سنن الترمذي - ط الرسالة

Salah satu Kutubussittah, memuat penilaian derajat tiap hadits, karya Imam at-Tirmidzi (w. 279 H).

Bagian 2 dari 54

— Bagian 2 · ثم قال: والأجرى على واضحِ الطريق أن يقال: إنه تض… —

Bagian 2

ثم قال: والأجرى على واضحِ الطريق أن يقال: إنه تضمن الحديثَ مصنفًا على الأبوابِ، وهو علم برأسه، والفقه علم ثانٍ، وعللَ الأحاديث، ويشتمل على بيانِ الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومَن أدرك النبيَّ ﷺ ممن لم يُدركه ممن أسندَ عنه في كتابه سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث سابع، هذه علومه الجُمْليّة، وأما التفصيلية، فمتعددة. وبالجملة فمنفعتُه كبيرة، وفوائدُه كثيرة. وقال الإمام ابنُ سيد الناس اليَعْمَرِي مُعلقًا على كلام القاضي أبي بكر والإمام ابن رُشيد: ومما لم يذكراه أيضًا ولا أحدُهما: ما تضمنه مِن الشذوذ وهو نوعٌ ثامن، ومن الموقوف وهو تاسعٌ، ومن المُدرج وهو عاشر، وهذه الأنواعُ مما يكثر في فوائده التي تُستجاد منه، وتستفادُ عنه (¬١). وقال الذهبي: وكتابه "الجامع" يدل على تبحُّره في هذا الشأنِ، وفي الفقه، واختلاف العلماء (¬٢). وقال ابنُ الأثير: والترمذي أَحَدُ العلماءِ الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يدٌ صالحة.

وقال أيضًا: وهذا كتابه "الصحيح": أحسن الكتب … ، وفيه ما ليس في غيره: مِن ذكر المذاهب: ووجوهِ الاستدلال، وتبيين أنواعِ الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديلٌ، وفي آخرهِ كتاب "العلل" (¬١). وقال أبو الفتح ابنُ سيد الناس اليَعْمَرِي وابنُ نقطة البغدادي: وذكر عن أبي عيسى قال: صنفتُ هذا الكتاب، وعرضتُه على علماءِ الحجاز، والعراق، وخُراسان، فَرَضُوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلَّمُ (¬٢). قلنا: ولا شكَّ أن الترمذي عَرَضه على العلماء في مُخْتَلِفِ التخصصات الشرعية مِن محدثين وفقهاء، وكلهم رَضُوا به، وأقروه عليه، وهذا يدل على قوة حفظه، ومعرفته بعلوم الحديث، وكذلك على دقته وأمانته في نقل مذاهب الفقهاء، فهو بحقٍّ مُحَدِّث حافِظٌ متقنٌ فقيه. وقال ابنُ عطية: سمعتُ محمدَ بنَ طاهر المقدسي يقول: سمعتُ أبا إسماعيل عبدَ الله بن محمد الأنصاري يقول: كتابُ الترمذي عندي أفيدُ مِن كتاب البخاري ومسلم، قلت: وَلِمَ؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا مَن هو مِن أهل المعرفة التامة

بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كُلُّ أحدٍ من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم (¬١).

تلامذته: وحين بلغ الإمامُ الترمذيُّ الغاية في معرفة حديث النبي ﷺ وما يتعلق به مِن العلومِ، وألَّف كتابه "الجامع" وغيره من تصانيفه رحل إليه طلبةُ العلم من كل حَدَب وصَوب، للأخذِ عنه، والإفادةِ منه، وقراءة مصنفاته عليه، فقد ذكر ابن حبان في "ثقاته" أن أهلَ خراسان رَوَوْا عنه، وأفادوا منه وقال صاحب "الخلاصة": روى عنه خلقٌ مِن أهل سمرقند ونَسَفَ وتلك الديار، وذكر الحافظ المزي في كتابه "تهذيب الكمال" بعض من روى عنه، فبلغوا ستًا وعشرين راويًا، ثم قال بإثر ذلك: هناك رواة آخرون عنه، ونحن نترجم هنا للمشهورين من هؤلاء: ١ - الإمام المحدث، مُفيد مرو، أبو العباس، محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل، المحبوبي المروزي، راوي "جامع" أبي عيسى عنه، قال أبو بكر محمدُ بنُ منصور السمعاني: أبو العباس المروزي كان مزكِّيَ مرو ومعَدِّلَها، ومحدِّثَ أهلِها في عصره، ومقدَّمَ أصحاب الحديث في الثروة والرياسة، وكانت الرحلةُ إليه

