أعلام رسول الله المنزلة على رسله

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya ابن قتيبة (w. 276 H).

Bagian 2 dari 2 116 halaman

— Bagian 2 · اقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على … —

Bagian 2

اقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على غلطهم، وسوء أفهامهم، وكرهت أن ينطوي ذلك كله عنك؛ فيتعلق قلبك؛ إلى أن يتيسر لك النظر في ذينك الكتابين. وكلام العرب وحي وإيماء وإيجاز، فمنه محذوف للاختصار، ومزيد فيه للتوكيد، ومكرر للإفهام، ومستعار ومقلوب، وعام يراد به خاص، وخاص يراد به عام، وواحد يراد به جميع، وجميع يراد به واحد واثنان، ودعاء لا يراد به الوقوع، وجزاء عن الفعل بمثل لفظه؛ والمعنيان مختلفان، وماض من الفعل؛ يكون لمستقبل الزمان، ومستقبل يكون لماضي الزمان، ومفعول على لفظ الفاعل، وفاعل على لفظ المفعول، ولفظان مختلفان والمعنى واحد، ولفظان متفقان ومعناهما مختلف، ولفظان متقاربان ومعناهما مختلف.

ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد ﷿: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه.

ر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ما أغنى عن قوله: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم

قائم، كما يقال: زائد وزويد، وصائم وصوم، ونائم ونوم، ومثله قولهم لقوم الرجل: نفرة جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استفزهم، قال امرؤ القيس يذكر راميًا: فَهْوَ لَا تَنْمي رَمِيّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرهْ يقول: إذا عد قومه لم يعد معهم، أي: أماته الله، قتله الله، هذا وأشباهه مما خرج مخرج الدعاء، ولا يراد به الوقوع. ومما يدلك على أن القوم هم: الرجال قول زهير: وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخالُ أَدْرِي … أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ يريد: أرجال هم أم نساء. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول: كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؛ وإنما تكون الأسماع في غطاء عن الذكر؛ وإنما أراد الله: عيون القلوب. يدلك على ذلك قول الناس: عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب؛ إذا كان لا يفهم، والله جل ثناؤه يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، يريد: أن عمى العيون لا يضر في الدين؛ ما لم يكن ضارًّا في الدين، ولا مانعًا من الاهتداء، لم يكن عمى، ولما كان عمى القلب ضارًّا في الدين، مانعًا من الاهتداء؛ كان عمى، ولما جاز أن يقال عمي قلبه؛ جاز أن يجعل للقلب عين، إذا كان العمى في العين.

ومثل هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والأكنة: الأغطية، وهذا شيء مثّلته لك؛ لأعرفك من الوجوه التي تقع بهذا الغلط، فأما الأشياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك.

شياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك.

حرف في سورة الحجر وأشباه له في القرآن: قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٨٩ - ٩١]، ما معنى (كما) هاهنا، وكما تأتي لتشبيه شيء بشيء، ولم يتعلق في أول الكلام ما تشبه به ما تأخر منه، قالوا: وكذلك قوله في سورة الأنفال، وذكر المؤمنين: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٤، ٥]، وما الذي يشبه الكلام الأول؛ من إخراج الله إياه. قالوا: وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠، ١٥١]. الجواب: أما قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٨٩، ٩٠]، فإن فيه محذوفًا؛ يدل ظاهر الكلام عليه، كأنه قال: أنا النذير المبين، عقوبة أو عذابًا، مثل ما أنزلنا على المقتسمين فحَذَفَ العقوبة أو العذاب؛ إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]،

مين فحَذَفَ العقوبة أو العذاب؛ إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]،

ولو أراد مريد أن يمثل هذا بذاك؛ لقال: أنا النذير المبين. كما أنزلنا على عاد وثمود، يريد: أنا النذير المبين من صاعقة؛ كما أنزلنا على عاد وثمود، ومثل هذا من المحذوف في كلام العرب أكثر من أن يحاط به. وأما قوله في سورة الأنفال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال، وحاجوا النبي وجادلوه، وكره كثير منهم ما كان من فعل رسول الله في النفل، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، يجعلها لمن يشاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، أي: فرقوها بينكم على السواء: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١]، فيما بعد: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، ووصف المؤمنين، ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يريد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم، لكراهتهم للخروج معك، كأنه قال هذا من كراهتهم: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، وإياهم وهم كارهون. وأمَّا قوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾، فإنه أراد: ولأتم نعمتي عليكم، كإرسالي فيكم رسولًا أنعمته عليكم، أو كإنعامي عليكم برسول أرسله يبيّن لكم.

حرف في الطور: قالوا عن قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤٠، ٤١]، ما الكتاب من علم الغيب، وقريش كانوا أميين فكيف جعلهم يكتبون؟

وليس الكتاب ما ذهبوا إليه من عمل اليد؛ وإنما الكتاب هاهنا: الحكم. أي: أعندهم علم الغيب فهم يحكمون؟ فيقولون: سنقهرك ونطردك وتكون العاقبة لنا عليك، هذا وأشباهه، ومثله قول الجعدي: وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالبَلَاءِ فَمِلْتُمْ … وَمَا ذَاكَ قَالَ اللهُ إِذْ هُوَ يَكْتُبُ يريد: ما أوجد الله ذاك إذ هو يحكم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: حكمنا وفرضنا، وكذلك قوله: كتاب الله عليكم، [١٤٦/أ] أي: فرض عليكم، وكذلك قول النبي للمتحاكمين إليه، وقالا له: اقض بيننا بكتاب الله: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله»، ثم قضى بالرجم والتغريب. وليس لهما في القرآن ذكر، أراد: لأقضينَّ بينكما بحكم الله.

حرف في الحديد: وقالوا في قول الله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، كيف أعجب هذا الزرع الكافرين دون المؤمنين، والزرع الحسن قد يعجب الكافرين والمؤمنين، ولا ينقص المؤمنين إن أعجبهم، ولم يرد بالكفار ما ذهبوا إليه، وإنما أراد بالكفار الزراع، واحدهم

كافر، وسمي كافرًا؛ لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه، وكل شيء غطيته؛ فقد كفرته، ومنه قيل: الليل كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شيء، قال الشاعر: ................................. … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي: غطاها هذا مثل قوله، في موضع آخر: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩].

............................... … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي: غطاها هذا مثل قوله، في موضع آخر: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩].

حرف في سورة مريم: وقالوا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبًا أو كفل للود إذا أحبك؛ ولم يرد ما ذهبوا إليه؛ وإنما أراد أنه: يجعل لهم في قلوب العباد ودًا ومحبة، وأنت ترى المخلص المجتهد محببًا إلى البر والفاجر، مهيبًا مذكورًا بالجميل، ونحوه قوله في موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، لم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه؛ وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب حتى استحياه فرعون، في السنة التي كان يقتل فيها الولدان ونحوه. ونحوه قول عبيد بن عمير للإيمان: «هَيُوب»، يريد: أنه مهيب، فجاء بفعول

في موضع مفعول، كما يقال: ركوب القوم لما يركبون، وحلوب القوم لما يحلبون، أي: محلوبهم ومركوبهم.

