— Bagian 3 · َّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ،… —
Bagian 3
َّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
٥ - بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ • [٦٢] حدثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ (¬٢) الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ "، قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ (¬٣)، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (¬٤)؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ (¬٥) ".
وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الوراق، وشعيب بن سعيد، وغيرهما. ثم عاد إلى الأندلس في صفر سنة سبعين وأربعمائة، وقصد مُرسية فاستوطنها، وقعد يحدث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط، وكتب بخطه علمًا كثيرًا، وقَيَّده، وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها: "صحيح البُخاري" في سِفْر، و"صحيح مسلم" في سِفْر، وكان قائمًا على الكتابين مع مصنف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلًا، دَيِّنًا، متواضعًا، حلومًا، وقورًا، عالمًا، عاملًا، واستُقضي بمُرسية، ثم استعفى فأعفي، وأقبل على نشر العلم وبثّه. استشهد ﵀ في ملحمة "قُتَنْدَه" في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة، وهو من أبناء الستين، وخلَّف كتبًا نفيسة، وأصُولًا متقنة تدل على حفظه وبراعته (¬١). قال الشيخ عبد الحي الكتاني: "وهو ممن أقام للحديث السوق العظيم، الذي فيه نفقت بضائعه، فخضعت له فيه الرقاب، وشدت له الرحال من داني البلاد وقاصيها؛ لموافر علمه، وواسع تدقيقه، وطول رحلته، توفي عام ٥١٤ هـ" (¬٢).
• [٦٣] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ (¬١)، قَالَ (¬٢): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ (¬٣) عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ (¬٤): حَدَّثَنِي. قَال: وَسَمِعْتُ (¬٥) أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
يَقُولَ (¬٤): حَدَّثَنِي. قَال: وَسَمِعْتُ (¬٥) أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
• [٦٤] حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (¬٦) اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، هُوَ (¬٧): الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا (¬٨) نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ (¬٩) رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ
رواية أبي علي الصدفي: ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه "فهرس الفهارس" (¬١)، أن بعض المتأخرين قد عثر في طرابلس الغرب عام ١٢١١ هـ على أصل عظيم من "الصحيح" بخط الحافظ الصدفي، أسهبوا في وصفه ونعته. وحكى عن الحافظ ابن عبد السلام الناصري في كتابه "المزايا"، قال: "وقد عثرت على أصل شيخه الحافظ الصدفي الذي طاف به البلاد، بخطه بطرابلس في جلد واحد مدبوج لا نقط به أصلًا، على عادة الصدفي وبعض الكتاب، وبالهامش منه كثرة اختلافات الروايات والرمز عليها". وفي آخره سماع عياض وغيره من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة بخط ابن جماعة، والحافظ الدمياطي، وابن العطار، والسخاوي قائلًا: "هذا الأصل هو الذي ظفر به شيخنا ابن حجر العسقلاني، وبنى عليه شرح "الفتح"، واعتمد عليه؛ لأنه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها؛ الحرمين ومصر والشام والعراق والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة". اهـ. إلى آخر ما نقل الشيخ عبد الحي من "المزايا". ثم قال: "قلت: وقد انقطع خبر هذه النسخة، من عام ١٢١١ هـ لم أر لها ذكرًا ولا ناعتًا من الرحالين والبحاثين، فإن لم تكن دخلت خزانة الزاوية السنوسية بصحراء طرابلس؛ فلا تكون إلا انتقلت إلى بعض مكاتب أوربا. واللَّه أعلم". ثم حكى عن الشيخ أحمد الشريف بن محمد الشريف السنوسي، أن نسخة البخاري التي بخط الصدفي عندي في الكتب التي يحفظها اللَّه. اهـ.
اتب أوربا. واللَّه أعلم". ثم حكى عن الشيخ أحمد الشريف بن محمد الشريف السنوسي، أن نسخة البخاري التي بخط الصدفي عندي في الكتب التي يحفظها اللَّه. اهـ.
• [٦٥] حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ (¬١) مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
• [٦٦] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ (¬٢)، أَخْبَرَنَا (¬٣) عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (¬٤) قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ: أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (¬٥)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (¬٥)؟ قَالَ: أَنَسٌ.
وقد نسخ أبو علي بخطه من "صحيح البخاري" نسختين، كانتا معًا معروفتين. إحداهما: من أصل الباجي. والأخرى: من أصل محمد بن علي بن محمود. وذكر الشيخ عبد الحي الكتاني "أن النسخة التي اشتهرت هي الثانية، ولا سيما بعد انتقالها إلى ليبيا، بينما استمرت الأولى مجهولة، حتى كشفت عنها نسخة المكتبة الملكية المتفرعة عنها، دون أن نعرف عن الأصل الصدفي الأول أية معلومات أخرى، ونجهل مصيره بالمرة" (¬١). اهـ. وهذا الفرع هو المحفوظ بالمكتبة الملكية تحت رقم: (٥٠٥٣)، وهي في مجلد ضخم، بخط أندلسي دقيق مدموج مليح، مكتوب بالمداد الباهت، مع تلوين - عند الاقتضاء - بالأحمر والأزرق، والذهب المصور بالمداد، على ورق متين عتيق، ودون تحديد مكان الانتساخ، وجاء في آخر المخطوط: في الرابع من جمادى الثانية عام خمسة وعشرين وثمانمائة. وفي حاشية هذا الموضع وردت فقرة هكذا: "بلغت المقابلة على جهد الاستطاعة والحمد للَّه، وصلى اللَّه على سيدنا محمد، من نسخة الصدفي بخطه، التي نسخ القاضي الباجي بخطه، وعلى الأول … خطوط الشيوخ نحو خمسين … ". وأسفل فقرة تاريخ الانتساخ يقع إطار مربع مزخرف، غير أن كتابة داخله اقتطع موضعها بالمرة.
خ القاضي الباجي بخطه، وعلى الأول … خطوط الشيوخ نحو خمسين … ". وأسفل فقرة تاريخ الانتساخ يقع إطار مربع مزخرف، غير أن كتابة داخله اقتطع موضعها بالمرة.
