صحيح البخاري - ط التأصيل

Kitab hadits paling sahih, rujukan utama Ahlussunnah wal Jama'ah, karya Imam al-Bukhari (w. 256 H).

Bagian 1 dari 100

— Bagian 1 · دِيوَان الحَدِيثِ النَّبويّ —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

دِيوَان الحَدِيثِ النَّبويّ (١)

صَحِيحُ البُخَارِي وَهُو: الجامِعُ المُسْنَد الصَحِيحُ المخْتَصر مِن أمُور رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وأيَّامِهِ

للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هجرية

طبعة مراجعة ومصححة على النسخة السلطانية مع رفع الالتباس عن رموزها

مَركَز البُحُوثِ وتَقْنِيَةِ المَعْلُومَاتِ دَارُ التَّأْصِيل

١ - (¬١) كيفَ كَانَ بدءُ الوَحْي إِلَى رَسُوْل اللهِ ﷺ -؟ وَقَولُ (¬٢) اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ (¬٣): ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (¬٤)

• [١] حدثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (¬٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٦) سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٧) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ (¬٨): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا (¬٩) الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ

ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا (¬٩) الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ

المقدّمة إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن اللَّه تعالى أرسل رسوله المجتبى ونبيه المصطفى محمدًا ﷺ؛ ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وللثقلين هاديًا وسراجًا منيرًا، فيخرجهم بكتاب اللَّه العظيم وآيات ذكره الحكيم من دياجير الجاهلية إلى نور الإسلام، فشرح اللَّه به صدور أهل الإلحاد والضلال، ولم يكن أمامهم إلا التسليم لنور الإسلام وهدى القرآن. والسنة النبوية المطهرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم - هي الشارحة والمبينة لمراد اللَّه ﵎ في قرآنه؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (¬١)، فلا عجب إذن أن يعتني المسلمون بحديث رسول اللَّه ﷺ، ويبذلوا غاية جهودهم في جمعه وحفظه، ولقد هيأ اللَّه تعالى للسنة النبوية المشرفة حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، يذودون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين.

إِلَى امْرَأَةٍ (¬١) يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ (¬٢) إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

عارفين، وجهابذة عالمين، يذودون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين.

إِلَى امْرَأَةٍ (¬١) يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ (¬٢) إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

• [٢] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ (¬٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ (¬٤) الْجَرَسِ - وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ - فَيُفْصَمُ (¬٥) عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا (¬٦) فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ (¬٧) عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ (¬٨) عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ (¬٩) عَرَقًا.

• [٣] حدثنا (¬١٠) يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ

ُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ

ومن هؤلاء الأئمة الأعلام: الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، فقد كان ﵀ زين هذه الأمة؛ فهو أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، والحامل للواء علم الحديث كما وصفه بذلك الكثير من العلماء، ويأتي نقل عباراتهم مفصلة في ثنايا ترجمته. أما بخصوص كتابه "الصحيح" فيكفيه شرفًا وفخرًا اتفاق علماء الأمة على أنه أصح الكتب بعد كتاب اللَّه تعالى، ومعه أو يليه كتاب الإمام مسلم بن الحجاج ﵀، وإجماعهم على تسميته "الصحيح". قال الإمام أبو العباس القرطبي ﵀ في كتابه "المفهم" (١/ ٩٩ - ١٠٠): "وأما انعقاد الإجماع على تسميتهما بالصحيحين فلا شك فيه، بل قد صار ذكر الصحيح علمًا لهما، وإن كان غيرهما بعدهما قد جمع الصحيح واشترط الصحة، كأبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، وأبي الشيخ بن حيان الأصبهاني، وأبي بكر البرقاني، والحاكم أبي عبد اللَّه، وأبي ذر الهروي، وغيرهم، لكن الإمامان أحرزا قصب السباق، ولقب كتاباهما بالصحيحين بالاتفاق". اهـ. وقال الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (١/ ١٤٧): "وأما السنة فإن اللَّه تعالى وفق لها حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة؛ حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها. وكان من أحسنها تصنيفًا وأجودها تأليفًا وأكثرها صوابًا وأقلها خطأً وأعمها نفعًا وأعودها فائدة وأعظمها بركة وأيسرها مئونة، وأحسنها قبولًا عند

الموافق والمخالف، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة؛ صحيح أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري". اهـ. فلا غرو أن يعتني المسلمون بهذا الكتاب عناية فائقة، تجلت في بروز العديد من الطبعات المختلفة، ورغم ما بذل من الجهود التي بُذلت في طبعاته المتعددة المنتشرة في بلدان مختلفة على مدار عشرات السنين، لم يحظ الكتاب بطبعة تعبر عن الواقع العلمي للكتاب برواياته المختلفة، مع الحفاظ على معالم أهم وأصح رواياته وهي رواية أبي ذر الهروي. ومن هنا رأت دار التأصيل إعادة إصدار هذا السفر الجليل على أوثق وأدق رواياته، وهي رواية أبي ذر الهروي، وهذا لم نسبق إليه بعون اللَّه فيما نعلم فقامت بتتبع أهم النسخ الخطية لرواية أبي ذر في بلدان العالم المختلفة وقد وُفِّقنا بحمد اللَّه تعالى للحصول على سبع نسخ خطية، متفاوتة في الوثاقة والإتقان، والتمام والنقصان منها نسخة ابن سعادة التي اعتمدناها أصلا للعمل، وذلك فيما توفر منها، أما الجزء الذي لم يتوفر منها فقد اعتمدنا فيه على فرعها نسخة ميارة. وقد قمنا بالعمل عليه وتحقيقه وفق منهج علمي وتحت إشراف كوكبة من أهل العلم على رأسهم فضيلة العلامة الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر. نسأل اللَّه ﷾ العون على إتمامه وإخراجه، وأن تقر به أعين أهل العلم وطلبته.

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (¬١)، لَيْتَنِي (¬٢) أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟! " قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (¬٣)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (¬٤) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ (¬٥) الْوَحْيُ.

ا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (¬٣)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (¬٤) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ (¬٥) الْوَحْيُ.

