— Bagian 16 · شيعة، أن ما نافية، وصدقة مفعول تركنا بهتان وزور.… —
Bagian 16
شيعة، أن ما نافية، وصدقة مفعول تركنا بهتان وزور. نعم على أنها موصولة. قيل: روى بالنصب بناء على أنها مفعولة، والخبر محذوف أى: الذى تركناه مبذول صدقة.
٣٨٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ قال: «لا يقسم ورثتى دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى، ومؤونة عاملى، فهو صدقة». ــ ٣٨٦ - (لا تقسّم): رواية مسلم: «لا يقسم» وهو نفى لا نهى، لأن المنهى عنه شرطه الإمكان ووارث النبى ﷺ غير ممكن فيتمحض هذا للإخبار بأنهم لا يقتسمون شيئا لأنه لا يورث، ورثنى: أى من يصلح لوراثتى لو أمكنت. (دينارا ولا درهما): نكتة التقييد بهما، التنبيه على أن ما فوقهما أولى بذلك، وهذا عام فى الأنبياء كما تقرر، وخالف الحسن البصرى، فقال: يختص بنبينا لقوله تعالى: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وهى وراثة مال، لا نبوة، وإلا لم يقل: وَإِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي إذ لا يخافهم على النبوة. وصوب الجمهور خلاف قوله لخبر النسائى: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» والمراد وراثة النبوة كما تقدم، دون حقيقة الإرث، بل قيامه مقامه، وحلوله مكانه، وعليه فإنما خاف من استيلاء الموالى على مرتبته الظاهرة بالقهر والتغلب، نقله النسائى. قال ابن عيينة: كن فى معنى المعتدات لحرمة النكاح عليهن أبدا، فجرت لهن النفقة. وقيل: لا عدة لهن، لأنه ﷺ حى فى قبره وكذلك الأنبياء، ويؤيده ما مر عن صاحب التلخيص. وقد نقل إمام الحرمين عنه: أما خلافة ما بقى على ما كان فى حياته فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملكه، فإن الأنبياء أحياء، وقصته أن حياتهم زائدة على حياة الشهداء، فإنها قد تعطى بعض أحكام الدنيا. وقد صح أن الأنبياء يحجون ويلبون، فأعمالهم ليست بتكليفية، بل يتلذذون بها، ومن ذلك سجوده ﷺ وقت الشفاعة، ولا ينافى ذلك إطلاق الكتاب والسنة والإجماع الموت عليه ﷺ.
الأنبياء يحجون ويلبون، فأعمالهم ليست بتكليفية، بل يتلذذون بها، ومن ذلك سجوده ﷺ وقت الشفاعة، ولا ينافى ذلك إطلاق الكتاب والسنة والإجماع الموت عليه ﷺ. قال السبكى: لأنه أحيى بعده، وعليه فانتقال الملك مشروط بموت مستمر، وقد ثبت أن أجسام الأنبياء لا تبلى، وأن الروح تعود للجسد فى سائر الموتى، وإنما النظر فى استمرارها فى البدن وفى الأجساد هل يصير حيا كهو فى الدنيا أو حيا بدون روح، وهى
٣٨٧ - حدثنا الحسن بن على الخلال، حدثنا بشر بن معمر، قال: سمعت مالك بن أنس، عن الزهرى، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: «دخلت على عمر، فدخل عليه عبد الرّحمن بن عوف، وطلحة، وسعد، وجاء علىّ والعبّاس يختصمان، فقال لهم عمر: أنشدكم بالذى بإذنه تقوم السّموات والأرض. أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: لا نورّث، ما تركنا صدقة، فقالوا: اللهمّ نعم»، وفى الحديث قصة طويلة. ــ حيث شاء الله، فإن ملازمة الحياة لها أمر عادى، فالعقل يجوز خلاف ذلك، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء، ويشهد له صلاة موسى فى قبره، فإن الصلاة تستدعى جسدا حيا، وكذلك صفات الأنبياء المذكورة ليلة الإسراء، كلها صفات للأجساد، ولا امتناع من أنها حياة حقيقية، وإن لم يحتج إلى نحو طعام، وأما نحو العلم والسماع فثابت لهم، بل لسائر الموتى بلا شك. (ومؤنة عاملى): هو الخليفة بعده، وقيل: هو القائم على الصدقات، والناظر