سنن الترمذي - ط الرسالة

Salah satu Kutubussittah, memuat penilaian derajat tiap hadits, karya Imam at-Tirmidzi (w. 279 H).

Bagian 1 dari 54

— Bagian 1 · بين يدي سنن الترمذي —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

بين يدي سنن الترمذي نقل القاسمي في قواعد التحديث عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن. ولقد هيأ الله تعالى لحفظها كما حفظ كتابه، حيث نهض الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم بتبليغها وإذاعتها وروايتها وحفظها وتدوينها، واستفرغوا الوسع في ذلك، وتشهد تراجمهم بعظيم الجهد الذي بذلوه، فمن راحل لسماعها، ومنتصب لروايتها، وعاكف على تدوينها والتصنيف فيها. وكان أصحاب الكتب الستة في مقدمة هؤلاء الرجال، الذين تقدموا لخدمة السنة النبوية الشريفة، فكان منهم الإمام الترمذي، حيث جمع كتابًا جامعًا، واختصر طرق الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر منها واحدًا، وأومأ إلى ما عداه، وبين أمر كل حديث من إنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر، وبين وجه الضعف، فكان كتابه كافٍ للمجتهد، مُغن للمقلد. ونحن إذ نقدمه اليوم بعد أن استفضنا في تتبع الرواة والحفاظ مما تقتضيه العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث، وإتقان به، وتثبت فيه، وأن يكونوا أهل تميز وتحصيل، وهؤلاء هم أهل العدالة. إن الحرص على نشر "وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"، و"لقد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة" دين نؤكده اليوم بنشرنا اليوم أحد كتب "الموسوعة الحديثية"، والذي هو من أهمها، توفرت فيه النصوص الصحيحة والحسنة من السنة النبوية المطهرة، تم تحقيقه تحقيقًا علميًا يطمئن إليه الباحث، ويرضى عنه القارئ. ضمن المنهج الذى يحقق الغاية التي نتوخاها، والأمل الذي يرضي ربنا. فلكل من ساهم وبادر إلى العمل في هذا الكتاب أجمل الشكر وأعذبه، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ شعيب الأرنؤوط، وفضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي والأبناء البررة الذين أرجو أن يوفقهم الله على العمل على خدمة هذا الدين بنشر العلوم النافعة من خلال (شركة مؤسسة

الرسالة العالمية) التي قامت لتكمل مسيرة مؤسسة الرسالة بإذن الله تعالى. والحمد لله في البدء والختام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. رضوان دعبول

مقدّمة النّاشر هذا الكتاب هو باكورة إنتاج (شركة دار مؤسّسة الرّسالة العالمية)، وهي شركة تأسّست على أركان (مؤسّسة الرّسالة للطّباعة والنّشر والتّوزيع) التي أسّسها الوالد المبجّل الأستاذ رضوان إبراهيم دعبول منذ أربعين عامًا. وأركان المؤسّسة التي نشير إليها ثلاثة: - الرّكن الأوّل: الكتب والمؤلّفات التي سبق أن قامت المؤسّسة الأمّ بنشرها، وهي منشورات كثيرة انتفع بها الجمّ الغفير من المسلمين، والشّركة الجديدة عازمة على تجديد هاتيك المنشورات للاستفادة من التطوّر الّذي لَحِقَ بأصول صناعة الطّباعة، بما قد يجعل الاستفادة من هذه الكتب أيسر على طَلَبَة العلم. الرّكن الثّاني: المنهج الّذي اتبعتّه المؤسّسة الأمّ منذ تأسيسها فى خدمة كتب التّراث المهمّة، من خلال مراكز التّحقيق والبحث العلميّ التّابعة لها، وهذا منهج صعب جدًا، وتحفه الكثير من المتاعب الماديّة، ولكنّا نرجو الله أن يرزقنا الإخلاص فى النيّة ليكون ما سنتنكّبه من تلك المصاعب في ميزان أعمالنا يوم الحساب. الرّكن الثّالث: روح الكفاح والجدّ والمثابرة التي يتمتّع بها والدنا المؤسِّس، فهو لا يضن في سبيل نشر الكتب بأيّ جهد أو مال، وبالرّغم من المصاعب الجمّة التي جابهته خلال سنوات حياته، إلّا أنّه لم يتوقف لحظةً عن خدمة رسالته التي استودعها في مؤسّسته: مؤسّسة الرّسالة، ومن عجيب هذا الأمر

أنّك تراه لا يحفل بأيّ أمرٍ من أمور الدّنيا، ولا ترى الفرح والبشر على محيّاه إلّا عندما يرى كتابًا جديدًا قد صدر عن مؤسّسته، وكأنّه رُزِق مولودًا أو حقّق نصرًا مؤزرًا، فلله درّه، قد أتعب بروحه هذه من بعده، ولم يترك لنا عذرًا في متابعة المسيرة على نفس النّهج ونفس الإصرار، فالله نسأل أن يثيبه عنّا وعن المسلمين خير الثّواب، ويلهمنا الإخلاص والثّبات. لقد عانت مؤسّسة الرّسالة خلال العقد الماضي من أزمة حادّة نتيجة التّقلبات التي أصابت منطقتنا، بالإضافة إلى ظروف خاصّة، ولكن خلال تلك الفترة أكرم الله هذه المؤسّسة فحفظ لها قلبها النّابض الذي استمرّ يخفق بالرّغم من صعوبة الظّرف، وإذ نعتذر اليوم من محبّي المؤسّسة عن القصور الّذي أصابها خلال الفترة الماضيّة، ليسعدنا أن نزفّ إليهم البشرى بأنّنا قد قمنا بإعداد الكثير من الكتب النّافعة والتي ستصدر تباعًا خلال الأيّام القادمة بإذن الله، وعلى رأسها كتب السنّة الستة - وكتابنا هذا أحدها -، لتكون بمثابة عنوان المرحلة القادمة، والرّاية التي سنكمل تحتها المسيرة المباركة لهذه المؤسّسة بإذن الله تعالى. ختامًا، وإذ نكرّر الشّكر لوالدنا الكريم على ما بذله من صبر وحلم عظيمين حتّى استطاع أن يغرس في أنفسنا حبّ هذه المهنة المباركة، لنعدّه بأن نبذل قُصارى جهدنا في متابعة المسيرة على المنهج الذي اختطه وارتضاه، لتكون ثمار هذا الغرس صدقة جارية يجني ثمارها إلى ما شاء الله. نسأل الله جلّ في علاه أن يتقبّل منه، وأن يطيل في عمره على الخير، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص في القول والعمل، إنّه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. معاذ رضوان دعبول المدير العام

مُقَدِمَة تَشْتمِل عَلى المنْهَجِ المتَّبَعِ في تَحقِيق السُّنن الأربَعَة إنّ الحمدَ لله نحمَدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومِنْ سيئاتِ أعمالنا، من يَهْدِهِ الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادِيَ له، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وبعد: فإن مِن المتفق عليه عندَ علماء الإسلام أن السنةَ النبوية الشريفة إنما هي المصدر الثاني مِن مصادر التشريع الإسلامي بعدَ القرآن الكريم، وعليها المعوّلُ في بسط الأحكام الشرعية، وبيان التوجيهات القرآنية، فهي التفسيرُ العمليُّ للقرآن، والتطبيقُ الواقعي للإسلام،

وهذه هي المهمةُ التي أناطها اللهُ بالنبي ﵊، حيث جعلَه اللهُ تعالى موضعَ الإبانةِ عن كتابه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، فكان رسولُ الله ﷺ هو المُبَيِّنَ عن اللهِ ﷿ أمرَه، وعن كتابه معاني ما خُوطب به الناسُ وما أراد اللهُ ﷿ به، وعنى فيه، وما شَرَعَ مِن معاني دينه وأحكامهِ وفرائضِه وموجباتهِ وآدابهِ ومندوبه، وسُنَنهِ التي سنَّها، وأحكامهِ التي حكم بها، وآثارِه التي بثَّها، فلبث ﷺ بمكةَ والمدينة ثلاثًا وعشرين سنة يُقيمُ للناسِ معالم الدين، يَفْرِضُ الفرائض، ويسُنُّ السنَنَ، ويُمضي الأحكامَ، ويُحرم الحرامَ، ويُحِلُّ الحلالَ، ويُقيمُ الناسَ على منهاجِ الحق بالقول والفعل (¬١). فكانت أحاديثُه القوليةُ منها والفعلية والتقريرية تفصيلًا لمجمل القرآن، وتفسيرًا لمتشابهه، وبسطًا لمختصره، وتقييدًا لمطلقه، وتخصيصًا لعامِّه، وشرحًا لأحكامه، وكان هذا كُلُّه هو الحكمةَ التي نصَّ عليها الله ﷾ حين وصفَ رسالةَ نبيه ﷺ بقوله ﷿: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وقد أشار إلى ذلك الإمامُ الشافعي رحمه الله تعالى، فقال (¬٢): فذكر اللهُ الكتابَ وهو القرآنُ، وذكر الحكمةَ، فسمعتُ مَنْ أرضى

