صحيح البخاري - ط التأصيل

Kitab hadits paling sahih, rujukan utama Ahlussunnah wal Jama'ah, karya Imam al-Bukhari (w. 256 H).

Bagian 2 dari 100

— Bagian 2 · وقد أحسن أهل بخارى استقباله، وبالغوا في الحفاوة … —

Bagian 2

وقد أحسن أهل بخارى استقباله، وبالغوا في الحفاوة به، وفي ذلك يروي الحافظ ابن حجر، عن أحمد بن محمد بن منصور الشيرازي قوله: "لما رجع أبو عبد اللَّه البخاري إلى بخارى، نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير" (¬١). ولم يكد يستقر به المقام في بلده، حتى وقعت بينه وبين أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي جفوة، عكرت صفو البخاري، وكانت سبب خروجه منها مرغمًا، إلى أن مات بعيدًا عنها؛ وذلك أن الأمير الذهلي بعث إلى محمد بن إسماعيل "أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ؛ لأسمع" (¬٢)، فقال البخاري لرسول الأمير: "قل له: إنني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة أني لا أكتم العلم" (¬٣). وقد كان هذا الجواب الحق وحده ثقيلًا وكفيلًا بإثارة أمير بخارى، وأصابته في كبريائه حيث لم يألف مثل هذا الكلام، فاغتاظ من البخاري، وكان سبب الوحشة بينهما، فأغرى به جماعة فهيجوا الفتنة عليه، وتكلموا في مذهبه، وأوغروا صدور بعض العلماء عليه، وأثاروا الناس من حوله، فأمر الأمير بنفيه عن بلده، فخرج من بخارى إلى خَرْتَنْك، وهي قرية كانت على فرسخين من سمرقند.

٢٤ - بَابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ • [٣٢] حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ (¬١)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (¬٢) عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (¬٣): لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا (¬٤) إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (¬٥) قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (¬٦) ﷺ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (¬٧) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (¬٨).

هُمْ بِظُلْمٍ﴾ (¬٥) قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (¬٦) ﷺ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (¬٧) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (¬٨).

٢٥ - بَابُ (¬٩) عَلَامَةِ (¬١٠) الْمُنَافِقِ • [٣٣] حدثنا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

• [٣٤] حدثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

ولعل قرار الأمير الذهلي بنفي البخاري عن بلده بخارى، كان بداية النهاية لحياة هذا الإمام العظيم، حيث إن البخاري لم يتألم في حياته، ولم يتأثر تأثره وتألمه لهذا القرار؛ فقد خرج فيما قبل من بخارى إلى نيسابور، وكله أمل في أن يجد الراحة فيها والاستقرار بعد الكيد والمضايقة والتعذيب، إلا أن المقام لم يستقر به فيها، حتى ظهرت رءوس الفتنة من كل جانب، وأشاع عنه حساده وأعداؤه الأقاويل والدسائس، مما اضطره إلى العودة إلى بخارى، غير أن حظه فيها لم يكن أحسن مما كان بنيسابور؛ حيث وقعت الجفوة بينه وبين أميرها، بسبب طلبه أن يحمل إليه "الصحيح"، و"التاريخ"، وجواب البخاري الذي اعتبر طلب الأمير إذلالًا للعلم والعلماء، مما يؤكد اعتزازه الشديد بنفسه، وقوة شخصيته. "روى ابن عدي قال: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: خرج البخاري إلى "خَرْتَنْك" وكان له بها أقرباء فنزل عندهم" (¬١). ولعل البخاري قصد قرية بيكند أولًا، ثم انتهى به المطاف إلى خَرْتَنْك جمعا بين ما ذكره الحافظ في مقدمة الفتح من الروايتين. "يقول عبد القدوس بن عبد الجبار: سمعت البخاري ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه اللَّه" (¬١).

البخاري ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه اللَّه" (¬١). ويروي محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه البخاري بخَرْتَنْك، يقول: "إنه أقام أيامًا فمرض، حتى

وجه إليه رسول من أهل سمرقند، يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيه، ولما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها وأنا آخذ بعضده قال: أرسلوني فقد ضعفت، فأرسلناه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع فقضى، ثم سال منه عرق كبير، وكان قد قال لنا: كفنوني في أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، قال: ففعلنا. فلما أدرجناه في أكفانه، وصلينا عليه، ووضعناه في قبره، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك دامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه، إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبكًا" (¬١). وكان تاريخ وفاة البخاري ﵀ يوم السبت في ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة (٢٥٦ هـ). فرحم اللَّه الإمام البخاري، وأجزل له العطاء، وبوأه مقام الصديقين، وأحسن إليه كما أحسن وجوَّد خدمة السنة النبوية التي قصر حياته عليها، وعلى خدمتها وجمعها وتهذيبها مما علق بها، من انتحال واختلاق، وأبقى ذكره خالدًا عطرًا ما بقيت الحياة وبقي الناس.


أهمية كتاب البخاري "الجامع الصحيح" ومكانته كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري من أصح وأجل الكتب في تاريخ الأمة الإسلامية بعد كتاب اللَّه ﷿؛ وذلك لتلقي الأمة له بالقبول مع كتاب مسلم بن الحجاج ﵀، والاتفاق يقطع بصحة أحاديث الكتابين وإفادتها للعلم. يقول الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀، في معرض كلامه عن أمهات أقسام الحديث: "وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: صحيح متفق عليه. يطلقون ذلك، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به" (¬١). اهـ. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها" (¬٢). وقال أبو عبد الرحمن النسائي: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل" (¬٣). اهـ.

مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ (¬١) فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

٢٦ - بَابٌ (¬٢) قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الْإِيمَانِ • [٣٥] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

ْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

٢٧ - بَابٌ (¬٢) الْجِهَادُ مِنَ الْإِيمَانِ • [٣٦] حدثنا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ (¬٣)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْتَدَبَ (¬٤) اللَّهُ (¬٥) لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ (¬٦)

وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري، فيما حكاه أبو يعلى الخليلي الحافظ في كتابه "الإرشاد" ما ملخصه: "رحم اللَّه محمد بن إسماعيل؛ فإنه ألف الأصول - يعني: أصول الأحكام من الأحاديث - وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم بن الحجاج" (¬١). وقال الإسماعيلي في "المدخل" له: "أما بعد، فإني نظرت في كتاب "الجامع" الذي ألفه أبو عبد اللَّه البخاري فرأيته جامعًا - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة، ودالًّا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة، وتمكنا منها كلها، وتبحرًا فيها، وكان يرحمه اللَّه الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير، فنفعه اللَّه ونفع به" (¬٢). وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: "سمعت أبا زيد المروزي يقول: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟! فقلت: يا رسول اللَّه، وما كتابك؟! قال: "جامع" محمد بن إسماعيل" (¬٣). وقال أبو جعفر العقيلي: "لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على: ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا

ن إسماعيل" (¬٣). وقال أبو جعفر العقيلي: "لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على: ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا

له بالصحة، إلا أربعة أحاديث"، قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة" (¬١). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: "واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن "صحيح البخاري" أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد" (¬٢). وقال الحافظ المزي: "وأما السنة فإن اللَّه تعالى وفق لها حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها، على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة، حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها. وكان من أحسنها تصنيفًا، وأجودها تأليفًا، وأكثرها صوابًا، وأقلها خطأً، وأعمها نفعا، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة، وأيسرها مئونة، وأحسنها قبولًا عند الموافق والمخالف، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة؛ صحيح أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري … " (¬٣). وقال الحافظ ابن حجر: "كتاب "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيدنا رسول اللَّه ﷺ وسننه وأيامه" تأليف الإمام الأوحد، عمدة الحفاظ، تاج الفقهاء، أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ﵀، وشكر سعيه؛ قد اختص بالمرتبة العليا، ووصف بأنه لا يوجد كتاب بعد كتاب اللَّه مصنف أصح منه في الدنيا، وذلك لما اشتمل عليه من جمع الأصح والصحيح،

بِي وَتَصْدِيقٌ (¬١) بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ (¬٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ (¬٣) ".

٢٨ - بَابٌ (¬٤) تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ (¬٥) مِنَ الْإِيمَانِ • [٣٧] حدثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

٢٩ - بَابٌ (¬٤) صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ • [٣٨] حدثنا ابْنُ (¬٦) سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٧) مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

َمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

وما قرن بأبوابه من الفقه النافع الشاهد لمؤلفه بالترجيح، إلى ما تميز به مؤلفه عن غيره بإتقان معرفة التعديل والتجريح" (¬١). وقال القاسم بن يوسف السبتي التجيبي: "وكان من جملة الوصية التي أوصاني بها التقي الفاضل أبو العباس ابن تيمية أن قال: ما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن إسماعيل، وصدق ابن تيمية، واللَّه تعالى يفهمنا ما فيه، ويرشدنا للعمل بمقتضاه بمنه وكرمه" (¬٢). اهـ. وقال الحافظ الذهبي: "وأما الصحيح فهو أعلى ما وقع لنا من الكتب الستة في أول ما سمعت الحديث، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فما ظنك بعلوه اليوم وهو سنة خمس عشرة وسبعمائة! ولو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط، كيف وقد دام علوه إلى عام ثلاثين! وهو أعلى الكتب الستة سندًا إلى النبي ﷺ في شيء كثير من الأحاديث؛ وذلك لأن أبا عبد اللَّه أسن الجماعة، وأقدمهم لقيًّا للكبار، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عن رجل عنهم" (¬٣). وقال البدر العيني: "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب اللَّه تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم، فرجح البعض - منهم المغاربة - "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"، والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم؛ لأنه أكثر فوائد منه" (¬٤).

من صحيحي البخاري ومسلم، فرجح البعض - منهم المغاربة - "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"، والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم؛ لأنه أكثر فوائد منه" (¬٤).

عناية العلماء بـ "صحيح البخاري": مما سبق يتضح أنه لا غرو أن يحظى هذا السفر الجليل بكافة أنواع العناية والرعاية التي تعددت جوانبها، حتى أضحى الكتاب درة من الدرر تفاخر به الأمة الإسلامية سائر الأمم. فمن أوجه الرعاية التي حظي بها الكتاب، وتضافرت حولها جهود العلماء وطلبة العلم، بدعم من الحكام والسلاطين، أنهم حرصوا على تدوينه وتسميعه في شتى الأمصار الإسلامية؛ حيث لا يكاد يخلو مصر من الأمصار من رواية أو عدة روايات لهذا الكتاب، تداولتها أيدي العلماء بالتوثيق والتحرير والتدقيق، ولم يقتصر الأمر على مجرد التدوين والتسميع، أو الإجازات والمناولات فقط، بل امتد إلى الحصر الشامل لكل الروايات بنسخها المتعددة، وما يتعلق بها من مغايرات أو اختلافات، مع المفاضلة بينها، وبيان الراجح منها من المرجوح، وأخطاء الرواة والنساخ، حتى غدا الكتاب أنموذجًا يحتذى به في علم ضبط وتحقيق النصوص، ودليلًا على أن هذا العلم إنما هو علم إسلامي خالص، بأصوله وفروعه، واقتصر دور الأمم الأخرى على الاقتباس والتقليد. وقد ساعدت هذه الجهود المباركة على انتقال الكتاب من مؤلفه إلى عصرنا الحاضر مجتازًا كل هذه الحقبة الزمنية الطويلة، دون أن تطوله يد التغيير، أو الضياع.


٣٠ - بَابٌ (¬١) الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ (¬٢) النَّبِيِّ ﷺ: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ (¬٣) السَّمْحَةُ" • [٣٩] حدثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ (¬٤) الدِّينَ (¬٥) أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا (¬٦) وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا (¬٧) وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ (¬٨) وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ (¬٩) ".

أشهر روايات "الجامع الصحيح" كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ﵀ في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري. وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بالبخاري، فقد حمل هذا الكتاب عن مؤلفه جمهرة كبيرة من الرواة بلغ مجموعهم في بعض الإحصاءات تسعين ألفًا (¬١)، لم يشتهر منهم سوى عدد محدود، حُمل عنه الكتاب سماعًا وانتساخًا، وسميت كل رواية باسم راويها؛ فمن أشهر هذه الروايات: ١ - رواية الفربري: محمد بن يوسف بن مطر أبو عبد اللَّه الفربري (ت: ٣٢٠ هـ): وهي أشهر وأتم الروايات، وعليها اعتمد المسلمون في نقل هذا الكتاب وروايته، ويأتي الترجمة له، وتفصيل الحديث عن هذه الرواية. ٢ - رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي (ت: ٢٩٤ هـ): وهي دون رواية الفربري بثلاثمائة حديث، أخذها إجازة. ٣ - رواية حماد بن شاكر النسوي (ت: ٢٩٠ هـ): وهي دون رواية الفربري بمائتي حديث، أخذها إجازة.