• [٤] قال ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرُعِبْتُ (¬٦) مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي (¬٧) "؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (¬٨): ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (¬٩) (١) قُمْ

ولما كانت الطبعة السلطانية من أحسن الطبعات التي صدرت لصحيح البخاري، وهي التي أمر السلطان عبد الحميد ﵀ بطباعتها سنة ١٣١١ هـ، بعناية ستة عشر عالمًا، على رأسهم فضيلة شيخ الأزهر الشيخ/ حسونة النواوي ﵀، وقد اعتمدوا في إعداد هذه الطبعة على أوثق وأدق فروع "النسخة اليونينية"، وهي من أجل ما انتسخ من الروايات في تاريخ المسلمين؛ وذلك نظرًا لتمتعها بمميزات لا تتوافر لغيرها، منها: ١ - كون المعتني بها إمامًا حافظًا، وهو أبو الحسين علي بن محمد اليونيني ﵀، الذي وصف بالحفظ والمعرفة الكثيرة للمتون والأسانيد. ٢ - جمعها للروايات المعتمدة من الصحيح، وتمييز بعضها عن بعض. ٣ - اعتناء اليونيني ﵀ بضبط الكتاب ومقابلته على الأصول المعتمدة للروايات، وكثرة ممارسته لهذا الأصل. وغير ذلك من المميزات التي فصلنا الحديث عنها في مقدمة التحقيق. بيد أن هذا الجهد العلمي العظيم لم يخل من بعض الملحوظات التي أعاقت الاستفادة التامة من هذه الطبعة المباركة، ويتلخص أهمها في استعمال الترميز عوضًا عن أسماء أصحاب الروايات والنسخ، دون الإشارة للمنهجية المتبعة في ترتيب هذه الرموز، وكذا علامات الضبط والتصحيح، والتي ملأت أرجاء الطبعة، فضلًا عن غياب التعريف ببعض الرموز المستخدمة في الصلب والحواشي؛ مما قلل من فرص الانتفاع الكامل بهذه الطبعة.

ت الضبط والتصحيح، والتي ملأت أرجاء الطبعة، فضلًا عن غياب التعريف ببعض الرموز المستخدمة في الصلب والحواشي؛ مما قلل من فرص الانتفاع الكامل بهذه الطبعة. ومن هنا رأت دار التأصيل - تيسيرًا على الباحثين وطلبة العلم - إعادة إصدار هذه الطبعة - وهي التي بين يديك - بعد إجراء بعض التعديلات

فَأَنْذِرْ﴾ (¬١) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ (¬٢) فَاهْجُرْ﴾ (¬٣)، فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ (¬٤). تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: "بَوَادِرُهُ" (¬٥).

• [٥] حدثنا (¬٦) مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (¬٧): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (¬٨) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ (¬٩) شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ (¬١٠) كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا؛ فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (¬١١): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ

الفنية عليها، وذلك برد هذه الرموز إلى ما يقابلها من أسماء، والكشف عن بعض أصحاب الرموز المستعملة؛ مثل: (ق، صع) وغيرهما مما كان خافيًا معرفته على كثير من المتخصصين، سواء ما كان في الصلب أو الحواشي، دون الإخلال بالسياق أو المضمون، وسواء كان التعديل بالحذف أو الإضافة. واللَّه نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يمنح كل من ساهم فيه التوفيق والقبول، إنه نعم المولى ونعم المجيب، والحمد للَّه رب العالمين.


لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (¬١)، قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ (¬٢) فِي (¬٣) صَدْرِكَ (¬٤) وَتَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (¬٥)، قَالَ (¬٦): فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (¬٧) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ (¬٨).

• [٦] حدثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ … نَحْوَهُ (¬٩)، قَالَ: أَخْبَرَنِي (¬١٠) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ (¬١١) أَجْوَدُ (¬١٢) مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ

وَكَانَ (¬١١) أَجْوَدُ (¬١٢) مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ

ترجمة الإمام البخاري اسمه ونسبه: هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، البخاري مولدًا وموطنًا، الجعفي نسبًا. وكان أجداده فُرسًا على دين المجوس، على أن التاريخ لم يحفظ لنا من أجداد البخاري أبعد من جده الثالث "بَرْدِزْبَه"، فهو رأس أسرته فيما نعلم، وقد كان بردزبه هذا فارسي الأصل، عاش ومات مجوسي الدين. وأول من أسلم من أجداد البخاري هو "المغيرة بن بردزبه"، وكان إسلامه على يد اليمان الجعفي والي بخارى آنذاك؛ فانتمى إليه بالولاء، وانتقل الولاء في أولاده، وأصبح الجعفي نسبًا له ولأسرة البخاري (¬١). أما "إبراهيم بن المغيرة" الجد الأول للبخاري، فلا نعلم شيئًا من أخباره غير انتسابه للمغيرة. وأما والد البخاري "إسماعيل بن إبراهيم"، فقد كانت حياته مطلع النباهة لهذه الأسرة؛ حيث غير منهج آبائه في الحياة، وشارك في الحياة العلمية باختيار أهم جوانبها في عصره، وهي: دراسة حديث رسول اللَّه ﷺ وتدريسه. كان والد البخاري ﵀ تقيًّا عالمًا محدثًا، اشتهر بين الناس بحسن سلوكه وورعه وسمته.

الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدُ (¬١) بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

يًّا عالمًا محدثًا، اشتهر بين الناس بحسن سلوكه وورعه وسمته.

الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدُ (¬١) بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

• [٧] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ (¬٢) الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تِجَارًا (¬٣) بِالشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ (¬٤) وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ - فَأَتَوْهُ وَهُمْ (¬٥) بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ (¬٦) فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ (¬٧) أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ (¬٨): أَنَا أَقْرَبُهُمْ (¬٩) نَسَبًا، فَقَالَ (¬١٠): أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ:

رحل إلى العلماء وأهل الحديث، فحدث عنهم وأخذ منهم، روى سماعًا عن "مالك بن أنس"، و"حماد بن زيد"، وصحب "عبد اللَّه بن المبارك"، كما ذكر ذلك ولده في كتابه "التاريخ الكبير" (¬١)، وابن حبان في كتابه "الثقات" (¬٢). وروى عنه العراقيون؛ منهم: أحمد بن حفص، وأحمد بن جعفر، ونصر بن الحسين، وغيرهم. ويكفي هذا الوالد شرفًا وفخرًا أن اللَّه أجزل مكافأته وعطاءه على فضله وعفته، فرزقه ولدًا هو "الإمام البخاري"، فقد كان والدا البخاري من الصلاح والتقوى بمكانة عالية، كما سيأتي قريبًا.

اللَّه أجزل مكافأته وعطاءه على فضله وعفته، فرزقه ولدًا هو "الإمام البخاري"، فقد كان والدا البخاري من الصلاح والتقوى بمكانة عالية، كما سيأتي قريبًا.

