— Bagian 12 · وماذاك؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً … —
Bagian 12
وماذاك؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ رَبُّهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ. فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ؟ غَيْرَ أَن الله عزوجل يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ، فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَة أَن يذكر اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. قَالَ: وَكَانَ يَخْرُجُ فِي حَاجَتِهِ، فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ: أَنِ " ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ " فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبُ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَهُوَ عَلَى أحسن ماكان، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ! هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ فَوَاللَّهِ القدبر عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ (١) أَنْدَرٌ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ ". هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهَكَذَا رَوَاهُ بِتَمَامِهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَن مُحَمَّد ابْن الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. وَهَذَا غَرِيبٌ رَفْعُهُ جِدًّا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا.
مَّد ابْن الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. وَهَذَا غَرِيبٌ رَفْعُهُ جِدًّا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بن إِسْمَعِيل، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَأَلْبَسُهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ فَتَنَحَّى أَيُّوبُ وَجلسَ فِي نَاحيَة، فَجَاءَت امْرَأَته
فَلم تعرفه، فَقَالَت: يَا عبد الله: أَيْن ذهب هَذَا الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَاهُنَا؟ لَعَلَّ الْكِلَابَ ذَهَبَتْ بِهِ أَوِ الذِّئَابَ، وَجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ سَاعَةً، فَقَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ! قَالَتْ: أَتَسْخَرُ مِنِّي يَا عبد الله؟ فَقَالَ: وَيحك أَنا أَيُّوب قدرد اللَّهُ عَلَيَّ جَسَدِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: " قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، فَاغْتَسِلْ بِهَذَا الْمَاءِ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءَكَ، وَقَرِّبْ عَنْ صَحَابَتِكَ قُرْبَانًا، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ (١) بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ ﵇ أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذهب، فَجعل يَأْخُذ [مِنْهُ (٢) ] بِيَدِهِ وَيَجْعَلُ فِي ثَوْبِهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ يَا أَيُّوبُ أَمَا تَشْبَعُ (٣) ؟ قَالَ: يَا رَبِّ وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِكَ؟ ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ.
مِنْ رَحْمَتِكَ؟ ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ. وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ [فَاللَّهُ أعلم (٤) ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُرْسِلَ عَلَى أَيُّوبَ رِجْلٌ (١) مِنْ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا فِي ثَوْبِهِ، فَقِيلَ يَا أَيُّوبُ: أَلَمْ يَكْفِكَ مَا أَعْطَيْنَاكَ؟ قَالَ: أَيْ رَبِّ وَمَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ فَضْلِكَ!. هَذَا مَوْقُوفٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَن همام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رجل جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي (٢) فِي ثَوْبه. فناداه ربه عزوجل: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بلَى يَا رب، وَلَكِن لاغنى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ. وَقَوله: " اركض برجلك " أَيِ اضْرِبِ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ، فَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ. وَقَوله: " اركض برجلك " أَيِ اضْرِبِ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ، فَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ. فَأَنْبَعَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا بَارِدَةَ الْمَاءِ، وَأُمِرَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهَا وَيَشْرَبَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ الله عَنهُ مَا كَانَ يحده مِنَ الْأَلَمِ وَالْأَذَى، وَالسَّقَمِ وَالْمَرَضِ، الَّذِي كَانَ فِي جَسَدِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَبْدَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ صِحَّةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَجَمَالًا تَامًّا وَمَالًا كَثِيرًا ; حَتَّى صَبَّ لَهُ مِنَ الْمَالِ صَبًّا، مَطَرًا عَظِيمًا جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ. وَأَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم " فَقِيلَ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بِأَعْيَانِهِمْ، وَقِيلَ آجَرَهُ فِيمَنْ سَلَفَ، وَعَوَّضَهُ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَدَلَهُمْ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ بِكُلِّهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: " رَحمَه من عندنَا " أَي رفعنَا
عَنْهُ شِدَّتَهُ، وَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، رَحْمَةً مِنَّا بِهِ وَرَأْفَةً وَإِحْسَانًا. " وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ " أَيْ تَذْكِرَةً لِمَنِ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ، فَلَهُ أُسْوَةٌ بِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ ; حَيْثُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا اسْمَ امْرَأَتِهِ [فَقَالَ (١) ] : هِيَ " رَحْمَةُ " مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَدْ أبعد النجعة وَأغْرقَ النَّزْعِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَدَّ [اللَّهُ (١) ] إِلَيْهَا شَبَابَهَا وَزَادَهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَلَدًا ذَكَرًا. وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ سَنَةً بِأَرْضِ الرُّومِ عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ غَيَّرُوا بَعْدَهُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ. وَقَوْلُهُ: " وَخذ بِيَدِك ضعثا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ، إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد إِنَّه أواب " هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَيُّوبَ ﵇، فِيمَا كَانَ مِنْ حَلِفِهِ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ. فَقِيلَ حَلِفُهُ ذَلِكَ لبيعها ضفائرها، وَقيل لانه عارضها (٢) الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ طَبِيبٍ يَصِفُ لَهَا دَوَاءً لِأَيُّوبَ فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ فَعَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ، فَحَلَفَ ليضربنها مائَة سَوط. فَلَمَّا عافاه الله عزوجل أَفْتَاهُ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا وَهُوَ كَالْعِثْكَالِ الَّذِي يَجْمَعُ الشَّمَارِيخَ، فَيَجْمَعَهَا كُلَّهَا وَيَضْرِبَهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ هَذَا مُنْزَلًا مَنْزِلَةَ الضَّرْبِ بِمِائَةِ سَوْطٍ وَيَبَرُّ وَلَا يَحْنَثُ. وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ امْرَأَتِهِ الصَّابِرَةِ الْمُحْتَسِبَةِ، الْمُكَابِدَةِ الصِّدِّيقَةِ البارة الراشدة، رضى الله عَنْهَا.
لَّهَ وَأَطَاعَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ امْرَأَتِهِ الصَّابِرَةِ الْمُحْتَسِبَةِ، الْمُكَابِدَةِ الصِّدِّيقَةِ البارة الراشدة، رضى الله عَنْهَا.
