— Bagian 18 · ذِّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكَّةَ. —
Bagian 18
ذِّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكَّةَ. فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ - فِيمَا بَلَغَنِي -: " صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ ". وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِصْمَةَ الْعَدْلِ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِعَمَّارٍ وَأَهْلِهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ: " أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ وَآلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ " فَأَما أمه فيقتلوها فتأبى إِلَّا الاسلام.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ. أَوَّلُ شَهِيدٍ كَانَ فِي أول الْإِسْلَامِ اسْتُشْهِدَ: أُمُّ عَمَّارٍ سُمَيَّةُ، طَعَنَهَا أَبُو جهل بِحَرْبَة فِي قَلبهَا. وَهَذَا مُرْسَلٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ الَّذِي يُغْرِي بِهِمْ فِي رجال من قُرَيْش، إِن سمع بِرَجُل قَدْ أَسْلَمَ لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ أَنَّبَهُ وَخَزَّاهُ وَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيكَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لَنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ، وَلَنُفَيِّلَنَّ (١) رَأْيَكَ، وَلَنَضَعَنَّ شَرَفَكَ. وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: وَاللَّهِ لَنُكْسِدَنَّ تِجَارَتَكَ، وَلَنُهْلِكَنَّ مَالَكَ. وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ. لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الله ابْن عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟
دِ الله ابْن عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ! إِنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونِ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي بِهِ، حَتَّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنَ الْفِتْنَةِ، حَتَّى يَقُولُوا لَهُ: اللات والعزى إلهآن مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! افْتِدَاءً مِنْهُمْ بِمَا يَبْلُغُونَ مِنْ جُهْدِهِمْ. قُلْتُ: وَفِي مِثْلِ هَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم " (٢) . فَهَؤُلَاءِ كَانُوا مَعْذُورِينَ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْعَذَابِ الْبَلِيغِ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بحوله وقوته.
" (٢) . فَهَؤُلَاءِ كَانُوا مَعْذُورِينَ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْعَذَابِ الْبَلِيغِ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بحوله وقوته.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ. قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ فَإِنِّي إِذَا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي وَلِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأُعْطِيكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا " إِلَى قَوْله " ويأتينا فَردا " (١) . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنِ الاعمش بِهِ. وفى لفظ البُخَارِيّ: " كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وَائِلٍ سَيْفًا فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ (٢) وَإِسْمَاعِيلُ، قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدَةٍ (٣) وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقَلْتُ: أَلَا تَدْعُو الله؟ فَقعدَ وَهُوَ محمر وَجهه فَقَالَ: " قَدْ (٤) كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَو عصب، وَمَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مفرق رَأسه فَيشق بِاثْنَيْنِ (٥) مَا يصرفهُ ذَلِك عَن يدنه، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا الله عزوجل " زَادَ بَيَانٌ (٦) " وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ".
ْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا الله عزوجل " زَادَ بَيَانٌ (٦) " وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ". وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ". انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ.
وَقَدْ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ خَبَّابٍ وَهُوَ مُخْتَصر؟ ن هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَان وَابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فَمَا أَشْكَانَا. يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: فَلَمْ يُشْكِنَا. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُول: سَمِعت خبابا يَقُول: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا. قَالَ شُعْبَةُ: يَعْنِي فِي الظهيرة. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ.
- زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: فِي وُجُوهِنَا وَأَكُفِّنَا - فَلَمْ يُشْكِنَا. وَفِي رِوَايَةٍ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ ﷺ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ، وَأَنَّهُمْ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَيَتَّقُونَ بِأَكُفِّهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَسَأَلُوا مِنْهُ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، أَوْ
نْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَسَأَلُوا مِنْهُ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، أَوْ
يَسْتَنْصِرَ عَلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْجِزْهُ لَهُمْ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ الْعَذَابِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا أَصَابَهُمْ وَلَا يَصْرِفُهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ، وَيُبَشِّرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُتِمُّ هَذَا الْأَمْرَ ويظهره ويعلنه، وَيَنْشُرُهُ وَيَنْصُرُهُ فِي الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله عزوجل وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. وَلِهَذَا قَالَ: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي وُجُوهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا " أَيْ لَمْ يَدْعُ لَنَا فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ. فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَادِ، أَوْ عَلَى وُجُوبِ مُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْكَفِّ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، فَفِيهِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَإِقَامَة الْحجَّة الدامغة عَلَيْهِم وَاعْتِرَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالْحَقِّ، وَإِنْ أَظْهَرُوا الْمُخَالِفَةَ عِنَادًا وَحَسَدًا وَبَغْيًا وَجُحُودًا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: ليعطوكه، فَإنَّك أتيت مُحَمَّدًا لتعرض مَا قبله! قَالَ: قد علمت قُرَيْش أَنى من أَكْثَرُهَا مَالًا.
أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: ليعطوكه، فَإنَّك أتيت مُحَمَّدًا لتعرض مَا قبله! قَالَ: قد علمت قُرَيْش أَنى من أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ.
قَالَ: وماذا أَقُول؟ فو الله مَا مِنْكُم رجل أعرف بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَلَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ. قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: قف عَنى حَتَّى أفكر فِيهِ. فَلَمَّا فكر قَالَ: إِن هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثِرُ يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ " ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَجعلت لَهُ مَالا ممدوا وبنين شُهُودًا (١) " الْآيَات. هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيِّ بِمَكَّةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسلا. فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكر والبغى يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (٢) ". وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ وَنَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ (٣) فَقَالَ: إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ
َيْشٍ وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ (٣) فَقَالَ: إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدُّ قَوْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (٤) . فَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأَيَا نَقُومُ بِهِ (٥) .
فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا وَأَنَا أَسْمَعُ فَقَالُوا: نقُول كَاهِن. فَقَالَ: مَا هُوَ بكاهن: رَأَيْتُ الْكُهَّانَ، فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكُهَّانِ. فَقَالُوا: نَقُولُ مَجْنُونٌ. فَقَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا تخالجه وَلَا وسوسته. فَقَالُوا: نَقُولُ شَاعِرٌ. فَقَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ بِرَجَزِهِ وَهَزَجِهِ وَقَرِيضِهِ وَمَقْبُوضِهِ وَمَبْسُوطِهِ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ. قَالُوا: فَنَقُولُ هُوَ سَاحِرٌ. قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا بِعَقْدِهِ. قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: وَالله إِن لقَوْله لحلاوة، وَإِن أَصله لعذق (١) ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنًى (٢) ، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أقرب القَوْل لَان تَقولُوا: هَذَا سَاحِرٌ، فَتَقُولُوا هُوَ سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَدينه، وَبَين الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ فَجعلُوا يَجْلِسُونَ للنَّاس حِين (٣) قَدِمُوا الْمَوْسِمَ لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا حَذَّرُوهُ إِيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمَرَهُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْوَلِيد " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا ممدودا وبنين شُهُودًا (٤) " الْآيَات، وفى أُولَئِكَ النَّفر الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ: " فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ (٥) ". قُلْتُ: وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ: " بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ، بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أرسل الاولون (٦) " فحاروا مَاذَا يَقُولُونَ
ِهِمْ: " بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ، بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أرسل الاولون (٦) " فحاروا مَاذَا يَقُولُونَ
فِيهِ، فَكل شئ يَقُولُونَهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ مَهْمَا قَالَهُ أَخْطَأَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (١) ". وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا على ابْن مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقَالُوا: انْظُرُوا أَعْلَمَكُمْ بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ، فَلْيَأْتِ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَشَتَّتَ أَمْرَنَا وَعَابَ دِينَنَا، فَلْيُكَلِّمْهُ وَلْيَنْظُرْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. فَقَالُوا: أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ. فَأَتَاهُ عُتْبَةُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَإِن كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكَ فَقَدْ عَبَدُوا الْآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَتَكَلَّمْ حَتَّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا سَخْلَةً (٢) قَطُّ أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْكَ، فَرَّقْتَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَّ أَمْرَنَا، وَعِبْتَ دِينَنَا، وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ، حَتَّى لَقَدْ طَارَ فِيهِمْ أَنَّ فِي قُرَيْشٍ سَاحِرًا، وَأَنَّ فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا، وَاللَّهِ مَا نَنْتَظِرُ إِلَّا مِثْلَ صَيْحَةِ الْحُبْلَى أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ حَتَّى نَتَفَانَى، أَيُّهَا الرَّجُلُ! إِنْ كَانَ إِنَّمَا
ْتَظِرُ إِلَّا مِثْلَ صَيْحَةِ الْحُبْلَى أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ حَتَّى نَتَفَانَى، أَيُّهَا الرَّجُلُ! إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلْنُزَوِّجْكَ عَشْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَرَغْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ " إِلَى أَنْ بَلَغَ " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَة مثل صَاعِقَة عَاد وَثَمُود ". فَقَالَ عتبَة: حَسْبُكَ، مَا عِنْدَكَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ إِلَّا كَلَّمْتُهُ. قَالُوا: فَهَلْ أَجَابَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: لَا وَالَّذِي نَصَبَهَا بَنِيَّةً مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَنْذَرَكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ. قَالُوا: وَيْلَكَ! يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا تَدْرِي مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ،: عَنِ الْأَجْلَحِ بِهِ. وَفِيهِ كَلَامٌ. وَزَادَ: وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا بِكَ الرِّيَاسَةُ عَقَدْنَا أَلْوِيَتَنَا لَك فَكنت رَأْسا مَا بقيت. وَعِنْده أَنه لما قَالَ: " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُود " أَمْسَكَ عُتْبَةُ (١) عَلَى فِيهِ وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَهْلِهِ وَاحْتَبَسَ عَنْهُم. فَقَالَ أَبُو جهل: وَالله يَا معشر قُرَيْش مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا صَبَأَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَهُ طَعَامُهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ أَصَابَتْهُ، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَوْهُ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ يَا عُتْبَةُ مَا جِئْنَا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَكَ أَمْرُهُ، فَإِنْ كَانَ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيك عَن طَعَام مُحَمَّد.
أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَكَ أَمْرُهُ، فَإِنْ كَانَ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيك عَن طَعَام مُحَمَّد.
فَغَضِبَ وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أَبَدًا. وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ، فَأَجَابَنِي بشئ وَالله مَا هُوَ بسخر وَلَا بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ، قَرَأَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم حم تَنْزِيل من الرَّحِم الرَّحِيم " حَتَّى بَلَغَ " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مثل صَاعِقَة عَاد وَثَمُود " فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ وَنَاشَدْتُهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ، فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بن عبد الْجَبَّار، عَن يُونُس، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ سَيِّدًا حَلِيمًا، قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا فَأَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا وَيَكُفُّ عَنَّا. قَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ! فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيمَا قَالَ لَهُ عُتْبَةُ وَفِيمَا عَرَضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ وَغير ذَلِك. وَقَالَ زِيَاد بن إِسْحَاقَ: فَقَالَ عُتْبَةُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّه يقبل بَعْضهَا فَنُعْطِيه إِيَّاهَا وَيَكُفُّ عَنَّا.
ْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّه يقبل بَعْضهَا فَنُعْطِيه إِيَّاهَا وَيَكُفُّ عَنَّا. وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ وَرَأَوْا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ. فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقُمْ إِلَيْهِ وَكَلمه. فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السِّطَةِ (١) فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قد أتيت قَوْمك
بِأَمْر عَظِيم فرقت جَمَاعَتَهُمْ، وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي حَتَّى أَعْرِضَ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا، لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا أَبَا الْوَلِيد أسمع ". قَالَ: يَا بن أَخِي إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ من أَمْوَالًا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتُ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرجل حَتَّى يتداوى مِنْهُ. أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ. حَتَّى إِذَا فرغ عتبَة قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اسْمَع مِنِّي. قَالَ: أَفْعَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ " فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، فَلَمَّا سَمِعَ بِهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ خَلْفَهُ أَوْ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا لِيَسْمَعَ مِنْهُ. حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ قَالَ: " سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ " قَالَ: سَمِعْتُ. قَالَ: " فَأَنْتَ وَذَاكَ ". ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمَّا جَلَسُوا إِلَيْهِ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي وَاللَّهِ قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا
الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمَّا جَلَسُوا إِلَيْهِ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي وَاللَّهِ قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا
مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا الْكِهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ واعتزلوه، فو الله لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأً، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وَكنت أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ. قَالُوا: سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ. قَالَ: هَذَا رَأْيِي لَكُمْ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ شِعْرًا قَالَهُ أَبُو طَالِبٍ يَمْدَحُ فِيهِ عُتْبَةَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو قُتَيْبَة سَلمَة ابْن الْفَضْلِ الْآدَمِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ " حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم " أَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ، وَاعْصُونِي فِيمَا بَعْدَهُ، فو الله لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ كَلَامًا مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ كَلَامًا مِثْلَهُ، وَمَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
لرَّجُلِ كَلَامًا مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ كَلَامًا مِثْلَهُ، وَمَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَأَبَا سُفْيَانَ وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْمَعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا لِيَسْتَمِعَ مِنْهُ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا أَصْبَحُوا وَطَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعُودُوا فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ انصرفوا.
حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيق، فَقَالُوا: لَا نَبْرَح حَتَّى نتعاهد أَلا نَعُودَ. فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا. فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَاد بهَا [وَأَشْيَاء لَا أعرفهَا وَلَا أعرف مَا يُرَادُ بِهَا (١) ] فَقَالَ الْأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ؟ ! تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا (٢) عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ! فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ! وَاللَّهِ لَا نَسْمَعُ بِهِ أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. فَقَامَ عَنهُ الاخنس بِهِ شَرِيقٍ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أَمْشِي أَنَا وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ مَكَّةَ، إِذْ لَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
- (هَامِش * (١) من الاكتفا. (٢) الاكتفا: تحا؟ ينا. (*)
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: " يَا أَبَا الْحَكَمِ، هَلُمَّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا؟ هَلْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَشْهَدَ أَنَّكَ قَدْ بلغت؟ فَنحْن نشْهد أَن قد بلغت، فو الله لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَن مَا يَقُول حق، وَلَكِن [يمنعنى] شئ، إِنَّ بَنِي قُصَيٍّ. قَالُوا: فِينَا الْحِجَابَةُ. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا فِينَا السِّقَايَةُ فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا فِينَا النَّدْوَةُ. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا: فِينَا اللِّوَاءُ. فَقُلْنَا: نَعَمْ. ثُمَّ أَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا، حَتَّى إِذَا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ! وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خَالِد، حَدثنَا أَحْمد بن خلف، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا جَالِسَانِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَتَعْجَبُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ! فَالنَّبِيُّ يَكُونُ فِيمَنْ أَقَلُّ مِنَّا وَأَذَلُّ.
ُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَتَعْجَبُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ! فَالنَّبِيُّ يَكُونُ فِيمَنْ أَقَلُّ مِنَّا وَأَذَلُّ. فَقَالَ أَبُو جهل: أعجب أَنْ يَخْرُجَ غُلَامٌ مِنْ بَيْنِ شُيُوخٍ نَبِيًّا! وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ، فَأَتَاهُمَا فَقَالَ: " أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ غَضِبْتَ وَلَكِنَّكَ حَمِيتَ لِلْأَصْلِ. وَأما أَنْت يَا أَبَا الحكم، فو الله لَتَضْحَكَنَّ قَلِيلًا وَلَتَبْكِيَنَّ كَثِيرًا " فَقَالَ: بِئْسَمَا تَعِدُنِي يَا بن أَخِي مِنْ نُبُوَّتِكَ. هَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ. وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ وَعَنْ أَضِرَابِهِ " وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا، أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أضلّ سَبِيلا (١) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ " وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا " (١) . قَالَ: كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ " وَلَا تجْهر بصلاتك " أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ " وَلَا تخَافت بهَا " عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلَا تُسْمِعُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ عَنْك " وابتغ بَين ذَلِك سَبِيلا ". وَهَكَذَا رَوَاهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بشر جَعْفَر بن أَبى حَيَّة بِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَأَبَوْا أَنْ يَسْتَمِعُوا مِنْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَعْضَ مَا يَتْلُو وَهُوَ يُصَلِّي، اسْتَرَقَ السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ، فَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْمَعِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " وَلَا تَجْهَرْ بصلاتك " فيتفرقوا عَنْك " وَلَا تخَافت بهَا " فَلَا يَسْمَعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمَّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ، لَعَلَّهُ يَرْعَوِي إِلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ " وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ". إِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من السِّيرَة النَّبَوِيَّة لِابْنِ كثير ويليه الْجُزْء الثَّانِي وأوله بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة
﷽ بَابُ هِجْرَةِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرض الْحَبَشَة فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَذِيَّةِ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانُوا يُعَامِلُونَهُمْ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْإِهَانَةِ الْبَالِغَةِ. وَكَانَ الله عزوجل قد حجرهم عَنْ رَسُولِهِ ﷺ وَمَنَعَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْبِعْثَةِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَأَنَّهُمُ انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِ مَا بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ، فَاسْتَأْجَرُوا سَفِينَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَامْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ وَامْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيُّ، وَامْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، وَأَبُو سُبْرَة بن أَبى رهم، وحاطب (١) بْنُ عَمْرٍو، وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ﵃ أَجْمَعِينَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانُوا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رجلا، سوى نِسَائِهِم
اءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ﵃ أَجْمَعِينَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانُوا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رجلا، سوى نِسَائِهِم
وَأَبْنَائِهِمْ، وعمار بن يَاسر، نشك، فَإِن كَانَ فيهم فقد كَانُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا.
