السيرة النبوية من البداية والنهاية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya ابن كثير (w. 774 H). Tahqiq: عبد الواحد.

Bagian 52 dari 85 2495 halaman

— Bagian 52 · خَصِيٌّ. —

Bagian 52

خَصِيٌّ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْبَرَهُ دَرَجَتَيْنِ ومقعده، قَالَ: وَالثَّابِت عندنَا أَنه عمل فِي سنة ثَمَان.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَخَالِدِ بن الْوَلِيد، وَعُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة (١) رضى الله عَنْهُم وَكَانَ قدومهم فِي أَوَائِلَ سَنَةِ ثَمَانٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي قَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ (٢) فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَر، عَن أَبِيه، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حَضَرْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ أُحُدًا فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ الْخَنْدَقَ فَنَجَوْتُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَمْ أُوضِعُ (٣) ! وَاللَّهِ لَيظْهرَن مُحَمَّد على قُرَيْش. فلحقت بِمَالي بالرهط (٤) ، وَأَقْلَلْتُ مِنَ النَّاسِ - أَيْ مِنْ لِقَائِهِمْ -. فَلَمَّا حَضَرَ الْحُدَيْبِيَةُ وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصُّلْح، وَرجعت

قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ. جَعَلْتُ أَقُولُ: يَدْخُلُ مُحَمَّدٌ قَابِلًا مَكَّةَ بِأَصْحَابِهِ، مَا مَكَّةُ بِمَنْزِلٍ وَلَا الطَّائِف، وَلَا شئ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ، وَأَنَا بَعْدُ نَاءٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَمْ أُسْلِمْ. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَجَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِي، وَكَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي وَيَسْمَعُونَ مِنِّي وَيُقَدِّمُونَنِي فِيمَا نَابَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ قَالُوا: ذُو رَأْيِنَا وَمِدْرَهُنَا (١) فِي يُمْنِ نَقِيبَةٍ (٢) وَبَرَكَةِ أَمْرٍ. قَالَ: قُلْتُ: تَعْلَمُونَ أَنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ أَمْرًا يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: نَلْحَقُ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ مَعَهُ، فَإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّد كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ [فَإِنَّا أَنْ] نَكوُنَ تَحْتَ يَدِ النَّجَاشِيِّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ تَظْهَرْ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا. قَالُوا: هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: قُلْتُ: فَاجْمَعُوا مَا نَهْدِيهِ لَهُ - وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ - فَجَمَعْنَا لَهُ (٣) أَدَمًا كَثِيرًا ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لِعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ يُزَوِّجُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ لاصحابي: هَذَا عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي وَلَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فأعطانيه فَضربت عُنُقه، فَإِذا فعلت ذَلِك سرت قُرَيْش (٤) وَكُنْتُ قَدْ أَجَزَأْتُ عَنْهَا حِينَ (٥) قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ.

َسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فأعطانيه فَضربت عُنُقه، فَإِذا فعلت ذَلِك سرت قُرَيْش (٤) وَكُنْتُ قَدْ أَجَزَأْتُ عَنْهَا حِينَ (٥) قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ. فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي من بلادك شَيْئا! قَالَ: قلت: نعم أَيهَا الْمَلِكُ، أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا كَثِيرًا. ثُمَّ قَدَّمْتُهُ فَأَعْجَبَهُ وَفَرَّقَ مِنْهُ شَيْئًا؟ بَيْنَ بَطَارِقَتِهِ، وَأَمَرَ بِسَائِرِهِ فَأُدْخِلَ فِي مَوْضِعٍ وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ ويحتفظ بِهِ.

فَلَمَّا رَأَيْت ريب نَفْسِهِ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ عَدُوٍّ لَنَا قَدْ وَتَرَنَا وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا، فَأَعْطِنِيهِ فَأَقْتُلَهُ. فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِي (١) ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ كَسَرَهُ، فَابْتَدَرَ مَنْخَرَايَ فَجَعَلْتُ أَتَلَقَّى الدَّمَ بِثِيَابِي، فَأَصَابَنِي مِنَ الذل مالو انْشَقَّتْ بِيَ الْأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ. ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ مَا قُلْتُ مَا سَأَلَتُكَ. قَالَ: فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: يَا عَمْرُو تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ مَنْ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَالَّذِي كَانَ يَأْتِي عِيسَى لِتَقْتُلَهُ. قَالَ عَمْرُو: فَغَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَرَفَ هَذَا الْحَقَّ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ، وَتُخَالِفُ أَنْتَ! ثُمَّ قُلْتُ: أَتَشْهَدُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ يَا عَمْرُو، فَأَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قُلْتُ: أَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قُلْتُ: أَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَلَ عَنِّي الدَّمَ وَكَسَانِي ثِيَابًا. وَكَانَتْ ثِيَابِي قَدِ امْتَلَأَتْ بِالدَّمِ فَأَلْقَيْتُهَا. ثُمَّ خَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كِسْوَةَ النَّجَاشِيِّ سُرُّوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: هَلْ أَدْرَكْتَ مِنْ صَاحِبِكَ مَا أَرَدْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَقُلْتُ أَعُودُ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ. قَالَ: ففارقتهم وَكَأَنِّي أعمد إِلَى حَاجَة، فَعَمَدْتُ إِلَى مَوْضِعِ السُّفُنِ فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ تُدْفَعُ، قَالَ: فَرَكِبْتُ مَعَهُمْ وَدَفَعُوهَا حَتَّى انْتَهوا إِلَى الشعبة وَخَرَجْتُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَعِي نَفَقَةٌ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا وَخَرَجْتُ أُرِيدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مَرِّ الظهْرَان، ثمَّ

