الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الطوفي (w. 716 H).

Bagian 17 dari 25 943 halaman

— Bagian 17 · ودانيال «١» والأنبياء الاثني عشر «٢»، ومزامير «٣… —

Bagian 17

ودانيال «١» والأنبياء الاثني عشر «٢»، ومزامير «٣» داود، ونحوها. واعلم أن هذه الكتب مما لا تقوم الحجة علينا بها. لأنها عندنا محرفة مبدلة «٤». نعم: التبديل لم يأت على جميعها، بل دخلها في الجملة. فلهذا قال

نبينا محمد- ﵊: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم،" وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون «١»». فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما

حدثونا «١» به مما حرف جزما، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرف «٢». عدلا منه ﷺ ولو لم يكن للعاقل دليل على صدقه- ﵇ إلا هذا لكفاه، كما قررته في التعليق على بعض كتب الأوائل «٣»، وفي آخر هذا التعليق «٤». ولهذا قال علماء الحديث من المسلمين: إن الراوي إذا عرف منه الكذب يرد حديثه كله، ويصير غير موثوق به. وكذلك من اختلط ولم يتميز ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعده، يترك/ الكل احتياطا، وحزما في الدين. وأيضا: كما أنهم لا يعدون كتابنا حجة عليهم، كذلك نحن لا نعد كتبهم حجة علينا وأولى، لأن كتبهم تقادم عهدها، وتعاورتها اللغات لفظا وكتابة، بخلاف كتابنا. أما «٥» التهمة فهي متجهة إلينا منهم، وإليهم منا.

وأيضا: فإن هذا النصراني في استدلاله بما لا تقوم به الحجة علينا. إما أن يكون مع العلم بذلك فهو مغالطة ومخاتلة/ وتغابي «١»: إن قصد إقامة الحجة علينا. وتحصيل الحاصل. إن قصد إقامة الحجة للنصارى إذ هم «٢» في ثبوتهم على دينهم «٣» غنيون عن ذلك، حتى لو أراد منهم خلافه لما أطاعوه. أو مع عدم العلم فهو جهالة/ بمذهب الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على مناظرته. وفائدة هذه المقدمة: سد باب الاستدلال علينا بكتب الأوائل مطلقا.

الة/ بمذهب الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على مناظرته. وفائدة هذه المقدمة: سد باب الاستدلال علينا بكتب الأوائل مطلقا.

[المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع] المقدمة الثانية: إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله- سبحانه- إنما خلق العباد ليعبدوه كما صرح بذلك في القرآن الكريم حيث يقول: وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٤». لكن لما كانت عبادة المعبود تستدعي تقدم معرفته، خلق لهم العقول ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها. فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن

العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده «١»، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى «٢»، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة «٣». فإذا ثبتت ثبت الشرع، ووجب قبول ما جاء به. ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد. وإن كان مما لا

يدركه- وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدا- وجب تسليمه، وتقليد «١» الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من كان استنابه موضعه في بلده. وسر هذه المقدمة: ما قررته في" القواعد الصغرى «٢» " وهو: أن العبادات والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد «٣»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. وهو

والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد «٣»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. وهو

كلما غاب عن العيان كالله «١» - سبحانه- وملائكته وأحكام الآخرة. وهذا أشق التكليفين «٢». ولهذا بدأ الله- ﷾ به في وصف المؤمنين حيث قال/: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ... (٣) «٣» فالأول: تكليف علمي. والثاني: عملي. وكذلك قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... (١٩) «٤» ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء/ إنما بدءوا بدعاء الناس إلى الإيمان بهم، وأنهم من عند الله. ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على حب إدراك الأمور بحقائقها، فإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما يشاهده كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء. ولهذا يحدث «٥» للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب الأمر «٦» بطل العجب، واستراحت.

فحاصل الأمر: أن الإنسان مركب من هيكل ونفس، وأن التكليف واقع على جزئيه كليهما، على هيكله عملا، وعلى نفسه اعتقادا وعلما. هذا كله مع اتفاق العقلاء «١» على أن الشرع لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه. ولهذا قال" أرسطو «٢» " على ما حكى عنه هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدد مناقضته في بيان ضرورة النبوة للخلق قال/:" إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادي الأولى «٣»، كحال الخفاش «٤» عند النظر إلى الشمس أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره".

وحكى أيضا هذا النصراني عن" ابن رشد «١» المالكي من المسلمين أنه قال:" لم يقل أحد «٢» في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ فيها، إلا من عصمه الله «٣» بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء «٤» ". وحكى عن" أرسطو" أيضا أنه قال في كتابه" الأسباب" أنه قال:" العلة الأولى «٥» أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة «٦» ".

وحكى عن أبي حامد/ هو الغزالي «١» - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى" كيمياء السعادة" وإلى" المقصد السني «٢». قلت: فالحاصل من هذا أن إدراك الشيء (قد يمتنع تارة لضعف المدرك كبصر الخفاش، وتارة لخفاء المدرك كالسهى «٣» عند بعض الناس، كما أن التأثير «٤») قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل. كالسيف الكال وتارة لصعوبة القابل «٥» أو ملابسة مانع له كالجسم الصلب إذا ضرب بسيف «٦» ونحوه.

وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه أو يدركه على تعسف، أو بتأويل بعيد. وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم" أرسطو" فكان هذا الخصم كالجادع مارن أنفه بكفه «١»، والباحث عن حتفه بظلفه «٢». وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو غالب الشرائع: أن يقال فيما اشتملت عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع. فهذا المشار إليه حق/ واقع.

والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين: أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ممكنا. والثاني: في كون المخبر به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل. ونحن سنبين صدق محمد- ﵇ في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل.

به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل. ونحن سنبين صدق محمد- ﵇ في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل.

[المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول] المقدمة الثالثة: إن الأحكام العقلية على وزان الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جدا في سائر العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم. وإذا عرفت/ ذلك فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف مدلولاتها. فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض «١»، وخبر الواحد «٢»، والقياس الظني «٣»،

والاستحسان «١»، والاستصحاب «٢»، وقول الصحابي «٣» ونحوه. ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات «٤» والمتواترات «٥» ونحوها.

ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسّه. وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا لأن تلك أخبار توجب العمل دون العلم، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري «١» ومسلم «٢»، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف الرواة في الرواية بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جمّا بين أهل العلم. فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلا، ولا ترد علينا نقصا «٣». وإنما المعتمد على ما يثبت به ذلك «٤».

الفروع، واختلافا جمّا بين أهل العلم. فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلا، ولا ترد علينا نقصا «٣». وإنما المعتمد على ما يثبت به ذلك «٤».

وإذا فهمت مقاصد هذه المقدمات، تيسر عليك الجواب، فإن ما أراده هذا الخصم، إن كان من كتبهم كالتوراة والإنجيل ونحوها: منعنا كون ذلك حجة، بما قررناه في المقدمة الأولى. ثم قد نسلمه على جهة التنزل ونجيب عنه بالتزام أو فساد «١» بوجه ما. وإن كان من كتبنا، فإن كان (مما يقصر العقل عن فهمه أجبنا عنه بما حكى هو عن" أرسطو" كما تقرر في المقدمة الثانية، وإن كان «٢») مما يصل العقل إلى فهمه أجبنا عنه: إما بأنه مما لا يثبت/ بمثله أصل. بناء على ما قرر في المقدمة الثالثة، أو بتوجيهه وهو يسير بطريق من طرق الأجوبة الجدلية./ والذكي الفطن إذا اقتصر في جواب كتاب هذا النصراني كله على هذه المقدمات كفاه ذلك. مع أني لا أقتصر عليه، بل سأجيب عن كل منه بما أمكن مفصلا- إن شاء الله تعالى- وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى، وأعرضت عن مكافأته على سوء «٣» أدبه على النبي ﷺ بمثله، لا إكراما له، بل هوانا «٤» بقدره ومحله.

[المتنبئون الكذبة والتحذير منهم] فأقول: أول ما افتتح به كتابه أن قال:" احذروا من الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن، وهم في الباطن ذئاب مغيرة، من ثمراتهم

يعرفون" قال:" وهذه الآية قول الله ﷿ في الإنجيل الطاهر"، وذكر عليها كلاما لا ضرورة لنا إلى ذكره فيما نحن بصدده. قلت: هذا من كلام المسيح ابن مريم «١»، ذكر في الفصل الخامس «٢» من إنجيل متى «٣». وقول هذا المصنف:" هذه الآية قول الله تعالى «٤» في الإنجيل الطاهر" هو بناء على معتقده: أن المسيح هو الله «٥». ويكفيه

ذلك «١» شناعة وبشاعة على ما قررته «٢» بحسب الإمكان في التعليق على الأناجيل الأربعة «٣». قلت: وغرضه بتصدير كتابه بهذه الآية «٤»: القدح في محمد ﵇

ونسبته إلى الكذب. ولا حجة له «١» فيها على ذلك، فإنها كلام صحيح، ونحن نقول به/ ومحمد ﷺ قد حذرنا من الأنبياء الكذابين «٢» أيضا «٣»، والمسيح ﵇ لم ينص على أحد بعينه أنه كاذب، بل حذر ممن «٤» صفته الكذب، ممن يدعي النبوة. وقد كان في بني إسرائيل متنبئون/ كذبة كثير. كما قد صرح به في نبوة أرمياء في الأصحاح الرابع «٥» والخامس «٦» والسادس «٧» منها. كما ذكر هذا

النصراني بعينه بعد ذكر هذه الآية بأسطر: أن نحو أربعمائة من بني إسرائيل ادعوا النبوة في «١» زمن" آخاب «٢» " ملك بني إسرائيل، وكانوا كذبة وأنهم وعدوه بالنصرة على بعض أعدائه فاغتر بهم فخذل وقتل «٣». فالمسيح إنما حذر من مثل هؤلاء، لا من مثل محمد، الذي جاء بأتم «٤» أخلاق وآداب ودين لا يتمارى في صدقه بعده إلا جاهل أو مجنون وبمعجزات جمة «٥»، بأيسرها تثبت النبوة. على ما سيأتي، بل المسيح بشر بمحمد- ﵇ كما سيأتي في موضعه من هذا الكتاب «٦»، وكما قررتة في «٧» فصل" البارقليط «٨» " في

التعليق «١» على بشارة يوحنا بن زيدي «٢». والله أعلم. ثم قال:" وهذا يعني تعريف الأنبياء الكذابين «٣» وتعرفهم، والتحذير منهم ضروري، بيّن الضرورة، نافع، ظاهر المنفعة، والعمل به واضح النجح بيّن الصلاح لأنه لا رتبة أعلى ولا خطة أرفع في بني آدم من النبوة. فكم ملتمس رامها بالحيل، فأظهر/ من دقائق «٤» الحيل، وخفي المكائد ما اغتر به كثير من ضعفاء العقول، فألقى الشيطان الضلال في الناس، وأدخل بينهم الفساد بواسطة هذا الصنف من الأنبياء الكذابين، كما جاء في قصة" آخاب" ملك إسرائيل، وذكر

ير من ضعفاء العقول، فألقى الشيطان الضلال في الناس، وأدخل بينهم الفساد بواسطة هذا الصنف من الأنبياء الكذابين، كما جاء في قصة" آخاب" ملك إسرائيل، وذكر

قصته مع أربع المائة الذين تنبئوا في زمانه، وقد سبق ذكرهم. قلت: هذا «١» كلام صحيح، لا غبار عليه. ونحن نقول به، لكن غرض هذا الخصم، لا يتم منه بحسب ما هو بصدده إلا ببيان: أن محمدا ﵇ من هذا الصنف من الأنبياء الكذابين/. وذلك صعب المرام عليه، لوجهين: أحدهما: أنا ما رأينا ولا سمعنا منذ أهبط آدم «٢» إلى الآن: أن نبيا كذابا «٣» استوسق «٤» له ناموسه، كما استوسق دين الإسلام نحو ألف

سنة «١»، وهو كلما جاء «٢» في زيادة وتمكن. بل كان المتنبّئ لا يلبث إلا يسيرا، حتى يفضحه الله، ويهتك ستره، لأن عادة الله في خلقه: أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويجعل العاقبة للمتقين «٣». الوجه الثاني: أن تأييد الكذاب بالمعجز، وإظهار أمره، وانقياد الناس له قبيح. لأن فيه التباس النبي بالمتنبي، والقبيح لا يجوز على الله فعله خصوصا على رأي هذا الخصم «٤»، في انكار القدر «٥». فإن هذا من جملة أدلة القدرية «٦»

على نفيه، وسيأتي ذلك في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله تعالى «١» وسنذكر من معجزات محمد- ﵇ ما يخزى له كل معاند.