المولد والنشأة: ولد محمد بن إسماعيل البخاري بعد صلاة الجمعة، في الثالث عشر من شهر شوال عام أربعة وتسعين ومائة للهجرة. وكانت ولادته بمدينة بخارى من خراسان، موطن آبائه وأجداده، وهي مدينة كبيرة من بلاد التركستان، وقد فتحها المسلمون بعد منتصف القرن الأول للهجرة، وهي مركز علمي هام، وحاضرة من حواضر الإسلام. استقبل البخاري حياته وسط أسرة ثرية متدينة فاضلة؛ فقد حكي عن والده أنه قال عند موته: لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة. وهذا مما لا شك فيه كان له أكبر الأثر في المكانة التي وصل إليها الإمام البخاري، غير أن المنية لم تمهل والده، حيث توفي وابنه محمد طفل، فكفلته أمه ورعته من بعده.

وَقَالَ (¬١) ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (¬٢): سَبِيلًا وَسُنَّةً.

٢ - بَابٌ (¬٣) دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ (¬٤) • [٨] حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٥) حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".

٣ - بَابُ (¬٦) أُمُورِ (¬٧) الْإِيمَانِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (¬٨): ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ (¬٩) الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (¬١٠) وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى

وكانت امرأة تقية صالحة لا تقل تقى وورعًا عن والده، حتى عدها المؤرخون من ذوي الكرامة والولاية. قال الحافظ: "روى غنجار في "تاريخ بخارى"، واللالكائي في "شرح السنة" في باب كرامات الأولياء، أن محمد بن إسماعيل البخاري ذهبت عيناه في صغره، فدعت أمه اللَّه كثيرًا حتى رأت الخليل إبراهيم ﷺ في المنام فقال لها: "يا هذه قد رد اللَّه على ابنك بصره بكثرة دعائك". قال: فأصبح وقد رد اللَّه عليه بصره" (¬١). وقد روى هذه الحكاية أيضًا الإمام السبكي في "طبقاته" (¬٢)، والذهبي في "سير النبلاء" (¬٣)، و"تاريخ الإسلام" (¬٤). في كنف هذه الأسرة الكريمة نشأ البخاري، وفي رعاية هذه الأم الفاضلة أخذ يختلف إلى الكتاب، يحفظ القرآن وأمهات الكتب المعروفة في زمانه، حتى إذا بلغ العاشرة من عمره، بدأ في حفظ الحديث، والاختلاف إلى الشيوخ والعلماء، وملازمة حلقات الدروس، وعند ذلك أخذت ميوله تظهر، ومداركه تتفتح. فعن أبي جعفر محمد بن أبي حاتم (¬٥) أنه قال: "قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: ألهمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنوات أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي".

ه قال: "قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: ألهمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنوات أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي".

حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (¬١)، ﴿قَدْ (¬٢) أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (¬٣) الْآيَةَ.

• [٩] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (¬٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ (¬٥) وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ".

٤ - بَابٌ (¬٦) الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ • [١٠] حدثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٧) شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ (¬٨)، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ".

و ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ".

وهنا يسجل التاريخ خبرًا ينم عن نضجه المبكر؛ فقال فيما يروي عن نفسه: "فجعلت أختلف إلى الداخلي - وهو من أهل الحديث في عهده - فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: عن سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم منه وأصلح كتابه به وقال: صدقت" (¬١). وقد حدث بعض أصحاب البخاري أنهم سألوه: "ابن كم كان إذ ذاك؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة" (¬٢). ثم تتابعت مراحل نضج البخاري وتقدمه العلمي، فتابع دراسته وتعلمه بهمة ونشاط، حتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره، حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وغيرهم من أهل الرأي. وفي هذه السن المبكرة بدأت مرحلة جديدة من حياة البخاري؛ إذ خرج لأول مرة من بخارى راحلًا إلى الحج وطلب الحديث، صحبة والدته وأخيه أحمد، حتى إذا انتهت مناسك الحج رجعت أمه صحبة أخيه أحمد إلى بلدها بخارى، بينما تخلف البخاري لطلب الحديث والأخذ عن الشيوخ، وكانت سنه إذ ذاك ست عشرة سنة، أي حوالي سنة عشر ومائتين للهجرة. ومن هذا التاريخ تبتدئ مرحلة جديدة في حياة البخاري، وهي مرحلة الاتصال بالعالم الخارجي، وبداية الرحلة لطلب الحديث، والاتصال بالعلماء والشيوخ.

وفي ذلك يقول البخاري: "خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع بها أخي، وتخلفت في طلب الحديث" (¬١).

صفة البخاري الخِلقية: ذكر الإمام السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"، قال: "قال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البَزَّار يقول: رأيْت البخاري شيخًا نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير" (¬٢). كما كان قليل الأكل جدًّا، يتزهد فيه ويتقشف مكتفيًا بالخبز، معرضًا عن الإدام حتى مرض من كثرة تقشفه، وقد روى الحافظ في "مقدمة الفتح" قول البخاري: "لم أَأْتدم منذ أربعين سنة" (¬٣). وكان عزيز النفس عفيف اليد، يتجمل، ولا يريق ماء وجهه، حتى في أشد حالات العسر. وكان مرهف الحس، نبيل الشعور، عفيف اللسان، قال: "ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام" (¬٤). وكان كريم الطبع، سخي اليد محسنًا، قال: "كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقها في الطلب، وما عند اللَّه خير وأبقى" (¬٥). كما كان متعبدًا زاهدًا قانتًا، يملأ نهاره بالدرس والتعليم، وليله بالعبادة والتهجد، وكان ورده القرآن.

قالَ أبو عَبدِ اللَّه (¬١): وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ (¬٢)، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ (¬٣)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

٥ - بَابٌ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ • [١١] حدثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ (¬٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".