د - أصل ابن سعادة المأخوذ عن أصل الصدفي: التعريف بصاحب الأصل: هو: الإمام العلامة شيخ الأندلس وقاضيها، أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف ابن سعادة الْمُرسي، مولى سعيد بن نصر مولى عبد الرحمن الناصر، من أهل مرسية، نزيل شاطبة، ودار سلفه بَلَنْسية. سمع أبا علي الصدفي واختص به، وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه، وأصوله العتاق، وأمهات كتبه الصحاح؛ لصهرٍ كان بينهما، وسمع أيضًا أبا محمد بن أبي جعفر، ولازم حضور مجلسه للتفقه به، وحمل ما كان يرويه، ورحل إلى غرب الأندلس، فسمع محمد بن عتاب، وأبا بحر الأسدي، وأبا الوليد بن رشيد، وأبا عبد اللَّه الخولاني، وأبا الوليد بن رُشد، وأبا عبد اللَّه بن الحاج، وأبا بكر العربي، وغيرهم. ثم رحل إلى المشرق سنة عشرين وخمسمائة، فلقي بالإسكندرية أبا الحجاج ابن نادر الميُورَقي، وصحبه وسمع منه، وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام، وأدى فريضة الحج في سنة إحدى وعشرين. ولقي بمكة أبا الحسن رزين بن معاوية العبدري إمام المالكية بها، وابن الغَزَال، فسمع منهما وأخذ عنهما. ثم رحل إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته، ولقي أبا طاهر بن عوف، وأبا عبد اللَّه بن مسلم القرشي، وأبا طاهر السِّلفي، وأبا زكريا الزناتي، وغيرهم.
رحل إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته، ولقي أبا طاهر بن عوف، وأبا عبد اللَّه بن مسلم القرشي، وأبا طاهر السِّلفي، وأبا زكريا الزناتي، وغيرهم.
ثم عاد إلى مُرسية في سنة ست وعشرين، وقد حصَّل في رحلته علومًا جمة، ورواية فسيحة، وكان عارفًا بالسنن والآثار، مشاركًا في علم القرآن وتفسيره، حافظًا للفروع، بصيرًا باللغة والغريب، ذا حظ من علم الكلام، أديبًا بليغًا، خطيبًا فصيحًا، ينشئ الخطب، مع الهدي والسمت، والوقار والعلم، جميل الشارة، محافظًا على التلاوة بالخشوع، راتبًا على الصوم. وأخذ في إسماع الحديث، وتدريس الفقه، ثم ولي القضاء بمرسية، ثم نقل إلى قضاء شاطبة، فاتخذها وطنًا، وكان يسمع الحديث بها، وبمرسية وبَلَنْسية، ويقيم الخطب أيام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة، متعاقبًا عليها. ووصفه غير واحد بالتَّفنُّن في العلوم والمعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث والأدب، وقال ابن عياد في حقه: إنه كان صليبًا في الأحكام، مقتفيًا للعدل، حسن الخَلق والخُلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فَكِه المجالسة، ثبتًا، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط، وكانت عنده أصول حسان بخط عمِّه، مع "الصحيحين" بخط الصوفي في سفرين، ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، ولا كان فيهم من رُزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر والجلالة ما رزقه. توفي بشاطبة مصروفًا عن قضائها، آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، وكان مولده في رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة (¬١).
طبة مصروفًا عن قضائها، آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، وكان مولده في رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة (¬١).
٨ - بَابُ (¬١) مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا (¬٢) • [٦٧] حدثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً (¬٣) فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ".
٩ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" • [٦٨] حدثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ (¬٤) النَّبِيَّ ﷺ، قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ: بِزِمَامِهِ - قَالَ (¬٥): "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، فَسَكَتْنَا
أما روايته "للصحيح": فقد أخذها عن أبي علي الصدفي، وعليها معتمد أهل المغرب، وبها يفتخرون. وترجع أهمية أصل ابن سعادة إلى أنه منقول من أصل الصدفي، المكتوب من نسخة محمد بن علي بن محمود، وهذه مقروءة على أبي ذر الهروي، وعليها خطه. وقد اعتنى ابن سعادة بنسخته التي بخطه، فقابلها وصححها، وقرأ بها على الصدفي؛ حيث كتب هذا الأخير - بخطه - على أول السفر الثاني تصحيح سماع تلميذه لسائره عنه، بتاريخ ربيع الأول عام ٤٩٣ هـ. وبهذا صارت النسخة السعادية في الدرجة الأولى من الصحة. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الفاسي: "رواية ابن سعادة هي أفضل من الروايات التي عند الحافظ ابن حجر، وإن ابن حجر لم يعثر عليها، وهي المعتمدة عندنا بالمغرب، وهي مسلسلة بالمالكية" (¬١). اهـ. قال ابن الأبار يحكي عن أبي عمران بن سعادة: "وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنه سمعها على أبي علي نحو ستين مرة" (¬٢).
وحسب الكتابات المرقومة على هذه النسخة، فإن المحدثين تداولوها بعد وفاة أبي عمران بن سعادة: ابتداء من ابن أخيه محمد بن يوسف بن سعادة، وقد سمع هذا جميع "الصحيح" - في النسخة ذاتها - على أبي علي الصدفي، وتم ذلك في ربيع الآخر عام ٥١٠ هـ. وكتب عليها - بخطه - تصحيحات كثيرة. هذا فضلًا عن السماعات المدونة، وخطوط كثير من العلماء، كما يأتي التعريف بالنسخة. ولهذه الاعتبارات اعتمد المغاربة نسخة ابن سعادة في رواية "صحيح البخاري"، ولما ذكر محمد بن عبد السلام الناصري النسخة اليونينية، ختم حديثه بقوله: "ورواية أبي عمران موسى بن سعادة أولى وأوثق وأضبط منها؛ لإجماع المغاربة في أمصار المغرب عليها" (¬١). اهـ. بل بالغ بعضهم كابن الأبار؛ حيث قال: "إنه لا يكاد يوجد في الصحة مثلها" (¬٢). هذا في حدود ما رأى، وإلا فقد قدم بعض أهل العلم النسخ التي اعتمد عليها ابن حجر، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل وجه إلى النسخة شيء من الانتقاد.
لها" (¬٢). هذا في حدود ما رأى، وإلا فقد قدم بعض أهل العلم النسخ التي اعتمد عليها ابن حجر، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل وجه إلى النسخة شيء من الانتقاد. والحق أن المطالع في نسخة ابن سعادة، يرى أثر الجودة عليها، فالضبط بالشكل اعتلى كثيرًا من الكلمات، وعلامات الترقيم تملأ أرجاء النسخة، فضلًا عن سماعات العلماء المدونة في بدايتها ونهايتها.
١١ - بَابُ (¬١) مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا • [٦٩] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (¬٢) سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ؛ كَرَاهَةَ (¬٣) السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
• [٧٠] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (¬٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ (¬٥)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا".