في الحديث رحل إلى تِرمذ لِلُقِيِّ أبي عيسى سنة خمسٍ وستين ومئتين (¬١) وهو ابنُ ستَّ عشرة سنة ولد سنة تسعٍ وأربعين ومئتين، وتوفِّيَ في شهر رمضان في السابع والعشرين منه سنة ست وأربعين وثلاث مئة (¬٢)، قال الحافظ أبو بكر بنُ عبد الغني البغدادي: سماعاته مضبوطةٌ صحيحة بخط خاله أبي بكر الأحول (¬٣). قلنا: وعامةُ ما بين أيدينا مِن النسخ الخطية بروايته عن الترمذي. ٢ - الإمام الحافظ الثقة الرَّحَّالُ الأديبُ، أبو سعيد، الهيثم بنُ كُليب بن سريج بن مَعْقِلٍ الشَّاشي التركي صاحبُ "المسند الكبير"، وأصلُه مِن مرو، رحل إلى بغداد وبخارى وبلخ، توفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة (¬٤). قلنا: وهو راوية "الشمائل" للترمذي، فعنه اشتهرَ الكتابُ، وروى أيضًا عنه كتابَ "الجامع" كما أسنده إليه غيرُ واحدٍ من العلماء، فقد سمعه بروايته أبو بكر محمد بنُ خير الإشبيلي، كما جاء في "فهرسته" ص ١١٩، وأبو علي الصدفيُّ كما في "المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي" في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التُّجيبي أبي العباس

ص ٤٦، والقاسم بن يوسف التُّجيبي في "برنامجه" ص ١٠٢ - ١٠٣، وأبو محمد بن عطية المُحاربي الأندلسي صاحب التفسير المشهور "المحرر الوجيز" فقد ذكر في "فهرسته" في ترجمة شيخه أبي علي الصدفي ص ٧٥ أنه أخذ عنه كتاب الترمذي ثم أسنده. ٣ - حمادُ بنُ شاكر بن سَوِيَّة الإمامُ المحدث الصدوقُ، أبو محمد النسفي، أحدُ رواة صحيح البخاري، قال الحافظ جعفر المستغفري: هو ثقة صدوق، رحل إلى الشام، حدثني عنه بكرُ بنُ محمد بن جامع بـ "صحيح البخاري"، توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مئة (¬١). ٤ - الإمامُ العالمُ الحافظُ المتقن، أبو عبد الرحمن، وأبو جعفر، محمدُ بنُ المنذر بن سعيد بن عثمان بن رجاء بن عبد الله بن الصحابي العباس بن مرداس السُّلَمي الهروي، شكَّر الحافظ، كان واسع الرواية، جيد التصنيف. قال الحاكم: حدَّث شكّر بمرو، وطُوس، وسرخس، ومَرْو الرُّوذ، وبخارى، ونيسابور حدَّث بها سنةَ سبع وتسعين ومئتين. مات سنة ثلاث وثلاث مئة وقيل: في سنة اثنتين وثلاث مئة (¬٢). وقال الخليلُ بنُ عبد الله الحافظ: ثقة حافظ، روى عنه الكبارُ مِن أقرانه، لحفظه وأمانته (¬٣).

ت سنة ثلاث وثلاث مئة وقيل: في سنة اثنتين وثلاث مئة (¬٢). وقال الخليلُ بنُ عبد الله الحافظ: ثقة حافظ، روى عنه الكبارُ مِن أقرانه، لحفظه وأمانته (¬٣).

٥ - الحافظ الرحَّال الفقيه، أبو مطيع مكحولُ بنُ الفضل النَّسَفي، صاحب كتاب "اللؤلؤيات" ذكره المستغفري في "تاريخ نَسَف" وذكر أن اسمَه محمدُ بنُ الفضل، ومكحول لقبه، وأنه توفي سنةَ ثمان وثلاث مئة، قال الذهبي: رأيت له مؤلفًا مخرومًا عند الشيخ عبد الله الضرير، وله نظم حسن (¬١). ٦ - الشيخ المُعَمَّر الشهير، أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان، النيسابوري التاجر السفَّار، ابن حسنويه، قال الحاكم: سمع من أبي عيسى الترمذي جملةً من مصنفاته، وكان مِن المجتهدين في العبادة الليلَ والنهارَ، قال: سألته عن سِنّه سنةَ ثمان وثلاثين وثلاث مئة، فقال لي: سِتٌّ وثمانون سنة، وأُدخلتُ الشام سنةَ ست وستين ومئتين، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، وأخرجْتُ مَنْ اسمُه أحمد من شيوخي، فخرَّج مئة وعشرين، قال الحاكم: ورحل إلى الترمذي (¬٢). ٧ - أبو علي الحسينُ بن يوسف بن عبد المجيد البندار الفِرَبري، من شيوخ أبي أحمد بن عدي الجرجاني صاحب "الكامل في الضعفاء" روى عنه في ترجمة الحسن بن دينار، سمع أبا الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني البَيْكندي الحافظ، وجدَّه لأمه أبا منصور الحسين بن علي بن يوسف الفِرَبْرِي (¬٣).