حرف في الأنعام: قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، هو في التوراة وجميع الكتب المتقدمة، وروايات النُّسَّاب: تارح، فكيف سُمي في القرآن: آزر، ونحن نعلم أن اسمه في التوراة تارح، ولا يعلم صفة اسمه في غيرها من الكتب، فلا يبعد أن يكون أيضًا تارح، والرجل قد يكون له اسمان، ويكون له الكنيتان، ويكون له الاسم والوصف، فيُدعَى بالوصف إذا غلب عليه، ويترك الاسم. هذا إدريس صلى الله عليه اسمه في التوراة خَنُوخ، ويعقوب اسمه إسرائيل، وعيسى يدعى المسيح، وقال رسول الله: «خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر». وقد يكون للرجل الكنيتان كما كان له اسمان؛ حمزة بن عبد المطلب يكنى: أبا يعلى

يح، وقال رسول الله: «خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر». وقد يكون للرجل الكنيتان كما كان له اسمان؛ حمزة بن عبد المطلب يكنى: أبا يعلى

وأبا عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب يكنى: أبا لهب وأبا عتبة، وصخر بن حرب أبو معاوية يكنى: أبا سفيان وأبا حنظلة، وعثمان بن عفان ﵁ يكنى: أبا عبد الله وأبا عمرو وأبا ليلى، فما يُنكر أن يكون لأبي إبراهيم اسمان؛ بأيهما دعوته به كنت صادقًا أو اسم وصفة، فتدعوه بالصفة تارة، وبالاسم تارة، كما قلت في عيسى والمسيح، وخنوخ وإدريس، وإسرائيل ويعقوب، وقد كان بعض القراء يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، برفع آزر على نية النداء؛ كأنه قال: يا آزرُ أتتخذ أصناما آلهة، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون دعاهُ لصفةٍ، كأنه قال: يا ضعيف أو يا جاهل، وما أشبه هذا إن كان ذَمَّهُ، وقد سَمى المسيحُ نفسه: (حمل الله)، وسمي شمعون: (الحجر)، وسمى أمته: (النعاج).

حرف في براءة: [١٤٧/ب] وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وليس يقول هذا أحد من اليهود، وإنما هو قول النصارى في المسيح، وقد صدقوا في قولهم أنه ليس أحد من اليهود اليوم، وإنما هو قول متقدم لصنف من اليهود، وكان بُخْتَنَصر أخرب بيت المقدس، ونفى بني إسرائيل، وسبى ذراريهم، وخرق التوراة، حتى لم يبق لهم رسم، وكان في أساراه دانيال وعزيز، فأما دانيال فعبّر له رؤياه، ونزل منه بأحسن المنازل، وأما عزيز فإنه أقام لهم التوراة بعينها، حتى عاد إلى الشام فعرفوها، فقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله، ولم يقل ذلك كل اليهود، وهذا خصوص خرج مخرج العموم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقل ذلك كل الناس، وكما قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، ولم يرد كل الشعراء بذلك؛ لأنه استثنى منهم المؤمنين.

حرف في سورة مريم: قالوا في قول الله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يكن لها أخ يقال له: هارون، ونحن نقول: أنه لم يرد بها أخوة النسب؛ وإنما أراد: يا شبه هارون، يا مثل هارون في الصلاح، وكان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى: هارون، وقد يقول الرجل للرجل: يا أخي. لا يريد به أخوة النسب؛ وإنما يريد أخوة الصداقة أو أخوة الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقد آخى رسول الله بين أصحابه، وقد يقول الرجل هذا الشيء؛ أخو هذا، إذا كان له مشاكلًا وشبيهًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، يريد من الآية الأولى للتي تشبهها.

حرف في الصافات: قالوا في قول الله تعالى، وذكر يونس: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]، وفي قوله في موضع آخر: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]، وهذا خلاف الأول؛ لأنه ذكر في الكلام الأول: أنه نُبِذَ بالعراء وهو سقيم، وقال في الكلام الثاني: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، وهذا يدل على أنه لم يُنْبَذ بالعراء، وليس الأمر كما توهموا، ولا بين الكلامين اختلاف كما ذكروا؛ لأنه أراد لولا أن تبنا عليه ورحمناه، حين نبذناه بالعراء مذمومًا، أي: على حاله الأولى، ثم تِيْبَ عليه. ويدلك على ذلك قوله بعد: ﴿مَذْمُومٌ﴾، ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]، أي: تاب عليه.

لى حاله الأولى، ثم تِيْبَ عليه. ويدلك على ذلك قوله بعد: ﴿مَذْمُومٌ﴾، ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]، أي: تاب عليه.

حرف في سورة الفتح: قالوا في قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، الاستثناء بإن يدلك على الشك، والله لا يشك و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، تحقيق؛ فكيف شك بعد تحقيق من الله، والقول في هذا أنَّ (إنْ) تقام مقام إذ في كثير من المواضع، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]، يريد إذ كنتم مؤمنين، فكأنه قال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله دخولكم إياه آمنين. ومثله قول رسول الله عن أهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لا يجوز أن يكون شك في لحوقه بهم، وإنما أراد نحن إذا شاء الله بكم لاحقون.

حرف في سورة الكهف: [١٤٨/ب] قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، فأنبأنا كم كان مدة لبثهم؟ ثم قال: ﴿أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقد علمنا ذلك مما أعلمناه. والقول في هذا أنهم اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، كما اختلفوا في عدتهم، فأعلمنا الله تعالى أنهم لبثوا ثلاثمائة، فقالوا: سنين أو

شهورًا أو أيامًا، فأنزل الله: ﴿سِنِينَ﴾، ولذلك بين ما بعد ثلاثمائة، ثم قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين. فهذا جملة من مطاعن الملحدين على كتاب الله، ووراءها من المطاعن أشياء كثيرة، عَيَوا عن مخارجها ومعانيها بقصور العلم، وسوء النظر والجهل بلطائف اللغة، فإن آثرت أن تنهي ذلك مجموعًا كبيرًا التمسته في الكتابين اللذين قدمت ذكرهما.

عَيَوا عن مخارجها ومعانيها بقصور العلم، وسوء النظر والجهل بلطائف اللغة، فإن آثرت أن تنهي ذلك مجموعًا كبيرًا التمسته في الكتابين اللذين قدمت ذكرهما.

أعلام النبي ﷺ من أخبار القرآن: من ذلك قوله تعالى في سورة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وهي مكية. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، يعني: المشركين يوم بدر، فهزمهم الله يوم بدر، بعدما كانوا بالسلاح والمال والرجال الأبطال، وكانت عدتهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وعدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، يعتقب العدة منهم البعير الواحد ولا فرس معهم يومئذ؛ إلا فرس للمقداد وفرس للزبير. وأمكن من صناديدهم وكُماتهم، فقُتل منهم خمسون رجلًا، وأُسر نحو ذلك، ورجعوا خائفين منكوبين، وكان أراهم مصارع القوم قبل اللقاء، وقال: «كأنكم يا أعداء الله بهذه الضِّلعِ الحمراءِ مُقَتَّلين».

