شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 43 dari 43 5943 halaman

— Bagian 43 · حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل ش… —

Bagian 43

حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفَّع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي, فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" رواه الترمذي. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أوّل الناس خروجًا إذا بعثوا, وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا, لواء الحمد بيدي، ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد

آدم على ربي ولا فخر، ويطوف عليَّ ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون" رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أوّل من يدخل الجنة" رواه مسلم. وعنه أيضًا، عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة". فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض, وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى فصل القضاء، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط, وأسبقهم إلى دخول الجنة, وهي أكثر أهل الجنة.

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: لما نزلت الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠] قال ﷺ: "أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة"، قال الطبراني: تفرَّد برفعه ابن المبارك عن الثوري. وفي حديث بهز بن حكيم، رفعه: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون". وعن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجنة حُرِّمَت على

ك عن الثوري. وفي حديث بهز بن حكيم، رفعه: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون". وعن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجنة حُرِّمَت على

الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحُرِّمَت على الأمم حتى تدخلها أمتي". قال الدارقطني: غريب عن الزهري. فإن قلت: فما تقول في الحديث الذي صححه الترمذي من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ، فدعا بلالًا فقال: "يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة، فما دخلت الجنة قط إلّا سمعت خشخشتك أمامي"، الحديث. أجاب عنه ابن القيم: بأنَّ تقدم بلال بين يديه ﷺ, إنما هو لأنَّه كان يدعو إلى الله أولًا بالأذان، ويتقدَّم أذانه بين يدي النبي ﷺ, فيتقدَّم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم، قال: وقد روي في حديثٍ أن النبي ﷺ يبعث يوم القيامة

وبلال بين يديه "ينادي" بالأذان، فتقدمه بين يديه كرامة له ﷺ، وإظهارًا لشرفه وفضيلته لا سبقًا من بلال له. وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي"، فقال أبو بكر: يا رسول الله, وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال ﷺ: "أما إنك يا أبا بكر أوّل من يدخل الجنة من أمتي". وقد دلَّ هذا الحديث على أنَّ لهذه الأمة بابًا مختصًا يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم. فإن قلت: من أي أبواب الجنة يدخل النبي ﷺ؟ فالجواب: إنه قد ذكر الترمذي الحكيم أبواب الجنة، كما نقله عنه القرطبي

في التذكرة، فذكر باب محمد ﷺ قال: وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة. فإن قلت: كم عدة أبواب الجنة؟ فاعلم أنَّ في حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعًا: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله, هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب

من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب

الريان". وروى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء, ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله, إلّا فتحت له من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" بزيادة "من". قال القرطبي: وهو يدل على أنَّ أبواب الجنة أكثر من ثمانية، قال: وانتهى عددها إلى الثلاثة عشر بابًا، كذا قال:

فإن قلت: أيُّ الجنان يسكنها النبي ﷺ؟ فاعلم -منحني الله وإياك التمتع بذاته القدسية في الحضرة الفردوسية- أنَّ الله تعالى قد اتخذ من الجنان دارًا اصطفاها لنفسه، وخصَّها بالقرب من عرشه، وغرسها بيده، فهي سيدة الجنان، والله يختار من كل نوع أعلاه وأفضله، كما اختار من الملائكة جبريل, ومن البشر محمدًا ﷺ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ . وفي الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهنَّ في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكن, لا يكون معه فيها أحد إلّا

الأنبياء والشهداء والصالحون والصديقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داعٍ يدعوني فأستجيب له، حتى يطلع الفجر". وفي حديثٍ أنه ﷺ أري جنة عدن, ومنازل المرسلين منها، وأُرِيَ منازله فوق منازلهم. وروى أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات فيقول: ازدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي. فتأمّل هذه العناية، كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده،

ولأفضل بريته اعتناءً وتشريفًا، وإظهارًا لفضل ما خلقه بيده وشرفه، وتمييزه بذلك عن غيره. وروى الدارمي عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله ثلاثة أشياء بيده، خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده, وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزَّتي وجلالي, لا يدخلها مدمن خمر ولا الديوث" وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن تُكُلِّمَ فيه. وروى الدارمي أيضًا، عن عبد الله بن عمر قال: "خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وآدم ﵇، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان".