مِن أَهْلِ العلمِ بالقرآن يقولُ: الحكمةُ سنةُ رسولِ الله. وهذا يُشبه ما قال، والله أعلم، لأنّ القرآن ذُكِرَ، وأُتبِعَتْه الحِكْمَةُ، وذكر اللهُ مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتابَ والحكمة، فلم - يَجُز والله أعلم - أن يُقال الحكمةُ ها هنا إلا سُنَّةُ رسول الله، وذلك أنها مقرونة معَ كتاب الله، وأنَّ الله افترض طاعةَ رسوله، وحتَّم على الناس اتباعَ أمره، فلا يجوزُ أن يُقال لقولٍ: فَرْضٌ إلا لكتابِ الله، ثم سنةِ رسوله، لما وصفنا من أنَّ الله جعل الإيمانَ برسوله مقرونًا بالإيمان به، وسنةُ رسول الله مُبيِّنةٌ عن الله معنى ما أراد دليلًا على خاصِّه وعامِّه، ثم قرنَ الحكمةَ بها بكتابه، فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحدٍ من خلقه غيرِ رسوله. اهـ. قلنا: ولهذا فقد فرض اللهُ تعالى على عباده طاعةَ رسوله، لأنها من طاعته ﷾، وبيَّن اللهُ ذلك في مواضعَ عديدةٍ من كتابه أنَّ العملَ بما جاء به رسولُ الله هو عملٌ بما جاء من عند الله، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

َى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وعن هذا الفهم العميق صَدَرَ الصحابةُ ﵃ والتابعون لهم بإحسان في أقوالهم وأفعالهم وجميعِ أحوالهم، فقد رُوي أن امرأةً مِن بني أسدٍ يُقال لها: أم يعقوب أتت عبدَ اللهِ بنَ مسعود، فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنَّك لعنتَ الواشماتِ والمُستوشماتِ والمتنمِّصاتِ والمتفلِّجاتِ للحسن، المُغَيِّرات خلقَ الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ الله ﷺ، وهو في كتاب الله. فقالت المرأةُ: لقد قرأتُ ما بين لوحي المصحف، فما وجدتُه، فقال: لئن كنتِ قرأتيه، لقد وجدتيه، قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (¬١). وقيل لمطَرِّفِ بن عبد الله بن الشِّخِّير: لا تُحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مُطَرِّف: والله ما نُريدُ بالقرآن بدلًا، ولكن نريدُ من هو أعلم بالقرآن منا (¬٢).

وقال الشافعي (¬١): أخبرني أبو حنيفة بنُ سماك بن الفضل الشهابي، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئب، عن المَقْبُري، عن أبي شُريح الكعبي، أن النبي ﷺ قال عامَ الفتح: "من قُتِلَ له قتيلٌ، فهو بخير النَّظَرين، إنْ أحبَّ أخذَ العَقْلَ، وإن أحبَّ فله القَوَدُ"، قال أبو حنيفة: فقلتُ لابن أبي ذئب: أتأخذُ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري، وصاح عليَّ صياحًا كثيرًا، ونال مني، وقال: أحدَّثُك عن رسول الله ﷺ وتقولُ: تأخذُ به! نعم، آخذُ به، وذلك الفَرْضُ عليَّ وعلى مَنْ سمعه، إن الله اختارَ محمدًا مِن الناس، فهداهم به وعلى يديه، واختارَ لهم ما اختارَ له وعلى لسانه، فعلى الخلقِ أن يتَّبِعُوه طائعين أو داخرين، لا مخرجَ لِمسلم من ذلك. وقال الشافعي أيضًا (¬٢): أخبرنا مسلمٌ وعبد المجيد، عن ابن جُريج، أن طاووسًا أخبره أنه سأل ابنَ عباس عن الركعتين بعدَ العصر، فنهاه عنهما، قال طاووس: فقلتُ له: ما أدعُهُما. فقال ابنُ عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ثم قال الشافعي: فرأى ابنُ عباس الحُجَّةَ قائمةً على طاووس بخبرِه عن النبيِّ ﷺ، ودلَّه بتلاوة كتاب الله على أن فَرْضًا عليه ألا تكون له الخِيَرَةُ إذا قضى اللهُ ورسولُه أمرًا.

ونقل القاسمي (¬١) عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه دخل عليه مرةً رجلٌ مِنْ أهل الكوفة، والحديثُ يُقرأ عنده، فقال الرجل: دعونا مِن هذه الأحاديث، فزجره الإمامُ أشدً الزجر، وقال له: لولا السنةُ ما فَهِمَ أحدٌ منا القرآن. ثم قال للرجل: ما تقولُ في لحمِ القِردِ وأين دليلُه من القرآن؟ فأُفحم الرجل. ولما كانت السنةُ للقرآن بهذه المرتبة، فقد هيأ الله تعالى لحِفظها كما حفظ كتابه، حيث نهض الصحابةُ ومَن بعدهم من التابعين وأتباعهم بتبليغها وإذاعتها، وروايتها وحفظها وتدوينها، واستفرغوا الوُسْعَ في ذلك، وتشهدُ تراجمُهُم بعظيمِ الجُهد الذي بذلوه، فَمِنْ راحلٍ لسماعِها، ومنتصبٍ لروايتها، وعاكفٍ على تدوينها والتصنيفِ فيها، حتى استطاعوا استيعابَها، ولمَّ شملِها، وجمْعَ شتاتها، والإحاطةَ بها، حتى إنه ليصحُّ لنا القولُ: إنهم لم يَفُتْهُم من حديث رسول الله ﷺ حديثٌ واحد. وقد ذهبوا في مرحلهِ تدوينها وتصنيفها مذاهبَ شتى، كُلٌّ حسبَ الغاية التي تَغَيَّاها منها، فمنهم من رتَّبها حسبَ المسانيد، وذلك بذكر أحاديثِ كلِّ صحابي على حِدَة، وأشهرُ هذه المسانيد "مسندُ" الإمام أحمد بن حنبل ﵀، الذي شرَّفنا الله تعالى بخدمته وتحقيقه، وبسطْنا القولَ في هذا النوع من التأليف في مقدِّمتنا له.

، وأشهرُ هذه المسانيد "مسندُ" الإمام أحمد بن حنبل ﵀، الذي شرَّفنا الله تعالى بخدمته وتحقيقه، وبسطْنا القولَ في هذا النوع من التأليف في مقدِّمتنا له.