٣١ - بَابٌ (¬١) الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (¬٢) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (¬٣) يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ

١) الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (¬٢) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (¬٣) يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ • [٤٠] حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ (¬٤) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا (¬٥) أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى (¬٦) أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ (¬٧) الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (¬٨) ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

ودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

قال أبو العباس المستغفري: "من المدينة الداخلة (¬١)، ثقة جليل. روى عن محمد بن إسماعيل البخاري "الجامع"، وروى عن أبي عيسى الترمذي، وعيسى بن أحمد العسقلاني ومحمد بن الفضل العابد البلخيين، ارتحل إلى الشام والعراق، روى عن أهل بلده والغرباء" (¬٢). ٤ - رواية منصور بن محمد بن علي أبو طلحة البزدوي (ت: ٣٢٩ هـ): وهو آخر من حدث بـ "الجامع" عن البخاري. قال ابن ماكولا: "من أهل بزدة، حدث عن محمد بن إسماعيل بكتاب "الجامع الصحيح"، وهو آخر من حدث به عنه، وكان ثقة، توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة" (¬٣). وقال المستغفري جعفر بن محمد في "تاريخ نسف": "منصور بن محمد بن علي بن مزينة بن سوية أبو طلحة البزدوي، دهقان بزدة، آخر من روى عن محمد بن إسماعيل "الجامع"، وروى عن عبيد اللَّه بن عمر، ويضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: وجدوا سماعه بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين، وقرءوا كله من أصل حماد بن شاكر، مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وسمع منه أهل بلده، وصارت إليه الرحلة في أيامه" (¬٤).

قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ (¬١) هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (¬٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (¬٣).

تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (¬٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (¬٣).

٣٢ - بَابُ (¬٤) حُسْنُِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ • [٤١] قال (¬٥) مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ (¬٦) اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا (¬٧)، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ (¬٨): الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا".

رواية الفربري هي أم الروايات: أولًا: أقوال العلماء في تزكيته وثقته وإمامته: قال ابن رشيد: "وأبو عبد اللَّه هذا عمدة المسلمين في كتاب البخاري، وشهرته مغنية عن التعريف بحاله" (¬١). فما ظنك بمن جعله المسلمون عمدتهم، وإنما ينبه على حال أمثال الفربري لتعليم الجهال، ودفع حقد الأغمار المتجاهلين. وقد سئل الإمام يحيى بن معين عن ابني أبي شيبة؛ أبي بكر وعثمان، فقال للسائل: يا مجنون، هل رأيت أحدًا يسأل عن مثل هؤلاء؟! وقال عنه السمعاني: "راوية كتاب "الجامع الصحيح" لمحمد بن إسماعيل البخاري عنه، رحل إليه الناس وحملوا عنه هذا الكتاب". وقال: "كان ثقة ورعًا" (¬٢). قال أبو نصر أحمد بن محمد الكلاباذي: "وكان سماعه - يعني: الفربري - من محمد بن إسماعيل مرتين: مرة بفربر في سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى في سنة اثنتين وخمسين ومائتين" (¬٣). وقال أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني: سمعت محمد بن يوسف بن مطر يقول: "سمعت "الجامع الصحيح" من أبي عبد اللَّه

• [٤٢] حدثنا (¬١) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ (¬٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".

٣٣ - بَابٌ (¬٤) أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ (¬٥) أَدْوَمُهُ • [٤٣] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ (¬٦): "مَنْ هَذِهِ؟ " قَالَتْ: فُلَانَةُ - تَذْكُرُ (¬٧) مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا (¬٨) تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ (¬٩) الدِّينِ إِلَيْهِ (¬١٠) مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (¬١١) ".

محمد بن إسماعيل بفربر في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين ومائتين" (¬١). وقال ابن رشيد: "الثقة الأمين، وسيلة المسلمين إلى رسول اللَّه ﷺ في كتاب البخاري، وحبلهم المتين" (¬٢). وقال: "ومد اللَّه تعالى في عمر أبي عبد اللَّه الفربري وبارك فيه، حتى انفرد برواية "الصحيح" زمانًا؛ لذهاب رواته، فرحل إليه في روايته عنه، وتنوفس في سماعه منه" وقال أبو إسحاق المستملي: "يروى عن محمد بن يوسف الفربري، أنه كان يقول: سمع كتاب "الصحيح" لمحمد بن إسماعيل سبعون - وفي رواية: تسعون - ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري" (¬٣). قال أبو عبد اللَّه الذهبي: "ويُروى - ولم يصح - أن الفربري قال: سمع "الصحيح" من البخاري تسعون ألف رجل، ما بقي أحد يرويه غيري. قلت: قد رواه بعد الفربري أبو طلحة منصور بن محمد البزدوي النسفي، وبقي إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة" (¬٤). اهـ. والحكاية عن الفربري أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (¬٥) - ومن طريقه

طلحة منصور بن محمد البزدوي النسفي، وبقي إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة" (¬٤). اهـ. والحكاية عن الفربري أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (¬٥) - ومن طريقه

ابن نقطة في "التقييد" (¬١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (¬٢)، والمزي في "تهذيب الكمال" (¬٣) - قال: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري بنيسابور (ت: ٤٢١ هـ)، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف. كذا في سياق واحد؛ وفيه إشكال: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه، هو المستملي؛ فكيف يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي؟! والقصة أخرجها ابن رشيد (¬٤) بإسناده إلى الخطيب. قال الخطيب: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي بنيسابور، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي. يقول الخطيب: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي، يروي عن الفربري. ويتبين من خلال هذا السياق أن أبا العباس الصفار شيخ للخطيب وليس للمستملي؛ وبهذا يكون للخطيب فيه إسنادان عن المستملي: أحدهما من طريق القاضي أبي بكر الحرشي، وهو ثقة مترجم في: "الأنساب" (٤/ ٢٨٩)، و"تاريخ الإسلام" (٢٩/ ٤٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٣٥٦)، وغير ذلك.

لي: أحدهما من طريق القاضي أبي بكر الحرشي، وهو ثقة مترجم في: "الأنساب" (٤/ ٢٨٩)، و"تاريخ الإسلام" (٢٩/ ٤٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٣٥٦)، وغير ذلك.

٣٤ - بَابُ (¬١) زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (¬٢): ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (¬٣) ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (¬٤) وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (¬٥) فَإِذَا تَرَكَ (¬٦) شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ. • [٤٤] حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ (¬٧) مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيَرةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ (¬٨) مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ (¬٩) مِنْ خَيْرٍ". قالَ أبو عَبدِ اللهِ (¬١٠): قَالَ (¬١١) أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مِنْ إِيمَانٍ" مَكَانَ "مِنْ (¬١٢) خَيْرٍ".