ثم رماهم بقبضة من الحصباء، وقال: «شاهت الوجوه»، فلم يكن بعدها إلا هزيمة القوم، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، أي: سدد [١٤٩/أ] رميتك، فصدق الله ما وعده من النصر، وصدق ما قدم في الكتب المتقدمة، من ذكر هذه الموقعة على لسان شعيا، وهو قوله: ينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون بين يدي سيوف مسلولة، وقسي موترة، ومن شدة الملحمة». وهذا كلام لا يستطيع أحد أن يحتال فيه ويتأوله، لقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾، بالسين التي هي في معنى سوف، وهذه السين وسوف لا يكونان إلا لأمر لم يقع، ألا ترى أنك تقول سأفعل هذا غدًا، وسوف أفعله بعد شهر، ولا يجوز أن تقول سوف أفعله أمس، وسأفعله أول أمس، وما يزيد في وضوح ذلك، قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: تقتلونهم.

وخبر آخر من الكتاب: من ذلك أن النبي وعد المسلمين على الله؛ أن يغنمهم إحدى الطائفتين، وكانت إحداهما: ذات بز وطيب وأدم وأموال، ولا رجال فيها إلا عدة يسيرة، والطائفة الأخرى: ذات شوكة ورجال وعدد، فمال المسلمون بأهوائهم إلى ذات المغنم، وكرهوا الأخرى، وأبى الله إلا ذات الشوكة، وأنزل ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧، ٨]،

وهذا القضاء لا يستطاع دفعهُ بحيلة ولا تأويل؛ لأن وعد الله إياهم إحدى الطائفتين لا يكون إلا قبل اللقاء، ولا يجوز أن يعدهم شيئًا قد وقع.

نفال: ٧، ٨]،

وهذا القضاء لا يستطاع دفعهُ بحيلة ولا تأويل؛ لأن وعد الله إياهم إحدى الطائفتين لا يكون إلا قبل اللقاء، ولا يجوز أن يعدهم شيئًا قد وقع.

خبر آخر من الكتاب: ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]. وقد اختلف الناس في القوم أولي البأس الشديد، فقال قوم: هم بنو حنيفة، والداعي إلى قتالهم أبو بكر ﵁، وقال آخرون: هم أهل فارس، والداعي إلى قتالهم عمر ﵁، وهذه الآية تدل على خلافة الداعي لهم وعلى إمامته، إذ وعد المطيع له بالثواب، وأوعد العاصي بالعقاب، فإن قالوا فلعل الداعي إلى ذلك النبي، قلنا: قد بيَّن الله لنا في الكتاب أن الداعي غيره، لأنه قال: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥].

والذي قاله الله جل ثناؤه من قبل؛ وأرادوا أن يبدلوه، هو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فكيف يجوز له أن يدعوهم، وقد أمره الله أن لا يدعوهم أبدًا، ولا يقاتل بهم عدوًّا، إذْ رضوا بالقعود أول مرة.

قْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فكيف يجوز له أن يدعوهم، وقد أمره الله أن لا يدعوهم أبدًا، ولا يقاتل بهم عدوًّا، إذْ رضوا بالقعود أول مرة.

خبر آخر من الكتاب: ومن ذلك قول الله جل ذكره: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وكانت فارس غلبت الروم على أرض الحيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، فسُرَّ بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن الروم أهل كتاب وأهل فارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، أي: الروم من بعد أن غُلِبوا: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾، أهل فارس، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، والبضع: ما فوق الثلاث ودون العشر، فغلبت الروم [١٤٩/أ] أهل فارس، وأخرجوهم من بلادهم يوم الحديبية، وذلك بعد سبع سنين، ثم قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤]، أي: له القضاء بالغلبة لمن شاء من قبل ومن بعد، ويومئذ أي: يوم يغلب الروم أهل فارس، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله ما وعد من ذلك به، فتفهم قول الله تعالى في بضع سنين وتحديده الوقت، ولم يقل وهم من بعد غلبهم سيغلبون فيما بعد، ثم قال مؤكدًا لما وعد ومحققًا: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦].

وقد كان أُبي بن خلف قال: «والله لا يَغلبُ الرومُ أهل فارسَ، ولا يخرجوهم من أرضهم»؛ فقال له أبو بكر: «فإن شئت بايعتك؛ لتغلبهم إلى هذا الأجل الذي سمى الله تعالى». فتبايعا على سبع من الإبل إلى ثلاث سنين، ثم أتى أبو بكر رسول الله فأخبره الخبر، فقال رسول الله: «إنها سبع سنين، فزد في الخطر، ومد في الأجل»، فذهب أبو بكر إلى أُبي فاستقاله فأقاله، وقال: «قد علمت أن ما يجيء به صاحبك باطل»، ثم عاوده أبو بكر المبايعة، وزاد في الأجل أربع سنين، وزاد في الخطر مائة من الإبل، فلما أراد رسول الله الخروج من مكة أخذ أُبي أبا بكر ﵁ بذلك؛ حتى كفل عبد الله بن أبي بكر بالإبل، وكفل ابن لأُبي عن أبيه بالإبل، فأخرجتْ الرومُ فارسَ من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن أبي بكر ذلك من ابن أُبي بن خلف.

خبر آخر من الكتاب: ومن قولهم في قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، والآيات في الآفاق: فتح القرى، وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن

قالوا: إنه غير ذلك، قلت لهم: اجعلوه ما شئتم؛ إذا كان أمرًا لم يكن وكان، فاعتبروا به في [١٥٠/ب] أطراف الأرض، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن الذي أتى به رسول الله؛ هو الحق.

قلت لهم: اجعلوه ما شئتم؛ إذا كان أمرًا لم يكن وكان، فاعتبروا به في [١٥٠/ب] أطراف الأرض، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن الذي أتى به رسول الله؛ هو الحق.

حرف آخر من الكتاب: ومن ذلك قوله لرسوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، ومعاد الرجل بلده، سُمي معادًا لأنه ينصرف في البلاد يضرب في الأرض، ثم يعود إليه. وكذلك مثاب الرجل: منزله؛ لأنه يثوب إليه، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، يريد: أنهم يثوبون إليه كل سنة ويعودون، وهذه الآية أنزلت على رسول الله حين خرج من مكة يريد المدينة، وكان خرج منها محزونًا لمفارقة وطنه، فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه سيعود إلى مكة، وإن تأوّل هذه الآيات متأوّل، وذهب فيها إلى أن المعاد يوم القيامة، لم يكن في الكلام فائدة؛ لأنه قد أعلمه قبل ذلك، وأعلم الناس بما أنزله عليه؛ أنهم سيُبعثون ويُحشرون، والشاهد على ما تأولناه، قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، كما فعل. حرف آخر من الكتاب: ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، [الصف: ٩]،

وهذا أمر بيّن للعيان، يعرفه العاقل والجاهل والكافر؛ لأن الإسلام ظهر على كل دين، وأهله عالون على الأمم.

ِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، [الصف: ٩]،

وهذا أمر بيّن للعيان، يعرفه العاقل والجاهل والكافر؛ لأن الإسلام ظهر على كل دين، وأهله عالون على الأمم.

حرف آخر من الكتاب: من ذلك: قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، والمراد بهذا القول: صحابة رسول الله يدل على ذلك، [١٥١/أ] قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، وكانوا هم الخائفين في صدر الإسلام قبل الهجرة، والمستخفين المستضعفين، وقد وجدوا جميع ما وعدهم كما وعدهم، وهذا أيضًا شاهد لخلافة أبي بكر ﵁؛ لأنه لا يجوز أن يستخلف غيره ويُمكِّن له، ويكون ذلك المستخلف الممكَّن له مقهورًا متروكًا. حرف آخر من الكتاب: ومن ذلك: قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].

