— Bagian 11 · كِتَابُ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا كث… —
Bagian 11
كِتَابُ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا كثيرا وَذكر شئ من البشارات بذلك قَالَ مُحَمَّد إِسْحَاقَ ﵀: وَكَانَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى، وَالْكُهَّانُ مِنَ الْعَرَبِ (١) قَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُهُ. أَمَّا الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى فَعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مَنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَيْهِمْ فِيهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المفلحون (٢)) . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (٣) . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخرج شطاه فآزره غلظ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكفَّار وعد الله
وْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخرج شطاه فآزره غلظ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكفَّار وعد الله
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجرا عَظِيما) (١) . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٢)) . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ وَلِيَنْصُرُنَّهُ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهْمُ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولينصرنه وليتبعنه ". ؟ علم مِنْ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا وَأَمَرُوا بِاتِّبَاعِهِ. وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِيمَا دَعَا بِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحكمَة ويزكيهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم) * (٣) وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ. قَالَ: " دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ ". وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ.
ّامِ ". وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ: بَدْءَ أَمْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَاشْتِهَارَ ذِكْرِهِ وَانْتِشَارَهُ، فَذَكَرَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْعَرَبُ، ثُمَّ بُشْرَى عِيسَى الَّذِي هُوَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ. يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا بِهِ أَيْضًا.
أَمَّا فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَقَدْ كَانَ أَمْرُهُ مَشْهُورًا مَذْكُورًا مَعْلُومًا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ ﵊. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيِّ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنِّي عِنْدَ (١) اللَّهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنْبِئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، ورؤيا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ ". وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ وَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ: قلت يَا رَسُول الله، مَتى كنت نَبيا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ". تَفَرَّدَ بِهِنَّ أَحْمَدُ.
قٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ: قلت يَا رَسُول الله، مَتى كنت نَبيا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ". تَفَرَّدَ بِهِنَّ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي أَبَا الْقَاسِمِ الْبَغَوِيَّ - حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: " بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ ". وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهِ. وَقَالَ: " وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ". وَرُوِيَ عَنِ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - مَرْفُوعًا - فِي قَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ومنك وَمن نوح (١) " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْث ". وَمن حَدِيث أَبى مُزَاحِمٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ: يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا؟ قَالَ: " وآدَم بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ". وَأَمَّا الْكُهَّانُ مِنَ الْعَرَبِ فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْجِنِّ مِمَّا تَسْتَرِقُ من السّمع، إِذْ كَانَت وهى لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ، وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا بَعْضُ ذِكْرِ أُمُورِهِ (٢) ، وَلَا يُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا. حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ فَعَرَفُوهَا. فَلَمَّا تَقَارَبَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَضَرَ زَمَانُ مَبْعَثِهِ حُجِبَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لاستراق السّمع فِيهَا، فرموا بالنجوم، فَعرفت الشَّيَاطِين أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عزوجل. قَالَ: وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ " قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أحدا " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ، وَكَذَا قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا: أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ ولوا
ِ تَعَالَى: " وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا: أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ ولوا
إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم " الْآيَات، ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ كُلِّهِ هُنَاكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِلرَّمْيِ بِالنُّجُومِ حِينَ رُمِيَ بِهَا - هَذَا الْحَيُّ مِنْ ثَقِيفٍ - وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ، وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا (١) ، فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمْرُو أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النُّجُومِ؟ قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمُ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيُعْرَفُ بِهَا الْأَنْوَاءُ مِنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، لِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، فَهُوَ وَاللَّهِ طَيُّ الدُّنْيَا، وَهَلَاكُ هَذَا الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخلق فَمَا هُوَ؟. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمٍ - يُقَالُ لَهَا الْغَيْطَلَةُ - كَانَتْ كَاهِنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، جَاءَهَا صَاحِبُهَا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَدْرِ مَا أَدْرِ (٢) ، يَوْمُ عَقْرٍ وَنَحْرٍ؟ قَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى فَانْقَضَّ تَحْتَهَا ثُمَّ قَالَ: شعوب (٣) مَا شعوب؟ تصرع فِيهِ كَعْبٌ لِجُنُوبٍ.
ِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى فَانْقَضَّ تَحْتَهَا ثُمَّ قَالَ: شعوب (٣) مَا شعوب؟ تصرع فِيهِ كَعْبٌ لِجُنُوبٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ؟ إِنَّ هَذَا لِأَمْرٍ هُوَ كَائِن فانظروا مَا هُوَ.