والثاني من طريق أبي العباس الصفار البلخي أحمد بن عبد اللَّه؛ ولا أدري من يكون؟ وبهذا سلمت هذه الحكاية من اعتراض الحافظ الذهبي ﵀. أما ما ذكره الإمام الذهبي من تأخُّر رواية البزدوي عن الفربري؛ فقد سبقه إليه الأمير ابن ماكولا كما في كتابه "الإكمال" (¬١). بيد أن ابن نقطة حكى في "التقييد" (¬٢)، عن المستغفري جعفر بن محمد في "تاريخ نسف"، أنهم يضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: "وجدوا سماعه بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين، وقرءوا كله من أصل حماد بن شاكر". اهـ. ولعل هذا هو سبب انتشار رواية الفربري وانفرادها. وقال ابن رشيد: "وتوفي الفربري فيما رويناه بإسنادنا العالي إلى أبي ذر قال: وسمعت أبا إسحاق المستملي يقول: مات محمد بن يوسف بن مطر الفربري ﵀ في شهر شوال لعشر بقين منه من سنة عشرين وثلاثمائة، فيما بلغني وأخبرني به أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن علي بن طرخان الطرخاني عن إتيان فارس قدم بلخ. قلت: وقد قيل فيه غير ذلك، والصحيح إن شاء اللَّه هذا" (¬٣).

ثانيا: رواية الفربري هي عمدة المسلمين في رواية هذا الكتاب: قال أبو محمد عبد اللَّه بن علي اللخمي الرشاطي: "وعلى الفربري العمدة في رواية كتاب البخاري" (¬٤).

• [٤٥] حدثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ (¬١)، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا - مَعْشَرَ الْيَهُودِ - نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (¬٢) قَالَ (¬٣) عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ (¬٤) فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ (¬٥) ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (¬٦).

ُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ (¬٤) فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ (¬٥) ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (¬٦).

٣٥ - بَابٌ (¬٧) الزَّكَاةُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ (¬٨): ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (¬٩) حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (¬١٠)﴾ (¬١١).

وقال ابن رشيد: "ومد اللَّه تعالى في عمر أبي عبد اللَّه الفربري، وبارك فيه حتى انفرد برواية "الصحيح" زمانًا؛ لذهاب رواته، فرحل إليه في روايته عنه، وتنوفس في سماعه منه" (¬١). فالطريق المعروف اليوم إلى البخاري في مشارق الأرض ومغاربها باتصال السماع؛ طريق الفربري، وعلى روايته اعتمد الناس؛ لكمالها وقربها وشهرة رجالها. وكان عنده أصل البخاري، ومنه نقل أصحاب الفربري، فكان ذلك حجة له عاضدة، وبصدقه شاهدة. ثم تواتر الكتاب عن الفربري، بل زاد حتى كأنما عناه القائل: تواتر حتى لم يدع لي ريبة … ولم يك عما خبروا متعقب فتطوق به المسلمون، وانعقد عليه الإجماع؛ فلزمت به الحجة، ووضحت المحجة. والحمد للَّه رب العالمين. الروايات عن الفربري: ومع هذا العدد من التلاميذ والروايات تظل رواية الفربري هي الأكثر انتشارًا، والتي عليها المعول في رواية الكتاب إلى يومنا هذا، فهي بمنزلة الأم لكل الروايات؛ نظرًا لاكتمالها وإتقانها، فقد سمع الفربري "الصحيح" من البخاري مرتين: "مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين" (¬٢)، وساعد على ذلك أيضًا تأخر وفاة الفربري نسبيًّا عن أقرانه المشاركين له في رواية الكتاب.

وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين" (¬٢)، وساعد على ذلك أيضًا تأخر وفاة الفربري نسبيًّا عن أقرانه المشاركين له في رواية الكتاب.

• [٤٦] حدثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬١) مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (¬٢) عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ (¬٣) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ (¬٤) دَوِيُّ (¬٥) صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَقَالَ (¬٦): هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ (¬٧) "، قَالَ (¬٨) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَصِيَامُ (¬٩) رَمَضَانَ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ (¬١٠): هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ".

قال ابن رشيد: "ثم تواتر الكتاب من الفربري، فتطوق به المسلمون، وانعقد الاجماع عليه" (¬١). اهـ.

أشهر من حمل هذا الكتاب عن الفربري: لقد انتشر الرواة عن الفربري في الأقطار والأمصار بما يصعب حصرهم، فلا مناص من الاقتصار على أشهرهم وأوثقهم؛ فمن هؤلاء: ١ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي (ت: ٣٧٦ هـ). ٢ - أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد الحمويي السرخسي (ت: ٣٨١ هـ). ٣ - أبو الهيثم محمد بن المكي بن زراع الكشميهني (ت: ٣٨٩ هـ). ٤ - أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن الحافظ المصري البغدادي الأصل (ت: ٣٥٣ هـ). قال القاضي أبو الفضل عياض: "أتقن ابن السكن روايته لـ "صحيح البخاري"، فأكثر منثور أحاديثه، ومختل رواياته هي عنده متقنة صحيحة، أتقنها وصححها من سائر الأحاديث الأخر الواقعة في الكتاب وغيره" (¬٢). ٥ - أبو زيد المروزي محمد بن أحمد الفاشاني (ت: ٣٧١ هـ)، وهو أجل من روى الكتاب عن الفربري. ٦ - أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني (ت: ٣٩١ هـ). ٧ - أبو أحمد محمد بن يوسف المكي الجرجاني (ت: ٣٧٣ هـ).

٣٦ - بَابٌ (¬١) اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ • [٤٧] حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ (¬٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ (¬٣) جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ (¬٤) حَتَّى يُصَلَّى (¬٥) عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ (¬٦)، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ". تَابَعَهُ (¬٧) عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.

ِعُ بِقِيرَاطٍ". تَابَعَهُ (¬٧) عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.

قال ابن رشيد: "هؤلاء السبعة مشاهير أصحاب الفربري، ووراءهم غيرهم من أعلام وأغفال" (¬١). وقد روى عن كل واحد من هؤلاء جماعات. بيد أن أبا إسحاق المستملي، وأبا محمد الحمويي، وأبا الهيثم الكشميهني؛ هؤلاء الثلاثة هم أشهر وأوثق من حمل الكتاب عن الفربري؛ ولذا اعتمد عليهم الحافظ القدوة أبو ذر الهروي في توثيق وتحقيق روايته للكتاب، كما يأتي شرحه. التعريف بأبي إسحاق المستملي: إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن داود المستملي البلخي. قال ابن رشيد: "وكان مستملي ابن طرخان، يكنى أبا إسحاق، وينسب إلى بلخ، وهي مدينة خراسان العظمى، ويقال: إنها وسطى بلاد خراسان. الثقة المتقن" (¬٢). و"بسندنا إلى أبي الوليد الباجي قال: وأبو إسحاق المستملي ثقة مشهور". و"روينا عن أبي ذر أنه كان يقول: أخبرني أبو إسحاق المستملي ببلخ، وكان من الثقات المتقنين. ذكره الغساني" (¬٢). سمع أبو إسحاق من أبي عبد اللَّه الفربري "صحيح البخاري" وحدث به عنه، ونقل أبو إسحاق فرعه من أصل البخاري.

٣٧ - بَابُ (¬١) خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ (¬٢) أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا (¬٣). وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ (¬٤): مَا خَافَهُ (¬٥) إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ (¬٦) وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ (¬٧) تَعَالَى (¬٨): ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (¬٩).