ثُمَّ مَضَيْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْهَدَةِ فَإِذَا رَجُلَانِ قَدْ سَبَقَانِي بِغَيْرِ كَثِيرٍ يُرِيدَانِ مَنْزِلًا، وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي الْخَيْمَةِ وَالْآخَرُ يُمْسِكُ الرَّاحِلَتَيْنِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: قُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدًا، دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعْمٌ (٥) ، وَاللَّهِ لَوْ أَقَمْتُ لَأُخِذَ بِرِقَابِنَا كَمَا يُؤْخَذُ بِرَقَبَةِ الضَّبُعِ فِي مَغَارَتِهَا. قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ أَرَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَرَحَّبَ بِي، فَنَزَلْنَا جَمِيعًا فِي الْمنزل. ثمَّ اتفقنا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَجُلٍ لقيناه ببئر أبي عتبَة يَصِيحُ: يَا رَبَاحُ يَا رَبَاحُ يَا رَبَاحُ. فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: قَدْ أَعْطَتْ مَكَّةُ الْمُقَادَةَ بَعْدَ هَذَيْنِ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِينِي وَيَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَوَلَّى مُدْبِرًا إِلَى الْمَسْجِدِ سَرِيعًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَشَّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقُدُومِنَا، فَكَانَ كَمَا ظَنَنْتُ. وَأَنَخْنَا بِالْحَرَّةِ، فَلَبِسْنَا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِنَا، ثُمَّ نُودِيَ بِالْعَصْرِ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ، وَإِنَّ لِوَجْهِهِ تَهَلُّلًا وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ قَدْ سُرُّوا بِإِسْلَامِنَا فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَايَعَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَبَايَعَ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا اسْتَطَعْت أَن أرفع طرفِي حَيَاءً مِنْهُ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: " إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ".

مِنْ ذَنْبِي وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: " إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا ". قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَمْرٍ حَزَبَهُ مُنْذُ أَسْلَمْنَا، وَلَقَدْ كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَكَانَ عُمَرُ عَلَى خَالِدٍ كَالْعَاتِبِ. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ شَيْخُ الْوَاقِدِيِّ: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيث ليزِيد بن حبيب

فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَاشِدٌ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ مَوْلَاهُ حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو ابْن الْعَاصِ نَحْوَ ذَلِكَ. قُلْتُ: كَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ، عَنْ مَوْلَاهُ حَبِيبٍ [قَالَ:] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ، فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ. وَسِيَاقُ الْوَاقِدِيِّ أَبْسَطُ وَأَحْسَنُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ الْحَمِيدِ: فَقُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: وَقَّتَ لَكَ مَتَى قَدِمَ عَمْرٌو وَخَالِدٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ الْفَتْح. قلت: فَإِن أبي فَأَخْبرنِي أَنَّ عَمْرًا وَخَالِدًا وَعُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ قَدِمُوا لهِلَال صفر سنة ثَمَان. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يَشْهَدُ لِسِيَاقِ إِسْلَامِهِ وَكَيْفِيَّةِ حُسْنِ صُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ مَاتَ وَهُوَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ ﵊، وَصِفَةُ مَوْتِهِ ﵁.

ﷺ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ مَاتَ وَهُوَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ ﵊، وَصِفَةُ مَوْتِهِ ﵁. طَرِيقُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِي مَا أَرَادَ مِنَ الْخَيْرِ قَذَفَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَحَضَرَنِي رُشْدِي، فَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَيْسَ فِي مَوَاطِن أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنَا أَرَى فِي نَفْسِي أَنِّي مَوضِع فِي غير شئ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ. فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجْتُ فِي خَيْلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ بَعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ أَمَامَنَا فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا - وَكَانَتْ فِيهِ خِيَرَةٌ - فَاطَّلَعَ عَلَى

مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الْهَمِّ بِهِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَوَقْعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ، فَاعْتَزَلَنَا، وَعَدَلَ عَنْ سَنَنِ (١) خَيْلِنَا وَأَخَذَ ذَاتَ الْيَمِينِ. فَلَمَّا صَالح قُريْشًا بِالْحُدَيْبِية ودافعته قُرَيْش بالرواح قلت فِي نَفسِي: أَي شئ بقى؟ أَيْن أذهب؟ إِلَى النَّجَاشِيِّ؟ فَقَدِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ آمِنُونَ، فَأَخْرُجُ إِلَى هِرَقْلَ فَأَخْرُجُ مِنْ دِينِي إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ؟ فَأُقِيمُ فِي عَجَمٍ (٢) ، فأقيم فِي دَاري بِمن بَقِيَ؟ فَأَنَا فِي ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ [فَتَغَيَّبْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، وَكَانَ أَخِي الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ (٣) ] فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي فَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ! وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ جَهِلَهُ أَحَدٌ؟ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْكَ وَقَالَ: أَيْنَ خَالِدٌ؟ فَقلت: يَأْتِي الله بِهِ، فَقَالَ: " مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ؟ وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَحده مَعَ الْمُسلمين كَانَ خيرا لَهُ، وَلَقَد مناه عَلَى غَيْرِهِ " فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فاتك [من] مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشِطْتُ لِلْخُرُوجِ وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَسَرَّنِي سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِّي، وَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ مُجْدِبَة فَخرجت فِي بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا.

