— Bagian 9 · ا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِ… —
Bagian 9
ا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لِكَائِنٌ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ، أَلَا أُخْبِرُكُمَا خَبَرَهُ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ فَمَا حَمَلْتُ حَمْلَا قَطُّ أَخَفَّ مِنْهُ (١) ، فَأُرِيتُ فِي النَّوْمِ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وُقُوعًا مَا يَقَعُهُ الْمَوْلُودُ، مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَدَعَاهُ عَنْكُمَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدَّثَنى معَاذ بن مُحَمَّد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَتْ حَلِيمَةُ تَطْلُبُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَجَدَتِ الْبَهْمَ تَقِيلُ، فَوَجَدَتْهُ مَعَ أُخْتِهِ فَقَالَتْ: فِي هَذَا الْحَرِّ؟ فَقَالَتْ أُخْتُهُ: يَا أُمَّهْ مَا وَجَدَ أَخِي حَرًّا، رَأَيْتُ غَمَامَةً تَظَلُّ عَلَيْهِ، إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ، وَإِذَا سَارَ سَارَتْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ. قَالَ: " نعم أَنا دَعْوَة أَبى إِبْرَاهِيم
وَبُشْرَى عِيسَى ﵉، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا فِي بَهْمٍ لَنَا أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ مَعَهُمَا طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ ثَلْجًا، فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَأَلْقَيَاهَا، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ، حَتَّى إِذَا أَنْقَيَاهُ رَدَّاهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ. زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ. ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ فوزنتهم، فَقَالَ: دَعه عَنْك، فو وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهُمْ ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الصُّبْحٍ، وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً جِدًّا، وَلَكِنَّ عُمَرَ بْنَ صُبْحٍ هَذَا مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ. فَلِهَذَا لَمْ نَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ إِذْ لَا يُفْرَحُ بِهِ.
ِدًّا، وَلَكِنَّ عُمَرَ بْنَ صُبْحٍ هَذَا مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ. فَلِهَذَا لَمْ نَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ إِذْ لَا يُفْرَحُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن عَمْرو السلمى، عَن عتبَة بن عبد الله، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا، فَقُلْتُ: يَا أَخِي اذْهَبْ فَائْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا. فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ، فَقَالَ أَحدهمَا لصحابه: أَهْوَ هُوَ؟ فَقَالَ نَعَمْ! فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي، فَأَخَذَانِي فبطحاني للقفا فشفا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلْقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:
ِي فبطحاني للقفا فشفا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلْقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:
ائْتِنِي بِمَاءٍ ثَلْجٍ. فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي. ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءٍ بَرَدٍ. فَغَسَلَا بِهِ قَلْبِي. ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ فَذَرَّهَا فِي قَلْبِي. ثمَّ قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: خطه. فخاطه وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِي بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ. فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيِّ بَعْضُهُمْ. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ. ثُمَّ انْطَلَقَا فَتَرَكَانِي وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ، فَأَشْفَقت أَن يكون قد لبس بِي، فَقَالَتْ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ. فَرَحَّلَتْ بَعِيرًا لَهَا وَحَمَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ. وَرَكِبَتْ خَلَفِي، حَتَّى بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي، فَقَالَتْ: أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي. وَحَدَّثَتْهَا بِالَّذِي لَقِيتْ، فَلَمْ يَرُعْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ.
ْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ، أَخْبرنِي عُمَيْر بن عُمَرُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حِينَ عَلِمْتَ ذَلِكَ وَاسْتَيْقَنْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُوَ. قَالَ زنه بِرَجُل. فوزننى بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ " وَذَكَرَ تَمَامَهُ، وَذَكَرَ شَقَّ صَدْرِهُ وَخِيَاطَتَهُ وَجَعْلَ الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ: " فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَّيَا عَنِّي فَكَأَنَّمَا أُعَايِنُ الامر مُعَاينَة ". ثمَّ أوردهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بِأَبْسَطَ من ذَلِك.
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فاستخرج الْقلب واستخرج مِنْهُ علقَة سَوْدَاء، فَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهَ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عبد ربه ابْن سَعِيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ فَشَقَّا بَطْنَهُ فَأَخْرَجَا حَشْوَتَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فَغَسَلَاهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لبسا جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْمًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ لَيَالٍ: قَالَ خُذُوا خَيْرَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ، فَأَخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعُمِدَ بِهِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشُقَّ جَوْفُهُ ثُمَّ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَغُسِلَ جَوْفُهُ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا. وَثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.
وْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَغُسِلَ جَوْفُهُ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا. وَثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَقَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي قِصَّةُ شَرْحِ الصَّدْرِ لَيْلَتَئِذٍ وَأَنَّهُ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ. وَلَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً وَهُوَ صَغِيرٌ، وَمَرَّةً لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِيَتَأَهَّبَ لِلْوُفُودِ إِلَى الملا الاعلى ولمناجاة الرب عزوجل وَالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵎.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: " أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بكر ". وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَن؟ لمية لَمَّا أَرْجَعَتْهُ إِلَى أُمِّهِ بَعْدَ فِطَامِهِ مَرَّتْ بِهِ عَلَى رَكْبٍ مِنَ النَّصَارَى فَقَامُوا إِلَيْهِ ﵊ فَقَلَّبُوهُ وَقَالُوا إِنَّا سَنَذْهَبُ بِهَذَا الْغُلَامِ إِلَى مَلِكِنَا فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ. فَلَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ. وَذَكَرَ أَنَّهَا لَمَّا رَدَّتْهُ حِينَ تَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ عَارِضٌ، فَلَمَّا قَرُبَتْ مِنْ مَكَّةَ افْتَقَدَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَجَاءَتْ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَخَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيَا بِهِ جَدَّهُ، فَأَخَذَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَذَهَبَ فَطَافَ بِهِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى أُمِّهِ آمِنَةَ.
ِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيَا بِهِ جَدَّهُ، فَأَخَذَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَذَهَبَ فَطَافَ بِهِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى أُمِّهِ آمِنَةَ. وَذَكَرَ الْأُمَوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قِصَّةَ مَوْلِدِهِ ﵊ وَرَضَاعِهِ مِنْ حَلِيمَةَ عَلَى غَيْرِ سِيَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَطُوفَ بِهِ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَب ليتَّخذ لَهُ مُرْضِعَةً، فَطَافَ حَتَّى اسْتَأْجَرَ حَلِيمَةَ عَلَى رَضَاعِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهَا سِتَّ سِنِينَ تُزِيرُهُ جَدَّهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ رَدَّتْهُ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامَ عِنْدَ أُمِّهِ حَتَّى كَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِي سِنِينَ مَاتَتْ، فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمَاتَ وَلَهُ ﵊ عَشْرُ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمَّاهُ شَقِيقَا أَبِيهِ الزُّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا كَانَ لَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ الزُّبَيْرِ إِلَى الْيَمَنِ. فَذَكَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِنْهُ آيَاتٍ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ، مِنْهَا أَنَّ فَحْلًا مِنَ الْإِبِلِ كَانَ قَدْ قَطَعَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فِي وَادٍ مَمَرُّهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرَكَ حَتَّى حَكَّ بِكَلْكَلِهِ الْأَرْضَ، فَرَكِبَهُ ﵊، وَمِنْهَا أَنَّهُ خَاضَ بِهِمْ سَيْلًا عرما فَأَيْبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى جَاوَزُوهُ، ثُمَّ مَاتَ عَمُّهُ الزُّبَيْرُ وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَانْفَرَدَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بَرَكَتَهُ ﵊ حَلَّتْ على حليمة السعدية وَأَهْلهَا وَهُوَ صَغِير،؟ م عَادَتْ عَلَى هَوَازِنَ بِكَمَالِهِمْ فَوَاضِلُهُ حِينَ أَسَرَهُمْ بَعْدَ وَقْعَتِهِمْ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِشَهْرٍ. فَمَتُّوا إِلَيْهِ بِرَضَاعِهِ فَأَعْتَقَهُمْ وَتَحَنَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي مُفُصَّلًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي وَقْعَةِ هَوَازِنَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله إِنَّا أهل وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَا فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، فَلَوْ أَنَّا مَلَحْنَا (١) ابْنَ أَبِي شَمِرٍ، أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ أَصَابَنَا مِنْهُمَا مِثْلَ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَائِدَتَهُمَا وَعَطْفَهُمَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ.
بْنَ الْمُنْذِرِ ثُمَّ أَصَابَنَا مِنْهُمَا مِثْلَ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَائِدَتَهُمَا وَعَطْفَهُمَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ. ثُمَّ أَنْشَدَ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ * فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ * مُمَزَّقٍ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ * عَلَى قُلُوبِهُمُ الْغَمَّاءُ وَالْغُمَرُ إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا * يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * إِذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ * وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ * وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ وَقَدْ رُوِيَتُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رُمَاحِسٍ الْكَلْبِيِّ الرَّمْلِيّ
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ وَقَدْ رُوِيَتُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رُمَاحِسٍ الْكَلْبِيِّ الرَّمْلِيّ
عَنْ زِيَادِ بْنِ طَارِقٍ الْجُشَمِيِّ، عَنْ أَبِي صُرَدٍ زُهَيْرِ بْنِ جَرْوَلٍ، وَكَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، قَالَ لَمَّا أَسَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَبَيْنَا هُوَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَثَبَتَ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَسْمَعْتُهُ شِعْرًا، أَذْكُرُهُ حِينَ شَبَّ وَنَشَأَ فِي هَوَازِنَ حَيْثُ أَرْضَعُوهُ: امْنُنْ عَلَيْنِا رَسُولَ اللَّهِ فِي دَعَةٍ * فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ * مُمَزَّقٍ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ أَبْقَتْ لَنَا الْحَرْبُ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ * عَلَى قُلُوبِهُمُ الْغَمَّاءُ وَالْغُمَرُ إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا * يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدِّرَرُ إِذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا * وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ * وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ * وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ * مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهَرُ إِنَّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنْكَ تُلْبِسُهُ * هَذِي الْبَرِيَّةَ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ فَاغْفِرْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ * يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدَى لَكَ الظَّفَرُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لِلَّهِ وَلَكُمْ " فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لِلَّهِ وَلَكُمْ " فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ ﵊ أَطْلَقَ لَهُمُ الذُّرِّيَّةَ، وَكَانَتْ سِتَّةَ آلَافٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَاِمْرَأَةٍ، وَأَعْطَاهُمْ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا. حَتَّى قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسَ: فَكَانَ قِيمَةَ مَا أَطْلَقَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَرَكَتِهِ الْعَاجِلَةِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ بِبَرَكَتِهِ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؟ !
فَصْلٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ ذِكْرِ رُجُوعِهِ ﵊ إِلَى أُمِّهِ آمِنَةَ بَعْدَ رَضَاعَةِ حَلِيمَةَ لَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي كَلَاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَن أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةَ تُوُفِّيَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ تُزِيرُهُ إِيَّاهُمْ، فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إِلَى مَكَّةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى الْمَدِينَة وَمَعَهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ، فَزَارَتْ أَخْوَالَهُ. قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: فَجَاءَنِي ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلَانِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَا لِي: أَخْرِجِي إِلَيْنَا أَحْمَدَ نَنْظُرُ إِلَيْهِ فَنَظَرا إِلَيْهِ وَقَلَّبَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، وَسَيَكُونُ بِهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّهُ خَافَتْ وَانْصَرَفَتْ بِهِ، فَمَاتَتْ بالابواء وهى رَاجِعَة. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
بِرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَدَّانَ قَالَ " مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ " فَانْطَلَقَ ثُمَّ جَاءَنَا وَهُوَ ثقيل، فَقَالَ: " إِنِّي أَتَيْتُ قَبْرَ أُمِّ مُحَمَّدٍ فَسَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ - يَعْنِي لَهَا - فَمَنَعَنِيهَا، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزورها، وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا مَا بَدَا لَكُمْ ". وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَن عَلْقَمَة بن يزِيد، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: انْتَهَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى رسم قبر فَجَلَسَ وَجلسَ النَّاس حوله فَجَعَلَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ كَالْمُخَاطِبِ، ثُمَّ بَكَى. فَاسْتَقْبَلَهُ عمر فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " هَذَا قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَأَبَى عَلَيَّ، وَأَدْرَكَتْنِي رِقَّتُهَا فَبَكَيْت ". قَالَ: فَمَا رؤيت سَاعَةً أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. تَابَعَهُ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ.
تُهَا فَبَكَيْت ". قَالَ: فَمَا رؤيت سَاعَةً أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. تَابَعَهُ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا، ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا - فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَاكِيًا، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ لَقَدْ أَبْكَانَا وأفزعنا.
فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: " أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي "؟ قُلْنَا نَعَمْ! قَالَ: " إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي قَبْرَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِيهِ، وَنَزَلَ عَلَيَّ (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١)) فأخذني مَا يأخذني الْوَلَدُ لِلْوَالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي ". غَرِيبٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ،
نِي ". غَرِيبٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ ثُمَّ قَالَ: " اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ ". وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبى؟ قَالَ: " فِي النَّار " فَلَمَّا قفا دَعَاهُ فَقَالَ: " إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ ". وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: " فِي النَّارِ ". قَالَ: فَكَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ وَجَدَ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَيْن أَبُوكَ؟ قَالَ: " حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بالنَّار ".
قَالَ: فَأسلم الاعرابي بعد ذَلِك. فَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ! غَرِيبٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ - حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ الْمَعَافِرَيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بصر بإمرأة لَا يظنّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟ " فَقَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْت فَتَرَحَّمت إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ. قَالَ: " لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى " قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ. قَالَ: " لَوْ بَلَغْتِيهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ. ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ربيعَة بن سيف بن مَانع المعافرى الصنمى الاسكندرى، وَقد قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَهُ مَنَاكِيرٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ مَرَّةً: صَدُوقٌ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفٌ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ: كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: صَالِحٌ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ: فِي حَدِيثِهِ مَنَاكِيرٌ. تُوُفِّيَ قَرِيبًا مِنْ سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَالْمُرَادُ بِالْكُدَى: الْقُبُورُ. وَقِيلَ: النَّوْحُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَاتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ خِلَافًا لِفِرْقَةِ الشِّيعَةِ فِيهِ وَفِي ابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ.
أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَاتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ خِلَافًا لِفِرْقَةِ الشِّيعَةِ فِيهِ وَفِي ابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ. عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ - بَعْدَ رِوَايَتِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي كِتَابِهِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ": وَكَيف
لَا يَكُونُ أَبَوَاهُ وَجَدُّهُ ﵊ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْوَثَنَ، حَتَّى مَاتُوا وَلَمْ يَدِينُوا دِينَ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇، وَكُفْرُهُمْ لَا يَقْدَحُ فِي نَسَبِهِ ﵊، لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ. أَلَا تَرَاهُمْ يُسْلِمُونَ مَعَ زَوْجَاتِهِمْ فَلَا يَلْزَمُهُمْ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ وَلَا مُفَارَقَتُهُنَّ، إِذَا كَانَ مِثْلُهُ يَجُوزُ فِي الْإِسْلَامِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قُلْتُ: وَإِخْبَارُهُ ﷺ عَنْ أَبَوَيْهِ وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَنْهُ مَنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْأَطْفَالَ وَالْمَجَانِينَ وَالصُّمَّ يُمْتَحَنُونَ فِي الْعَرَصَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا بَسَطْنَاهُ سَنَدًا وَمَتْنًا [فِي تَفْسِيرِنَا] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فَيَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ يُجِيبُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُجِيبُ. فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ لَا يُجِيبُ فَلَا مُنَافَاةَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَذَكَرَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولَينِ إِلَى ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ أَبَوَيْهِ، فَأَحْيَاهُمَا وَآمَنَا بِهِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا بِالنَّظَرِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ يُعَارِضُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
رٌ جِدًّا. وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا بِالنَّظَرِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ يُعَارِضُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ - فَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهِ، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلَالًا لَهُ.
قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ: دَعُوا ابْنِي فو الله إِنَّ لَهُ لَشَأْنًا. ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَحَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسْلَمِيُّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ. وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ. وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحُيْمٍ، عَنْ نَافِع، عَن ابْن جُبَيْرٍ - دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ - قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ قَبَضَهُ إِلَيْهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَضَمَّهُ وَرَقَّ عَلَيْهِ رِقَّةً لَمْ يَرِقَّهَا عَلَى وَلَدِهِ، وَكَانَ يقر بِهِ مِنْهُ وَيُدْنِيهِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ إِذَا خَلَا وَإِذَا نَامَ. وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ: دَعُوا ابْنِي إِنَّهُ يؤسس مُلْكًا. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: احْتَفِظْ بِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ قَدَمًا أشبه بالقدم الذى فِي الْمقَام مِنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَبِي طَالِبٍ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ! فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْتَفِظُ بِهِ.
ه بالقدم الذى فِي الْمقَام مِنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَبِي طَالِبٍ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ! فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْتَفِظُ بِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأُمِّ أَيْمَنَ - وَكَانَتْ تَحْضُنُهُ -: يَا بَرَكَةُ لَا تَغْفُلِي عَنِ ابْنِي، فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَعَ غلْمَان قريب مِنَ السِّدْرَةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ابْنِي نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا يَقُولُ: عَلَيَّ بِابْنِي. فَيُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَبَا طَالِبٍ بِحِفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِيَاطَتِهِ.
ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَدُفِنُ بِالْحَجُونِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَان سِنِينَ هَلَكَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. ثُمَّ ذَكَرَ جَمْعَهُ بَنَاتِهِ وَأَمْرَهُ إِيَّاهُنَّ أَنْ يَرْثِينَهُ. وَهُنَّ: أَرْوَى، وَأُمَيْمَةُ، وَبَرَّةُ، وَصَفِيَّةُ، وَعَاتِكَةُ، وَأُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ. وَذَكَرَ أَشْعَارَهُنَّ وَمَا قُلْنَ فِي رِثَاءِ أَبِيهِنَّ وَهُوَ يَسْمَعُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ النَّوْحِ. وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشِّعْرَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ السِّقَايَةَ وَزَمْزَمَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَهُوَ مِنْ أَحْدَثِ إِخْوَتِهِ سِنًّا. فَلَمْ تَزَلْ إِلَيْهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ لِوَصِيَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
ُطَّلِبِ لَهُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ: فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَحَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ - دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ - قَالُوا: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَبَضَ أَبُو طَالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَكُونُ مَعَه. وَكَانَ أَبُو طَالب لَا مَال وَكَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا لَا يُحِبُّهُ وَلَدَهُ، وَكَانَ لَا يَنَامُ إِلَّا إِلَى جَنْبِهِ، وَيَخْرُجُ فَيَخْرُجُ مَعَهُ. وَصَبَّ بِهِ أَبُو طَالِبٍ صَبَابَةً لم يصب مثلهَا بشئ قَطُّ. وَكَانَ يَخُصُّهُ بِالطَّعَامِ، وَكَانَ إِذَا أَكَلَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ جَمِيعًا أَوْ فُرَادَى لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَبِعُوا. فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ قَالَ كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى يَأْتِيَ ولدى. فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ فَكَانُوا يُفْضِلُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ لَمْ يَشْبَعُوا فَيَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّكَ لَمُبَارَكٌ. وَكَانَ الصِّبْيَانُ يُصْبِحُونَ رُمْصًا شُعْثًا وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَهِينًا كَحِيلًا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرو، سَمِعت عَطاء ابْن أَبِي رَبَاحٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ بَنو أَبى طَالب يُصْبِحُونَ رمصا عمصا وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَقِيلًا دَهِينًا.
