التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya يحيى الشاوي (w. 1096 H).

Bagian 1 dari 3 125 halaman

— Bagian 1 · المقدمة —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام الأطيبان الأكملان الأزكيان على أشرف الخلق محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وبعد فالتحقيق أحد مقومات التراث العربي العلمي بوصفه حافظا للمنجزات الفكرية التي كتبت باللغة العربية لعلماء المسلمين، ورافدا من روافد ديمومتها وبقائها، فمن هنا وجدت غايتي في التحقيق بوصفه واجبا دينيا وقوميا، فضلا عن كونه إنسانيا ولا سيما عندما يكون ذلك بنشر النتاج الفكري لأحد علماء الأمة ـ يحيى الشاوي ـ وقد خففت من صعوبة عملية التحقيق ما يقدمه الإخوان من خدمات في إعارة المصادر، أو من أمدني بمعلومة تخدم التحقيق، مما أفادني بالاطلاع الواسع على مظان الكتب المطبوع منها والمخطوط. وقد جاءت دراسة التحقيق في هذا الكتاب ضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المقدمة التاريخية لعصر المؤلف، أما

المبحث الثاني: فكان دراسة المخطوط، ومنهج المؤلف، ومصادره وطريقة البحث، أما المبحث الثالث: فكان متن المخطوط ابتداء بمقدمته حتى مجموعة الفهارس، فإن وفقت فهذا من فضل ربي عليه توكلت وإليه أنيب. المحقق.

المبحث الأول. الحالة التاريخية للجزائر خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين . شهد القطر الجزائري كغيره من أقطار العالم العربي فترة من الاضطراب السياسي، وذلك نتيجة للأطماع الاستعمارية فيه، ويمكن أن نجمل الحوادث السياسية التي مر بها فيما يأتي:

  • عام سبعة وتسعين وثمانمائة الهجري الموافق لسنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف الميلادي. وصول الهجرات الأندلسية إلى الجزائر. التي كان من ضمنها السلطان الغرناطي المعروف بالزغل: أبو عبد الله محمد بن سعد، وذلك بعد سقوط مدينة غرناطة في يد الأسبان. ـ عام عشر وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة أربع وخمسمائة وألف الميلادية، ظهرت الأطماع الأسبانية في الجزائر، حيث قام الأسبان بالقرصنة عليها.

يد الأسبان. ـ عام عشر وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة أربع وخمسمائة وألف الميلادية، ظهرت الأطماع الأسبانية في الجزائر، حيث قام الأسبان بالقرصنة عليها.

ـ عام أحد عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمس وخمسمائة وألف. احتل الأسبان ميناء وهران. ـ عام خمسة عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة تسع وخمسمائة وألف سقطت المدن الساحلية الجزائرية في يد الأسبان. ـ عام تسعة عشر وتسعمائة الهجري الموافق لسنة ثلاث عشرة وخمسمائة وألف الميلادية، احتل الأتراك مدينة تلمسان، ونصبوا أبا زيّان أحمد الثاني على العرش. ـ عام أربعة وعشرين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثماني عشرة وخمسمائة وألف الميلادية. استشهد عروج التركي، وزحف أبو أحمد الثالث على تلمسان. ـ عام خمسة وعشرين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة تسع عشرة وخمسمائة وألف الميلادية. ظهرت ثورة الأمير أبي سرحان المسعود الزياني، وسيطر على تلمسان. ـ عام ثلاثين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وعشرين وخمسمائة وألف الميلادية. عاد محمد بن عبد الله الثاني إلى الملك، ورفض التزامه بالمعاهدة الموقعة مع الأتراك. ـ عام ثلاثة وأربعين، وتسعمائة الهجري الموافق لسنة ست وثلاثين وخمسمائة وألف الميلادية. سقطت الدولة الحفصية بالجزائر. وظهور الدول المرينية. ـ عام تسعة وأربعين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة اثنتين

لسنة ست وثلاثين وخمسمائة وألف الميلادية. سقطت الدولة الحفصية بالجزائر. وظهور الدول المرينية. ـ عام تسعة وأربعين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة اثنتين

وأربعين وخمسمائة وألف الميلادية. قام التحالف الزياني بقيادة أبي زيان أحمد الثالث مع الأتراك ضد الأسبان. ـ عام خمسين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وأربعين وخمسمائة وألف الميلادية. احتلت تلمسان من قبل السلطان محمد السابع بمساندة الإمبراطور شالكان. ثم فشل هذا الاحتلال، ورجوع أحمد الثاني للعرش. ـ عام سبعة وخمسين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمسين وخمسمائة وألف الميلادية. سيطرت الدولة السعدية على تلمسان. ثم انسحابها منها إثر تولي الحسن بن عبد الله حكمها برعاية أتراك الجزائر. ـ عام واحد وستين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة أربع وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية، هاجم الأتراك مدينة فاس، ونصبوا أبا حسون الوطاسي عليها. ـ عام اثنين وستين وتسعمائة الهجري، الموافق خمس وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. احتل الأتراك مدينة تلمسان، وخلع الحسن آخر ملوك بني زيان. ـ عام ثلاثة وستين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ست وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. أعاد السعديون سيطرتهم على مدينة تلمسان.

  • عام أربعة وستين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة سبع وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. انتصر حسن بن

ف الميلادية. أعاد السعديون سيطرتهم على مدينة تلمسان.

  • عام أربعة وستين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة سبع وخمسين وخمسمائة وألف الميلادية. انتصر حسن بن

خير الدين على السعديين، وإيقاعه بالأسبان في موقعة (مازغران).

  • عام تسعة وستين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة اثنتين وستين وخمسمائة وألف الميلادية. تم تقسيم الجزائر إلى أربع مقاطعات هي: الجزائر المدينة، قسنطينة، مازونة، وهران.

  • عام خمسة وسبعين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة سبع وستين وخمسمائة وألف الميلادية. انهزم الأسبان بمدينة الجزائر.

  • عام خمسة وثمانين وتسعمائة الهجري الموافق لسنة خمس وسبعين وخمسمائة وألف الميلادية. وصول الحامية التركية إلى الملك عبد الملك بن الشيخ بفاس.

  • عام ستة وثمانين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثمان وسبعين وخمسمائة وألف الميلادية. انضمت إمارة مراكش إلى الدولة العثمانية.

  • عام ثمانمائة وثمانين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة ثمانين وخمسمائة وألف الميلادية. تم تعيين أول قنصل فرنسي بالجزائر وهو (م. بيونو).

  • عام خمسة وتسعين وتسعمائة الهجري، الموافق لسنة سبع وثمانين وخمسمائة وألف الميلادية بدأ عهد الباشاوات.

  • عام ثلاثة وألف الهجري، الموافق لسنة أربع وتسعين وخمسمائة وألف الميلادية. تم قمع الحركة الوطنية (بسور الغزلان).

  • عام أربعة وألف الهجري، الموافق لسنة ست وستمائة وألف الميلادية. قام الأسبان بالسيطرة على وهران.

  • عام تسعة عشر وألف الهجري، الموافق لسنة ست وستمائة وألف الميلادية. قام التحالف الثلاثي الأسباني الإنجليزي الهولندي بقصف مدينة جيجل الجزائرية.

  • عام اثنين وأربعين وألف الهجري، الموافق لسنة اثنتين وثلاثين وستمائة وألف الميلادية. حدوث زلزال بمدينة الجزائر، نجم عنه مقتل العديد من السكان بالعاصمة.

  • عام ستين وألف الهجري الموافق لخمسين وستمائة وألف الميلادي. قيام الدولة العلوية بالمغرب بزعامة محمد بن الشريف، ومحاولة السيطرة على الجزائر.

  • عام تسعة وستين وألف الهجري، الموافق لسنة تسع وخمسين وستمائة وألف الميلادية. انتهى عصر الباشاوات، وبدأ عصر الآغاوات.

  • عام واحد وثمانين وألف الهجري، الموافق لسنة إحدى وسبعين وستمائة وألف الميلادية. انتهى عصر الآغاوات، وبدأ عصر الدايات. (١) هذه هي حالة الجزائر خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، وهي حالة اضطراب سياسي، وركود اقتصادي.

المبحث الثاني. دراسة المخطوط . المطلب الأول: وصف المخطوطة. المطلب الثاني: منهجية الشاوي في كتابه التحف. المطلب الثالث: المصادر التي اعتمد عليها الشاوي في كتابه. المطلب الرابع: طريقة الباحث في دراسة المخطوط.

المطلب الأول. وصف المخطوطة . توجد بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ١٠٨٩ ك. ضمن مجموع من ص١ إلى ص٥٢. أولها: الحمد لله الحميد، والصلاة والسلام من اسمه محمد وأحمد آخرها: وأوصيكم أيها الأحبة إن عرضت لكم مسائل فراجعونا بها ... والصلاة والسلام على سيدنا محمد. ص: ٥٢ س: ٢١ ق: ٢٠× ١٥.٥. خ: مغربي متوسط به محو وأكل أرضة.

ها: وأوصيكم أيها الأحبة إن عرضت لكم مسائل فراجعونا بها ... والصلاة والسلام على سيدنا محمد. ص: ٥٢ س: ٢١ ق: ٢٠× ١٥.٥. خ: مغربي متوسط به محو وأكل أرضة.