١٢ - بَابُ (¬٦) مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً (¬٧) • [٧١] حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ
َجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ
وقد أظهرت المطابقة بينها وبين نسخ ابن حجر - وما حرره القسطلاني - التوافق التام بينهما، إلا أحرفًا يسيرة، لا تؤثر في الجملة على جودة النسخة، بل أحيانًا يكون الصواب هو المثبت فيها. وقد فاقت هذه النسخة نسخة الحافظ في بعض المواضع، وحملت إلينا زيادات أغفلتها نسخ ابن حجر، ولم ينبه عليها القسطلاني؛ انظر على سبيل المثال: الموضع (٣٧٨٥) (٥/ ٤٠)، والموضع (٤٧٢٢) (٦/ ١٠٩). والفروع على هذه النسخة تكثر، وقد استوعبها العلامة محمد المنّوني في كتاب "القبس من عطاء المخطوط المغربي" (١/ ١٠٧ - ١١٠)، وانظر أيضًا التعريف بالنسخة السعادية في مقدمة طبعة دار التأصيل من "صحيح البخاري"، يسر اللَّه إتمامها.
الأصل اليونيني ترجمة صاحب النسخة الحافظ شرف الدين اليُونيني (¬١) (٦٢١ - ٧٠١ هـ): هو: الإمام العلامة، المحدِّث المُتقِن، شيخ العلماء، بقية السَّلَف، شرف الدِّين أبو الحسين عليّ ابن الشيخ الفقيه أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد اللَّه ابن عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد، اليُونيني، البَعْلَبَكّي، الحنبلي. وُلِدَ في حادي عشر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة بِبَعلَبَك. وحضر بها عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسي، وسَمِعَ بها من عبد الواحد بن أبي المضاء، والإربلي، وابن رَواحة، ووالده الشيخ الفقيه، وغيرهم.
وتدرج إلى دمشق، وسمع بها من الإمام العالم الثقة الحسين بن أبي بكر بن الزَّبيدي، وأبي المنجا بن اللَّتِّي، وأبي صادق بن صَبَّاح، وجعفر الْهَمداني، ومُكرَم بن محمد بن حمزة بن أبي الصَّقْر، وابن الشِّيرازي، وغيرهم. وارتحل سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى مصر؛ لطلب العلم والحديث، فَسَمِعَ بها من ابن الجُمَّيزِي، وابن رَواج، والسَّاوي، وغيرهم. ولازَم الحافظ زكي الدين عبد العظيم المُنذِري، وتخرج به، وعُنِيَ بعلم الحديث، وارتحل إلى مصر خمس مرات، واستنسخ "صحيح البخاري"، واعتنى بأمره كثيرًا. قال الحافظُ الذهبيُّ: "حدثني أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ وأسمعه إحدى عشرة مرَّة، وقرأ بنفسه، وكَتَبَ بخطّه كثيرًا، وتَفَقَّه، وأفتى ودَرَّسَ، وعُني باللغة، وحَصَّلَ أطرافًا من العلوم". وقال التقيُّ الفاسيُّ: "سَمِعَ على البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي كتاب "مناقب الإمام أحمد" لأبي الفرج بن الجوزي بسماعه منه، وعلى أبي عبد اللَّه الحسين بن المبارك بن الزَّبِيدي البغدادي "صحيح البخاري"، وكان أَجَلَّ مَن رواه عنه، وسمع على أبي المُنَجَّا عبد اللَّه بن عُمر بن اللَّتِّي "مسند عبد بن حُمَيد"، وكان عارفًا بالحديث، موصوفًا بالحفظ، له مشاركةٌ في الفِقه وغيرِه، مشكورًا عند الناس". وقال البِرزاليُّ: "كان شيخًا جليلًا، حَسَنَ الوجه، بَهِيَّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضلٌ كثير، يحفظُ كثيرًا من الأحاديث بلَفْظِها، ويفهم معانيها، ويعرف كثيرًا من اللغة، وكان فصيحَ العبارة، حَسَنَ الكلام، وكان له قبولٌ من الناس، وهو كثيرُ التودُّدِ إليهم، قاضٍ للحقوق".
أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا (¬١) بِهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ (¬٢) عَلَيْنَا.
وق".
أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا (¬١) بِهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ (¬٢) عَلَيْنَا.
١٣ - بَابٌ (¬٣) مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (¬٤) • [٧٢] حدثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ (¬٥): سَمِعْتُ النَّبِيَّ (¬٦) ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ".
١٤ - بَابُ (¬٣) الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ • [٧٣] حدثنا عَلِيٌّ (¬٧)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (¬٨) صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
لَ لِيَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (¬٨) صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وقال الذهبيُّ: "كان إمامًا مُحدِّثًا، مُتقنًا مُفِيدًا مُفتيًا، خبيرًا باللغة العربية والغريب، غزيرَ الفوائد، كثيرَ التحرِّي فيما يُورِدُه، مُكَرَّمًا بين الملوك والأئمة، مهيبًا، كثير التواضع، حسنَ البِشْر، حُلْوَ المجالسة، يُعطي كُلَّ ذي فضيلةٍ حَقَّه". وقال أيضًا: "كان ذا عنايةٍ بالغريب والأسماء وضَبْطِها، مُدِيمًا للمطالعة، كثيرَ المحاسن، مُنَوَّر الشيبة، عظيمَ الهَيْبَة". وقال في آخر "تذكرة الحفاظ": "ولقد انتفعتُ وتَخَرَّجْتُ بشيخنا الإمام العالم المُحَدِّث الحافظ الشهيد أبي الحسين علي ابن الشيخ الفقيه ببَعلَبَك، ولَزِمتُه نيِّفًا وسبعين يومًا، وأكثرتُ عنه، وكان عارفًا بقوانين الرواية، حسنَ الدراية، جَيِّد المشاركة في الألفاظ والرجال، وكان صاحبَ رحلةٍ وأُصولٍ وأجزاءٍ وكُتُبٍ ومحاسن". وقال ابنُ كثير: "أسمعه أبوه الكثير، واشتغل وتَفَقَّهَ، وكان عابدًا عاملًا، كثيرَ الخشوع … وتأسّف الناس عليه - عند موته - لِعِلْمِه وعَمَلِه، وحِفظِه الأحاديث، وتَوَدُّدِه إلى الناس، وتَوَاضُعِه، وحُسْنِ سمته، ومروءته، تَغَمَّدَه اللَّه برحمتِه". وقال ابنُ رجب: "حَدَّثَ بالكثير، وسَمِعَ منه خَلْقٌ من الحُفَّاظ والأئمة، وأَكْثَرَ عنه البِرزاليُّ والذهبيُّ بدمشق وبَعلَبَكَّ، وسَمِعنا من جماعةٍ من أصحابه، وقد خرَّجَ له ابنُ أبي الفتح البَعلي النحوي مشيخةً في ثلاثة عشر جُزءًا، والحافظُ الذهبيُّ عوالي، وحَدَّثَ بالجميع". وقال ابن حجر: "وقَرَأَ "البُخاريَّ" على ابن مالك تصحيحًا، وسَمِعَ منه ابنُ مالكٍ روايةً، وأَمْلَى عليه فوائد مشهورة، وكان عارفًا بكثيرٍ من اللُّغة،