«٥». فإن هذا من جملة أدلة القدرية «٦»

على نفيه، وسيأتي ذلك في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله تعالى «١» وسنذكر من معجزات محمد- ﵇ ما يخزى له كل معاند.

[حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها] ثم قال:" فينبغي للعاقل أن يعرف أولا: ما النبوة؟ وما فائدتها؟ وما النبي؟ وما شروطه؟ وما مراد الله تعالى بإرساله لعبيده؟ لأنه لا بد من تصور الشيء «٢» قبل/ التصديق به، ليكون الإنسان «٣» قادرا على التفرقة بين كذب النبوة وصدقها، وعلى الفصل بين الصادق والكاذب من الأنبياء". قلت: هذا كلام صحيح، لا اعتراض لنا، ولا لغيرنا عليه. ثم قال:" ولا بد عند الخوض في هذا من معرفة الكلام في أربعة أمور: حقيقة النبوة، ووجودها، ووقوعها، وضرورة الخلق إليها. ومنفعتها". قلت: هذا أيضا كلام صحيح مسلم. ثم قال:" أما حقيقة النبوة: فإنها وحي صادق نافع للناس إلهي «٤»، يكشف عن الغيب الذي لا يمكن انكشافه بحسب مجرى الطبيعة" وذكر ما في هذه القيود من/ الاحترازات، وهي ظاهرة. قلت: وهذا تعريف صحيح لا مطعن عليه. ثم قال:" وأما وقوع النبوة فغير منازع فيه، عند أهل الملل الثلاث «٥».

وبيانه لمن نازع فيه بحجتين: إحداهما «١»: أن عناية الباري سبحانه/ بخلقه" قد تثبت في اليسير، من مصالح المعاش، كوضع الحواس والأعضاء، متهيئة لما وضعت له ونحو ذلك من نعم الله التي لا تحصى «٢». فالعناية بهم في أمر المعاد بإرسال من يهديهم إلى طريق السعادة الأبدية والحياة الدائمة «٣»، ويكف شر بعض العالم عن بعض «٤»، لينتظم أمرهم أولى «٥».

الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادّعوا أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ليوشع «١». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل جدا. قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان. لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «٢» على جهة

التفضل «١»، خلافا للمعتزلة. وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد- ﵇. أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «٢»، وقد أكل العالم بعضه بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها. وكانوا يعبدون الأوثان. والنصارى الصلبان. والفرس: النيران. وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «٣».

ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد- ﵇ «١» -. وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط. أنه ﵇ ادعى النبوة وظهرت على يديه «٢» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي ﷺ «٣» على أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته. وسيأتي إثباتهما.

ومن معجزاته: انشقاق القمر له «١»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ «٢» فكان ردها معجزا للنبي ﵇/ وكرامة لعلي ﵁ «٣» وقد صحح الحديث بذلك «٤»:" الطحاوي «٥» " و" القاضي عياض «٦» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ

﵇/ وكرامة لعلي ﵁ «٣» وقد صحح الحديث بذلك «٤»:" الطحاوي «٥» " و" القاضي عياض «٦» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ

الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب. فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد- ﵇. قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من الأمور «١» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا. بدون الاطلاع الإلهي على ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «٢» ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، واستحالة الخلاء «٣»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم منها. فما ظنك بالأمور الإلهية/.

ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في المقدمة الثانية. قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه. لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «١» على هذا. وإن لم يتعلق بما نحن بصدده. وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «٢»:

[فوائد النبوات ومنفعتها] منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من شرط وركن ونحو ذلك. ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... (١٦٥) «٣» وقوله: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ... (١٣٤) «٤» الآية، وغيرها. ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «٥»، وأدوار الفلك،

: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ... (١٣٤) «٤» الآية، وغيرها. ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «٥»، وأدوار الفلك،

وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «١» به عقول البشر، ولا تفي أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم «٢». ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ومضارها «٣»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «٤»، كما قال" أبقراط «٥» ":

" العمر قصير، والصناعة طويلة، ... والتجربة «١» خطر، والقضاء عسر «٢» ". قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «٣»، ودعاء موسى لقومه، برفع العذاب عنهم مرارا «٤»، ورد النبي- ﵇ عين قتادة بن النعمان عليه «٥»، وأشباه ذلك.

قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «١» في ثلاثة أشياء. أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك. الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «٢» من بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه. الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «٣» بدون النبوة. ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «٤»، إذ الفلاسفة مختلفون في الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح". قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد ﷺ من ذلك بأفضل مما جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «٥» في دين الإسلام، وقوانينه «٦» الأصلية والفرعية.

قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول:

[النبي وشروطه] النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" «١». قلت: هذا مسلم. قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك". وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «٢». أولها: الصدق. وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي

من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «١» في الصدق

والطهارة والنزاهة «١». قلت: هذا كلام صحيح. بل طهارة النفس وتزكيتها واجب على كل أحد لكن منهم من يحصل/ له ذلك، ومنهم من يحرمه. أما الأنبياء فهو لازم فيهم لأنهم أمناء الله على خلقه ووحيه، صيانة له. قال:" وقد تكلم في هذا الموطن- يعني موطن الطهارة، وهي الشرط الثاني-" موسى بن عبيد الله «٢» " الفيلسوف. في فصل" النبوة" في كتابه المسمى: " دلالة الحائرين «٣» " فقال:" امتحان النبي الصادق، هو اعتبار كماله، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته. وأكبر علاماته: اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها، فإن ذلك شأن «٤» أهل العلم، فضلا عن الأنبياء. وخاصة الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سيما قذارة النكاح منها. ولذلك فضح الله بها كل مدع،