المطلب الثاني. منهجية الشاوي في كتابه التحف . تتمثل منهجية المؤلف في كتابه في الإجابة على مجموعة من الأسئلة، حيث يمثل كل سؤال مبحثا يتناول مسألة في العقيدة، وفي إجابته يستعين بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وآراء العلماء، فعن السؤال القائل: هل الرضى، والمحبة، والإرادة بمعنى واحد، أم هناك تباين بين الإرادة وما قبلها من المحبة والرضى؟ يجيب الشاوي بما نصه: " وأقول بحول من به الفكر يجول، قال المقترح في الإرشاد: ومما اختلف فيه الأئمة إطلاق محبة الكفر والرضى به، فمن الأصحاب من منع ذلك؛ قصدًا منه إلى أن المحبة والرضى إرادة الإنعام أو نفس الإنعام، ومنهم من المحبة والرضى عبارة عن الإرادة، وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١)، يريد خصوص العباد، ولا

شك أن الرضى والمحبة يطلقان على الإرادة، ويطلقان على رقة وتحنن، وتعقب ذلك في مقتضى العادة إرادة إحسان بمن تحنن عليه، ثم إن كانت المحبة هي الإرادة لا يجوز أن يقال: إن الباري محبوب لأوليائه؛ لأنه لا يصح أن يكون مرادًا، فإن الإرادة إنما تتعلق بمتجدد من حيث إنه متخصص ببعض وجوه الجواز، ويتعالى عن ذلك الأزلي ويتقدس. والتحقيق في هذا الفصل أن المحبة بمعنى الإرادة، والإرادة أيضا لفظ مشترك يطلق على الشهوة والميل، ويطلق على القصد، فأما القصد فلا يصح أن يتعلق به تعالى. وأما الميل فقال إمام الحرمين (١): يستحيل أن يمال إليه. وقرر ذلك بأن الميل إنما يتعلق بالخطوط البشرية، ولا حظ للعبد في نفس الذات، وهذا لا يصح، بل يجد الإنسان ميلا لمن أحسن، ولا يحسن في الحقيقة إلا هو، فمن لاحظ نعمه، وأدام ذكرها في قلبه، وعرف إحسانه إليه، فيضطر إلى معرفة ثبوت ميل في ذاته يحسه في نفسه كما يحس آلامه ولذاته. وقد نجد الواحد منا يميل لعالم زاهد سمع بذكر كماله وجوده، وإن لم ينله منه إحسان، فثبت أن الميل لا يمتنع أن يتعلق بالله تعالى. فتأمله. (هـ كلام المقترح).

د نجد الواحد منا يميل لعالم زاهد سمع بذكر كماله وجوده، وإن لم ينله منه إحسان، فثبت أن الميل لا يمتنع أن يتعلق بالله تعالى. فتأمله. (هـ كلام المقترح). فحصل منه أن الرضى والمحبة شيء واحد وهما الإرادة في

قول أو أخص منها بمعنى، إرادة الإنعام، في قول آخر أو نفس الإنعام المفعول بالقدرة في آخر فهي ثلاثة أقوال، وعلى الآخرين فلا إشكال في قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١)، أي لا يريد الإنعام عليهم بسببه، أو لا ينعم عليهم، وعلى الأول وهو اتحاد الجمع. قد يقال: كيف نعني عنه الرضى بالكفر، أي: بإرادته مع أنه يريد الكفر إذا هو بإرادته وقدرته خلافا للمعتزلة؟ وأجاب عنه المقترح بما سبق، وهو: أنه لا يريد لعباده المعظمين بالإضافة إليه، أي لا يريد الكفر لأوليائه وإنما يريده لغيرهم، وكذا أبو بكر (٢)، قال بعد كلام طويل في قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، أي: لا يرضاه لهم دينًا وشرعًا؛ فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة، كمن يشتري عبدًا معينًا، فيقول له صاحبه: لا أرضاه لك عبدًا، ثم الرضى والسخط يتقابلان تقابل التضاد، ثم السخط ليس محمولا إلا على ذم في الحال وعقاب في المآل، كذلك الرضى محمول على مدح في الحال وثواب في المآل، انتهى كلامه. فظهر أن الرضى عنه ليس غير الإرادة ثم ذكر في بياض الجواب عن احتجاج المعتزلة تخصيص الإرادة بالحيز، وقال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾

(١)، وسائر الآيات في الإرادة محمول كلمات ذكرها الصادق جعفر بن محمد ﵁ أن الله تعالى أراد بنا وأراده منا، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منّا طواه عنا، فما لنا نشتغل بما أراده منّا عمّا أراده بنا. ومعنى ذلك: أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأراد منا ما علمه، فكانت الإرادة واحدة. ويختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد، وهي إذا تعلقت بثواب سميت رضى ومحبة، وإذا تعلقت بعقاب سميت سخطا وغضبا، كذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلق الأمر، قيل: أراد به ما أمر. وإذا تعلقت بالمنع مطلقا بالتخصيص والتغيير من غير التفات إلى كسب العبد حتى تكون إرادة لنا، وإرادة منا قبل إرادة الكائنات بأسرها، ولم نقل أراد منا، وأراد بنا، بل أرادها على ما هي عليه من التجرّد والتخصيص بالوجود دون العدم، فإذًا أفعال العباد من حيث إنها أفعالهم. أما أن يقال تتعلق الإرادة على الوجه الذي ينسب للحق إيجادا وتخصيصا، على وجهي أراد بنا وأراد منا، أراد بنا من أمرنا به دينا وشرعا واعتقادا ومذهبا، وأراد منا ما علم سابقه، وعاقبه، وفاتحه، وخاتمه. ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، أي لم يشأ

دل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، أي لم يشأ

الهداية ليحق القول على مقتضى العلم السابق. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، أي لأمرهم بالعبادة، وقيل: ليخضعوا ويستسلموا، كقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٢). انتهى. وقال قبله: وكل ما ورد في القرآن من إرادة الخبر المخصوص بأفعال العباد مثل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤) إلى غير ذلك، فهو محمول إما على ثناء أو مدح في الحال، وإما على ثواب ونقمة في المآل، وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث إنه متجدد، ولا متجدد إلا وهو فعل البارئ، وذلك لا ينسب للعبد كما بينا في خلق الأعمال، واختص الأمر بأفعال العباد على الحقيقة دون الوجوب التي تنسب للحق فلم يجب تلازم الأمر والإرادة. وقد يرد الأمر بمعنى الإرادة بمعنى الأمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ، وكان المشركون تمسكوا بمثل هذا الاشتراك حيث أخبر التنزيل عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٥) أراد بذلك

كان المشركون تمسكوا بمثل هذا الاشتراك حيث أخبر التنزيل عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٥) أراد بذلك

المشيئة بمعنى الأمر، ولأجل هذا طالبهم بإخراج العلم بذلك، وإظهار الحجة على ما ادعوه من كتبهم، وقال: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾ (١)، إذ لم يرد بذلك أمر ولا وجدوا في كتبهم به تكليفا، ثم رد عليهم بإثبات المشيئة بمعنى التخصيص بالوجود والتصريف للأمر، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢). انتهى. فعلم من مجموع كلامه: أن الرضى والسخط يرجعان للإرادة وهي واحدة، ويختلف حكمها وتسميتها باختلاف المراد، واتفق الجميع على اتحاد المشيئة والإرادة خلافا لبعض المبتدعة، أن المشيئة قديمة والإرادة حادثة، وقد ذكر اتحادهما المقترح (٣)، وأبو بكر (٤)، والشيرازي (٥). والسعد التفتازاني (٦)، ناسبا التخالف بينهما لبعض المبتدعة، وعلم من كلامهم: أن الرضى والمحبة أيضا شيء واحد، وأن السخط والعداوة والبغض والكراهية هي أيضا متحدة، وهي مقابلة الرضى والمحبة، وهي حيثيات للإرادة من حيث المتعلق، أو هي الإرادة على ما سبق، ونعني بالكراهية الشرعية إذ لا يخفى أن العقلية نقيض الإرادة فكيف تكون عينها أو نوعها.

وعلم من كلام أبي بكر أن كل ما نفى الله إرادته فمعناه راجع لنفي الأمر به؛ لما علمنا من صحة إطلاق الإرادة على الأمر، وبه يندفع ما تمسّك به المعتزلة من قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١). على أن الرضى هو الإرادة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٥)، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ (٦)، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (٧). وهذا كله منحوت من أبي بكر، وقال في موضع آخر: فما وقع بالإرادة على وفق الأمر كان مرادا بالتخصيص والتجدد

مرضيا بالمدح والثواب، وما وقع على خلاف الأمر، ولكن لا يكون إلا على وقف العلم سمي مرادا بالتخصيص والتجدد مسخوطا، وغير مرضي بسبب الذم والعقاب، انتهى. وقال الشيرازي (١) في كتاب الحدود الكلامية ما نصه: فصل الإرادة، والمشيئة والمحبة والرحمة والإحسان والولاية كلها بمعنى واحد وهي الإرادة، فإذا قلنا: إنه راضٍ أو محب أو مختار، أو شاء، فالمراد به مريد لإدخالهم الجنة والإنعام عليهم في الدنيا، وكذا كراهته وسخطه وغضبه وعداوته، جميع ذلك بمعنى واحد تتعلق بجميع متعلقاتها، وهي كالكلام أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد وهو واحد، وإنما نصفه بهذه الأشياء؛ تعظيما له وإجلالا واتباعا له حيث يقول: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، ﴿فعال لما يريد﴾ (٢)، ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ (٣)، ﴿﵃﴾ (٤)، ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ (٥)، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦)، ﴿الله الرحمن الرحيم﴾،

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ (٢)، ﴿وغضب الله عليهم﴾ (٣)، ﴿أن سخط الله عليهم﴾ (٤)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥) انتهى كلامه. فأنت تراه أيضا جعل الجميع بمعنى واحد وهي الإرادة، إنما اختلف باعتبار الحيثيات وجهات التعلق، ثم إن سياقه للآية وهي قوله: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ (٦) في مساق الكراهة التي تشملها الإرادة، قد يشكل من حيث المعنى على خلافه، إذ لو أراد انبعاثهم لانبعثوا، فإذا لم يرد انبعاثهم فهي نقيض الإرادة العقلية، فكيف تذكر في جزئيات، ولا يصح أن يراد الكراهة الشرعية للخروج؛ لأنه مأمور به لقتال العدو فلا يصح إلا أن يريد بها من محبة لا كراهة؛ إذ هي إرادة، ولذلك قال: ﴿وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ (٧) فتأمله ترشد والله المعين.