فَمَا عَرَفُوهُ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بِالشِّعْبِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى صَاحِبَتِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيُّ أَنَّ جَنْبًا - بَطْنًا مِنَ الْيَمَنِ - كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: انْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ. وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وَطَهَّرَ قَلَبَهُ وَحَشَاهُ، وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَلِيلٌ. ثُمَّ اشْتَدَّ فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ. وَقَدْ أَخَّرْنَاهَا إِلَى هَوَاتِفِ الْجَانِّ. فَصْلٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا إِنَّ مِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَدَاهُ لَنَا - أَنْ كُنَّا نَسْمَعُ من رجل من يهود (١) - كُنَّا أهل شرك أَصْحَاب أوثان، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تزَال بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: إِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ زمَان نبى يبْعَث الْآن نقلتكم مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَكُّنَا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
ونَ قَالُوا لَنَا: إِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ زمَان نبى يبْعَث الْآن نقلتكم مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَكُّنَا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ. فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ. فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. " وَلَمَّا جَاءَهُمْ كتاب من عِنْد الله مُصدق لما
مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين " (١) . وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ - أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْملك ابْن هَارُون بن عنبرة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ بِخَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ، فَكُلَّمَا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعَاذَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَن تخرجه فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَهَزَمُوا غَطَفَانَ. فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كفرُوا بِهِ. فَأنْزل الله عزوجل " وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا " الْآيَةَ. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَن مَحْمُود ابْن لبيد، عَن سَلمَة بن سَلام (٢) بْنِ وَقْشٍ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مَنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ. قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سنا على فَرْوَة لى مصطجع فِيهَا بِفنَاء أهلى.
ِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ. قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سنا على فَرْوَة لى مصطجع فِيهَا بِفنَاء أهلى.
فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ وَالْبَعْثَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ. قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْت. فَقَالُوا لَهُ: وَيحك يَا فلَان! أَو ترى هَذَا كَائِنًا، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، وَيَوَدُّ (١) أَن لَهُ تحطة من تِلْكَ النَّار أعظم تنور فِي فِي الدَّار يحمونه ثمَّ يدخلونه إِيَّاه فيطبقونه عَلَيْهِ وَأَن يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا. قَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ فَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ. قَالُوا: وَمَتَى نرَاهُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا - فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدَ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلمَة: فو الله مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا! قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُود بن لبيد، عَن مُحَمَّد
طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُود بن لبيد، عَن مُحَمَّد
ابْن سَلَمَةَ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالَ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ، وَإِنِّي لَغُلَامٌ فِي إِزَارٍ: قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ. ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ. فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي إِخْبَارِ يُوشَعَ هَذَا عَنْ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، وَإِخْبَارِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا عَنْ ظُهُورِ كَوْكَبِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَرَوَاهُ الْحَاكِم عَن البيهقى بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق يُونُس بن بكير عَنهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ قَالَ لِي: هَلْ تَدْرِي عَمَّ كَانَ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ - نَفَرٍ مِنْ بَنِي هَدْلٍ، إِخْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، ثمَّ كَانُوا ساداتهم فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ يُقَالَ لَهُ ابْنُ الْهَيِّبَانِ قَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ. فَحَلَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ. فَأَقَامَ عِنْدَنَا فَكُنَّا إِذَا قَحَطَ عَنَّا الْمَطَرُ قُلْنَا لَهُ: اخْرُجْ يَا ابْنَ الْهَيِّبَانِ فَاسْتَسْقِ لَنَا. فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مَخْرِجِكُمْ صَدَقَةً. فَنَقُولُ لَهُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شعير.
قَالَ: فَنُخْرِجُهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ بِنَا إِلَى ظَاهِرِ حرتنا فيستسقى لنا، فو الله مَا يبرح مَجْلِسه حَتَّى يمر السَّحَاب ويسقى. قد فعل ذَلِك غَيره مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا. قَالَ: ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عِنْدَنَا، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالَ: قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنِّي إِنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَتَوَكَّفُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ فَأَتَّبِعَهُ، وَقَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ فَلَا تُسْبَقْنَ إِلَيْهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا،: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الْهَيِّبَانِ. قَالُوا: لَيْسَ بِهِ. قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَهُوَ بِصِفَتِهِ. فَنَزَلُوا فَأَسْلَمُوا فَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَن أَحْبَار يَهُودَ. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي قُدُومِ تُبَّعٍ الْيَمَانِيّ، وَهُوَ أَبُو كرب أَسْعَدَ، إِلَى الْمَدِينَةِ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهَا، وَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِ ذَانِكَ الْحَبْرَانِ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَا لَهُ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، إِنَّهَا مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. فَثَنَاهُ ذَلِكَ عَنْهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: إِنَّ اللَّهَ لما أَرَادَ هدى زيد بن سعية قَالَ زيد: لم يبْق شئ من عَلَامَات النُّبُوَّة إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي
وَجْهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ: يسْبق حلمه جَهله، وَلَا يزِيدهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا. قَالَ: فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَافِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَالا فِي ثَمَرَة. قَالَ: فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ - وَهُوَ فِي جِنَازَةٍ مَعَ أَصْحَابِهِ - وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، وَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ أَلا تقضيني حقى؟ فو الله مَا عَلِمْتُكُمْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمُطْلٌ. قَالَ: فَنظر إِلَى عمر وَعَيناهُ تدوران فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ، وَتَفْعَلُ مَا أَرَى؟ فو الذى بَعثه بِالْحَقِّ لَوْلَا مَا أحاذر لومه لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ. ثُمَّ قَالَ: " أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ. وَزِدْ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ". فَأَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ سعية ﵁. وَشَهِدَ بَقِيَّةَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ عَامَ تَبُوكَ ﵀.
ْ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ". فَأَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ سعية ﵁. وَشَهِدَ بَقِيَّةَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ عَامَ تَبُوكَ ﵀. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵀: إِسْلَامَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ وَأَرْضَاهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - مِنْ فِيهِ - قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ أَهْلِ قَرْيَة يُقَال لَهَا جى، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ الله إِلَيْهِ، فَلم يزل حبه إيادى حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ.
وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ، حَتَّى كُنْتُ قَطِنَ النَّارِ الذى يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ إِلَيْهَا فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ. ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسْ عَنِّي فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتَ أَهَمَّ إِلَى من ضيعتي وشغلتني عَن كل شئ مِنْ أَمْرِي. قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الَّتِي بَعَثَنِي إِلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ. وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ، لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبَتْ فِي أَمْرِهِمْ. وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ من الدّين الذى نَحن عَلَيْهِ. فو الله مَا بَرِحْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا. ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهِ كُلِّهِ. فَلَمَّا جِئْتُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَيْن كنت؟ ألم أكن أَعهد إِلَيْك مَا عهدته؟ قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَتِ مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دينهم، فو الله مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكِ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ.
مِنْهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبرُونِي
بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فجاءوني النَّصَارَى فَأَخْبرُونِي بهم. فَقلت: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي. قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلِي ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا الْأُسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. قَالَ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ وَأَخْدِمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ فَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: ادْخُلْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ، فَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذا جمعُوا لَهُ شَيْئا كَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطَهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ. قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ. ثُمَّ مَاتَ وَاجْتَمَعَتْ لَهُ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ. فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ، يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذا جئتموه بهَا كنزها لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدَلَّنَا. قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَصَلَبُوهُ وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ. وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخر فوضعوه مَكَانَهُ.
َوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَصَلَبُوهُ وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ. وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخر فوضعوه مَكَانَهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أرى أَنه أفضل مِنْهُ، وأزهد فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا. قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّ شَيْئًا قَبْلَهُ مِثْلَهُ. قَالَ: فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ،
وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي (١) ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلَانٌ، وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ. فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فَلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فَلَانَا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبَايَ. فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْده، فَوَجَدته على أَمر صَاحِبيهِ، فأقمث مَعَ خير رجل، فو الله مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، إِلَّا رجل بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ.
ُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، إِلَّا رجل بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَائْتِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا. فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عمورية، فَأَخْبَرته خبر، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَت لى بقرات وغنيمة.
قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ. ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَبِمَ تَأْمُرنِي؟ قَالَ: أَي بنى، وَالله مَا أعلم أَصْبَحَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ من النَّاس آمُرك أَن أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُهُ إِلَى أَرْضٍ (١) بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ. قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، وَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ. ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ، فَقُلْتُ لَهُمُ احْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغَنِيمَتِي هَذِهِ. قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقَّ فِي نَفْسِي.
هُودِيٍّ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقَّ فِي نَفْسِي. فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَة، فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي لَهَا، فَأَقَمْتُ بِهَا. وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، وَلَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة. فو الله إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ (٢) لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا فُلَانُ قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ (٣) . وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمُجْتَمِعُونَ الْآنَ بِقِبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ من مَكَّة الْيَوْم يَزْعمُونَ أَنه نبى.
قَالَ سلمَان: فَلَمَّا سَمعتهَا أخذتنى الرعدة حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَاقِطٌ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لكمة شَدِيدَة. ثمَّ قَالَ مَالك وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَا شئ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ. قَالَ: وَقد كَانَ عِنْدِي شئ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقِبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَاب لَك غرباء ذَوُو حَاجَة، وَهَذَا شئ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: " كُلُوا " وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَاتَانِ ثِنْتَانِ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ
عَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَاتَانِ ثِنْتَانِ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدْبَرْتُهُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي؟ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شئ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَحَوَّلْ " فَتَحَوَّلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ.
فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ ذَاكَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانُ الرِّقَّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ. قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ " فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ (١) وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأَصْحَابِهِ: " أَعِينُوا أَخَاكُمْ " فَأَعَانُونِي فِي النَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً (٢) ، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخمْس عشرَة ودية، وَالرجل بِعشْرَة، يُعِينُ الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُمِائَةِ وِدِيَّةٍ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي ". قَالَ: فَفَقَّرْتُ، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نقرب إِلَيْهِ الْوَادي، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، حَتَّى إِذا فَرغْنَا، فو الذى نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وِدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ.