٦ - بَابٌ (¬٥) إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ (¬٦) • [١٢] حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ (¬٧) ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟

اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ (¬٧) ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟

رحلاته العلمية: تعددت رحلات البخاري العلمية؛ للأخذ عن الشيوخ، والرواية عن المحدثين، والاختلاف إلى حلقات الدرس، حيث ابتدأت برحلته إلى الحج صحبة والدته وأخيه، وكان ذلك سنة عشر ومائتين للهجرة، وسنه لا تتجاوز ست عشرة سنة، وما كاد يفرغ من حجه والاتصال بعلماء مكة ومحدثيها، حتى رحل إلى المدينة المنورة للأخذ عن علمائها. ولقد آثر البخاري أن يجعل الحرمين الشريفين طليعة رحلاته العلمية للتحصيل والرواية؛ حيث أقام بها ستة أعوام، حتى إذا استوفى حظه من الرواية والسماع انطلق في سياحته العلمية متنقلًا عبر الأقاليم والأقطار. "روى سهل بن السَّري عن البخاري قال: دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم مرة دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين" (¬١). ثم تتابعت رحلات البخاري وسفره في سبيل الحديث والرواية، حتى شملت أغلب الحواضر العلمية في وقته، واستغرقت معظم حياته، كل ذلك يجالس العلماء ويتلقى عنهم، ويجمع الحديث ويرويه، ويعقد مجالس التحديث والمناقشة، ويتعرض للامتحان والكيد، فيخرج سالمًا منتصرًا على الكائدين والمتربصين. روى محمد بن أبي حاتم قال: سمعت البخاري يقول: "دخلت بغداد آخر ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودعته: يا أبا عبد اللَّه، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان" (¬٢).

والأقطار والأقاليم التي رحل إليها البخاري، وحدث فيها وزارها هي: مكة والمدينة، وبغداد وواسط، والبصرة والكوفة، ودمشق وحمص، وقيسارية وعسقلان، وخراسان، ونيسابور ومرو، وهراة وبخارى، ومصر، وغيرها.

وحدث فيها وزارها هي: مكة والمدينة، وبغداد وواسط، والبصرة والكوفة، ودمشق وحمص، وقيسارية وعسقلان، وخراسان، ونيسابور ومرو، وهراة وبخارى، ومصر، وغيرها.

ثناء العلماء عليه: قال الإمام الترمذي ﵀ صاحب "السنن" وتلميذ البخاري وخريجه: "لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل". وقال محمد بن أبي حاتم: "سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها كلها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم". وقال حاتم بن مالك الوراق: "سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا، وفقيهنا، وفقيه خراسان". وقال خلف بن محمد: "سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي العالم الذي لم أر مثله". وقال أبو أحمد الحاكم: "كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن؛ لرجوت أن أكون صادقًا". وقال الترمذي: "كان محمد بن إسماعيل عند عبد اللَّه بن منير، فلما قام من عنده قال له: يا أبا عبد اللَّه، جعلك اللَّه زين هذه الأمة". قال الترمذي: "استجيب له فيه".

قَالَ (¬١): "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".

٧ - بَابٌ (¬٢) مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا (¬٣) يُحِبُّ لِنَفْسِهِ • [١٣] حدثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ (¬٤) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ (¬٥) حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".

٨ - بَابٌ حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ • [١٤] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٦) أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (¬٧) ﷺ قَالَ: "فَوَالَّذِي (¬٨) نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ (¬٩) ".

وقال حاشد بن إسماعيل: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل". وقال أبو حاتم الرازي: "محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق". وقال أبو عبد اللَّه الحاكم: "محمد بن إسماعيل البخاري إمام أهل الحديث". وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل" (¬١). وقال الحاكم: "سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي". وقال أحمد بن حمدون القصار: "سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى البخاري فقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله". وقال إبراهيم الخواص: "رأيت أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسأله عن علل الحديث". وقال الإمام أبو العباس القرطبي: "وهو العلم المشهور، والحامل لواء علم الحديث المنشور، صاحب "التاريخ" و"الصحيح"، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحد حفاظ الإسلام، ومن حفظ اللَّه به حديث رسوله ﵊".

والحامل لواء علم الحديث المنشور، صاحب "التاريخ" و"الصحيح"، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحد حفاظ الإسلام، ومن حفظ اللَّه به حديث رسوله ﵊".

"شهد له أئمة عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله، وشهدت له تراجم كتابه بفهمه وفقهه" (¬١). وقال الإمام النووي: "واعلم أن وصف البخاري ﵀ بارتفاع المحل والتقدم في هذا العلم على الأماثل والأقران متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان، ويكفي في فضله أن معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرزون، والحذاق المتقنون" (¬٢). وقال الحافظ المزي: "إمام هذا الشأن، والمقتدى به فيه، والمعول على كتابه بين أهل الإسلام" (¬٣). وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: "تخرج به أرباب الدراية، وانتفع به أهل الرواية، وكان فرد زمانه، حافظًا للسانه، ورعًا في جميع شأنه، هذا مع علمه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدة عنايته بالأخبار، وجودة حفظه للسنن والآثار، ومعرفته بالتاريخ وأيام الناس ونقدهم، مع حفظ أوقاته وساعاته، والعبادة الدائمة إلى مماته" (¬٤). وقال أيضًا: "ولقد كان كبير الشأن، جليل القدر، عديم النظير، لم ير أحد شكله، ولم يخلف بعده مثله" (¬٥).

• [١٥] حدثنا (¬١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ (¬٢)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (¬٣) ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

ْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (¬٣) ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

٩ - بَابُ (¬٤) حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ • [١٦] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ (¬٥)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".

وقال الحافظ ابن حجر: "جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث" (¬١). وقال الحافظ السخاوي: "ومن تأمل اختياراته الفقهية في "جامعه" علم أنه كان مجتهدًا، موفقًا، مسددًا، وإن كان كثير الموافقة للشافعي" (¬٢).

شيوخ البخاري: رحل البخاري كثيرًا، وطوف بالأمصار والأقاليم والحواضر العلمية، فلقي أغلب المحدثين في زمانه، وأخذ عن الأئمة والشيوخ المشهورين في عصره، فاتسعت مداركه، وكثرت روايته للحديث، وكان ينتقي شيوخه، ويتحرى في اختيارهم، واضعًا لنفسه خطة ونهجًا في ذلك؛ حتى لا يأخذ إلا عن الثقات. قال الإمام النووي: "وروينا من جهات عن جعفر بن محمد القطان قال: سمعت البخاري - رحمه الله تعالى - يقول: كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده" (¬٣). وليس معنى ذلك أن اختياره لشيوخه، وتثبته في الأخذ عنهم، جعله قليل الشيوخ، بل على العكس من ذلك فقد أكثر من الأخذ من الشيوخ والرواية عنهم، حتى تجاوزوا الألف. قال البخاري: "كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث" (¬٤).