ليتبين الحق، ولا يضلوا، ولا يغلطوا «١» ". ثم ذكر قصة رجلين ادعيا النبوة، وانهمكا في حساسة لذة الجماع، حتى زنيا، فافتضحا، وأحرقهما ملك بابل «٢». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «٣» في الباب التاسع والعشرين «٤». قلت: شرع العلج «٥» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج

بابل «٢». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «٣» في الباب التاسع والعشرين «٤». قلت: شرع العلج «٥» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج

منها النتائج الخبيثة،" ومثلي لا يغالط في الحساب" «١». فأقول: أما قول الفيلسوف:" امتحان النبي الصادق باعتبار كماله، وتعقب أفعاله. وتأمل سيرته" فهذا صحيح. ومن تأمل ذلك من نبينا محمد- ﵇ تأمل منصف، لم يجد مقالا، فإنه كان على الغاية في العدل والزهد والورع والتواضع. يعرف ذلك بالنظر في سيرته المنقولة عنه، ولسنا بصدد بيان ذلك مفصلا، إذ فيه كتب مصنفة/ من جيدها كتاب" رياض الصالحين" للنووي «٢». وأما اطراحه اللذات البدنية سوى النكاح- فكان في الغاية منه، فإنه لم ينقل عنه أنه أكل مرققا «٣»، ولا على

أسكرجة «١»، ولا نام على فراش وطئ «٢». وكان يقول:" ما لي وللدنيا/. إنما أنا والدنيا كراكب نام تحت شجرة ثم قام وتركها «٣» ".

[موقف النصارى من النكاح] وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة النكاح منها". فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.

ت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.

ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «١»؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم. ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ «٢» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء- ﵈ «٣» -؟ وهل هذا إلا تهافت؟ وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعبّاد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «٤» أنواعه. وإن قلت على الأنبياء- ﵈ «٥» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال.

[فوائد النكاح وفضيلته] وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول: لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح: منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك. ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «١» بإجماع أهل الملل والعقول. ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «٢» به، فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات «٣» والدماميل ونحوها «٤».

ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «١». وقد نص" جالينوس" «٢» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «٣» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم. ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية. فهو ممنوع فإن الذي «٤» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المنيّ «٥»،

والمذي «١»، ورطوبة فرج المرأة «٢». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من أهل الشرع.

ومن قال بنجاستها منهم عفا «١» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج البول والغائط فلا وطء «٢» فيه «٣»، والحيض يحرم الوطء «٤» في زمنه. فأين القذارة إذن في الجماع؟. وإن قلت: طبعيّة لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي تنقية «٥» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه. الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «٦». والعقول/ الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.

ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس «١» النصارى ببقائه على أبدانهم، حتى تغالي فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه يتبركون ويستشفون به من الأمراض، بناء منهم «٢» على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في الفصل الثامن والعشرين/ من إنجيل متى «٣» حيث يقول:" ليس النجس ما دخل الفم ثم خرج مستحيلا من المخرج. إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام السيئ، لأنه يدل على نجاسة القلب" هذا معنى كلامه «٤». ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «٥» في الدبر- وهو

منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «١».

يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «٥» في الدبر- وهو

منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «١».

[الأنبياء والنكاح] وأما قوله:" ولذلك فضح الله بها كل مدع" فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكاذبة ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل، وداود، وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري «٢»، وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.

وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا يتلبس «١» به هؤلاء كلهم ليس بعار:/ وعيروني بذلي في محبتها ... وبالذي عيروني تم لي الشرف «٢» [وإذ لولا هذه الحاسة لما وجد الأنبياء وشرائعهم، وإنما هي عار على معتقدها عارا، إذ لولا هذا العار لما صار إلى النار] «٣». وأما ما ذكر من قصة الرجلين الذين أحرقهما ملك «٤» بابل، فلم أجده في الباب المذكور من كتاب ارمياء النبي، فإن كان المشار إليه برميا «٥» النبي، وأنه غير ارمياء، وإلا فلا أعلم صحة هذا النقل، على أنه بتقدير الصحة إنما افتضح هذان الرجلان بدعواهما الكاذبة وزناهما،/ لا بتعاطي شهوة النكاح. على أني أحسب أن النقل اشتبه عليه، وأن المراد بالرجلين هاروت وماروت «٦». ولهما قصة عجيبة وردت بها السنة وذكرها أهل السير.

منهم:" وثيمة بن موسى بن الفرات «١» في" قصص الأنبياء": وكان افتضاحهما بتقدير الله، وسببه طعن الملائكة على بني آدم، واستقلالهم أعمالهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «٢»،

لهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «٢»،

وقد ذكرت بعض قصتهما في" الفوائد" «١». قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدا- ﵇ شديد الداعي إلى ذلك. كما نقل عنه حديث يقول: «حبب إليّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة/ عيني في الصلاة» «٢» وأنه تزوج كثيرا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه. ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين. ولهذا كان محمد ﷺ إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه فقضى حاجته منها، ثم خرج. وفعل ذلك يوما ثم

خرج على أصحابه، فقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها/ شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» «١». وقال: «إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور" «٢». كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.

كما حكي في التوراة «١»: أن" يهوذا بن يعقوب" تعرضت له كنّته «٢» - زوجة ابنه- في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده". وأن" روبيل «٣» " وطئ" «٤» سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه، ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك «٥» وتلخيصه: أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن غائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل من التعرض بتركها «٦» لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان. وقول محمد- ﵇: «حبب إليّ من دنياكم النساء» ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما

المقصود بذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة «١»، والقيام بأعبائها- كما يتفرغ الجائع بالأكل- لأداء العبادات. وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض مغازيه- أحسبها: غزاة أريحا «٢»، مدينة الجبارين- قال لقومه: " لا يتبعني «٣» رجل قد/ ملك بضع امرأة، يريد أن يبني بها ولما يبن. ولا آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع سقفها «٤». ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات «٥»، وهو

ينتظر أولادها" ... الحديث رواه أحمد «١»، وأخرجاه في الصحيحين «٢». كل ذلك مراعاة لاجتماع «٣» / الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم فيها «٤»، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين «٥» وكذلك الشبق «٦»، وكل ما يلهي. وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه

ما يلهي. وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه

السلام-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» «١» لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل عنه. وكذلك كلما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك. ولهذا كان- ﵇ يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه «٢»، بل إكراما للملائكة الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي. ولهذا كان يبغض الثوم والبصل، وكل ذي ريح كريهة، وقال لأصحابه: «إني أناجي من لا تناجون» «٣».

«وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» «١». وأما المسيح فلعله في ترك النكاح كان عنينا «٢»، أو لكونه لا من ذكر، أو لكونه كان ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة «٣». كما قال الله- سبحانه-: ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ... (٩) «٤» الآية.

أو لكونه كان هو الله أو ابنه على رأي النصارى الساقط- تعالى الله عما يقولون- ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، وتكثير العباد والعبّاد لكان ذلك أكمل له «١». فالذي يحتج علينا في [حاسة] «٢» النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له. وليس المسيح- ﵇ بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى في أنه: الله، أو ابن الله. وذلك ممنوع عند كل عاقل، بل هو عبد الله ورسوله. وسيأتي تمام الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله.

[ظهور المعجز على يد النبي] قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب".

د ذكر تفاصيله.

[ظهور المعجز على يد النبي] قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب".

قلت: هذا كلام صحيح. قال:" والمعجز فعل ما ليس في قوة الإنسان أن يفعله بحسب المجرى الطبيعي" «١». قلت: هذا جيد في تعريف المعجز، لكن للمتكلمين فيه عبارة أخرى أحق من هذه وهو قولهم: المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. فالأمر: جنس للمعجز وغيره. والممكن: فصل له عن الممتنع، إذ الممتنع لا يوجد. والخارق للعادة يفصله عن الأمور العادية كطلوع الشمس ووقوع المطر وركوب الفرس ونحوها. فإن المستند في دعوى النبوة إليها لا يثبت له شيء والمقرون بالتحدي: احتراز ممن يدعي أن معجز من قبله، دليل على صدقه هو، كما يقول إنسان اليوم: إن قلب موسى عصاه حية، دليل على صدقي في دعوى النبوة. فإن ذلك لا ينفعه، لأن معجزه ليس مقارنا لتحديه، والخالي عن المعارض: احتراز من الشعبذة «٢» والنيرنجات/ «٣» فإنها تعارض بمثلها، فإذا ظهر على يد شخص هذا الأمر بهذه الشروط كان معجزا وكان الشخص نبيا./

قال:" الشرط الرابع: أن يكون الدين الذي «١» يشرعه موافقا للدين الطبيعي، وهو نوعان:

[موافقة ما يأتي به النبي للفطرة] أحدهما: عام لجميع الأمم، لا يختص بأمة دون أمة، كبر الوالدين، وصلة الرحم والإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء. وبالجملة. جلب المصالح ودرء المفاسد، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل. والثاني: خاص «٢» يختص أمة دون أمة كتحريم لحم الخنزير عند غير النصارى وتحريم ذبح الحيوان عند البراهمة". هذا حاصل ما ذكره في هذا الشرط. قلت: هذا شرط متفق على حسنه عقلا وشرعا، وهو عام الوجود في دين الإسلام على ما ذكرنا جملة منه/ في شرح" الآداب الشرعية" «٣» لكن لا يلزم أن يأتي النبي به على هذه الصفة، واشتراطه فلسفة صرفة بل لله سبحانه أن يتعبد خلقه بما شاء، سواء كان ذلك مصلحة لهم أو لا. بناء على أصلنا في أن رعاية الأصلح للخلق لا تجب على الله سبحانه وإنما فعل ذلك حيث فعله بهم، تفضلا، لا وجوبا «٤».

[موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- ﷺ] قال:" وإذ قد فرغنا من الكلام في النبوة والنبي، وشروطه التي يجب امتحانه بها بحيث إن وجدت فيه صدّق، وإن اختلت فيه أو بعضها كذّب. فإنا وجدنا الرجل المسمى: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى النبوة في أمة من العرب «١» فالتمس منه الشرط الأول وهو الصدق. فوجدنا ما جاء به يشتمل على صنفين: صادق وكاذب- كما سنبين-". قلت: هذه دعوى مجردة عن حجة، فإذا ذكر الحجة قوبلت بحسب ما ينبغي «٢». قال: وليس كون الصدق بحال كذب «٣» المتكلم موجبا لحسن الظن به، بل

خلط الصدق مع الكذب أبلغ في الحيلة، وأنفذ في المكيدة. ولهذا يقال: ما من «١» تعليم كاذب إلا ويمازجه شيء من الحق ليلتبس الباطل به، وتكون الخدعة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى. قلت: هذا كلام صحيح «٢». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع في أن ما أتى به محمد- ﵇ يشتمل على الكذب.

ة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى. قلت: هذا كلام صحيح «٢». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع في أن ما أتى به محمد- ﵇ يشتمل على الكذب.

[امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- ﷺ] قال:" فلنورد أقاويل هذا الإنسان من صدق وغيره: فقسم الصدق: قوله في سورة الصمد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١). قلت: لا شك أن هذا الكلام حق في نفسه، لكن اخبار هذا المصنف بصدق هذا الكلام عنده «٣»: إما جهل بحقيقة التوحيد، أو ستر لعوار دينه الثالوثي، وتحلية لجيده العاطل منه به، وإلا فأين قوله: اللَّهُ أَحَدٌ من قولهم:" الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد"، ودعواهم التوحيد/ مع هذا التصريح كلام في الريح، لا يعقل ولا يتحصل، كما قد حققت بطلانه في:" التعليق على الإنجيل" «٤».

قال:" وقوله في سورة يونس «١»: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... وفي سورة آل عمران «٢»: وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) «٣» الآية. وقوله في سورة الأنعام «٤»: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني كلمات الله، وهي التوراة والإنجيل- وفي سورة الحجر «٥»: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) والذكر: هو التوراة والإنجيل. ويشهد لذلك قوله في سورة الأنبياء «٦»: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧). فبين بهذا: أن كلمات الله غير مبدلة". قلت: هذه الآيات كلها حق وصدق. ولكن أخطأ هذا الخصم في إيرادها في مواضع: منها: أنه حصر ما جاء به محمد من الصدق فيها، والقرآن مملوء من الحكم والأخبار التي يعلم بالضرورة صدقها. وإنما هذا رجل معاند يريد أن ينفي التهمة عن نفسه، بإيهام العدل في إيراد ما يعتقده صدقا وكذبا. وعناده: يأبى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد

عليها. وتنفعه في عناده «١». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه الكتاب.