ومنهم من جعلها مُرَتَّبة حسب موضوعاتها وأبوابها، كما فعل الإمامُ مالكُ بن أنس في "موطئه"، وجاء بعده من حذا حَذْوَه، ونحا نحوه مِن كبار الحفاظ والمحدثين، وفي مقدمتهم إمامُ الصنعةِ أميرُ المؤمنين في الحديث البخاريُّ، وتلميذُه الإمام مسلم صاحبا "الصحيحين"، ثم أصحابُ السنن: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (¬١). وقد اشتملت هذه الكتبُ الستة على أحكام الإسلامِ وآدابه وشرائعه وتوجيهاته، وهذا ما يُفَسِّر لنا العنايةَ الكبرى، والحفاوةَ البالغةَ التي لقيتْها هذه الكتبُ، فقد تلقاها العلماءُ بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاءُ طبقةً بعدَ طبقة، واشتهرت فيما بينَ الناس، وتعلَّق بها القومُ شرحًا لِغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها، وجمعًا لمتونها، وتهذيبًا لها. على أن للصحيحين مِن المزايا ما ليسَ لِغيرِهما من السنن الأربعة، فالبخاري ومسلم لم يُثْبتا في كتابيهما من الأحاديث إلا ما جزما بصحته، وثبت عندهما نقلُهُ، ولم يشترط ذلك أصحابُ السنن، وإن كانوا في الأغلب - عدا ابن ماجه - قد أشارُوا إلى كثير مِن العِلَلِ التي اعتوَرت بعضَ الأسانيدِ عندهم، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء الأئمة كان له مقصدٌ في تصنيفه، ومنهجٌ في تأليفه، وغرضٌ

جه - قد أشارُوا إلى كثير مِن العِلَلِ التي اعتوَرت بعضَ الأسانيدِ عندهم، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء الأئمة كان له مقصدٌ في تصنيفه، ومنهجٌ في تأليفه، وغرضٌ

توخّاه، يتميز به عمن سواه، ويُمكن أن نذكرَ باختصار شديد ما يُميز كلَّ كتاب من هذه الكتب الستة وما قصد إليه مؤلفُه، على أن نبسط الحديث عن كل كتاب في المقدمة الخاصة به. فأما البخاري (¬١): فكان غرضُه تجريدَ الأحاديث الصحاح المتصلة مِن غيرها، واستنباطَ الفقه والسيرة والتفسير منها، وقد وفَّى بما شرط، ونال كتابُهُ من الشهرة والقبول درجة لا يُرام فوقَها. وأما مسلم: فقد توخَّى تجريدَ الصحاح المُجمع عليها بين المحدثين، المتصلة المرفوعة مما يُستنبط منه السنة، وأراد تقريبَها إلى الأذهان، وتسهيلَ الاستنباط منها، فرتَّب ترتيبًا جيدًا، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد، ليتَّضح اختلافُ المتون، وتشعّبُ الأسانيد أصرحَ ما يكون، وجمع بين المختلفات، فلم يَدَعْ لمن له معرفةٌ بلسان العرب عُذرًا في الإعراض عن السنة إلى غيرها. وأما أبو داود: فكانت هِمّتُه جمعَ الأحاديث التي استدلَّ بها الفقهاءُ، ودارت فيهم، وبَنَى عليها الأحكامَ علماءُ الأمصار، فصنَّف سُنَنَه، وجمع فيها الصحيحَ والحسنَ والليِّن والصالح للعمل عنده، قال أبو داود: ما ذكرتُ في كتابي حديثًا أجمع الناسُ على تركه. وما كان منها ضعيفًا صرَّح بضعفه، وما كان فيه علَّةٌ بيَّنها بوجهٍ

يعرفهُ الخائضُ في هذا الشأن، وترجم على كل حديثٍ بما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب، ولذلك صرَّح الغزالي وغيره بأن كتابه كافٍ للمجتهد. وأما الترمذي: فكأنَّه استحسنَ طريقة الشيخين حيث بَيَّنا، وما أبهما، وطريقةَ أبي داود حيث جمع كلَّ ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين، وزاد عليهما بيانَ مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا، واختصر طرقَ الحديث اختصارًا لطيفًا، فذكر منها واحدًا، وأومأ إلى ما عداه، وبيَّن أمر كل حديث مِن أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر، وبيَّنَ وجهَ الضعف، ليكون الطالبُ على بصيرةٍ من أمره، فيعرفَ ما يَصْلُحُ للاعتبار وما لا يصلح، وذكَر أنه مستفيضٌ أو غريبٌ، وذكَر مذاهبَ الصحابة وفقهاءِ الأمصار، وسمَّى من يحتاج إلى التسمية، وكنَّى من يحتاج إلى الكنية، ولم يَدَع خفاءً لمن هو من رجال العلم، ولذلك يُقال: إنه كافٍ للمجتهد، مُغْنٍ للمقلِّد. وأما النسائي: فقد اعتنى بكثرة الطرق، واختلاف الناقلين، قال فيه أبو عبد الله بن رُشَيد (¬١): كتابُ النسائي أبدعُ الكتب المصنفة في

السنن تصنيفًا، وأحسنُها ترصيفًا، وكأنَّ كتابه جامعٌ بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل، وفي الجملة فكتابُ النسائي أقلُّ الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلًا مجروحًا. وقال ابن خلدون في تاريخه ١/ ٧٩٣: قد استدرك الناسُ على البخاري ومسلم، ثم كَتَبَ أبو داود السِّجستانيُّ وأبو عيسى الترمذيُّ وأبو عبد الرحمن النسائيُّ في السنن بأوسعَ من الصحيح، وقصدوا ما توفرت فيه شروطُ العمل، إما مِن الرتبةِ العالية فىِ الأسانيد وهو الصحيح كما هو معروف، وإما من الذي هو دونَه من الحَسَنِ وغيرِه، ليكون ذلك إمامًا للسنةِ والعمل، وهذه هي الأسانيدُ المشهورة في المِلَّة، وهي أمهاتُ كُتُبِ الحديث في السنة، فإنها وإن تعددت ترجِعُ إلى هذه في الأغلب. وقال أبو جعفر بن الزبير (¬١) في المقارنة بين هذه الكتب الخمسة: أولى ما أُرْشِدُ إليه ما اتَّفَقَ المسلمون على اعتماده، وذلك الكتبُ الخمسة، و"الموطأ" الذي تقدَّمَها وضْعًا، ولم يتأخر عنها رُتبةً، وقد اختلفت مقاصِدُهُم فيها، وللصحيحين فيها شُفُوف، وللبخاري لمن أراد التفقُّه مقاصدُ جميلةٌ، ولأبي داود في حصر أحاديثِ الأحكام واستيعابِها ما ليسَ لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يُشارِكْه غيره، وقد سلك النسائي أغمضَ تلك المسائل وأجلَّها.

وأما ابنُ ماجه: فكتابُه مفيد قويُّ النفع في الفقه، فيما ذكر ابنُ الأثير (¬١)، لكن فيه أحاديثُ ضعيفة بالغة الضعف بل منكرة، وقال أبو عبد الله ابن رُشَيد (¬٢): كتابُ ابن ماجه تفرَّد فيه بإخراجِ أحاديثَ عن رجال متَّهمين بالكذبِ وسرقةِ الأحاديث، وبعضُ تلك الأحاديث لا تُعرف إلا مِن جهتهم مثلِ حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المُحبَّر، وعبد الوهَّاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد السَّكوني، وعبد السلام بن أبي الجَنُوب وغيرهم … وقد حكم أبو زرعة على أحاديثَ كثيرةٍ منه بكونها باطلةً أو ساقطةً أو منكرة، وذلك محكيٌّ في كتاب "العلل" لابن أبي حاتم. قلنا: ولأجل ما تَفَرَّد به من الضعف لم يُضِفْهُ غيرُ واحد إلى الكتب الخمسة السالف ذكرُها، فقد قال الحافظ صلاح الدين العلائي (¬٣): ينبغي أن يُعَدَّ كتابُ الدارمي سادسًا للكتب الخمسة بدلَ كتابِ ابنِ ماجه، فإنه قليلُ الرجال الضعفاء، نادرُ الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديثُ مرسلةٌ موقوفةٌ، فهو مع ذلك أولى من كتاب ابن ماجه.