هِ ﷺ عَنِّي، وَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ مُجْدِبَة فَخرجت فِي بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا. فَلَمَّا أَنْ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قُلْتُ: لَأَذْكُرَنَّهَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: مَخْرَجُكَ الذى هَدَاكَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَالضِّيقُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ. قَالَ: فَلَمَّا أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: مَنْ أُصَاحِبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا وَهْبٍ أما ترى

مَا نَحن فِيهِ؟ إِنَّمَا نَحن كأضراس، وَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ وَاتَّبَعْنَاهُ فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ لَنَا شَرَفٌ؟ فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرِي مَا اتَّبَعْتُهُ أَبَدًا. فَافْتَرَقْنَا وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ بِبَدْرٍ. فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ. قَلْتُ: فَاكْتُمْ عَلَيَّ. قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ. فَخَرَجْتُ لي مَنْزِلِي فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي فَخَرَجْتُ بِهَا، إِلَى أَنْ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لِي صَدِيقٌ، فَلَوْ ذَكَرْتُ لَهُ مَا أَرْجُو. ثُمَّ ذَكَرْتُ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُذَكِّرَهُ، ثُمَّ قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ وَأَنَا رَاحِلٌ مِنْ سَاعَتِي. فَذَكَرْتُ لَهُ مَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا نَحْنُ بِمَنْزِلَةِ ثَعْلَبٍ فِي جُحْرٍ لَوْ صُبَّ فِيهِ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ لَخَرَجَ، وَقُلْتُ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لصاحبي، فأسرع الاجابة، وَقلت لَهُ: إِنِّي غَدَوْتُ الْيَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْدُوَ، وَهَذِه رَاحِلَتي بفج مُنَاخَةٍ. قَالَ: فَاتَّعَدْتُ أَنَا وَهُوَ يَأْجَجَ، إِنْ سَبَقَنِي أَقَامَ وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقَمْتُ عَلَيْهِ.

َنْ أَغْدُوَ، وَهَذِه رَاحِلَتي بفج مُنَاخَةٍ. قَالَ: فَاتَّعَدْتُ أَنَا وَهُوَ يَأْجَجَ، إِنْ سَبَقَنِي أَقَامَ وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقَمْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَدْلَجْنَا سَحَرًا فَلَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأْجَجَ، فَغَدَوْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْهَدَةِ فَنَجِدُ عَمْرو بن الْعَاصِ بهَا، قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ. فَقُلْنَا: وَبِكَ. فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ فَقُلْنَا: وَمَا أَخْرَجَكَ؟ فَقَالَ: وَمَا أَخْرَجَكُمْ؟ قُلْنَا: الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ ﷺ. قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي. فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَنَخْنَا بِظَهْرِ الْحَرَّةِ رِكَابَنَا فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسُرَّ بِنَا، فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَقِيَنِي أَخِي: فَقَالَ أَسْرِعْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُخْبِرَ بِكَ فَسُرَّ بِقُدُومِكَ وَهُوَ ينتظركم.

فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَمَا زَالَ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: " تَعَالَ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْت أَلا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أوضع فِيهِ من صد عَن سَبِيل الله ". قَالَ خَالِدٌ: وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ وَعَمْرٌو فَبَايَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَكَانَ قدومنا فِي صفر سنة ثَمَان، قَالَ: وَالله مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَزَبَهُ. سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ إِلَى نَفَرٍ مِنْ هَوَازِنَ

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَزَبَهُ. سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ إِلَى نَفَرٍ مِنْ هَوَازِنَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى جَمْعٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ وَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَار حَتَّى جَاءَهُم وهم غَارونَ، وَقد أوعز إِلَى أَصْحَابه أَلا تمعنوا فِي الطَّلَبِ، فَأَصَابُوا نَعَمًا كَثِيرًا وَشَاءً فَاسْتَاقُوا ذَلِك حَتَّى إِذا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا كُلَّ رَجُلٍ وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبْيًا أَيْضا، وَأَن الامير اصْطفى عَنْهُم جَارِيَةً وَضِيئَةً ثُمَّ قَدِمَ أَهْلُوهُمْ مُسْلِمِينَ، فَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَمِيرَهُمْ فِي ردهن إِلَيْهِم، فَقَالَ: نعم فردوهن، وَخير الْجَارِيَة الَّتِي عِنْدَهُ فَاخْتَارَتِ الْمُقَامَ عِنْدَهُ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ

فَاخْتَارَتِ الْمُقَامَ عِنْدَهُ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ

ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَكَانَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ فَأَصَبْنَا إِبِلًا كَثِيرًا فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ونفلنا رَسُول لله (١) ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضا من حَدِيث اللَّيْث وَمن حَدِيث عبد اللَّهِ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَنَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَسَمَ بَيْننَا غنيمتنا، فَأصَاب كل رجل منا أثنا عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ، وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي أَعْطَانَا صَاحِبُنَا وَلَا عَابَ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ. سَرِيَّةُ كَعْب بن عُمَيْر إِلَى بني قضاعة مِنْ أَرْضِ الشَّامِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [عَنِ (٢) ] الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ

بني قضاعة مِنْ أَرْضِ الشَّامِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [عَنِ (٢) ] الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَعْبَ بْنَ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيَّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ مِنَ الشَّامِ، فَوَجَدُوا جَمْعًا مِنْ جَمْعِهِمْ كَثِيرًا، فَدَعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا، فَارْتثَّ (٣) مِنْهُمْ رَجُلٌ جَرِيحٌ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أَنْ بَرَدَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَحَامَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَهَمَّ بِالْبَعْثَةِ إِلَيْهِمْ فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ سَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.