ْهِ الْوَادي، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، حَتَّى إِذا فَرغْنَا، فو الذى نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وِدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ. فَقَالَ: " مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمَكَاتِبُ؟ " قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ قَالَ: " خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ ". قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا على يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ " قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ. وَعَتَقَ سَلْمَانُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ حُرًّا ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَه مشْهد.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِنَ الَّذِي عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلَّبَهَا عَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: " خُذْهَا فَأَوْفِهِمْ مِنْهَا " فَأَخَذْتُهَا فَأَوْفَيْتُهُمْ مِنْهَا حَقَّهُمْ كُلَّهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أخبرهُ أَن صَاحب عمورية قَالَ لَهُ: إيت كَذَا وَكَذَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَإِنَّ بِهَا رَجُلًا بَيْنَ غَيْضَتَيْنِ يَخْرُجُ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ هَذِهِ الْغَيْضَةِ مُسْتَجِيزًا، يَعْتَرِضُهُ ذَوُو الْأَسْقَامِ فَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا شُفِيَ فَاسْأَلْهُ عَنْ هَذَا الدِّينِ الَّذِي تَبْتَغِي، فَهُوَ يُخْبِرُكَ عَنْهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ حَيْثُ وَصَفَ لِي، فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا بِمَرْضَاهُمْ هُنَاكَ حَتَّى يخرج لَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُسْتَجِيزًا مِنْ إِحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، فَغَشِيَهُ النَّاسُ بِمَرْضَاهُمْ لَا يَدْعُو لِمَرِيضٍ إِلَّا شُفِيَ، وَغَلَبُونِي عَلَيْهِ فَلَمْ أَخْلُصْ إِلَيْهِ حَتَّى دَخَلَ الْغَيْضَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَّا مَنْكِبَهُ. قَالَ: فَتَنَاوَلْتُهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَالْتَفَتَ إِلَيَّ. قَالَ: قُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: إِنَّكَ لتسأل عَن شئ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِهَذَا الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأْتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. ثُمَّ دَخَلَ.
لنَّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِهَذَا الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأْتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ: " لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي يَا سَلْمَانُ لِقَدْ لقِيت عِيسَى بن مَرْيَمَ ". هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِيهَا رَجُلٌ مُبْهَمٌ، وَهُوَ شَيْخُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بن قَتَادَة.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ بَلْ مُعْضَلٌ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ عبد الْعَزِيز وسلمان رضى الله عَنهُ. قَوْله: " لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي يَا سَلْمَانُ لِقَدْ لَقِيتَ عِيسَى بن مَرْيَمَ " غَرِيبٌ جِدًّا بَلْ مُنْكَرٌ، فَإِنَّ الْفَتْرَةَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهَا أَنَّهَا أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ بِالشَّمْسِيَّةِ، وَسَلْمَانُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَحَكَى الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْبَحْرَانِيُّ إِجْمَاعَ مَشَايِخِهِ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ لَقِيتَ وَصِيَّ عِيسَى بن مَرْيَم فَهَذَا مُمكن بِالصَّوَابِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَكَارَةٌ. لِأَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ ذَكَرَ أَن الْمَسِيح نزل من السَّمَاء بعد مَا رُفِعَ فَوَجَدَ أُمَّهُ وَاِمْرَأَةً أُخْرَى يَبْكِيَانِ عِنْدَ جِذْعِ الْمَصْلُوبِ، فَأَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَبَعَثَ الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: وَإِذَا جَازَ نُزُولُهُ مَرَّةً جَازَ نُزُولُهُ مِرَارًا ثُمَّ يَكُونُ نُزُولُهُ الظَّاهِرُ حِينَ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَتَزَوَّجُ حِينَئِذٍ امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُذَامٍ، وَإِذَا مَاتَ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ رَوْضَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
صَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَتَزَوَّجُ حِينَئِذٍ امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُذَامٍ، وَإِذَا مَاتَ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ رَوْضَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قِصَّةَ سَلْمَانَ هَذِهِ مِنْ طَرِيق يُونُس ابْن بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَوَاهَا أَيْضا عَن الْحَاكِم عَن الاصم بن يحيى ابْن أَبِي طَالِبٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حَاتِم بن أَبى صفرَة، عَن سماك بن حَرْب، عَن يزِيد ابْن صَوْحَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ سَلْمَانَ يُحَدِّثُ كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ إِسْلَامِهِ. فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً وَذَكَرَ أَنَّهُ
كَانَ مَنْ رَامَهُرْمُزَ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَكْبَرُ مِنْهُ غَنِيٌّ، وَكَانَ سَلْمَانُ فَقِيرًا فِي كَنَفِ أَخِيهِ، وَأَنَّ ابْنَ دِهْقَانِهَا (١) كَانَ صَاحِبًا لَهُ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ الْغُلَامُ إِلَى عُبَّادٍ مِنَ النَّصَارَى فِي كَهْفٍ لَهُمْ، فَسَأَلَهُ سَلْمَانُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ مَعَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ غُلَامٌ وَأَخْشَى أَنْ تَنُمَّ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلَهُمْ أَبِي. فالتزم لَهُ أَن لَا يكون مِنْهُ شئ يَكْرَهُهُ. فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، كَأَنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُمْ مَنَ الْعِبَادَةِ، يَصُومُونَ النَّهَارَ وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ وَمَا وَجَدُوا. فَذَكَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ، أَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ. وَقَالُوا لَهُ: يَا غُلَامُ إِنَّ لَكَ رَبًّا، وَإِنَّ لَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ أَهْلُ كُفْرٍ وَضَلَالَةٍ، لَا يَرْضَى اللَّهُ بِمَا يَصْنَعُونَ وَلَيْسُوا عَلَى دِينِهِ. ثُمَّ جَعَلَ يَتَرَدَّدُ مَعَ ذَلِكَ الْغُلَامِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ لَزِمَهُمْ سَلْمَانُ بِالْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ ملك تِلْكَ البلاة، وَهُوَ أَبُو ذَلِكَ الْغُلَامِ الَّذِي صَحِبَهُ سَلْمَانُ إِلَيْهِمْ عَنْ أَرْضِهِ، وَاحْتَبَسَ الْمَلِكُ ابْنَهُ عِنْدَهُ، وَعَرَضَ سَلْمَانُ دِينَهُمْ عَلَى أَخِيهِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ. فَارْتَحَلَ مَعَهُمْ سَلْمَانُ حَتَّى دَخَلُوا كَنِيسَةَ الْمَوْصِلِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَهْلُهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَتْرُكُونِي عِنْدَهُمْ، فَأَبَيْتُ إِلَّا صُحْبَتَهُمْ.