قال الحافظ: وبعضُ أهل العلم لا يَعُدُّ السادسَ إلا "الموطأ" كما صنع رَزين السَّرَقُسْطِيُّ، وتبعه المجدُ ابنُ الأثير في "جامع الأصول". قلنا: ولم يَعُدَّ ابنُ الصلاح ولا النووي كتابَ ابن ماجه من أصول الإسلام، فقد قال النووي (¬١): قال الأئمة: أصولُ الإسلام من كتب الحديث خمسة: الصحيحان، وهذه الثلاثة. وذكر الحافظ (¬٢) أن أول من أضافَ كتابَ ابن ماجه إلى الأصول أبو الفضل ابن طاهر حيث أدرجه في "أطرافه"، وكذا في "شروط الأئمة الستة"، ثم الحافظُ عبد الغني في كتاب "الكمال في أسماء الرجال" الذي هذبه الحافظ المزي، فذكره فيهم. قال الحافظ: وإنما عدل ابنُ طاهر ومن تبعه عن عدِّ "الموطأ" إلى عَدِّ ابن ماجه لكون زيادات "الموطأ" على الكتب الخمسة من الأحاديث المرفوعة يسيرة جدًا، بخلاف ابن ماجه، فإن زياداته أضعافُ زياداتِ "الموطأ"، فأرادوا بضم كتاب ابن ماجه إلى الخمسة تكثيرَ الأحاديث المرفوعة. والله أعلم. وهذه السننُ دَرَجَ بعضُ الناس على تسميتها بالصحاح، ونُوزعوا في ذلك، فذكر ابنُ الصلاح أن الخطيبَ أطلق اسم الصحيح على كتابي الترمذي والنسائي، وأن الحاكم سَمَّى كتابَ

الترمذي "الجامع الصحيح" (¬١)، وأن أبا طاهر السِّلَفي قال في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها علماءُ الشرق والغرب، فقال ابنُ الصلاح: وهذا تساهلٌ، لأنَّ فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. ووافق ابنَ الصلاح على ذلك العراقيُّ حيث قال في "ألفيته": ومَنْ عَليها أطْلَق الصَّحِيحَا … فقد أتى تساهلًا صَرِيحًا وقد قام بعضُهم بتوجيه إطلاق الصحاح عليها أنها باعتبار الأغلب، فقال الزركشي في نكته على ابن الصلاح (¬٢): تسميةُ الكتب الثلاثة صحاحًا باعتبار الأغلب، لأن غالبها الصحاح والحسان وهي ملحقةٌ بالصحاح، والضعيفُ منها ربما التحق بالحسن، فإطلاقُ الصحةِ عليها مِن باب التغليب. وقال الحافظ (¬٣) في توجيه كلام الحاكم: حكم للجميع بالصحة بمقتضى الغلبة. وكذا وجَّهه النووي، فقال بإثر كلام السِّلَفي (¬٤): مرادُه أن معظم

الكُتُبِ الثلاثة يُحْتَجُّ به. قال الحافظ (¬١): أي صالح لأن يُحتج به، لئلا يرِدَ على إطلاق عبارته المنسوخُ أو المرجوحُ عند المعارضة. والله أعلم. قلنا: وقد أنكر ابنُ الصلاح والنووي (¬٢) ما ذهب إليه البغوي في كتابه "المصابيح" من تسمية "السنن" بالحِسان، وأن هذا اصطلاح لا يُعرف عند أهلِ هذا الفن، وأن السنن فيها الصحيحُ والحسنُ والضعيفُ، فإطلاق اسمِ الحسان عليها ليسَ بصواب. وقد تعقبهما العلامةُ تاج الدين التبريزي فيما نقل عنه الحافظ (¬٣)، فذكر أن البغوي إنما أراد بإطلاقِ اسمِ الحسان على "السنن" اصطلاحًا خاصًا له، لا الاصطلاح العام، لأنه (أي البغوي) قال: وأعني بالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة، ثم قال: وما كان من ضعيفٍ أو غريب أشرتُ إليه، وأعرضتُ عما كان منكرًا أو موضوعًا. فقال الحافظُ بإثر ذلك: ومما يشهدُ لصحة كونه أراد بقوله الحسان اصطلاحًا خاصًا له، أنه يقول في مواضع من قسم الحسان: هذا صحيح، تارة، وهذا ضعيف، تارة، بحسب ما يظهرُ له من ذلك.

البَاعِثُ على تَحْقِيْق السُّنن الأربَعَة لما كانت السننُ الأربعة - كما سلف - لم يشترط فيها مؤلفوها الصحة، وكانت تجمعُ مع الصحيح الضعيفَ والمنكرَ، فقد وجب تمييزُ صحيحها مِن سقيمها، وتبيينُ ما يُحتج به مما لا يحتج به منها، وقد دعا إلى ذلك غيرُ واحد من الأئمة، لتنقية دين الله مما قد يشوبُه مما ليس منه، فقال ابنُ أبي حاتم (¬١): ولما كان الدينُ هو الذي جاءنا عن الله ﷿، وعن رسوله ﷺ بنقلِ الرواة، حقَّ علينا معرفتُهم، ووجبَ الفحصُ عن الناقلة، والبحثُ عن أحوالهم، وإثباتُ الذين عرفناهم بشرائط العدالةِ والثبتِ في الرواية مما يقتضيه حكمُ العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناءَ في أنفسهم، علماءَ بدينهم، أهلَ ورع وتقوى وحفظ للحديث، وإتقان به، وتَثَبُّتٍ فيه، وأن يكونوا أهلَ تمييزٍ وتحصيل لا يشوبُهم كثيرٌ من الغَفَلات، ولا تغلبُ عليهم الأوهامُ فيما قد حفظوه وَوَعَوْه، ولا يُشَبَّهُ عليهم بالأُغلوطاتِ، وأن يُعْزَلَ عنهم الذين جَرَحَهُمْ أهلُ العدالة، وكشفوا لنا عن عَوراتهم في كذبهم وما كان يَعتريهم مِن غالب الغفلة، وسُوءِ الحفظ، وكثرةِ الغلط والسهو والاشتباه، ليُعرف به أدلةُ هذا الدين وأعلامُه، وأمناءُ الله في أرضه على كتابه

وسنة رسوله ﷺ، وهؤلاء هم أهلُ العدالة، فيُتمسك بالذي رَوَوْهُ، ويُعْتَمَد عليه، ويُحكم به، وتجري أمورُ الدين عليه، وليُعرفَ أهلُ الكذب تَخَرُّصًا، وأهلُ الكذب وهمًا، وأهلُ الغفلة والنسيان والغلط ورداءةِ الحفظ، فيكشف عن حالهم، ويُنَبَّأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كَذِبٌ فكَذِبٌ، وإن وَهْمٌ فوهم، وإن غلطٌ فغلط، وهؤلاء هم أهلُ الجرح، فيسقط حديثُ من وجب منهم أن يسقط حديثُه، ولا يُعبأ به، ولا يُعمل عليه، ويكتب حديثُ من وجب كتْبُ حديثه منهم على معنى الاعتبار. وذكر النووي (¬١) أنه ينبغي لكل أحد للتخلُّق بأخلاقِ رسولِ الله ﷺ والاقتداءِ بأقواله وأفعاله وتقريره في الأحكام والآداب وسائرِ معالم الإسلام أن يَعْتمِدَ في ذلك ما صَحَّ، ويَجْتنِبَ ما ضعُف، ثم قال: ولا يغترَّ بمخالفي السنن الصحيحة، ولا يقلد مُعتمدِي الأحاديث الضعيفة، فإن الله ﷾ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] ففي هذه الآيات وما في معناهن حثَّ على اتباعه ﷺ، ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا اللهُ ﷾ عندَ التنازعِ بالرجوعِ إلى الله والرسول، أي الكتاب والسنة، وهذا كلُّه في سُنَّةٍ صحَّت،

أما ما لم تصح، فكيف تكون سنة، وكيف يُحكم على رسول الله ﷺ أنه قاله أو فعله من غير مُسَوِّغٍ لذلك، ولا تغترَّنَّ بكثرة المتساهلين في العمل والاحتجاج في الأحكام بالأحاديث الضعيفة، وإن كانوا مصنفين وأئمةً في الفقه وغيره. وكذا الحافظ ابنُ حجر ذكر (¬١) أن في "السنن" شيئًا كثيرًا لا يصلحُ للاحتجاج به، وأن فيها ما لا يصلحُ للاستشهاد به من حديث المتروكين، ثم قال: وإذا تقرر هذا فسبيلُ من أراد أن يحتجَّ بحديثٍ من السنن أو بأحاديث من المسانيد وَاحِدٌ، إذ جميعُ ذلك لم يشترطْ مَن جَمَعَه الصحة ولا الحُسْن خاصةً، فهذا المحتجُّ إن كان متأهِّلًا لِمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديثٍ من "السنن" من غير أن ينظُر في اتصالِ إسناده، وحالِ رواته، كما أنه ليس له أن يحتج بحديثِ من المسانيدِ حتى يُحيطَ علمًا بذلك، وإن كان غيرَ متأهِّل لدَرْكِ ذلك، فسبيلُه أن ينظُرَ في الحديث إن كان في "الصحيحين" أو صرَّح أحدٌ من الأئمة بصحته، فله أن يُقلِّد في ذلك، وإن لم يجد أحدًا صححه ولا حسَّنه فما له أن يُقْدِمَ على الاحتجاج به، فيكونَ كحاطبِ ليل، فلعلَّه يحتجُّ بالباطل وهو لا يشعر. قلنا: فوضح مما ذكره هؤلاء الأئمةُ الأعلام أنَّ النصيحة لله ورسوله تقتضي من الناظر في هذه السنن وغيرها من المسانيد