َطاء ابْن أَبِي رَبَاحٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ بَنو أَبى طَالب يُصْبِحُونَ رمصا عمصا وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَقِيلًا دَهِينًا. وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُقَرِّبُ إِلَى الصِّبْيَانِ صَفْحَتَهُمْ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ، فَيَجْلِسُونَ وَيَنْتَهِبُونَ، وَيَكُفُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَلَا يَنْتَهِبُ مَعَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمُّهُ عَزَلَ لَهُ طَعَامَهُ عَلَى حِدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ لِهْبٍ كَانَ عَائِفًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ رِجَالٌ مَنْ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ.
قَالَ: فَأَتَى أَبُو طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ شغله عَنهُ شئ. فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: الْغُلَامُ عَلِيَّ بِهِ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيَّبَهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيَلَكُمْ رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ الَّذِي رَأَيْته آنِفا فو الله لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ: وَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ. فَصْلٌ فِي خُرُوجِهِ ﵊ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَقِصَّتِهِ مَعَ بَحِيرَى الرَّاهِبِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ. فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ وَأَجْمَعَ السَّيْرَ صَبَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا يَزْعُمُونَ. فَرَقَّ لَهُ أَبُو طَالِبٍ وَقَالَ: وَاللَّهُ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي وَلَا أُفَارِقُهُ وَلَا يُفَارِقُنِي أَبَدًا. أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ. فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالَ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ. وَكَانَ إِلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطُّ رَاهِبٌ فِيهَا إِلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نزلُوا ذَلِك الْعَام ببحيرى - وَكَانُوا كثيرا مَا يَمرونَ بِهِ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ، حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ، فَلَمَّا نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَن شئ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَن شئ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي الركب حَتَّى أقبل وغمامة تظلله مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلَوا فَنَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ. فَنَظَرَ إِلَى الْغَمَامَةِ حِينَ أَظَلَّتِ الشَّجَرَةُ وَتَهَصَّرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَقَدْ أَمَرَ بِطَعَامٍ فَصُنِعَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنِّي صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كلكُمْ، كبيركم وصغيركم، عبدكم وَحُرُّكُمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ يَا بَحِيرَى إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا الْيَوْمَ! مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِنَا، وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ لَهُ بَحِيرَى: صَدَقْتَ قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَتَأْكُلُونَ مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا رَآهُمْ بَحِيرَى لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِى يعرف ويجده عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي. قَالُوا: يَا بَحِيرَى مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إِلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُنَا سِنًّا فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِنَا. قَالَ: لَا تَفْعَلُوا ادْعُوهُ فَلْيَحْضُرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْم: وَاللات والعزى إِن كَانَ للؤم بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنِنَا. ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ.
َ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنِنَا. ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَى جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَجِدُهَا
عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرَّقُوا قَامَ إِلَيْهِ بَحِيرَى وَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا. فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ والعزى شَيْئا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا. فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ مِنْ نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ. فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مَنْ صِفَتِهِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى ظَهره فَرَأى خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ مَوْضِعِهِ مَنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا. قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي. قَالَ فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأَمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيك إِلَى بَلَده وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُود، فو الله لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لِيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ فَأَسْرِعْ بِهِ إِلَى بِلَادِهِ. فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ.
يمٌ فَأَسْرِعْ بِهِ إِلَى بِلَادِهِ. فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النَّاسُ أَنَّ زُرَيْرًا، وَتَمَّامًا وَدَرِيسًا (١) - وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - قد كَانُوا رَأَوْا [مِنْ (٢) ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَمَا رَأَى بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادُوهُ فَرَدَّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَى، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصَفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ [إِنْ (٢) ] أَجمعُوا لما أردوا بِهِ لم يخلصوا
إِلَيْهِ. حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَ قَصَائِدَ. هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذَا السِّيَاقَ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ مِنْهُ. وَقَدْ وَرَدَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ مُسْنَدٍ مَرْفُوعٍ. فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا قراد أَبُو نوح، حَدثنَا يُونُس، عَن ابْن (١) إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ - يَعْنِي بَحِيرَى - هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخرج إِلَيْهِم الراهب وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَنَزَلَ وَهُمْ يُحِلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ زِيَادَةٌ: هَذَا رَسُولُ رب الْعَالمين، بَعثه اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ من الْعقبَة لم يبْق شجر وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ. ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ - وَكَانَ هُوَ فِي رَعْيَةِ الْإِبِلِ - فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأَقْبَلَ وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ قَالَ: انْظُرُوا إِلَيْهِ عَلَيْهِ غَمَامَةٌ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وجدهم قد سَبَقُوهُ إِلَى فئ الشَّجَرَة فَلَمَّا جلس مَال فئ الشَّجَرَة عَلَيْهِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى فئ الشَّجَرَة مَال عَلَيْهِ.