ولن يخفى على أحد أنَّ من كان في حومة القتال والمعركة لا يغشاه النعاس، لا سيما وهو في قلة العدد وضعف الحال، وأعداؤهم من كثرة العدد وقوة الحال؛ على ما قدمت به الوصف.

د أنَّ من كان في حومة القتال والمعركة لا يغشاه النعاس، لا سيما وهو في قلة العدد وضعف الحال، وأعداؤهم من كثرة العدد وقوة الحال؛ على ما قدمت به الوصف.

حرف آخر من الكتاب: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦]، يعني المسلمين، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]، يريد: ادعوا على أنفسكم بالموت إن كنتم صادقين، ثم قال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، أفما في إقدامه عليهم بهذا القول! وامتناعهم في الدعاء به على أنفسهم؛ دليل على علمه، وعلمهم بأنه لو دعوا به لأجيبوا، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، ولا ينالهم بعده مكروه، فيظهر في قوله الخلف، وتعدى عليه أعداؤه بالإفك، ولو لم يعلموا ما يلحقهم إذا هم دعوا به على أنفسهم؛ لسارعوا ليكذبوه وليتجنبوه، وكذلك الخطب في دعائه إياهم إلى المباهلة وامتناعهم. حرف آخر من الكتاب: ومن ذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]. ومصداق هذا في اليهود بيّن في كل عصر وكل مصر؛ فإنهم أذل الكفار نفوسًا، وأرقهم هيبة، وأدنسهم لباسًا، وأقذرهم أقبية، وأنتنهم أرواحًا، ولا تراهم في أمة من الأمم إلا وعليها في تلك الأمة صغار أو خزية وإتاوة، وحقٌّ لمن يرتع في لعنة الله ويمسي بسخطه؛ أن يكون كذلك.

وهم مع هذا أجهل الأمم بكل علم، وأعراهم من كل أدب وحظ، ولا تكاد تجد منهم سلطانًا ولا كتابًا ولا خطيبًا ولا شاعرًا ولا نحويًّا ولا طبيبًا؛ إلا أن تجده شاذًّا، وتجده مع ذلك كاسدًا مرفوضًا، وليس النصارى كذلك لأنهم أخلاط، فمنهم: عرب يمانيون، وعرب نزاريون، وعجم من بني إسرائيل وغير بني إسرائيل، وقد ضرب الله سبحانه لليهود المثل بالحمار يحمل أسفارًا. فإن قالوا بأن اللعنة قد تقدمت لليهود من الله، وتقدم ذكرها في كتبه، قبل القرآن قلنا قد تقدم ذلك كما قلتم، ولكنه لم يُظهِر ذل اليهود، ولم تؤخذ الجزية منهم إلا في الإسلام، فأما قبل الإسلام فقد كانوا يقتلون الأنبياء، وقتلوا زكريا، وادعوا قتل المسيح، وكانت طائفة منهم بيثرب أعزاء منعمين؛ حتى أوقع بهم رسول الله، وأخرجهم من ديارهم.

إخبار النبي ﷺ بما يكون من غير الكتاب: من ذلك قوله: «زُوِيت لي الأرض، فأُرِيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها»، وقد وجدنا مُلك أمته وَغَلَ في مشارق الأرض ومغاربها وغُولًا لم يبلغه مُلك قط. فإن احتج محتج بما لم يبلغه ملك أمته في المشارق والمغارب؛ كالصين

والروم والهند والحبشة، قلنا له لم نُرِد بقوله: «وسيبلغ ملك أمتي» كل المشارق وكل المغارب، وإنما أراد أن الله زوى له، أي: جمع له من المشارق والمغارب ما يبلغه ملك أمته، ومن الكلام عام يراد به خاص، كقولهم: طفت البلاد؛ وإنما طاف بعضها، وملكت العباد؛ وإنما ملك بعضهم، وشربت ماء البحر؛ وإنما شرب جرعة منه، وأتاني الناس؛ وإنما جاءته جماعة منهم. ويدلك أنه لم يرد الجميع، قوله: «وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها»، أي: سيبلغ ملكها المزوي لي من الأرض دون غيره.

خبر آخر: ومن ذلك قوله لعدي بن حاتم: «كَيف بك إذا خَرجتْ الظَّعِينَةُ من أقصى قصور اليمن، إلى قصور الحِيرَةِ لا تخاف إلا الله»، قال عدي: قلت: يا رسول الله، كيف بِطَيِّئٍ ومَقَانِبِهَا؟ قال: «يكفيها الله طَيِّئًا وما سواها». وقد وجدنا ذلك كما ذكر، بعد أن كان لا يستطيع أن يمر بالناحية أحد؛ لقلة الماء وطلب الأعراب، وقد تقدمت كتب الله تعالى بمثل قوله.

ه طَيِّئًا وما سواها». وقد وجدنا ذلك كما ذكر، بعد أن كان لا يستطيع أن يمر بالناحية أحد؛ لقلة الماء وطلب الأعراب، وقد تقدمت كتب الله تعالى بمثل قوله.

قال شعيا: «وتشق في البادية مياه، وسواق في الأرض والفلاةُ، وتكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياهًا، وتصير هناك محجة وطريق الحرام، ويقال أنه لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يضل هناك، ولا يكون به سباع، ويكون ممر المخلصين».

وفي فصل آخر من أشعيا: «ليفرح أهل البادية العطشى، ولتبتهج البراري والفلوات، وليخرج نورًا كنور الشنْبليد ولتزه، لأنها ستعطى … بأحمد محاسن لبنان، وكمثل حسن البستان والرياض».

خبر آخر: ومن ذلك قوله ﵁ لأبي عمرو النخعي، وقد قص عليه رؤيا رآها، ومنها: «رأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي؛ يقال له: عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظي، بصيرٌ وأعمى، أطعموني أكلكم كلكم، أهلكم ومالكم»، فقال رسول الله: «تلك فتنةٌ تكون في آخر الزمان»، قال أبو عمرو: «وما الفتنة يا رسول الله؟» قال:

«يقتل الناس إمامهم، ثم يشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أطباق الرأس، يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحَلُّ من شرب الماء». وقد رأينا مصداق ذلك مثل قتل المتوكلِ؛ جعفر بن المعتصم، يدلك على ذلك قوله: «فتنة تكون في آخر الزمان»، [وقبله كان أول الفتنة، ونحن في آخر الزمان].

خبر آخر: ومن ذلك أنه نَعى النجاشي وخبّر أصحابه بموته وصلى عليه، وتتابعت الأخبار من كل ناحية أنه مات في ذلك اليوم

خبر آخر: ومن ذلك قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقُتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب ﵀، وذكر عمرو بن العاص لمعاوية ﵁، ما رواه عبد الله ابنه، من قول النبي لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»، فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة تحض بها في بولك، أنحن قتلناه؛ إنما قتله الذي جاء به. ولو لم يكن الأمر صحيحًا عند معاوية؛ لقال له: كذب ابنك. ولم يحتج إلى هذه الحيلة الضعيفة والتأويل البعيد.