ِفَاقِ (¬٦) وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ (¬٧) تَعَالَى (¬٨): ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (¬٩).

• [٤٨] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".

و"بسندنا إلى أبي ذر قال: وكان سماعه، يعني أبا إسحاق المستملي، من الفربري في سنة أربع عشرة وثلاثمائة. ووجدت عن أبي الوليد الباجي: أنا أبو ذر، ثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" (¬١). التعريف بأبي محمد الحمويي: عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه بن أحمد بن يوسف ابن أعين السرخسي. "حدث الحمويي عن الفربري بكتاب البخاري سماعًا عليه سنة ست عشرة وثلاثمائة، كذا قيدناه عن غير واحد من مشايخنا، وكان في أصل شيخنا الأديب الصوفي أبي عبد اللَّه ابن الخيمي من ثلاثيات البخاري خمس عشرة". وكذلك قال أبو علي الغساني في "تقييد المهمل"، ونماه بالرواية إلى أبي ذر ﵀، والصحيح ست عشرة، ووجدت بعد عن أبي ذر أنه شك في تاريخ سماع الحمويي من الفربري فقال: "إما سنة خمس عشرة، أو أربع عشرة" (¬٢). وكان أبو محمد ثقة حافظًا عدلًا؛ قال فيه أبو ذر: "صاحب أصول حسان" (¬٣). وقال أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف: "أبو محمد الحمويي شيخ ثقة" (¬٤). انتهى.

• [٤٩] أخبرنا (¬١) قُتَيْبَةُ بْنُ (¬٢) سَعِيدٍ (¬٣)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ (¬٤) أَنَسٍ (¬٥) قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى (¬٦) رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا (¬٧) فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ (¬٨) وَالْخَمْسِ".

٣٨ - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ (¬٩) تَعَالَى (¬١٠): ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (¬١١).

حدث عنه بـ "الجامع الصحيح" الحافظان جمال الإسلام أبو الحسن الداودي، وأبو ذر الهروي مقيم مكة - شرفها اللَّه. قال ابن رشيد: "ولد الحمويي عام ثلاثة وتسعين ومائتين، وتوفي بعد الثمانين وثلاثمائة؛ ذكر ذلك أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر البغدادي الحافظ الرحال في كتاب "المؤتلف والمختلف". "وقال أبو ذر - فيما وجدت عنه بعد أن ذكر وفاة المستملي في سنة ست وسبعين وثلاثمائة: والحمويي بعده، ولا أحققه في أي سنة" (¬١). وقال شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي: "توفي أبو محمد بن حمويه لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة" (¬٢). وقال مثله سواء أبو بكر بن عبد الغني في كتاب "تقييد المسائل" له: "ألحق هذا عام سبعة وتسعين في محرم" (¬١). التعريف بأبي الهيثم الكشميهني: محمد بن المكي بن محمد بن المكي بن زراع بن هارون بن زراع الكشميهني المروزي.

ه: "ألحق هذا عام سبعة وتسعين في محرم" (¬١). التعريف بأبي الهيثم الكشميهني: محمد بن المكي بن محمد بن المكي بن زراع بن هارون بن زراع الكشميهني المروزي. وزراع - بزاي مضمومة في أوله، بعدها راء مفتوحة خفيفة - كذا قيده غير واحد، وبالتخفيف ضبط في الأصل العتيق المسموع على أبي ذر بمكة، وكذلك قرأته بخط المتقن أبي بكر بن خير. والكشميهني - بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعدها ياء لينة وفتح الهاء ثم نون بعدها ياء النسب - منسوب إلى قرية كشميهن، وهي في خراسان، وهي من عمل مرو.

• [٥٠] حدثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (¬١) ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ (¬٢) فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَاِئكَتِهِ (¬٣)، وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ (¬٤)، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ (¬٥) الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا (¬٦) بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا (¬٧): إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ" ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (¬٨) " الْآيَةَ (¬٩)، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ". قالَ أبو عَبدِ الله: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ.

فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ". قالَ أبو عَبدِ الله: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ.

وقال أبو ذر: "وذكر أبو الهيثم أنه سمع الكتاب من الفربري بفربر في ربيع الأول من سنة عشرين وثلاثمائة، وروى أيضًا عن غير الفربري". ووجدت لأبي ذر في "معجمه" قال: "وأرجو أن يكون ثقة" (¬١). و"بسندنا إلى أبي الوليد قال: وأبو الهيثم الكشميهني صاحب عربية؛ روينا بإسناد عن الحافظ أبي بكر بن ياسر الجياني أنه قال فيه: إمام أديب ثقة" (¬١). وقد اعتمد الحافظ القدوة أبو ذر الهروي على هؤلاء الثلاثة في توثيق وتحقيق روايات الكتاب، كما يأتي شرحه.


٣٩ - بَابٌ (¬١) • [٥١] حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ (¬٢) أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ. وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً (¬٣) لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا. وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.

٤٠ - بَابُ (¬٤) فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ • [٥٢] حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (¬٥) ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ (¬٦) لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ (¬٧) اسْتَبْرَأَ (¬٨) لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (¬٩)، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ (¬١٠) كَرَاعِي (¬١١) يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ

الْمُشَبَّهَاتِ (¬٧) اسْتَبْرَأَ (¬٨) لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (¬٩)، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ (¬١٠) كَرَاعِي (¬١١) يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ

رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ (ت: ٣٧١ هـ) هي الرواية الأم التي عليها مدار رواية الصحيح في الدنيا كلها، لا يكاد يوجد في الصحة مثلها، حتى قنع بها الحافظ ابن حجر، واقتصر عليها في شرحه للصحيح المسمى بـ "فتح الباري"؛ حيث قال: "فليقع الشروع في الشرح، والاقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، وعليه نقتصر" (¬١). اهـ. وهي التي توارد عليها أهل المشرق والمغرب: قال الشيخ صالح بن محمد بن نوح الفلاني المغربي (ت: ١٢١٨ هـ): "وأما "صحيح البخاري" فأرويه بطرق؛ أصحها وأشهرها طريق أبي ذر، وهي طريق المغاربة والمكيين، بسط في أسانيده إلى أبي ذر عن مشايخه الثلاثة". وقال: "في هذا السند مع علوه لطائف؛ كون رجاله فقهاء مشاهير مالكيين مغاربة، ما عدا أبي ذر وشيوخه؛ فإن أبا ذر ليس بمغربي مع كونه مالكيا". وقد حملها إلى المغرب أبو الوليد الباجي؛ حيث "رحل إلى مكة سنة ست وعشرين وأربعمائة، فجاور ثلاثة أعوام، ولزم أبا ذر، وكان يروح معه إلى السراة، ويتصرف في حوائجه، وحمل عنه علمًا كثيرًا" (¬٢)، وكذا أخذ عنه غير واحد من الأندلسيين، يأتي ذكرهم.