المطلب الثالث. المصادر التي اعتمد عليها الشاوي في كتابه . اعتمد الشاوي في عرض أفكاره على مجموعة من المصادر المتعلقة بدراسة العقيدة الإسلامية بلغت ثلاثة وعشرين مصدرًا، نذكر: (١) أبو المعالي الجويني.

  • الإرشاد في قواطع الأدلة.
  • الشامل في أصول الدين. (٢) ابن الحاجب.
  • المختصر الأصلي. (٣) الباقلاني.
  • الإنصاف.

صدرًا، نذكر: (١) أبو المعالي الجويني.

  • الإرشاد في قواطع الأدلة.
  • الشامل في أصول الدين. (٢) ابن الحاجب.
  • المختصر الأصلي. (٣) الباقلاني.
  • الإنصاف.

(٤) المقترح.

  • شرح الإرشاد.

  • الأسرار العقلية في الكلمة النبوية. (٥) الإسفرائيني.

  • التبصير في الدين. (٦) ابن الهمام.

  • المسايرة في العقائد. (٧) السنوسي.

  • شرح عقيدة أهل التوحيد.

  • شرح المقدمات. (٨) الأشعري.

  • مقالات الإسلاميين. (٩) المديوني.

  • شرح عقائد السلالجي. (١٠) السهيلي.

  • الروض الأنف. (١١) الشهرستاني.

  • الملل والنحل. (١٢) ابن العربي الحاتمي.

  • التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية. (١٣) الخفاف.

  • شرح البرهانية. (١٤) الشيرازي.

  • الحدود الكلامية. (١٥) المنجور.

  • الحاشية على كبرى السنوسي. (١٦) ابن مالك.

  • شرح التسهيل. (١٧) ابن عرفة.

  • الشامل.

  • المختصر. (١٨) التفتازاني.

  • شرح النسفية.

  • شرح المقاصد.

يقوم الكتاب على الإجابة عن ستة أسئلة وهي: السؤال الأول: ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع؟ وهل هو حدوث العالم؟ وهل يؤخذ كونه حدوث العالم من قول السنوسي في شرح الصغرى: فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، وكما أشار إلى النظر والفكر فيه - مولانا- في غير آية أم لا؟ السؤال الثاني: قول العلماء إن المصيب في العقليات واحد مع اختلاف أهل السنة كالأشعري والرازي في الأحوال نفيا وإثباتا، والصعلوكي فيتعدد العلم والقدر، فمن المصيب ومن المخطئ، مع أن المصيب واحد؟ ومن يتبع في هذا الخلاف، ومن لا يتبع؟ السؤال الثالث: ما وجه من قال في الإرادة لها تعلقات صلاحي وتنجيزي؟ السؤال الرابع: قولكم في الرضى والمحبة والإرادة هل الجميع بمعنى؟ أو بين الإرادة وما قبلها من المحبة والرضى تباين؟ السؤال الخامس: قولكم الكلام يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي، وهل بكل دلالة من دلالته يدل على الجميع أو لا يدل على جميع الحكم العقلي إلا البعض منها؟ وإن قلتم بدلالة البعض منها، ما هو هذا البعض؟

ام الحكم العقلي، وهل بكل دلالة من دلالته يدل على الجميع أو لا يدل على جميع الحكم العقلي إلا البعض منها؟ وإن قلتم بدلالة البعض منها، ما هو هذا البعض؟

السؤال السادس: ما هو الحال في كونه قادرًا، هل ما يفهم من القادرية بين كونه قادرا، وكذا في كل صفة؟ وهل هنا كالحال في قول النحاة جاء زيد راكبا؟ وهل الحال المعنوية الحادثة في حقنا مخلوقة تتعلق بها القدرة أم لا؟

المطلب الرابع. طريقة الباحث في دراسة المخطوط . انتهج الباحث في دراسة المخطوط الخطوات الآتية: (١) نسخت نص المخطوط إلى الخط المشرقي باعتباره السائد في لغة الطباعة. (٢) خرّجت الآيات القرآنية بإرجاعها إلى سور القرآن مع بيان رقمها فيها. (٣) خرّجت الأحاديث النبوية بإرجاعها إلى كتب الحديث المعروفة. (٤) خرّجت الأعلام، وذلك بإعطاء ترجمة موجزة عنهم، مع بيان المصادر التي ترجمت لهم. (٥) وثقت النصوص المنقولة في الكتاب بإرجاعها إلى مظانها من الكتب لتوثيقها.

المبحث الثالث: متن المخطوط .

بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ﷺ، يقول أجهل العباد، المتكلم في فيفاء البلاد، المرعي هشيمه لعدم الكلأ في الوهاد يحيى الشاوي -نجاه الله من سائر المساوي-: مقدمة المخطوط. الحمد لله الحميد والصلاة والسلام على من اسمه محمد وأحمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد تبرأ من حوله إلى حول الشديد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ذو الأمر الرشيد والقول السديد. وبعد: فإن بعض من طاعته غنم، وإجابته حتم ممن لقيته في حال الاشتغال والجولان والانتقال، أصلح الله مني ومنه الحال، وألهمني وإيّاه الرشد في الأقوال والأفعال، وجعلني وإياه من خير المتمسكين بطريق سيد الأرسال وبعض الأحبّة الأعيان، ومن هو من خلاصة الخلان ممن ضمّني وإيّاه المكان، وحضر معنا بعض درس العقائد في بعض الزمان. كتب إليّ بعض بنيات الفكر، ومخدّرات عرائس الحذر، مما عساه أن يشكل على بعض الأذهان، أو ينازع فيه من لا يقنع إلا بالبرهان، للظن الجميل وحسن التعويل، حقق الله لهما الظن، فإنه ذو الطول والمنّ، وفي الحقيقة نفخا في غير ضرم، واستسمنا ذا ورم:

لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرَّت ... وأجدَب نبتُها رعي الهشيم وأقول كما قيل: الحمد لله على أنني كضفدع في وسط اليمّ، إن نطقت ألجمها ماؤه، أو سكتت ماتت من الغم. هذا والطاقة والإمكان من مقدمات الرحمن. وأقول كما قال ابن مالك في خطبة التسهيل (١): إذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب ربانية، فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين، ولتعلم أني بنيت الأمر على قاعدة المواهب، فإن أصبت فمن عطاء الواهب، وإن أخطأت فالإنسان أهل للتقصير والنقصان، وسميته بالتحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية، وبالله الإعانة.

قاعدة المواهب، فإن أصبت فمن عطاء الواهب، وإن أخطأت فالإنسان أهل للتقصير والنقصان، وسميته بالتحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية، وبالله الإعانة.

المطلب الأول. ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع ؟ أول الأسئلة بعد البداية والبسملة: ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلّد بمعرفته من الخلاف الواقع؟ وهل هو حدوث العلم؟ وهل يؤخذ كونه حدوث العالم من قول السنوسي في شرح الصغرى فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد وكما أشار إلى النظر والفكر فيه مولانا في غير آية أم لا؟ وما هو التفصيلي؟ وما مثاله وما حقيقته؟ فهل هو المركب من ملزوم ولازم أم لا؟ هذا تمام السؤال الأول. والجواب بحول الله من له المرجع والمناب: إن الجملي منسوب إلى الإجمال، وإجمال كل شيء معرفته إجمالا لا تفصيلا كمعرفتنا القوم دون تفاصيلهم من زيد وعمرو، وكذا معرفة الدليل إجمالا معناه: معرفته دون تدقيق في ذلك الدليل

بحيث لا يتوصل إلى خباياه، ولا يقدر على دفع ما يرد عليه من الشبه. وليس المعنى كونه جمليا إجمال الصفات في دليل واحد، فإن ذلك لا يساعده اللفظ ولا المعقول والمنقول. وبيانه إن الجملي نعت للدليل. فالمعنى إن الدليل مجمل غير مبيّن الدقائق في ذاته فهو نعت حقيقي، ولذلك استكن ضميره لا سببي. ولو كان سببيا لقال الجملية مدلولاته، ويكون منسوبا إلى المحل اسم فاعل، أي بجميع الصفات. هذا بيانه لفظا. وأما عقلا فلأن الدليل حيث علم على ما ينبغي، وتوصل إلى دقائقه، وربطت به الصفات جملة، يكون غاية قصوى، وما هو بأدنى من كون كل مسألة لها دليل مستقلّ، وقد رأينا أكابر العلماء يتفاوتون في رتب المعارف، ويتسابقون إلى أدراج الصفات تحت اللفظة أو الثلاث، كالإمام السنوسي (١) في الشهادة، وكالمقترح (٢) في الأسرار العقلية في الكلمة النبوية، ويعدون