والمعاجم والأجزاء أن يَتثبَّتَ من صحة أحاديثها، ويُمَيِّزَ منها ضعيفَها وسقيمها، وذلك ليتبعَ رسولَ الله ﷺ على علم، ويَعْبُدَ اللهَ على بصيرة، وهذا ما قصدْنا إليه إن شاء الله في إخراج هذه "السنن". والباعثُ الآخر على عملنا هذا هو إخراجُ نصوص ومتون هذه "السنن" بريئةً من شوائب التصحيف والتحريف، سالمةً من غوائل السقط والتلفيق، كما وقع في الطبعات السالفة مما سنُشير إليه. وكنا نرمي من وراء ذلك أيضًا، إلى إخراج الموسوعة الحديثية، التي تُوَفِّر النصوصَ الصحيحة والحسنة من السنة النبوية المطهرة، وهذا لا يتأتى إلا إذا قمنا بمسح شامل للمصادر الأولى التي أُلفت في السنة، وذلك أولًا بالحصول على أصولها الخطية الموثقة التي شهد على صحتها أهلُ العلم، ليُصار إلى إخراجِ نصوصِها على الوجه الذي ذكرنا، ثم الحكم عليها بما تقتضيه قواعد علم الحديث، مستهدين في ذلك بأقوال أئمة هذا الشأن وجهابذة هذا الفن، مترسّمين خطاهم فيما ذهبوا إليه واتفقوا عليه. وإن تأكيدنا على ضرورة الاعتماد على الأصول الخطية الموثقة والحكم على أحاديث السنن، إنما كان، لأن كثيرًا من كتب السنة إما أنها لم تحقق تحقيقًا علميًا يطمئن إليه الباحثُ، ويرضى عنه القارئُ، أو لم يُحْكَمْ على أحاديثها بما يليق بها من صحة أو ضعف، فلم يتميز للقارئ ما يُحتجُّ به منها في الأحكام الشرعية،

وقد عرفت عظيمَ الأهمية في ذلك. وخيرُ دليل على ضرورة ما ذهبنا إليه ما وجدناه أثناء خدمتنا لمسند الإمام أحمد في الطبعة الميمنية المتداولة من فشو التحريف والتصحيف وما وقع فيها من سقط غيرِ قليل استدركناه من الأصول الخطية. وهذه "السنن الكبرى" للنسائي قد طُبعت (¬١) بتحقيق أناسٍ ليست لهم دراية بهذا العلم، ففشا في طبعتهم ما أفسد الكتابَ من الخطأ والتصحيف، حتى إنه وقع فيها سقط يزيد على ثلاث مئة حديث. وأما عن خطة العمل في هذه الكتب، فإننا سنضعُ لكل كتاب منها المنهجَ الذي يحقق الغاية التي نتوخّاها، والتي يُمكن اختصارُها في هذين الأمرين: توثيق المتون، والحكم عليها، ولذا سيجد القارئ أننا اخترنا طريقةً في التحقيق تلبي حاجته، وتفي بالغرض دون بسطٍ ولا تفصيل، وإنما يُحال على الكتب التي توسعنا فيها، كمسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، وشرح مشكل الآثار وغيرها، لمن أراد البسط والتفصيل والتوسع، وذلك حتى لا يتكرر الجهدُ، ولا نطيل الصفحات بما هو موجودٌ في مظانه

من الكتب التي أصدرتها المؤسسة، ولتجنب زيادة حجم الكتاب في غير ضرورة، ومما قد ينوء به القارئ ثمنًا واستيعابًا. ٤/ ١/ ٢٠٠٢ شعيب الأرنؤوط محمد نعيم عرقسوسي إبراهيم الزيبق

مُقَدِمَة تَشتَمل على تَرجَمةِ الإمَامِ الترمِذي وَالتَّعرِيفِ بكتابِهِ الجَامِع وَوَصفِ الأصُول المعتمدة في تحقيقه اسْمُهُ ونَسَبُه وكُنْيَتُه: هو الإمام الحافظُ، الناقد المُبرِّزُ في عِلَلِ الحديثِ وفقهه، محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى (¬١) السُّلَمي، البُوغي، الترمذي، الضرير، صاحب التصانيف النافعة في علمِ الحديث كـ "الجامع"، و"العلل"، و"الشمائل" وغيرها.

وهذا هو المشهورُ في اسمه، وكذا سماه ونسبه تلميذُه أشهرُ رواة "الجامع" عنه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي (¬١)، والحافظُ أبو سعد عبدُ الرحمن بن محمد الإدريسي (¬٢)، والحافظُ غنجار محمدُ بنُ أحمد في "تاريخ بُخارى" (¬٣)، والحافظ ابنُ الأثير في "جامع الأصول" (¬٤). وقيل في اسمه: محمدُ بنُ عيسى بن يزيد بن سَورة بن السكن (¬٥)، وقيل: محمد بن عيسى بن سَورة بن شدّاد (¬٦). والسُّلَمي، بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى بني سُلَيم - بالتصغير - بن منصور قبيلة من قيس عَيلان (¬٧). وسَورة، بفتح السين وسكون الواو بعدها راء مهملة، اسم جد الترمذي (¬٨).

والبوغي، نسبة إلى بُوغ، بضم الباء الموحدة وسكون الواو بعدها غين معجمة: وهي قرية من قرى ترْمِذ على ستة فراسخ (¬١). والترمذي، نسبة إلى تِرمذ، قال الذهبيُّ: قال أبو الفتح القشيريُّ (ابن دقيق العيد): ترمذ بالكسر، وهو المستفيضُ على الألسنةِ حتى يكونَ كالمتواتر، وقال المُؤْتَمَنُ الساجيُّ: سمعتُ عبدَ الله بن محمد الأنصاري (أبو إسماعيل الهَرَوي) يقول: هو بضم التاء، ونقل الحافظ أبو الفتح اليَعْمَري (ابن سيّد الناس) أنه يقال فيه: ترمذ، بالفتح (¬٢). قلنا: على الكسر اقتصر أبو بكر الحازمي، وابن منظور (¬٣)، وترمذ مدينة قديمة في إقليم خراسانَ على الضفةِ الشرقيةِ من نهر جيحونَ، وهو يضرب سُوْرَها، لها رَبَضٌ كبير يُحيط بها (¬٤). وبالمقاييس الجغرافية المعاصرة تقع ترمذ على خط عرض ٣٧ شمالًا تقريبًا، وخط طول ٦٧ شرق غرينتش، وهي في شمال إيران، وتُعرف الآن باسم ترمز - بالزاي -، دخلت في الإسلام عام (٧٠) هـ، فتحها موسى بنُ عبد الله بن خازم الذي خرجَ عن طاعة

الخليفة، فاستقلَّ بحُكمها خمسةَ عشر عامًا، وأفلح عثمانُ بنُ مسعود في استرداد المدينةِ للخلافة في نهاية عام (٨٥) هـ (¬١). وقد أخبر أبو عيسى أن جَدَّهُ كان مِن مرو، أشهر مدن خراسان، وانتقل منها أيام الليثِ بنِ سيّار إلى ترمذ، ومرو هذه أنجبت من المحدثين والفقهاء ما لم تُنجب مدينة من المدن الإسلامية مثلهم، منهم الإمام أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه وغيرهم (¬٢).