ى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد

عليها. وتنفعه في عناده «١». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه الكتاب.

[المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم] ويأبى الله إلا ظهور الحق واستعلاءه «٢»، وخمول الباطل واذعانه. ومنها: قوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ووهم منها في موضعين: أحدهما: أنه ذكر الكلمات المضافة إلى الضمير، فاحتاج أن يفسره بالله تعالى، وقد كان يستغنى عن ذلك بإيراد الآية التي في أول السورة المذكورة وهي قوله: ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) «٣». فإن الكلمات فيها مضافة إلى الله- سبحانه- لا إلى ضميره المحتاج إلى تفسير «٤»، وهذا لا يقدح في صحة ما احتج به، لكن/ احتجاجه «٥» بما ذكرناه أظهر، فعدوله عنه مشعر بالضعف وقصور النظر. الموضع الثاني: أنه فسر كلمات الله بالتوراة والإنجيل ليثبت علينا بكتابنا أنها حجة لازمة

لنا،" وهيهات من دون المراد موانع" «١». والذي يدل على أنه ليس المراد بالكلمات هنا «٢» التوراة والإنجيل: هو أن هذه الآية في سورة الأنعام. وسورة الأنعام كلها جدال ومناظرة لعباد الأوثان الذين ينكرون البعث. ولا تعرض فيها لأهل الكتاب إلا بطريق الاستشهاد بهم. كقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ «٣» وقوله: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ «٤»، وليس المراد بأهل الكتاب: الموجودين الآن بل المعاصرين لزمن النبوة، أو بطريق عموم خطاب غيرهم لهم لا بالقصد، وإذا عرف هذا فالله سبحانه يقول قبل هذه الآية: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا «٥». والخطاب لكفار العرب «٦»، والكتاب الذي أنزل إليهم هو القرآن وهو المراد بالكلمات. قاله قتادة «٧»

والطبري «١». قال الله سبحانه: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد الله بن سلام «٢» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه عنادا «٣».

لْحَقِ وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد الله بن سلام «٢» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه عنادا «٣».

ولو كان الكلمات هي التوراة والإنجيل لكان الكتاب المذكور هو التوراة والإنجيل، ولم يكن به حاجة إلى أن يستشهد بأهل «١» الكتاب على صحته، لأن التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى، لم ينازع فيهما أحد حتى يستشهد لهما. وأيضا:/ لو كان كذلك لم تصح شهادة أهل الكتاب لكتابهم لموضع التهمة. ثم قال: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ .. (١١٥) وهي الكتاب الذي أنزل/ مفصلا، وهو القرآن إذ لا معنى لقول القائل:" وهو الذي أنزل إليكم القرآن مفصلا، وتمت التوراة والإنجيل، ولا مبدل للتوراة والإنجيل" لأن المخاطبين بهذا الخطاب هم كفار العرب، ومحمد- ﵇ لم يكن يدعوهم إلى التوراة والإنجيل حتى يثني لهم عليهما، وإنما كان يدعوهم إلى القرآن فثبت بهذا أن المراد بقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ هو القرآن. وفيما «٢» يرجع إليه نفي التبديل قولان: أحدهما" معناه ومتعلقه من أخبار وحكم ووعد ووعيد، أي أن ما أخبر الله في القرآن من خبر، أو حكم به من حكم، أو وعد من ثواب، أو أوعد من عقاب لا يستطيع أحد تبديله ولا بيان فساده. والثاني: أنه لفظه: أي لا يقدر أحد أن يزيد فيه ولا ينقص، لأن الله سبحانه ألهم المسلمين حفظه حرفا فحرفا، فلا تدخله الزيادة والنقص كما دخل التوراة والإنجيل على ما قد شاهدته أنا بنفسي في الكتابين من التناقض والاختلاف وأثبته في تعليقي على الكتابين «٣».

ثم إن هذا المصنف جعل عمدته في كتابه: تفسير ابن عطية «١». فما باله لم يذكر ما قاله ابن عطية في تفسير قوله «٢»: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؟ لكنه رآه عليه «٣» فحاد عنه. ولعمري أنه معذور في/ ذلك فإن كتب المسلمين ليست عنده حجة. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا «٤» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.

. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا «٤» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.

[المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم] ومنها: قوله: إن" الذكر" في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١» هو التوراة والإنجيل". وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن «٢». ذكر عبد الرزاق «٣» في تفسيره عن معمر «٤»، عن قتادة وثابت البناني «٥» في قوله: وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ

قال:" حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل «١» منه حقا «٢» ". قلت: ونظيره قوله تعالى/: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ «٣»، والمعنى واحد. أما «٤» احتجاجه على ذلك بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) «٥» فلا حجة فيه، لأن قبل ذلك قوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «٦» يعني القرآن بلا خلاف ولا شك إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ يعني كفار العرب لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الكفار" هل هذا- يعني محمدا- إلا بشر مثلكم" أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا «٧» وقول قوم صالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ «٨»؟ ثم قالوا: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا

نُوحِي إِلَيْهِمْ أي أن الرسل الذين كانوا قبلك كانوا بشرا كانوا «١» وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه انكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أهل التوراة «٢»، هل كان المرسلون إلا رجالا يوحى إليهم؟. فالذكر المراد/ هاهنا «٣» غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ. فإن لفظ الذكر ورد في القرآن على وجوه: منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين. ومنها: الرسول، كقوله «٤»: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا على ما قيل فيه «٥».

ومنها: الشرف، كقوله: وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ «١» أي: شرف «٢». فلفظ" الذكر" مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ «٣». أو بالحقيقة والمجاز. وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو الذكر المسئول أهله.

[الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد ﷺ] ونبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: الله سبحانه حفظ الذكر، والذكر هو التوراة. فالله حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشرطها في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: الله حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر/ لكن ليس التقدير هذا، وحينئذ يدخل/ التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما

تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو «١» القرآن؟ الأول ممنوع، والثاني: مسلم لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع الثانية. قوله:" فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة". قلنا: هذا صحيح لكن قد بينا أن المراد بكلمات الله ليست التوراة والإنجيل التي بأيديكم بل هي القرآن. ولئن سلمنا أنها التوراة والإنجيل، بل وكل كلام الله غير مبدل، إلا أن ما بأيديكم ليس هو التوراة والإنجيل المرادين هنا «٢»، المنزلين على موسى وعيسى، بل كلمات الله التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.

ه التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.

[رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "] قال: القسم الثاني من قوله- يعني مما زعم أنه كذب من أخبار محمد- ﵇ فمن ذلك قوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ... إلى قوله: وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ «٣» وقوله في التحريم «٤»: ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «٥» وقوله في سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «٦».

قال:" فثبت بهذا كله: أن مريم أم المسيح هي بنت عمران أخت موسى وهارون". قال:" واسم أبي مريم أم المسيح: يعقيم. وأمها: حنة. وبين مريم هذه وعمران أبي موسى ألف وخمسمائة سنة" «١». قال: وعذرا له في هذه الغلطة، فإن الناقل، إما جاهل وإما قاصد إيقاعه في الغلط". «٢» قلت: يشير هذا الخصم إلى أن محمدا- ﵇ كان يلقن أساطير الأولين ثم ينظمها بعبارته، والملقن له إما جاهل بالنقل أو قاصد «٣» تغليطه «٤». قلت: وللعدو أن يقول ما شاء، وإنما يثبت ما قامت عليه الحجة.

وهذا سؤال قد كفانا/ جوابه صاحب الشريعة ﷺ فروى المغيرة بن شعبة «١» قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران. فقالوا ألستم تقرءون: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ فلم أدر ما أجيبهم/ فرجعت «٢» إلى رسول الله ﷺ «٣» فأخبرته. فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» رواه مسلم والترمذي «٤» وقال حديث حسن صحيح".

قلت: ومعنى هذا الحديث ما ذكره عبد الرزاق في تفسيره «١». قال: أخبرنا «٢» معمر عن قتادة في قوله يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به. فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح «٣». فتحقيق معنى الحديث:/ أن هارون هذا سمي باسم هارون أخي موسى تبركا. وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.

ارون أخي موسى تبركا. وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.

وأما قوله: إن اسم أبي مريم:" يعقيم" فجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا لم أعلمه ولا رأيت أحدا ذكره ممن أثق به من علماء المسلمين. وعلماء اليهود والنصارى غير مأمونين عندنا، ولا وثوق لنا بما عندهم على ما سبق في مقدمات الكتاب. ومعنا شيء نحن معتقدون فيه واثقون به، وهو القرآن المتضمن أن اسم أبيها عمران. ويكون ذلك من أسماء الأعلام المشتركة مثل هارون، وهارون، وفرعون، وفرعون، وزيد وزيد، وعمرو، وعمرو، فلا نعدل عنه إلى غيره ولا سبيل لهم إلى إقامة الحجة القاطعة التي نضطر إلى تسليمها علينا، وإن أمكنهم ذلك وفعلوه قبلناه منهم، فإنه لا غرض لنا في العناد بل الحق حيث كان متبع. الوجه الثاني: أن هذا اختلاف في الأسماء، لا في المسميات فجاز أن يكون عمران تعريب يعقيم، فإن العربية تصرفت في الألفاظ الأعجمية فعربتها كما سمت العرب/ المسيح: عيسى، واسمه في الإنجيل: يسوع. فعكسوه من آخره، وقلبوا الواو ياء. وكان أصل موسى: موشا، بالشين المعجمة، يعني الماء والشجر، لأن آل فرعون التقطوه من بين ماء وشجر حين ألقته أمه في اليم، ومو: هو الماء. وشا: الشجر «١».

وكما سموا" حران «١» " هذه المدينة التي بين الشام «٢» وبلاد الجزيرة «٣» باسم هاران أخي إبراهيم، وهو أبو لوط، لأنه نزلها. فعربوها، فقالوا: حران. أو لعل عمران اسم ويعقيم لقب، فكل هذا محتمل، فلا يقدح مثله في صاحب ناموس عظيم غلب ناموسه على ناموس المسيح والكليم «٤».

[رد شبهة النصارى في سكوت زكريا ﵇] قال:" ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحى «٥» " قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً «٦» قال:" وهذا باطل، لان

سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشر به إلى أن وضع، وأن ذلك كان على جهة التأديب والعقاب، يعني على مراجعته الملك، وكونه لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية" وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام طويل قد ذكرته أنا وجوابه في:" التعليق علي الأناجيل «١» ". قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران/: أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام. الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة. والجواب/ عن ذلك من وجهين: أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل. وليس حجة علينا، كما أن ما عندنا ليس حجة عليكم- على زعمكم-، فبقيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه. الوجه الثاني: أن خبر محمد- ﵇ أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «٢». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو

ا الرجوع إليه. الوجه الثاني: أن خبر محمد- ﵇ أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «٢». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو

أن سكوته/ كان تسعة أشهر، ومنها ثلاثة الأيام المذكورة. ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم «١» أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة «٢» قال:" سويا" من غير خرس. وذكر في الإنجيل «٣»: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس، فلعله كان في ثلاثة الأيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا من خرس «٤»، ويكون الأول: علامة، والثاني: عقوبة. والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين، فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله على خلقه، إذ هي موجبة لطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها «٥». والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) والَّذِي هُوَ

قرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) والَّذِي هُوَ

يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ (٧٩) وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) «١» فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم. وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته صورة نقمة «٢»، فإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة على صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها. وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن، بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة. قال [القرطبي] «٣»:" وهو قول أكثر المفسرين «٤» ". قلت: وعليه إشكال. وإن كان/ قد ذكره المسلمون فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «٥»؟ نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم «٦»، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء. فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم والأكمل في الحال أولى

