— Bagian 20 · ُولُ: بِسْمِ اللَّهِ. —
Bagian 20
ُولُ: بِسْمِ اللَّهِ. فَقَالَتْ لَهُ أَنَّى لَكَ هَذَا الِاسْمُ؟ فَقَالَ إِنِّي مِنْ أَصْحَابِ الْخَضِرِ، فَتَزَوَّجَتْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا. ثُمَّ صَارَ مِنْ أَمْرِهَا أَنْ صَارَتْ مَاشِطَةَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا تُمَشِّطُهَا إِذْ وَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ. فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ فَقَالَتْ: لَا، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيك الله. فأعلمت أَبَاهَا فَأمر بنقرة مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَأُلْقِيَتْ فِيهَا. فَلَمَّا عَايَنَتْ ذَلِكَ تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا ابْنٌ مَعَهَا صَغِيرٌ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي النَّارِ فَمَاتَتْ، رَحِمَهَا اللَّهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْأَعْمَى نُفَيْعٍ - وَهُوَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ - وَهُوَ كَذَّابٌ أَيْضًا - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ الْخَضِرَ جَاءَ لَيْلَةً فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مَا يُنَجِّينِي مِمَّا خَوَّفْتَنِي، وَارْزُقْنِي شَوْقَ الصَّالِحِينَ إِلَى مَا شوقتهم إِلَيْهِ ". فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ ﵇ وَقَالَ قُلْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فَضَّلَ [شَهْرَ (١) ] رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، وَفَضَّلَ أُمَّتَكَ عَلَى الْأُمَمِ كَمَا فَضَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ " الْحَدِيثَ. وَهُوَ مَكْذُوبٌ لَا يَصح سندا وَلَا متْنا، فَكف لَا يَتَمَثَّلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويجئ بِنَفْسِهِ مُسَلِّمًا وَمُتَعَلِّمًا؟ ! وَهُمْ يَذْكُرُونَ فِي حِكَايَاتِهِمْ وَمَا يُسْنِدُونَهُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِمْ: أَنَّ الْخَضِرَ يَأْتِي إِلَيْهِمْ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَيَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ وَمَحَالَّهُمْ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يَعْرِفُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَلِيمَ اللَّهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ، حَتَّى يَتَعَرَّفَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادَى، بَعْدَ إِيرَادِهِ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرُ الْإِسْنَادِ سَقِيمُ الْمَتْنِ، يَتَبَيَّنُ فِيهِ أَثَرُ الصَّنْعَةِ.
َ أَنَسٍ هَذَا: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرُ الْإِسْنَادِ سَقِيمُ الْمَتْنِ، يَتَبَيَّنُ فِيهِ أَثَرُ الصَّنْعَةِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ قَائِلا: أَنْبَأَنَا (٢) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بكر ابْن بَالَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك
قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْدَقَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَبَكَوْا حَوْلَهُ وَاجْتَمَعُوا. فَدَخَلَ رَجُلٌ أَشْهَبُ اللِّحْيَةِ جَسِيمٌ صَبِيحٌ فَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَبَكَى. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِن فِي الله عزاء من كل مُصِيبَة، وَعِوَضًا مَنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَخَلَفًا مَنْ كُلِّ هَالك، فَإلَى الله فأنيبوا وَإِلَيْهِ فارغبوا، وَقد نظر إِلَيْكُمْ فِي الْبَلَاءِ فَانْظُرُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ لم يجْبر، وَانْصَرف. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أتعرفون الرجل؟ فَقَالَ أَبُو بكر وَعلي: نعم، هُوَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَضِرُ ﵇. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ بِهِ. وَفِي مَتْنِهِ مُخَالَفَةٌ لِسِيَاقِ الْبَيْهَقِيِّ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ضَعِيفٌ فَهَذَا مُنْكَرٌ بِمَرَّةٍ. قُلْتُ: عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ هَذَا هُوَ ابْن معمر الْبَصْرِيّ، وروى عَنْ أَنَسٍ نُسْخَةً، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْعُقَيْلِيُّ: أَكْثَرُهَا مَوْضُوعٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا مُنْكَرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ غَالٍ فِي التَّشَيُّعِ.
مٍ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا مُنْكَرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ غَالٍ فِي التَّشَيُّعِ. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مُسْنده: أَنبأَنَا (١) الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ جَعْفَر ابْن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جده على عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَت التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مَنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مَنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرْكًا مَنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا،
وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَتُدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا الْخَضِرُ. شَيْخُ الشَّافِعِيِّ الْقَاسِمُ الْعُمَرِيُّ مَتْرُوكٌ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: يَكْذِبُ. زَادَ أَحْمَدُ: وَيَضَعُ الْحَدِيثَ. ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ وَمَثَلُهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ هَاهُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْن الْمُنْكَدِرِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي عَلَى جَنَازَةٍ إِذْ سَمِعَ هَاتِفًا وَهُوَ يَقُولُ: لَا تَسْبِقْنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَانْتَظَرَهُ حَتَّى لَحِقَ بِالصَّفِّ، فَذَكَرَ دُعَاءَهُ لِلْمَيِّتِ: إِنْ تُعَذِّبْهُ فَكَثِيرًا عَصَاكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُ فَفَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ. وَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: طُوبَى لَكَ يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَرِيفًا أَوْ جَابِيًا أَوْ خَازِنًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ شُرْطِيًّا. فَقَالَ عُمَرُ: خُذُوا الرَّجُلَ نَسْأَلْهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَكَلَامِهِ عَمَّنْ هُوَ؟ [قَالَ (١) ] فَتَوَارَى عَنْهُمْ، فَنَظَرُوا فَإِذَا أَثَرُ قَدَمِهِ ذِرَاعٌ.