فيها، وقيل: كل عامل للمسلمين، إذ هو عامل له ﷺ، وهو نائب عنه فى أمته، وكان ﷺ ينفق على أهله من صفاياه، كأموال بنى النضير وفدك، والباقى يصرفه للمسلمين، ثم وليها أبو بكر رضى الله عنه، ثم عمر رضى الله عنه، فإنها كذلك، فلما آلت لعثمان أقطعها لاستغنائه عنها أقاربه، فلم تزل فى أيديهم، حتى ردها عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه. ٣٨٧ - (أنشدكم): أسألكم وأقسم عليكم، من النشد وهو رفع الصوت. (بإذنه): بإرادته وقدرته. (وفى الحديث قصة طويلة): بسطها مسلم فى صحيحه فى أبواب التى لا تحتملها هذه العجالة. وقد استوفينا الكلام على ما وقع لفاطمة رضى الله عنها مع أبى
٣٨٨ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عائشة، قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما، ولا شاة ولا بعيرا». قال: وأشكّ فى العبد والأمة. ــ بكر، ولعلى والعباس مع عمر رضى الله عنهم فى كتابى الصواعق المحرقة، فاطلبه فإنك تنجو به عن ضلالات وقع فيها المبتدعة، وعمايات خذل بها من أضله الله ووضعه. ٣٨٨ - (قال): أى زر بن حبيش. ...
٥٦ - باب: ما جاء فى رؤية رسول الله ﷺ ٣٨٩ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبى ﷺ قال: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتمّثل بى». ــ (باب ما جاء فى رؤية رسول الله ﷺ سيأتى فى أول مبحث الإسراء الخلاف فى أن الرؤيا والرؤية متحدان أو مختلفان. ٣٨٩ - (فقد رآنى): رواية مسلم «فسيرانى فى اليقظة، أو فكأنما رآنى فى اليقظة». وروى جماعة وصححه المصنف «فقد رآنى فى اليقظة» بدل قوله: «فسيرانى». وعند مسلم «فقد رأى الحق»: وسيذكره المصنف. (أن من رآنى نوما): بأى صفة كنت. (فليبشر وليعلم أنه رآنى الحق): أى رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: (فقد رآنى) لأن اتحاد الشرط والجزاء، أدل على الغاية فى الكمال، أى فقد رآنى رؤيا ليس بعدها شىء فهو على التشبيه والتمثيل لقوله: «فكأنما رآنى فى اليقظة». قال ابن بطال: وقوله: «فسيرانى فى اليقظة» يريد تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، لأنه يراه فى الآخرة، لأن كل أمته كذلك. وقال المازرى: إن كان المحفوظ «فكأنما رآنى فى اليقظة» فمعناها ظاهر أو فسيرانى فى اليقظة احتمل أن معناه أنه أوحى إليه. بأن من رآه من أهل عصره نوما ولم يهاجر إليه، كان ذلك على أنه سيهاجر وينظره. وقال عياض: يحتمل أن رؤياه نوما بصفته المعروفة. موجبة لتكرمة الرائى برؤية خاصة فى الآخرة، إما بقرب أو شفاعة أو بعلو درجة ونحو ذلك، قال: ولا يبعد أن يعاقب بعض المذنبين بالحجب عنه ﷺ فى القيامة مدة. وقيل: معناه فسيرانى فى المرات التى كانت له، إن أمكنه كذلك، كما حكى عن ابن عباس أنه لما رآه نوما دخل على بعض أمهات
ذنبين بالحجب عنه ﷺ فى القيامة مدة. وقيل: معناه فسيرانى فى المرات التى كانت له، إن أمكنه كذلك، كما حكى عن ابن عباس أنه لما رآه نوما دخل على بعض أمهات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المؤمنين، فأخرجت له مرآته ﷺ فرأى صورته، ولم ير صورة نفسه. قال بعض الحفاظ: وهذا من أبعد المحامل. وقال الغزالى: ليس المراد بقوله: «فقد رآنى» رؤية الجسم، بل رؤية المثال الذى صار إليه، فيتأدى بها المعنى الذى فى نفسى إليه، وكذا قوله: «فسيرانى»: أى فى اليقظة. قيل: [ليس] (١) المراد: أنه يرى جسمى وبدنى، قال: والآلة إما حقيقية أو خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، والشكل المرئى ليس روحه ﷺ ولا شخصه، بل مثاله