مولده وعصره: أرّخ الذهبيُّ في "السير" مولدَ الترمذي، فقال: وُلِدَ في حدود سنة عشر ومئتين، بينما أرّخه في "تاريخ الإسلام" بأنه وُلِدَ سنة بضع ومئتين، وجزم صاحبُ "جامع الأصول" أنه وُلِدَ سنة تسع ومئتين (¬٣)، وعلى أية حال فالتواريخ متقاربة. وتُعد الفترةُ التي عاش فيها الإمام الترمذي مِن أخصبِ الفتراتِ بالنسبة لتدوين الحديث، وأسعدِها بخدمةِ السنةِ المطهرة، ففيها ظَهَرَ كبارُ المحدثين والحفاظ، وجهابذةُ المؤلفين، وحُذَّاق النقد،

وفيها انتشر علمُ الحديث في مختلفِ الأقطارِ الإسلامية، وتعددت رحَلاتُ العلماء لِتلقيه عن الشيوخ والحفاظ، وفيها دُوِّنتِ السنةُ النبوية الشريفة في مؤلفات رائعة أشهرها: "مسند الإمام أحمد"، و"الجامع الصحيح" للبخاري، و"صحيح مسلم"، و"سنن سعيد بن منصور"، و"المصنف" لابن أبي شيبة، و"مسند الحميدي"، و"سنن الدارمي"، و"سنن أبي داود"، و"جامع الإمام الترمذي"، فكأن ذلك العصر كان خلاصةَ العصورِ في تحصيل هذا العلمِ الشريفِ، وما أحسنَ ما قاله الذهبي حين قال: ولقد كان في هذا العصرِ وما قارَبَهُ مِن أئمة الحديث النبوي خلقٌ كثير، وما ذكرنا عُشرَهُم هنا، وأكثرُهم مذكورون في "تاريخي"، وكذلك كان في هذا الوقت خَلْقٌ مِنْ أئمة أهلِ الرأي والفروع، وعددٌ من أساطين المعتزلة والشيعة وأصحابِ الكلام الذين مشَوا وراء المعقول (¬١). هل وُلِدَ الإمامُ الترمذي أكْمَهَ أم أنه أضرَّ بأخرة؟ الذي انتهى إليه حُذّاقُ الأئمة وحفاظُها أنه وُلِدَ مبصرًا، ثم أضرَّ بأَخَرَة. قال الإمامُ الذهبي: اختلف فيه، فقيلَ: وُلِدَ أعمى، والصحيحُ أنه أضر في كِبَرِه بعدَ رحلته وكتابته العلم (¬٢).

وقال الحافظ ابنُ كثير: والذي يظهر مِن حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بَعْدَ أن رَحَلَ وسَمِعَ، وكتب وذاكر، وناظر وصنّف (¬١). وقد نقل الحافظ ابن حجر خبرًا عن الإدريسي بسندٍ له، قال أبو عيسى: كنتُ في طريقِ مكة وكنتُ قد كتبتُ جزأين مِن أحاديث شيخٍ، فمرَّ بنا ذلك الشيخ، فسألتُ عنه، فقالوا: فلان، فَرُحْتُ إليه وأنا أظهِرُ أن الجزأين معي، وإنما حملتُ معي في مَحْمِلِي جزأين غيرهما شِبههما، فلما ظفرتُ به سألتُه السماعَ، فأجاب وأخذ يقرأُ مِن حفظه، ثم لمح فرأى البياضَ في يدي، فقال: أما تستحي مني؟! فقصصتُ عليه القِصة، وقلت له: إني أحفظُه كُلَّه، فقال: اقرأ، فقرأتُه عليه على الوِلاء، فقال: هل استظهرتَ قبل أن تجيءَ إليَّ؟ قلتُ: لا، ثم قلت له: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هاتِ، فقرأتُ عليه من أوله إلى آخره، فقال: ما رأيتُ مثلك! ثم نقل الحافظُ ابنُ حجر، عن الحافظ يوسفَ بنِ أحمد البغدادي: أن أبا عيسى أضرَّ في آخِرِ عمره، وقال: وهذا مع الحكاية المتقدمة عن الترمذي يردُّ على من زعم أنه وُلد أكمه (¬٢).

وقال الحاكم: سمعتُ عمر بن عَلَّكَ (المتوفى سنة ٣٢٥ هـ) يقول: ماتَ البخاري، فلم يخلِّف بخراسانَ مثلَ أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عَمِيَ، وبقي ضريرًا سنين (¬١).

َكَ (المتوفى سنة ٣٢٥ هـ) يقول: ماتَ البخاري، فلم يخلِّف بخراسانَ مثلَ أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عَمِيَ، وبقي ضريرًا سنين (¬١).

طَلَبُهُ العِلْمَ ورِحْلَتُهُ وشُيُوخُهُ: ليس لدينا في المصادر المتيسَرةِ لنا نصٌّ يَكْشِفُ عن أولِ أمره، وكيفية توجهه إلى طلب العلم، والذي يَغْلِبُ على ظننا أنه بدأ طلب العلم مبكرًا، وبالاستناد إلى ما كان عليه عادةُ أهل ذلك العصر الذين كانوا يأخذون بأيدي أبنائِهم وهم صغارٌ إلى حلقاتِ العلم المختلفة التي كانت تُقامُ في المساجد لِتعلم العربية والفقه والأصول ومصطلح الحديث، وما إلى ذلك هن العلوم التي تُؤهِّلُ الطالبَ للتخصص في فنٍّ مِن فنون الثقافة الإسلامية نستطيعُ أن نقولَ: إنَّ الترمذي بدأ يتردَّدُ على حلقات العلم التي كانت تُقام في ترمذ، يتلقى فيها القرآنَ وعلومَه، والسنةَ رواية ودراية، والعربية وآدابها حتى صارَ مؤهلًا لاختيارِ ما هو محبَّبٌ إليه مِن تلك العلوم للتخصص بها، وقد غلب عليه حبُّ الحديث روايةً ودِرايةً، فاتجهتْ هِمتُه إلى الرِّحلة والسماعِ من الشيوخ الثقات الذين بلغوا الغايةَ في هذا العلم، فرحل إلى شيوخ وقته في بلادهم، وقصد أجلة علماءِ زمانه في مُدنهم وقراهم، ليأخُذَ عنهم، ويُفيد منهم.

ولم يقتصر الإمامُ الترمذي على تلقي العلمِ عن الشيوخ في تِرمذ من أهلها والقادمينَ إليها، بل رَحَلَ في طلب العلم على عادةِ النابهين مِن طلبة العلم في زمانه، فقد ذكر الحافظ المزي في حاشية "تهذيب الكمال" في ترجمة أحمد بن عبيد الله بن سهيل أن رحلة الترمذي كانت بعدَ الأربعين ومئتين. وقوله: بعد الأربعين ومئتين فيه نظر، فقد ثبت لنا مِن خلال تراجم شيوخِه القدماء الذين أخذ عنهم الترمذيُّ وسَمِعَ منهم أن رحلتَه كانت قبلَ ذلك، فقد سَمِعَ مِن قُتيبة بن سعيد البَغْلانِي المتوفَّى سنة (٢٤٠ هـ)، وقد عُمَّر، وهو من شيوخ أحمد بن حنبل، وسَمِعَ من إسحاق بنِ راهويه المتوفى سنة (٢٣٨ هـ)، وسمع علي بن الحسن بن سليمان الواسطي المتوفى سنة (٢٣٧ هـ)، وسمع من محمد بن عمرو السوّاق البلخي المتوفَّى سنة (٢٣٦ هـ)، وسمع من أحمد بن محمد بن موسى المروزي السِّمْسَار المتوفى سنة (٢٣٥ هـ)، كما سمع من جملة شيوخ أُرّخت وفياتهم سنة (٢٣٩ هـ) و (٢٤٠ هـ). وكانت رحلته إلى مدنِ خُراسان الأخرى، فقد دخلَ بُخارى كما صرح غُنْجارٌ صاحبُ "تاريخ بخارى"، ودخل مرو، والري، ثم العراق حيث دخل البصرةَ وواسط والكوفة وبغداد، ثم الحجاز. وقول الشيخ أحمد محمد شاكر: ولكني لا أظنه دخل بغداد، ومتابعة الدكتور نور الدين عتر والدكتور محمد حبيب الله مختار له