ُ: خُذُوا الرَّجُلَ نَسْأَلْهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَكَلَامِهِ عَمَّنْ هُوَ؟ [قَالَ (١) ] فَتَوَارَى عَنْهُمْ، فَنَظَرُوا فَإِذَا أَثَرُ قَدَمِهِ ذِرَاعٌ. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ الْخَضِرُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا الْأَثَرُ فِيهِ مُبْهَمٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَلَا يَصِحُّ مَثَلُهُ. وَرَوَى الْحَافِظَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُحَرَّرِ (٢) عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: دَخَلْتُ الطَّوَافَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: يَا من لَا يمنعهُ
سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لَا تُغْلِطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لَا يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ وَلَا مَسْأَلَةُ السَّائِلِينَ - ارْزُقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلَاوَةَ رَحْمَتِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ أَعِدْ عَلَيَّ مَا قُلْتَ، فَقَالَ لي: أَو سمعته؟ قُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ لِي: وَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ - قَالَ: وَكَانَ هُوَ الْخَضِرَ - لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ خَلْفَ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَعَدَدِ النُّجُومِ، لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُحَرَّرِ، فَإِنَّهُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ وَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مَالك بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا صَالح ابْن أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: بَيْنَمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، إِذَا هُوَ بَرْجَلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لَا يُغْلِطُهُ السَّائِلُونَ، وَيَا مَنْ لَا يتبرم بإلحاح الملحين ارزقني بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلَاوَةَ رَحْمَتِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعِدْ دُعَاءَكَ هَذَا قَالَ: أَو قد سَمِعْتَهُ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَادْعُ بِهِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَوَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ لَو كَانَ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ وَمَطَرِهَا، وَحَصْبَاءِ الْأَرْضِ وَتُرَابِهَا، لَغَفَرَ لَكَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ. وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقد رَوَاهُ (١) ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدثنَا
َفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقد رَوَاهُ (١) ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدثنَا
يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ مُنْقَطِعٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْخَضِرُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِم ابْن الْحُصَيْنِ (١) أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَق المزكى، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَق بْنِ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يزِيد أملاه عَلَيْنَا بِعَبَّادَانَ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَزِينٍ (٢) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَلْتَقِي الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ كُلَّ عَامٍ فِي الْمَوْسِمِ فَيَحْلِقُ كُلُّ [وَاحِدٍ (٣) ] مِنْهُمَا رَأْسَ صَاحِبِهِ، وَيَتَفَرَّقَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا الله مَا شَاءَ الله لَا يصرف السوء (٤) إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ". قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنَّ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، آمَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَالسَّرَقِ. قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَالسُّلْطَانِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ غَيْرُ هَذَا الشَّيْخِ [عَنْهُ (٥) ] يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ رَزِينٍ هَذَا (٦) . وَقَدْ روى عَن مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ أَيْضًا، وَمَعَ هَذَا قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ
نِي الْحَسَنَ بْنَ رَزِينٍ هَذَا (٦) . وَقَدْ روى عَن مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ أَيْضًا، وَمَعَ هَذَا قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ: مَجْهُولٌ وَحَدِيثُهُ غير مَحْفُوظ. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْمُنَادِي: هُوَ (١) حَدِيثٌ وَاهٍ بِالْحَسَنِ بْنِ رَزِينٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْجَهْضَمِيِّ - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ الْمَقْدِسِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَرْفُوعًا قَالَ: يَجْتَمِعُ كُلَّ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ - جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَالْخَضِرُ وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مَوْضُوعًا تَرَكْنَا إِيرَادَهُ قَصْدًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى الْخُشَنِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: إلْيَاس وَالْخضر يصومان شهر رَمَضَان بِبَيْت الْمَقْدِسِ، وَيَحُجَّانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَشْرَبَانِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً [وَاحِدَةً (٢) ] تَكْفِيهُمَا إِلَى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ - بَانِيَ جَامِعِ دِمَشْقَ - أَحَبَّ أَنْ يَتَعَبَّدَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ الْقَوَمَةَ أَنْ يُخْلُوهُ لَهُ فَفَعَلُوا، فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل جَاءَ فِي بَابِ السَّاعَاتِ فَدَخَلَ الْجَامِعَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَابِ الْخَضْرَاءِ، فَقَالَ لِلْقَوَمَةِ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُخْلُوهُ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الْخضر يجِئ كل لَيْلَة يصلى هَاهُنَا.
ِ الْخَضْرَاءِ، فَقَالَ لِلْقَوَمَةِ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُخْلُوهُ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الْخضر يجِئ كل لَيْلَة يصلى هَاهُنَا. قَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضا: أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم ابْن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد أَنبأَنَا أَبُو بكر بن الطَّبَرِيّ، أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْفَضْلِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن
عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ (١) عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبِيدَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يُمَاشِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُعْتَمَدًا عَلَى يَدَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفسِي: إِن هَذَا الرجل حاف، قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ - قُلْتُ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدِكَ آنِفًا؟ قَالَ وَهل رَأَيْته يَا رَبَاح؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: مَا أَحْسَبُكَ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا، ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ بَشَّرَنِي أَنِّي سَأَلِي وَأَعْدِلُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، الرَّمْلِيُّ مَجْرُوحٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قَدَحَ أَبُو الْحُسَيْن بن المنادى فِي ضَمرَة والسرى ورباح، ثمَّ أورد من طرق أخر عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالْخَضِرِ، وَضَعَّفَهَا كُلَّهَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَبِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ وَالْحِكَايَاتُ هِيَ عُمْدَةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَيَاتِهِ إِلَى الْيَوْمِ. وَكُلٌّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لَا يَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ فِي الدِّينِ، وَالْحِكَايَاتُ لَا يَخْلُو أَكْثَرهَا عَن ضعف الْإِسْنَادِ. وَقُصَارَاهَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا طَويلا عَن الدَّجَّال: وَقَالَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا: " يَأْتِي الدَّجَّالُ - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ - فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ
َا: " يَأْتِي الدَّجَّالُ - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ - فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْرِهِمْ، فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْك رَسُول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثِهِ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُول حِين يحيا: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَشَدَّ بَصِيرَةً فِيكَ مِنِّي الْآنَ. قَالَ فَيُرِيدُ قَتْلَهُ الثَّانِيَةَ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ. قَالَ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَجْعَلُ عَلَى حلقه صحيفَة مِنْ نُحَاسٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ الْخَضِرُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ ثُمَّ يُحْيِيهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ [بِهِ (١) ] . وَقَالَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ الْفَقِيهُ الرَّاوِي عَنْ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْخَضِرُ، وَقَوْلُ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ: بَلَغَنِي - لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: فَيَأْتِي بِشَابٍّ مُمْتَلِئٍ شَبَابًا فَيَقْتُلُهُ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْتَضِي الْمُشَافَهَةَ، بَلْ يَكْفِي التَّوَاتُرُ. وَقَدْ تَصَدَّى الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: " عُجَالَةُ الْمُنْتَظَرِ فِي شَرْحِ حَالَةِ الْخَضِرِ " لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِك من المرفوعات فَبين أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وَمن الْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بَعْدَهُمْ فَبَيَّنَ ضَعْفَ أَسَانِيدِهَا بِبَيَانِ أَحْوَالِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا، وَقَدْ أَجَادَ فِي ذَلِكَ وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ.