مِنَ الْقَوْمِ وجدهم قد سَبَقُوهُ إِلَى فئ الشَّجَرَة فَلَمَّا جلس مَال فئ الشَّجَرَة عَلَيْهِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى فئ الشَّجَرَة مَال عَلَيْهِ.
قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم عَلَيْهِم وَهُوَ ينشدهم أَلَّا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَقَتَلُوهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِسَبْعَةِ نَفَرٍ مِنَ الرُّومِ قَدْ أَقْبَلُوا. قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمْ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَإِنَّا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ إِلَى طَرِيقِكَ هَذِهِ. قَالَ: فَهَل خلفكم أحد هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: لَا إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ إِلَى طَرِيقِكَ هَذِهِ. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ عِنْدَهُ. قَالَ: فَقَالَ الرَّاهِبُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ الْأَعْرَجِ عَنْ قُرَادٍ أَبِي نُوحٍ بِهِ. وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَصَمِّ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدُّورِيِّ بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُوحٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ الْخُزَاعِيِّ مَوْلَاهُمْ، وَيُقَالَ لَهُ الضَّبِّيُّ وَيُعْرَفُ بِقُرَادٍ، سَكَنَ بَغْدَادَ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ أَخْرَجَ لَهُمُ الْبُخَارِيُّ، وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْحُفَّاظِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَّحَهُ. وَمَعَ هَذَا فِي حَدِيثِهِ هَذَا غَرَابَةٌ.
َهُمُ الْبُخَارِيُّ، وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْحُفَّاظِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَّحَهُ. وَمَعَ هَذَا فِي حَدِيثِهِ هَذَا غَرَابَةٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِهِ غَيْرُ قُرَادٍ أَبِي نُوحٍ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لِغَرَابَتِهِ وَانْفِرَادِهِ. حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ.
قُلْتُ: فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ أَنَّهُ مِنْ مُرْسَلَاتِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إِنَّمَا قَدِمَ فِي سَنَةِ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي جَعْلِهِ لَهُ مِنَ الْمُهَاجِرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ مَكَّةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعُمُرِ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَعَلَّ أَبَا مُوسَى تَلَقَّاهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ أَبْلَغَ، أَوْ مِنْ بَعْضِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵃، أَوْ كَانَ هَذَا مَشْهُورًا مَذْكُورًا أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْغَمَامَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي حَدِيثٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَبَعْثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا " إِنْ كَانَ عُمُرُهُ ﵊ إِذْ ذَاكَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَدْ كَانَ عُمُرُ أَبِي بَكْرٍ إِذْ ذَاكَ تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرَةَ، وَعُمُرُ بِلَالٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذْ ذَاكَ؟ ثُمَّ أَيْنَ كَانَ بِلَالٌ؟ كِلَاهُمَا غَرِيبٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا كَانَ وَرَسُولُ الله ﷺ كَبِيرا، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ بَعْدَ هَذَا، أَوْ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ عُمُرَهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً غَيْرَ مَحْفُوظٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ مُقَيَّدًا بِهَذَا الْوَاقِدِيُّ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ عُمُرُهُ ﵊ إِذْ ذَاكَ تِسْعَ سِنِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ.
َدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ. قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي الْعِيرِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ وَنَزَلُوا بِالرَّاهِبِ بَحِيرَى. فَقَالَ لابي طَالب بالسر مَا قَالَ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِ فَرَدَّهُ مَعَهُ أَبُو طَالِبٍ إِلَى مَكَّةَ.
وَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبى طَالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوط من أُمُور الْجَاهِلِيَّة معائبها لِمَا يُرِيدُ مِنْ كَرَامَتِهِ. حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رجلا أفضل قومه مُرُوءَة، وَأَحْسَنهمْ خلقا، وَأَكْرَمَهُمْ مُخَالَطَةً، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا وَأَمَانَةً، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَذَى. مَا رؤى مُلَاحِيًا وَلَا مُمَارِيًا أَحَدًا، حَتَّى سَمَّاهُ قَوْمُهُ الْأمين، لما جمع الله فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَةِ. فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيُعَضِّدُهُ حَتَّى مَاتَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أخبرنَا خَالِد بن معدان، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَوْ أَبَا طَالِبٍ - شَكَّ خَالِدٌ - قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ عَطَفَ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَكَانَ لَا يُسَافِرُ سَفَرًا إِلَّا كَانَ مَعَهُ فِيهِ. وَإِنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّامِ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَأَتَاهُ فِيهِ رَاهِبٌ، فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ رَجُلًا صَالِحًا. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَبُو هَذَا الْغُلَامِ؟ قَالَ: فَقَالَ هَا أَنَا ذَا وَلِيُّهُ - أَوْ قِيلَ هَذَا وَلِيُّهُ - قَالَ: احْتَفِظْ بِهَذَا الْغُلَامِ وَلَا تَذْهَبْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، إِنَّ الْيَهُودَ حُسُدٌ وَإِنِّي أَخْشَاهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: مَا أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُهُ.