المعارف، ويتسابقون إلى أدراج الصفات تحت اللفظة أو الثلاث، كالإمام السنوسي (١) في الشهادة، وكالمقترح (٢) في الأسرار العقلية في الكلمة النبوية، ويعدون

ذلك من الإدراك بمكان، ولا تصل إليه إلا أقوى الأذهان. وأما نقلا فقد قال ابن عرفة (١) في شامله الكلامي: التقليد اعتقاد جازم لقول غير معصوم صحيحه ما طابق برهانا إما بدليل إجمالي معجوز عن تقريره، وحل شبهه، أو تفصيلي مقدور عليهما فيه يعفي إيمان ذي التقليد فيهما، لا مع عصيانه بترك النظر إن قدر أو معه ثالثها هو كافر، ثم اشتغل بعزو الأقوال هذا محل الحاجة منه. قال المنجور (٢) في قوله معجوز عن تقديره وحل شبهه، هو نعت على سبيل الكشف، وكذا قوله مقدور عليهما فيه يعني التفصيلي هو نعت له أيضا على سبيل الكشف، فظهر من هذا كله إن الجملي معناه ما لم يتوصل المكلف إلى معرفته، بمعنى لا يقدر على تقريره، ولا يرد عليه من الشبه، مع كونه مطمئن القلب به، متمكنا منه، ولنحو هذا أشار السنوسي بقوله: ولا يشترط التعبير عما حصل في القلب، وتبين أن التفصيلي هو ما علمه المكلف قادرا على تقريره، وحلّ شبهه والتعبير عنه،

وقادرا على ردّ ما يرد عليه مطمئن القلب به أيضا، أما المحصل له نقلا عن كتاب، أو عن شيخ يحسن الظن به كمن تراه يسرد الأدلة سرادا، وربما حفظها في لوح أو من كثرة ما يسمعها، ولا يعلم إلا أن الأول ملزم والثاني لازم، وبيان الملازمة قال الشيخ الفلاني كذا، فليس ممن عرف الدليل، ولا ممن حام حوله، بل هو مقلّد في الدليل جمليا وتفصيليَّا، وفي مثله يقول ابن عرفة (١): ففي إيمان ذي التقليد فيهما يعني المقلد في الدليل الجملي والتفصيلي إلخ ما سبق عنه. فحكى فيه من الخلاف ما حكى غيره في المقلّد في الصفات دون دليل أصلا بالإيمان إفعال من الأمن، كأن حقيقة آمن به أمنّه التكذيب والمخالفة وهو يتعدى باللام تارة والباء أخرى ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ (٢). وفي الحديث: «الإيمان أن تؤمن بالله» (٣). فالإيمان الذي هو التصديق بالقلب إذعان للحكم وقبوله، كما أن التصديق مطلقا إيمانا وغيره الذي هو مقابل للتصور كذلك وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر والمخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الإمام القرافي (٤)

وهو في أوائل علم الميزان كذلك، على ما صرح به رئيسهم ابن سينا (١)، فلو حصل هذا المعنى لبعض الكفار، كان إطلاق اسم الكافر من حيث إنه عليه شيء من أمارات التكذيب والإنكار، كمثل إذا فرضنا أن أحدا صدق بجميع ما جاء به محمد ﷺ وعمل، ومع ذلك شد الزنار، أو سجد للمسيح بالاختيار؛ لأن النبي ﷺ جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار. فالإيمان الذي هو التصديق من أقسام العلم. وهو من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية. مثلا تصورنا النسبة بين شيئين وشككنا فيها، أهي بالإثبات أم بالنفي؟ ثم أقمنا البرهان على ثبوتها، فالذي يحصل لنا هو الإذعان والقبول لتلك النسبة وهو معنى الحكم والإيقاع والإثبات، وهذا هو الحق، لا ما ذهب إليه بعض المحققين وبعض المشايخ في مساق التفريق بين المعرفة والتصديق من حيث إن المعرفة لا

ة وهو معنى الحكم والإيقاع والإثبات، وهذا هو الحق، لا ما ذهب إليه بعض المحققين وبعض المشايخ في مساق التفريق بين المعرفة والتصديق من حيث إن المعرفة لا

تكفي إلا على ما ذكره بعض القدرية، وأطبق علماؤنا على فساده. فالفرق أن التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يثاب عليه، ويجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر. فالتصديق إذًا هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار، لم يكن تصديقا وإن كان معرفة. هذا حاصل هذا المذهب، والتصديق عنده فعل، والحق أنه انفعال. فإن قلت: إذا كان انفعالا فكيف يكلف به؟ والكيفية كالغريزة للنفس بعد الدليل، فكيف يكلف به؟ وكيف يثاب عليه؟ وكيف يجعل رأس العبادات؟ قلنا: لما كانت تلك الكيفية لا تحصل إلا بالاختيار في مباشرة الأسباب. وصرف النظر، ورفع الموانع، كان فيه ما ذكر. وهذا كله منحوت من السعد التفتازاني (١) في شرحه

للعقيدة النسفية، وقد أبطل المعرفة والاعتداد بها بما ذكر وبكونها تقع مع إنكار وعناد وجحد. قال: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ (١)، ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (٢) نعم: إذا كانت المعرفة بالاختيار فهي التصديق، ولا بأس بذلك على أنا نمنع حصول ذلك للكفار المعاندين، ولئن سلم فكرهم لما عليهم من أمارات التكذيب كما سبق من شد الزنار والله أعلم (٣). فثبت من هذا أن الإيمان يحصل بأمور اختيارية، هي البرهان بشروطه سواء أوجب البرهان صفة أو أكثر، فليس الإجمالي بإجمال الصفات يكون، إنما يكون بضعفه من حيث ما ذكر قبل، فتأمله. فقولكم: نفعكم الله هل هو حدوث العالم أردتم من حيث إنه يستلزم إثبات جميع الصفات واستلزامه لها ظاهرا، لكنه إن وصل به المكلف حق الوصول فليس بجملي لما مر. وأما قولكم: هل يؤخذ من قول السنوسي؛ فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، حيث ظهر لكم من قوله: إن كل مسألة بدليل معناه جمع المسائل يعني مسائل الاعتقاد في دليل واحد، وليس ذلك مدلول

علم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، حيث ظهر لكم من قوله: إن كل مسألة بدليل معناه جمع المسائل يعني مسائل الاعتقاد في دليل واحد، وليس ذلك مدلول

قوله فإنه في التركيب نظير قولك كل رَجُل له رِجْل فإن كلا إذا دخل على نكرة أفادت عموم الأفراد. وقد قوبل بفرد، فيكون لكل واحد واحد. ومحط كلام السنوسي أنه لا بد لكل مسألة من دليل، ولا يلزم أن يعرف كل مسألة بأزيد من دليل، هذا معنى الكلام. ونظرة في التركيب قولك مثلا لكل غاز سهم، فلا شك أن هذا الكلام موضوع لنفي الاشتراك في سهم، وللزيادة للواحد على سهم فكيف يكون قول السنوسي المذكور يفيد إجمال المسائل في دليل، بل هو موضوع لأعم من ذلك، ولنفي التكليف بالزيادة. وأما قولكم: في بيان أن حدوث العالم هو الإجمالي، بأن الله أشار إلى النظر والتفكر في غير ما آية، فإرشاد مولانا إلى النظر فيه، لا يفيد جمع المسائل الاعتقادية فيه، بل يفيد أنه دليل لما وضع له كأخذ الوجود منه في قوله: ﴿قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (١). ولمن سلم أنه في القرآن جمع المسائل الاعتقادية كلها فيه، فلا يؤخذ منه أنه هو الدليل الإجمالي الذي هو أدنى رتبة من التفصيلي، كيف والقرآن محشو بالأدلة التفصيلية من حيث وصول الناظر إليها على ما ينبغي، والإجمالية من حيث عدم ذلك. فالحاصل أن الدليل في نفسه لا يوصف بتفصيل ولا إجمال بل من حيث وصول المكلف. فإن وصل وصولا تاما، قادرا

على تقريره، وحل ما يرد عليه من الشبه، فهو الدليل التفصيلي. وإن وصل إليه وصولا ما، بحيث لو سئل لم يجب، وهو معنى العجز عن تقريره. وإن وردت عليه شبهة لم يحملها، فالدليل إجمالي فتسميته بأحد الأمرين حيث الناظر لا من حيث الدليل فاعرفه. وأما قولكم: ما هو الدليل التفصيلي؟ فقد علمته من كلام ابن عرفة أنه ما وصل على المطلوب وصولا تاما ولا معنى لحقيقته إلا ذلك. وأما قولكم: وما مثاله؟ فهو مبني على الخلاف فيه، هل يشترط فيه التركيب كما هو مذهب أهل علم الميزان حيث قالوا: وهو ما ركّب من مقدمات تستلزم قولا آخر، وذلك أعم من أن يركب، من صغرى وكبرى، أو من ملزوم ولازم. والقول الآخر الذي تستلزمه هو النتيجة. ومذهب الأصوليين هو ما وصل للمطلوب ولم يركب كقولنا الدليل على وجود الله حدوث العالم. وعلى الأول هو مخصوص بقولك في الاستدلال على وجوده أيضا العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدث. فهذا تركيب من صغرى وكبرى وهما المعنيان بالمقدمات. وجمعت على أن التثنية جمع أو اعتبارا بما في التركيب أجمع، والنتيجة قولنا العالم لا بد له من محدث وهو المعني بقولنا إنه استلزمته المقدمات، يعني قوة لا فعل، أي لا حصولا، أو من ملزوم ولازم نحو قوله فيما ذكر أيضا له محدث إلخ ... والله أعلم.