غَزْوَة مُؤْتَة وَهِيَ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي نَحْوٍ من ثَلَاثَة آلَاف إِلَى أَرض البلقاء من أَطْرَاف (١) الشَّامِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ - وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ - وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْأُولَى بَعْثَهُ إِلَى الشَّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ. فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثَهُ إِلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: " إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَلَى النَّاسِ ". فَتَجَهَّزَ النَّاسُ ثمَّ تهيأوا لِلْخُرُوجِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ربيعَة بن عُثْمَان، عَن عَمْرو بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ النُّعْمَانُ بْنُ فُنْحُصٍ الْيَهُودِيُّ فَوَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " زيد بْنُ حَارِثَةَ أَمِيرُ النَّاسِ، فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمْ رَجُلًا فَلْيَجْعَلُوهُ عَلَيْهِمْ ". فَقَالَ النُّعْمَانُ: أَبَا الْقَاسِمِ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَلَوْ سَمَّيْتَ مَنْ سَمَّيْتَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أُصِيبُوا جَمِيعًا، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا سَمَّوُا الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْم فَقَالُوا: إِن أُصِيب فلَان

َثِيرًا أُصِيبُوا جَمِيعًا، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا سَمَّوُا الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْم فَقَالُوا: إِن أُصِيب فلَان

فَفُلَانٌ، فَلَوْ سَمَّوْا مِائَةً أُصِيبُوا جَمِيعًا. ثُمَّ جعل يَقُولُ لِزَيْدٍ: اعْهَدْ فَإِنَّكَ لَا تَرْجِعُ أَبَدًا، إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا. فَقَالَ زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنه نَبِي صَادِق بار ﷺ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.

      • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا وُدِّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ [مَعَ (١) ] مَنْ وُدِّعَ بَكَى، فَقَالُوا: مَا يبكيك يَابْنَ رَوَاحَةَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مقضيا " (٢) فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ؟ !. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً * وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا (٣) أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً * بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا (٤) حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي * أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَوْم تهيأوا لِلْخُرُوجِ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَدَّعَهُ ثُمَّ قَالَ: فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ * تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً * اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَر

مِنْ حَسَنٍ * تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً * اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَر

أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ * وَالْوَجْهَ مِنْهُ فقد أزرى بِهِ الْقدر قَالَ بن إِسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُشَيِّعُهُمْ، حَتَّى إِذَا وَدَّعَهُمْ وَانْصَرَفَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: خَلَفَ السَّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ * فِي النَّخْلِ خَيْرِ مُشَيِّعٍ وَخَلِيلِ * * * [وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدثنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ فَاسْتَعْمَلَ زَيْدًا، فَإِنَّ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنَّ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ، فَتَخَلَّفَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَجَمَّعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَآهُ فَقَالَ: " مَا خَلَّفَكَ؟ " فَقَالَ أُجَمِّعُ مَعَكَ. قَالَ: " لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (١) "] . وَقَالَ أَحْمد: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا الْحجَّاج، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (٢) ، قَالَ: فَقَدِمَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: أَتَخَلَّفُ فَأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَآهُ فَقَالَ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُو مَعَ أَصْحَابك؟ " فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ الْجُمُعَةَ ثُمَّ ألحقهم. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أدْركْت غدوتهم ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أبي مُعَاوِيَة، ثمَّ قَالَ: لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.

وَقَالَ شُعْبَة: لَمْ يَسْمَعِ الْحَكَمُ عَنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَحَادِيث - وعدها شُعْبَة - وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث مِنْهَا (١) . [قُلْتُ: وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ فِي رِوَايَتِهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢) ] وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ خُرُوجَ الْأُمَرَاءِ إِلَى مُؤْتَةَ كَانَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

      • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا مَعَانٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَالْقَيْنِ وَبَهْرَاءَ وَبَلِيٍّ مِائَةُ أَلْفٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ بَلِيٍّ، ثُمَّ أَحَدُ إِرَاشَةَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ زَافِلَةَ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ نَزَلَ بِمَآبَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ وَمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ. [وَقِيلَ: كَانَ الرّوم مِائَتي ألف وَمن أعداهم خَمْسُونَ أَلْفًا. وَأَقَلُّ مَا قِيلَ: إِنَّ الرُّومَ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَمِنَ الْعَرَبِ خَمْسُونَ أَلْفًا. حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ (٣) ] فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانٍ لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَقَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُّونَا، فَإِمَّا أَنْ يَمُدَّنَا بِالرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ. قَالَ: فَشَجَّعَ النَّاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَقَالَ: يَا قَوْمِ وَاللَّهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَد وَلَا قُوَّة وَلَا كَثْرَة،

َوْمِ وَاللَّهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَد وَلَا قُوَّة وَلَا كَثْرَة،

مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ. قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ. فَمَضَى النَّاسُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِك: جلبنا الْخَيل من أجأ وَفرع * تعر من الْحَشِيش إِلَى الْعُكُومُ (١) حَذَوْنَاهَا مِنَ الصَّوَّانِ سِبْتًا * أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ (٢) أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ * فَأُعْقِبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ (٣) فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوَّمَاتٌ * تَنَفَّسُ فِي مناخرها سموم (٤) فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا * وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ فَعَبَّأْنَا أَعِنَّتَهَا فَجَاءَتْ * عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ (٥) بِذِي لَجَبٍ كَأَنَّ الْبِيضَ فِيهِ * إِذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النُّجُومُ (٦) فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلَّقَتْهَا * أَسِنَّتُنَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ (٧) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ (٨) يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخرج بِي فِي سَفَره ذَلِك مرد فِي

َنَّهُ حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ (٨) يَتِيمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخرج بِي فِي سَفَره ذَلِك مرد فِي

على حقيبة رَحْله، فوَاللَّه إِنَّه ليسير ليلتئذ سمعته وَهُوَ ينشد أبياته هَذِه: إِذا أدنيتني وَحَمَلْتِ رَحْلِي * مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ (١) فَشَأْنُكِ أَنْعُمٌ وَخَلَاكِ ذَمٌّ * وَلَا أَرْجِعْ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي (٢) وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي * بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ (٣) وَرَدَّكَ كُلُّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ * إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعَ الْإِخَاءِ هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ * وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ (٤) قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهُنَّ مِنْهُ بَكَيْتُ، فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْك يالكع أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ وَتَرْجِعَ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ؟ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ: يَا زَيْدُ زَيْدَ الْيَعْمَلَاتِ الذُّبَّلِ * تَطَاوَلَ اللَّيْلُ هُدِيتَ فَانْزِلِ (٥) * * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ، ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ فَالتقى النَّاس عِنْدهَا، فتعبي لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَبَايَة بن مَالك.

وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنِي ربيعَة بن عُثْمَان، عَن الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ مُؤْتَةَ فَلَمَّا دنا منا الْمُشْركُونَ رَأينَا مَالا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ مِنَ الْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، فَبَرِقَ بَصَرِي، فَقَالَ لِي ثَابت بن أَرقم: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَأَنَّكَ تَرَى جُمُوعًا كَثِيرَةً؟ قلت: نعم. قَالَ: إِنَّك لم تشهد بَدْرًا مَعنا، إِنَّا لَمْ نُنْصَرْ بِالْكَثْرَةِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ إين إِسْحَاقَ: ثُمَّ الْتَقَى النَّاسُ فَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ، ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فقاتل الْقَوْم حَتَّى قتل، وَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ [رَجُلٍ مِنَ] (١) الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ ثُمَّ عَقَرَهَا ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قتل وَهُوَ يَقُول: ياحبذا الْجنَّة واقترابها * طيبَة وبارد شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا * [كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا] (٢) * عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا * وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ قَتْلَ الْحَيَوَانِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَغْنَامِ إِذَا لَمْ تَتْبَعْ فِي السَّيْرِ وَيُخْشَى من لُحُوق الْعَدو وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا أَنَّهَا تُذْبَحُ وَتُحَرَّقُ لِيُحَالَ (٣) بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

َّيْرِ وَيُخْشَى من لُحُوق الْعَدو وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا أَنَّهَا تُذْبَحُ وَتُحَرَّقُ لِيُحَالَ (٣) بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَمْ يُنكر على جَعْفَر أحد فَدلَّ على جَوَازه إِلَّا إِذا أَمن أَخذ الْعَدو لَهُ،

وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ عَبَثًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِق بِهِ من أهل الْعلم أَن جَعْفَر أَخَذَ اللِّوَاءِ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ، فَأَخَذَهُ بِشَمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهُ بِعَضُدَيْهِ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَثَابَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ، وَيُقَالُ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ ضَرَبَهُ يَوْمَئِذٍ ضَرْبَةً فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ.

      • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الرَّايَةَ ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجعل يسْتَنْزل نَفسه ويتردد بعض التَّرَدُّد وَيَقُول: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ * لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ إِن أجلب النَّاس وشدوا الرنه * مالى أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ! قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ * هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ وَقَالَ أَيْضًا: يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي * هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ * إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ يُرِيدُ صَاحِبَيْهِ زَيْدًا وَجَعْفَرًا، ثُمَّ نَزَلَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ مِنْ لَحَمَ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ. فَأَخذه من يَده فانتهش مِنْهُ نهشة.

ُ بِعَرْقٍ مِنْ لَحَمَ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ. فَأَخذه من يَده فانتهش مِنْهُ نهشة. ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ (١) فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ فَقَالَ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ﵁. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَة ثَابت ين أَقْرَمَ أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ. فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسلمين

اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، قَالُوا: أَنْتَ. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ وخاشى (١) بِهِمْ، ثُمَّ انْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ حَتَّى انْصَرَفَ بِالنَّاسِ.

      • قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي -: " أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا " قَالَ: ثُمَّ صَمَتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بعض مَا يكْرهُونَ. ثمَّ قَالَ: أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رُفِعُوا إِلَيَّ الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْتُ: عَمَّ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى. هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذَا مُنْقَطِعًا. وَقَدْ قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن وَاقد، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيهم خبر، فَقَالَ: أَخْذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ فِيهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " وَمَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عندنَا ".

لَيْهِمْ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ فِيهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " وَمَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عندنَا ".

وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن أبي بكر، حَدثنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ (١) ، وَلَيْسَ بِالْحِزَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى، وَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بضعا وَتِسْعين من ضَرْبَة وَرَمْيَةٍ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضا: حَدثنَا أَحْمد، حَدثنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو [عَنِ] ابْنِ أَبِي هِلَال [هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ اللَّيْثِيُّ (٢) ] قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شئ فِي دُبُرِهِ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ. وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا أَن ابْن عمر اطَّلَعَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ، وَغَيْرَهُ اطَّلَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ فِي قُبُلِهِ أُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَلَمَّا صُرِعَ إِلَى الْأَرْضِ ضَرَبُوهُ أَيْضًا ضَرَبَاتٍ فِي ظَهْرِهِ، فَعَدَّ ابْنُ عُمَرَ مَا كَانَ فِي قُبُلِهِ وَهُوَ من وُجُوهِ الْأَعْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ ﵁.

لْأَرْضِ ضَرَبُوهُ أَيْضًا ضَرَبَاتٍ فِي ظَهْرِهِ، فَعَدَّ ابْنُ عُمَرَ مَا كَانَ فِي قُبُلِهِ وَهُوَ من وُجُوهِ الْأَعْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ ﵁. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ قَطْعِ يَمِينِهِ وَهِيَ مُمْسِكَةٌ اللِّوَاءَ ثُمَّ شِمَاله، مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر، حَدثنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذا حيى ابْن جَعْفَر قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَابْنَ ذِي الجناحين.

وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي الْمَنَاقِبِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يزِيد بن هرون، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد. وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَقُولُ: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ، سَمِعْتُ خَالِد ابْن الْوَلِيدِ يَقُولُ: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ يَمَانِية انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ.


وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو مطر، حَدثنَا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب الجُمَحِي، حَدثنَا (١) سُلَيْمَان بن حَرْب، حَدثنَا الاسود ابْن شَيْبَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَتِ الانصار تفقهه، فغشيه النَّاس فَغَشِيتهُ فِيمَن غَشِيَهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.

حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. فَإِنْ (٢) أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ الله ابْن رَوَاحَةَ، قَالَ: فَوَثَبَ جَعْفَرٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا كنت أَرغب أَنْ تَسْتَعْمِلَ زَيْدًا (٣) عَلَيَّ. قَالَ: امْضِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ. فَانْطَلَقُوا فَلَبِثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَأمر فَنُوديَ:

الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، شَهِدَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ (١) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ إِنَّهُ سيف من سيوفك أَنْت (٢) تَنْصُرُهُ " فَمِنْ يَوْمَئِذٍ سُمِّيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ بِهِ نَحْوَهُ، وَفِيه زِيَادَة حَسَنَة وَهُوَ أَنه ﵇ لما اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس قَالَ: بَاب خير بَاب خير. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عِمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ بِمُؤْتَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكَشَفَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مُعْتَرَكِهِمْ، فَقَالَ: أَخذ الرَّايَة زيد ابْن حَارِثَة فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: الْآنَ حِينَ اسْتَحْكَمَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ تُحَبِّبُ إِلَيَّ الدُّنْيَا! فَمَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ، فقد دخل الْجنَّة وَهُوَ شَهِيد.

ِلَيَّ الدُّنْيَا! فَمَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ، فقد دخل الْجنَّة وَهُوَ شَهِيد. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ وَمَنَّاهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ: الْآنَ حِينَ استحكم الايمان فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ يمنيني الدُّنْيَا! ثُمَّ مَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ

وَسلم. وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَاسْتُشْهِدَ: ثُمَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مُعْتَرَضًا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْصَارِ، فَقِيلَ: يَا رَسُول الله مَا اعتراضه؟ قَالَ: لَمَّا أَصَابَتْهُ الْجِرَاحُ نَكَلَ، فَعَاتَبَ نَفْسَهُ فتشجع وَاسْتشْهدَ وَدخل الْجَنَّةَ. فَسُرِّيَ عَنْ قَوْمِهِ.

      • قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَخَذَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّايَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَوَاحَة مسَاء بَات خَالِد ابْن الْوَلِيدِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا وَقَدْ جَعَلَ مُقَدِّمَتَهُ ساقة وساقته مُقَدّمَة وميمنته ميسرَة وميسرته ميمنة. قَالَ: فَأَنْكَرُوا مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ رَايَاتِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَرُعِبُوا وَانْكَشَفُوا مُنْهَزِمِينَ، قَالَ: فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْهَا قَوْمٌ.

تِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَرُعِبُوا وَانْكَشَفُوا مُنْهَزِمِينَ، قَالَ: فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْهَا قَوْمٌ. وَهَذَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ﵀ فِي مَغَازِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ، بَعْدَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ: ثُمَّ صَدَرَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَكَثَ بِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى مُؤْتَةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُهُمْ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَمِيرُهُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا لَقُوا ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ الْغَسَّانِيَّ بِمُؤْتَةَ وَبِهَا جُمُوعٌ (٢) مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَالرُّومِ، بِهَا تَنُوخُ وَبَهْرَاءُ، فَأَغْلَقَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ الْحِصْنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثمَّ الْتَقَوْا (٣) على