على التحقيق، وكذا رؤيته تعالى نوما. قال: فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن ينتهى تعريفه تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره، وهو آلة حقا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى: رأيت الله نوما، لا يعنى، أنى رأيت ذاته تعالى، كما يقول فى حق غيره. وقال السيوطى أيضا: من رآه ﷺ نوما، لم يرد رؤية حقيقة شخصه المودع روضة المدينة بل مثال، وهو مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل (فإن الشيطان لا يتمثل بى): فى رواية مسلم «إنه لا ينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى» وفى رواية للبخارى: «فإن الشيطان لا يتكوننى، أو لا يتكون كونى» فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل، وفى أخرى: «لا يتراءى بى» بالراء بوزن لا يتراءى، أى: لا يستطيع أن يتمثل بى لما أنه تعالى وإن أمكنه فى التصور فى أى صورة أراد، لم يمكنه من التصور بصورته ﷺ. قال جماعة: ومثال هذا أن رؤيا ﷺ فى صورته التى كان عليها. وبالغ بعضهم فقال:
أنه تعالى وإن أمكنه فى التصور فى أى صورة أراد، لم يمكنه من التصور بصورته ﷺ. قال جماعة: ومثال هذا أن رؤيا ﷺ فى صورته التى كان عليها. وبالغ بعضهم فقال: فى صورته التى قبض عليها حتى عدد شيبه الشريف، ومن هؤلاء ابن سيرين فإن صح عنه أنه كان إذا قصت عليه رؤياه قال للرائى: صف الذى رأيته، فإن وصف له صفة لم يعرفها، قال: لم تره، ويؤيد هؤلاء حديث المصنف لأبى عاصم بن كليب ولفظه عند الحاكم بسند جيد. «قلت: لابن عباس رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال: صفه لى، قال: فذكرت الحسين بن على فشبهته به، فقال: قد رأيته». ولا يعارضه خبر «من رآنى فى المنام فقد رآنى فإنى أرى فى كل صورة» لأنه ضعيف. وقال آخرون: لا يشترط ذلك، منهم ابن العربى حيث قال ما حاصله: رؤيته بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة وبغير ما أدرك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء ﵈ لا تغيرهم الأرض، فإدراك الذات الحقيقية، وإدراك الصفات إدراك للمثال، وشذ من قال من القدرية، لا حقيقة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للرؤيا أصلا، ومعنى قوله: «فسيرانى»: فسيرى تفسير ما رآه لأنه حق وغيب، وقوله: «فكأنما رآنى» أنه لو رآنى يقظة لطابق ما رآه نوما فيكون الأول حقيقة، والثانى حقا وتمثيلا، هذا كله إن رآه بصفته المعروفة، وإلا فهى مثال، كأن رآه مقبلا عليه مثلا، فهو خير للرائى وعكسه بعكسه. ومنهم القاضى عياض حيث قال: قوله «فقد رآنى أو فقد رأى الحق» يحتمل أن المراد به أن من رآه بصورته المعروفة فى حياته، إن كانت رؤياه حقا ومن رآه بغير صورته كانت رؤيا تأويل. وتبعهم النووى فقال متعقبا كلام القاضى: هذا ضعيف، بل الصحيح، أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها. وأجاب عنه بعض الحفاظ، بأن كلام القاضى لا ينافى ذلك، بل ظاهر كلامه، أنه يراه حقيقة فى الحالين، لكن فى الأولى لا تحتاج تلك الرؤيا إلى تعبير، وفى الثانى تحتاج إليه. ومنهم الباقلانى وغيره فإنهم ألزموا الأولين، أن من رآه بغير صفته تكون رؤيته أضغاثا، وهو باطل، إذ من المعلوم، أنه يرى نوما على حالته اللائقة به مخالفة لحالته فى الدنيا، ولو تمكن الشيطان من التمثل بشىء فيما كان عليه أو ينسب إليه، لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى تنزيه رؤياه، ورؤيا شىء مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته.
قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى تنزيه رؤياه، ورؤيا شىء مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته. فالصحيح: أن رؤيته فى كل حال ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هى حق فى نفسها، وإن رأى بغير صفته، إذ تصور تلك الصورة من قبل الله تعالى انتهى. فعلم أن الصحيح، بل الصواب كما قال بعضهم: أن رؤياه حق على أى حالة فرضت، ثم إن كان بصورته الحقيقية فى وقت كان سواء كان فى شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو أواخر عمره لم يحتج لتأويل، وإلا احتيجت لتعبير يتعلق بالرائى، ومن ثم قال بعض علماء التعبير: من رآه شيخا فهو عام سلم، ومن رآه شابا فهو عام حرب، ومن رآه متبسما فهو متمسك بسنته. وقال بعضهم: من رآه على حاله وهيئته، كان دليلا على صلاح الرائى وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا كان دليلا على سوء حال الرائى. وقال ابن أبى جمرة: رؤياه فى صورة حسنة حسن فى دين الرائى ومع شين أو نقص فى بعض بدنه خلل فى دين الرائى، لأنه كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما قابلها، وإن كانت ذاتها على أحسن حال وأكمله، وهذه هى الفائدة الكبرى فى رؤيته، إذ بها يعرف حال الرائى. وقال غيره: أحوال الرائين بالنسبة إليه مختلفة، إذ هى رؤيا بصيرة
ت ذاتها على أحسن حال وأكمله، وهذه هى الفائدة الكبرى فى رؤيته، إذ بها يعرف حال الرائى. وقال غيره: أحوال الرائين بالنسبة إليه مختلفة، إذ هى رؤيا بصيرة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعين، ورؤيا البصيرة، لا تستدعى حصر المرئى، بل يرى شرقا وغربا، وأرضا وسماء، كما ترى الصورة فى مرآة قابلتها، وليس جرمها مستقبلا لجرمه، فاختلاف رؤيته، كأن يراه إنسان شيخا، أو آخر شابا فى حالة واحدة، كاختلاف الصورة الواحدة فى مرآة مختلفة الأشكال والمقادير، فيكبر ويصغر ويعوج ويطول فى الكبيرة والصغيرة والمعوجة والطويلة، وبهذا علم جواز رؤية جماعة له فى آن واحد من أقطار متباعدة وأوصاف مختلفة. وقد أجاب عن هذا أيضا البدر الزركشى، بأنه ﷺ سراج ونور الشمس فى هذا العالم، مثال نور فى العوالم كلها، فكما أن الشمس يراها كل من فى الشرق والغرب فى ساعة واحدة، وبصفات مختلفة، كذلك هو ﷺ. ومن الغلو والحماقة كما قاله ابن العربى فى قول بعضهم: أن الرؤيا فى النوم بعين الرأس. وعن بعض المتكلمين: أنها مدركة بعينين فى القلب وأنه ضرب من المجاز. تنبيه: حكى ابن أبى جمرة والمازرى واليافعى وغيرهم عن جماعات من الصالحين، أنهم رأوا النبى ﷺ يقظة. وذكر ابن أبى جمرة عن جمع: أنهم حملوا ذلك رواية:
مجاز. تنبيه: حكى ابن أبى جمرة والمازرى واليافعى وغيرهم عن جماعات من الصالحين، أنهم رأوا النبى ﷺ يقظة. وذكر ابن أبى جمرة عن جمع: أنهم حملوا ذلك رواية: «فسيرانى فى اليقظة» وأنهم رأوه نوما فراؤه بعد ذلك يقظة، وسألوه عن تشويشهم من أشياء فأخبرهم بوجوه تفريجها فكان كذلك بلا زيادة ولا نقص. قال: ومنكر ذلك إن كان ممكن يكذب بكرامات الأولياء، فلا بحث معه، لأنه يكذب بما أثبتته السنة، وإلا فهذه منها إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء فى العالم العلوى والسفلى. وحكيت رؤيته ﷺ كذلك عن أمثال الإمام عبد القادر الجيلانى كما فى عوارف المعارف، والإمام أبى الحسن الشاذلى كما حكاه عنه التاج بن عطاء الله، وكصاحبه الإمام أبى العباس المرسى، والإمام على الوفائى، والقطب القسطلانى، والسيد نور الدين الإيجى، وجرى على ذلك الغزالى فقال فى كتابه المنقذ من الضلال: وهم يعنى: أرباب القلوب، فى يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد انتهى. وأنكر ذلك جماعة منهم الأهذل اليمنى حيث