ا تَذْهَبْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، إِنَّ الْيَهُودَ حُسُدٌ وَإِنِّي أَخْشَاهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: مَا أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُهُ. فَرَدَّهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَتُودِعُكَ مُحَمَّدًا. ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ. قِصَّةُ بَحِيرَى حَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ سِيَرِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ بَحِيرَى كَانَ حبرًا من أَحْبَار يهود. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ كَانَ رَاهِبًا نَصْرَانِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنِ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ اسْمه جرجيس. وَفِي كِتَابِ " الْمَعَارِفِ " لِابْنِ قُتَيْبَةَ: سُمِعَ هَاتِفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ يَهْتِفُ وَيَقُولُ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، بَحِيرَى، ورئاب بن الْبَراء الشَّنِّيُّ، وَالثَّالِثُ الْمُنْتَظَرُ. وَكَانَ الثَّالِثُ الْمُنْتَظَرُ هُوَ الرَّسُولُ ﷺ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَكَانَ قَبْرُ رِئَابٍ الشَّنِّيُّ وَقَبْرُ وَلَدِهِ من بعده لَا يزَال يرى عِنْدهمَا طَشٌّ، وَهُوَ الْمَطَرُ الْخَفِيفُ. فَصْلٌ فِي مَنْشَئِهِ ﵊ وَمُرَبَّاهُ وَكِفَايَةِ اللَّهِ لَهُ، وَحِيَاطَتِهِ وَكَيْفَ كَانَ يَتِيمًا فَآوَاهُ وَعَائِلًا فَأَغْنَاهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْلَؤُهُ اللَّهُ وَيَحْفَظُهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَأَكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وَأَحْسَنهمْ جورا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا. حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إِلَّا الْأمين، لما جمع الله فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَةِ.
الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا. حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إِلَّا الْأمين، لما جمع الله فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا ذُكِرَ لِي، يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِ أَنَّهُ قَالَ: " لِقَدْ رَأَيْتُنِي فِي غِلْمَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ الْحِجَارَةَ لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَارَهُ وَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، فَإِنِّي لَأُقْبِلُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ إِذْ لَكَمَنِي لَاكَمٌ مَا أَرَاهُ لَكْمَةً وَجِيعَةً، ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ
إِزَارَكَ. قَالَ فَأَخَذْتُهُ فَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي ". وَهَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، حِينَ كَانَ يَنْقُلُ هُوَ وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْهَا فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهَا كَالتَّوْطِئَةِ لَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ. فَفَعَلَ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: " إِزَارِي " فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث روح ابْن عُبَادَةَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّشْتَكِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ إِلَى الْبَيْتِ حِينَ بَنَتْ قُرَيْشٌ الْبَيْتَ، قَالَ: وَأَفْرَدَتْ قُرَيْشٌ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، الرِّجَالُ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ تَنْقُلُ الشَّيْدَ (١) .
ْشٌ الْبَيْتَ، قَالَ: وَأَفْرَدَتْ قُرَيْشٌ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، الرِّجَالُ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ تَنْقُلُ الشَّيْدَ (١) . قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَخِي، وَكُنَّا نَحْمِلُ عَلَى رِقَابِنَا وَأُزُرُنَا تَحْتَ الْحِجَارَةِ، فَإِذَا غَشِيَنَا النَّاسُ ائْتَزَرْنَا. فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي وَمُحَمَّدٌ أَمَامِي قَالَ فَخَرَّ وَانْبَطَحَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجِئْتُ أَسْعَى وَأَلْقَيْتُ حَجَرِي وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ إِزَارَهُ قَالَ: " إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْيَانًا ". قَالَ: وَكُنْتُ أَكْتُمُهَا مِنَ النَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولُوا مَجْنُونٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنى مُحَمَّد
ابْن عبد الله بن قيس بن مخرمَة، عَن الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول " مَا هَمَمْت بشئ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَهُمُّونَ بِهِ مِنَ النِّسَاء، إِلَّا لَيْلَتَيْنِ كلتاهما عصمني الله عزوجل فِيهِمَا. قُلْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ فِتْيَانِ مَكَّةَ - وَنَحْنُ فِي رِعَاءِ غَنَمِ أَهْلِهَا - فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخَلَ مَكَّةَ أَسْمُرُ فِيهَا كَمَا يَسْمُرُ الْفِتْيَانُ. فَقَالَ بَلَى. قَالَ: فَدَخَلْتُ حَتَّى جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا بِالْغَرَابِيلِ وَالْمَزَامِيرِ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالُوا: تَزَوَّجَ فُلَانٌ فُلَانَةً. فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ وَضَرَبَ الله على أذنى فو الله مَا أيقظني إِلَّا مس الشَّمْس، فَرَجَعت إِلَى صَاحِبِي، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا. ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَسْمُرَ.