ويقول أيضًا عنهم: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وخراسان … فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام اللَّه" (¬١). ولم يكن البخاري يروي كل ما يأخذه أو يسمعه من الشيوخ، بل كان يتحرى ويدقق فيما يأخذ ويدع، ويؤكد ذلك ما روي عنه عندما سئل عن خبر حديث، فيما روى عنه محمد بن أبي حاتم قال: سمعته يقول: "يا أبا فلان، تراني أدلس؟! تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل فيه نظر، وتركت مثلها أو أكثر منها لغيره لي فيه نظر" (¬٢). وإذا كان البخاري نفسه ذكر أن الشيوخ الذين أخذ عنهم وسمع منهم تعدوا ألف نفس، فقد بلغوا بذلك كثرة يصعب معها استيعابهم وحصرهم، ونؤثر هنا أن نكتفي بالإشارة إلى الصفوة المختارة منهم الذين أثروا في تكوينه العلمي، وأكثر هو من الأخذ عنهم والرواية لهم. ففي العهد الأول لطلبه الحديث، أي قبل رحلته للحج، نجد من شيوخه الأولين: الداخلي، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي، وعبد اللَّه المسندي الجعفي، وهارون بن الأشعث. وممن أخد عنهم بمكة المكرمة: أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي، وأبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقي، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وإسماعيل بن سالم الصائغ.

١٠ - بَابٌ (¬١) عَلَامَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ (¬٢) • [١٧] حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا (¬٣)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ".

بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا (¬٣)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ".

١١ - بَابٌ (¬٤) • [١٨] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ (¬٥) لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ (¬٦) مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا (¬٧) بِبُهْتَانٍ (¬٨) تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ،

وأخذ بالمدينة المنورة عن: عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، وإبراهيم المنذري، ومطرف بن عبد اللَّه أبي مصعب، ويحيى بن قزعة. وأخذ بالشام عن: محمد بن يوسف الفريابي، وآدم بن أبي إياس، وأبي اليمان الحكم بن نافع، وحيوة بن شريح. وأخذ بنيسابور عن: يحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وهو: ابن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي. وأخذ ببغداد عن: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي مسلم بن عبد الرحمن ابن أبي يونس، وشريح بن النعمان، وعفان بن مسلم الصفار، ومحمد بن عيسى الطباع، وغيرهم. وأخذ بمصر عن: أحمد بن صالح المصري، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير، وأصبغ بن الفرج، وعبد اللَّه بن صالح المصري، وغيرهم. ونظرًا لكثرة شيوخ البخاري وتعددهم؛ لاختلاف أمصارهم وجهاتهم، فقد حصرهم المحدثون في طبقات خمس: • الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين:

ح المصري، وغيرهم. ونظرًا لكثرة شيوخ البخاري وتعددهم؛ لاختلاف أمصارهم وجهاتهم، فقد حصرهم المحدثون في طبقات خمس: • الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين:

منهم: محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل. وهؤلاء هم أصحاب الثلاثيات. • الطبقة الثانية: قوم حدثوا عن أتباع التابعين، عن التابعين: منهم: أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وآدم بن أبي إياس، وأيوب بن سليمان، وغيرهم. وهؤلاء هم أصحاب رباعيات البخاري. • الطبقة الثالثة: قوم حدثوا عن تبع أتباع التابعين؛ الذين أدرك زمانهم، وأمكنه لقيهم: منهم: سليمان بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة … إلخ. • الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب، ومن هو في عداد طبقته ممن سمع قبله قليلًا، وقد حدث عنهم عن مشايخه: منهم: أبو حاتم الرازي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبد بن حميد، وأحمد بن النضر. • الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته؛ حيث حدث عنهم وهم أصغر منه في السن والإسناد، وقد سمع منهم للفائدة: منهم: عبد اللَّه بن حماد الآملي، وعبد اللَّه بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد القباني. وفائدة هذا التقسيم لطبقات شيوخ البخاري على هذا النحو، هو عدم وقوع الإبهام والالتباس - لمن لا معرفة له - إذا حدث البخاري بالإسناد عاليًا تارة،

وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى (¬١) مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا (¬٢) فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ (¬٣) لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ (¬٤) فَهُوَ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.

١٢ - بَابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ • [١٩] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (¬٥) أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ (¬٦) أَنْ يَكُونَ خَيْرَ (¬٧) مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ (¬٨) بِهَا شَعَفَ (¬٩) الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ".

ونازلًا تارة أخرى، وحتى لا يظن أن الإسناد العالي قد حذف منه، أو أن الإسناد النازل قد زيد فيه. على أن هناك من شيوخ البخاري الكثر المتعددين حسب الأقاليم والأمصار؛ شيوخًا قد ظهر أثرهم الجليل في تكوينه الفكري والعلمي، وأثروا في منهجه الحديثي، وكانت صلته بهم قوية شديدة مكينة، وهم شيوخه الخمسة: علي بن المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ)، وهو من أكثر الأئمة الذين تأثر بهم البخاري، حتى إنه قال: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، وربما كنت أغرب عليه" (¬١). وأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ). وإسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨ هـ). ويحيى بن معين (١٥٨ - ٢٣٣ هـ). وأبو نعيم الفضل بن دكين (١٣٠ - ٢١٩ هـ).

تلاميذ البخاري: وقف البخاري حياته كلها للعلم، وقصرها على طلب الحديث وتعليمه، فما وني لحظة عن ذلك، ولا أشرك في طلبه والسعي له شيئًا من عرض الدنيا ومتاعها، وما رئي فيما وراء نومه القليل إلا وهو على حال من ثلاث: إما جالسًا إلى شيخ يسمع منه ويتلقى عنه، أو متصدرًا للحديث على الملتفين حوله من الطلاب، أو منقطعًا إلى القلم والقرطاس يقيد شوارد ما جمع.

حال من ثلاث: إما جالسًا إلى شيخ يسمع منه ويتلقى عنه، أو متصدرًا للحديث على الملتفين حوله من الطلاب، أو منقطعًا إلى القلم والقرطاس يقيد شوارد ما جمع.

١٣ - بَابُ (¬١) قَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ (¬٢) بِاللَّهِ" وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (¬٣): ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (¬٤) • [٢٠] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ (¬٥)، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٦) عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا (¬٧) يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَغْضَبُ (¬٨) حَتَّى يُعْرَفَ (¬٩) الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا".

