث ابن عمر: "جزء من سبعين جزءا" وعند الطبراني: "جزء من ستة وسبعين جزءا" وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا: "جزء من ستة وعشرين جزءا" ووقع في شرح مسلم للنووي وفي رواية عبادة: "أربعة وعشرين". والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووي، وأكثرها من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
سلم للنووي وفي رواية عبادة: "أربعة وعشرين". والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووي، وأكثرها من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي ﷺ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل
الله للعالم حدا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلم جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل. وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن الله تعالى أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءا؛ لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح. قال ابن بطال: هذا تأويل بعيد من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثه ﷺ. والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى. وهذا الذي قاله من الإنكار في هذه المسألة سبقه إليه الخطابي فقال: كان بعض أهل العلم يقولون في تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق، وذلك أنه عليه
الصلاة والسلام أقام بعد الوحي ثلاثا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه في منامه ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. قال الخطابي: وهذا وإن كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرا، ولا نعلم في ذلك أثرا ولا ذكر مدعيه في ذلك خبرا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا. وليس كل ما خفي علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا في المناسبات غير ذلك مما يطول ذكره.
وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أصدق الرؤيا بالأسحار". رواه الترمذي
يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا في المناسبات غير ذلك مما يطول ذكره.
وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أصدق الرؤيا بالأسحار". رواه الترمذي
والدارمي. وروى مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا". قال الخطابي في "المعالم" في قوله: "إذ اقترب الزمان" قولان: أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا، قال: والمعبرون
يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار. والثاني: أن اقتراب الزمان المراد به انتهاء مدته، إذ دنا قيام الساعة. وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به. وجزم ابن بطال بأن الثاني هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: "في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن".
وقيل: إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه. وقال القرطبي في "المفهم": المراد -والله أعلم- بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم ﵊ بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤيا لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا: "وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا"، وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق في يقظته فإنه يستصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد
قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر المنام أحيان، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصا. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأى أحدكم في منامه الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره". رواه البخاري. وفي رواية مسلم: "ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا
فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب". وقوله: "فليبشر" بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة، من البشرى. وفي حديث أبي رزين العقيلي عند الترمذي: "ولا يقصها إلا على واد -بتشديد الدال، اسم فاعل من الود- أو ذي رأي". وفي أخرى: "ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا". وفي أخرى: "لا تقص رؤياك إلا على عالم أو ناصح". وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: "فليحمد الله عليها وليحدث بها".
أخرى: "ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا". وفي أخرى: "لا تقص رؤياك إلا على عالم أو ناصح". وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: "فليحمد الله عليها وليحدث بها".
وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره. وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه، ولا يذكرها لأحد أصلا. وفي البخاري من حديث أبي هريرة خامسة: وهي الصلاة، ولفظه: "من رأى شيئا يكرهه في منامه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل". لكن لم يصرح البخاري بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة: وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه فقال: عن جابر رفعه: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ
بالله من الشيطان، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه". قال النووي: وينبغي أن يجمع هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها كما صرحت به الأحاديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم ير في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها. انتهى. ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قال القرطبي، لأنه إذا قام يصلي تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها.
وذكر بعضهم سابعة: وهي قراءة آية الكرسي، ولم يذكر لذلك مستندا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربك شيطان فمتجه، قال: وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة. وحكمة التفل -كما قال القاضي عياض- أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة، تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد. وقد ورد التفل والنفث والبصق، وقال النووي في الكلام على النفث في
وهة، تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد. وقد ورد التفل والنفث والبصق، وقال النووي في الكلام على النفث في
الرقية تبعا للقاضي عياض: اختلف في التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيدة: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه. وسئلت عائشة عن النفث في الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه. قال القاضي عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفث المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء. وقال النووي أيضا: وأكثر الروايات في الرؤيا: "فلينفث" , وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب منه في الموضعين مختلف، لأن المطلوب في الرقية برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان،