في بولك، أنحن قتلناه؛ إنما قتله الذي جاء به. ولو لم يكن الأمر صحيحًا عند معاوية؛ لقال له: كذب ابنك. ولم يحتج إلى هذه الحيلة الضعيفة والتأويل البعيد.

خبر آخر: ومن ذلك قوله لعلي بن أبي طالب: «أشقى الناس عاقر الناقة، والذي يخضب من هنا هذه»، يعني: الذي يضربك على رأسك، فيخضب لحيتك من دم رأسك، فضُرب على رأسه حين قتل ﵁. خبر آخر: ومن ذلك: قوله ﷺ: «اقتدوا بالذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر»، فأعلمنا بهذا القول أن الخليفة بعده يكون أبا بكر، وأن الخليفة بعد أبي بكر عمر.

خبر آخر: ومن ذلك قوله في حديث سفينة؛ وعبر رؤياه: «خلافة نبوة ثلاثين سنة، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء»، وكانت في هذه المدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.

خبر آخر: ومن ذلك قوله ﷺ: «مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء، وقد غطوا عليه، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم رددت الغطاء كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تَصُوبُ من موضع كذا، يقدمها جمل أَوْرَق عليها غِرَارَتَان، إحداهما سوداء، والأخرى برقاء»، فابتدر القوم الثنية، فوجدوا ما وصف، وسألوا عن الإناء والماء، فوجدوا الأمر كما قال. خبر آخر: ومن ذلك أنه ضلت ناقته، فأقبل يسأل الناس عنها، فقال المنافقون: هذا محمد يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته. فأقبل فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه،

ثم قال: وحكى قولهم، ثم قال: «وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد أخبرني أنها في وادي كذا متعلق زمامها بشجرة»، فبادر الناس فوجدوها كذلك.

خبر آخر: ومن ذلك قوله لخالد بن الوليد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل: «أما أنكم ستأتونه فتجدونه يصيد البقر»، فوجوده كذلك. خبر آخر: ومن ذلك قوله ﷺ لعباس عمه حين أسره: «افدِ نفسك وابنَيْ أخيك»،

يعني: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، «فإنك ذو مالٍ»، فقال: لا مال عندي. فقال: «أين المال الذي وضعته بمكة عند أم الفضل؟ وليس معك أحد، فقلت إن أُصبت في سفري فللفضل كذا، ولعبد الله كذا، ولفلان كذا»، فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري، وإنك لرسول الله وأسلم هو وعقيل.

ومن دعائه المستجاب: ومن أعلامه دعاؤه على مضر حين آذوه وكذبوه، فقال: «اللهم اشْدُدْ وطْأَتَكَ على مُضَرْ، وابْعَثْ عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف»، فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر، وماتت الأشياه، واشتووا القَدَّ، وأكلوا العِلْهِزُ.

طْأَتَكَ على مُضَرْ، وابْعَثْ عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف»، فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر، وماتت الأشياه، واشتووا القَدَّ، وأكلوا العِلْهِزُ.

فوفد حاجب ابن زرارة إلى كسرى، فشكا إليه ما نالهم، وسأله أن يأذن له الرعي بالسواد، ورهنه قوسه، وفي ذلك نزل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، والدخان: الجدب، سمي دخانًا؛ لأن الغبار يرفع في سنة الجدب، فيكون كأنه دخان. ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها. ولا يجوز أن يكون هذا لم يأت بعد لأنه قال: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١١، ١٢]، ثم قال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣، ١٤]، ثم قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، يعني يوم بدر. وهذا كله يدل على أن الدخان قد مضى وأنه قد دعا به؛ وكان انكشاف العذاب عنهم أيضًا بدعائه- بأبي هو وأمي- فأتاهم الغيث، وكثر حتى هدم بيوتهم، فكلموه في ذلك، فقال: «اللهم حَوالينا ولا علينا، اللهم على الظِّرَابْ والجبال وبطون الأودية». ومن ذلك دعاؤه على كسرى حين مزق كتابه، وبعث إليه بتراب، وقال:

«اللهم مَزِّقْ مُلكه كل مُمُزق»، وقال لأصحابه: «مَزَّق كتابي؛ أما أنه سيمزق وأمته، وبعث إليه بتراب؛ أما أنكم ستملكون أرضه»، فمزَّقَ الله ملكه، وشَتَّتَ جمعه، ومَلَّكَهم أرضه. ومن دعائه ﷺ دعاؤه على عتبة بن أبي لهب، وقال: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه الأسد في بعض أسفاره. وهذا إلى أشياء كثيرة قد دونت في الحديث وتلقاها المسلمون بالقبول، كما تلقى أهل [١٥٤/ب] الكتاب أخبار أنبيائهم عن صحابتهم، نحو: تكلم الذئب، والمتكلم له أُهْبَان الأسلمي، وولده إلى اليوم يُدعون بني مُكَلِّم الذئب، وفيه يقول دعبل بن علي الشاعر:

ب أخبار أنبيائهم عن صحابتهم، نحو: تكلم الذئب، والمتكلم له أُهْبَان الأسلمي، وولده إلى اليوم يُدعون بني مُكَلِّم الذئب، وفيه يقول دعبل بن علي الشاعر:

تِهْتُمْ عَلَيْنَا بأَنَّ الذِّئْبَ كَلَّمَكُمْ … فَقَد لَعَمْرِي أَبُوكُم كَلَّمَ الذَّيبَا وكلام الظَّبية، وشكوى البعير، ومشي الشجرة إليه، وتفجّر الماء عن

أضعاف أصابعه، وإطعامه أصحابه وهم كثير كثير من طعام يسير، وعَنْزٍ مُسْمِل في حَيْسٍ صغير حتى جَاشَ لهم بالرِي، مع أعلامه الظاهرة في حفر الخندق، وفي مسيره إلى تبوك، التي لا خفاء بها على أهل العلم، وتعدادها يطول به الكتاب، ومن بعض ما ذكرنا ودليل على ما أردناه، فإن دفَعَ ما عددناه من هذه الآيات دافع؛ بقول الله في كتابه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، قال في هذا دليل على أنه لم يرسل بآيات كما أُرسل من قبله من الناس، قلت له: إنما أراد بالآيات التي لم يُرسله بها، الآيات التي سمى له المشركون إياها؛ كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢]،

ونحو هذا يقول: وما منعنا أن نأتيهم بهذه الآيات التي سألوا أن تأتيهم بها؛ إلا أن الأولين سألوا مثل ذلك أنبياءهم، بما سألوا فكذبوا به فأهلكناهم، يدلك على ذلك قول المسيح ﵇: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٤، ١١٥]. وكذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [١٥٥/أ] [الأنعام: ٨]، أي: لو أنزلناه ملكًا فكذبوا بعد نزول الملك؛ لقضي الأمر. أي: أهلكناهم ولم نُنْظِرهم، وكذلك قوله حكاية عن قوم صالح: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٨]. وهذه رحمة من الله لهذه الأمة وإمهال ونَظِرة، ولو لم يكن النبي ﷺ أتى بآيات تدل على نبوته كما قالوا، لقد كان في انقياد الناس له، واتباعهم إياه، وبذلهم مهجهم له وأموالهم دونه، ومفارقتهم للْأوطان، وهجرتهم مرة بعد مرة إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، واحتمالهم كل الأذى في نصرته وطاعته، وهو إذ ذاك لا مال له، فلا دنيا معه حتى قهر الأمم وأذل الرقاب، وظهرت دعوته وعلت كلمته، وبلغت مشارق الأرض