وَلِهَذَا عقب الله الرُّخْصَةَ وَعَلَّلَهَا بِقَوْلِهِ: " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ العَبْد إِنَّه أواب ". وَقَدِ اسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَتَوَسَّعَ آخَرُونَ فِيهَا حَتَّى وَضَعُوا كِتَابَ الْحِيَلِ فِي الْخَلَاصِ مِنَ الْأَيْمَانِ، وَصَدَّرُوهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَتَوْا فِيهِ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ وَسَنَذْكُرُ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ: أَنَّ أَيُّوبَ ﵇ لَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ إِنَّهُ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسُلَيْمَانَ ﵇ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَبِيُوسُفَ ﵇ عَلَى الْأَرِقَّاءِ، وَبِأَيُّوبَ ﵇ عَلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِمَعْنَاهُ. وَأَنَّهُ أَوْصَى إِلَى وَلَدِهِ " حَوْمَلَ "، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ " بشر " ابْن أَيُّوبَ، وَهُوَ الَّذِي يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنه " ذوالكفل " فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَاتَ ابْنُهُ هَذَا وَكَانَ نَبِيًّا فِيمَا يَزْعُمُونَ وَكَانَ عُمُرُهُ مِنَ السِّنِينَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ. وَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا قِصَّةَ ذِي الْكِفْلِ ; إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ. إِنَّهُ ابْنُ أَيُّوبَ ﵉ [وَهَذِه هِيَ (١) ] .
السِّنِينَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ. وَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا قِصَّةَ ذِي الْكِفْلِ ; إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ. إِنَّهُ ابْنُ أَيُّوبَ ﵉ [وَهَذِه هِيَ (١) ] .
قِصَّةُ ذِي الْكِفْلِ الَّذِي زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ ابْن أَيُّوب قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ (١) قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: " وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحين ". وَقَالَ تَعَالَى بعد قصَّة أَيُّوب أَيْضا فِي سُورَة ص: " وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الاخيار ". فَالظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نبى، على مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا (٢) [عَادِلًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ] (٣) . وروى ابْن جرير وَأَبُو نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا [صَالِحًا (٤) ] . وَكَانَ قَدْ تَكَفَّلَ لبنى قومه أَن يكفيهم أَمرهم، وَيقْضى بَينهم بِالْعَدْلِ [فَفعل (٤) ] فَسمى ذاالكفل.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَبُرَ الْيَسَعُ قَالَ: لَوْ أَنى اسْتخْلف رَجُلًا عَلَى النَّاسِ يَعْمَلُ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاتِي، حَتَّى أَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ؟ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: من يتَقَبَّل منى (١) بِثَلَاثٍ أَسْتَخْلِفُهُ: يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا يَغْضَبُ. قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ تَزْدَرِيهِ الْعَيْنُ، فَقَالَ أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَلَا تغْضب؟ قَالَ نعم. قَالَ: فَرده ذَلِك الْيَوْم، وَقَالَ مثلهَا [فِي] (٢) الْيَوْمَ الْآخَرَ، فَسَكَتَ النَّاسُ، وَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ أَنَا، فَاسْتَخْلَفَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَقُولُ لِلشَّيَاطِينِ: عَلَيْكُمْ بِفُلَانٍ، فَأَعْيَاهُمْ ذَلِكَ. فَقَالَ دَعُونِي وَإِيَّاهُ، فَأَتَاهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ فَقِيرٍ، وَأَتَاهُ حِين أَخذ مضجعه للقائلة، وَكَانَ لاينام اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِلَّا تِلْكَ النَّوْمَةَ، فَدَقَّ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَظْلُومٌ. قَالَ: فَقَامَ فَفَتَحَ الْبَابَ فَجَعَلَ يَقُصُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي خُصُومَةً، وَإِنَّهُمْ ظَلَمُونِي وَفَعَلُوا بِي وَفَعَلُوا، وَجَعَلَ يُطَوِّلُ عَلَيْهِ حَتَّى حضر الرواح وَذَهَبت القائلة. فَقَالَ: إِذا رحت فإننى آخُذْ لَكَ بِحَقِّكَ. فَانْطَلَقَ وَرَاحَ فَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى الشَّيْخَ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَامَ يَتْبَعُهُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَعَلَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ وَيَنْتَظِرُهُ فَلَا يَرَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْقَائِلَةِ فَأَخَذَ مَضْجَعَهُ أَتَاهُ فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْمَظْلُومُ. فَفَتَحَ لَهُ فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِذا قعدت فأتني؟
َتَاهُ فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْمَظْلُومُ. فَفَتَحَ لَهُ فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِذا قعدت فأتني؟
قَالَ: إِنَّهُمْ أَخْبَثُ قَوْمٍ، إِذَا عَرَفُوا أَنَّكَ قَاعِدٌ قَالُوا نَحْنُ نُعْطِيكَ حَقَّكَ، وَإِذَا قُمْتَ جَحَدُونِي. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَإِذَا رُحْتُ فَأْتِنِي. قَالَ: فَفَاتَتْهُ القائلة، فراح فَجعل ينتظره فَلَا يَرَاهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فَقَالَ لِبَعْضِ أَهله، لاتدعن أَحَدًا يَقْرُبُ هَذَا الْبَابَ حَتَّى أَنَامَ، فَإِنِّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ النَّوْمُ. فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ السَّاعَةَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَرَاءَكَ وَرَاءَكَ. فَقَالَ: قد أَتَيْته أمس وَذكرت لَهُ أَمْرِي. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَدَعَ أَحَدًا يَقْرُبُهُ. فَلَمَّا أَعْيَاهُ نَظَرَ فَرَأَى كُوَّةً فِي الْبَيْتِ فَتَسَوَّرَ مِنْهَا، فَإِذَا هُوَ فِي الْبَيْتِ، وَإِذَا هُوَ يَدُقُّ الْبَابَ مِنْ دَاخِلٍ. قَالَ: فَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَمْ آمُرْكَ؟ قَالَ: أَمَّا مِنْ قبلى وَالله فَلم تُؤْتَ، فَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُغْلَقٌ كَمَا أَغْلَقَهُ، وَإِذَا الرَّجُلُ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَعَرَفَهُ. فَقَالَ: أَعَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ، أَعْيَيْتَنِي فِي كُلِّ شئ فَفعلت كل مَا تَرَى لِأُغْضِبَكَ. فَسَمَّاهُ اللَّهُ ذَا الْكِفْلِ، لانه تكفل بِأَمْر فوفى بِهِ! و [قد] (١) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبوالجماهر، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ كنَانَة بن الاخنس، قَالَ: سَمِعت الاشعري
تِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبوالجماهر، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ كنَانَة بن الاخنس، قَالَ: سَمِعت الاشعري
- يَعْنِي أَبَا مُوسَى ﵁ وَهُوَ على هَذَا الْمِنْبَر يَقُول: ماكان ذوالكفل نَبيا (١) وَلَكِن كَانَ رجل صَالح يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلَاةٍ، فَتَكَفَّلَ لَهُ ذوالكفل من بعده [فَكَانَ (٢) ] يصلى كل يَوْم مائَة صَلَاة، فَسمى ذاالكفل. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مرار - لم أحدث بِهِ، وَلَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: " كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرجل من امْرَأَته أرعدت وبكت، فَقَالَ [لَهَا (٢) ] مَا يبكيك؟ أأكرهتك؟ قَالَتْ لَا: وَلَكِنْ هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ، وَإِنَّمَا حَمَلَتْنِي عَلَيْهِ الْحَاجَةُ. قَالَ: فَتَفْعَلِينَ هَذَا وَلَمْ تَفْعَلِيهِ قَطُّ! ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ اذْهَبِي بِالدَّنَانِيرِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ! وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ وَقَالَ حَسَنٌ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ فَوَقَفَهُ على ابْن عمر.
فَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ سَعْدًا هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ هَذَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَيْسَ هُوَ ذَا الْكِفْلِ [وَإِنَّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ الْكِفْلُ (٢) ] مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ فَهُوَ رجل آخر غير الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن. فَالله تَعَالَى أعلم.
بَاب ذكر اسْم من أهلكوا بعامة وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أهلكنا الْقُرُون الاولى.." الْآيَةَ (١) . كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمًا بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، غَيْرَ الْقَرْيَةِ الَّتِي مُسِخُوا قِرَدَةً. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أهلكنا الْقُرُون الاولى ". وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ. وَالْأَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقْفُهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بِعَامَّةٍ قَبْلَ مُوسَى ﵇. فَمِنْهُمْ: أَصْحَابُ الرَّسِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تبرنا تتبيرا ". وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كذب الرُّسُل فَحق وَعِيد ".
وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كذب الرُّسُل فَحق وَعِيد ".
وَهَذَا السِّيَاقُ وَالَّذِي قَبْلَهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا وَدُمِّرُوا وَتُبِّرُوا، وَهُوَ الْهَلَاكُ. وَهَذَا يَرُدُّ اخْتِيَارَ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ عِنْد ابْن إِسْحَق وَجَمَاعَةٍ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْحَابُ الرَّسِّ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى ثَمُودَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِرَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ، عِنْدَ ذِكْرِ بِنَاءِ دمشق، عَن تَارِيخ أَبى الْقَاسِم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وَغَيْرِهِ، أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانُوا بِحَضُورٍ، فَبَعْثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نَبِيًّا يُقَالُ لَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ، فَكَذَّبُوهُ وَقَتَلُوهُ. فَسَارَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بن إرم ابْن سَام بن نوح وَولده مِنَ الرَّسِّ، فَنَزَلَ الْأَحْقَافَ. وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَصْحَابَ الرَّسِّ وَانْتَشَرُوا فِي الْيَمَنِ كُلِّهَا، وَفَشَوْا مَعَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا. حَتَّى نَزَلَ جَيْرُونُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، دِمَشْقَ وَبَنَى مَدِينَتَهَا، وَسَمَّاهَا جَيْرُونَ، وَهِيَ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ. وَلَيْسَ أَعْمِدَةُ الْحِجَارَةِ فِي مَوْضِعٍ أَكْثَرَ مِنْهَا بِدِمَشْقَ، فَبَعَثَ اللَّهُ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن رَبَاح بن خَالِد بن الحلود بْنِ عَادٍ، إِلَى عَادٍ، يَعْنِي أَوْلَادَ عَادٍ بالاحقاف فَكَذبُوهُ، فأهلكهم الله عزوجل. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ قَبْلَ عَادٍ بدهور متطاولة فَالله أعلم.
يَعْنِي أَوْلَادَ عَادٍ بالاحقاف فَكَذبُوهُ، فأهلكهم الله عزوجل. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ قَبْلَ عَادٍ بدهور متطاولة فَالله أعلم.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ شَبِيبِ ابْن بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأَذْرَبِيجَانَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي بكر عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ رَسُّوا فِيهَا نَبِيّهم، أَي دفنوه فِيهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَصْحَابُ الرَّسِّ بِفَلْجَ وهم أَصْحَاب يس. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَلْجُ مِنْ قُرَى الْيَمَامَةِ. قُلْتُ: فَإِن كَانُوا أَصْحَاب يس كَمَا زَعَمَهُ عِكْرِمَةُ، فَقَدْ أُهْلِكُوا بِعَامَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّتِهِمْ: " إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون " وَسَتَأْتِي قِصَّتُهُمْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ. وَإِنْ كَانُوا غَيْرَهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَقَدْ أُهْلِكُوا أَيْضًا وَتُبِّرُوا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيُنَافِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النقاس: أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانَتْ لَهُمْ بِئْرٌ تَرْوِيهِمْ وَتَكْفِي أَرْضَهُمْ جَمِيعَهَا، وَكَانَ لَهُمْ مَلَكٌ عَادِلٌ حَسَنُ السِّيرَةِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا عَلَيْهِ وَجْدًا عَظِيمًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ تَصَوَّرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَمُتْ، وَلَكِنْ تَغَيَّبْتُ عَنْكُمْ حَتَّى أَرَى صَنِيعَكُمْ. فَفَرِحُوا أَشَدَّ الْفَرَحِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ حِجَابٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَبَدًا، فَصَدَّقَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَافْتَتَنُوا بِهِ وَعَبَدُوهُ. فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبيا، فَأخْبرهُم (١) أَنَّ هَذَا شَيْطَانٌ يُخَاطِبُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شريك لَهُ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ اسْمُهُ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ، فَغَارَ مَاؤُهَا وَعَطِشُوا بَعْدَ رَيِّهِمْ، وَيَبِسَتْ أَشْجَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ ثِمَارُهُمْ، وَخَرِبَتْ دِيَارُهُمْ. وَتَبَدَّلُوا بَعْدَ الْأُنْسِ بِالْوَحْشَةِ، وَبَعْدَ الِاجْتِمَاعِ بِالْفُرْقَةِ، وَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَسَكَنَ فِي مَسَاكِنِهِمُ الْجِنُّ وَالْوُحُوشُ (١) ، فَلَا يُسْمَعُ بِبِقَاعِهِمْ إِلَّا عَزِيفُ الْجِنّ وزئير الاسود (٢) وَصَوْتُ الضِّبَاعِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ - أَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ [بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ عَن (٣) ] ابْن إِسْحَق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِن أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ "، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيًّا إِلَى أهل قربَة فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا ذَلِكَ العَبْد الْأَسْوَدُ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَأَلْقَوْهُ فِيهَا، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ أَصَمَّ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى تِلْكَ (٤) الْبِئْرِ فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ وَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَيُدْلِي إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهَا كَمَا كَانَتْ. قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ. ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وَحَزَمَ حُزْمَتَهُ وَفَرَغَ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَجَدَ سنة، فاضطجع فَنَامَ (٥) ، فَضرب الله على أُذُنه سبع سِنِين
حَطَبَهُ وَحَزَمَ حُزْمَتَهُ وَفَرَغَ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَجَدَ سنة، فاضطجع فَنَامَ (٥) ، فَضرب الله على أُذُنه سبع سِنِين
نَائِما. ثمَّ إِنَّه هَب فتمطى فتحول (١) لِشِقِّهِ الْآخَرِ، فَاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى. ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ وَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ وَلَا يَحْسَبُ أَنَّهُ نَامَ (٢) إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ فَبَاعَ حُزْمَتَهُ ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَابًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ. ثمَّ [إِنَّه (٣) ] ذهب إِلَى الحفيرة (٤) ، إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يجده. وَقد كَانَ بدا لِقَوْمِهِ فِيهَا بَدَاءٌ، فَاسْتَخْرَجُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ. قَالَ: فَكَانَ (٥) نَبِيُّهُمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدِ مَا فَعَلَ، فَيَقُولُونَ لَهُ مَا نَدْرِي؟ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِي ﵇ وهب (٦) الاسود من نومته (٧) بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ لَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ". فَإِنَّهُ [حَدِيثٌ (٨) ] مُرْسَلٌ وَمَثَلُهُ فِيهِ نَظَرٌ. وَلَعَلَّ بَسْطَ قِصَّتِهِ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الرَّسِّ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّسِّ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ بدالهم فَآمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَتْ لَهُمْ أَحْدَاثٌ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ بَعْدَ هَلَاكِ آبَائِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ حَيْثُ تُوُعِّدُوا بِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، وَلَمْ يُذْكَرْ هَلَاكُهُمْ، وَقد صرح بِهَلَاك أَصْحَاب الرس.
ْحَابِ الْأُخْدُودِ حَيْثُ تُوُعِّدُوا بِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، وَلَمْ يُذْكَرْ هَلَاكُهُمْ، وَقد صرح بِهَلَاك أَصْحَاب الرس. وَالله تَعَالَى أعلم.
قصَّة قوم يس وهم (١) : أَصْحَاب الْقرْيَة أَصْحَاب يس قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا، وَمَا أنزل الرَّحْمَن من شئ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طائركم مَعكُمْ أإن ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أقْصَى الْمَدِينَة رجل يسْعَى، قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * ومالى لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً؟ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تغنى عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قيل ادخل الْجنَّة قَالَ: يَا لَيْت قوم يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خامدون " (٢) . اشْتُهِرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ هَذِه الْقرْيَة " أنطاكية "
رَوَاهُ ابْن إِسْحَق فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبِ [الْأَحْبَارِ (١) ] ووهب [ابْن مُنَبّه، وَكَذَا روى عَن بُرَيْدَة بن الخصيب وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة والزهرى وَغَيرهم. قَالَ ابْن إِسْحَق فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبٍ وَوَهْبٍ (١) ] أَنَّهُمْ قَالُوا: وَكَانَ لَهَا مَلِكٌ اسْمُهُ أَنْطِيخَسُ بن أنطيخس وَكَانَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ. فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَةً من الرُّسُل وهم: صَادِق ومصدوق (٢) ، وَشَلُومُ، فَكَذَّبَهُمْ. وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مِنَ الله عزوجل. وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا رُسُلًا مِنَ الْمَسِيحِ. وَكَذَا قَالَ ابْن جرير، عَن وهب، عَن ابْن سُلَيْمَان، عَن شُعَيْب الجبائى: كَانَ اسْم الْمُرْسلين (٣) الْأَوَّلَيْنِ: شَمْعُونَ، وَيُوحَنَّا، وَاسْمُ الثَّالِثِ بُولِسَ، وَالْقَرْيَةِ أَنْطَاكِيَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ ثَلَاثَةً مِنَ الْحَوَارِيِّينَ كَانُوا أَوَّلَ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَلِهَذَا كَانَتْ إِحْدَى الْمُدُنِ الْأَرْبَعِ الَّتِى تكون فِيهَا بتاركة النَّصَارَى. وَهُنَّ: أَنْطَاكِيَةُ، وَالْقُدْسُ، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَرُومِيَّةُ. ثُمَّ بعْدهَا القسطنطنية وَلَمْ يُهْلَكُوا. وَأَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ (٤) فِي الْقُرْآنِ أُهْلِكُوا، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ قِصَّتِهَا بعد قَتلهمْ صديق الْمُرْسلين ": إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خامدون " وَلَكِن إِنْ كَانَتِ الرُّسُلُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ، بُعِثُوا إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ قَدِيمًا فَكَذَّبُوهُمْ وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ عُمِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ آمَنُوا بِرُسُلِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَا يمْنَع هَذَا. وَالله أعلم.
لَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ عُمِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ آمَنُوا بِرُسُلِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَا يمْنَع هَذَا. وَالله أعلم.
فَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ هِيَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ فَضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ ; وَلِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
-
-
- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَاضْرِبْ لَهُم مثلا " يعْنى لقَوْمك يَا مُحَمَّد " أَصْحَاب الْقرْيَة " يَعْنِي الْمَدِينَةَ " إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث " أَيْ أَيَّدْنَاهُمَا بِثَالِثٍ (١) فِي الرِّسَالَةِ، " فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مرسلون "، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ ; كَمَا قَالَتِ الْأُمَمُ الْكَافِرَةُ لِرُسُلِهِمْ، يَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَشَرِيًّا. فَأَجَابُوهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّا رُسُلُهُ إِلَيْكُمْ، وَلَوْ كُنَّا كَذَّبَنَا عَلَيْهِ لَعَاقَبْنَا وَانْتَقَمَ مِنَّا أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. " وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين " أَي إِنَّمَا علينا أَن نُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ " قَالُوا إِنَّا تطيرنا بكم " أَيْ تَشَاءَمْنَا بِمَا جِئْتُمُونَا بِهِ، " لَئِنْ لَمْ تنتهوا لنرجمنكم " [قيل (٢) ] بالمقال، وَقيل بالفعال. يُؤَيّد الاول قَوْله: " وليمسنكم منا عَذَاب أَلِيم " توعدوهم (٣) بِالْقَتْلِ والاهانة. " قَالُوا طائركم مَعكُمْ " أَيْ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ " أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ؟ " أَيْ بِسَبَبِ أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بِالْهُدَى وَدَعَوْنَاكُمْ إِلَيْهِ، تَوَعَّدْتُمُونَا بِالْقَتْلِ والاهانة؟ " بل أَنْتُم قوم مسرفون " أَيْ لَا تَقْبَلُونَ الْحَقَّ وَلَا تُرِيدُونَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَجَاء من أقْصَى الْمَدِينَة رجل يسْعَى " يعْنى لنصرة
-
أَنْتُم قوم مسرفون " أَيْ لَا تَقْبَلُونَ الْحَقَّ وَلَا تُرِيدُونَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَجَاء من أقْصَى الْمَدِينَة رجل يسْعَى " يعْنى لنصرة
الرُّسُلِ وَإِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهِمْ " قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ " أَيْ يَدْعُونَكُمْ (١) إِلَى الْحَقِّ الْمَحْضِ بِلَا أُجْرَةٍ وَلَا جِعَالَةٍ. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ مِمَّا لَا يَنْفَعُ شَيْئًا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. " إِنِّي إِذًا لفى ضلال مُبين " أَي إِن تركت عبَادَة الله وعبدت مَعَه مَا سواهُ. ثمَّ قَالَ مُخَاطبا للرسل: " إِن آمَنت بربكم فاسمعون " قِيلَ " فَاسْتَمِعُوا مَقَالَتِي وَاشْهَدُوا لِي بِهَا عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَاسْمَعُوا يَا قَوْمِي إِيمَانِي بِرُسُلِ اللَّهِ جَهْرَةً. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ، قِيلَ رَجَمًا، وَقِيلَ عَضًّا، وَقِيلَ وَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رجل وَاحِد فَقَتَلُوهُ. وَحكى ابْن إِسْحَق عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وطئوه بأرجلهم، حَتَّى أخرجُوا قصبته. وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: كَانَ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ " حَبِيبَ بْنَ مُرَى " ثُمَّ قِيلَ: كَانَ نَجَّارًا، وَقِيلَ حباكا (٢) ، وَقِيلَ إِسْكَافًا، وَقِيلَ قَصَّارًا، وَقِيلَ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي غَارٍ هُنَاكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: كَانَ حبيب الْبحار قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ فَقتله قومه، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى. " قيل ادخل الْجنَّة " يَعْنِي لَمَّا قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رأى فِيهَا من النضرة وَالسُّرُور " قَالَ
يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي ربى وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين " يعْنى ليؤمنوا بِمَا آمَنت بِمَا فَيَحْصُلَ لَهُمْ مَا حَصَلَ لِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاس: نصح قومه فِي حَيَاته بقوله: " يَا قوم اتبعُوا الْمُرْسلين " وَبعد مماته [فِي قَوْله (١) ] " يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي ربى وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين " [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ: لَا يلقى الْمُؤمن إِلَّا ناصحا. لَا يلقى غَاشًّا ; لَمَّا عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ. " قَالَ: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لى ربى وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين (١) ] تمنى وَالله أَنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِمَا عَايَنَ مِنْ كَرَامَةِ الله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ! قَالَ قادة: فَلَا وَاللَّهِ مَا عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ " إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هم خامدون ". وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا منزلين " أَي وَمَا احْتَجْنَا فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ إِلَى إِنْزَالِ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ. هَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَق عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ (٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ جُنْدًا، أَيْ رِسَالَةً [أُخْرَى (٣) ] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَأَقْوَى، وَلِهَذَا قَالَ: " وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ " أَي وَمَا كُنَّا نحتاج (٤)
خْرَى (٣) ] . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَأَقْوَى، وَلِهَذَا قَالَ: " وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ " أَي وَمَا كُنَّا نحتاج (٤)
فِي الِانْتِقَامِ إِلَى هَذَا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلنَا وَقَتَلُوا وَلِيَّنَا " إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذا هم خامدون ". قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ الَّذِي لِبَلَدِهِمْ، ثُمَّ صَاح بهم صَيْحَة وَاحِدَة فإذاهم خامدون، أَيْ قَدْ أُخْمِدَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَسَكَنَتْ حَرَكَاتُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ لَيْسَتْ أَنْطَاكِيَةَ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ [أُهْلِكُوا (١) ] بِتَكْذِيبِهِمْ (٢) رُسُلَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَأَهْلُ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رُسُلَ الْمَسِيحِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَيْهِمْ. فَلِهَذَا قِيلَ إِنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ (٣) ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " السُّبَّقُ ثَلَاثَةٌ: فَالسَّابِقُ إِلَى مُوسَى يُوشَع ابْن نُونٍ، وَالسَّابِقُ إِلَى عِيسَى صَاحِبُ يس، وَالسَّابِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ "، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّ حُسَيْنًا هَذَا مَتْرُوكٌ شيعي مِنَ الْغُلَاةِ، وَتَفَرُّدُهُ بِهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضعفه بِالْكُلِّيَّةِ. وَالله أعلم.
لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّ حُسَيْنًا هَذَا مَتْرُوكٌ شيعي مِنَ الْغُلَاةِ، وَتَفَرُّدُهُ بِهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضعفه بِالْكُلِّيَّةِ. وَالله أعلم.