ينَ فَمن بَعْدَهُمْ فَبَيَّنَ ضَعْفَ أَسَانِيدِهَا بِبَيَانِ أَحْوَالِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا، وَقَدْ أَجَادَ فِي ذَلِكَ وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَمِنْهُم البُخَارِيّ وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن بن المنادى وَالشَّيْخ أَبُو الْفرج ابْن الجوزى، وَقد انتصر لذَلِك
وَألف (١) فِيهِ كتابا أسماه " عُجَالَةَ الْمُنْتَظَرِ فِي شَرْحِ حَالَةِ الْخَضِرِ " فَيَحْتَجُّ لَهُم بأَشْيَاء كَثِيرَة: مِنْهَا قَوْله: " وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد "، فَالْخَضِرُ إِنْ كَانَ بَشَرًا (٢) فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ حَتَّى يثبت. وَلم يذكر فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ عَنْ مَعْصُومٍ يَجِبُ قَبُولُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وأخذتم على ذَلِك إِصْرِي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ من الشَّاهِدين ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلِيَنْصُرُنَّهُ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْمِيثَاق، لَئِن بعث مُحَمَّدًا وَهْمُ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلِيَنْصُرُنَّهُ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ.
أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْمِيثَاق، لَئِن بعث مُحَمَّدًا وَهْمُ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلِيَنْصُرُنَّهُ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. فَالْخَضِرُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْمِيثَاقِ، فَلَوْ كَانَ حَيًّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَانَ أَشْرَفُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُؤْمِنُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَنْصُرُهُ أَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَلِيًّا فَالصَّدِيقُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَمُوسَى أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَدْ روى الامام أَحْمد فِي مُسْنده: حَدثنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان، حَدثنَا
هَشِيمٌ، أَنْبَأَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ". وَهَذَا الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ وَيَعْلَمُ مِنَ الدِّينِ عِلْمَ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ [مُكَلَّفُونَ] (١) فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَكَانُوا كُلُّهُمْ أَتْبَاعًا لَهُ، وَتَحْتَ أَوَامِرِهِ وَفِي عُمُومِ شَرْعِهِ. كَمَا أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لما اجْتمع بهم (٢) لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رُفِعَ فَوْقَهُمْ كُلِّهِمْ. وَلَمَّا هَبَطُوا مَعَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ أَمَرَهُ جِبْرِيلُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، فَصَلَّى (٣) بِهِمْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِمْ وَدَارِ إِقَامَتِهِمْ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالرَّسُولُ الْخَاتَمُ الْمُبَجَّلُ الْمُقَدَّمُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا - وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ (٤) مُؤْمِنٍ - عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا لَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِمَّنْ يَقْتَدِي بِشَرْعِهِ لَا يَسَعُهُ إِلَّا ذَلِكَ. هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵇ إِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا يَحِيدُ عَنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالْمَعْلُومُ (٥) أَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يُنْقَلْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ، أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتَالًا فِي مَشْهَدٍ مِنَ الْمشَاهد
ٍ تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ، أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتَالًا فِي مَشْهَدٍ مِنَ الْمشَاهد
وَهَذَا يَوْمُ بَدْرٍ يَقُولُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِيمَا دَعَا بِهِ لرَبه عزوجل، وَاسْتَنْصَرَهُ وَاسْتَفْتَحَهُ عَلَى مَنْ كَفَرَهُ: " اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ بَعْدَهَا فِي الْأَرْضِ "، وَتِلْكَ الْعِصَابَةُ كَانَ تَحْتَهَا سَادَةُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وَسَادَةُ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى جِبْرِيلُ ﵇، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، فِي بَيْتٍ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْخَرُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ: وَبِبِئْرِ (١) بَدْرٍ إِذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ * جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ فَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا، لَكَانَ وُقُوفُهُ تَحْتَ هَذِهِ الرَّايَةِ أَشْرَفَ مَقَامَاتِهِ وَأَعْظَمَ غَزَوَاتِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ: سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْخَضِرِ: هَلْ مَاتَ؟ فَقَالَ نَعَمْ. قَالَ وَبَلَغَنِي مِثْلُ هَذَا عَنْ أَبِي طَاهِرِ بْنِ الْغُبَارِيِّ قَالَ: وَكَانَ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي العجالة. فَإِن قيل: فَهَل (٢) يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَرَاهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ الَّذِي يلْزم مِنْهُ تَخْصِيص العموميات بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمَاتِ. ثُمَّ مَا الْحَامِلُ (٣) لَهُ عَلَى هَذَا الِاخْتِفَاءِ؟ وَظُهُورُهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ وَأَعْلَى فِي مَرْتَبَتِهِ وَأَظْهَرُ لِمُعْجِزَتِهِ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ بَاقِيًا بَعْدَهُ، لَكَانَ تَبْلِيغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ظَمُ لِأَجْرِهِ وَأَعْلَى فِي مَرْتَبَتِهِ وَأَظْهَرُ لِمُعْجِزَتِهِ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ بَاقِيًا بَعْدَهُ، لَكَانَ تَبْلِيغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ، وَإِنْكَارُهُ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمَقْلُوبَةِ وَالْآرَاءِ الْبِدْعِيَّةِ وَالْأَهْوَاءِ الْعَصَبِيَّةِ، وَقِتَالُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ وَشُهُودُهُ جُمُعَهُمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ، وَنَفْعُهُ إِيَّاهُمْ وَدَفْعُهُ الضَّرَرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، وَتَسْدِيدُهُ الْعُلَمَاءَ وَالْحُكَّامَ، وَتَقْرِيرُهُ الادلة والاحكام، أفضل مِمَّا يُقَالُ عَنْهُ مِنْ كُنُونِهِ فِي الْأَمْصَارِ، وَجَوْبِهِ الْفَيَافِيَ وَالْأَقْطَارَ، وَاجْتِمَاعِهِ بِعُبَّادٍ لَا يُعْرَفُ أَحْوَالُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَجَعْلِهِ لَهُمْ كَالنَّقِيبِ الْمُتَرْجِمِ عَنْهُمْ. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ لَا يتَوَقَّف فِيهِ أحد فِيهِ بعد التفهيم، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَيْلَةً الْعِشَاءَ ثُمَّ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّهُ إِلَى مِائَةٍ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ " عَيْنٌ تَطْرِفُ ".
َكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّهُ إِلَى مِائَةٍ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ " عَيْنٌ تَطْرِفُ ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهِلَ النَّاسُ (١) من مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ انْخِرَامَ (٢) قَرْنِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَة [صَلَاةَ] (٣) الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ". وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ أَوْ بِشَهْرٍ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ - أَوْ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ الْيَوْمَ مَنْفُوسَةٍ - يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ حَيَّةٌ ". وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: " يَسْأَلُونَنِي عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ وَأَبِي الزُّبَيْرِ: كُلٌّ مِنْهُمَا عَن جَابر بن عبد الله بن نَحوه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عباد، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ تَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى حَيَاةِ الْخَضِرِ. قَالُوا: فَالْخَضِرُ (١) إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَدْرَكَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ الْمَظْنُونُ الَّذِي يَتَرَقَّى فِي الْقُوَّةِ إِلَى الْقَطْعِ، فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ
ُنْ قَدْ أَدْرَكَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ الْمَظْنُونُ الَّذِي يَتَرَقَّى فِي الْقُوَّةِ إِلَى الْقَطْعِ، فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ
قَدْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لم يَعش بعد مِائَةَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ الْآنَ مَفْقُودًا لَا مَوْجُودًا، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُخَصَّصِ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ يَجِبُ قَبُولُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ: " التَّعْرِيفُ وَالْإِعْلَامُ " عَنِ البُخَارِيّ وَشَيْخه أبي بكر بن الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ مَاتَ بَعْدَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ ﵀ يَقُولُ بِهَذَا وَأَنَّهُ بَقِيَ إِلَى زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ، نَظَرٌ وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ بَقَاءَهُ، وَحَكَاهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: وَأَمَّا اجْتِمَاعُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْزِيَتُهُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ بَعْدَهُ فَمَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ضَعَّفْنَاهُ، وَلَمْ يُورِدْ أَسَانِيدَهَا وَالله أعلم.
أَهْلِ الْبَيْتِ بَعْدَهُ فَمَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ضَعَّفْنَاهُ، وَلَمْ يُورِدْ أَسَانِيدَهَا وَالله أعلم.
[وَأما] (١) إلْيَاس ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ مُوسَى وهرون مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ: " وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إلياسين * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤمنِينَ (٢) ". قَالَ عُلَمَاء النّسَب هُوَ: إلْيَاس النشبى، وَيُقَال: ابْن ياسين بن فنحَاص بن الْعيزَار بن هرون. وَقيل: إلْيَاس بن العازر بن الْعيزَار ابْن هَارُون بن عمرَان. قَالُوا وَكَانَ إرْسَاله إِلَى أهل بعلبك غربي دمشق، فَدَعَاهُمْ إِلَى الله عزوجل وَأَن يتْركُوا عبَادَة صنم لَهُم كَانُوا يسمونه " بعلا ". وَقيل كَانَت امْرَأَة اسْمهَا " بعل " وَالله أعلم. [والاول أصح (٢) ] وَلِهَذَا قَالَ لَهُم: " أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * الله ربكُم وَرب آبائكم الاولين ". فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ. فَيُقَالُ إِنَّهُ هَرَبَ مِنْهُمْ وَاخْتَفَى عَنْهُمْ قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْأَذْرَعِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ عَنْ كَعْب الاحبار أَنه قَالَ: إِن إلْيَاس اختفى مَنْ مَلِكِ قَوْمِهِ فِي الْغَارِ الَّذِي تَحْتَ الدَّم عشر سِنِين، حَتَّى أهلك الله
الْمَلِكَ وَوَلَّى غَيْرَهُ، فَأَتَاهُ إِلْيَاسُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، وَأَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ غَيْرَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْهُمْ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْن سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ بَعْضِ مَشْيَخَةِ دِمَشْقَ قَالَ: أَقَامَ إِلْيَاسُ ﵇ هَارِبًا مِنْ قَوْمِهِ فِي كَهْفِ جَبَلٍ عِشْرِينَ لَيْلَةً - أَوْ قَالَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً - تَأْتِيهِ الْغِرْبَانُ بِرِزْقِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إِدْرِيسُ، ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَق، ثُمَّ يَعْقُوبُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ لُوطٌ ثُمَّ هُودٌ ثُمَّ صَالِحٌ ثُمَّ شُعَيْبٌ، ثُمَّ مُوسَى وَهَارُون ابْنا عمرَان، ثمَّ إلْيَاس النشبى بْنِ الْعَازِرِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قاهث بن لاوى بن يَعْقُوب بن إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈. هَكَذَا قَالَ: وَفِي هَذَا التَّرْتِيبِ نَظَرٌ. وَقَالَ مَكْحُولٌ عَنْ كَعْبٍ: أَرْبَعَةُ (١) أَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ، اثْنَانِ فِي الْأَرْضِ إِلْيَاسُ وَالْخضر، وَاثْنَانِ فِي السَّمَاء: إِدْرِيس وَعِيسَى ﵈. وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ إِلْيَاسَ وَالْخَضِرَ يَجْتَمِعَانِ فِي كُلِّ عَامٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهُمَا يَحُجَّانِ كُلَّ سَنَةٍ وَيَشْرَبَانِ مِنْ زَمْزَمَ شَرْبَةً تَكْفِيهُمَا إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَأَوْرَدْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ بِعَرَفَات كل سنة.