زرع (١) أَحْمَرَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهُ جَعْفَرٌ فَقُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقُتِلَ، ثُمَّ اصْطَلَحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جمادي الاولى - يَعْنِي من سَنَةَ ثَمَانٍ -. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَرَّ عَلَيَّ جَعْفَرٌ فِي الْمَلَائِكَةِ يَطِيرُ كَمَا يَطِيرُونَ وَلَهُ جَنَاحَانِ. قَالَ: وَزَعَمُوا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَبَرِ أَهْلِ مُؤْتَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْنِي وَإِنْ شِئْت أخْبرك. قَالَ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُمْ كُلَّهُ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا تَرَكْتَ مِنْ حَدِيثِهِمْ حَرْفًا لَمْ تَذْكُرْهُ، وَإِنَّ أَمْرَهُمْ لَكَمَا ذَكَرْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ لِيَ الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مُعْتَرَكَهُمْ ". فَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ فَوَائِدٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ خَالِدًا إِنَّمَا حَاشَى بِالْقَوْمِ حَتَّى تَخَلَّصُوا مِنَ الرُّومِ وَعَرَبِ النَّصَارَى فَقَطْ. وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَالْوَاقِدِيُّ مُصَرِّحَانِ بِأَنَّهُمْ هَزَمُوا جُمُوعَ (٢) الرُّومِ وَالْعَرَبِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ".

وَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ وَمَالَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ، لِمَا ذَكرْنَاهُ من الحَدِيث.

[قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَبَيْنِ قَوْلِ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَنَّ خَالِدًا لَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ حَاشَى بِالْقَوْمِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى خَلَّصَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْكَافِرِينَ مِنَ الرُّومِ وَالْمُسْتَعْرِبَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ وَحَوَّلَ الْجَيْشَ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَمُقَدِّمَةً وَسَاقَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ تَوَهَّمَ الرُّومُ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ مَدَدٍ جَاءَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا حَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ هَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ] (١) .

      • وَقد قَالَ (٢) ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَصْحَابُ مُؤْتَةَ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ [قَالَ: وَلَقِيَهُمُ الصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَ: خُذُوا الصِّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ. فَأُتِي بِعَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ فَحَمله بَين يَدَيْهِ (٣) ] فَجعلُوا يحثون عَلَيْهِم التُّرَابِ وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله عزوجل) . وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ غَرَابَةٌ.

سُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله عزوجل) . وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ غَرَابَةٌ. [وَعِنْدِي أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ قَدْ وَهِمَ فِي هَذَا السِّيَاق فَظن أَن هَذَا الْجُمْهُور الْجَيْش، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذين فَرُّوا حِينَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَأَمَّا بَقِيَّتُهُمْ فَلَمْ يَفِرُّوا بَلْ نُصِرُوا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا كَانَ الْمُسلمُونَ ليسمونهم فِرَارًا بعد ذَلِك، وَإِنَّمَا تلقوهم إِكْرَاما وَإِعْظَامًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْنِيبُ وَحَثْيُ التُّرَابِ لِلَّذِينِ فَرُّوا وَتَرَكُوهُمْ هُنَالِكَ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄] (٤) . [وَقَدْ (٥) ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا زُهَيْر، حَدثنَا يزِيد بن أبي زِيَاد،

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَقُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ؟ ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَة قتلنَا، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ وَإِلَّا ذَهَبْنَا. فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاة، فَخرج فَقَالَ: من الْقَوْم؟ قَالَ: قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ (١) . فَقَالَ: " لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ (٢) أَنَا فِئَتُكُمْ وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ ". قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ غُنْدُرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَفَرَرْنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَرْكَبَ الْبَحْرَ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ: لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ. وَرَوَاهُ [أَبُو دَاوُد (٣) و] التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ (٤) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى وَأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَمَّا لَقِينَا الْعَدُوَّ انْهَزَمْنَا فِي أَوَّلِ غَادِيَةٍ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ لَيْلًا، فَاخْتَفَيْنَا ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ خَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَذَرْنَا إِلَيْهِ. فخرجنا إِلَيْهِ فَلَمَّا لَقِينَاهُ (٥) قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

َرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَذَرْنَا إِلَيْهِ. فخرجنا إِلَيْهِ فَلَمَّا لَقِينَاهُ (٥) قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ " قَالَ الاسود: " وَأَنا فِئَة كل مُسلم (٦) ". قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَامر بن

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بن الْمُغيرَة: مَالِي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَتْ: مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ، كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النَّاسُ: يَا فُرَّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ مَا يَخْرُجُ وَكَانَ فِي غَزَاةِ مُؤْتَةَ. قُلْتُ: لَعَلَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ فَرُّوا لَمَّا عَايَنُوا كَثْرَةَ جُمُوعِ [الرّوم، وَكَانُوا على أَكثر من أَضْعَاف الاضعاف فَإِنَّهُم كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَكَانَ (١) ] الْعَدُوُّ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَمِثْلُ هَذَا يُسَوِّغُ الْفِرَارَ عَلَى مَا قَدْ تَقَرَّرَ، فَلَمَّا فَرَّ هَؤُلَاءِ ثَبَتَ بَاقِيهُمْ وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَتَخَلَّصُوا مِنْ أَيْدِي أُولَئِكَ وَقَتَّلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مِنْ قَبْلِهِ.