١٤ - بَابٌ (¬١٠) مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْإِيمَانِ (¬١١) • [٢١] حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ (¬١٢) ﵁،

ْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْإِيمَانِ (¬١١) • [٢١] حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ (¬١٢) ﵁،

وهو بهذا الجهد الكبير والعمل المتواصل قد ملأ حياته علمًا وتعليمًا، وكتابة وتأليفًا، مما أفاد منه وانتفع به خلق كثيرون لا يحصون عددًا، ولا يحدون وفرة، سواء في حله أو ترحاله، ولا نكون مبالغين إذا اعتبرنا كل واحد ممن لقيهم البخاري أو اتصل بهم واحدًا من تلاميذه، حتى من بعض شيوخه، وهو في ذلك يقول: "ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به" (¬١). وقد أدرك هذا الامتياز والتفوق أساتذته الكبار، وقدروه، ومنهم الحميدي نفسه؛ حيث يقول البخاري عنه: "دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة، فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي قال: جاء من يفصل بيننا، فعرضا علي الخصومة، فقضيت للحميدي، وكان الحق معه" (¬٢). ولعل قصته مع شيخه الداخلي وهو في بدء أمره، واعتراف الداخلي بخطئه للبخاري؛ أكبر دليل على ما ذهبنا إليه من تفوق البخاري، حتى بالنسبة إلى شيوخه، ولم يكد يشتهر بين الناس بسعة حفظه، وسيلان ذهنه، وتثبته، وإتقانه، وعلو باعه في الرواية والدراية، حتى أقبل الناس وطلاب الحديث - والعلماء منهم خاصة - يسعون إليه، ويتحلقون حوله؛ طلبًا للرواية عنه والسماع، "فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب، حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف ممن يكتب عنه، وكان شابًّا لم يخرج وجهه" (¬٣).

لذلك لا يمكننا أن نحصر كل تلاميذه؛ لكثرتهم وتنوعهم، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعضهم، ومنهم شيوخه وأقرانه وحفاظ عصره. فممن روى عنه أو أخذ منه من شيوخه: عبد اللَّه المسندي، وعبد اللَّه بن منير، ومحمد بن خلف بن قتيبة، وغيرهم. ومن أقرانه: أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن عبد اللَّه بن الجنيد النيسابوري، وإسحاق بن أحمد بن زيرك الفارسي، ومحمد بن قتيبة البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وغيرهم. وممن أخذ عنه من كبار الحفاظ: مسلم بن الحجاج، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وأبو عيسى الترمذي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وحسين بن محمد القباني، وسهل بن شاذويه البخاري، ويعقوب بن يوسف بن الأخرم، وجعفر بن محمد النيسابوري، وأبو القاسم البغوي، وأبو محمد بن حامد، والحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي، وغيرهم. ويكفي البخاري شرفًا وفخرًا أن يكون هؤلاء الأئمة والحفاظ من تلاميذه، والآخذين عنه، والراوين له، مما يغني عن ذكر الآلاف من الذين تتلمذوا عليه وسمعوا منه، حتى بلغ من سمعوا منه "الصحيح" وحده أكثر من تسعين ألفًا، كما روي عن الفربري.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ (¬١)، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ (¬٢) كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ".

حِبُّهُ إِلَّا لِلهِ (¬١)، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ (¬٢) كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ".

١٥ - بَابُ (¬٣) تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ • [٢٢] حدثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ (¬٤): حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (¬٥): أَخْرِجُوا مَنْ (¬٦) كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (¬٧)، فَيُخْرَجُونَ (¬٨) مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا (¬٩) - أَوِ الْحَيَاةِ شَكَّ (¬١٠) مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ (¬١١) فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً".

آثار البخاري: لقد ظهر نبوغ البخاري مبكرًا؛ فقد حفظ القرآن الكريم وهو دون التسع، وبدأ في حفظ الحديث الشريف وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ في الرواية، وحفظ أغلب أمهات كتب الحديث وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلا عجب أن نراه يبدأ التأليف وهو دون الثامنة عشرة من عمره، كما ذكر ذلك بنفسه. روى محمد بن أبي حاتم عنه أنه قال: "لما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب "قضايا الصحابة والتابعين"، ثم صنفت "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي ﷺ، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقل اسم في "التاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت أن يطول الكتاب" (¬١) وقد هيأه للتأليف والكتابة وأعانه عليها ذكاؤه الحاد، وحفظه الواسع النادر، وذهنه السيال المتوقد، ومعرفته العميقة الواسعة بأحوال الرجال: من تعديل وتجريح، والأسانيد: من صحيح وسقيم.

أعانه عليها ذكاؤه الحاد، وحفظه الواسع النادر، وذهنه السيال المتوقد، ومعرفته العميقة الواسعة بأحوال الرجال: من تعديل وتجريح، والأسانيد: من صحيح وسقيم. وقد ذكر الإمام السبكي في "طبقاته" قصة البخاري مع سليم بن مجاهد بن يعيش الخديمنكني، والتي تنبئ عن سعة حفظه، حتى بلغت سبعين ألف حديث، فكان جواب البخاري: "نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب اللَّه، أو سنة رسول اللَّه ﷺ" (¬٢).

قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: "الْحَيَاةِ". وَقَالَ: "خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ".

• [٢٣] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (¬١)، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ؛ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ (¬٢) وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا (¬٣): فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ (¬٤) ".

١٦ - بَابٌ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ • [٢٤] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٥) مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (¬٦)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ".

كما يؤكد ذلك قصته مع علماء بغداد ومع السمرقنديين؛ روى الحافظ ابن عدي قال: "سمعت عدة مشايخ ببغداد يقولون: إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا الحديث لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضر وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه. وكان من العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الحفظ. ثم انتدب رجل من العشرة أيضا، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه. فلم يزل يلقي عليه واحدًا واحدًا، والبخاري يقول: لا أعرفه. وهكذا حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول، فقلت: كذا، وصوابه: كذا، وحديثك الثاني: كذا، وصوابه: كذا، والثالث، والرابع، على التوالي حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل

ثك الأول، فقلت: كذا، وصوابه: كذا، وحديثك الثاني: كذا، وصوابه: كذا، والثالث، والرابع، على التوالي حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل

إسناد إلى متنه، وفعل مع الآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل" (¬١). وقد عقب الحافظ ابن حجر على هذه القصة بقوله: "هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة" (¬٢). هذه العوامل والمزايا ساعدت كلها على وفرة إنتاج البخاري، وكثرة آثاره العلمية، فبدأ التأليف وهو لا يزال شابًّا يافعًا إثر خروجه إلى الحج، وسنه لا تتعدى ثمان عشرة سنة، فأخرج للناس كتابيه الأولين "قضايا الصحابة والتابعين"، و"التاريخ"، كما حدث بذلك عن نفسه. وقد عد الحافظ ابن حجر كتب البخاري فبلغت واحدًا وعشرين كتابًا، ونبه إلى الموجود منها عنده، وما روى منها بالسماع، أو بالإجازة. على أننا نجد للبخاري مؤلفات أخرى، غير ما ذكر الحافظ ابن حجر، اختلفت بين مطبوع ومخطوط، وبين موجود وضائع حتى الآن لا يعرف له أثر. وتلك المؤلفات والكتب هي: ١ - "الجامع الصحيح": وسنتناوله بالتفصيل فيما بعد. ٢ - "الأدب المفرد": يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل - بالجيم - البزار، له طبعة مشروحة باسم: "فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد" لمؤلفه

ما بعد. ٢ - "الأدب المفرد": يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل - بالجيم - البزار، له طبعة مشروحة باسم: "فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد" لمؤلفه

١٧ - بَابٌ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (¬١) • [٢٥] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ (¬٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ (¬٣)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ (¬٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ".