شَرْبَةً تَكْفِيهُمَا إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَأَوْرَدْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ بِعَرَفَات كل سنة.
وَبينا أَنه لم يَصح شئ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ: أَنَّ الْخَضِرَ مَاتَ، وَكَذَلِكَ إِلْيَاسُ ﵉. وَمَا ذَكَرَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لما دَعَا ربه عزوجل أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ لَمَّا كذَّبُوهُ وَآذَوْهُ، فَجَاءَتْهُ دَابَّةٌ لَوْنُهَا لَوْنُ النَّارِ فَرَكِبَهَا، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ رِيشًا وَأَلْبَسَهُ النُّورَ، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَصَارَ مَلَكِيًّا بَشَرِيًّا سَمَاوِيًّا أَرْضِيًّا، وَأَوْصَى إِلَى الْيَسَعِ بْنِ أَخْطُوبَ، فَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَهُوَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي لَا تُصَدَّقُ وَلَا تُكَذَّبُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ صِحَّتَهَا بَعِيدَةٌ، وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي [أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْدَانِيُّ بِبُخَارَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ سِنَانٍ] (١) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَلَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَإِذَا رَجُلٌ فِي الْوَادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ المرحومة المغفورة المتاب لَهَا قَالَ: فَأَشْرَفْتُ عَلَى الْوَادِي فَإِذَا رَجُلٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَقَالَ لِي من أَنْت؟ فَقلت: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
لَى الْوَادِي فَإِذَا رَجُلٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَقَالَ لِي من أَنْت؟ فَقلت: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قُلْتُ هوذا يسمع كلامك، قَالَ: فأته فأقرئه [مني (٢) ] السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ (٣) أَخُوكَ إِلْيَاسُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ. قَالَ: فَأتيت النَّبِي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ، فَجَاءَ حَتَّى لقِيه فعانقه وَسلم، ثمَّ قعدا يتحادثان فَقَالَ لَهُ: يارسول الله إِنِّي مَا آكل فِي السّنة إِلَّا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمُ فِطْرِي (١) فَآكُلُ أَنَا وَأَنْتَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمَا مَائِدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَيْهَا خُبْزٌ وَحُوتٌ وَكَرَفْسٌ، فَأَكَلَا وَأَطْعَمَانِي وَصَلَّيْنَا الْعَصْر، ثمَّ ودعه وَرَأَيْت مره فِي السَّحَابِ نَحْوَ السَّمَاءِ: فَقَدْ كَفَانَا الْبَيْهَقِيُّ أَمْرَهُ، وَقَالَ: [هَذَا (١) ] حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيَّ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدْرَكُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدْرَكِ: فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ مِنْ وُجُوهٍ وَمَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ " وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِالسَّعْي إِلَى بَيْنِ يَدَيْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَأْكُلُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ وَهْبٍ أَنَّهُ سَلَبَهُ اللَّهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يَشْرَبُ مِنْ زَمْزَمَ كُلَّ سَنَةٍ شَرْبَةً تَكْفِيهِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ الْآخَرِ.
مَشْرَبِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يَشْرَبُ مِنْ زَمْزَمَ كُلَّ سَنَةٍ شَرْبَةً تَكْفِيهِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ الْآخَرِ. وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مُتَعَارِضَةٌ وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ لَا يَصح شئ مِنْهَا. وَقَدْ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ هَذَا الْحَدِيثَ من طَرِيق أُخْرَى واعترف بضعفها
وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ، كَيْفَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّهُ أوردهُ من طَرِيق حُسَيْن بْنِ عَرَفَةَ عَنْ هَانِئِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَقِيَّةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ عَن ابْن الْأَسْقَعِ، فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا مُطَوَّلًا. وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ (١) كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، قَالَا: فَإِذَا هُوَ أَعْلَى جِسْمًا [مِنَّا (٢) ] بِذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة، وَاعْتذر بِعَدَمِ قدرته لِئَلَّا تَنْفِرَ الْإِبِلُ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكَلَا مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ: إِنَّ لِي فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَكْلَةً، وَفِي الْمَائِدَةِ خُبْزٌ وَرُمَّانٌ وَعِنَبٌ وَمَوْزٌ وَرُطَبٌ وَبَقْلٌ، مَا عَدَّا الْكُرَّاثَ. وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ عَنِ الْخَضِرِ فَقَالَ: عَهْدِي بِهِ عَامَ أَوَّلَ، وَقَالَ لِي: إِنَّكَ سَتَلْقَاهُ قَبْلِي فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ، بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِمَا وَصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَجْتَمِعَا بِهِ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا لَا يَسُوغُ (٣) شَرْعًا. وَهَذَا مَوْضُوعٌ أَيْضًا. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ طرفا فِيمَن اجْتمع إلْيَاس مِنَ الْعُبَّادِ، وَكُلُّهَا لَا يُفْرَحُ بِهَا، لِضَعْفِ إِسْنَادِهَا أَوْ لِجَهَالَةِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِيهَا. وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: " حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ من الله الْعَزِيز
بِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: " حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ من الله الْعَزِيز
الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ * ذِي الطول " فَإِذا رجل من خَلْفي على بغلة شهباء، عَلَيْهِ مقطعات يمنية فَقَالَ لي: إِذا قلت " غَافِر الذَّنب " فَقُلْ: يَا غَافِرَ الذَّنْبِ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَإِذَا قُلْتَ " قَابِلِ التَّوْبِ " فَقُلْ يَا قَابِلَ التَّوْبِ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَإِذَا قُلْتَ " شَدِيدِ الْعِقَابِ " فَقُلْ يَا شَدِيدَ الْعِقَابِ لَا تُعَاقِبْنِي، وَإِذَا قلت " ذِي الطول " فَقُلْ يَا ذَا الطَّوْلِ تَطَوَّلْ عَلَيَّ بِرَحْمَةٍ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا لَا أَحَدَ. وَخَرَجْتُ فَسَأَلْتُ: مَرَّ بِكُمْ رَجُلٌ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهِ مُقَطِّعَاتٌ يَمَنِيَّةٌ؟ فَقَالُوا: مَا مَرَّ بِنَا أَحَدٌ. فَكَانُوا لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّهُ إِلْيَاسُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فَكَذبُوهُ فَإِنَّهُم لمحضرون " أَي للعذاب، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أَو فِي الْآخِرَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ والمؤرخون وَقَوله: " إِلَّا عباد الله المخلصين " أَيْ إِلَّا مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ: " وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين " أَيْ أَبْقَيْنَا بَعْدَهُ (١) ذِكْرًا حَسَنًا لَهُ فِي الْعَالَمِينَ فَلَا يُذْكَرُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَلِهَذَا قَالَ: " سَلام على إلياسين " [أَيْ سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسَ (٢) ] وَالْعَرَبُ تُلْحِقُ النُّونَ فِي أَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ وَتُبَدِّلُهَا مِنْ غَيْرِهَا كَمَا قَالُوا: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْمَاعِينُ [وَإِسْرَائِيلُ وإِسْرَائِينُ، وَإِلْيَاسُ وَإِلْيَاسِينُ] (٢) وَقد قرئَ: سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ، أَيْ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِينَ، وَنُقِلَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدَة ابْن رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ.