ُ حَتَّى دَخَلُوا كَنِيسَةَ الْمَوْصِلِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَهْلُهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَتْرُكُونِي عِنْدَهُمْ، فَأَبَيْتُ إِلَّا صُحْبَتَهُمْ. فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا وَادِيًا بَيْنَ جِبَالٍ، فَتَحَدَّرَ إِلَيْهِمْ رُهْبَانُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِمْ، وَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ غَيْبَتِهِمْ عَنْهُمْ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَنِّي فيثنون على خيرا.
وَجَاء رجل مُعظم فيهم فحطبهم فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَذَكَرَ الرُّسُل وَمَا أيدوا بِهِ، وَذكر عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخَيْرِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ تَبِعَهُ سَلْمَانُ وَلَزِمَهُ. قَالَ فَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ مِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْأَحَدِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَحِبَهُ سَلْمَانُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَكَانَ فِيمَا يَمْشِي يَلْتَفِتُ إِلَيَّ وَيُقْبِلُ عَلَيَّ فَيَعِظُنِي وَيُخْبِرُنِي أَنَّ لِي رَبًّا، وَأَنَّ بَيْنَ يَدَيْ جَنَّةً وَنَارًا وَحِسَابًا وَيُعَلِّمُنِي وَيُذَكِّرُنِي نَحْوَ مَا كَانَ يُذَكِّرُ الْقَوْمَ يَوْمَ الْأَحَدِ. قَالَ فِيمَا يَقُولُ لِي: يَا سَلْمَانُ إِنَّ اللَّهَ سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أَحْمَدُ، يَخْرُجُ مِنْ تِهَامَةَ، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ [النُّبُوَّةِ] وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ قَدْ تَقَارَبَ، فَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَلَا أَحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ أَنْتَ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ. قُلْتُ لَهُ: وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَإِنْ أَمَرَكَ، فَإِنَّ الْحق فِيمَا يجِئ بِهِ ورضا الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ.
لَهُ: وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَإِنْ أَمَرَكَ، فَإِنَّ الْحق فِيمَا يجِئ بِهِ ورضا الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ قُدُومَهُمَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ صَلَّى فِيهِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، ثُمَّ نَامَ وَقَدْ أَوْصَاهُ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا أَنْ يُوقِظَهُ، فَتَرَكَهُ سَلْمَانُ حِينًا آخَرَ أَزْيَدَ مِمَّا قَالَ لِيَسْتَرِيحَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَامَ سَلْمَانَ عَلَى تَرْكِ مَا أَمَرَهُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَسَأَلَهُ مُقْعَدٌ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ سَأَلْتُكَ حِينَ وَصَلْتَ فَلَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا، وَهَا أَنَا أَسْأَلُكَ. فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: قُمْ بِسْمِ اللَّهِ. فَقَامَ وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَلَا قَلَبَةٌ (١) كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ. فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ، احْمِلْ عَلَيَّ مَتَاعِي حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى أَهْلِي فَأُبَشِّرَهُمْ، فَاشْتَغَلْتُ بِهِ، ثُمَّ أَدْرَكْتُ الرَّجُلَ فَلَمْ أَلْحَقْهُ وَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ، وَكُلَّمَا سَأَلت عَنهُ قوما قَالُوا: أمامك.
حَتَّى لَقِيَنِي رَكْبٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي كَلْبٍ فَسَأَلْتُهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا لُغَتِي أَنَاخَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِعِيرَهُ فَحَمَلَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَتَوْا بِي بِلَادهمْ. فباعوني فاشترتني امرأد مِنَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ ذَكَرَ ذَهَابَهُ إِلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِيَسْتَعْلِمَ مَا قَالَ صَاحِبُهُ، ثُمَّ تَطَلَّبَ النَّظَرَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا رَآهُ آمَنَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ الَّذِي جَرَى لَهُ. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَاشْتَرَاهُ من سيدته فَأعْتقهُ. قَالَ: ثمَّ سَأَلْتُهُ يَوْمًا عَنْ دِينِ النَّصَارَى فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِمْ. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَحِبْتُهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ مَعِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ وَأَنَا خَائِفٌ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " الْآيَاتِ.