-
-
- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنَ الله عزوجل وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجَا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ. فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إِلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ. فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَذَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بن سُفْيَان، عَن عَبَّاس الْعَنْبَري، عَن بشر بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْبُرْجُمِيِّ (١) ، حدثتا قَتَادَة، قَالَ: أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَهْلِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁. سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، يَعْنِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَبْطَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُمَا، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ مَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَت:
-
ّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَبْطَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُمَا، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ مَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَت:
يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَأَيْتُ خَتْنَكَ (١) وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ. قَالَ: على أَي حَال رأيتيهما؟ قَالَت: رَأَيْته قد حمل امْرَأَته حمَار من هَذِه الدِّبَابَةِ (٢) وَهُوَ يَسُوقُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَحِبَهُمَا اللَّهُ! إِنَّ عُثْمَانَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ لُوطٍ ﵇. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ، وَزَوْجَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَوَلَدَتْ لَهُ بِالْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَوَلَدَتْ لَهُ بِهَا زَيْنَبَ. وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، وَامْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومِ بنت سُهَيْل بن عَمْرو، وَيُقَال أَبُو حَاطِب بن عمر بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَهَا فِيمَا قِيلَ. وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فِيمَا بَلَغَنِي قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ بِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ.
سْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ بِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ. وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ * * * وَقَدْ زَعَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ الْهِجْرَةَ الْأُولَى إِلَى أَرض الْحَبَشَة كَانَت حِين دخل
أَبُو طَالِبٍ وَمَنْ حَالَفَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الشِّعْبِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمَ أَنَّ خُرُوجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِنَّمَا كَانَ فِي الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ عَوْدِ بَعْضِ مَنْ كَانَ خَرَجَ أَوَّلًا، حِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا وَصَلُّوا، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ، وَكَانَ فِيمَنْ قَدِمَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَلَمْ يَجِدُوا مَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ إِسْلَامِ الْمُشْرِكِينَ صَحِيحًا، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ وَمَكَثَ آخَرُونَ بِمَكَّةَ، وَخَرَجَ آخَرُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ خَرَجَ ثَانِيًا. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ خُرُوجِهِ فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ أَظْهَرُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لَكِنَّهُ كَانَ فِي زُمْرَةٍ ثَانِيَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلًا، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَالْمُتَرْجِمُ عَنْهُمْ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِ. وكما سَنُورِدُهُ مَبْسُوطًا.
-
-
- ثُمَّ إِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَرَدَ الْخَارِجِينَ صُحْبَةَ جَعْفَرٍ ﵃. وَهُمْ: عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بنت صَفْوَان بن أُميَّة بن محرث ابْن شِقٍّ الْكِنَانِيُّ. وَأَخُوهُ خَالِدٌ، وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ الْخُزَاعِيِّ، وَوَلَدَتْ لَهُ بِهَا سَعِيدًا وَأَمَةَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا وَخَالِدًا. قَالَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ.
-
خَالِدًا. قَالَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَامْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ. وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَهُوَ من موالى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ مِنْ دَوْسٍ. قَالَ: وَأَبُو مُوسَى [الْأَشْعَرِيُّ] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَسَنَتَكَلَّمُ مَعَهُ فِي هَذَا. وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ (١) بن عبد، وسويبط بن سعد بن حُرَيْمِلَة (٢) ، وجهم بن قيس العبدوى، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَوَلَدَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْدٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ. وَامْرَأَتُهُ رَملَة بنت أَبى عَوْف بن ضبيرة، وَولدت بِهَا عَبْدَ اللَّهِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَخُوهُ عُتْبَةُ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ التَّيْمِيُّ، وَامْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ (٣) ، وَوَلَدَتْ لَهُ بِهَا مُوسَى وَعَائِشَةَ وَزَيْنَبَ وَفَاطِمَةَ. وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ الْمَخْزُومِيُّ. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمَّاسًا لِحُسْنِهِ، وَأَصْلُ اسْمِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ.
وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ الْمَخْزُومِيُّ. قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمَّاسًا لِحُسْنِهِ، وَأَصْلُ اسْمِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ. وَهُبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهِشَام بن أَبى حُذَيْفَة
ابْن الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَالُ لَهُ عَيْهَامَةُ، وَهُوَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي مَخْزُومٍ. قَالَ: وَقُدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ أَخَوَا عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلِّلِ، وَابْنَاهُ مِنْهَا مُحَمَّد والْحَارث، وَأَخُوهُ خطاب، وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَسَنَةُ وَابْنَاهُ مِنْهَا جَابِرٌ وَجُنَادَةُ، وَابْنُهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَحَدُ الْغَوْثِ بْنُ مُزَاحِمِ بْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ. وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سعيد بْنِ سَهْمٍ، وَهُشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ. وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَإِخْوَتُهُ: الْحَارِثُ وَمَعْمَرٌ وَالسَّائِبُ وَبِشْرٌ وَسَعِيدٌ، أَبْنَاءُ الْحَارِثِ، و [أَخُو] سعيد بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ لِأُمِّهِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ.