َلَى إِدْرَاسِينَ، وَنُقِلَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدَة ابْن رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَحَكَاهُ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيره كَمَا تقدم. وَالله أعلم.
بَابُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بعد مُوسَى ﵇ ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ بِذِكْرِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْمَاضِينَ وَأُمُورِ السَّالِفِينِ من أمتنَا وَغَيرهم أَن الْقَائِم بِأُمُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا، يَعْنِي أَحَدَ أَصْحَابِ مُوسَى ﵇ وَهُوَ زَوْجُ أُخْتِهِ مَرْيَمَ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ مِمَّنْ يَخَافُونَ اللَّهَ، وَهُمَا يُوشَعُ وَكَالِبُ، وَهُمَا الْقَائِلَانِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ نَكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ: " ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ". قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ الْقَائِم بِأُمُور بني إِسْرَائِيل حزقيل ابْن بُوذَى (٢) وَهُوَ الَّذِي دَعَا اللَّهَ فَأَحْيَا الَّذِينَ أخرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت.
قِصَّةُ حِزْقِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون ". قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ إِنَّ كَالِبَ بْنَ يُوفَنَّا لَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [بَعْدَ يُوشَعَ (١) ] خَلَفَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِزْقِيلَ بْنَ بُوذَى (٢) وَهُوَ ابْنُ الْعَجُوزِ وَهُوَ الَّذِي دَعَا لِلْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِيمَا بَلَغَنَا. " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْت " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَرُّوا مِنَ الْوَبَاءِ فَنَزَلُوا بِصَعِيدٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً دُونَ السِّبَاعِ، فَمَضَتْ عَلَيْهِمْ دُهُورٌ طَوِيلَةٌ فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ ﵇ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ مُتَفَكِّرًا فَقِيلَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ وَأَنْتَ تَنْظُرُ؟ فَقَالَ: نعم. فَأمر أَن يدعوا تِلْكَ الْعِظَامَ أَنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا وَأَنْ يَتَّصِلَ الْعَصَبُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. فَنَادَاهُمْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ، فَقَامَ الْقَوْمُ أَجْمَعُونَ وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ أُنَاسٍ (٣) مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ. " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْت فَقَالَ لَهُم
َنْ أُنَاسٍ (٣) مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ. " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْت فَقَالَ لَهُم
الله موتوا ثمَّ أحياهم " قَالُوا: كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانُ قِبَلَ وَاسِطَ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا فَنَزَلُوا نَاحِيَةً مِنْهَا فَهَلَكَ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ وَسَلِمَ الْآخَرُونَ فَلَمْ يَمُتْ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا: أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا بَقِينَا وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ مَعَهُمْ. فَوَقَعَ فِي قَابِلٍ، فَهَرَبُوا وَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا حَتَّى نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ وَهُوَ وَادٍ أَفْيَحُ، فَنَادَاهُمْ مَلَكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ: أَنْ مُوتُوا. فَمَاتُوا حَتَّى إِذَا هَلَكُوا وَبَقِيَتْ أَجْسَادُهُمْ مَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيهِمْ وَيَلْوِي شِدْقَيْهِ وَأَصَابِعَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا كَانَ تَفَكُّرُهُ [أَنَّهُ تَعَجَّبَ (١) ] مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: نَادِ. فَنَادَى: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي. فَجَعَلَتِ الْعِظَامُ يَطِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى كَانَتْ أَجْسَادًا مِنْ عِظَامٍ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ. أَنْ نَادِ: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي لَحْمًا [فَاكْتَسَتْ لَحْمًا (٢) ] وَدَمًا وَثِيَابَهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا. ثُمَّ قِيلَ لَهُ: نَادِ. فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَقُومِي فَقَامُوا.
مًا وَثِيَابَهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا. ثُمَّ قِيلَ لَهُ: نَادِ. فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَقُومِي فَقَامُوا. قَالَ أَسْبَاطٌ: فَزَعَمَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنهم قَالُوا حِين أحيوا " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ " فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ أَحْيَاءً يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْتَى، سَحْنَةَ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَاد رسما، حَتَّى مَاتُوا لآجالهم (٣) الَّتِي كتبت لَهُم.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَعَنْهُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ تِسْعَةَ آلَافٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ أَذَرِعَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: هَذَا مَثَلٌ. يَعْنِي أَنَّهُ سِيقَ مَثَلًا مُبَيِّنًا أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ! وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ [أَقْوَى (١) ] أَنَّ هَذَا وَقَعَ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن الْحَارِث ابْن نَوْفَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَة ابْن الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. يَعْنِي فِي مُشَاوَرَتِهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا بِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ.
اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ. فَحَمِدَ الله عمر ثمَّ انْصَرف. وَقَالَ الامام: حَدثنَا حجاج وَيزِيد الْمُفْتى قَالَا حَدثنَا ابْن أبي ذُؤَيْب (٢) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْن عَوْفٍ أَخْبَرَ عُمَرُ وَهُوَ فِي الشَّامِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ هَذَا *
السَّقَمَ عُذِّبَ بِهِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ. قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ مِنَ الشَّامِ. وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ (١) وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا مُدَّةَ لُبْثِ حِزِقْيلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قُبِضَ نَسِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ بَعْلٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِم إلْيَاس بن ياسين بن قنحاص ابْن الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا قِصَّةَ إِلْيَاسَ تَبَعًا لِقِصَّةِ الْخَضِرِ لِأَنَّهُمَا يُقْرَنَانِ فِي الذِّكْرِ غَالِبًا، وَلِأَجْلِ أَنَّهَا بَعْدَ قِصَّةِ مُوسَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ فَتَعَجَّلْنَا قِصَّتَهُ لِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: ثُمَّ تَنَبَّأَ فِيهِمْ بَعْدَ إِلْيَاسَ وَصِّيُهُ اليسع بن أخطوب ﵇. وَهَذِه:
دُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: ثُمَّ تَنَبَّأَ فِيهِمْ بَعْدَ إِلْيَاسَ وَصِّيُهُ اليسع بن أخطوب ﵇. وَهَذِه:
قِصَّةُ الْيَسَعَ ﵇ وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [فِي قَوْلِهِ (١) ] " وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا على الْعَالمين " وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ ص: " وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسع وَذَا الكفل وكل من الاخيار " قَالَ ابْن إِسْحَق: حَدثنَا بِشْرٍ أَبُو حُذَيْفَةَ، أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ كَانَ بَعْدَ إِلْيَاسَ الْيَسَعُ ﵉، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ مُسْتَمْسِكًا بِمِنْهَاجِ إِلْيَاسَ وشريعته حَتَّى قَبضه الله عزوجل إِلَيْهِ ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمُ الْخُلُوفُ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْخَطَايَا وَكَثُرَتِ الْجَبَابِرَةُ وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَكَانَ فيهم ملك عَنِيدٌ طَاغٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ الَّذِي تَكَفَّلَ لَهُ ذوالكفل إِن هُوَ تَابَ وَرجع دَخَلَ الْجَنَّةَ فَسُمِّى ذَا الْكِفْلِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هُوَ الْيَسَعُ بْنُ أَخْطُوبَ. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِرَ فِي حَرْفِ الْيَاءِ مِنْ تَارِيخِهِ: الْيَسَعُ وَهُوَ الْأَسْبَاطُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ شُوتَلْمَ بْنِ أَفْرَاثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَيُقَالُ هُوَ ابْنُ عَمِّ إِلْيَاسَ النَّبِيِّ ﵉ وَيُقَالُ كَانَ مُسْتَخْفِيًا مَعَهُ بِجَبَلِ قَاسِيُونَ مِنْ مَلِكِ بَعْلَبَكَّ ثُمَّ ذَهَبَ مَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمَّا رُفِعَ إِلْيَاسُ خَلَفَهُ اليسع فِي قومه ونبأه الله بعده.
مَعَهُ بِجَبَلِ قَاسِيُونَ مِنْ مَلِكِ بَعْلَبَكَّ ثُمَّ ذَهَبَ مَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمَّا رُفِعَ إِلْيَاسُ خَلَفَهُ اليسع فِي قومه ونبأه الله بعده.
ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ [بْنِ سِنَانٍ (١) ] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ وَقَالَ غَيره وَكَانَ [الاسباط (٢) ] ببانياش. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ اليسع بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد وَمن قَرَأَ والليسع وَهُوَ اسْمٌ وَاحِدٌ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. قُلْتُ: قد قدمنَا قصَّة ذالكفل بعد قصَّة أَيُّوب ﵇ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ ابْنُ أَيُّوبَ فَالله تَعَالَى أعلم. فَصْلٌ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: ثُمَّ مَرَجَ أَمر بني إِسْرَائِيل وعظمت مِنْهُم (٣) الخطوب وَالْخَطَايَا وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ الْأَنْبِيَاءِ مُلُوكًا جَبَّارِينَ يَظْلِمُونَهُمْ وَيَسْفِكُونَ دِمَاءَهُمْ وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءَ مِنْ غَيرهم أَيْضا، وَكَانُوا إِذْ قَاتَلُوا أَحَدًا مِنَ الْأَعْدَاءِ يَكُونُ مَعَهُمْ تَابُوتُ الْمِيثَاقِ الَّذِي كَانَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ. كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَكَانُوا يُنْصَرُونَ بِبَرَكَتِهِ وَبِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ السِّكِّينَةِ وَالْبَقِيَّةِ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ. فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِمْ مَعَ أَهْلِ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ غَلَبُوهُمْ وَقَهَرُوهُمْ عَلَى أَخْذِهِ فَانْتَزَعُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ مَلِكُ بَنَى إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان مَالَتْ عُنُقه فَمَاتَ كمدا.
وَبَقِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ كَالْغَنَمِ بِلَا رَاعٍ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُقَالُ لَهُ شَمْوِيلُ، فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ مَلِكًا لِيُقَاتِلُوا مَعَهُ الْأَعْدَاءَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا سَنَذْكُرُهُ مِمَّا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. قَالَ ابْن جرير: فَكَانَ من وَفَاةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ إِلَى أَنَّ بَعْثَ الله عزوجل شَمْوِيلَ بْنَ بَالَى أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً. ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَهَا بِمُدَدِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مُلِّكُوا عَلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا تَرَكْنَا ذِكْرَهُمْ قَصْدًا.
قصَّة شمويل ﵇ وفيهَا بَدْء أَمر دَاوُد ﵇ هُوَ شَمْوِيلُ وَيُقَالُ أَشْمَوِيلُ بْنُ بَالَى بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ يَرْخَامَ بْنِ أَلْيَهْوَ بْنِ تَهْوِ بْنِ صُوفَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَاحِثَ بن عموصا بن عزريا. قَالَ مقَاتل: وَهُوَ من وَرَثَة هَارُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ أَشْمَوِيلُ بْنُ هَلْفَاقَا (١) وَلَمْ يَرْفَعْ فِي نَسَبِهِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَكَى السُّدِّيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالثَّعْلَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا غَلَبَتِ الْعَمَالِقَةُ مِنْ أَرْضِ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَسَبَوْا مِنْ أَبْنَائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا وَانْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ سِبْطِ لَاوِي وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا امْرَأَةٌ حُبْلَى، فَجَعَلَتْ تَدْعُو اللَّهَ عزوجل أَنْ يَرْزُقَهَا وَلَدًا ذَكَرًا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ أَشْمَوِيلَ، وَمَعْنَاهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ، أَيْ سَمْعِ اللَّهُ دُعَائِي.