المدينة، واحتمالهم كل الأذى في نصرته وطاعته، وهو إذ ذاك لا مال له، فلا دنيا معه حتى قهر الأمم وأذل الرقاب، وظهرت دعوته وعلت كلمته، وبلغت مشارق الأرض

ومغاربها وجزائرها وأطوادها، أعظم الآيات وأدل الدلائل على أن الله ﷿ يسر له من ذلك ما لم ييسره لموسى ﵇: بفلق البحر واليد والعصا والحجر والقُمَّل والدم والضفادع، وما لم ييسره للمسيح ﵇: بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإن [١٥٥/ب] دعوة موسى كانت مقصورة على بني إسرائيل؛ فاختلفوا عليه وأعنتوه في السؤال: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، و ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، و ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ثم عبدوا العجل بعد أن فارقهم هذا، وقد أراهم من الآيات العِظَام ما فيه بلاء مبين. وكذلك دعوة عيسى لم يتبعه عليها مع آياته إلا قليل، ثم سعوا وعرّضوه لسفك الدم، واختلفوا بعده في عمود دينهم؛ فقالوا: هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة، والمسلمون وإن اختلفوا فاختلافهم في الفروع؛ والأصول سليمة، وكفى بهذا للنبي إثباتًا به علمًا ودليلًا. وبعد فإنه ليس كل الأنبياء أُرسل بآية، ولا كلهم سُئل منهم آية أتى بها، ولا كل أمة اتبعت نبيًّا اتبعته على آية، فهذا داود لا آية له في الزبور، وهذا حزقيل أتته جماعة من بني إسرائيل يريدون امتحانه فأجابهم: «بأن ربّ الأرباب يقول: إنني أقسمت قسمًا باسمي إني أنا الحي، وإني لا أُحير جوابًا عمَّا يريدون». وهذا المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية، فقذفهم وقال مجيبًا لهم: «إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية، ولن تُعطى آية؛ خلا آية يونان النبي ﷺ».

ن». وهذا المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية، فقذفهم وقال مجيبًا لهم: «إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية، ولن تُعطى آية؛ خلا آية يونان النبي ﷺ».

ومر المسيح بشمعون الصفا وأخيه أبناريوس الحوارييين؛ وهما يصيدان السمك في البحر فقال لهما: «لتتبعاني أجعلكم تصيدان الناس»، فرفضا شباكهم، واتبعاه من ساعتهما ولم يسألانه آية، ولا اتبعاه عليها. ولا شيء أعجب عندي من تصديق النصاري بنبوة مريم وحنا؛ وهما امرأتان بلا كتاب ولا آية ولا دليل! وكفرهم بنبوة محمد. ولو قلنا لهذه الزنادقة المكذبة للرسل أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن الله لم يبعث رسولًا إلى خلقه، يهديهم به إلى رضاه وطاعته، ويكُفُّهم عن مساخطه ومعصيته، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح شؤونهم، وحقن دماؤهم، وصون حرمهم، وردع قويهم عن ضعيفهم، وأن الحكمة كانت عندكم. والصواب أن يتركهم سدى يتغاورون، ويسفكون الدماء، ويتهارجون تهارج البهائم؛ حتى لا يرعى ابن لأب، ولا أخ لأخ، ويأكل الكثير القليل، ويبتزُّ العزيز الذليل، لم يرجعوا في ذلك إلى وثيقة ولا إلى يقين وحجة؛ وإنما هو استطابة الإهمال، وركوب الفواحش، وترك الفرائض، وإرسال التشريع للهوى، ولولا دفع الله عنهم من لا يرى مثل رأيهم؛ لعرفوا عيانًا سوء ما اختاروا، وليس الخبر كالعيان، ولا من سمع بالأمر كمن وقع فيه. وكذلك لو قلنا لأهل الكتاب: من أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن محمدًا غير منعوت؛ مع هذه الأنباء وهذا الظهور؛ أبقول موسى، أو قول داود، أو قول أشعيا، سيأتيكم رجل يدعي النبوة، يقال له: محمد فارفضوه ولا تصدقوه، لم يرجعوا في ذلك إلى علم بخبر أحد من هؤلاء الأنبياء ولا غيرهم، وإذا كان ذلك لا يوجد، فهل محمد إلا كنبي منهم؟

وإذا كان القوم ظانين شاكين؛ ونحن مستيقنون بكثير الدلائل والبراهين، فكيف يُعارض اليقين منا بالشك منهم، والحجة البيّنة بغير حجة، وكل شاكٍّ في أمر فهو مقر بالجهل على نفسه؛ لأن الحق لا يخلو من أن يكون على أحد الأمرين الذين وقف بينهما، وأنه ليس على أحد منهما. [١٥٦/ب] فإن قالت النصارى إن المسيح أعلمنا أنه لا نبي بعده، قلنا فقد أعلمكم أيضًا في الإنجيل أنه سيذهب ويأتي به بعده البارقليط، قال: «وهو يشهد لي كما شهدت له، وأنا أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل». وقد أعلمكم في موضع آخر أن: «إِليا مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع». وإِليا عندكم هو نبي مقدم في كتبهم، عن بعض الحواريين أنه يكون بعد المسيح بأنطاكية أنبياء وعلماء، منهم: بِرنَبا، وشَمْعُون، ....................................

ولُوقُيُوس، ومَاثِايل، وشَاؤول. وفي موضع آخر: أنه قدم أنبياء من بيت المقدس، وقام أحدهم وكان يسمى إِغْيَانُوس؛ فتنبأ لهم، وقال: أنه يكون في البلاد مجاعة وقحط شديد. هذا ما في كتبهم، وفيها ما أُثر بحقٍّ عن أهل النظر في كتب الله المتقدمة، أن جَرْجِس بعد المسيح، وكان قد أدرك بعض الحواريين، وبعث إلى ملك الموصل وهو من أهل فلسطين. فكيف يقول المسيح ﵇: «لا نبي بعدي»، ثم يقول: «سيأتي بعدي فلان وفلان»، كيف تؤمنون بهذا القول منه وتؤمنون بأنبياء كانوا بعده؟ أفلا تثاقلتم عن الإيمان به كأولئك الأنبياء، وليس يخلوا هذا القول الذي يحكونه عن المسيح، من أحد أمرين: أن يكون باطلًا أراد كبرا، وكما لم يحتجوا به في دفع نبوة محمد، أو يكون حقًا وله تأويل ذهب عليكم وعرفناه بتوفيق الله وتأييده؛ وهو أن المسيح عندنا حي عند الله

باطلًا أراد كبرا، وكما لم يحتجوا به في دفع نبوة محمد، أو يكون حقًا وله تأويل ذهب عليكم وعرفناه بتوفيق الله وتأييده؛ وهو أن المسيح عندنا حي عند الله