حافظًا لكثيرٍ من المُتُون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخَ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مرارًا وحَدَّث بها، وكان وقورًا مُهابًا، كثيرَ الودّ لأصحابه، فصيحًا، مقبولَ القول والصُّورة". وقال البِرزاليُّ: "وكان الشيخ الإمام شرف الدَّين اليُونيني قَدِمَ دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعمائة، وأقام مُدَّةً، وحصل الأُنسُ به، والسماعُ عليه، وتَوَجَّه إلى بلده في آخر الشهر، فوصل أول رمضان، فأقام أيامًا، فلمَّا كان يوم الجمعة خامس رمضان المبارك، الرابعة من النهار، دَخَلَ إلى خزانة الكُتُب التي في مسجد الحنابلة … فدَخَل عليه فقيرٌ اسمه موسى، ذكر أنه مصري، وهو غير معروف بالبلد، فضربه بعصًا على رأسه ضربات، ثم أخرج سكّينًا صغيرةً فجَرَحَه في رأسه، فاتَّقَى بيدِه، فجَرَحَه في يده، ففُطن له ومُسِك بعد ذلك، وحُمل إلى متولّي البلد، فضُرب، فصار يُظْهِر من الاختلال وكلام غير منتظم، فلم يبن في ذلك شيئًا، فحُبس بعد الضرب الكثير. وأمَّا الشيخ شرف الدِّين؛ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه، وتَحَدَّثَ معهم، وأنشدهم على جاري عوائده، وأَتَمَّ صومَ يومِه، ووصَلَ خبرُ ذلك إلى دمشق يوم الأحد سابع الشهر، ثم وصل الخبرُ أنه حَصَلَتْ له حُمّى، واشتَدَّ مرضُه، واحتاج إلى الاحتقان والمداواة. فلمّا كان يوم الجمعة ثاني عشر رمضان وَصَلَتْ بطاقةٌ بوفاته، وأنَّ الوفاة كانت يوم الخميس في الساعة الثامنة من النهار، ودُفِنَ بباب سَطحا في اليوم المذكور، وصُلّي عليه عقيب الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب - رحمه الله تعالى -.
إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ (¬١): كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ (¬٢)، فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ"، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ (¬٣) النَّبِيُّ ﷺ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
١٥ - بَابُ (¬٤) الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا (¬٥).
نَّبِيُّ ﷺ: "هِيَ النَّخْلَةُ".
١٥ - بَابُ (¬٤) الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا (¬٥).
• [٧٤] حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٦) إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ (¬٧) آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".
وتَأَسَّفَ الناسُ عليه، وعَرَفُوا له هذه الكرامة؛ وهي موتُه شهيدًا في رمضان ليلة الجمعة عقيب رجوعه من دمشق، وإفادته الناس، وإسماعه الأحاديث النبوية". نسخة اليونيني من أعظم أصول هذا الكتاب، وهي أحد الأعمدة الأساسية في ضبطه: تعد نسخة الإمام الحافظ محدث الشام شرف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد بن عبد اللَّه بن عيسى اليونيني، البعلبكي الحنبلي (ت: ٧٠١ هـ)، من أحسن النسخ وأدقها؛ قال الذهبي: "استنسخ "صحيح البخاري"، وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة وأسمعه إحدى عشرة مرة". وقد ضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العِزي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرٍّ الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل ابن السمعاني المسموع على أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام الأديب النحوي جمال الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك الطَّائيَّ الجيَّانيَّ الشَّافعيَّ (ت ٦٧٢ هـ)، صاحب "الألفية" في النحو.
ديب النحوي جمال الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك الطَّائيَّ الجيَّانيَّ الشَّافعيَّ (ت ٦٧٢ هـ)، صاحب "الألفية" في النحو. وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير،، فجمع كل الاختلافات الواردة في روايات "صحيح البخاري"، وأبان الفروق بينها، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرِّ بلفظ يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية؛ قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها، شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه - ويأتي بالتفصيل عند الكلام عن طريقة تصنيف الأصل اليونيني - فكانت نسخته من أصح نسخ "صحيح البخاري"، وأجمعها للروايات؛ فنالت قبول العلماء والمحققين.
١٦ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ (¬١) عَلَيْهِ (¬٢) فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ (¬٣) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ (تُعَلِّمَنِي) مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (¬٤)﴾ (¬٥).
• [٧٥] حدثني (¬٦) مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٧) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (¬٨)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَ (¬٩) أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى (¬١٠) هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟
قال العلامة أحمد شاكر ﵀: "النسخة اليونينية هي أعظم أصل يوثق به في "صحيح البخاري"، وهي التي جعلها العلامة القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) عمدته في تحقيق متن الكتاب، وضبطه حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى "إرشاد الساري"، وهو شرح معروف مشهور بين أهل العلم" (¬١). اهـ. وقال العلامة الحافظ شهاب الدين القسطلاني - رحمه الله تعالى -: "وقد اعتنى الحافظ شرف الدين أبو الحُسين علي ابن شيخ الشام تقي الدِّين محمد بن أبي الحُسين أحمد بن عبد اللَّه اليُونيني الحنبلي - رحمه الله تعالى - بضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقَابَلَ أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسُوَيْقة العِزِّي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، الذي قيل فيما رأيتُه بظاهر بعض نسخ "البخاري" الموثوق بها، وقف مقرها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: إنَّ آقبغا بَذل فيه نحو عشرة آلاف دينار، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك". وقال: "فاللَّه تعالى يُثِيبُه على قَصْدِه، ويجزل له من المكرمات جوائزَ رفدِه، فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حَرَّرَ وأَحْكَم" (¬٢). ولقد عَوَّلَ الناسُ عليه في روايات "الجامع"؛ لمزيد اعتنائه وضبطِه، ومقابلته على الأصل المذكور، وكثرة مُمَارَسَتِه له، حتى إنَّ الحافظ شمس الدين الذهبي حَكَى عنه أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشرة مرّة (¬٣).