وعنده أيضًا عن ميسرة قال: إن الله لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث: خلق آدم بيده, وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده. فجنة عدن أعلى الجنان وسيدتها, وهي قصبة الجنة، وفيها الكثيب الذي تقع فيه الرؤية، وعليه تدور ثمانية أسوار, بين كل سورين جنة، فالتي تلي جنة عدن من الجنان جنة الفردوس، وأصله البستان، وهي أوسط الجنان التي دون جنة عدن وأفضلها, ثم جنة الخلد، ثم جنة النعيم، ثم جنة المأوى، وهي التي يأوي إليها جبريل وميكائيل والملائكة. وعن مقاتل: تأوي إليها أرواح الشهداء، ثم دار السلام؛ لأنها دار السلامة من كل مكروه، ثم دار المقامة. واعلم أن للجنة أسماء عديدة, وكلها باعتبار صفاتها، ومسمَّاها واحد باعتبار ذاتها،

شهداء، ثم دار السلام؛ لأنها دار السلامة من كل مكروه، ثم دار المقامة. واعلم أن للجنة أسماء عديدة, وكلها باعتبار صفاتها، ومسمَّاها واحد باعتبار ذاتها،

فهي مترادفة من هذا الوجه، ومختلفة باعتبار صفاتها، فاسم الجنَّة هو الاسم العام المتناول لتلك الذوات وما اشتملت عليه من أنواع النعيم والسرور وقرة العين، وهذه اللفظة مشتَقَّة من الستر، ومنه سمي البستان جنة؛ لأنه يستر داخله بالأشجار، والجنان كثيرة جدًّا، كما قال ﷺ لأم حارثة لما قُتِلَ ببدر، وقد قالت: يا رسول الله, ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء عليه، فقال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى" وقال تعالى: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]

فذكرهما ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أي: فهذه أربع، وقال ﷺ: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما, وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما" رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري. وقد قسَّم بعضهم الجنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة. اختصاص إلهيّ, وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومن أهلها أهل الفترات، ومن لم تصل إليه دعوة رسول.

جنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة. اختصاص إلهيّ, وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومن أهلها أهل الفترات، ومن لم تصل إليه دعوة رسول.

والجنة الثانية: جنة ميراث، ينالها كل من دخل الجنة من المؤمنين، وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها. والجنة الثالثة: جنة الأعمال، وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر, وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أنَّ فضله في هذا المقام لهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلّا وله جنة. ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم, قال ﷺ: "يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة" الحديث. فعلم أنها كانت جنة مخصوصة، فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم إلّا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص، يناله من دخلها، وقد يجمع الواحد من الناس في الزمان الواحد أعمالًا من العبادات, فيؤجر في الزمان الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس كذلك. فقد تبيِّن أن نيل المنازل والدرجات في الجنات بالأعمال, وأمَّا الدخول فلا يكون إلّا برحمة الله تعالى، كما في البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن

رسول الله ﷺ قال: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا, إلّا أن يتغمدني الله برحمته" أي: يلبسنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف وهو غلافه. وعند الإمام أحمد بإسناد حسن، من حديث أبي سعيد الخدري: "لن يدخل الجنة أحد إلّا برحمة الله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا, إلّا أن يتغمدني الله برحمته"، وقال: بيده فوق رأسه، يعني: إن الجنة إنما تدخل برحمة الله وليس عمل العبد سببًا مستقلًّا بدخولها, وإن كان سببًا، ولهذا أثبت الله دخولها بالأعمال في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزحرف: ٧٢] ونفى ﷺ دخولها بالأعمال في قوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" ولا تنافي بين الأمرين، لما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون: النجاة من النار