قال: القول بذلك يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه فى الأسواق، ومخاطبتة للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده المقدس، فلا يبقى منه شىء حيث يزار مجرد القبر ويسلم على غائب أشار لذلك القرطبى فى الرد على القائل، بأن الرائى له فى المنام حقيقة، ثم يراه كذلك فى اليقظة، قال: وهذه جهالات لا يقول بشىء منها من له أدنى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسكة فى العقول، وملتزم شىء من ذلك مخبل مخبول انتهى. وهذه الإلزامات كلها ليس شىء منها يلازم لذلك، ودعوى استلزامه لذلك عين الجهل والعناد، وبيانه: أن رؤيته ﷺ لا تستلزم خروجه من قبره، لأن من كرامات الأولياء كما مر، أن الله يخرق لهم الحجب فلا مانع عقلا ولا شرعا، ولا عادة أن الولى، وهو بأقصى المشرق أو المغرب يكرمه الله بأن لا يجعل بينه وبين الذات الشريفة، وهى فى محلها من القبر الشريف، ساترا ولا حجابا بأن يجعل تلك الحجب كالزجاج الذى يحكى ما وراءه. وح فيمكن بأن الولى يقع نظره عليه ﷺ، ونحن نعلم أنه حى فى قبره يصلى، وإذا أكرم إنسان بوقوع بصره عليه، فلا مانع من أن يكرم بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن أشياء، وأنه يجيبه عنها، وهذا كله غير مناف شرعا ولا عقلا، وإذا كانت المقدمات والنتيجة غير منكرين عقلا ولا شرعا، فإنكار أحدها أو إنكار أحدهما غير ملتفت إليه، ولا معول عليه، وبهذا يعلم أن ما ذكره من إشارة القرطبى غير لازم أيضا. كيف وقد مرّ القول بأن الرؤيا فى النوم، رؤيا بالحقيقة عن جماعة من الأئمة، ومنهم أيضا صاحب فتح البارى، فقال بعد ما مرّ عن ابن أبى جمرة، وهذا مشكل جدا، ولو حمل على ظاهره، لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة انتهى. ويرد: بأنا قررنا ما يعلم به أنه لا إشكال فى ذلك بوجه، ودعواه تلك الملازمة ليست فى محلها، كيف والشرط فى الصحابى أن يكون رآه فى حياته، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته وقبل دفنه، هل يسمى صحابيا أو لا؟ على أنه هذا أمر خارق للعادة والأمور التى كذلك لا يغير لأجلها القواعد الكلية. ونوزع فى ذلك أيضا، بأنه لم يحك ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم، ولأن فاطمة رضى الله عنها اشتد حزنها عليه ﷺ حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر وبيتها مجاور لضريحه، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدة انتهى.
صحابة ولا من بعدهم، ولأن فاطمة رضى الله عنها اشتد حزنها عليه ﷺ حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر وبيتها مجاور لضريحه، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدة انتهى. ويرده أيضا بأن عدم نقله لا يدل على عدم وقوعه فلا حجة فى ذلك كما هو مقرر فى محله، وكذلك موت فاطمة رضى الله عنها كمدا لأنه قد يكرم به المفضول بما لم يكرم به الفاضل. وتأويل الأهذل وغيره ما وقع للأولياء من ذلك، إنما هو فى حال غيبته، فيظنونه يقظة، فيه إساءة ظن بهم حيث تشتبه عليهم رؤية المغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظن بأدون العقلاء، فكيف بالأكابر؟ وعجيب قوله فى قول العارف أبى العباس المرسى: لو حجب عنى رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين هذا فيه تجوز،
٣٩٠ - حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن ــ أى: لم يحجب عنى حجاب غفلة، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح المشخصة طرفة عين، فذلك مستحيل انتهى. فيقال لرد دعواك الاستحالة إن عنيت بها الاستحالة العقلية فباطل، أو الشرعية فمن أى دليل أو قاعدة أخذت ذلك، كلا لا استحالة فى ذلك بوجه كما قدمناه (١).
جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى حصين، عن أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشيّطان لا يتصوّر-أو يتشبّه-بى». ٣٩١ - حدثنا قتيبة، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبى مالك الأشجعى، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من رآنى فى المنام فقد رآنى». قال أبو عيسى: (وأبو مالك هذا هو سعد بن طارق بن أشيم، وطارق بن أشيم هو من أصحاب رسول الله ﷺ، وقد روى عن النبى ﷺ أحاديث). (وسمعت على بن حجر يقول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبى ﷺ وأنا غلام صغير). ٣٩٢ - حدثنا قتيبة-هو ابن سعيد-حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن ــ ٣٩١ - (أشيم): بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فتحتية مفتوحة. (قال أبو عيسى. . .) إلخ بين به الترمذى أنه من تابع التابعين. ٣٩٢ - (قال) أى عاصم. (أبى): أى كليب. (قد رأيته): أى النبى ﷺ فى المنام.
ة فتحتية مفتوحة. (قال أبو عيسى. . .) إلخ بين به الترمذى أنه من تابع التابعين. ٣٩٢ - (قال) أى عاصم. (أبى): أى كليب. (قد رأيته): أى النبى ﷺ فى المنام.
كليب، حدثنى أبى، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتمثّلنى». قال كليب: «فحدّثت به ابن عبّاس، فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن على، فقلت: شبّهته به. فقال ابن عباس: إنّه كان يشبهه». ٣٩٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبى عدى، ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسى-وكان يكتب المصاحف. قال: «رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، زمن ابن عبّاس رضى الله عنهما. فقلت لابن عباس: إنّى رأيت رسول الله ﷺ فى النّوم. فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بى، فمن رآنى فى النّوم فقد رآنى. هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الذى رأيته فى النوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين، جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره». ــ (إنه كان يشبهه): كذلك ورد فى أحاديث مشابهة الحسن وغيره له ﷺ ومر الجواب عن ذلك. ٣٩٣ - (وكان يكتب المصاحف): إشارة إلى بركة عمله وحلمه، فلذا رأى تلك الرؤية العظيمة. (بين الرجلين): أى ليس ببائن ولا قصير كما مر. (جسمه): مبتدأ مؤخر وبين الرجلين خبره، وهو فاعل الظرف. (ما بين هذه إلى هذه): إشارة لعرضها. (ملأت نحره): إشارة لطولها. (ما كان مع هذا النعت): أى لا أعلم الذى وجد من
قال عوف: ولا أدرى ما كان مع هذا النّعت. فقال ابن عباس: «لو رأيته فى اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا». ٣٩٤ - حدثنا عبد الله بن أبى زياد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا ابن أخى ابن شهاب الزهرى، عن عمه الزهرى قال: قال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ: «من رآنى-يعنى فى النّوم-فقد رأى الحقّ». ــ صفاته فى الخارج مع هذا النعت هل هو مطابق له أو لا. وهذا ظاهر لا غبار عليه، ولم يهتد إليه من أبدى فيه تردد أن لغيره كلها متكلفة بل أكثرها تهافت. (وهو أقدم) إلخ: أى فمن توهم اتحادهما لاتحاد اسمهما أو بلدهما فقد وهم. ٣٩٤ - (أنا أكبر من قتادة): عرف من الذى روى هذا لكون قتادة يروى عن ابن عباس، أنه إذا كان راوى يزيد الذى هو عوف أكبر من راوى ابن عباس، لزم أن يزيد أدرك ابن عباس، فصح ما قدمه الترمذى، أن يزيد روى عن ابن عباس وأدركه، وإن لم يلزم رؤيته، إلا أنه يستأنس به لذلك. (فقد رأى الحق): أى الرؤيا الصحيحة كما مر. (والحق): مفعول به أى رأى الأمر الثابت الذى هو أنا بدليل رواية: «فقد رآنى رؤيا المؤمن الصالح» لرواية البخارى «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» والمراد فإنه رؤيا الصالحين وإلا فقد يرى الصالح الأضغاث نادرا لقلة تسلط الشيطان عليه.
لرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» والمراد فإنه رؤيا الصالحين وإلا فقد يرى الصالح الأضغاث نادرا لقلة تسلط الشيطان عليه.