وَالسَّائِبُ وَبِشْرٌ وَسَعِيدٌ، أَبْنَاءُ الْحَارِثِ، و [أَخُو] سعيد بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ لِأُمِّهِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ. وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مُهَشَّمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ، وَحَلِيفٌ لِبَنِي سَهْمٍ وَهُوَ مَحْمِيَةُ بْنُ جَزْءٍ (١) ، الزُّبَيْدِيُّ وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَابْنُهُ النُّعْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مخرمَة العامري، وَعبد الله بن سُهَيْل ابْن عَمْرٍو، وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَخُوهُ السَّكْرَانُ، وَمَعَهُ زَوجته سَوْدَة بنت زَمعَة، وَمَالك بن ربيعَة، وَامْرَأَته عمْرَة بنت السعدى، وَأَبُو حَاطِب (٢) بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ وَحَلِيفُهُمْ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، وَهُوَ من الْيمن.
وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيُّ، وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَاسْمُهَا دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُوَ سُهَيْلُ بن وهب ابْن رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ [بْنِ أُهَيْبِ] (١) بْنِ ضَبَّةَ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ [بْنِ أُهَيْبِ] (١) بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعِيَاضُ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنُ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْر أَخَوان، وَسَعِيد بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطٍ، وَأَخُوهُ الْحَارِثُ، الفهريون.
-
-
- قَالَ ابْن إِسْحَق: فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بهم صغَارًا أَو ولدُوا بِهَا،: ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا إِنْ كَانَ عَمَّارُ ابْن يَاسِرٍ فِيهِمْ، وَهُوَ يُشَكُّ فِيهِ.
-
-
-
- قُلْتُ: وَذِكْرُ ابْن إِسْحَق أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فِيمَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، سَمِعْتُ حُدَيْجًا (٢) أَخَا زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ نَحْوٌ (٣) مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُون وَأَبُو مُوسَى، فَأتوا النَّجَاشِيّ.
-
، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُون وَأَبُو مُوسَى، فَأتوا النَّجَاشِيّ.
وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بِهَدِيَّةٍ. فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ ثُمَّ ابْتَدَرَاهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَا لَهُ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عمنَا نزلُوا أَرْضك وَرَغبُوا عَنَّا عَن مِلَّتِنَا. قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَا: فِي أَرْضِكَ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ. فَاتَّبَعُوهُ. فَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْجُدْ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ لَا تَسْجُدُ لِلْمَلِكِ؟ قَالَ: إِنَّا لَا نسجد إِلَّا لله عزوجل. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولا، ثمَّ أمرنَا أَلا نسجد لَاحَدَّ إِلَّا لله عزوجل، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم. قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم وَأمه. قَالَ: نقُول كَمَا قَالَ الله: هُوَ كَلمته وَرُوحُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ (١) . قَالَ: فَرَفَعَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ وَالْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ، وَاللَّهِ مَا يَزِيدُونَ عَلَى الذى نقُول (٢) فِيهِ مَا سوى (٣) هَذَا، مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ الَّذِي نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَأَنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بن مَرْيَمَ، انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنا الذى أحمل نَعْلَيْه (٤) !
بن مَرْيَمَ، انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَكُونَ أَنا الذى أحمل نَعْلَيْه (٤) !
وَأَمَرَ بِهَدِيَّةِ الْآخَرَيْنِ فَرُدَّتْ إِلَيْهِمَا. ثُمَّ تَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَدْرَكَ بَدْرًا. وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُهُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَسِيَاقٌ حَسَنٌ، وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَن أَبَا مُوسَى كَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، إِن لم يكن مُدْرَجًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
-
- وَقَدْ روى عَن أَبى إِسْحَق السَّبِيعِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ. وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَّوَيْهِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر، حَدثنَا إِسْرَائِيل. وَحَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شيرويه، حَدثنَا إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم، هُوَ ابْن راهوبه، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إبى إِسْحَق، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أمرنَا رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ (٢) . فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَجَمَعُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدِيَّةً. وَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَأتيَاهُ بالهدية، فقبلها، وَسجدا لَهُ.
-
ثُمَّ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَرْضِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَهُمْ فِي أَرْضِكَ. قَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: فِي أَرْضِي؟ ! قَالَا: نَعَمْ. فَبَعَثَ إِلَيْنَا، فَقَالَ لَنَا جَعْفَرٌ: لَا يَتَكَلَّمُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ. فَانْتَهَيْنَا (١) إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَارَةُ عَنْ يَسَارِهِ، والقسيسون جُلُوس سماطين، وَقد قَالَ لَهُ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ: إِنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ لَكَ. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا بَدَرَنَا مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ: اسجدوا للمك. فَقَالَ جَعْفَر: لَا نسجد إِلَّا لله عزوجل. فَلَمَّا انتهينا إِلَى النَّجَاشِيّ قَالَ: مَا مَنعك أَن تسْجد؟ قَالَ: لَا نسجد إِلَّا لله. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا رَسُولًا، وَهُوَ الرَّسُولُ الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من بعده، اسْمه أَحْمد، فَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَنُقِيمَ الصَّلَاةَ وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ. فَأَعْجَبَ النَّجَاشِيَّ قَوْلُهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: أَصْلَحَ الله الْملك، إِنَّهُم يخالفونك فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكُمْ فِي ابْن مَرْيَم.