من محدث وهو المعني بقولنا إنه استلزمته المقدمات، يعني قوة لا فعل، أي لا حصولا، أو من ملزوم ولازم نحو قوله فيما ذكر أيضا له محدث إلخ ... والله أعلم.

وقد ذكر القولين السعد التفتازاني. هذا تمام الكلام على السؤال الأول، وبما ذكر منه في الإيمان عن السعد تعلم صحة قول من قال: إنه لا يثاب على الإيمان، وصحة قول من قال: إنه يثاب عليه، يعني إن نظر إلى نفسه الذي هو انفعال على ما سبق أنه الحق فهو من كيفيات النفس وليس كسبيا؛ فلا يثاب عليه، يعنى يثاب عليه باعتبار مبادئه الموصلة إليه. وأما على القول الذي نسب لبعض المحققين: إنه فعل من أفعال النفس فهو كسبي بلا شك، فالثواب عليه. لكن وجه بعض الأصوليين عدم الثواب عليه بأنه قربة، وكل قربة لا يثاب عليها إلا بشرطها الذي هو الإيمان. وليس قبل الإيمان إيمان فلم يحصل شرط الثواب، وهذا إن صحّ دليلا فلنا أن نقول به في أول جزء منه، أما استمراره فيثاب عليه؛ لأسبقية الإيمان عليه إذ هو عرض كسائر الأعراض، ومنه تعلم أنه حادث، إذ ليس فيه إلا قولان: فعل من أفعال النفس، أو انفعال وهما حادثان بالضرورة. وما يوجد في بعض المقيدات منسوبا للتفتازاني على الرسالة، وجوابه لزروق (١) عليها، كما وقفت عليه من أن الإيمان من قال

، أو انفعال وهما حادثان بالضرورة. وما يوجد في بعض المقيدات منسوبا للتفتازاني على الرسالة، وجوابه لزروق (١) عليها، كما وقفت عليه من أن الإيمان من قال

فيه: إنه حادث فقد كفر، ومن قال: إنه قديم فقد كفر، فلا يصح إلا على أحد الأمرين: أولهما: إنه حادث يعني من حيث ذاته، إذ هو مخلوق لله قديم من حيث متعلقه الذي هو الأمر الكلامي الأزلي، لكنه بهذا غير صحيح؛ إذ لا يلزم من قدم المتعلق كالقدرة مثلا قدم المتعلق كالمقدور، وإلا لزم قدم العالم كله من حيث قدم ما تعلق به. وهذا قول بمذهب الفلاسفة على أنهم ما أمكنهم دعوى قدمه في زعمهم، حتى نفوا الصفات وجعلوه يؤثر بالذات وهو معنى التعليل، وذلك لما ثبت بالعقل بإجماع منا، ومنهم أن المفعول بالقصد والاختيار حادث بالزمان بمعنى المسبوقية بالعدم، بخلاف المفعول بالذات فإنه حادث بالزمان، بمعنى المسبوقية بالعدم، فكيف يمكن من أثبت الصفات أن يقول بقدم شيء فعل بالقصد والاختيار. هذا بديهي بعد معرفة ما سبق، وقد اشتهر من القواعد العقلية: أنه لا يلزم من قدم المتعلق كما ذكره السعد وغيره. الأمر الثاني: إنه لا يليق غيره لو قصده الإمام زروقا: إنه لا يقال الإيمان على معنى أنه لم يسبق بعدم بل لا بد من القول بحدوثه بهذا المعنى، إذا هو مسبوق بعدم، وطروّه ظاهر بالبديهة، إذ هو عرض يخلقه الله في قلب من هداه كالكافر يطرأ عليهم الإيمان، فهو حادث لا محالة. وأيضا هو صفة بعض الحوادث فلا يمكن القول بقدمه.

وّه ظاهر بالبديهة، إذ هو عرض يخلقه الله في قلب من هداه كالكافر يطرأ عليهم الإيمان، فهو حادث لا محالة. وأيضا هو صفة بعض الحوادث فلا يمكن القول بقدمه.

ومعنى أنه لا يقال بحدوثه على حيثية أخرى، أي يقال: إنه كان غير مطلوب في بعض الشرائع كالصلوات الخمس، ثم حدث أي صار واجبا بعد أن لم يكن واجبا. فإن القول بهذا كفر؛ لأن الإيمان بالله من الخصال التي اتفقت عليها الملل في وجوبها. وهذا في إيمان العبادات إيمان الله الذي هو تصديقه لمن صدقه فهو قديم إذ هو صفة، وهذا لا يزيد ولا ينقص بإجماع. وهذا من شجون المقال. فلنرجع لأصل السؤال. ثانيها: قولهم إن وجودنا هل يقال فيه: إنه واجب، أو جائز مطلقا كما صرح به في برهان الثناء (كذا)؟ فأقول وبالله الفكر يجول: إن حقيقة الجائز ما لو وقع لم يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. والعارض لا يدفع الجواز الأصلي الذاتي. قال التفتازاني (١) في تكليف ما لا يطاق: إنه جائز عقلا وهو غير واقع، بدليل قوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢). وذهبت المعتزلة إلى استحالته عقلا، بناءً على مذهبهم بالتحسين والتقبيح بالعقل. وأما وقوعه فهو محال، وذلك لا يدفع جوازه الأصلي. فإن قلت: لا يصح جوازه؛ لأن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال، وهذا لو وقع لكان تكذيبا للخبر الصادق، وهو محال.

فالجواب: إن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال لذاته. وهذا الواقع لم يلزمه منه محال لذاته، وإنما جاءه المحال من عارض، وذلك لا يدفع الجواز الأصلي، كما تقول في الموجود: إنه جائز الوجود والعدم، يعني من حيث ذاته. وإن كان عدمه محالا يعني لمشاهدة وجوده، فإن العارض لا يدفع الحكم الأصلي. فمعناه موضحا، فقد جعل محل سؤالكم واستشكالكم استشهادا، فإذًا يقال: إنه جائز من حيث ذاته مطلقا قبل الوجود وبعده. فإن اعتبرت العارض ذكرته مقيدا، فقلت: واجب الوجود لفرض وجوده، بخلاف ما بالذات فإنه عند الإطلاق ينصرف الذهن إليه. إيضاح آخر: أن لو لم نعتبر الذات لما بقي جائز، واللازم باطل، فالملزوم مثله بيان الملازمة أن علمه قد أحاط بالجائز على تفاصيله من كونه يقع أو لا يقع، فلو اعتبرنا العارض كالعلم العارض للجائز لما بقي جائزا، إذًا ما علم عدمه يكون واجب العدم، وما علم وجوده يكون واجب الوجود قبل أن يوجد. فكيف بعد الوجود؛ فثبت أن الجواز يثبت للجائز من حيث هو هو، وأن الوجوب يثبت له من حيث فرض الوقوع لأحد طرفيه بعارض الوجود المشاهد أو المعلوم، فتأمل ذلك حق التأمل، وكن من الشاكرين. ثالثها: قولهم ما هو الحال في كونه قادرا؟ هل ما يفهم من القادرية بين كونه وقادرا، وكذا في كل صفة؟ وهل هنا كالحال

في قول النحاة جاء زيد راكبا؟ وهل الحال المعنوية الحادثة في حقنا مخلوقة تتعلق بها القدرة أم لا؟ هذا تمام ما لهم من سؤال. فأقول بحول من به الفكر يجول: إن سؤالك في الحال سؤال عن عنقاء مغرب، وقد اختلف الناس قديما وحديثا في إثباتها وتقييمها. والثابت المحقق لكل الأذهان لا يقدر على نفيه إنسان. وأدلّة نفاتها كثيرة، وأدلّة مثبتيها كذلك. وقد ألَّف كل في قصده، وألَّف بعض العلماء نصافة بينهما بعد اطلاعه على غاية ما وصل إليه عقول الفريقين، وذكر كلامهم، وكلام المصنف بينهم، يتلخص لك ما هي عند من أثبتها. وإن علم أن أول من تكلم في الحال الجبائي، وأبو هاشم (١)، وما كانت مذكورة قبلهما أصلا، فأثبتها أبو هاشم، ونفاها أبوه الجبائي (٢). وأثبتها الباقلاني (٣) بعد أن تردد فيها. ونفاها صاحب مذهبه

ئي، وأبو هاشم (١)، وما كانت مذكورة قبلهما أصلا، فأثبتها أبو هاشم، ونفاها أبوه الجبائي (٢). وأثبتها الباقلاني (٣) بعد أن تردد فيها. ونفاها صاحب مذهبه