في ذلك وهمٌ منهم، فقد نصَّ الحافظ ابن نقطة البغدادي في كتابه "التقييد" ١/ ٩٧ على سماع الترمذي ببغدادَ مِن أربعة بغداديين، وهم الحسن بنُ الصبَّاح (ت ٢٤٩ هـ)، وأحمد بن حسان بن ميمون، وأحمد بن منيع (ت ٢٤٤ هـ)، ومحمد بن إسحاق الصاغاني (ت ٢٧٠ هـ)، وقد روى عن ثمانية وثلاثين شيخًا من بغداد أو نزلائها، وأقدمهم وفاة أربعة توفوا سنة (٢٤٣ هـ)، وكل مَنْ توفي من البغداديين في سنة (٢٤١ هـ) أو قبلها فإن الترمذي حدث عنهم بالواسطة، وعددهم ثمانية، ولم يُحدث عن الإمام أحمد المتوفى سنة (٢٤١ هـ) رغم أن مثلَه يَحْرِصُ على المبادرة للقائه والأخذ عنه، وهذا يدل على أن الترمذي دخل بغداد بعد وفاةِ الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ)، وفي سنة (٢٤٣ هـ) أو قبلها حيث روى عن أربعة من البغداديين توفوا في هذه السنة، فلا بد أنه دخل سنة (٢٤١) هـ - (٢٤٣) هـ (¬١). قلنا: وإذا كان لم يدخل بغداد، لَنص على ذلك الإمامُ الذهبي في جملة ما استثناه حين قال: ولم يرحل إلى مصرَ والشام. وقد قُمنا باستقصاء شيوخه في هذا الكتاب، فبلغوا ثمانيةً ومئتي شيخ، وأحصينا عددَ الأحاديث التي رواها لِكل واحدٍ منهم فتبين لنا أن الشيوخَ الذين عوَّل عليهم وأكثرَ مِن الرواية عنهم تسعةُ شيوخ، كل واحد منهم حافظٌ ثقةٌ ثبتٌ، إمام مشهودٌ له بالتقدمِ

اها لِكل واحدٍ منهم فتبين لنا أن الشيوخَ الذين عوَّل عليهم وأكثرَ مِن الرواية عنهم تسعةُ شيوخ، كل واحد منهم حافظٌ ثقةٌ ثبتٌ، إمام مشهودٌ له بالتقدمِ

والإتقانِ، ويَجْدُرُ بنا أن نُعرَّف كُلَّ واحد من هؤلاء التسعة ونذكرَ عددَ الأحاديث التي رواها عنه الإمام الترمذي في هذا الكتاب. ١ - شيخ الإسلام المحدِّثُ الإمامُ الثقةُ الجوَّال، راوية الإسلام أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، مولاهم، البَلْخي البَغْلاني، من أهل قرية بغلان، وهي من قرى بلخ، مولده في سنة تسع وأربعين ومئة، وارتحلَ في طلب العلم إلى العراق والمدينة ومكة والشام ومصر، وكتب ما لا يُوصَفُ كثرةً، وذلك في سنة ثنتين وسبعين ومئة، فحمل الكثيرَ عن مالك والليث وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي الأحوص، وعبد الواحد بن زياد، وشهاب بن خِراش، وعبد الرحمن بن أبي الرِّجال، وابنِ المبارك، وخلقٍ كثير. حدَّث عنه الحميديُّ ويحيى بنُ عبد الحميد الحِمَّاني، وأحمدُ بن حنبل فأكثر، ويحيى بنُ معين، وعلي بنُ المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو بكر بنُ أبي شيبة، وطائفة ماتوا قبلَه، وروى عنه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي في كتبهم فأكثروا، وثقه يحيى بنُ معين، وأبو حاتم، والنسائي. وقال أبو حاتم: حضرتُ قتيبةَ بنَ سعيد ببغداد وقد جاءه أحمدُ بنُ حنبل، فسألَه عن أحاديث فحدثه، ثم جاءه أبو بكر بنُ أبي شيبة وابنُ نمير بالكوفة ليلة، وحضرتُ معهما، فلم يزالا ينتخبانِ عليه وأَنْتَخِبُ معهما إلى الصُّبح، توفي سنة أربعين ومئتين (¬١)، وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ست مئة حديث.

٢ - الإمام الحافظ، راويةُ الإسلام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كَيسان العبدي، البصري، لُقَّبَ بُندارًا، لأنه كان بندارَ الحديث في عصره ببلده، والبُندار الحافظ، وُلد سنة سبع وستين ومئة، حدّث عنه أصحابُ الكتب الستة. وقال ابنُ خزيمة في كتاب التوحيد له: أخبرنا إمامٌ أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشّار. وقال ابنُ حبان: كان يحفظ حديثه، ويقرؤه مِن حفظه، وتوفي سنة ثنتين وخمسين ومئتين (¬١)، وعدةُ الأحاديث التي رواها الترمذي عنه خمس وستون وأربع مئة. ٣ - الإمام الحافظ الحجة، أبو أحمد محمودُ بنُ غيلان، العَدَوي، مولاهم المروزي، من أئمة الأثر قدم بغداد حاجًا، وحدث بها، حدث عن ابن عيينة وأبي معاوية ووكيع وعبدِ الرزاق وطبقتهم فأكثر وجوَّد، وكان مِن فرسان الحديث. حدث عنه الجماعةُ سوى أبي داود، قال أحمد بن حنبل: ثقة أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حُبِسَ بسببِ القُرآن، قال النسائي: ثقة، توفي في رمضان، سنةَ تسعٍ وثلاثين ومئتين (¬٢)، وعدةُ الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثلاثُ مئةِ حديث وحديث.

٤ - الإمامُ الحجة القدوة، زينُ العابدين أبو السّري هنادُ بن السَّريّ بن مُصعب بن أبي بكر بن شبر التميمي الدارمي الكوفي، مصنف كتاب الزهد وغير ذلك. روى أبو العباس السرَّاج أنه قال: وُلِدْتُ سنة اثنتين وخمسين ومئة. حَدَّثَ عنه الجماعةُ، لكن البخاري في غير "صحيحه" اتفاقًا لا اجتنابًا سئل أحمد بن حنبل: عمن نَكْتُبُ بالكُوفةِ، فقال: عليكم بهنَّاد، وقال أبو داود: سمعتُ قتيبة يقول: ما رأيتُ وكيعًا يُعظِّم أحدًا تعظيمَه لِهَنَّاد. لم يتزوج قطُّ ولم يتسَرَّ، وكان يُقال له: راهبُ الكوفة، ماتَ في يوم الأربعاء آخرَ يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وعاش إحدى وتسعين سنة (¬١). وعدةُ الأحاديث التي رواها الترمذي عنه تسع وثمانون ومئتان. ٥ - الإمام الحافظُ الثقةُ أبو جعفر أحمدُ بن منيع بن عبد الرحمن البغويُّ، ثم البغداديُّ. وأصلهُ مِن مَرْو الرُّوذ، رحل وجمع وصنَّف "المسندَ"، حدث عنه الستةُ، لكن البخاري بواسطة، وثقه صالح جزرة وغيرُه، ولد سنة ستين ومئة، ومات في شوّال سنة أربع وأربعين ومئتين (¬٢). وعدةُ الأحاديث التي رواها عنه الترمذي خمس وخمسون ومئتان.

٦ - الإمام المحدث الحافظ شيخ الحرم، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، صنف "المسند" حدث عنه مسلم والترمذي وابن ماجه وبواسطةٍ النسائيُّ، حج سبعًا وسبعين حجةً، سُئِلَ أحمد بن حنبل: عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة، فابن أبي عمر وقال أبو حاتم: صدوق، وكانت فيه غفلة، مات بمكة لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومئتين وكان من أبناء التسعين (¬١). وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثلاث وثمانون ومئة حديث. ٧ - الحافظ الثقةُ الإمامُ، شيخ المحدثين، أبو كُرَيب محمد بن العلاء بن كريب الهَمْدَاني الكوفي، وُلِدَ سنةَ إحدى وستين ومئة، وحدث عنه أصحابُ الكتب الستة، وثقه النسائي وغيره، وقال أبو حاتم: صدوق، قال موسى بن إسحاق: سمعت من أبي كريب مئة ألف حديث قال إبراهيم بن أبي طالب: قال لي محمد بن يحيى الذُّهْلي: مَن أحفظ من رأيتَ بالعراقِ؟ قلتُ: لم أر بعد أحمد بن حنبل أحفظَ مِن أبي كريب، وكان ابنُ عقدة يُقدم أبا كريب في الحفظ والكثرة على جميعِ مشايخهم ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثُ مئة ألف حديث، بلغ في رحلته إلى دمشق قاصِدًا إفريقية، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين، وعمره سبعة وثمانون عامًا (¬٢)، وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثمان وسبعون ومئة حديث.