ِ قَالَ: أَصْلَحَ الله الْملك، إِنَّهُم يخالفونك فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَا يَقُولُ صَاحِبُكُمْ فِي ابْن مَرْيَم.
قَالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَقْرَبْهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ. فَتَنَاوَلَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُ فَقَالَ: يَا معشر القسيسين والرهبان: مَا يزِيدُونَ هَؤُلَاءِ على مَا نقُول فِي ابْنِ مَرْيَمَ وَلَا وَزْنَ هَذِهِ. مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أُقَبِّلَ نَعْلَيْهِ، امْكُثُوا فِي أَرْضِي مَا شِئْتُمْ. وَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكُسْوَةٍ، وَقَالَ: رَدُّوا عَلَى هَذَيْنَ هَدِيَّتَهُمَا. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَجُلًا قَصِيرًا، وَكَانَ عُمَارَةُ رَجُلًا جَمِيلًا، وَكَانَا أَقْبَلَا فِي الْبَحْرِ فَشَرِبَا، وَمَعَ عَمْرٍو امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا شَرِبَا قَالَ عُمَارَةُ لِعَمْرٍو: مُرِ امْرَأَتَكَ فَلْتُقَبِّلْنِي. فَقَالَ لَهُ، عَمْرٌو: أَلَا تَسْتَحِي! فَأَخَذَ عُمَارَةُ عُمَرًا فَرَمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَجَعَلَ عَمْرٌو يُنَاشِدُ عُمَارَةَ حَتَّى أَدْخَلَهُ السَّفِينَةَ. فَحَقَدَ عَلَيْهِ عَمْرٌو فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عَمْرٌو لِلنَّجَاشِيِّ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَلَفَكَ عُمَارَةُ فِي أَهْلِكَ. فَدَعَا النَّجَاشِيُّ بِعُمَارَةَ فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِهِ، فَطَارَ مَعَ الْوَحْشِ (١) . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِل عَن طَرِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ سَلَّامٍ السَّوَّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: " فَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكُسْوَةٍ ".
نِ سَلَّامٍ السَّوَّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: " فَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكُسْوَةٍ ". قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَة. وَالصَّحِيح عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ فِي بِضْعٍ وَخمسين
رَجُلًا فِي سَفِينَةٍ، فَأَلْقَتْهُمْ سَفِينَتُهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَوَافَقُوا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابه عِنْدهم، فَأمره جَعْفَرٌ بِالْإِقَامَةِ، فَأَقَامُوا عِنْدَهُ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَر. قَالَ: وَأَبُو مُوسَى شَهِدَ مَا جَرَى بَيْنَ جَعْفَرٍ وَبَيْنَ النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرَ عَنْهُ. قَالَ: وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْطَلِقَ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
-
- وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ (١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَرَكِبْنَا سفينة، فَأَلْقَتْنَا سفننا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قدمنَا، فوافينا (٢) النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَبِير، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " لَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ وَأَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بن براد (٣) ، كِلَاهُمَا عَن أَبى أُسَامَة بِهِ. وروياه فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مُطَوَّلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
كُرَيْبٍ وَأَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بن براد (٣) ، كِلَاهُمَا عَن أَبى أُسَامَة بِهِ. وروياه فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مُطَوَّلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
-
- وَأَمَّا قِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ فَإِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ رَوَاهَا فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ تَارِيخِهِ، مِنْ رِوَايَةِ نَفْسِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى يَدَيْهِمَا جَرَى الْحَدِيثُ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَأم سَلمَة كَمَا سَيَأْتِي.