ثلاثة أعوام، ولزم أبا ذر، وكان يروح معه إلى السراة، ويتصرف في حوائجه، وحمل عنه علمًا كثيرًا" (¬٢)، وكذا أخذ عنه غير واحد من الأندلسيين، يأتي ذكرهم.

التعريف بصاحب الرواية الأم: هو: عبد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن غفير بن عمرك بن خلفة بن إبراهيم بن قيسان بن قيس بن عامر بن قيس بن أبي ودعة بن عمرو بن قيس بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غُنم بن مالك بن النجار بن مالك بن عمرو بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الهروي، ثم المكي المالكي الأشعري، المحدث المصنف. يكنى أبا ذر، والهروي نسبة إلى هراة بلد بخراسان، وهي من أكثر بلاد خراسان عمارة، وأحسنها وجوهًا "افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وأهلها أشراف من العجم، وبها قوم من العرب، ومنهم أبو ذر هذا" (¬١). وكان مالكي المذهب، ولقي جلة من أعلام مذهب مالك؛ منهم: القاضي أبو بكر بن الطيب، والقاضي أبو الحسن بن القصار، ونظراؤهما. وغلب عليه الحديث، وكان فيه إمامًا؛ قال ابن بشكوال: "كان حافظًا فاضلًا على هدي السلف الصالح" (¬٢). وذكر الحافظ السلفي أنه سأل عنه أبا نصر الساجي، فقال: "ثقة ورع، سمعت الأنصاري يقول: قرأت عليه حديث جابر الطويل في المناسك، وأومأت بالجزء ليأخذه، فقال لي: ضعه؛ فلستُ على وضوء، ولم يمسه" (¬٣). سمع المستملي والحمويي والكشميهني، وعول عليهم في "البخاري". سمعه على الحمويي بهراة سنة ثلاث وسبعين، بسين ثم باء، وثلاثمائة.

أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ (¬١) لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ (¬٢) حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ (¬٣) مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً (¬٤) إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ (¬٥)، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ".

وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً (¬٤) إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ (¬٥)، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ".

٤١ - بَابٌ أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ • [٥٣] حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي (¬٦) عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ الْقَوْمُ" أَوْ: "مَنِ الْوَفْدُ؟ " قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ" أَوْ: "بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا (¬٧) وَلَا نَدَامَى" فَقَالُوا (¬٨): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ (¬٩) الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا

وسمع وقرأ على المستملي ببلخ سنة أربع وسبعين، بسين ثم باء، وثلاثمائة. وبإسنادنا إلى أبي ذر قال: "وسمعت منه، ورحلت إليه سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ببلخ" (¬١). ووجدت بعد عن أبي ذر أنه قال: "سمعنا من أبي إسحاق في شهور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وقد فرغنا من سماعه عليه يوم السبت لست خلون من المحرم من سنة خمس وسبعين وثلاثمائة" (¬٢). وسمع وقرأ على الكشميهني بكشميهن سنة تسع، بتاء ثم سين، وثمانين وثلاثمائة في محرم. وروى أبو ذر عن العدد الكثير. قال القاضي عياض: "كان، ﵀، مالكي المذهب، إمامًا في الحديث حافظًا له، ثقة ثبتًا متفنِّنًا، واسع الرواية متحرِّيًا في سماعه، كثير المعرفة بالصحيح والسقيم، وعلم الرجال، حسن التأليف في ذلك كثيرًا، وكان مع ذلك زاهدًا متقشِّفًا، فاضلًا متقلِّلًا" (¬٣). وقال: "وألف كتابين: أحدهما فيمن روى عنه الحديث، اشتمل على نحو ثلاثمائة اسم وأزيد من الفقهاء والمحدثين، والآخر فيمن لقيه ولم يرو عنه حديثًا … وسكن الحرم فجاور فيه إلى أن مات" (¬٤). قال أبو محمد الشنتجالي: "من رأى أبا ذر رآه على هدي السلف" (¬٥).

٤٢ - بَابُ (¬١) مَا جَاءَ أَنَّ (¬٢) الْأَعْمَالَ (¬٣) بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ (¬٤) فِيهِ الْإِيمَانُ، وَالْوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالْأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (¬٥) ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (¬٦) عَلَى نِيَّتِهِ. نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا (¬١) صَدَقَةٌ (¬٧)، وَقَالَ (¬٨): "وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".

َى شَاكِلَتِهِ﴾ (¬٦) عَلَى نِيَّتِهِ. نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا (¬١) صَدَقَةٌ (¬٧)، وَقَالَ (¬٨): "وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".

• [٥٤] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٩) مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا (¬١٠) يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

وقال حاتم بن محمد: "كان أبو ذر مالكيًّا خيِّرًا فاضلًا متقلِّلًا من الدنيا، يبصر الحديث وعلله ويميز الرجال، ولأبي ذر كتابه الكبير في "المسند الصحيح المخرج على البخاري ومسلم"، وكتاب "السنة والصفات"، وكتاب "الجامع"، وكتاب "الدعوات"، و"فضائل القرآن"، و"فضائل العيدين"، و"فضل يوم عاشوراء"، و"مسانيد الموطآت"، و"كرامات الأولياء"، و"الرؤيا والمنامات"، و"فضائل مالك بن أنس"، و"المناسك"، و"دلائل النبوة"، و"كتاب الربا واليمين الفاجرة"، وكتاب "شهادة الزور"، وكتاب "بيعة العقبة"، و"حديث الجعرانة وخيبر"، وكتاب "شهادة النبي وأصحابه"، وكتاب "ما روي في بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، وكتاب في شيوخه، وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة". انتهى (¬١). كذا وجدت فيما ألفيت من مختصر كلام عياض في كتاب "ترتيب المدارك"، وكذلك وجدت وفاته عن العذري، غير أنه قال: في شوال، وكذلك ذكره ابن بشكوال في "برنامجه"، ولم يذكر الشهر. وقرأت بخطًّ قال كاتبه: إنه محمد بن عبد الرحمن بن شبرين: "وتوفي الشيخ أبو ذر بمكة في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة"، وابن شبرين هذا هو: القاضي أبو عبد اللَّه، أحد العلماء الفضلاء الصلحاء، صحب القاضي أبا الوليد الباجي، واختص به. والنفس إلى صحة القول الأول أميل.

ائة"، وابن شبرين هذا هو: القاضي أبو عبد اللَّه، أحد العلماء الفضلاء الصلحاء، صحب القاضي أبا الوليد الباجي، واختص به. والنفس إلى صحة القول الأول أميل. وكان مولد أبي ذر فيما قاله أبو العباس العذري؛ قال: وسألته عن مولده، يعني أبا ذر، فقال: "ولدت إما سنة خمس وخمسين، أو ست وخمسين". شك أبو ذر.