الشيخ أبو الحسن الأشعري (١) وأصحابه. ولإمام الحرمين (٢) قولان: والأولى أن يبيّن ما هو الحال التي توارد فيها النفي والإثبات؟ وما مذهب المثبتين فيها؟ وما مذهب النافين؟ أما بيانها ما هي؟ فليس للحال حدّ حقيقي يشمل جميع الأحوال " فإن الحد حال" فلو ثبت للحال حد لثبت الحال للحال، وذلك لا يصح. فإذا وجب أن لها ضابطا وحاضرا فانحصر انقسامها إلى ما يعلل وما لا يعلل. وما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات. وما لا يعلل فهي معان ليست أحكاما لمعاني. أما الأول: فكل حكم لعلة قامت بذات، ككون الحي حيّا عالما سميعا بصيرا؛ لأن كونه حيّا يعلل بالحياء مثلا فتقوم الحياة بمحل، وتوجب كون المحل حيّا، وتسمى هذا الأحكام أحوالا وصفات زائدة على المعاني التي أوجبتها، لكن الجبائي إنما يثبت

الحال لصفة من شرط الحياة ككون الحي حيّا وعالما. وعند القاضي أبي بكر الباقلاني مطلقا، فزاد كون المتحرك متحركا، والساكن ساكنا. وابن الجبائي عنده الحال وصف لجميع الذات؛ لأن البقية عنده شرط، فلا يثبت للقديم حالا. ولما كانت البنية شرطا، كانت في أجزائها في حكم المحل الواحد فتوصف بالحال. وعند القاضي البنية ليست شرطا، فثبت للقديم والحادث وهي في الحادث وصف للجزء الذي قام به المعنى فقط. وأما القسم الثاني: فهو كل صفة تثبت للذات من غير علّة زائدة على الذات كتحيز الجواهر. وكونه موجودا، وكون العرض عرضا، ولونا وسوادا، وكذا قال المديوني (١) في شرح السلالجي (٢) أبي عمرو: إن الصفة النفسية كل صفة إثبات للذّات من غير معنى زائد على الذات، كالتحيز للجوهر، وقبوله الأعراض، وحدوثه وافتقاره للفاعل (٣).

السلالجي (٢) أبي عمرو: إن الصفة النفسية كل صفة إثبات للذّات من غير معنى زائد على الذات، كالتحيز للجوهر، وقبوله الأعراض، وحدوثه وافتقاره للفاعل (٣).

وإنما نقلت كلامه وإن كان فيه ما في غيره؛ لتصريحه بأن الافتقار صفة نفسية، وذلك صريح في حدوثه عكس ما عليه أهل العصر، وقد أفردناه بورقات. وأما الضابط فهو أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره. وإنما يتميز بخاصية هي الحال، وما تماثل المماثلات به فهو حال، وهي التي تسمى صفة الأجناس فيما به التماثل، وصفة الأنواع فيما به التخالف. والحال عند المثبتين ليست موجودة، ولا أشياء، ولا يوصف بصفة. وعند الجبّائي ليست هي معلومة على حيالها، إنما تعلم مع الذّات. وأما نفاة الأحوال فعندهم تتماثل وتتخالف بذواتها المعيّنة. وأما الأجناس والأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ الدالة عليها فقط. وكذلك خصوصها، وقد يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه. والوجوه اعتبارات عقلية لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات. هذا تقرير المذهبين، أعني مذهب الفريقين في الحال. استدل المثبتون أن العقل يقتضي ضرورة أن السواد والبياض يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية، ويفترقان في قضية وهي السوادية والبياضية، فما به الاشتراك عين ما به الافتراق أو غيره. الأول سفسطة، والثاني: تسليم للمسألة. وبيانه: إن السواد لو لم يوجب للمحل حكما وصفة وهي السوادية والبياضية لم يفترقا ولم يشتركا. لكن عدم افتراقهما

واشتراكهما باطل ضرورة، وحيث الاشتراك والافتراق لم يخل، إما أن يفترقا بأمر أو يشتركا بأمر أم لا؟ وافتراقهما بلا أمر واشتراكهما لا في أمر باطل ضرورة، فثبت أنهما بأمر، ثم ذلك الأمر إما أن يكون واحدا أم لا؟ وكونه واحدا سفسطة؛ إذ هو بديهي، يعني البطلان؛ لعدم صحة كون الأمر الواحد مفرقا مشتركا بين شيئين. وحيث ثبت ذلك الأمر فذلك الأمر هو المعني بالحال. هذا دليل المثبتة. قال النافون لأحوال السواد والبياض: المعين لا يشتركان قط في شيء هو كالصفة لهما، بل يشتركان في شيء هو اللفظ على الجزئية والنوعية والعموم، والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال السواد والبياض، فإن حالتي الفرضين يشتركان في الحالية، ولا يقتضي ذلك ثبوت حال للحال؛ فإنه يؤدي إلى التسلسل، والعموم كالعموم، والخواص كالخواص، هذا كلامهم. وبيانه: أن الاشتراك والافتراق إنما هو بلفظ عام أو خاص، فإن عبّرت عن البياض بلفظ لون عمه هذا اللفظ وعمّ السواد، وإن عبّرت عنه بلفظ البياض خصّه هذا اللفظ دون السواد. والدليل على ذلك مرجعه اللّفظ لا لأمر وراء اللفظ، إن الحال أيضا يعبر عنه بما يعمّه ويخصّه فتعبر عن البياضية بأنها حال، وهذا أمر يعمها وسائر الأحوال. وتعبر عنها بأمر يخصها هي البياضية مثلا، وهو أمر يخصها

لحال أيضا يعبر عنه بما يعمّه ويخصّه فتعبر عن البياضية بأنها حال، وهذا أمر يعمها وسائر الأحوال. وتعبر عنها بأمر يخصها هي البياضية مثلا، وهو أمر يخصها

دون السواد، فلو كان الذي به الاشتراك والافتراق وصفا وراء اللفظ وحالا لثبت للحال حال، وذلك يؤدي إلى التسلسل هذا على تقدير تسليم الاشتراك، وسيأتي كلام المصنف بين الفريقين. وبه يتبين لك أن المثبتة ذهبوا إلى أن الحقائق لا يفيد تعينها كمطلق البياض مثلا، لا يفيد بياض زيد مثلا فهو لا يشارك سواد عمرو كما قالت النفاة. قال المثبتون: الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ، وإنما وضع اللفظ على وفق ذلك ومطابقته، ونحن إنما تمسكنا بألفاظنا العقلية دون الألفاظ الوصفية. ومن اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد قد أنكر الحدود العقلية للأشياء، والأدلة القطعية على المدلولات، والأشياء لو كانت تتمايز بذواتها ووجودها لبطل القول بالقضايا العقلية، وانحسم الاستدلال بشيء حاصل على شيء مكتسب مستحصل، وما لم يندرج في الأدلة العقلية عموما عقليا لم يصل إلى العلم بالمدلول قط، وما لم يتحقق في الحد شمول لجميع المحدودات لم يصل إلى العلم بالمحدود. قال النافون: الكلام على المذاهب ردا وقبولا إنما يصح بعد كون المذهب معقولا، ونحن نعلم بالبديهة ألا واسطة بين النفي والإثبات، ولا بين العدم والوجود، وأنتم اعتقدتم الحال لا موجودة وهو متناقض بالبديهة، ثم فرقتم بين الثبوت والوجود، فأطلقتم عليها لفظ الثبوت فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا كيف يسوغ استماعه؟

م اعتقدتم الحال لا موجودة وهو متناقض بالبديهة، ثم فرقتم بين الثبوت والوجود، فأطلقتم عليها لفظ الثبوت فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا كيف يسوغ استماعه؟

ومن العجب قول ابن الجبّائي لا توصف بكونها معلومة ومجهولة. وغاية الاستدلال إثبات العلم بالمستدل عليه، وأنتم أنتج دليلكم أمرا لا يعلم. والدليل ينتج العلم، هذا تناقض في الكلام. ثم ما المعني بقولكم الافتراق والاشتراك قضية عقلية وراء اللفظ؟ إن عنيتم به أن الشيء الواحد يعلم من وجه ويجهل من وجوه. فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية وتقديرات، ولا يعني ذلك بصفات ثابتة للذات كما في النسب والإضافات مثل القرب والبعد في الجوهرين. وإن عنيتم بذلك أن الشيء الواحد يتحقق له صفات فيها الشركة والافتراق فهو نفس المتنازع فيه، فإن الشيء الواحد المعين لا شركة فيه بوجه، والشيء المشترك العام لا وجود له ألبتة، وإلزامكم إيانا حسم باب الاستدلال بكم أولى، فإن غاية أمر المستدل أن يأتي في نظره بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني، وأنتم قد أتبعتم الحال واسطة بين الوجود والعدم، فلم يفد التقسيم علما، ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال واحد. فحد الشيء حقيقته، وحقيقته ما اختص به في ذاته عن سائر الأشياء، ولكل شيء خاصية يتميز بها عن غيره. وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه، ولا يشارك فيها بوجه وإلا بطل الاختصاص. وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى الأقوال الموضوعة له؛ ليربط شكل بشكل، ونظير بنظير. والذات لا تشتمل على عموم

وإلا بطل الاختصاص. وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى الأقوال الموضوعة له؛ ليربط شكل بشكل، ونظير بنظير. والذات لا تشتمل على عموم