١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (¬٥): ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (¬٦)، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (¬٧): ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (¬٨): عَنْ (¬٩) قَوْلِ (¬١٠) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿لِمِثْلِ (¬١١) هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (¬١٢).

نَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (¬٨): عَنْ (¬٩) قَوْلِ (¬١٠) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿لِمِثْلِ (¬١١) هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (¬١٢).

فضل اللَّه الجيلاني من علماء الهند، في جزأين، المطبعة السلفية، القاهرة، سنة ١٣٧٨ هـ. ٣ - "التاريخ الكبير": يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، وأبو الحسن محمد بن سهل الواسطي - وهي الرواية المتداولة بين أيدي الناس الآن - وغيرهما. وهو كتاب يتعلق بتاريخ الرواة من عصر الصحابة إلى زمانه، رتبه على حروف المعجم، وبدأه بذكر المحمدين، وهو ثاني كتب البخاري في التأليف، عنيت بطبعه جمعية دائرة المعارف العثمانية في الهند سنة ١٣٦١ هـ، و ١٣٦٢ هـ، في أربع مجلدات، تشتمل على ثمانية أجزاء، والمطبوع من رواية ابن سهل. ٤ - "التاريخ الأوسط": يرويه عنه عبد اللَّه بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، وعبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر، وأبو محمد زنجويه بن محمد النيسابوري، وقد طبع أخيرًا من قبل مؤسسة الرشد. ٥ - "رفع اليدين في الصلاة": يرويه عنه محمود بن إسحاق الخزاعي، تحت عنوان: "قرة العينين برفع اليدين في الصلاة" وطبعت الطبعة الأولى بكلكتا، الهند سنة ١٢٥٦ هـ. وقد طبع أكثر من مرة ومن أجودها ما طبع بدار ابن حزم ١٤١٦ هـ بعناية بدر بن عبد اللَّه البدر. ٦ - "القراءة خلف الإمام": يرويه أيضًا محمود بن إسحاق الخزاعي، طبع تحت عنوان: "خير الكلام في القراءة خلف الإمام" وطبعت الطبعة الأولى بدلهي، الهند سنة ١٢٥٦ هـ. ٧ - "خلق أفعال العباد": يرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصمد، والفربري

• [٢٦] حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ (¬١): "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ (¬٢) ".

١٩ - بَابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (¬٣): ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (¬٤)، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ (¬٥) الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (¬٦).

• [٢٧] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٧) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى

بَرَنَا (¬٧) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى

أيضًا، طبع بمطبعة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة ١٣٧٨ هـ بعناية عبد الحق الهاشمي، كما طبعت الطبعة الأولى بدلهي، الهند سنة ١٣٠٦ هـ. ٨ - "كتاب الضعفاء": يرويه عنه أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، وآدم بن موسى الحواري، وغيرهم، وقد رتبه على حروف المعجم، طبعت الطبعة الأولى باللَّه آباد، الهند، سنة ١٣٢٥ هـ. ٩ - كتاب "الكنى": وهو كتاب أرخ فيه البخاري للرواة الذين لم يعرف من أسمائهم إلا الكنية، ولم يشتهروا إلا بها، وقد رتبه على حروف المعجم، طبعت الطبعة الأولى بحيدر آباد، الهند، سنة ١٣٦٠ هـ. ١٠ - "المسند الكبير": ذكره القاسمي في كتابه: "حياة البخاري" (ص ٢٨). ١١ - "التفسير الكبير": ذكر الفربري أنه كان مع البخاري وهو يؤلفه في أثناء إقامته "بفربر"، وتوجد منه نسخة خطية في الجزائر، ونسخة أخرى في مكتبة باريس، كما ذكر بروكلمان (¬١). ١٢ - كتاب "الأشربة": ذكره الدارقطني في كتاب "المؤتلف والمختلف" (¬٢)، كما يقول ابن حجر (¬٣). ١٤ - كتاب "أسامي الصحابة": ذكره أبو القاسم بن منده، ونقل منه في كتابه "المعرفة"، وذكر أنه يرويه من طريق ابن فارس سماعًا عن البخاري، كما نقل منه أبو القاسم البغوي الكثير في كتابه "معجم الصحابة" (¬٤).

، ونقل منه في كتابه "المعرفة"، وذكر أنه يرويه من طريق ابن فارس سماعًا عن البخاري، كما نقل منه أبو القاسم البغوي الكثير في كتابه "معجم الصحابة" (¬٤).

١٥ - كتاب "الوحدان": وهو من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة، وقد نقل عنه ابن منده في كتابه "المعرفة" (¬١). ١٦ - كتاب "المبسوط": ذكره الخليلي في كتابه "الإرشاد" (¬٢)، كما ذكر أن مهيب بن سليم رواه عن البخاري. ١٧ - كتاب "العلل": ذكره أبو القاسم بن منده، كما ذكره الكتاني في "الرسالة المستطرفة" (¬٣). ١٨ - كتاب "الفوائد": ذكره الترمذي في أثناء كتابه "المناقب" من كتاب "الجامع" (¬٤). ١٩ - كتاب "قضايا الصحابة والتابعين": وهو أول كتاب ألفه البخاري. ٢٠ - كتاب "السنن في الفقه": ذكره النديم في "الفهرست" (¬٥). ٢١ - كتاب "الضعفاء الكبير": يرويه ابن عدي في كتابه "الكامل" من طريق محمد بن عبد اللَّه بن الجنيد عنه، وقيل: إن له نسخة خطية محفوظة في مكتبة "باتنا". على أن آثار الإمام البخاري لا تقتصر على الذين سمعوا منه وأخذوا عنه، ولا على الكتب والآثار التي خلفها لنا وحفلت بها المكتبة الإسلامية، بل إن

٢٠ - بَابٌ إِفْشَاءُ (¬١) السَّلَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ قَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ (¬٢) جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ (¬٣)، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ (¬٤).