بعفو الله، ودخول الجنة برحمة الله، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل له حديث أبي هريرة: "إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم" رواه الترمذي. قال ابن بطال: مجمل الآية على أنَّ الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، ومحل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها, ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فصرَّح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال. وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مفسرًا للآية على وجه آخر، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمة الله، وكذا أصل دخول الجنة برحمته؛ حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو

شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضَّل الله عليهم ابتداءً بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم. وأشار إلى نحوه القاضي عياض فقال: وإنَّ من رحمة الله توفيقه للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحق العامل بعمله، وإنِّما هو بفضل الله ورحمته. وقال غيره: لا تنافي بين ما في الآية والحديث؛ لأن "الباء" التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلًّا بحصوله، و"الباء" التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلًا للآخر، نحو: اشتريت منه بكذا، فأخبر ﷺ أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنَّه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة؛ لأن العمل بمجرده -ولو تناهي- لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا يكون عوضًا لها؛ لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة, فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بها،

على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة, فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بها،

فلذلك لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا من أعمالهم، كما في حديث أُبَيّ بن كعب عند أبي داود وابن ماجه. وهذا فصل الخطاب مع الجبرية النفاة للحكمة, والتعليل القائلين بأنَّ القيام للعبادة ليس إلّا لمجرد الأمر، من غير أن يكون سببًا للسعادة في معاش ولا معاد، ولا لنجاة المتعقدين أنَّ النار ليست سببًا للإحراق، وأنَّ الماء ليس سببًا للإرواء والتبريد. والقدرية الذين ينفون نوعًا من الحكمة والتعليل, والقائلين بأنَّ العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وإنما هي بمنزلة استيفاء الأجير أجرته، محتجِّين بأن الله تعالى يجعلها عوضًا عن العمل، كما في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبقوله ﷺ حاكيًا عن ربه تعالى: "يا عبادي،

إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها". وهؤلاء الطائفتان متقابلتان أشد التقابل، وبينهما أعظم التباين، فالجبرية لم تجعل الأعمال ارتباطًا بالجزاء البتة، والقدرية جعلت ذلك بمحض الأعمال وثمنًا لها, والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر الله عليه عباده، وجاءت به رسله، ونزلت به كتبه، وهو: أنَّ الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأنَّ الأعمال الصالحة من توفيق الله تعالى ومنته, وصدقته على عبده أن أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه وزينها في قلبه، وكرّه إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنًا لجزائه وثوابه، بل غايتها أن تكون شكرًا له تعالى إن قبلها سبحانه، ولهذا نفى ﷺ دخول الجنة بالعمل ردًّا على القدرية القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال وثمنًا لها، وأثبت ﷾ دخول الجنة بالعمل ردًّا على الجبرية

لها سبحانه، ولهذا نفى ﷺ دخول الجنة بالعمل ردًّا على القدرية القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال وثمنًا لها، وأثبت ﷾ دخول الجنة بالعمل ردًّا على الجبرية

الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطًا بالجزاء, فتبيِّنَ أنه لا تنافي بينهما؛ إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنًا وعوضًا لها, ردًّا على القدرية, والمثبت الدخول بسبب العمل ردًّا على الجبرية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: يحمل الحديث على أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا: فمعنى قوله ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر مع هذا أنْ تكون "الباء" للمصاحبة, أو للإلصاق, أو للمقابلة، ولا يلزم من

ذلك أن تكون سببية. قال: ثم رأيت النووي جزم بأنَّ ظاهر الآيات أنَّ دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث: أنَّ التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها, وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل، وهو من رحمة الله تعالى. انتهى. وروى الدارقطني عن أبي أمامة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "نعم الرجل أنا لشرار أمتي"، فقالوا: "فكيف؟ أنت لخيارها، فقال: "أمَّا خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم, وأما شرار أمتي فيدخلون الجنة بشفاعتي" ذكره عبد الحق في العاقبة. وأما تفضيله ﷺ في الجنة بالكوثر -وهو على وزن فَوْعَل من الكثرة- سُمِّيَ به هذا النهر العظيم لكثرة مائه وآنيته, وعظيم قدره وخيره.