٣٩٥ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أنبأنا معلّى بن أسد، حدثنا عبد العزيز ابن المختار، حدثنا ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بى». قال: «ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة». ــ ٣٩٥ - (من ستة وأربعين جزءا من النبوة): استشكل كونها جزءا من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته ﷺ. وأجيب: بأنها من غير النبوة جزءا من أجزائها مجازا، أو أنها جزء من علم النبوة، لأنها وإن انقطعت، فعلمها باق، ولا ينافية قول مالك ﵀ لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، لأنه لم يرد أنها نبوة باقية، بل أنها لما أشبهتها من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغى أن يتكلم فيها بغير علم، فكذلك الشبه سميت جزءا من النبوة ولا يلزم من إثبات الجزء لشىء إثبات الكل له، ألا ترى أنا نقول: الله أكبر جزء من الأذان، ولا يسمى أذانا. وصح: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات». وعند أحمد: «لم يبق بعدى من المبشرات إلا النبوة»، وعند مسلم «أنه ﷺ لما كشف الستارة فى مرض موته، والناس خلف أبى بكر قال: أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له». والتعبير بالمبشرات الغالب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة أى: وهى صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به يستعد لما سيقع به، وقوله: «من الرجل فى هذا» وأمثاله لا مفهوم له اتفاقا والمرأة الصالحة كذلك، وقوله: «من ستة وأربعين، هو ما فى أكثر كتب الأحاديث. وعند مسلم: «من خمسة وأربعين» وفى رواية له أيضا: «من سبعين جزءا»: وعند الطبرانى: «من ستة وسبعين» وهو ضعيف، وعند ابن عبد البر: «من ستة وعشرين»، وعند النووى: «من أربعة وعشرين»، وهذا أقل ما ورد فى ذلك، وأكثرها رواية-ستة وسبعين-، وبقيت روايات أخرى. وحكمة كونها جزءا من ستة
البر: «من ستة وعشرين»، وعند النووى: «من أربعة وعشرين»، وهذا أقل ما ورد فى ذلك، وأكثرها رواية-ستة وسبعين-، وبقيت روايات أخرى. وحكمة كونها جزءا من ستة
٣٩٦ - حدثنا محمد بن على، قال: سمعت أبى يقول: قال عبد الله بن المبارك: «إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر». ٣٩٧ - حدثنا محمد بن على، حدثنا النضر بن عون، عن ابن سيرين، قال: «هذا الحديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم». ــ وأربعين، أن زمن الوحى ثلاثة وعشرون سنة، منها ستة أشهر كانت زمن رؤيا النوم، فصارت جزءا من ستة وأربعين. وورد: بأن زمن الرؤيا لم يصح أنه ستة أشهر، ويؤيده قول الخطابى: لم يسمع فى ذلك أثر، وكأن قائل ذلك قاله على سبيل الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا، وليس كل ما خفى علينا علمه، لزمنا حجته كأعداد الركعات، وأيام الصيام انتهى. وبأنه اختلف فى قدر مدة الوحى يقظة، وبأنه ينفى رواية السبعين جزءا وغيرها بغير معنى. ٣٩٦ - (إذا ابتليت بالقضاء): عده بلية لشدة خطره. (بالأثر): أى الاقتداء بالنبى ﷺ والخلفاء الراشدين فى أحكامهم وأقضيتهم. ٣٩٧ - (هذا الحديث. . .) إلخ: وجه الختم بهذا والذى قبله الترغيب فى علم السنة لا سيما عند الارتباك فى البلايا والمحن، والاحتياط فى أخذه، فيتحرى له أهل الدين دون غيرهم. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وأجزل لنا من مدد سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد ﷺ، ما تقر به أعيننا، وتزكو بصفائه نفوسنا، إنه ولى ذلك، والقادر عليه، آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وصلى الله على السيد الأعظم، والرسول الأكمل الأفخم سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، نعم المولى ونعم النصير. ...
قال مؤلفه-العلامة الرحلة الفهامة شيخ مشايخنا الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر ﵀: وافق الفراغ منه، ثامن عشرين رمضان سنة تسع وأربعين وتسعمائة بعد عصر الجمعة، تجاه الكعبة بالمسجد الحرام، وكان الابتداء فيه ثالث رمضان المذكور من السنة، ختمها بخير آمين، والحمد لله رب العالمين. ... وافق الفراغ من كتابته على يد أحقر العباد مصطفى جعله الله ممن اصطفى، ثانى عشرين رمضان سنة خمس وعشرين ومائة بعد الألف، بين الصلاتين من يوم الخميس، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد، الذى جعل إرساله رحمة، وقوله حكمة، اللهم ارزقنا رؤيته، واجعلنا من متقى أمته، واسقنا من حوضه كأسا لا نظمأ بعده أبدا، واحشرنا، واجعلنا من السابقين السابقين. . . آمين.