• [٢٨] حدثنا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".

٢١ - بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ (¬٥) وَكُفْرٍ (¬٦) بَعدَ (¬٧) كُفْرٍ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (¬٨) الْخُدْرِيِّ (¬٩)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (¬١٠).

• [٢٩] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ

الْخُدْرِيِّ (¬٩)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (¬١٠).

• [٢٩] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ

آثاره باقية متصلة، تتجسد في مدرسة البخاري المتكونة من الذين تتلمذوا عليه، من خلال كتبه وآثاره، وخاصة "الجامع الصحيح"، الذي ظل منذ إخراجه للناس يستقطب اهتمام العلماء والمحدثين، وعنه تخرج أجيال وأجيال من العلماء وطلبة العلم، وفسح أمامهم المجال للدراسة والبحث والاستقصاء، فكان سببًا لعطاء علمي عظيم، تمثل في مئات الكتب التي ألفت حول "الصحيح"، تعليقًا واستدراكًا، وإضافة وشرحًا، حتى يمكن القول بأن أي كتاب بعد كتاب اللَّه لم يلق من العناية والاهتمام مثل "الجامع الصحيح"، منذ تصنيفه إلى الآن، مما تزخر به الخزانات والمكتبات من الكتب المؤلفة حوله، ويكفي أن نعلم أن شروحه فقط نَيَّفَت على اثنين وثمانين شرحًا، كما أورد صاحب "كشف الظنون" (¬١). على أن أهم شروح صحيح البخاري المتداولة هي: ١ - "أعلام الحديث" للإمام الخطابي (٣٨٨ هـ) طبع مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٤٠٩ هـ، تحقيق: الدكتور/ محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود. ٢ - "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٤٤٩ هـ) طبع مكتبة الرشد، الرياض ١٤٢٠ هـ، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم. ٣ - "بهجة النفوس" لابن أبي جمرة الأندلسي (٦٩٩ هـ) طبع دار الكتب العلمية، بيروت.

٤ - "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" لبدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤) طبع مكتبة الرشد، الرياض، تحقيق: يحيى بن محمد الحكمي. ٥ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥) طبع دار ابن الجوزي، السعودية ١٤١٧ هـ، تحقيق: طارق بن عوض اللَّه بن محمد. ٦ - شرح الكرماني المسمى "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" للكرماني (ت: ٧٩٦) طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٥٦ هـ. ٧ - "التوضيح" لابن الملقن (ت: ٨٠٤) طبع وزارة الأوقاف القطرية ١٤٢٩ هـ، تحقيق: دار الفلاح. ٨ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري" أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢) طبع المطبعة البولاقية، مصر ١٣٠٠ هـ، ومن أفضل طبعاته طبعة الشيخ محب الدين الخطيب بالمكتبة السلفية بالقاهرة ١٣٧٩ هـ. ٩ - "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" للبدر العيني (ت: ٨٥٥) طبع المطبعة الحلبية، مصر ١٣٩٢. ١٠ - "التوشيح" للإمام السيوطي (ت: ٩١١)، طبع مكتبة الرشد، الرياض ١٤١٩ هـ، تحقيق: رضوان جامع رضوان. ١١ - "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" للقسطلاني (ت: ٩٢٣) طبع المطبعة البولاقية، مصر ١٣٠٤ هـ. ١٢ - "فيض الباري على صحيح البخاري" لمحمد أنور الكشميري (ت: ١٣٥٣ هـ)، ومعه "حاشية البدر الساري إلى فيض الباري" لمحمد بدر عالم الميرتهي.

٢٢ - بَابٌ (¬١) الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ (¬٢) صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، وَقَوْلِ (¬٣) اللَّهِ تَعَالَى (¬٤): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (¬٥).

جَاهِلِيَّةٌ"، وَقَوْلِ (¬٣) اللَّهِ تَعَالَى (¬٤): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (¬٥).

• [٣٠] حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ (¬٦)، عَنِ الْمَعْرُورِ (¬٧) قَالَ (¬٨): لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ (¬٩) وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ (¬١٠) جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ".

ومن شروحه الأخرى: شرح ابن كثير (ت: ٧٧٤)، وشرح علاء الدين مغلطاي (ت: ٧٩٢)، وشرح البرماوي (ت: ٨٣١)، وشرح التلمساني المالكي (ت: ٨٤٢)، وشرح البلقيني (ت: ٨٠٥)، وأبي البقاء الأحمدي (ت: بعد ٩٠٩ هـ)، وجلال الدين البكري (ت: ٨٩١ هـ)، وابن رشيد (ت: ٧٢١ هـ)، وغيرهم. كما ترجم "صحيح البخاري" إلى أغلب اللغات العالمية الحية، وخاصة اللغتين الإنجليزية والفرنسية بالإضافة للغات المسلمين المنتشرة كالأردية والإندونيسية والتركية.

م "صحيح البخاري" إلى أغلب اللغات العالمية الحية، وخاصة اللغتين الإنجليزية والفرنسية بالإضافة للغات المسلمين المنتشرة كالأردية والإندونيسية والتركية.

وفاة البخاري: لقد ذكر الإمام البخاري في وصيته الرباعية أمورًا يبتلى بها العلماء والمحدثون، ولا بد لهم من الصبر عليها، وهي: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء. ولعله كان يتحدث عن نفسه، وعما يلاقيه من معاصريه، الكائدين له، والمؤتمرين به. فلم يكد يقصد نيسابور للإقامة فيها والاستقرار بها حتى نبا به المجلس، وضاق به الحساد والمغرضون من علماء نيسابور ومحدثيها، بسبب ظهوره وتأليفه، والتفاف الناس من حوله، فسعوا بالوشاية بينه وبين أميرها، واختلقوا لذلك أقاويل وأكاذيب يتنزه البخاري عن مثلها، بسبب فتنة خلق القرآن التي كانت رائجة آنذاك، فكثر القيل والقال من حوله، وكثر لغط العامة واختلافهم بسبب ما أشاعه خصومه عنه، فوجد عليه أمير نيسابور، مما اضطر معه البخاري إلى مغادرتها والخروج منها، عائدًا إلى بلاده بخارى.

٢٣ - بَابٌ (¬١) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ (¬٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (¬٣) فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (¬٤)﴾ (¬٥) فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ (¬٦) • [٣١] حدثنا (¬٧) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ (¬٨): أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". فَقُلْتُ (¬٩): يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ".

Bagian 1 dari 100