َيْهِ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " الْآيَاتِ. ثُمَّ قَالَ: " يَا سَلْمَانُ أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهُمْ وَصَاحِبُكَ لَمْ يَكُونُوا نَصَارَى كَانُوا مُسْلِمِينَ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَهُوَ أَمَرَنِي بِاتِّبَاعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَمَا يُرْضِي اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ غَرَابَةٌ كَثِيرَةٌ وَفِيهِ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ لِسِيَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَطَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَقْوَى إِسْنَادًا وَأَحْسَنُ اقْتِصَاصًا وَأَقْرَبُ إِلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحه من
حَدِيثِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ، أَيْ مِنْ مُعَلِّمٍ إِلَى مُعَلِّمٍ وَمُرَبٍّ إِلَى مِثْلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: تَدَاوَلَهُ ثَلَاثُونَ سَيِّدًا مِنْ سَيِّدٍ إِلَى سَيِّدٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ اسْتَقْصَى قِصَّةَ إِسْلَامِهِ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الدَّلَائِلِ " وَأَوْرَدَ لَهَا أَسَانِيدَ وَأَلْفَاظًا كَثِيرَةً، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اسْم سيدته الَّتِى كاتبته حلبسة. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ أَخْبَارٍ غَرِيبَةٍ فِي ذَلِكَ
ا أَسَانِيدَ وَأَلْفَاظًا كَثِيرَةً، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اسْم سيدته الَّتِى كاتبته حلبسة. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ أَخْبَارٍ غَرِيبَةٍ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن أَحْمد، حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء الْغَلَابِيُّ (١) ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْملك بن أَبى السوية الْمِنْقَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ كُسَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَبى عتوارة الخزاعى، عَن سعير بن سوَادَة العامري قَالَ: كنت عشيقا لِعَقِيلَةٍ مِنْ عَقَائِلِ الْحَيِّ، أَرْكَبُ لَهَا الصَّعْبَ والذلول لَا أبقى من الْبِلَاد مسرحا أَرْجُو رِبْحًا فِي مَتْجَرٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ، فَانْصَرَفْتُ من الشَّام بحرث وَأَثَاثٍ أُرِيدُ بِهِ كُبَّةَ الْمَوْسِمِ (٢) وَدَهْمَاءَ الْعَرَبِ، فَدَخَلْتُ مَكَّةَ بِلَيْلٍ مُسْدِفٍ، فَأَقَمْتُ حَتَّى تَعَرَّى عَنِّي قَمِيصُ اللَّيْلِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا قِبَابٌ مُسَامِتَةٌ شَعَفَ الْجِبَالِ، مَضْرُوبَةٌ بِأَنْطَاعِ الطَّائِفِ، وَإِذَا جزر تُنْحَرُ وَأُخْرَى تُسَاقُ، وَإِذَا أَكَلَةٌ وَحَثَثَةٌ عَلَى الطُّهَاةِ يَقُولُونَ أَلَا عَجِّلُوا أَلَا عَجَّلُوا، وَإِذَا رجل يجْهر على نشر مِنَ الْأَرْضِ يُنَادِي: يَا وَفْدَ اللَّهِ مِيلُوا إِلَى الْغَدَاءِ. وَأُنَيْسَانٌ عَلَى مَدْرَجَةٍ يَقُولُ: يَا وَفْدَ اللَّهِ مِنْ طَعِمَ فَلْيَرُحْ إِلَى الْعَشَاءِ. فَجَهَرَنِي (٣) مَا رَأَيْتُ فَأَقْبَلْتُ أُرِيدُ عَمِيدَ الْقَوْمِ، فَعرف
رَجُلٌ الَّذِي بِي، فَقَالَ: أَمَامَكَ. وَإِذَا شَيْخٌ كَأَنَّ فِي خَدَّيْهِ الْأَسَارِيعَ (١) ، وَكَأَنَّ الشِّعْرَى (٢) تَوَقَّدُ مِنْ جَبِينِهِ، قَدْ لَاثَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَبْرَزَ مِنْ مِلَائِهَا جَمَّةً (٣) فَيْنَانَةً كَأَنَّهَا سَمَاسِمٌ (٤) . قَالَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: تَحْتَهُ كرسى سماسم (٤) وَمِمَّنْ دونهَا نمرقة، بِيَدِهِ قضيب متخصر بِهِ، حوله مَشَايِخ جلس نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُفِيضُ بِكَلِمَةٍ. وَقد كَانَ نمى إِلَى خبر من أَخْبَار الشَّامِ أَنَّ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ هَذَا أَوَانُ نُجُومِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ ظَنَنْتُهُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: مَهْ مَهْ، كَلَّا وَكَأن قد، وليتني إِيَّاه. فَقلت: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ فَقَالُوا هَذَا أَبُو نَضْلَةَ، هَذَا هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، فَوَلَّيْتُ وَأَنَا أَقُولُ: هَذَا وَاللَّهِ الْمَجْدُ لَا مَجْدُ آلِ جَفْنَةَ - يَعْنِي مُلُوكَ عَرَبِ الشَّامِ مِنْ غَسَّانَ كَانَ يُقَالَ لَهُمْ آلُ جَفْنَةَ -. وَهَذِهِ الْوَظِيفَةُ الَّتِى حَكَاهَا عَن هَاشم هِيَ الفادة يَعْنِي إِطْعَامَ الْحَجِيجِ زَمَنَ الْمَوْسِمِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قُتَيْبَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ُتَيْبَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قَالَ سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، فَفَزِعْتُ مِنْهَا فَزَعًا شَدِيدًا، فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ وَعَلَيَّ مُطْرَفُ خَزٍّ وَجُمَّتِي تَضْرِبُ مَنْكِبَيَّ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْ فِي وَجْهِي التَّغَيُّرَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَوْمِي فَقَالَتْ: مَا بَالُ سَيِّدِنَا قَدْ أَتَانَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟ هَل رابه من حدثان الدَّهْر شئ؟ فَقلت لَهَا: بلَى!