بالعقوبة على الأفعال وهذا معلوم من قواعد الشرع والعقل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم/ من وعيد الجهال. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية،/ وقد وجد مقتضى العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها. الثاني: أنه باطل بإبراهيم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى «١»، فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق. ك" زكريا" و" مريم" بل أولى لوجهين: أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال. الثاني: أن المخاطب له كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك. وبشارة زوجة إبراهيم حيث فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) «٢» ولم تعاقب. والأشبه- والله أعلم- أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين:

أحدهما: أن الله- سبحانه- خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله- سبحانه- يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى ﵇ فإن الله سبحانه لما قال: وَأَلْقِ عَصاكَ «١» فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها/ ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: خُذْها ولا تَخَفْ «٢» فلف كم مدرعته على «٣» يده، ثم تناولها. فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت «٤». فإن موسى فعل هذه «٥» الفعال وهو بحضرة الله- سبحانه- يسمع كلامه بغير

واسطة، وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره في «١» شك فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله- سبحانه-. الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس هاهنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا الشك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه «٢»، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله- سبحانه- كشف الأمور الملتبسة أن لم يقتض ثوابا لم يقتض عقابا. ومن الدليل على أن العلامة مرادة من سكوت زكريا/ ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:" من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها «٣» "؟ فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:" أنا جبريل الواقف بين يدي الله وأرسلت لأبشرك بهذا. وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها". فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب

تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها". فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب

مطابقته للسؤال. وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها. وزيادة العقوبة/ إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ .. هذا طبق السؤال، وقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) «١» هذا زيادة عليه. وقوله- ﵇ حين سئل:" أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: (هو الطهور ماؤه) «٢» هذا طبق السؤال. وقوله:" الحل ميتته" زيادة عليه ويكون وجه الجمع بين الآية والعلامة: إما بما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من غير خرس علامة، وباقيها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده إلى حين الوضع عقوبة. والله أعلم.

[رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له] قال:" ومن ذلك قوله في سورة يوسف: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ... (١٠٠) إلى قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ... (١٠٠) «٣» وتقرير السؤال من وجهين:

أحدهما: أنه أخبر أن أبوي يوسف حضرا عنده ذلك الوقت، وقد ثبت في التوراة: أن راحيل أم يوسف ماتت في نفاسها ببنيامين ودفنت ببيت لحم «١». قبل أن يطرأ ليوسف ما طرأ «٢». والثاني: أنه ذكر أنهم سجدوا ليوسف، ولم يذكر في التوراة. غير أن يعقوب لما رأى يوسف فتح ذراعيه، وعانقه باكيا «٣» ". قلت: والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «٤» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.

ل من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «٤» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.

الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «١»، وذكر فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «٢» قال له:" وإني حين/ أقبلت من فدان «٣» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «٤» - ماتت راحيل أمك في أرض كنعان «٥» فقبرتها في بيت لحم «٦» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه

إخوته يطلبون الميرة «١»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم يعقوب: " إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «٢». وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها وقلبه لفقده وكذلك ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «٣»:" إن لنا أبا شيخا، وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه يحبه «٤» ". وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «٥» - وهي أم يوسف- وهذا تهافت في التوراة «٦» كما تراه. فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا الحال

احتججنا عليه بهذا القاطع «١» أنها باقية إلى هذا الحال. ونؤكده بقول يعقوب ليوسف حين قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) «٢» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «٣». فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم. وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها «٤»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «٥»، كما قال

الحسن البصري «١»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين «٢». وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «٣»:" يا بني لم تخلفت عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «٤» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج أمه مجازا «٥»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا،

خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز وزال الإشكال. والله أعلم بالصواب. الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم أبا كما روى أبو إسحاق «١» عن البراء «٢» عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «٣». وعن ابن عمر «٤»: أن رجلا قال:

والعم أبا كما روى أبو إسحاق «١» عن البراء «٢» عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «٣». وعن ابن عمر «٤»: أن رجلا قال:

يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها». أخرجه الترمذي أيضا «١». وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً «٢» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله. الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت له تحقيقا لرؤياه. وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «٣» في العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى-

فهو جزء «١» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها. والله- سبحانه- يفضل من شاء على من شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «٢». فما المانع أن يكون/ الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «٣» كما خصه باذلالكم وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «٤». والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه: أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم. الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «٥» لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو التعظيم «٦».

على أنه قد صرح في التوراة «١» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" خروا له سجدا". ثم لما «٢» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «٣»، وأن يوسف لما جاء بابنيه" ميشا" «٤» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «٥». وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «٦» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:

لما جاء بابنيه" ميشا" «٤» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «٥». وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «٦» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:

قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «١» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه. وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها. فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «٢». وفي التوراة:" أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «٣» بالأرض سبع مرات" «٤»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه. ففي السجود له فوائد «٥». منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «٦». والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه.

والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه بتصافيهم. الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه. الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «١» ". الثالث: أنه ذكر في التوراة «٢» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا. قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «٣». قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له. وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام. وأيضا: فإن في التوراة «٤» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها. وهذا يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو السجود.

الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «١» جملة. وقوله: وخَرُّوا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «٢» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه بطريق أولى. قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد- ﵇ وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.

[رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج] قال:" ومن ذلك في سورة القصص بعد ذكر موسى: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ... إلى قوله: ... إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ... «١» قال: الكذب في هذه القصة في مواضع: أحدها: قوله:" وجد على الماء قوما يسقون" ولم يكن كذلك يعني بل «٢» القوم طرءوا «٣» على بنات شعيب، وقد ملأن الحياض «٤» ليسقين غنم أبيهن، فأخرجوهن فقام موسى فحماهن وسقى غنمهن كما سيأتي في لفظ التوراة. الثانى" أن النساء كن سبعا لا اثنتين. الثالث: أن عرض شعيب ابنته على موسى واستئجاره على نكاحها ثماني سنين لم يكن منه شيء، إنما كان هذا في زواج يعقوب براحيل بنت خاله" لابن" وإنما اختلطت لهذا الإنسان القصة، أو خلطت له بقصة زواج يعقوب النبي، ثم ذكر ما في التوراة من قصة موسى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي «٥»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض مدين «٦»، وجلس جوار البئر.

Bagian 17 dari 25