يَرْزُقَهَا وَلَدًا ذَكَرًا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ أَشْمَوِيلَ، وَمَعْنَاهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ، أَيْ سَمْعِ اللَّهُ دُعَائِي. فَلَمَّا تَرَعْرَعَ بَعَثَتْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَسْلَمَتْهُ عِنْدَ رَجُلٍ صَالِحٍ فِيهِ يَكُونُ عِنْدَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ خَيْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَكَانَ عِنْدَهُ فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ بَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمٌ إِذَا صَوْتٌ يَأْتِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَانْتَبَهَ مَذْعُورًا فَظَنَّهُ الشَّيْخُ يَدْعُوهُ فَسَأَلَهُ: أَدَعَوْتَنِي؟ فَكَرِهَ أَنْ يفزعه فَقَالَ: نعم نم. فَنَامَ.
ثُمَّ نَادَاهُ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ فَإِذَا جِبْرِيلُ يَدْعُوهُ. فَجَاءَهُ فَقَالَ إِنَّ رَبَّكَ قَدْ بَعَثَكَ إِلَى قَوْمِكَ. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا؟ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا! فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ. قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
َ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. قَالَ الَّذِينَ يظنون أَنهم ملاقوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض وَلَكِن الله ذوفضل على الْعَالمين ". قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ نَبِيُّ هَؤُلَاءِ [الْقَوْمِ (١) ] الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ شَمْوِيلَ. وَقِيلَ شَمْعُونُ وَقِيلَ هُمَا وَاحِدٌ. وَقِيلَ يُوشَعُ، وَهَذَا بعيد لما ذكره الامام أَبُو جَعْفَر ابْن جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ بَيْنَ مَوْتِ يُوشَعَ وَبَعْثَةِ شَمْوِيلَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَمَّا أَنْهَكَتْهُمُ الْحُرُوبُ وَقَهْرَهُمُ (٢) الْأَعْدَاءُ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُنَصِّبَ لَهُمْ مَلِكًا يَكُونُونَ تَحْتَ طَاعَتِهِ لِيُقَاتِلُوا مِنْ وَرَائِهِ وَمَعَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْأَعْدَاءَ. فَقَالَ لَهُمْ: " هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا؟ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله " أَي وَأي شئ يَمْنَعُنَا مِنَ الْقِتَالِ " وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وأبنائنا " يَقُولُونَ نَحْنُ مَحْرُوبُونَ مَوْتُورُونَ، فَحَقِيقٌ لَنَا أَنْ نُقَاتِل عَن أَبْنَائِنَا المنهورين (٣) الْمُسْتَضْعَفِينَ فيهم المأسورين فِي قبضتهم. قَالَ الله تَعَالَى: " فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالله عليم بالظالمين " كَمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ النَّهْرَ مَعَ الْمَلِكِ إِلَّا الْقَلِيلُ وَالْبَاقُونَ رجعُوا ونكلوا عَن الْقِتَال.
مين " كَمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ النَّهْرَ مَعَ الْمَلِكِ إِلَّا الْقَلِيلُ وَالْبَاقُونَ رجعُوا ونكلوا عَن الْقِتَال.
" وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا " قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَهُوَ طالوت بن قيش بن أفيل (١) بن صارو (٢) بن تحورت بن أفيح ابْن أَنِيسَ بْنِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ سَقَّاءً! وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ دَبَّاغًا وَقيل غير ذَلِك. وَالله أَعْلَمُ. وَلِهَذَا " قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَة من المَال " وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ النُّبُوَّةَ كَانَتْ فِي سِبْطِ لَاوِي وَأَنَّ الْمُلْكَ كَانَ فِي سِبْطِ يَهُوذَا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ نَفَرُوا مِنْهُ وَطَعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَحْنُ أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ و [قد (٣) ] ذكرُوا أَنَّهُ فَقِيرٌ لَا سِعَةَ مِنَ الْمَالِ مَعَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مَلِكًا. " قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والجسم ". قِيلَ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَوْحَى إِلَى شَمْوِيلَ أَنَّ أَيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ طُولُهُ عَلَى طُولِ هَذِهِ الْعَصَا وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَكَ يَفُورُ هَذَا الْقَرْنُ الَّذِي فِيهِ مِنْ دُهْنِ الْقُدْسِ فَهُوَ مِلْكُهُمْ.
ِيلَ كَانَ طُولُهُ عَلَى طُولِ هَذِهِ الْعَصَا وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَكَ يَفُورُ هَذَا الْقَرْنُ الَّذِي فِيهِ مِنْ دُهْنِ الْقُدْسِ فَهُوَ مِلْكُهُمْ. فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ وَيَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ بِتِلْكَ الْعَصَا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى طُولِهَا سِوَى طَالُوتَ وَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَ شَمْوِيلَ فَارَ ذَلِك الْقرن فدهنه مِنْهُ وعينه للْملك (٤) عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وزاده بسطة فِي الْعلم " قِيلَ فِي أَمْرِ الْحُرُوبِ وَقِيلَ بَلْ مُطْلَقًا " وَالْجِسْمِ " قِيلَ الطُّولُ وَقِيلَ الْجَمَالُ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّهُ كَانَ أَجْمَلَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ
عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ " فَلَهُ الْحُكْمُ وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ " وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ". " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِن كُنْتُم مُؤمنين " وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَرَكَةِ وِلَايَةِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَيْهِمْ وَيُمْنِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ سُلِبَ مِنْهُمْ وَقَهْرَهُمُ الْأَعْدَاءُ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانُوا يُنْصَرُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ بِسَبَبِهِ " فِيهِ سكينَة من ربكُم " قِيلَ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ يُغْسَلُ فِيهِ صُدُور الانبياء، وَقيل السكينَة مثل الرّيح الخجوح.