لم يقتل؛ كما قلتم ولم يصلب، وسينزله الله في آخر الزمان، فيقيم في الأرض، ويقتل الدجال، وينكح النساء، ثم يتوفاه الله، فلا نبي بعده، أي: بعد تلك الوفاة. وإذا حُمِلَ الحرف على هذا التأويل؛ صحت أقاويل المسيح كلها ولم يدفع بعضها بعضًا. وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه لمخالفته موسى وعيسى؛ فإن الشرائع استعباد من الله لعباده وعلم لطاعته ومعصيته، وليس في نفس الشريعة ما يستحق التحريم أو التحليل أو الحظر أو الإباحة، والله يختبر عباده كل زمان، وعلى لسان كل رسول بما أحب، ويطلق على لسان الآخر ما حظر على لسان الأول، وليس الأول في نفسه بأولى بذلك من الآخر. وقد بُعث موسى ﵇؛ بالسبت وبالختام في اليوم السابع، ثم جاء المسيح بعده بنسخ ذلك وغيره من شرائع موسى، هذا مع قوله للحواريين: «لا تظنوا أني جئت لنقض الناموس، وإني لم آت لنقضه ولكن ليتم، الحق أقول لكم إنه حتى بقاء

سيح بعده بنسخ ذلك وغيره من شرائع موسى، هذا مع قوله للحواريين: «لا تظنوا أني جئت لنقض الناموس، وإني لم آت لنقضه ولكن ليتم، الحق أقول لكم إنه حتى بقاء

السماء والأرض لا يبطل من الناموس حرف واحد، ومن أراد نقض شيء من هذه الفرائض لإصغاء وتعليم الناس؛ فإنه يدعى ناقصًا في ملكوت السماء». فكيف لم تنكروا قول المسيح إني لم آت لنقض ولا تغيير شيء، ثم نقض وغَيَّر. وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بتجريده السيف، وقتله كل من خالفه، وبأن المسيح بُعث بالرحمة، وقال: «من لطمك على خدك الأيمن فأمكنه من الآخر، ومن خاصمك ليأخذ جبتك فاترك له رداءك، ومن سخرك ميلًا فاتبعه ميلين، ومن سألك فاعطه، ومن استقرضك فلا تمنعه»، و «إن الخلق كله لله، والأمر يبعث نبيا بالرحمة كما أنه رحيم، ويبعث نبيًا بالسيف كما أنه شديد العقاب». وقد قدَّم الله تعالى في كتبهم من ذكره ما دل على أنه بعثه بالسيف؛ من ذلك قوله في الزبور بوصفه أمته: «بأيديهم سيوف ذوات شفرتين؛ لينتقموا بها لله من الأمم الذين لم يعبدوه». وفي مزمور آخر: «تقلد أيها الجبار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة سيدك، وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك». وعلى أنه لم يكن في الجهاد بدعًا من الرسل؛ فهذا إبراهيم جاهد الملوك الأربعة الذين كانوا ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وجاهدهم حتى هزمهم بغلمانه وأحزابه من أتباعه.

د بدعًا من الرسل؛ فهذا إبراهيم جاهد الملوك الأربعة الذين كانوا ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وجاهدهم حتى هزمهم بغلمانه وأحزابه من أتباعه.

وهذا يوشع بن نون قتل بتعويذتين ملكًا من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر، ولا من أهله نافح ضربه، من غير أن يدعوهم إلى دين، أو يطلب منهم إتاوة. وغزا داود بلادًا من بلاد الشام؛ فلم يدع فيها رجلًا ولا امرأة إلا قتلهم، وساق الغنائم. وهذا كله موجود في كتبهم. وهذا المسيح ﵇ نفسه المبعوث بالرحمة، يقول في الإنجيل لتلامذته: «إن سألتكم وليس معكم مزود ولا خف، فهل ضركم ذلك أو نقصكم شيئًا»، قالوا: لا، فقال: «أما الآن فليشتر منكم من لم يكن له مزودًا، ومن لم يكن له سيف فليبع ثيابه وليشتري لنفسه سيفًا»، وإنما أمرهم بابتياع السيف بعد أن كان نهاهم عن القتال؛ لعلمه بأن النبي يُبعث بعده بالسيوف، فأشار إليه وإلى أيامه، وأمر من لحقها باتباعه والجهاد معه. وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بذكره في القرآن: الأكل والشرب والنكاح في الجنة والحديد والمقامع في النار؛ فإن الله قد ذكر الجنة وإسكانه إياها آدم وزوجته، وأكلهما من الشجرة واستتارهما حين عريا بورق التين في التوراة، فإن ذكروا أن الجنة التي أُسْكِنها آدم كانت في الأرض؛ لم نجادلهم في ذلك ورجعنا بهم إلى قول المسيح في الإنجيل

لتلامذته؛ حين شرب معهم: «إني لست شاربًا من هذه الكرمة حتى أشربها معكم في ملكوت السماء». وقال لوقا عن المسيح ﵇: «إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي». وقال يوحنا عنه: «أكثروا الغرف والمساكن عند أبي». وفي أشعيا: «يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورد، ومن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود، ويأخذ من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن». وهذا مثل قول الله تعالى في القرآن: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]. ووصف المسيح العذاب في الآخرة، فقال: «إنه نار لا تطفأ، وديدان لا تموت». وقال في غير موضع آخر: «جهنم ذات الوقود». وقال للحواريين: «بحق أقول لكم؛ إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء، ويخرج بنو الملوك إلى الظُلمة البرَّانيِة، من حيث يكون البكاء وصرير الأسنان».

وقال الله على لسان داود: «أنا ناشرهم وباعثهم من بين أنياب السباع، ومن لجج البحار». وقال دانيال: «أنه سيبعث من الأجداث قومٌ كثير، بعضهم إلى الجنان الدائمة، وبعضهم إلى البوار». وإن اعتَّلُّوا بأنه سُئل عن أشياء فلم يعرفها، منها: الروح، ومنها: الساعة متى تكون، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وإن الأنبياء لا تعلم إلا ما علّمها الله، وليس يُعلِّمها الله إلا ما أحب دون ما أحبت، ولا يطلعها من غيبه إلا على ما يشاء، وقد سأل المسيح تلاميذه عن الساعة، فقال: «ذلك غيبٌ مستور عني، لا يعلمه إلا الله وحده»، وقد وافق المسيح نبينا ﷺ.

ت، ولا يطلعها من غيبه إلا على ما يشاء، وقد سأل المسيح تلاميذه عن الساعة، فقال: «ذلك غيبٌ مستور عني، لا يعلمه إلا الله وحده»، وقد وافق المسيح نبينا ﷺ. وإن اعتَّلُّوا بأن المسيح قال لهم في الإنجيل: «احتفظوا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم عليهم لباس الخرفان وهم كالذئاب التي تخطف، فسوف تعرفونهم بأعمالهم. هل يُجنى من الشوك العنب، ومن القصب التين»؛ فإن نبينا قد حدثنا مثل الذي حدثهم المسيح وقال: «بين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كلهم يكذب على الله»، وقد رأينا منهم قومًا في صدر الإسلام كمسيلمة، والأسود العنسي، وفي آخره.