وخصوص ألبتة، بل وجود الشيء وأخص وصفه واحد. فالمتحصل من كلام هؤلاء النفاة في الحال النفسية والمعنوية أنها ليست بأمر زائد على الموصوف بها، بل ذات الشيء كالبياض، وأخص وصفه، أو أعمه كالبياضية واللونية حين عينه، وإنما نذكر تعبيرا عنه، ولحظا من حيثيَّاته، فإذا نظرت فيه من حيث كونه تابعا لتحيز غيره عبرت عنه بالعرض، فليست العرضية صفة للبياض، بل هي عينه. وإذا نظرت فيه من حيث كونه مختصا بموصوف عبرت عنه بالوصف الشامل له، ولصفة الباري والمجرّدات كالنفوس البشرية عند مثبتها. وإذا نظرت له من حيث إنه اللون المفرق للبصر عبّرت عنه بالبياض، وإن نظرت إليه من حيث كونه كاللباس للجرم عبّرت عنه بأنه لون. فبهذا بان لك معنى قولهم مرة: إنها وجوه واعتبارات، ومرة: إنها أمور لفظية، وليس كل هذه الحيثيات صفات زائدة في المنظور فيه، هذا معنى نفي الحال، وأنها وجوه واعتبارات. قال المثبتون: لم نثبت قط واسطة بين النفي والإثبات، بل بين الوجود والعدم، وأنتم معاشر النفاة وافقتمونا على أن الحركة علة لكون الجرم متحركا لاتفاق الجميع على ذلك، وكذا جميع المعاني والأعراض كالقدرة والعلم، والعلة توجب المعلول، وذلك المعلول ليس نفسها؛ لاستحالة كون الشيء الواحد من وجه واحد يوجب نفسه، فوجب أن يوجب أمرا آخر. ثم لا يجوز أن يكون ذلك الأمر ذاتا على حيالها، كإيجاب القدرة مثلا

قدرة، فمن ذلك يؤدي إلى التسلسل فتعين أنه صفة لذلك، وذلك هو المعنى بالحال، فالقيمة العقلية حملتنا على إثباتها والضرورة ألجأتنا على ألا نسميها موجودة على حيالها، وقد يعلم الشيء مع غيره، ولا يعلم على حياله كالتأليف من الجوهرين، والممارسة، والقرب والبعد. وأما قولكم: إنه راجع إلى وجوه واعتبارات عقلية، فنقول: إن هذه الوجوه والاعتبارات ليست مطلقة مرسلة، بل مختصة بذوات، فالوجوه العقلية لذات واحدة هي بعينها الأحوال، فإن تلك الوجوه ليست ألفاظا مجردة قائمة بالمتكلم، بل هي حقائق معلومة معقولة لا أنها موجودة على حيالها، ولا معلومة على انفرادها، وهي صفات توصف بها الذوات، فما عبرتم عنه بالوجود عبرنا عنه بالأحوال، فإن المعلومين قد يتمايزان، وإن كانت الذّات متحدة. وتمايز المعلومين يدل على تعدد الوجهين الحالين وهما معلومان ومحققان تعلق بهما علمان متميزان، وليس ذلك كالنسب والإضافات، ولا أنها ترجع إلى ألفاظ مجردة، وليس فيها علم محقق متعلق بمعلوم محقق. وقولهم: الشيء الواحد لا شركة فيه، والمشترك لا وجود له باطل؛ فإن الشيء المعين من حيث هو معين لا شركة فيه، وهذه الصفات التي أثبتناها ليست معينة مخصصة، بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين، ويقع بها الشمول والعموم، وهي من القضايا الضرورية، كالوجوه عند كون ردّ التعميم والتخصيص إلى مجرد الألفاظ، فقد أبطل الوجوه والاعتبارات

تخصيص والتعيين، ويقع بها الشمول والعموم، وهي من القضايا الضرورية، كالوجوه عند كون ردّ التعميم والتخصيص إلى مجرد الألفاظ، فقد أبطل الوجوه والاعتبارات

العقلية، أليست العبارة تتبدل لغة بلغة، حالة بحالة؟ وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل، بل الذوات ثابتة عليها قبل التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء. ومن ردها إلى الاعتبارات فقد ناقض بردها إلى العبارات، فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا تتغير بعقل وعقل، والعبارات تتبدل بلسان ولسان وزمان وزمان. وقولكم معاشر النفاة: حدّ الشيء وحقيقته، وذاته، وعينه عبارة عن معتبر واحد، والأشياء إنما تتمايز ذواتها، ولا شركة في الخواص. قال المثبتون: إن الأمر كذلك، لكن خاصية كل شيء معين غير، وخاصيّة كل نوع محقق غير، وأنتم لا تجدون جوهرا لعينه على الخصوص، بل تجدون الجوهر من حيث هو جوهر على الإطلاق، فقد أثبتم معنًى عاما يعم الجواهر وهو التحيز مثلا، وإلا كان كل وجوهر على حياله محتاجا إلى حد على حياله، ولا يجوز أن يجري حكم جوهر في جوهر من التحيز، وقبول العرض والقيام بالنفس. فإذا لم تجد بُدا من إدراج أمر عام معقول في الحدود فذلك يبطل قولكم: إن الأشياء تتمايز بذواتها، وهو يصحح قولنا: إن الحدود لا تستغني من عمومات الألفاظ، وتدل على صفات عموم الذوات وصفات خصوص، وتلك أحوال لها وجوه واعتبارات عقلية، أو ما شئت فسمها بعد الاتفاق على المعاني والحقائق، وقد طال التراجع بين

اظ، وتدل على صفات عموم الذوات وصفات خصوص، وتلك أحوال لها وجوه واعتبارات عقلية، أو ما شئت فسمها بعد الاتفاق على المعاني والحقائق، وقد طال التراجع بين

الفريقين، وإنا نذكر لك الآن مقالة بعض الفريقين. قال بعض المحققين ممنّ اطلع على نهاية اختلاف الفريقين: إن النفاة أخطئوا من ثلاثة أوجه، أما خطأ النفاة فمن ردهم إلى العموم والخصوص للألفاظ المجردة، وأن الأشياء المختلفة تختلف بذواتها ووجودها، وكلامكم هذا يناقض بعضه بعضا، ويدفع أوله آخره، وهذا إنكار لأخص أوصاف العقل، أليس هذا الرد حكما عاما على كل حال عام وخاص، فإنه راجع إلى اللفظ المجرد. أليست الألفاظ المجردة لو رفعت فمن البيّن ألا ترفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا عقل لها ولا نطق، لم تقدم هذه الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من العشب فتأكله، ثم إذا رأت مماثله ما اعتراها ريب في أنه مأكول، كالأول. فلولا أنها تخلية من الثاني عين حكم الأول، وهو كونه مأكولا وإلا لما أكلت، وتعرف جنسها فتألف به، وتعرف ضدّها فتهرب عنه. ولقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب الحد وشموله للمحدودات، وباب النظر وتضمنه للعلم. قال المصنف: وأنا أقول بل حسمتم على العقول باب الإدراك، وعلى الألسن باب الكلام، وأن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة للنوع الإنساني، وكذا العرضية، وهو مفهوم العبارات ومدلولها لأنفسها؛ لأن العبارة تدل على معنى في الذهن محقق، هو مدلول العبارة والمعبر عنه لو تبدلت العبارة عجمية، وعربية، ورومية لم يتبدل المدلول، ثم ما من كلام تام ويختص

أن العبارة تدل على معنى في الذهن محقق، هو مدلول العبارة والمعبر عنه لو تبدلت العبارة عجمية، وعربية، ورومية لم يتبدل المدلول، ثم ما من كلام تام ويختص

معنى عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا. وتلك المعاني العامة من أخصّ أوصاف النفوس الإنسانية، فمن أنكرها معقولة خرج عن حدود الإنسانية ودخل في حريم البهيمية ﴿بل هم أضل سبيلا﴾ (١). وأما الخطأ الثاني: فهو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعينة، وذلك من أشنع المغالاة والشيء، وإن كان إنما يميز عن غيره بأخص وصفه، فأخص وصف نوع الشيء غير، وأخص وصف الذات المشار إليها غير، فإن الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا معينا تعيينا شخصيا، فإن الجوهر إنما يتميز عن جوهر آخر معين يتميز مخصوص لا بتميز مطلقا، وقد لا يمتاز جوهر معين عن عرض متعين يتميز مخصوص، وليس بالأعم كالوجود بل بأخص أوصافها بشرط أن يكون كلية عامة، ولو كان التميز بالذوات لزم ألا يجري حكم مثل في مثل. فلو أقمت دليلا على حدوث جوهر لزمك إقامة آخر على جوهر آخر، ولو حكم على الجوهر بأنه قابل العرض، ولم يسلب هذا الحكم عن العرض، إذ إجزاء الحكم ونفية بإثبات ما به التماثل والاختلاف، وحيث لم يثبت الحال لم يثبت تخالف ولا تماثل، وارتفع العقل والمعقول وتقدر الحس والمحسوس. وأما وجه خطأ المثبتين للحال فإنهم أثبتوا للموجود المعين

المشار إليه صفات مخصوصة به، وصفات يشاركه فيها غيره من الموجودات، وهو من أمحل المحال، فإن المختص بالشيء المعين والذي يشاركه غيره فيه واحد بالنسبة إلى ذلك المعين المشار إليه. فإن الوجود إذا تخصص بالفرضية فهو بعينه عرض، والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي بعينها لون، وكذلك اللونية بالسوادية. والسوادية بهذا السواد المشار إليه فليس من المعقول أن توجد صفة لشيء معين هي بعينها توجد لشيء آخر كسواد واحد في محلين، وجوهر واحد في مكانين، ثم لا يكون ذلك في الحقيقة عموما وخصوصا، فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص؛ إذ يكون خاصا في كل محل، ولا يكون ألبتة عاما. وإذا لم يكن عاما لم يكن خاصا أيضا فيتناقض الكلام. والخطأ الثاني: أنهم قالوا: الحال لا توصف بالوجود ولا بالعدم، والوجود عندهم حال فكيف يصح أن يقال الوجود لا يوصف بالوجود ولا بالعدم؟ وهل هو إلا تناقض في اللفظ والمعنى جميعا؟ وما لا يوصف بالوجود ولا بالعدم كيف يصح أن يعم أصنافا وأنواعا؛ لأن العموم والشمول يستويان، أولا وجودا محققا وثبوتا حتى يشمل ويعم ويخص ويتعين، وأيضا أثبتوا العلّة والمعلول، ثم قالوا: العلّة توجب المعلول وما ليس بموجود كيف يوجب غيره، والعلمية والعالمية عندهم حال، والموجب حال، والموجَب حال، والحال لا توجب الحال للحال؛ لأن ما لا يتصف بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا.