فقد نقل المفسرون في تفسير "الكوثر" أقوالًا تزيد على العشرة، ذكرت كثيرًا منها في المقصد السادس من هذا الكتاب، وأَوْلَاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه, لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ, فلا معدل عنه. فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من طريق محمد بن فضيل, وعلى بن مسهر، كلاهما عن المختار بن فلفل, عن أنس -واللفظ لمسلم- قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد، إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، قلنا:

ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة"، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: "أتدرون ما الكوثر" , قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنه نهر وعدنيه ربي ﷿". الحديث. لكن فيه إطلاق الكوثر على الحوض، وقد جاء صريحًا في حديث عند

البخاري أنَّ الكوثر هو النهر الذي يصب في الحوض. وعند أحمد: "ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض" وعند مسلم: "ويغت فيه" -يعني: الحوض- ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق". وقوله: "يغت" بالغين المعجمة، أي: يصب. وفي البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: لما عُرِجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافَّتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".

ري من حديث قتادة عن أنس قال: لما عُرِجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافَّتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".

ورواه ابن جرير عن شريك بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أُسْرِيَ بالنبي ﷺ مضى به جبريل، فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه, فإذا هو مسك، قال: يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هذا الكوثر الذي الذي خبَّأ لك ربك. وروى أحمد عن أنس: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: "نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل". وعن أبي عبيدة عن عائشة قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم في الجنة, شاطئاه عليه در مجوّف، آنيته كعدد النجوم" رواه البخاري. وقوله: "شاطئاه" أي: حافَّتاه.

وقوله: در مجوف" أي: القباب التي على جوانبه. ورواه النسائي بلفظ قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافَّتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك, وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت. و"بطنان" بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون. و"وسط" بفتح المهملة، المراد به أعلاها، أي: أرفعها قدرًا، أو المراد به: أعدلها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "الكوثر نهر في الجنة, حافَّتاه من الذهب, والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل" رواه أحمد وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: هو نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن, وأحلى من العسل،

ى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: هو نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن, وأحلى من العسل،

شاطئاه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خصَّ الله به نبيه قبل الأنبياء. رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا. وعن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ: ما الكوثر؟ قال: "نهر أعطانيه الله" -يعني: في الجنة- "أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق البخت، أو أعناق الجزر"، قال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله ﷺ: "أكلتها أنعم منها". رواه الترمذي, وقال: حسن. و"الجزر" بضم الجيم والزاي، جمع جزور وهو البعير. قال الحافظ ابن كثير: قد تواترت -يعني: أحاديث الكوثر- من طرقٍ تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، قال: وهكذا روى

عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف: إن الكوثر نهر في الجنة. وأما تفضيله ﷺ في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والفضيلة، فروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتنم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا عليَّ، فإنَّ مَنْ صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة, فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة".

قال الحافظ عماد الدين بن كثير: الوسيلة عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ, وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقال غيره: الوسيلة "فعيلة" من وسل إليه إذا تقرَّب، يقال: توسَّلت أي: تقرَّبت، وتطلق على المنزلة العليّة، كما قال في هذا الحديث، فإنها منزلة في الجنة، على أنه يمكن ردَّها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فيكون كالقربة التي يتوسّل بها، ولما كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية, وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله تعالى، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر أمته أن يسألوها له؛ لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضًا: فإن الله تعالى قدَّرها له بأسباب, منها: دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الهدى والإيمان.