وهذا القول من المسيح ﵇ لا يشبه عندي ما أدعوا من قوله: «لا نبي بعدي»؛ لأن في قوله: «لا نبي بعدي» ما دل على أن كل من ادعى النبوة بعده كذاب، فما حاجته إلى أن احتفظوا من الأنبياء الكذابين. ومن قال لك بعلم منه ويقين، إنك لا ترى اليوم لصًا مستغنٍ عن أن يقول: احتفظ اليوم من اللصوص العادين. وهذا القول من المسيح ينبغي أن يكون دليلهم؛ لأن الأعمال تدل على صدق أهلها وكذبهم، فأي أعمال رسول الله، وأي خلاله تدفعه عما ذكر المسيح؛ أنه يُوجب التصديق. ألم يكن أشرف الأشراف، وأحلم الحلماء، وأجود الأجواد، وأنجد الأنجاد، وأزهد الزهاد، ألم يكن يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويتوسد يده، ويمهن أهله، ويأكل

بالأرض، ويقول: «إنما أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد، وألبس كما يلبس العبد»، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ولم يُرَ ضاحكًا ملء فيه، ولا آكلًا وحده، ولا ضاربًا بيده إلا في سبيل الله، وقام حتى تورمت قدامه، وكان يُسمع لجوفه إذا قام بالليل أزيزُ كأزيز المرجل من البكاء، وقال: «شيَّبتني هُود وأخواتها»، وكان من دعائه: «اللهم ارزقني عينين هطَّالتين، تبكيان بذروف الدموع، تسقياني من مخافتك؛

قبل أن تكون الدموع دمًا، والأضراس جمرًا»، واقتص من نفسه، وقُبض ودرعه مرهونة على شعير اقترضه لمطعمه، ولم يُورِّث، وقال: «إِنا معشر الأنبياء لا نُورَثْ، ما تركنا صدقة».

دمًا، والأضراس جمرًا»، واقتص من نفسه، وقُبض ودرعه مرهونة على شعير اقترضه لمطعمه، ولم يُورِّث، وقال: «إِنا معشر الأنبياء لا نُورَثْ، ما تركنا صدقة».

وقد مدحه الله تعالى بجميل أخلاقه، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فمن استبعد منكم هذه الأشياء، واتهم بعض هذه الأخبار، فهذه حجرته التي كان ينزل فيها هو وأهله؛ وبها مَقْبَرُهُ، وهذه بردته التي كان يلبسها؛ تلبسها الخلفاء في الأعياد، وهذا قدحه الذي كان يشرب فيه، وهذه نعله، وهذه كتبه لقوم في أقارع الأُدْم، ثم هو مع هذا أوسطهم حسبًا، وأكرمهم محتدًا، وأشرفهم أبًا، وبجده قصيٍ جمع الله قريشًا وأنزلها، قال الشاعر:

أَبُوكم قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِن فِهْرِ وأبر البشر لسانًا في إقلال، وأثبتهم جنانًا حين البأس، فرَّ الناس عنه يوم حنين وهم اثنا عشر ألفًا، وثبت في خمسة نفر أحدهم العباس عمه، وهو آخذ بحِكْمَه بغلته؛ ينادي أصحاب الشجرة: «يا أصحاب الثمرة، يا أصحاب سورة البقرة، إليّ فأنا رسول الله»، وقال العباس: نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَة … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا وَثَامِنُنَا لَاقَى الْحِمَامَ بِسَيْفِهِ … بِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ وكانت هزيمة القوم يومئذ بكلمة كانت عن بعضهم، وهي قوله: «لن نُغْلَب اليوم من قلة»، فعُوقبوا بذلك فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].

وهذه صحابته خيار البشر ومصابيح الأنام، منهم: أبو بكر ﵁، كان جُّل كساءه بخِلَالَينِ وهو الخليفة بعده، فسُمي ذا الخلالين. وعمر كان يلبس وهو أمير المؤمنين جُبَّة صوف مرقوعة بأُدْم، ويطوف في الأسواق على عاتقه دِّرَة يؤدّب بها الناس، ويمر بالنَّكْث والنَّوَى فيَلْقُطُهُ، ويُلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك. وعثمان بن عفان ﵁: كان يقوم بالقرآن كله في ركعة واحدة.

وعلي بن أبي طالب ﵁: اشترى وهو خليفة قميصًا بثلاثة دراهم، وقطّع كُمْيّه من موضع الرسغين، وقال: «الحمد لله الذي هذا من رِيَاشْه». وسعد بن أبي وقاص: كان النبي دعا له بأن تُستجابَ دعوته وتُسدَّدَ رميته، وولي أمر الناس بالقادسية؛ فأصابه جِرَاح فلم يشهد يوم الفتح، وقال رجل من بجيلة:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَظْهَرَ دِينَهُ … وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصِمُ فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ .... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ فقال سعد: «اللهم اكفنا يده ولسانه»، فرُمي فخرس لسانه، ويبست يده. وابن عباس: كان في خديه خَطان من أثر الدموع. وهذا في صحابته؛ والتابعين بعدهم أشهر من أن نطيل بتعداده، وأكثر من أن نُحيط به. وهذه دعوته دعوة الحق إلى كلمة التقوى وهي: لا إله إلا الله الذي لا إله إلا هو، الفرد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبوعده ووعيده، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهذه شريعته أسهل الشرائع وأطيبها وأطهرها وأنزهها، أحل فيها الطيبات وحرم الخبائث، وأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، والرضا والعفو، والأمر بالمعروف، والصفح عن الجاهلين، ومجانبة الغيبة والكذب والنميمة والفواحش والشانيات، وشرب الخمر والقمار، وحض على كل شيءٍ حسن، وردع عن كل قبيح، وبيّن للناس ما يأخذون وما يدعون في فرائضهم وأحكامهم وزكاتهم وطلاقهم وعيدهم وحجهم ومعاملاتهم وسائر أمور دينهم، فأغناهم عن جميع الأمم وعن جميع أهل الكتب، وأحوج المخالفين لهم إلى ما عندهم؛ كالنصارى تستعمل في كثير من المواريث فرائضهم، وتستعمل في المعاملات من الشرى والبيع أحكامهم، وكذلك اليهود قد تفرع عن أصول

المخالفين لهم إلى ما عندهم؛ كالنصارى تستعمل في كثير من المواريث فرائضهم، وتستعمل في المعاملات من الشرى والبيع أحكامهم، وكذلك اليهود قد تفرع عن أصول

أحكامها في التوراة أمور لا تعرفها؛ فتلجأ فيها إلى حكم المسلمين، وليس لأمة من الأمم إسناد كإسنادهم؛ رجل عن رجل، وثقة عن ثقة، حتى يبلغ بذلك رسول الله وأصحابه ﷺ، فيتبين بذلك الصحيح من السقيم، والمتصل من المنقطع، والمدلس والسليم. وليتدبر متدبر ما نقول بالاعتبار والفكرة وليقبل إليه بالإنصاف والنصيحة وقطع الإلف والعادة، وليجمع بين دعوة رسول الله وشريعته، ونبذ ما بنى عليه الملحدون. وكيف تطيب نفس امرئ من النصارى بعد … [وفي بعض ما اقتصصنا كفاية لمن عَقَل، وبلاغ لمن اعتبر، وشفاء لمن شك، فما يمنع من كانت له أُذن تسمع، وقلبٌ يفقه وعينٌ تبصر، أن يفيء إلى الله تعالى وينيب إلى الحق قبل الفوات، بمفاجأة الموت فإنه ليس من الدين عوض، ولا من الله مهرب ولا بعد الموت مستعتب، ولا دار إلا الجنة أو النار].

Bagian 2 dari 2