قصَّة يُونُس ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: " فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ومتعناهم إِلَى حِين (١) ". وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: " وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المومنين (٢) " وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة وَالصَّافَّات: " وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يزِيدُونَ * فآمنوا فمتعناهم إِلَى حِين (٣) " وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة ن: " فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مذمون * فاجتباه ربه فَجعله من الصَّالِحين (٤) ". قَالَ أهل التَّفْسِير: بعث الله ينس ﵇ إِلَى أهل " نِينَوَى "
من أَرض الْموصل، فَدَعَاهُمْ إِلَى الله عزوجل، فَكَذَّبُوهُ وَتَمَرَّدُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ أَمْرِهُمْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهَرِهِمْ، وَوَعَدَهُمْ حُلُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَتَحَقَّقُوا نُزُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ وَالْإِنَابَةَ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى نَبِيِّهِمْ، فَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا، ثمَّ عجوا إِلَى الله عزوجل، وَصَرَخُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَتَمَسْكَنُوا لَدَيْهِ، وَبَكَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ. وَجَأَرَتِ الْأَنْعَامُ وَالدَّوَابُّ والمواشى، فرغت الابل وفصلانها، وخارت الْبَقر وَأَوْلَادهَا، وثغث الْغَنَمُ وَحُمْلَانُهَا وَكَانَتْ سَاعَةً عَظِيمَةً هَائِلَةً. فَكَشَفَ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، عَنْهُمُ الْعَذَاب الذى كَانَ قد اتَّصل بهم سَببه، وَدَارَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنقعها إيمَانهَا " أَيْ هَلَّا وُجِدَتْ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْقُرُونِ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نبى إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ". وَقَوْلُهُ: " إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين " أَيْ آمَنُوا بِكَمَالِهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ: هَلْ يَنْفَعُهُمْ هَذَا الْإِيمَانُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ،
َتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين " أَيْ آمَنُوا بِكَمَالِهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ: هَلْ يَنْفَعُهُمْ هَذَا الْإِيمَانُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ كَمَا أَنْقَذَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الاظهر من السِّيَاق: نعم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " لَمَّا آمَنُوا " وَقَالَ تَعَالَى: " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يزِيدُونَ * فآمنوا فمتعناهم إِلَى حِين "، وَهَذَا الْمَتَاعُ إِلَى حِينٍ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ رَفْعِ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ لَا مَحَالَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ: فَعَنْ مَكْحُولٍ عَشَرَةُ آلَافٍ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ قَوْلِهِ: " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ " قَالَ: " يَزِيدُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا " فَلَوْلَا هَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلًا فِي هَذَا الْبَابِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَعَنْهُ: وَبِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَعَنْهُ وَبِضْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ الْحُوتِ أَوْ بَعْدَهُ؟ أوهما أُمَّتَانِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي التَّفْسِيرِ.
-
-
- وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا ذَهَبَ مُغَاضِبًا بِسَبَبِ قَوْمِهِ، رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَلَجَّتْ بِهِمْ، وَاضْطَرَبَتْ وَمَاجَتْ بِهِمْ وَثَقُلَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَادُوا يَغْرَقُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ.
-
ةً فِي الْبَحْرِ فَلَجَّتْ بِهِمْ، وَاضْطَرَبَتْ وَمَاجَتْ بِهِمْ وَثَقُلَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَادُوا يَغْرَقُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ.
قَالُوا: فَاشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتَرِعُوا، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَوْهُ مِنَ السَّفِينَةِ لِيَتَخَفَّفُوا مِنْهُ. فَلَمَّا اقْتَرَعُوا وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ فَلَمْ يَسْمَحُوا بِهِ، فَأَعَادُوهَا ثَانِيَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَشَمَّرَ (١) لِيَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ. ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَالِثَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِن يُونُس لمن المرسليمن * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ من المدحضين * فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم ". وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أُلْقِيَ فِي الْبَحْر، وَبعث الله عزوجل حُوتًا عَظِيمًا مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ فَالْتَقَمَهُ وَأَمَرَهُ الله تَعَالَى أَن لَا يَأْكُل لَهُ لَحْمًا وَلَا يهشم لَهُ عَظْمًا فَلَيْسَ لَكَ بِرِزْقٍ، فَأَخْذَهُ فَطَافَ [بِهِ (٢) ] الْبِحَارَ كُلَّهَا. وَقِيلَ إِنَّهُ ابْتَلَعَ ذَلِكَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ أَكْبَرُ مِنْهُ. قَالُوا: وَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِ الْحُوتِ حَسِبَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَحَرَّكَ جَوَارِحَهُ فَتَحَرَّكَتْ، فَإِذَا هُوَ حَيٌّ فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا وَقَالَ: يَا رَبِّ اتَّخَذْتُ لَك السجدا [فِي مَوضِع (٢) ] لَمْ يَعْبُدْكَ أَحَدٌ فِي مَثَلِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَار لبئه فِي بَطْنِهِ. فَقَالَ مَجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: الْتَقَمَهُ ضُحًى وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً، وَقَالَ قَتَادَةُ: مَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَيَشْهَدُ لَهُ شعر أُميَّة بن أَبى الصَّلْت:
وَأَنت بِفضل مِنْك نجيت يونسا * وَقد بَات فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ [أَبِي (١) ] الْحَسَنِ وَأَبُو مَالِكٍ: مَكَثَ فِي جَوْفِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مِقْدَارُ مَا لَبِثَ فِيهِ.
-
-
- وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا جُعِلَ الْحُوتُ يَطُوفُ بِهِ فِي قَرَارِ الْبِحَارِ اللُّجِّيَّةِ، وَيَقْتَحِمُ بِهِ لُجَجَ الْمَوْجِ الْأُجَاجِيِّ (٢) ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحِيتَانِ لِلرَّحْمَنِ، وَحَتَّى سَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى لِفَالِقِ الْحَبِّ والنوى، وَرب السَّمَوَات السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا بَيْنَهَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى. فَعِنْدَ ذَلِكَ وَهُنَالِكَ، قَالَ مَا قَالَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى، سَامِعُ الْأَصْوَاتِ وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَعَالِمُ الْخِفْيَاتِ وَإِنْ دَقَّتْ، وَمُجِيبُ الدَّعَوَاتِ وَإِنْ عَظُمَتْ، حَيْثُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِهِ الْأَمِينِ، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ وإله الْمُرْسلين: " وَذَا النُّون إِذْ ذهب " [أَي إِلَى أَهله (١) ] " مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ونجيناه من الْغم وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ " " فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ " أَي نضيق عَلَيْهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: نُقَدِّرُ مِنَ التَّقْدِيرِ وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَدَرَ وَقَدَّرَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ. فَلَا عَائِدٌ ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى * تَبَارَكْتَ ; مَا تُقَدِّرْ يَكُنْ، فَلَكَ الْأَمْرُ " فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ " قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُون
-
-
تَبَارَكْتَ ; مَا تُقَدِّرْ يَكُنْ، فَلَكَ الْأَمْرُ " فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ " قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُون
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك ; ظلمَة الْحُوتِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: ابْتَلَعَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ فَصَارَت ظُلْمَةُ الْحُوتَيْنِ مَعَ ظُلْمَةِ الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون " قيل مَعْنَاهُ فلولا أَنَّهُ سَبَّحَ اللَّهَ هُنَالِكَ، وَقَالَ مَا قَالَ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ، وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّوْبَةِ إِلَى وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، لَلَبِثَ هُنَالِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَبُعِثَ مِنْ جَوْفِ ذَلِكَ الْحُوتِ. هَذَا مَعْنَى ماروى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ " مِنْ قَبْلِ أَخْذِ الْحُوتِ لَهُ " مِنَ الْمُسَبِّحِينِ " أَيِ الْمُطِيعِينَ الْمُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا. قَالَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يحفضك، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ". وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بن
ِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ". وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بن
إِسْحَق، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ [قَالَ (١) ] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ [الْحُوتِ (١) ] أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوت: أَن خُذْهُ وَلَا تخدش لَهُ لَحْمًا وَلَا تكسر لَهُ عَظْمًا. فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ سمع يُونُس حسا، فَقَالَ فِي نَفسه ماهذا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ. قَالَ فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ! قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. قَالُوا: الْعَبْدُ الصَّالِحُ ; الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ: " وَهُوَ سقيم ". هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ إِسْنَادًا وَمَتْنًا. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَادِ. كَذَا قَالَ.