مْ وَتَخَلَّصُوا مِنْ أَيْدِي أُولَئِكَ وَقَتَّلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مِنْ قَبْلِهِ. و [مِمَّا (٢) ] يُؤَيّد ذَلِك أَيْضا ويزيده قُوَّة وَيشْهد لَهُ (٣) بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَة من الْمُسلمين فِي غَزْوَة مُؤْتَة، ووافقني مَدَدِيٌّ (٤) مِنَ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَزُورًا فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ طابقة مِنْ جِلْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ (٥) فَخَرَّ وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فتح الله للْمُسلمين بعث

إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد فَأخذ من السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتَهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. فَقُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَا خَالِدُ رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ " قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: دُونَكَ يَا خَالِدُ أَلَمْ أَفِ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا ذَاكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " يَا خَالِد لَا ترد عَلَيْهِ، هَل أَنْتُم تاركوا أُمَرَائِي؟ لَكُمْ صِفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ ". قَالَ الْوَلِيدُ: سَأَلْتُ ثَوْرًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي عَن خَالِد بن معدان، عَن جُبَير ابْن نُفَيْرٍ، عَنْ عَوْفٍ بِنَحْوِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ بِهِ نَحْوَهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَلَبُوا مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْ أُمَرَائِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ خَالِدًا ﵁ قَالَ: انْدَقَّتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَمَا ثَبَتَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَثْخَنُوا فِيهِمْ قَتْلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا قَدَرُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ. وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَالْوَاقِدِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

تَقِلٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَالْوَاقِدِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي فِرَارِهِمْ وَانْحِيَازِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ انْهَزَمُوا. قَالَ: وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدٌ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ " يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ قُطْبَةَ بْنَ قَتَادَةَ الْعُذْرِيَّ - وَكَانَ رَأْسَ مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ - حَمَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ زَافِلَةَ قَالَ ابْنُ هِشَام (١) : وَيُقَال رافلة. وَهُوَ أَمِيرُ أَعْرَابِ النَّصَارَى فَقَتَلَهُ، وَقَالَ يَفْتَخِرُ بذلك: طعنت ابْن زافلة بْنِ الْإِرَاشِ * بِرُمْحٍ مَضَى فِيهِ ثُمَّ انْحَطَمْ ضَرَبْتُ عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً * فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السَّلَمْ وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمِّهِ * غَدَاةَ رَقُوقَيْنِ سَوْقَ النَّعَمْ (٢) وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ أَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا قُتِلَ أَنْ يَفِرَّ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ صَرَّحَ فِي شِعْرِهِ بِأَنَّهُمْ سَبَوْا مِنْ نِسَائِهِمْ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

      • وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمُخَاشَاةُ وَالتَّخَلُّصُ مِنْ أَيْدِي الرُّومِ، وَسَمَّى هَذَا نَصْرًا وَفَتْحًا، أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ إِحَاطَةِ الْعَدُوِّ بِهِمْ وَتَرَاكُمِهِمْ وَتَكَاثُرِهِمْ وتكاثفهم عَلَيْهِم، وَكَانَ مُقْتَضَى الْعَادَةِ (٣) أَنْ يُصْطَلَمُوا (٤) بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمَّا تَخَلَّصُوا مِنْهُمْ وَانْحَازُوا عَنْهُمْ كَانَ هَذَا غَايَةَ الْمُرَامِ فِي هَذَا الْمُقَامِ.

ِ (٣) أَنْ يُصْطَلَمُوا (٤) بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمَّا تَخَلَّصُوا مِنْهُمْ وَانْحَازُوا عَنْهُمْ كَانَ هَذَا غَايَةَ الْمُرَامِ فِي هَذَا الْمُقَامِ. وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنَّهُ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: " فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ". وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَقَدْ قَالَ فِيمَا كَانَ أَمْرِ النَّاسِ وَأَمْرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمُخَاشَاتِهِ بِالنَّاسِ وَانْصِرَافِهِ بِهِمْ قَيْسُ بْنُ الْمُحَسَّرِ الْيَعْمُرِيُّ يعْتَذر مِمَّا صنع يَوْمئِذٍ وصنع النَّاس يَقُول: فَوَاللَّهِ لَا تَنْفَكُّ نَفْسِي تَلُومُنِي * عَلَى مَوْقِفِي وَالْخَيْل قابعة قبل (٥)

وقفت بهَا لَا مستحيزا فَنَافِذًا * وَلَا مَانِعًا مَنْ كَانَ حُمَّ لَهُ الْقَتْلُ (١) عَلَى أَنَّنِي آسَيْتُ نَفْسِي بِخَالِدٍ * أَلَا خَالِدٌ فِي الْقَوْمِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ وَجَاشَتْ إِلَيَّ النَّفْسُ مِنْ نَحْوِ جَعْفَرٍ * بِمُؤْتَةَ إِذْ لَا يَنْفَعُ النَّابِلَ النَّبْلُ وَضَمَّ إِلَيْنَا حُجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا * مُهَاجِرَةٌ لَا مُشْرِكُونَ وَلَا عُزْلُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَيَّنَ قَيْسٌ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِي شِعْرِهِ، أَنَّ الْقَوْمَ حَاجَزُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ، وَحَقَّقَ انْحِيَازَ خَالِدٍ بِمَنْ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَالَ - فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ - أَمَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ ابْن الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة (٢) . فصل قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أُمِّ عِيسَى الْخُزَاعِيَّةِ، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقد دَبَغْتُ أَرْبَعِينَ مَنًّا (٣) وَعَجَنْتُ عَجِينِي وَغَسَّلْتُ بَنِيَّ ودهنتهم ونظفتهم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ائْتِنِي بِبَنِي جَعْفَرٍ " فَأَتَيْتُهُ بِهِمْ فَشَمَّهُمْ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! مَا يُبْكِيكَ؟ أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شئ؟ قَالَ: " نَعَمْ أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ " قَالَتْ: فَقُمْتُ أَصِيحُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: " لَا تَغْفُلُوا عَنْ آلِ جَعْفَرٍ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ ".

Bagian 52 dari 85