وأما الفضيلة فهي المرتبة الزائدة على سائر الخلق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "الوسيلة درجة عند الله ﷿, ليس فوقها درجة, فسلوا الله لي الوسيلة". رواه أحمد في المسند، وذكره ابن أبي الدنيا، وقال: "الوسيلة درجة ليس في الجنة أعلى منها، فسلوا الله أن يؤتينها على رءوس الخلائق". وروى ابن مردويه عن عليٍّ عن النبي ﷺ قال: "إذا سألتم الله فسلوا لي

الوسيلة"، قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: "علي وفاطمة والحسن والحسين", لكن قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه حديث غريب منكر من هذا الوجه. وعند ابن أبي حاتم من حديث عليٍّ أيضًا: أنَّه قال على منبر الكوفة: أيها الناس, إنَّ في الجنة لؤلؤتين, إحداهما بيضاء, والأخرى صفراء، فأمَّا البيضاء فإنها إلى بطنان العرش, والمقام المحمود من الؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسِرَّتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته. وهي أثر غريب كما نبَّه عليه الحافظ بن كثير أيضًا. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

ذلك، هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته. وهي أثر غريب كما نبَّه عليه الحافظ بن كثير أيضًا. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

[الضحى: ٥] قال: أعطاه في الجنة ألف قصر, وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والدم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، ومثل هذا لا يقال إلّا عن توقيف، فهو في حكم المرفوع.

خاتمة: عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، إنك لأحبك إليَّ من أهلي، وإنك لأحبَّ إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك, وإذا ذكرت موتي

وموتك, عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ عليه النبي ﷺ شيئًا، حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] رواه أبو نعيم عن عائشة، وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: لا أعلم بإسناد هذا

الحديث بأسًا. كذا نقله ابن القيم في "حادي الأرواح". وذكره البغوي في "معالم التنزيل" بلفظ: نزلت -يعني: الآية- في ثوبان مولى رسول الله ﷺ، وكان شديد الحبِّ لرسول الله ﷺ، قليل الصبر عنه, فأتاه ذات يوم، وقد تغيِّر لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ: "ما غَيِّرَ لونك"؟ فقال: يا رسول الله، ما بي وجع ولا مرض، غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة, فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا. فنزلت هذه الآية.

م ذكرت الآخرة, فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا. فنزلت هذه الآية.

وكذا ذكره ابن ظفر في "ينبوع الحياة", لكن قال: إن الرجل هو عبد الله بن زيد الأنصاري, الذي رأى الأذان. وليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم في الجنة؛ بحيث يتمكَّن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله, متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: لا شيء, إلّا أني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر, وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم.

وفي الحديث الإلهي الذي رواه حذيفة -كما عند الطبراني بسند غريب- أنه تعالى قال: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" الحديث. وفيه من الزيادة على حديث البخاري: ويكون

من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة". فلله درها من كرامة بالغة، ونعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى في درجات الجنات على أهل المقامات؛ بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب الغابر في أفق السماوات؛ لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه، ومعيته معه، وإن المرء

مع مَنْ أحب، ولكلِّ عملٍ جزاء، وجزاء المحبَّةِ المحبّةُ والوصول والقرب من المحبوب. رؤيت امرأة مسرفة على نفسها بعد موتها فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لها, فقيل لها: بماذا؟ قالت: بمحبتي لرسول الله ﷺ وشهوتي النظر إليه، نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين من يحبه. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] وإن طوبى اسم شجرة في الجنة, غرسها الله بيده، وتنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء

سور الجنة، وإن أصلها في دار النبي ﷺ، وفي دار كل مؤمن منها غصن، فما من جنة من الجنات إلّا وفيها من شجرة طوبى؛ ليكون سر كل نعيم، ونصيب كل ولي من سرّه ﷺ، وأنه ﷺ ملأ الجنة، فلا ولي يتنعَّم في جنته إلّا والرسول متنعِّم بتنعمه؛ لأن الوليّ ما وصل إلى ما وصل إليه من النعيم إلا باتباعه لنبيه ﷺ، فلهذا كان سر النبوة قائمًا به في تنعمه, وكذلك إبليس ملأ النار، فلا عذاب لأحد من أهلها إلّا وإبليس -لعنه الله- سر تعذيبه, ومشارك له فيه. وفي "البحر" لأبي حيان عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] قيل: هي عين في دار رسول الله ﷺ تفجر إلى