بطِه، ومقابلته على الأصل المذكور، وكثرة مُمَارَسَتِه له، حتى إنَّ الحافظ شمس الدين الذهبي حَكَى عنه أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشرة مرّة (¬٣).
قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (¬١) ﷺ يَقُولُ (¬٢): "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ (¬٣) رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ (¬٤) مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ (¬٥) إِلَى مُوسَى: بَلَى (¬٦)، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكانَ (¬٧) يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا (أَنْسَانِيهِ) إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (¬٨)، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا (نَبْغِي) فَارْتَدَّا (¬٩) عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (¬١٠)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فكانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ".
١٧ - بَابُ (¬١١) قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ" • [٧٦] حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
لِ النَّبِيِّ ﷺ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ" • [٧٦] حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
ولكونه ممَّن وُصِف بالمعرفة الكثيرة، والحفظ التامّ للمُتُونِ والأسانيد؛ كان الجمالُ بن مالك لمّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى أنه مُخالِفٌ لقوانين العربية، قال للشَّرَف اليُونيني: هل الروايةُ فيه كذلك؟ فإنْ أجاب بأنه منها شَرَع ابنُ مالك في توجيهها حسب إمكانه، ومِن ثمَّ وَضَعَ كتابَه المُسَمَّى بـ "شواهد التوضيح" (¬١). وقال محمد أنور الكشميري: "وأما الآن فينبغي أن يعتمد على نسخة القسطلاني؛ لأنه اعتمد على نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني جهبذة زمانه، وحافظ أوانه؛ لأن السلطان أراد أن يعرب البخاري، وجمع له أفاضل عصره، فجاء اليونيني فصحح متون الأحاديث، وابن مالك صاحب "الألفية" فأعربها". قال القسطلاني: "فوجدت النصف الأول من نسخة اليونيني، فاعتمدت عليه في شرحي، ولم أجد النصف الآخر حتى وجدته أيضًا بعد ثلاثين سنة، فاعتمدت عليه في النصف الآخر" (¬٢). اهـ. فعلماء المسلمين قديمًا قد عرفوا التحقيق، لا سيما عند توثيق النصوص، وخاصة النصوص الشرعية، فقد كان لهم مناهج يتبعونها عند ذلك. يقول الدكتور شوقي ضيف مؤكدًا هذه الحقيقة: "لقد كانوا يعرفون كل القواعد العلمية التي نتبعها في إخراج كتاب، لا من حيث رموز المخطوطات فحسب، بل أيضًا من حيث اختيار أوثق النسخ لاستخلاص أدق صورة للنص،
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ (¬١) ﷺ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ".
ق النسخ لاستخلاص أدق صورة للنص،
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ (¬١) ﷺ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ".
١٨ - بَابٌ (¬٢) مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ (¬٣) • [٧٧] حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (¬٤)، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ (¬٥)، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ (¬٦) الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي (¬٧) الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
ولعل خير ما يمثل عملهم في هذا الجانب إخراج اليونيني حافظ دمشق المشهور في القرن السابع الهجري لـ "صحيح البخاري"" (¬١). ولم يكن الأصل اليونيني هو أول معالم هذا المنهج، بل سبقه إلى ذلك عدة أصول؛ منها الأصل الشهير للحافظ أبي ذر الهروي، فقد سلك نفس المنهج، ولعله يكون أول من أصَّل له، وعلى منواله سار كل من جاء بعده. قال ابن رشيد في وصف كيفية كتاب أبي ذر: "قرأت بخط أبي بكر بن خير، وأنا به جد خبير، مما نقله من خط الشيخ الراوية أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀: أبو ذر عن أشياخه الثلاثة: أبي محمد الحمويي، وأبي إسحاق المستملي، وأبي الهيثم الكشميهني، غير أن سواد الكتاب على روايته عن أبي محمد وأبي إسحاق، فإذا انفرد أحدهما أو اختلفا في شيء؛ فعلامة الحمويي: حآ، وعلامة أبي إسحاق الهمزة والسين، فإذا اتفقا وخالفهما أبو الهيثم جعل: صح، على موضع الخلاف، وكتبت رواية أبي الهيثم في الحاشية، وعلامته: ها، وكذلك علامته فيما ينفرد به" (¬٢).
اعتماد الحافظ ابن حجر على الأصل اليونيني: ففي "فتح الباري": "قوله: (إنما يجرجر) بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء، من الجرجرة، وهو: صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، نحو صوت اللجام في فك الفرس.
• [٧٨] حدثني (¬١) مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٢) مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً (¬٣) مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.
١٩ - بَابُ (¬٤) الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
ُ (¬٤) الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
• [٧٩] حدثنا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ (¬٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: قَالَ (¬٦) الْأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ (¬٧) وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ (¬٨) ﷺ
قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها. وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال: روي يجرجر على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوزه ابن مالك في "شواهد التوضيح"، نعم، رد ذلك ابن أبي الفتح تلميذه؛ فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن: لقد كثر بحثي على أن أرى أحدًا رواه مبنيًّا للمفعول، فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية، وسألت أبا الحسين اليونيني فقال: ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلا مبنيًّا للفاعل. قال: ويبعد اتفاق الحفاظ قديمًا وحديثًا على ترك رواية ثابتة. قال: وأيضًا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل، وإسناده إلى المفعول فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة" (¬١). وقال أيضا: "قلت: لم يبين أبو علي الجياني من هو أحمد هذا، ووقع في كتاب خلف الواسطي في الأطراف: وأفهمني بعضه أحمد بن يونس. وبهذا جزم الدمياطي، وقال ابن عساكر والمزي: إنه وهم. قلت: ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له، إلا رواية واحدة؛ فإنه كتب عليها علامة (ق)، ونسبه فقال: أحمد بن يونس" (¬٢).
نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له، إلا رواية واحدة؛ فإنه كتب عليها علامة (ق)، ونسبه فقال: أحمد بن يونس" (¬٢). واعتماد الحافظ لهذه النسخة، وذلك بالرجوع إليها؛ يؤكد أنها جديرة بالمكانة التي احتلتها بين أصول كتاب "صحيح البخاري".