• [٥٥] حدثنا حَجَّاجُ (¬١) بْنُ مِنْهَالٍ (¬٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي (¬٣) مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ (¬٤) لَهُ صَدَقَةٌ".

• [٥٦] حدثنا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا (¬٥)، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي (¬٦) امْرَأَتِكَ".

٤٣ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" وَقَوْلِهِ (¬٧) تَعَالَى (¬٨): ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (¬٩) • [٥٧] حدثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ

حدث عن أبي ذر من لا يحيط به الحصر، ومن أشهر الطرق المشرقية عنه في "صحيح البخاري" رواية ابنه أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، عنه. وسمعه عليه من الأندلسيين العدد الكثير، ومن أشهر الطرق المعروفة إليه اليوم بالمغرب التي اعتمدها الرواة؛ رواية القاضي أبي الوليد الباجي عنه، وأبي العباس العذري، وأبي عبد اللَّه بن شريح المقرئ، وأبي عبد اللَّه بن منظور القيسي (¬١). اهـ.

كيفية إعداد أبي ذر لروايته: قال ابن رشيد في "إفادة النصيح": "قرأت بخط أبي بكر بن خير، وأنا به جد خبير، مما نقله من خط الشيخ الراوية أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀: أبو ذر عن أشياخه الثلاثة: أبي محمد الحمويي، وأبي إسحاق المستملي، وأبي الهيثم الكشميهني، غير أن سواد الكتاب على روايته عن أبي محمد وأبي إسحاق، فإذا انفرد أحدهما أو اختلفا في شيء؛ فعلامة الحمويي: حآ، وعلامة أبي إسحاق الهمزة والسين، فإذا اتفقا وخالفهما أبو الهيثم جعل: صح، على موضع الخلاف، وكتبت رواية أبي الهيثم في الحاشية، وعلامته: ها، وكذلك علامته فيما ينفرد به" (¬٢). اهـ. وقد ملأت هذه الرواية أرجاء الدنيا، وهي عمدة أهل المشرق والمغرب في رواية "الجامع الصحيح"، فقد حدث منهم عن أبي ذر من لا يحيط به الحصر.

به" (¬٢). اهـ. وقد ملأت هذه الرواية أرجاء الدنيا، وهي عمدة أهل المشرق والمغرب في رواية "الجامع الصحيح"، فقد حدث منهم عن أبي ذر من لا يحيط به الحصر.

وقد ورثت الأمة من هذا الأصل نسخًا عتيقة موثقة في أعلى درجات الوثاقة؛ منها: النسخة العتيقة التي كتبت بمكة؛ يقول ابن رشيد في معرض ضبطه لكلمة الفربري: "وبالفتح ضبطه خطًّا الرواة الدراة، وبالفتح وجدته مقصودًا في البلد والنسب في صدر كتاب البخاري في النسخة العتيقة التي كُتبت بمكة - شرفها اللَّه - وقرئت وسُمعت على أبي ذر، وعليها خطه، وكذلك وجدته في غير موضع بخط متقن الأندلسيين غير مدافع في زمانه؛ أبي بكر بن خير ﵀، وكتب عليه: صح صح، على النسب والبلد، وقد وجدته بخطه في بعض المواضع بالكسر غير مصحح عليها" (¬١). وقال ابن خير الإشبيلي: "أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الهرويّ الحافظ ﵀ فحدثني بها شيخنا الخطيب أبو الحسن شُريح بن محمد بن شُريح المقرئ ﵀ قِراءة عليه بلفظي مرارًا، وسماعًا مرارًا، قال: حدثني به أبي ﵀ سماعًا من لفظه - وأبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القَيسي ﵀ سماعًا عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي سماعًا عليه. قال محمد بن شُريح: سمعته عليه فِي المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٣٣ هـ. وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجِد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٣١ هـ، وقرئَ عليه مرَّة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في

كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب الندوة فِي شوال من سنة ٤٣١ هـ، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه السرخسي بهراة سنة ٣٧٣ هـ، وأبو إِسحاق إبراهِيم بن أحمد بن إِبراهِيم المستملي ببلخ سنة ٣٧٤ هـ، وأبو الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن زراع الكشميهني بها سنة ٣٨٧ هـ، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِربرِي بفربر، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي ﵀" (¬١).

رنا أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِربرِي بفربر، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي ﵀" (¬١).

الأصول التي توارثت أصل رواية أبي ذر: كان من الطبيعي أن يهتبل علماء الأمة وطلبة العلم هذا الأصل الأصيل، فقد توفر له من الخصائص والمميزات ما لم يتوفر لغيره، ونستطيع أن نجمل هذه المميزات في الآتي: ١ - مكانة صاحبها في العلم؛ حيث إنه إمام حافظ ناقد بصير بأساليب الضبط، وفنون العلل، وهذا ما جعل روايته تَرجُح على كُلِّ الروايات، كرواية كريمة عن الكشميهني، ورواية الأصيلي والقابسي عن أبي زيد، وغيرهم. ٢ - اعتماده في روايته على رواية أبي عبد اللَّه الفربري - وهي الرواية التي لم تكتمل روايةٌ بالسماع غيرها، هذا فضلا عن إتقانها وجودتها، واتصالها بالسماع من أولها إلى آخرها عن البخاري مباشرة، وهذه أعلى مراتب التحمل، وذلك أخذًا عن ثلاثة من أشهر وأوثق من سمع من الفربري كما سبق؛ وهم: المستملي، والحمويي، والكشميهني.

أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.

• [٥٨] حدثنا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ (¬١) يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الْآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا (¬٢) لِأَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ (¬٣): أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ (¬٤) لِكُلِّ مُسْلِمٍ"، فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ، إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.


٣ - عنايته بضبط نصوصها، وتمييز وتحرير الخلافات بين مشايخه الثلاثة فيما بينهم، وكذا فيما بينهم وبين غيرهم، وقد اعتمد عليها وأشاد بها الحافظ ابن حجر ﵀ حيث قال في "الفتح" (¬١): "فليقع الشروع في الشرح، والاقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها". اهـ. ٤ - انتشارها في الآفاق، وتداول أهل العلم لها بالسماع والضبط عبر التاريخ، مما زادها ضبطًا وتوثيقًا. ٥ - كثرة أصولها الخطية المتقنة، والموثقة بالسماع والضبط من كبار أهل العلم. لأجل ما سبق وغيره؛ فقد وقع الاختيار على رواية أبي ذر لضبط "الجامع الصحيح" سماعا وانتساخا، حيث كثرت الأصول المنتسخة منه بعناية العلماء، ومن هذه الأصول:

أ - الأول: أصل أبي عبد اللَّه بن منظور: محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن منظور بن عبد اللَّه بن منظور القيسي الإشبيلي، من بيوتها النبيهة، يكنى أبا عبد اللَّه، راوية فاضل حسن الضبط. قال ابن بشكوال في "تاريخه": "قال أبو علي الغساني: كان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيد التقييد للحديث، كريم النفس، خيارًا" (¬٢). وقال لنا أبو الحسن يونس بن محمد: "كان ذكي الخاطر، حسن المجالسة، من بيت علم وذكر وفضل، ﵀" (¬٣).