ته إلى دمشق قاصِدًا إفريقية، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين، وعمره سبعة وثمانون عامًا (¬٢)، وعدة الأحاديث التي رواها الترمذي عنه ثمان وسبعون ومئة حديث.

٨ - الحافظ العلامة الحجة أبو الحسن علي بن حُجْر بنِ إياس بن مقاتِل بن مُخادِش بن مُشَمْرج السعدي المروزي، ولجده مُشَمْرِج بنِ خالد صحبة، وُلِدَ سنةَ أربع وخمسين ومئة، وارتحل في طلب العلم إلى الآفاق، حدث عنه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذي والنسائي، قال محمدُ بنُ علي بن حمزة: كان يَنْزِلُ بغداد، ثم تحوَّلَ إلى مرو، فنزل قرية زَرْزَم، وكان فاضلًا حافظًا، ووثقه النسائي، فقال: ثقة مأمون حافظ، وقال أبو بكر الخطيب: كان صادقًا مُتْقِنًا حافظًا، وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حمدون بن سَنْجان المروزي: سمعتُ عليَّ بن حُجر يقول: انصرفتُ مِن العراقِ وأنا ابنُ ثلاث وثلاثين سنة، فقلت: لو بقيتُ ثلاثًا وثلاثين سنة أخرى، فأروي بَعض ما جمعتُه من العلم، وقد عشت بعدُ ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين أخرى، وأنا أتمنى بعدما كنتُ أتمنى وقتَ انصرافي من العراق، قال الإمام الذهبيُّ معلقًا: هذا على سبيل التقريب، وإلا فلم يبلغ الرجلُ تسعًا وتسعين سنة، قال الذهبي: كان علي بن حجر مِن أوعية العلم، كتب عنه بضع وسبعون ومئة بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخُراسان، له مصنفاتٌ مفيدة منها "أحكام القرآن" ومات في يوم الأربعاء منتصفَ شهر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومئتين (¬١). وعدة ما رواه الترمذي عنه في "الجامع" اثنانِ وسبعونَ ومئة حديث.

٩ - الإمام الحافظ الحجة الجوَّال، أبو محمد، عبد بن حُميد بن نصر، الكِسي، وُلِدَ بعد السبعين ومئة، صنف "التفسيرَ الكبيرَ"، و"المسند"، حدث عنه مسلم والترمذي والبخاري تعليقًا قال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف مات سنةَ تسع وأربعين ومئتين (¬١). وعدة الأحاديث التي رواها عنه الترمذي في "جامعه" إحدى وستون ومئة حديث. ١٠ - الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي، أبو عبد الله البخاري جبلُ الحفظ وإمامُ الدنيا في فقه الحديث، ولد سنة أربع وتسعين ومئة، سمع ببخارى وبلخ ونيسابُور والري وبغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة ومصر والشام، وقد أخبر عن نفسه أنه كتب عن ألف وثمانين رجلًا ليس فيهم إلا صاحبُ حديث، وهُوَ أوَّلُ مَنْ صنَّفَ في الصحيح، فقد صنف كتابًا سماه: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" ولم يضمِّنه جميعَ الصحيح كما صرح هو بذلك حيث قال: وتركت من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب. وقد لازمه الترمذيُّ طويلًا وأخذ عنه العلمَ الكثير، وأفاد منه في معرفة العلل وفقه الحديث، وتخرج على يديه وعُرِفَ به، فقد صرّح في آخر كتاب "الجامع" بأن أكثرَ ما ذكره فيه من العلل والكلام في الرجال والتاريخ، فإنه مما ناظر به محمد بن إسماعيل، وقد نوَّه

بفضله، وشهد له بالتفوق على أئمة عصره، فقال: ولم أر بالعراق ولا بخُراسانَ في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحد أعلمَ من محمد بن إسماعيل، وكان محمد بن إسماعيل يُعلي من شأن الترمذي، ويُكبر علمه وحفظه، حتى إنه أخذ عنه بعض الأحاديث وسمع منه، فقد قال في "جامعه" عن حديث: "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" (٣٧٢٧): وقد سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث واستغربه. وقال أيضًا في جامِعِهِ في حديث ابن عباس (٣٣٠٣) سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث، وقد قال للترمذي: ما انتفعتُ بكَ أكثرَ مما انتفعتَ بي، وكان البخاري وقتها بَيْنَ سنة ٢٥٠ هـ وسنة ٢٥٥ هـ قد بلغ أوجَ مجده وشُهرته وكان الترمذي جديرًا بذلك التقدير من شيخه، فقد قال الحافظ عمر بن عَلّكْ: مات البخاري فلم يُخَلِّفْ بخراسان مثل أبي عيسى في العلمِ والحفظ والورعِ والزهد، بكى حتى عَمِيَ وبقي ضريرًا سنين، توفي الإمام البخاري سنة ست وخمسين ومئتين عن اثنتين وستين سنة (¬١). وعدة الأحاديث التي رواها عنه في "جامعه" إحدى وأربعون. وعلى الرغم من قلة روايته عنه إلا أنه أفاد منه علمًا جمًّا في علل الحديث وفقهه، وسجل ذلك في كتابه "الجامع" في مئة وأربعة عشر موضعًا (¬٢). وقد شارك الترمذيُّ البخاريَّ ومسلمًا في الرواية عن

تسعة عشر شيخًا، وسبعةٍ وعشرين شيخًا شارك الترمذي البخاري فيهم، وواحدٍ وأربعين شيخًا شارك الترمذيُّ مسلمًا فيهم. ولقي الترمذيُّ الإمامَ مسلم بنِ الحجاج القشيري النيسابوري لكن لم يخرج عنه في "الجامع" إلا حديثًا واحدًا في الصوم، باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان، رقم (٦٨٧). وكان يُذاكِرُ الإمام أبا داود سليمانَ بن الأشعث السجستاني صاحبَ "السنن" فقد نقل عنه بإثر الحديث (٤٦٦): سمعت أبا داود السجزي يعني سليمان بن الأشعث يقول: سألتُ أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به.

تَنَوُّعُ ثقافته: إن المطالع لكتاب "الجامع" لأبي عيسى الترمذي يدرك عظمةَ هذا الإمام، ويلمس سعة دائرته المعرفية، وتنوع علومه وثقافته

مما كان يختصُّ به أو مما كان له فيه مشاركةٌ قوية. وقد شهد له العلماءُ بذلك، فقد قال أبو بكر بن العربي: وليس فيهم مثلُ كتاب أبي عيسى حلاوةَ مقطعٍ، ونفاسَةَ مَنْزعٍ، وعُذُوبَةَ مشرعٍ، وفيه أربعةَ عشرَ علمًا فرائد: صنَّف، وذلك أقربُ إلى العمل، وأسندَ وصحح، وأشهرَ وعدد الطرقَ، وجرَّح وعدل، وأسمى وأكْنى، وَوَصَلَ وقطع، وأوضح المعمولَ به والمتروك، وبيَّنَ اختلافَ العلماءِ في الردِّ والقبُولِ لآثاره، وذكر اختلافَهم في تأويله، وكل علم مِن هذه العلوم أصلٌ في بابه، فردٌ في نصابه (¬١). وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيد: هذا الذي قاله القاضي أبو بكر في بعضه تداخُلٌ، مع أنه لم يستوف تعديدَ علومه، ولو عدَّد ما في الكتابِ من الفوائد - بهذا الاعتبار - لكانت علومُه أكثرَ من أربعة عشر: فقد حسَّن، واستغربَ، وبين المتابعةَ والانفرادَ، وزياداتِ الثقات، وبيّنَ المرفوعَ مِن الموقوف، والمرسلَ من الموصول، والمزيد من متصل الأسانيد، ورواية الصحابة بعضِهم عن بعضٍ، وروايةَ التابعين بعضهم عن بعض، ورواية الصاحب عن التابع، وعَدَّدَ مَنْ روى ذلك الحديث من الصحابة ومن تثبت صحبتُه ومن لم تثبت، ورواية الأكابر عن الأصاغِر إلى غير ذلك، وقد تدخل روايةُ الصاحب عن التابع تحت هذا، وتاريخ الرواة.

Bagian 1 dari 54