طريقة تصنيف الأصل اليونيني: من خلال ما كتبه الإمام اليونيني كمقدمة لروايته، والكتابات والسماعات المرقومة على الأصل، يلاحظ أنه - كما هي عادة الأصول الصحيحة والروايات المتقنة - قد زين بخطوط العلماء، وإثبات السماعات والتصحيح، وكثير من مظاهر الضبط. فهناك كتابات بخط الإمام ابن مالك الجياني، سجل بها تصحيح السماع عند نهايته، كما نجد كتابات أخرى بخط صاحب الأصل الشرف اليونيني. وكان قد استنسخ أصله من "صحيح البخاري" في مجلدين، واهتبل به كثيرًا، حتى إنه في سنة واحدة قابله وأسمعه إحدى عشرة مرة، كما حكاه الذهبي في "معجم الشيوخ" (¬١). وهو في مقابلة أصله هذا قد اعتنى بضبط روايات "الجامع الصحيح" وقارن بينها، وصححها، معتمدًا في ذلك على أربعة أصول رئيسية (¬٢): ١ - أصل مسموع على أبي ذر الهروي، من طريق أبي العباس أحمد بن الحطيئة، الفاسي الأصل، ثم المصري، وهذا أصل عظيم وصفه الإمام شرف الدين اليونيني بقوله: "وهي نسخة صحيحة معتنى بها، حجة" (¬٣). ونقل عن شيخه أبي إسحاق بن الأزهر الصريفيني قوله: "هذه النسخة من "صحيح البخاري" مفزع يلجأ إليها؛ لصحتها وإتقانها" (¬٤).
يَذْكُرُ شَأْنَهُ، يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ (¬١): أَتَعْلَمُ (¬٢) أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى مُوسَى: بَلَى (¬٣)، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ (¬٤) آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ (¬٥)، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا (أَنْسَانِيهِ) إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (¬٦)، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا (نَبْغِي) فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (¬٧)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ".
٢٠ - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ • [٨٠] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (¬٨)
سَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (¬٨)
وقد عثر على عدة أجزاء من هذا الأصل. ٢ - أصل مسموع على أبي محمد الأصيلي، وعليه حواشٍ بخط الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه النمري القرطبي ابن عبد البر. قال الإمام شرف الدين اليونيني: "وأما الأصل المعزو إلى الأصيلي، فإنه وقف في مدرسة شيخنا: الحافظ ضياء الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي … وهو أصل صحيح تظهر عليه مخايل النباهة والصحة" (¬١). ٣ - أصل سماع أبي القاسم بن عساكر علي بن الحسين الدمشقي مؤرخ الشام، فهو أصل سماع، وقد سمع عليه غير مرة، وينقصه الجزءان: الثالث عشر، والثالث والثلاثون. ٤ - أصل معزو إلى الحافظ أبي سعد السمعاني، فإنه أصل أصيل، وهو أحد أصول سماعات دمشق، مسموع على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، ثم الهروي. هذا بالإضافة إلى أصل سماعه المأخوذ بالإسناد بقراءة والده، والحافظ الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني بن علي بن سرور، وقرأه الإمام العالم شرف الدين أبو محمد الحسن بن عبد اللَّه بن عبد الغني، والإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن عيسى بن الإمام العلامة موفق الدين بن قدامة المقدسيين، عن الشيخ الثقة الصدوق الصالح أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي، عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، عن الحموي، عن الفربري.
قالَ أبو عَبدِ الله (¬١): قَالَ إِسْحَاقُ (¬٢): "وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ (¬٣) الْمَاءَ قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ (¬٤) ".
٢١ - بَابُ رَفع الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ (¬٥) يُضَيِّعَ نَفْسَهُ.
٢١ - بَابُ رَفع الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ (¬٥) يُضَيِّعَ نَفْسَهُ.
• [٨١] حدثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ (¬٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ (¬٧) السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا".
• [٨٢] حدثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ (¬٦) قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (¬٨) ﷺ يَقُولُ: "مِنْ (¬٩) أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ
وبالإضافة أيضًا إلى رواية أبي ذر من طريق أبي جعفر الهمداني، إجازة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، إجازة عن الإمام أبي الفضل عياض: أخبرني القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الصدفي، عن القاضي أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر. قال العلامة القسطلاني ﵀: "وقد اعتنى الحافظ شرف الدين أبو الحسين عليّ بن شيخ الإسلام ومحدّث الشام تقي الدين بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد اللَّه اليونيني الحنبلي - رحمه الله تعالى - بضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العِزي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، الذي قيل فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، وقف مقرها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: إن آقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
ه بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، وقف مقرها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: إن آقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. وهو في جزأين - فقد الأوّل منهما - بأصل مسموع على الحافظ أبي ذر الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وهو أصل من أصول مسموعاته في وقف خانقاه السميساطي بقراءة الحافظ أبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدين بن مالك بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة، مع حضور أصلي سماعي الحافظ أبي محمد المقدسي وقف السميساطي، وقد بالغ ﵀ في ضبط ألفاظ "الصحيح" جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدل على مراده، فعلامة أبي ذر الهروي (هـ)، والأصيلي (ص)، وابن عساكر الدمشقي (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذر الثلاثة الحموي (ح)، والمستملي (ست)، والكشميهني (هـ).
فما كان من ذلك بالحمرة فهو ثابت في النسخة التي قرأها الحافظ عبد الغني المقدسي على الحافظ أبي عبد اللَّه الأرتاحي بحق إجازته من أبي الحسين الفرّاء الموصلي، عن كريمة، عن الكشميهني، وفي نسخة أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وقف جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر. وله رقوم أخرى لم أجد ما يدل عليها وهي (عط ق ج صع)؛ ولعل الجيم للجرجاني، والعين لابن السمعاني، والقاف لأبي الوقت. فإن اجتمع ابن حمويه والكشميهني فرقمهما هكذا (حهـ)، والمستملي والحموي فرقمهما (حسـ) هكذا. وإن اتفق الأربعة الرواة عنهم رقم لهم: (هـ ص ش ظ)، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا). مثاله: أنه وقع في أصل سماعه في حديث بدء الوحي: "جمعه لك في صدرك"، ووقع عند الأربعة: "جمعه لك صدرك" بإسقاط: "في"، فيرقم على "في": (لا)، ويرقم فوقها إلى جانبها: (هـ ص ش ظ)، هذا إن وقع الاتفاق على سقوطها. فإن كانت عندهم وليست عند الباقين، رقم رسمه وترك رسمهم، وكذا إن لم تكن عند واحد، وكانت عند الباقين، كتب عليها (لا)، ورقم فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صح عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذر الثلاثة رقم عليه (هـ)، وفوقها صح، وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه. فاللَّه تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حرر وأحكم، ولقد عوّل الناس عليه في روايات الجامع؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة،
النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ (¬١) الْوَاحِدُ".