٣ - كِتَابُ العِلْمِ (¬١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (¬٢)

١ - بَابُ (¬٣) فَضْلِ الْعِلْمِ وَقَوْلُِ اللَّهِ تَعَالَى (¬٤): ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (¬٥)، وَقَوْلِه ﷿: ﴿رَبِّ (¬٦) زِدْنِي عِلْمًا﴾ (¬٧).

٢ - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ • [٥٩] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي (¬٨) إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٩) أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ

وَحَدَّثَنِي (¬٨) إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٩) أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ

وقال فيه أبو جعفر بن عميرة الضبي، وقرأته بخطه: "فقيه محدث، عارف راوية". وقال: "إنه كان قاضيًا بإشبيلية". وذلك غير معروف. اعتمده الأندلسيون، وعولوا عليه في "صحيح البخاري"، راوية أبي ذر؛ لصحبته له ومجاورته معه، حتى كتب "الجامع الصحيح" للبخاري، وعارض فرعه بأصله، وفرغ من نسخه بمكة في رجب من سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقابله مع أبي عبد اللَّه الوراق محمد بن علي بن محمود. وكتب أيضًا عن أبي ذر غير ما شيء، وسمع عليه كتاب "المعجم" له؛ فهو ثبت فيه. وكانت رحلته إلى المشرق من إشبيلية بلده في شعبان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وحج حجتين: سنتي ثلاثين، وإحدى وثلاثين. فسمع "صحيح البخاري" بمكة - شرفها اللَّه - على أبي ذر الهروي عند باب الندوة سنة إحدى وثلاثين في محرم، وانتهى في سماعه في هذه المرة الأولى إلى بعض من كتاب الأيمان والنذور. قرأت بخط أبي بكر بن خير - في كتاب مقابل قوله في أول حديث من كتاب الأيمان والنذور: "إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" - ما نصه: "إلى هنا انتهيت بالسماع في المرة الأولى. صح من خط ظ". وكتب ابن خير في كتابه المذكور أنه يعني بالظاء حيث وقعت من كتابه: ابن منظور. قال أبو عبد اللَّه بن منظور: وقرئ عليه أيضًا مرة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي في المسجد الحرام عند باب الندوة. وكان ابتداء هذا السماع الثاني الذي كمل فيه جميع الكتاب في شهر شوال من

الشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي في المسجد الحرام عند باب الندوة. وكان ابتداء هذا السماع الثاني الذي كمل فيه جميع الكتاب في شهر شوال من

بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ (¬١)، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ أُرَاهُ (¬٢) السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ "، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".

٣ - بَابُ (¬٣) مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ • [٦٠] حدثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ (¬٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ (¬٥)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا (¬٦) النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا (¬٧) الصَّلَاةُ (¬٨) وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ (¬٩) مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.

سنة إحدى وثلاثين المذكورة، وتمامه في ذي القعدة منها. انتهى نقلًا عن "إفادة النصيح" (¬١). قال أبو علي الغساني: وتوفي بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة تسع وستين وأربعمائة، ودفن ضحوة يوم الخميس بعده، وانتهى عمره سبعين عامًا، ﵀. حدث عنه الجلة من الأندلسيين؛ وأجلهم: أبو الحسن شريح بن محمد، والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن منظور.

ب - أصل القيظي: وهو: أبو محمد عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن محمد بن عثمان، التجيبي، القيظي، السرقسطي، المعروف بملاطش، حدث عن أبي عبد اللَّه بن منظور، وكتب عنه "صحيح البخاري"، وقرأه مرة، وسمعه أخرى بقراءة أبي محمد بن العربي. وكان أصل القيظي هذا من الأصول المعتمدة في الأندلس، محبسًا بجامع العدَبّس من إشبيلية - طهره اللَّه من دنس الكفر، وأعادها اللَّه دار إسلام. وهذا الأصل - جبره اللَّه - من الأصول التي اعتمدها ضابط الأندلسيين في وقته أبو بكر بن خير، وعارض كتابه الحافل به الذي بخط أبيه خير - رحمهما الله -، وفيه كان سماعي وسماع بُنيّ محمد - هداه اللَّه - مع الجماعة، على شيخنا الفقيه الفاضل العدل أبي فارس - أبقاه اللَّه - والشيخ أبو فارس يمسك أيضًا أصله الذي بخط أبيه ﵀، وفيه سمع على شيخه أبي مروان ﵀ (¬٢).

٤ - بَابُ (¬١) قَولِ الْمُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا (¬٢) وَأَنْبَأَنَا (¬٣) وَقَالَ لَنَا (¬٤) الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (¬٥) ﷺ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ (¬٦). وَقَالَ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ (¬٧) عَن رَبِّهِ ﷿. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿ (¬٨).

ِ (¬٦). وَقَالَ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ (¬٧) عَن رَبِّهِ ﷿. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿ (¬٨).

• [٦١] حدثنا قُتَيْبَةُ (¬٩)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ

جـ - أصل أبي علي الصدفي ( … - ٥١٤ هـ): هو: الإمام العلامة الحافظ البارع القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن فِيرُّه ابن حَيُّون بن سُكَّرة الصدفي، الأندلسي، السَّرقُسطي. وهو من أهل سرقسطة، سكن مُرسِية. وروى بسرقسطة عن أبي الوليد الباجي، وأبي محمد عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل، وغيرهما. وسمع ببَلَنْسِيَة من أبي العباس العذري، وسمع بالْمَرِيَّةِ من أبي عبد اللَّه محمد ابن سعدون القروي، وأبي عبد اللَّه بن المرابط، وغيرهما، ورحل إلى المشرق سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد اللَّه الحسن بن علي الطبري، وأبا بكر الطرطوشي، وغيرهما. ثم سار إلى البصرة، فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن شعبة، وغيرهم. ثم سار إلى بغداد، فسمع من أبي المعالي الأصبهاني، وأبي الفضل بن خيرون مُسنِد بغداد، وأبي الحسين الصيرفي، وغيرهم. وتفقه عند أبي بكر الشاشي، وغيره. ثم رحل إلى دمشق، فسمع من أبي الفتح نصر المقدسي، وأبي الفرج الإسفراييني، وغيرهما. وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخِلَعي، وأبي العباس الرازي، وأجاز له الحبال مُسنِد مصر في وقته.

ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ (¬١) الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ "، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".

Bagian 2 dari 100