حيان عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] قيل: هي عين في دار رسول الله ﷺ تفجر إلى

دور الأنبياء والمؤمنين. وإذا علمت هذا، فاعلم أنَّ أعظم نعيم الجنة وأكمله التمتع بالنظر إلى وجه الرب ﵎، ورسوله ﷺ، وقرة العين بالقرب من الله ورسوله, مع الفوز بكرامة الرضوان التي هي أكبر من الجنان وما فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

ولا ريب أنَّ الأمر أجلَّ مما يخطر ببال أو يدور في خيال، ولا سيما عند فوز المحبين في روضة الأنس وحظيرة القدس بمعية محبوبهم, الذي هو غاية مطلوبهم, فأيّ نعيم وأيّ لذة وأيّ قرة عين وأيّ فوز يداني تلك المعية ولذاتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية الله ورسوله نعيم، فلا شيء والله أجلَّ ولا أكمل ولا أجمل ولا أجلى ولا أحلى ولا أعلى ولا أغلى من حضرة يجمتع فيها المحبّ بأحبابه في مشهد مشاهد الإكرام؛ حيث يتجلَّى لهم حبيبهم ومعبودهم الإله الحق ﷻ خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف، فينفقه عليهم نور يسري في ذواتهم, فيبهتون من جمال الله، وتشرق ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس، بحضرة الرسول الأرأس، ويقول لهم الحق ﷻ: سلام عليكم عبادي، ومرحبًا بكم أهل ودادي، أنتم المؤمنون الآمنون، لا خوف عليكم

اليوم ولا أنتم تحزنون, أنتم أوليائي وجيراني وأحبابي, إني أنا الله الجواد الغني، وهذه داري قد أسكنتموها، وجنتي قد أبحتكموها، وهذه يدي مبسوطة ممتدة عليكم، وأنا ربكم أنظر إليكم، لا أصرف نظري عنكم، أنا لكم جليس وأنيس، فارفعوا إليّ حوائجكم, فيقولون: ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم, والرضى عنا, فيقول لهم ﷻ: هذا وجهي فانظروا إليه, وأبشروا فإني عنكم راضٍ, ثم يرفع الحجاب ويتجلَّى لهم, فيخرون سجَّدًا, فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم, فليس هذا موضع سجود يا عبادي، ما دعوتكم إلّا لتتمتعوا بمشاهدتي، يا عبادي قد رضيت عنكم, فلا أسخط عليكم أبدًا.

يخرون سجَّدًا, فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم, فليس هذا موضع سجود يا عبادي، ما دعوتكم إلّا لتتمتعوا بمشاهدتي، يا عبادي قد رضيت عنكم, فلا أسخط عليكم أبدًا.

فما أحلاها من كلمة، وما ألذَّها من بشرى، فعندها يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن, وأحَلَّنا دار المقامة من فضله, لا يمسنا نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إنَّ ربنا لغفور شكور،

وهذا يدل على أن جميع العبادات تزول في الجنة إلّا عبادة الشكر والحمد والتسبيح والتهليل، والذي يدل عليه الحديث الصحيح، إنهم يلهمون ذلك كإلهام النفس، كما في مسلم من حديث جابر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ويأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخَّطون ولا يبولون, ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحًا

كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس" يعني: إن تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس، فليس عن تكليف وإلزام، وإنما هو عن تيسير وإلهام، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا بُدَّ له منه ولا كلفة ولا مشقة في فعله، وكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة. وسر ذلك أن قلوبهم قد تنوّرت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبَّته ومخاللته, فألسنتهم ملازمة لذكره، وقد أخبر الله تعالى عن شأنهم في ذلك بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقوله تعالى:

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ، وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

قال مؤلفه وجامعه أحمد بن الخطيب القسطلاني -عامله الله بما يليق بكرمه: فهذا آخر ما جرى به قلم المدد، من هذه المواهب اللدنية, وسطرته يد الفيض من المنح المحمدية، وذلك وإن كثر لقليل في جنب شرفه الشامخ، ويسير مما أكرمه الله به من فضله الراسخ, ولو تتبعنا ما منحه الله به من مواهبه، وشرف به من مناقبه، لما وسعت بعض بعضه الدفاتر، وكانت دون مرماه الأقلام

وجفت المحابر، وضاقت عن جمعة الكتب، وعجزت عن حمله النجب. وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وإلى الله أضرع أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم, مخلصًا من شوائب الرياء ودواعي التعظيم، وأن ينفعني به والمسلمين والمسلمات, في المحيا وبعد الممات، سائلًا من وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف سريرته، أن يصلح بحلمه عثاري وزللي، ويسد بسداد فضله خطئي.

وخللي، فالكريم يقيل العثار، ويقبل الاعتذار، خصوصًا عذر مثلي، مع قصر باعه في هذه الصناعة، وكساد سوقه بما لديه من مزجاة البضاعة، وما ابتلي به من شواغل الدنيا الدنية، والعوارض البدنية، وتحمّله من الأثقال التي لو حملها رضوى لتضعضع, أو أنزلت على ثبير لخشع وتصدّع، لكنني أخذت غفلة الظلام الغاسق،

والليل الواسق، فسرقته من أيدي العوائق، والليل يعين السارق، واستفتحت مغالق المعاني بمفاتيح فتح الباري، واستخرجت من مطالب كنوز العلوم نفائس الدراري، حامدًا الله تعالى على ما أنعم وألهم وعلّم ما لم أكن أعلم, مصليًا مسلمًا على رسوله محمد أشرف أنبيائه، وأفضل مبلغ لأنبائه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه

وخلفائه صلاةً لا ينقطع مددها، ولا يفنى أمدها. والله أسأل أن ينفع به جيلًا بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل, وأستودع الله تعالى نفسي وديني وخواتيم عملي، وما أنعم به عليَّ ربي، وهذا الكتاب، وأن

ا. والله أسأل أن ينفع به جيلًا بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل, وأستودع الله تعالى نفسي وديني وخواتيم عملي، وما أنعم به عليَّ ربي، وهذا الكتاب، وأن

ينفعني به والمسلمين، وأن يردني وأحبابي إلى الحرمين الشريفين على أحسن وجه وأتمه، وأن يرزقني الإقامة بهما في عافية بلا محنة، وأن يطيل عمري في طاعته، ويلبسني أثواب عافيته، ويجمع لي وللمسلمين بين خيري الدنيا والآخرة، ويصرف عني سوءهما، ويجعل وفاتي ببلد رسوله، ويمنحنا من المدد المحمدي بما منحه

عباده الصالحين مع رضوانه، ويمتِّعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم, من غير عذاب يسبق، فإنه سبحانه إذا استودع شيئًا حفظه، والحمد لله وحده, وصلى الله على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم.

قال مؤلفه ﵀: وقد انتهت كتابة النسخة المنقول منها النسخة المباركة النافعة -إن شاء الله تعالى- في خامس عشر شعبان المكرم, سنة تسع وتسعين وثمانمائة, وكان الابتداء في المسوّدة المذكورة ثاني يوم قدومي من مكة المشرفة،

صحبة الحاج في شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم. آمين. بعونه تعالى تَمَّ الكتاب.

الفهرس:

  • النوع السابع من عبادتاته ﵊ في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته ٣
  • المقصد العاشر: الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه ٧٠
  • الفصل الثاني: في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ١٧٧
  • الفصل الثالث: في أمور الآخرة ٢٦٤
  • خاتمة ٤١٥

Bagian 43 dari 43