-
فَأَمَّا رِوَايَةُ جَعْفَرٍ فَإِنَّهَا عَزِيزَةٌ جِدًّا، رَوَاهَا ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ النَّقُورِ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ المخلص، عَن أَبى الْقَاسِم بن الْبَغَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، عَن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بِهَدِيَّةٍ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالُوا لَهُ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ: قَدْ صَارَ إِلَيْكَ نَاسٌ مِنْ سَفَلَتِنَا وَسُفَهَائِنَا، فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ: لَا حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَهُمْ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قُلْنَا هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ. فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيّ: أعبيد هم لكم؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَلَكُمْ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ؟. قَالُوا: لَا. قَالَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي عِيسَى غَيْرَ مَا تَقُولُ. قَالَ: إِنْ لَمْ يَقُولُوا فِي عِيسَى مِثْلَ قَوْلِي لَمْ أَدَعْهُمْ فِي أَرْضِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَكَانَتِ الدَّعْوَةُ الثَّانِيَةُ أَشَدَّ عَلَيْنَا مِنَ الْأُولَى. قَالَ: مَا يَقُول صَاحبكُم فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ؟ قُلْنَا: يَقُولُ: هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى عَذْرَاءَ بَتُولٍ. قَالَ: فَأَرْسَلَ فَقَالَ: ادعوا لى فلَان القس وَفُلَان الرَّاهِبَ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم؟
َتُولٍ. قَالَ: فَأَرْسَلَ فَقَالَ: ادعوا لى فلَان القس وَفُلَان الرَّاهِبَ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم؟
فَقَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُنَا، فَمَا تَقُولُ؟ قَالَ النَّجَاشِيُّ، وَأَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى مَا قَالَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: أَيُؤْذِيكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَنَادَى مُنَادٍ: مَنْ آذَى أَحَدًا مِنْهُمْ فَأَغْرِمُوهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. ثُمَّ قَالَ: أَيَكْفِيكُمْ؟ قُلْنَا: لَا فَأَضْعَفَهَا. قَالَ: فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَظَهَرَ بِهَا قُلْنَا لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ظَهَرَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَتَلَ الَّذِينَ كُنَّا حَدَّثْنَاكَ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَرَدْنَا الرَّحِيلَ إِلَيْهِ، فَرَدَّنَا. قَالَ: نَعَمْ. فَحَمَلَنَا وَزَوَّدَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا صَنَعْتُ إِلَيْكُمْ، وَهَذَا صَاحِبِي مَعَكُمْ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ جَعْفَرٌ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَنَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ! وَوَافَقَ ذَلِكَ فَتْحُ خَيْبَرَ. ثُمَّ جَلَسَ. فَقَالَ رَسُولُ النَّجَاشِيِّ: هَذَا جَعْفَرٌ فَسَلْهُ مَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُنَا. فَقَالَ: نَعَمْ، فَعَلَ بِنَا كَذَا وَكَذَا، وَحَمَلَنَا وَزَوَّدَنَا، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ لِي: قُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ دَعَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلنَّجَاشِيِّ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: فَقَلْتُ لِلرَّسُولِ: انْطَلِقْ فَأَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا رَأَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ِّ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: فَقَلْتُ لِلرَّسُولِ: انْطَلِقْ فَأَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا رَأَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
-
-
- وَأَمَّا رِوَايَةُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَدْ قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَق، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا ضَاقَتْ مَكَّةُ وَأُوذِيَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفُتِنُوا وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ عَمِّهِ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شئ مِمَّا يَكْرَهُ وَمِمَّا يَنَالُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ". فَخَرَجْنَا إِلَيْهَا أَرْسَالًا، حَتَّى اجْتَمَعْنَا بِهَا، فَنَزَلْنَا بِخَيْرِ دَارٍ إِلَى خَيْرِ جَارٍ آمِنِينَ عَلَى دِينِنَا، وَلَمْ نَخْشَ فِيهَا ظُلْمًا. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّا قَدْ أصبْنَا دَارا وَأمنا غاروا منا، فَاجْتمعُوا على أَن يبعثوا إِلَى النَّجَاشِيّ فِينَا ليخرجنا مِنْ بِلَادِهِ وَلِيَرُدَّنَا عَلَيْهِمْ. فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَجَمَعُوا لَهُ هَدَايَا وَلِبَطَارِقَتِهِ، فَلَمْ يَدَعُوا مِنْهُمْ رَجُلًا إِلَّا هيأوا لَهُ هَدِيَّةً عَلَى حِدَةٍ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ، ثُمَّ ادْفَعُوا إِلَيْهِ هَدَايَاهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَافْعَلُوا.
-
ْ تَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ، ثُمَّ ادْفَعُوا إِلَيْهِ هَدَايَاهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَافْعَلُوا. فَقَدِمَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَتِهِ إِلَّا قدمُوا إِلَيْهِ هديته، فكلموه فَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا قَدِمَنَا عَلَى هَذَا الْمَلِكِ فِي سُفَهَائِنَا، فَارَقُوا أَقْوَامَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دينكُمْ. (٢ - السِّيرَة - ٢)