وَكَانَ لَا يكملها أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُقَبِّلَ يَدَهَا الْيُمْنَى، ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهَا ثُمَّ يذكر حَاجته، وَلم أفعل لانى [كنت (١) ] كَبِيرُ قَوْمِي. فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ كَأَنَّ شَجَرَةً نَبَتَتْ (٢) قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّمَاءَ وَضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، وَمَا رَأَيْتُ نُورًا أَزْهَرَ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، وَرَأَيْتُ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ سَاجِدِينَ لَهَا وَهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ سَاعَةٍ عِظَمًا وَنُورًا وَارْتِفَاعًا، سَاعَةً تَخْفَى وَسَاعَةً تَزْهَرُ، وَرَأَيْتُ رَهْطًا مَنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَلَّقُوا بِأَغْصَانِهَا، وَرَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ قَطْعَهَا، فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَخَّرَهُمْ شَابٌّ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا، فيكسر أظهرهم (٣) ويقلع أَعينهم. فَرفعت يدى لَا تنَاول مِنْهَا نَصِيبًا، فَمَنَعَنِي الشَّابُّ، فَقُلْتُ: لِمَنِ النَّصِيبُ؟ فَقَالَ: النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِهَا وَسَبَقُوكَ إِلَيْهَا. فَانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا فَزِعًا.
ُّ، فَقُلْتُ: لِمَنِ النَّصِيبُ؟ فَقَالَ: النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِهَا وَسَبَقُوكَ إِلَيْهَا. فَانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا فَزِعًا. فَرَأَيْتُ وَجْهَ الْكَاهِنَةِ قَدْ تَغَيَّرَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَيَدِينُ لَهُ النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ - لِأَبِي طَالِبٍ لَعَلَّكَ تَكُونُ هَذَا الْمَوْلُودَ (٤) . قَالَ: فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بعد مَا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبعد مَا بُعِثَ. ثُمَّ قَالَ (٥) كَانَتِ الشَّجَرَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَمِينَ، فَيُقَالُ لِأَبِي طَالِبٍ: أَلَا تؤمن؟ فَيَقُول: السبة والعار!
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: خَرَجْتُ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الْيَمَنِ فِي رَكْبٍ - مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَدِمْتُ الْيَمَنَ فَكُنْتُ أَصْنَعُ يَوْمًا طَعَامًا وَأَنْصَرِفُ بِأَبِي سُفْيَانَ وَبِالنَّفَرِ، وَيَصْنَعُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمًا، وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي فِي يَوْمِي الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ فِيهِ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ أَنْ تَنْصَرِفَ إِلَى بَيْتِي وَتُرْسِلَ إِلَيَّ غَدَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَانْصَرَفْتُ أَنَا وَالنَّفَرِ إِلَى بَيْتِهِ وَأَرْسَلْتُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَلَمَّا تَغَدَّى الْقَوْمُ قَامُوا وَاحْتَبَسَنِي.
؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَانْصَرَفْتُ أَنَا وَالنَّفَرِ إِلَى بَيْتِهِ وَأَرْسَلْتُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَلَمَّا تَغَدَّى الْقَوْمُ قَامُوا وَاحْتَبَسَنِي. فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ أَنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَيُّ بَنِي أَخِي؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِيَّايَ تَكْتُمُ؟ ! وَأَيُّ بَنِي أَخِيكَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ! قُلْتُ وَأَيُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلَ؟ قَالَ: بَلَى قَدْ فَعَلَ. وَأَخْرَجَ كِتَابًا باسمه مِنِ ابْنِهِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِيهِ: أُخْبِرُكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَامَ بِالْأَبْطَحِ فَقَالَ: " أَنَا رَسُول أدعوكم إِلَى الله عزوجل " فَقَالَ الْعَبَّاس: قلت أَجِدهُ يَا أَبَا حَنْظَلَة صَادِقا. فَقَالَ: مهلا يَا أَبَا الْفضل، فو الله مَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا، إِنِّي لَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ عَلَيَّ ضَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بَرِحَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُ أَنَّ لَكُمْ هَنَةً وَهَنَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَايَةٌ! لَنَشَدْتُكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ هَلْ سَمِعْتَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ سَمِعْتُ. قَالَ فَهَذِهِ وَاللَّهِ شُؤْمَتُكُمْ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا يُمْنَتُنَا. قَالَ: فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا لَيَالٍ حَتَّى قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بِالْخَبَرِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَفَشَا ذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْيَمَنِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَجْلِسُ مَجْلِسًا بِالْيَمَنِ يَتَحَدَّثُ فِيهِ حَبْرٌ مِنْ
أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: مَا هَذَا الْخَبَرُ؟ بَلَغَنِي أَنَّ فِيكُمْ عَمَّ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: صَدَقُوا، وَأَنَا عَمُّهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخُو أَبِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَحَدِّثْنِي عَنْهُ. قَالَ: لَا تَسْأَلْنِي! مَا أُحِبُّ أَنَّ يَدَّعِيَ هَذَا الْأَمْرَ أَبَدًا، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيبَهُ وَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ. فَرَأى الْيَهُودِيّ أَنه لَا يغمس عَلَيْهِ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعِيبَهُ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسَ عَلَى الْيَهُودِ، وَتَوْرَاةِ مُوسَى. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَنَادَانِي الْحَبْرُ، فَجِئْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جَلَسْتُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ مِنَ الْغَدِ، وَفِيهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَبْرُ، فَقُلْتُ لِلْحَبْرِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ سَأَلْتَ ابْنَ عَمِّي عَنْ رَجُلٍ مِنَّا زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأخبرك أَنَّهُ عَمُّهُ، وَلَيْسَ بِعَمِّهِ، وَلَكِنِ ابْنَ عَمِّهِ، وَأَنَا عَمُّهُ وَأَخُو أَبِيهِ. قَالَ: أَخُو أَبِيهِ؟ قُلْتُ: أَخُو أَبِيهِ. فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: صَدَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ صَدَقَ. فَقُلْتُ: سَلْنِي فَإِن كذبت فليرد عَلَيَّ. فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ هَلْ كَانَ لِابْنِ أَخِيكِ صَبْوَةٌ أَوْ سَفَهَةٌ. قُلْتُ: لَا وَإِلَهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا. كَذَبَ وَلَا خَانَ، وَإِنَّهُ كَانَ اسْمُهُ عِنْدَ قُرَيْشٍ الْأَمِينَ. قَالَ: فَهَلْ كَتَبَ بِيَدِهِ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أقولها، ثمَّ ذكرت مَكَان أَبى سُفْيَان يكذبنى وَيرد على فَقلت: لَا يكْتب.
سُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أقولها، ثمَّ ذكرت مَكَان أَبى سُفْيَان يكذبنى وَيرد على فَقلت: لَا يكْتب.
فَوَثَبَ الحبر وَنزل رِدَاؤُهُ وَقَالَ: ذُبِحَتْ يَهُودُ، وَقُتِلَتْ يَهُودُ! قَالَ الْعَبَّاسُ: فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى مَنْزِلِنَا، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَفْزَعُ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتَ مَا رَأَيْتَ، فَهَلْ لَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا كُنْتَ قَدْ سَبَقْتَ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَمَعَكَ غَيْرُكَ مِنْ أَكْفَائِكَ. قَالَ: لَا أَو من بِهِ حَتَّى أَرَى الْخَيْلَ فِي كَدَاءٍ (١) . قُلْتُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ جَاءَتْ عَلَى فَمِي، إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ خَيْلًا تَطْلُعُ مِنْ كَدَاءٍ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَلَمَّا اسْتَفْتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَنَظَرْنَا إِلَى الْخَيْلِ وَقَدْ طَلَعَتْ مِنْ كَدَاءٍ، قُلْتُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ تَذْكُرُ الْكَلِمَةَ؟ ! قَالَ: إِي وَاللَّهِ إِنِّي لَذَاكِرُهَا! فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ. وَهَذَا سِيَاقٌ حَسَنٌ عَلَيْهِ الْبَهَاءُ وَالنُّورُ وَضِيَاءُ الصِّدْقِ، وَإِنْ كَانَ فِي رِجَالِهِ مَنْ هُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مِنْ أَغْرَبِ الْأَخْبَارِ وَأَحْسَنِ السِّيَاقَاتِ وَعَلَيْهِ النُّورُ. وَسَيَأْتِي أَيْضًا قِصَّةُ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْوَالِهِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ.
لَ مَلِكِ الرُّومِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْوَالِهِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ. وَقَالَ لَهُ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ فِيكُمْ، وَلَو أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَئِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا لَيَمْلِكَنَّ مَوْضِعَ قَدَمِيَّ هَاتين. وَكَذَلِكَ وَقع وَللَّه الْحَمد والْمنَّة.
وَقَدْ أَكْثَرَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ إِيرَادِ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ عَنِ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ وَالْعَرَبِ، فَأَكْثَرَ وَأَطْنَبَ وَأَحْسَنَ وَأَطْيَبَ. ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ (١) قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُزَاعِيُّ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا عبد الله ابْن دَاوُدَ بْنِ دِلْهَاثِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ يَاسِرِ بْنِ سُوَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ دِلْهَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَاهُ يَاسِرَ بْنَ سُوَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَرَأَيْتَ فِي نَوْمِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، نُورًا سَاطِعًا [خرج (٢) ] مِنَ الْكَعْبَةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَبَلِ يَثْرِبَ وَأَشْعَرِ جُهَيْنَةَ (٣) . فَسَمِعْتُ صَوْتًا بَيْنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: انْقَشَعَتِ الظَّلْمَاءُ، وَسَطَعَ الضِّيَاءُ، وَبُعِثَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ (٤) ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، وَكُسِرَتِ الْأَصْنَام، ووصلت الْأَرْحَام.
ِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ (٤) ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، وَكُسِرَتِ الْأَصْنَام، ووصلت الْأَرْحَام. فانتبهت فَزعًا فَقلت لقومي: وَاللَّهِ لَيَحَدُثَنَّ لِهَذَا الْحَيِّ مَنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ. وَأَخْبَرتهمْ بِمَا رَأَيْت.