لْتَ؟ فَقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا. ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَسْمُرَ. فَفَعَلَ، فَدَخَلْتُ فَلَمَّا جِئْتُ مَكَّةَ سَمِعْتُ مِثْلَ الَّذِي سَمِعْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلْتُ فَقِيلَ نَكَحَ فُلَانٌ فُلَانَةً، فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ وَضَرَبَ اللَّهُ على أذنى، فو الله مَا أيقظني إِلَّا مس الشَّمْس. فَرَجَعت إِلَى صَاحِبي فَقَالَ: مَا فعلت؟ فَقلت: لَا شئ. ثمَّ أخْبرته الْخَبَر. فو الله مَا هَمَمْت وَلَا عدت بعدهمَا لشئ من ذَلِك حَتَّى أكرمنى الله عزوجل بِنُبُوَّتِهِ ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: " حَتَّى أكرمنى الله عزوجل بِنُبُوَّتِهِ " مُقْحَمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَيْخُ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ. قَالَ شَيْخُنَا فِي تَهْذِيبِهِ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: كَانَ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ يُقَال لَهُ إساف ونائلة يَتَمَسَّحُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا، فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا مَرَرْتُ مَسَحْتُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تَمَسَّهُ ". قَالَ زَيْدٌ: فَطُفْنَا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَأَمَسَّنَّهُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَكُونُ، فَمَسَحْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَلَمْ تُنْهَ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: زَادَ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ قَالَ زيد: فو الذى أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حَتَّى أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالَّذِي أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ لَبَحِيرَى حِينَ سَأَلَهُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى " لَا تَسْأَلْنِي بهما فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا ". فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سعد المالينى، أَنبأَنَا أَبُو أَحْمد ابْن عبد الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَسْبَاطٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ قَالَ: فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا حَتَّى نَقُومَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: كَيْفَ نقوم خَلفه وَإِنَّمَا عَهده باستلام الاصنام؟ !. قَالَ: فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ. فَهُوَ حَدِيثٌ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِد من الائمة على عُثْمَان أَبِي شَيْبَةَ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيهِ: لم يكن أَخُوهُ يتَلَفَّظ بشئ مِنْ هَذَا.
ِيثٌ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِد من الائمة على عُثْمَان أَبِي شَيْبَةَ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيهِ: لم يكن أَخُوهُ يتَلَفَّظ بشئ مِنْ هَذَا. وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ مَنْ يَسْتَلِمُ الاصنام، وَذَلِكَ قبل قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّهُ اعْتَزَلَ شُهُودَ مَشَاهِدِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى أَكْرَمَهُ اللَّهُ برسالته.
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَة عَرَفَة بل كَانَ لَا يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ. كَمَا قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدثنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ ابْن أَبى سُلَيْمَان، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرٍ. قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَهُوَ يَقِفُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ، تَوْفِيقًا مِنَ الله عزوجل لَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " عَلَى دِينِ قَوْمِهِ " مَا كَانَ بَقِيَ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، وَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ قَطُّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا. قُلْتُ: وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ. وَهَذَا تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ. وَلَفْظُهُ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ.
ِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لى بعرنة (١) فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا مِنَ الْحُمْسِ (٢) مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟ وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بن عُيَيْنَة بِهِ.
ذِكْرُ شُهُودِهِ ﵊ حَرْبَ الْفِجَارِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَاجَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً. وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْفِجَارِ، بِمَا اسْتَحَلَّ فِيهِ هَذَانِ الْحَيَّانِ - كنَانَة وَقيس عَيْلَانَ - مِنَ الْمَحَارِمِ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ قَائِدَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. وَكَانَ الظَّفَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِقَيْسٍ عَلَى كنَانَة، حَتَّى إِذا كَانَ وَسَطِ النَّهَارِ كَانَ الظَّفَرُ لِكِنَانَةَ عَلَى قَيْسٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً - أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - فِيمَا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، هَاجَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ. وَكَانَ الذى هاجها أَن عُرْوَة الرّحال بن عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامر ابْن صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ أَجَازَ لَطِيمَةً - أَيْ تِجَارَةً - لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ. فَقَالَ الْبَرَّاضُ بْنُ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ،: أَتُجِيزُهَا عَلَى كِنَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَعَلَى الْخَلْقِ.