يوجب غيره، والعلمية والعالمية عندهم حال، والموجب حال، والموجَب حال، والحال لا توجب الحال للحال؛ لأن ما لا يتصف بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا.

والخطأ الثالث: أنا نقول معاشر المثبتين كلما أثبتّموه هو الحال عندكم فأرونا موجودا في الشاهد، والغائب، هو ليس بحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم، فإن الوجود الذي هو الأعم الشامل، القديم والحادث عندكم حال والجوهرية والتحيز، وقبوله للأعراض والعرضية واللونية والسوادية. وأخص وصف هذا السواد بعينه، كلها أحوال، فليس على ما يقتضي مذهبكم شيء ما في الوجود ليس بحال وإن ثبت ليس بحال، فذلك الشيء يشتمل على عموم وخصوص، والأخص والأعم عندكم حال فإذا لا شيء إلا شيء، ولا وجود إلا لا وجود، وهذا أمحل المحال. فالحق إذًا في المسألة أن الإنسان يجد من نفسه ضرورة تصور أشياء كلية عامة مطلقة دون ملاحظة جانب الألفاظ جانب الأعيان، ويجد من نفسه اعتبارات عقلية لشيء واحد، وهي إما أن ترجع إلى الألفاظ المجردة، وقد أبطلناها. وإما أن ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها وقد زيفناها فلم يبق إلا أن يقال: هي معان موجودة محققة في ذهن الإنسان والعقل الإنساني هو المدرك لها من حيث هي كلية عامة، ولا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقا، في الأعيان، ولا عرض مطلقا ولا لون مطلقا، بل هي في الأعيان بحيث يتصور العقل منها معنًى كليا عاما، فتصاغ له عبارة تطابقه، وتنص عليه، ويعتبر العقل فيها معنى ووجها، فتصاغ له فيها عبارة حتى لو طاحت العبارة، أو تبدلت لم يبطل المعنى المقدر في الذهن المتصور في العقل.

تطابقه، وتنص عليه، ويعتبر العقل فيها معنى ووجها، فتصاغ له فيها عبارة حتى لو طاحت العبارة، أو تبدلت لم يبطل المعنى المقدر في الذهن المتصور في العقل.

فنفاة الأحوال أخطئوا من حيث ردّوها إلى العبارات المجردة، وأصابوا حيث قالوا: ما ثبت وجوده معينا لا عموم فيه، ولا اعتبار. ومثبتو الأحوال أخطئوا من ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا حيث قالوا: هي معان معقولة وراء العبارات، فكان من حقهم أن يقولوا: هي موجودة متصورة في الأذهان، معدومة في الأعيان، بدل قولهم لا موجودة ولا معدومة. وهذه المعاني مما لا ينكرها عاقل من نفسه، غير أن بعضهم يعبر عنها بالتصور في الأذهان، وبعضهم يعبر عنها بالتقدير في العقل، وبعضهم يعبر عنها بالحقائق والمعاني التي هي مدلولات العبارات وإلا الألفاظ، وبعضهم يعبر عنها بصفات الأجناس والأنواع والمعاني إذا لاحت للعقول، واتضحت فيعبر المعبر عنها بما تيسر له. والحقائق والمعاني إذًا ذات اعتبارات ثلاثة: فاعتبارها في ذواتها وأنفسها، واعتبارها بالنسبة إلى الأعيان، واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان. وهي من حيث هي موجودة في الأعيان يعرض لها أن تتعين. من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض لها أن تعم وتشمل. وهي باعتبارها في ذواتها وأنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ولا خصوص. ومن عرف هذه الاعتبارات الثلاثة زال إشكاله في مسألة الحال، وتبين الحق. هذا كلام المصنف بين الفريقين. هذا

ها وأنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ولا خصوص. ومن عرف هذه الاعتبارات الثلاثة زال إشكاله في مسألة الحال، وتبين الحق. هذا كلام المصنف بين الفريقين. هذا

منتهى القدم في المسألة مما أدرك وعبّر عنه ترجمان اللسان والعلم. فإذا علمت هذا كله فالذي نفى الحال مطلقا، نفسية ومعنوية، حصل ما يعبر عنه بالقادرية، أو بكونه قادرا هي القدرة مثلا، أو قيامها بالمحل، ومن أثبتها جعل البياض والقدرة إذا قاما بالمحل موجبان له معنى آخر غير قيامه له، معقول في الذهن تعبر عنه بكونه أبيض، أو البياضية، أو كونه قادرا، وبالقادرية نزاع الناس فيما ذكر كما سطر. لعل شيئا وراء هذه العبارة، وهي كونه أبيض أو البياضية أو ليس هناك إلا الذات في النفسية، وإلا الذات والصفة القائمة بها في الذات مع القدرة يعبر عن ذلك الاتصاف بإحدى العبارتين لا غير. فعلى الأول: ثمّ معنى آخر وراء الاتصاف، وعلى الثاني: لا ثمّ التعبير يصح على قولي المثبتة والنفاة بكونه قادرا أو بالقادرية. وممن عبر بالقادرية، والمريدية، والعالمية، والحبيبية، والسمعية، والبصرية، والكلامية ابن الحاجب (١) في عقيدته، وأبو بكر (٢)، والمقترح (٣). وممن عبر بالكونية الإمام السنوسي، وممن عبر بالعبارتين كونه عالما مثله، والعالمية المديوني في شرحه للسلالجي، وربما

عبر بعالم على معنى العالمية، فتأمله. ثم التعبير بكونه قادرا .. وبالقادرية على لحظين. فإن اعتبرت الحال فقط بقطع النظر عن ذكر الموصوف بها، قلت: البياضية، واللونية، والسوادية، والقادرية، وإن اعتبرته مع النظر إلى إنصاف الموصوف به قلت: يجب للموصوف بالقدرة مثلا كونه قادرا. والعبارة الكاشفة عن المسألة أن معنى القادرية صفة أوجبتها القدرة، فلذلك ذكرت بياء النسب، منسوبة لما أوجبها. ومعنى كونه أي الموصوف قادرا هو اتّصافه بالقادرية المذكورة هذا عند من أثبتها، أما من نفاها فعنده كونه قادرا، أو القادرية ألفاظ وعبارات في قول أو وجوه واعتبارات، أي حيثيات في آخر ليس وراء اللفط شيء محقق، بل هي كالقبلية والبعدية من حيثيات لا من ذات الموصوف بها. ولا وصف هناك أصلا. ومن ثمّ أجمع الناس على كفر من نفى قادرا. وإنما الخلاف في كونه قادرا أو القادرية بالنفي والإثبات وعليهما، فهو قادر بسبب اتصافه بالقادرية وبالقدرة على من نفى الحال. فإن قلت: إن بنينا على مذهب من نفى المعاني كالقدرة ونفى الأحوال، فبأي وجه يسمى قادرا، بل اللازم عليه عدم التسمية وقد أطبق المعتزلة (١) على نفي المعاني، واختلفوا في

ينا على مذهب من نفى المعاني كالقدرة ونفى الأحوال، فبأي وجه يسمى قادرا، بل اللازم عليه عدم التسمية وقد أطبق المعتزلة (١) على نفي المعاني، واختلفوا في

المعنوية كما علمت، فكيف يجمع على تكفيرهم من حيث كان عند بعضهم نفي الحال مع موضع الاتفاق عندهم على نفي المعاني. قلت: هم وإن نفوا جميع ذلك يجعلونه قادرا بالذات ولا ينفون أنه قادر، والفلاسفة قبل الإسلام قائلون بنفي المعاني والمعنوية، ومع ذلك يقولون: إنه قادر، إذ لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، إذ لا معنى لنفي قادر إلا ذلك. والإجماع على كفر من وسمه بالعجز. هذا ما تيسر في القول والكلام في هذه المسألة طويل الذيل، فخذ جهد المقل الفقير، والله على كل شيء قدير. وأما قولكم هل الحال هنا كالحال عند النحاة؟ فأقول: لا، فإن الحال عند النحاة يقابل النعت، ولا بد من كون اللفظ الدال عليها نكرة، وهي لدفع وصف آخر على الذّات بخلاف النعت. فقولك: جاء زيد راكبا، أردت دفع أن زيدا الجائي إنما جاء ماشيا، ولذلك قالوا: إنها تبين ما انبهم من الهيئات. وقولكم: جاء زيد الراكب في النعت مثلا إنما جئت به لندفع ذاتا مشاركة لهذا في الاسم لكن تتصف بالركوب.

Bagian 1 dari 3