ٍ إِسْنَادًا وَمَتْنًا. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَادِ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبى حَاتِم فِي تَفْسِيره: حَدثنَا أَبُو عبد اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [ابْنِ (٢) ] أَخِي وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ يزِيد الرفاشى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ أَنَسًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِن يُونُسَ النَّبِيَّ ﵇ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنى كنت من الظَّالِمين. فَأَقْبَلت [هَذِه] (٢) الدعْوَة تَحت الْعَرْش، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ من بِلَاد غَرِيبَة. فَقَالَ:
أما تعرفُون ذَاك؟ قَالُوا: لَا يَا رَبِّ وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ. قَالُوا: عَبَدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عمل متقبل (١) ودعوة مجابة؟ قَالُوا: يَا رَبنَا! أَو لَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُهُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنَجِّيَهُ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ فِي الْعَرَاءِ ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. زَادَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ قُسَيْطٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: طُرِحَ بِالْعَرَاءِ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْيَقْطِينَةَ. قُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَا الْيَقْطِينَةُ؟ قَالَ شَجَرَةُ الدُّبَّاءِ [قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (٢) ] وَهَيَّأَ اللَّهُ لَهُ أُرْوِيَّةً (٣) وَحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، أَوْ قَالَ هَشَاشِ الارض، قَالَ: فتفسخ عَلَيْهِ فَتَرْوِيهِ مِنْ لَبَنِهَا كُلَّ عَشِيَّةٍ وَبُكْرَةٍ حَتَّى نَبَتَ. وَقَالَ [أُمَيَّةُ (٢) ] بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذَلِكَ بَيْتًا مِنْ شِعْرِهِ؟ فَأَنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ برحمة * من الله لَوْلَا الله أصبح ضاويا (٤) وَهَذَا غَرِيبٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ يَتَقَوَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ; كَمَا يَتَقَوَّى ذَاكَ بِهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " فنبذناه " أَيْ أَلْقَيْنَاهُ " بِالْعَرَاءِ " وَهُوَ الْمَكَانُ الْقَفْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شئ مِنَ الْأَشْجَارِ، بَلْ هُوَ عَارٍ مِنْهَا، " وَهُوَ سقيم "
أَيْ أَلْقَيْنَاهُ " بِالْعَرَاءِ " وَهُوَ الْمَكَانُ الْقَفْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شئ مِنَ الْأَشْجَارِ، بَلْ هُوَ عَارٍ مِنْهَا، " وَهُوَ سقيم "
أَيْ ضَعِيفُ الْبَدَنِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ: كَهَيْئَةِ الصَّبِيِّ [حِينَ يُولَدُ (١) ] وَهُوَ المنفوس لَيْسَ عَلَيْهِ شئ. " وأنبتنا على شَجَرَة من يَقْطِين " قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَهِلَالُ بن يسَاف وَعبد الله بن طَاوُوس والسى وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ الْقَرْعُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي إِنْبَاتِ الْقَرْعِ عَلَيْهِ حِكَمٌ جَمَّةٌ ; مِنْهَا أَنَّ وَرَقَهُ فِي غَايَةِ النُّعُومَةِ، وَكَثِيرٌ وَظَلِيلٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ ذُبَابٌ، وَيُؤْكَلُ ثَمَرُهُ مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِهِ إِلَى آخِرِهِ، نيا وَمَطْبُوخًا، وَبِقِشْرِهِ وَبِبِزْرِهِ أَيْضًا. وَفِيهِ نَفْعٌ كَثِيرٌ وَتَقْوِيَةٌ لِلدِّمَاغِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي هُرَيْرَة فِي تسخير الله تَعَالَى لخه تِلْكَ الْأُرْوِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ لَبَنَهَا وَتَرْعَى فِي الْبَرِّيَّةِ، وَتَأْتِيهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " فاستجبنا لَهُ فنجيناه من الْغم " أَيِ الْكَرْبِ وَالضِّيقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ " وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ " أَي وَهَذَا صنيعنا بِكُل من دَعَانَا وَاسْتَجَارَ بِنَا.
اه من الْغم " أَيِ الْكَرْبِ وَالضِّيقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ " وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ " أَي وَهَذَا صنيعنا بِكُل من دَعَانَا وَاسْتَجَارَ بِنَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عمرَان (٢) بن بكار الكلاعى، حَدثنَا يحيى ابْن صَالح، حَدثنَا أبويحيى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ (٣) بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اسْمُ اللَّهِ الذى
إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً إِذَا دَعَوْا بِهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: " فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ " فَهُوَ شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ دَعَاهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ قَالَ أَبُو خَالِدٍ: أَحْسَبُهُ عَنْ مُصْعَبٍ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ يُونُسَ اسْتُجِيبَ لَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: يُرِيد بِهِ: " وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ ". وَهَذَانِ طَرِيقَانِ عَنْ سَعْدٍ.
بِدُعَاءِ يُونُسَ اسْتُجِيبَ لَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: يُرِيد بِهِ: " وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ ". وَهَذَانِ طَرِيقَانِ عَنْ سَعْدٍ. وَثَالِثٌ أَحْسَنُ مِنْهُمَا: وَقَالَ الامام أَحْمد: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عُمَيْر، حَدثنَا يُونُس بن ابى إِسْحَق الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ - وَهُوَ ابْن أَبى وَقاص رضى الله عَنهُ - قَالَ: مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثُمَّ لَمْ يرد عَلَيَّ السَّلَامَ، [فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: هَلْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ شئ؟ قَالَ: لَا. وماذاك؟ قُلْتُ لَا، إِلَّا أَنِّي مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثمَّ لم يرد عَلَيَّ السَّلَامَ (١) ] قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا مَنعك أَن لاتكزون رددت على
أَخِيكَ السَّلَامَ؟ قَالَ: مَا فَعَلْتُ. قَالَ سَعْدٌ: قُلْتُ بَلَى، حَتَّى حَلَفَ وَحَلَفْتُ. قَالَ: ثُمَّ إِنْ عُثْمَانَ ذَكَرَ فَقَالَ بَلَى، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا، وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلَّا تَغَشَّى بَصَرِي وَقَلْبِي غِشَاوَةٌ. قَالَ سَعْدٌ: فَأَنَا أُنْبِئُكَ بِهَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبَعْتُهُ، فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الْأَرْضَ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ أَبُو إِسْحَق؟ " قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " خه (١) ؟ قُلْتُ لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّكَ ذَكَرْتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ. قَالَ: " نَعَمْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنى كنت من الظَّالِمين "، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا [مُسْلِمٌ رَبَّهُ (٢) ] فِي شئ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ.
ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين " وَذكره تَعَالَى فِي جملَة الانبياء الكرامو فِي سورتي النِّسَاء والانعام، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَقَالَ الامام أَحْمد: حَدثنَا وَكِيع، حثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ [بِهِ (٢) ] .
" لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ [بِهِ (٢) ] .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدثنَا شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ. قَالَ شُعْبَةُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ، هَذَا أَحُدُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ [أَحْمَدُ (١) ] عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُونُس (٢) بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنبأَنَا إِسْرَائِيل، عَمَّن أَبى يحيى العتاب، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيث شُعْبَة بِهِ.
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيث شُعْبَة بِهِ.
وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (١) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (٢) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس. وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ. وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
وفى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضل (١) من يُونُس بن مَتى [وَهَذَا اللَّفْظ يقوى أحد الْقَوْلَيْنِ من الْمَعْنى: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى (٢) ] أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يفضل نَفسه على يُونُس. وَالْقَوْل الآخر: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ الله وَالْمُرْسلِينَ. وَإِلَى هُنَا ينتهى الْجُزْء الاول من " قصَص الانبياء لِابْنِ كثير " ويتلوه الْجُزْء الثَّانِي وأوله: " قصَّة مُوسَى الكليم " بعون الله وتوفيقه.
﷽
ذكر قصَّة مُوسَى الكليم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ عازر بن لاوى بن يَعْقُوب بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم ﵈، قَالَ تَعَالَى: " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتنَا أَخَاهُ هرون نَبِيًّا (١) ". وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَذَكَرَ قِصَّتَهُ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة مبسوطة مُطَوَّلَة وَغير مُطَوَّلَة. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ التَّفْسِيرِ. وَسَنُورِدُ سِيرَتَهُ هَاهُنَا مِنِ ابْتِدَائِهَا إِلَى آخِرِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَمَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّلَفُ وَغَيْرُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. قَالَ الله تَعَالَى: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم طسم. تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين، نتلو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ، يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يحذرون " (٢) .
ً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يحذرون " (٢) .
يَذْكُرُ تَعَالَى مُلَخَّصَ الْقِصَّةِ، ثُمَّ يَبْسُطُهَا بَعْدَ هَذَا، فَذكر أَنه يَتْلُو عَلَى نَبِيِّهِ خَبَرَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالصِّدْقِ الَّذِي كَأَنَّ سَامِعَهُ مُشَاهِدٌ لِلْأَمْرِ مُعَايِنٌ لَهُ. " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شيعًا "، أَيْ تَجَبَّرَ وَعَتَا وَطَغَى وَبَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَأَعْرَضَ عَنْ طَاعَةِ الرَّبِّ الْأَعْلَى. وَجَعَلَ أَهلهَا شيعًا، أَيْ قَسَّمَ رَعِيَّتَهُ إِلَى أَقْسَامٍ، وَفِرَقٍ وَأَنْوَاعٍ، يستضعف طَائِفَة مِنْهُم، وَهُمْ شَعْبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ سلالة نَبِي الله يَعْقُوب ابْن إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ خِيَار أهل الارض. وَقد سلط عَلَيْهِمْ هَذَا الْمَلِكَ الظَّالِمَ الْغَاشِمَ الْكَافِرَ الْفَاجِرَ، يستعبدهم ويستخدمهم فِي أخس الصَّنَائِع والحرف وأرداها [وَأَدْنَاهَا (١) ] وَمَعَ هَذَا " يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ". وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الْقَبِيحِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَتَدَارَسُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا يأثرونه عَن إِبْرَاهِيم ﵇، مِنْ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُ مَلِكِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ. وَذَلِكَ - وَالله أعلم - حِين كَانَ جَرَى عَلَى سَارَّةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ مِنْ مَلِكِ مِصْرَ، مِنْ إِرَادَتِهِ إِيَّاهَا عَلَى السُّوءِ وَعِصْمَةِ اللَّهِ لَهَا.
ه أعلم - حِين كَانَ جَرَى عَلَى سَارَّةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ مِنْ مَلِكِ مِصْرَ، مِنْ إِرَادَتِهِ إِيَّاهَا عَلَى السُّوءِ وَعِصْمَةِ اللَّهِ لَهَا. وَكَانَتْ هَذِهِ الْبِشَارَةُ مَشْهُورَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَحَدَّثَ بِهَا الْقِبْطُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ووصلت إِلَى فِرْعَوْن فَذكرهَا لَهُ بعض أُمَرَائِهِ وَأَسَاوِرَتِهِ وَهُمْ يَسْمُرُونَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَذَرًا مِنْ وُجُودِ هَذَا الْغُلَامِ، وَلَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ! وَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي مَالك، عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن
مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ، كَأَنَّ نَارًا [قَدْ (١) ] أَقْبَلَتْ مِنْ نَحْوِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَحْرَقَتْ دَوْرَ مِصْرَ وَجَمِيعَ الْقِبْطِ وَلَمْ تَضُرَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ هَالَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَ الكهنة والحذقة والسحرة. وسألهم عَن ذَلِك، فَقَالُوا: هَذَا غُلَام يُولد من هَؤُلَاءِ، يَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ، فَلِهَذَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْغِلْمَانِ وَتَرْكِ النِّسْوَانِ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الارض " وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، " وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ " أَيِ الَّذِينَ يَئُولُ مُلْكُ مِصْرَ وَبِلَادُهَا إِلَيْهِمْ. " وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وجنودهما مِنْهُم مَا كَانُوا يحذرون " أَي سنجعل الضَّعِيف قَوِيا والمقهور قاهر وَالذَّلِيلَ عَزِيزًا. وَقَدْ جَرَى هَذَا كُلُّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا. " الْآيَة.