بي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة،
النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ (¬١) الْوَاحِدُ".
٢٢ - بَابُ (¬٢) فَضْلِ الْعِلْمِ • [٨٣] حدثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٣) اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي (¬٤) عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (¬٥): "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ (¬٦) لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي (¬٧) لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي (¬٨) أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْعِلْمَ".
٢٣ - بَابُ الْفُتْيَا وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا (¬٩) • [٨٤] حدثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ
ولكونه ممن وصف بالمعرفة الكثيرة، والحفظ التام للمتون والأسانيد" (¬١). وقال: "وقد بالغ الإمام اليونيني في المقابلة على هذه الأصول، وضبط ألفاظ "الصحيح"، فكان ذلك تحت نظر الإمام الشهير: محمد بن عبد اللَّه الطائي الجياني نزيل دمشق المعروف بابن مالك، ومحضر جماعة من فضلاء المحدثين والحفاظ، وهم بدورهم ناظرون في نسخ معتمدة من "الجامع الصحيح"، حتى إذا مر بهم من التعابير ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية قال للشرف اليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها، شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه، بادر شرف الدين اليونيني إلى إصلاحه في أصله وصحح عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة، عمل المشار له على ما أشار به ورجحه، وهكذا حتى كملت المعارضة والتصحيح عند المجلس الحادي والسبعين، وبهذه المناسبة وضع ابن مالك تعليقه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" (¬٢) " (¬١). وفي نهاية المقابلة كتب ابن مالك - بخطه - تصحيح السماع، وأثبته بحاشية ظاهر الورقة الأولى من التصنيف الثاني في نسخة اليونيني، وهذا نصه: "سمعت ما تضمنه هذا المجلد من صحيح البخاري ﵁، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ﵁ وعن سلفه.
ما تضمنه هذا المجلد من صحيح البخاري ﵁، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ﵁ وعن سلفه.
وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال، بينت فيه الصواب، وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية. وما افتقر إلى بسط عبارة، وإقامة دلالة، أخرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام، مما يحتاج إليه من نظير وشاهد؛ ليكون الانتفاع به عامًّا والبيان تامًّا، إن شاء اللَّه تعالى. وكتب محمد بن عبد اللَّه بن مالك حامدًا للَّه تعالى" (¬١). وقد دون السماع على أول المجلد الأخير من أصل اليونيني، وبالإضافة إلى هذا كتب الشرف اليونيني - نهاية نفس المجلد - ما يلي: "بلغت مقابلة وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا، شيخ الإسلام، حجة العرب، ملك أزمة الأدب، الإمام العلامة، أبي عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني، أمد اللَّه تعالى عمره، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يراعي قراءتي، ويلاحظ نطقي، فما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه أصلحته، وصححت عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة، فأعلمت ذلك على ما أمر ورجح. وأنا أقابل بأصل أبي ذر، والحافظ محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي، ما خلا الجزء الثالث عشر والثالث والثلاثين؛ فإنهما معدومان، وبأصل مسموع على الشيخ أبي الوقت، بقراءة أبي منصور السمعاني وغيره من الحفاظ، وهو وقف بخانقاه السميساطي.
فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ (¬١) رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ (¬٢): "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ (¬٣): "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ".
٢٤ - بَابُ (¬٤) مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ • [٨٥] حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَاَوْمَاَ (¬٥) بِيَدِهِ قَالَ: وَلَا حَرَجَ (¬٦)، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَاَوْمَاَ بِيَدِهِ: وَلَا حَرَجَ.
• [٨٦] حدثنا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ (¬٧)، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ
رَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ (¬٧)، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ
فعلامة ما وافقت أبا ذر: هـ، والأصيلي: ص، والدمشقي (ابن عساكر): ش (¬١)، وأبا الوقت: ظ (¬٢). فليعلم ذلك، وذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة؛ لتعلم الرموز. كتبه علي بن محمد الهاشمي اليونيني عفا اللَّه عنه" (¬٣). هذا هو النص الذي نقله القسطلاني، مما وجده على المجلد الثاني من أصل الإمام اليونيني. ولم يقصد الإمام اليونيني أن يرجح بهذه المقابلة بين الروايات المختلفة، ويخرج منها بصورة مختارة - في نظره - "لصحيح البخاري"، فهذا ليس مسلكًا علميًّا، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد؛ تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان. وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ؛ حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله. وعلى هذا فقد ضمنت النسخة اليونينية عدم خلط الروايات بعضها ببعض، والمحافظة على فروق نسخ الأئمة دون أدنى تغيير.
ب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله. وعلى هذا فقد ضمنت النسخة اليونينية عدم خلط الروايات بعضها ببعض، والمحافظة على فروق نسخ الأئمة دون أدنى تغيير.
وهذه الطريقة التي اتبعها الإمام اليونيني في انتساخ وتحقيق هذا الأصل أكسبته ثقة العلماء، مما جعلهم يتخذون من كتابه مرجعًا أساسيًّا في قضايا التحقيق، خاصة فيما يتصل بـ "صحيح البخاري"، كما سبق النقل عن الحافظ ابن حجر ﵁. وذكر الخطيب بسنده (¬١)، عن حماد بن سلمة، أنه كان يحدث وبين يديه عفان وبهز، فجعلا يغيران "النبي" إلى "رسول اللَّه"؛ فقال لهما حماد: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا. ومال ابن دقيق العيد إلى ما جرى عليه الإمام أحمد ﵀؛ فإنه قال في "الاقتراح": "والذي نميل إليه أن تتبع الأصول والروايات؛ فإن العمدة في هذا الباب هو أن يكون الإخبار مطابقًا لما في الواقع، فإذا دل اللفظ على أن الرواية هكذا ولم يكن الأمر كذلك؛ لم تكن الرواية مطابقة لما في الواقع، ولهذا أقول: إذا ذكرت الصلاة لفظا من غير أن تكون في الأصل؛ فينبغي أن تصحبها قرينة تدل على ذلك، مثل كونه يرفع رأسه عن النظر في الكتاب بعد أن كان يقرأ فيه، وينوي بقلبه أنه هو المصلي، لا حاكيا عن غيره" (¬٢). قال الحافظ السخاوي: "وعلى هذا فمن كتبها - أي: ﷺ ولم تكن في الرواية؛ فينبغي له أن ينبه على ذلك، وعليه جرى الإمام الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد اليونيني في نسخة "صحيح البخاري"، التي جمع فيها بين الروايات؛ فإنه يشير بالرمز إليها إثباتًا ونفيًا" (¬٣).
الْجَهْلُ (¬١) وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ (¬٢) "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ؛ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ.
فِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ (¬٢) "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ؛ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ.
• [٨٧] حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَيْ: نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي (¬٣) الْغَشْيُ (¬٤)، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِيَ الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي (¬٥) حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ (¬٦)، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ - أَوْ: قَرِيبً (¬٧)، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ:
التعريف بأصحاب الأصول التي اعتمد عليها الإمام اليونيني أولًا: الحافظ أبو ذر الهروي: قد سبق التعريف به، وبروايته.
ثانيًا: الحافظ أبو محمد الأصيلي: هو: عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد الأصيلي، من أهل أصيلة من بلاد الأندلس. قال الشيرازي: "تفقه بالأندلس وبالقيروان، ودخل مصر والعراق، ثم رجع إلى بلده، وانتهت إليه الرئاسة، صنف كتاب "الآثار والدلائل" في الخلاف" (¬١). وقال ياقوت الحموي: "محدث متقن فاضل معتبر، تفقه بالأندلس فانتهت إليه الرئاسة، وصنف كتاب "الآثار والدلائل" في الخلاف" (¬٢). وقال: "وقرأ عليه الناس كتاب البخاري رواية أبي زيد المروزي، وغير ذلك، وكان … منسوبا إلى معرفة الحديث" (¬٣). وقال القاضي عياض: "قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي، ولم أر مثله". قال عياض: "وكان من حفاظ مذهب مالك، ومن العالمين بالحديث وعلله ورجاله" (¬٤).
الْمُوقِنُ، لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا (¬١) قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا (¬٢)، هُوَ (¬٣) مُحَمَّدٌ (¬٤) - ثَلَاثًا - فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ: الْمُرْتَابُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ (¬٥) ".
٢٥ - بَابُ (¬٦) تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ (¬٧) ﷺ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ (¬٨) ".
وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ (¬٧) ﷺ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ (¬٨) ".
• [٨٨] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: "مَنِ الْوَفْدُ أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ (¬٩): "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ: بِالْوَفْدِ (¬١٠) - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ
قال الذهبي: "وكان عالمًا بالحديث والسنة" (¬١). وقال: "الإمام، شيخ المالكية، عالم الأندلس" (¬٢). وقال: "الأصيلي الحافظ الثبت العلامة" (¬٣). وقال: "وأتقن أخذ "الصحيح" عن أبي زيد المروزي، مات بالأندلس سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة". وقال المقريزي: "وكان من أعلم الناس بالحديث، وأنقدهم له، وأبصرهم بعلله ورجاله، وكان يحض أصحابه على طلب الحديث واكتتابه، ولا يرى أن من خلا من علمه فقيه على حال" (¬٤).
ثالثًا: الحافظ أبو سعد السمعاني: هو: عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد بن أبي بكر بن أبي المظفر التميمي المروزي السمعاني الفقيه الشافعي الحافظ، صاحب كتاب "الأنساب" المشهور. قال أبو عبد اللَّه بن النجار: "سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف … حافظًا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقًا، دينًا، جميل السيرة، سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدثنا عنه جماعة من أهل خراسان، وبغداد" (¬٥).
حد، وكان مليح التصانيف … حافظًا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقًا، دينًا، جميل السيرة، سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدثنا عنه جماعة من أهل خراسان، وبغداد" (¬٥).
٢٦ - بَابُ (¬١) الرِّحْلَةِ (¬٢) فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ (¬٣) • [٨٩] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ (¬٤)، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً (¬٥) لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ (¬٦)، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي (¬٧) وَلَا أَخْبَرْتِنِي (¬٨)، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ (¬٩) رَسُولُ اللَّهِ (¬١٠) ﷺ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ"، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
٢٧ - بَابُ (¬١) التَّنَاوُبِ فِي الْعِلْمِ • [٩٠] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (¬١١): وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
وقال ابن قاضي شهبة: "الحافظ الكبير الإمام الشهير، أحد الأعلام من الشافعية والمحدثين" (¬١). ووصفه الذهبي في "سير النبلاء" بـ: "الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة محدث خراسان" (¬٢). توفي ليلة غرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمدينة مرو، ودفن بسنجدان مقبرة مرو.
رابعًا: الحافظ أبو القاسم هبة اللّه بن عساكر: هو: علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عبد اللَّه بن الحسين الحافظ الكبير أبو القاسم ثقة الدين بن عساكر الدمشقي الشافعي، صاحب "تاريخ دمشق". وصفه الذهبي بأنه: "أحد الأعلام في الحديث" (¬٣). وقال: "وصنف التصانيف المفيدة، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرجال منه، ومن تصفح تاريخه علم قدر الرحلة" (¬٤). وقال السبكي: "سمعت أبا الحسين اليونيني، سمعت أبا محمد المنذري الحافظ يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ؟ فقال: من؟ قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر. فقال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو موسى المديني، وابن عساكر. قال: ابن عساكر. فقلت:
الحافظ أبو طاهر السلفي، وابن عساكر. فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا. قلت: يعني أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السلفي، ولوح بأنه شيخه، ويكفي هذا في الإشارة" (¬١). وذكره ابن النجار في "تاريخه" فقال: "إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرئاسة في الإتقان والحفظ والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن" (¬٢). وله ترجمة مستفيضة في: "تاريخ الإسلام" (¬٣) للذهبي، و"طبقات الشافعية الكبرى" (¬٤) للسبكي.
مميزات النسخة اليونينية: من خلال ما سبق نستطيع أن نجمل (¬٥) ما تميزت به هذه النسخة المباركة في الآتي: ١ - كون المعتني بها إمامًا حافظًا، وصف بالدقة والمعرفة الكثيرة، والحفظ التام للمتون والأسانيد. ٢ - جمعها للروايات المعتمدة من الصحيح، وتمييز بعضها عن بعض. ٣ - اعتناء اليونيني وضبطه ومقابلته نسخته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة؛ ولذا عوّل الناس عليه في روايات "الجامع".