٨ - داود بن نصر بن سهيل بن عبدويه بن يزداذ أبو سليمان البزدوي، أحدُ علماء مدينة نَسَف مات سنةَ ثلاث وعشرين وثلاث مئة، وأخوه أيضًا أبو محمد عبد الله بن نصر بن سهيل البزدوي روى عن الترمذي كذلك (¬١). ٩ - محمد بن سفيان بن النضر، أبو جعفر النسفي، المعروف بالأمين، روى عن البخاري "صحيحهُ"، ذكره المستغفري في "تاريخ نَسَف" (¬٢). ١٠ - نصر بن محمد بن سبرة، أبو محمد الشِّيْرَكَثي، نسبة إلى شِيْرَكَث قرية من قرى نسَف، سمع "الجامع" من أبي عيسى، وأسمعه (¬٣).

أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه: لقد بلغ الإمامُ الترمذي رحمه الله تعالى في العلم مبلغًا عظيمًا، شهد له بذلك جِلّة العلماءِ وأفاضلُهم في عصره، ومن جاء بعده، فقد قال له شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري: ما انتفعتُ بكَ أكثرُ مما انتفعتَ بي (¬٤).

وقال الحافظ أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحّاك السُّلَمي الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، ﵁، صنف كتاب "الجامع"، و"التواريخ"، و"العلل" تصنيفَ رجل عالم متقن، كان يُضرب به المثل في الحفظ (¬١). وقال أبو سَعْد السَّمعاني: أبو عيسى محمد بنُ عيسى بن سورة بن شداد البُوغي الترمذي الضرير، إمام عصره بلا مدافعة، صاحب التصانيف (¬٢). وقال المبارك بن محمد بن الأثير الجزري: أحد الأئمة الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة (¬٣). وقال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر (¬٤). وقال أبو أحمد الحاكمُ: سمعت عمر بن علَّك يقول: مات البخاري، فلم يُخَلِّفْ بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ، والورعِ والزهدِ، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين (¬٥).

وقال الذهبي: محمدُ بنُ عيسى بن سورة الحافظ العَلَمُ، الإمامُ، البارع. وقال في موضع آخر: الحافظ العَلَمُ أبو عيسى الترمذي، صاحب الجامع، ثقة مُجمع عليه (¬١). وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الله: ثقةٌ، متفق عليه، مشهورٌ بالأمانة والعلم (¬٢). وقال يوسفُ بنُ أحمد البغدادي: ولأبي عيسى فضائل تُجْمَعُ وتُروى وتُسمع (¬٣). وقال القاسم بن يوسف التُّجيبي السّبتي: وشهرةُ أبي عيسى المذكور ﵀، وجلالةُ قدره، وكثرةُ حفظه للمتون وعللها والأسانيد واتصالها، وتفننه في كثيرٍ من العلوم، معلومٌ متعارف عندَ أهلِ المشرق والمغرب (¬٤). وقال الحافظ المِزي: أحدُ الأئمة الحفاظ المبرّزين، ومَنْ نَفَعَ اللهُ به المسلمين (¬٥).

وقال محمدُ بن محمد ابن الأثير الجزري أخو المبارك: كان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة (¬١). وقال أبو جعفر بن الزبير: وللترمذي فى فنون الصناعة الحديثية ما لم يُشاركه غيره (¬٢). وقال ابن العماد الحنبلي: كان مبرّزًا على الأقران، آيةً في الحفظ والإتقان (¬٣). وقال علي القاري: الإمامُ الحجةُ الأوحد، الثقةُ الحافظ المتقن (¬٤). وهذا الإمامُ الذي طَبَّقَتْ شهرتُه الآفاقَ، وانتشر كتابُه في ديار الإسلام، وأثنى عليه علماءُ عصره، ومَن جاء بعدهم مِن أهل العلم، لا يضيرُه أن يقولَ فيه أبو محمد بن حزم في كتابه "الإيصال" (¬٥): إنه مجهول، لا يُدرى من هو، لأن هذا يُنادي بنفسه على قائله بقصورِ نظره، وقلةِ اطلاعه، ونزارة علمه في هذا الباب.

وقد ردَّ عليه المحققون مِنْ أهل العلمِ بالحديث، منهمُ الإمامُ ابنُ القطان الفاسي، والإمام الذهبي، والإمامُ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والإمام القاسم بن يوسف التجيبي، وغيرهم. فقد قال ابن القطان: محمدُ بنُ عيسى بن سَورة بن موسى بن الضحاك السُّلَمي الترمذي جهّله بعضُ من لم يبحث عنه، وهو أبو محمد بن حزم، فقد قال في كتاب الفرائض من "الإيصال" - إثرَ حديث أورده -: إنه مجهول، فأوجب ذلك في ذكره من تعيين مَنْ شَهِدَ له بالإمامة، ما هو مستغنٍ عنه بشاهد علمه، وسائر شهرته، فممن ذكره في جملة المحدثين: أبو الحسن الدارقطني، وأبو عبد الله بن البَيَّع [المعروف بالحاكم]، وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَورة الحافظ ثقة متفق عليه، وممن ذكره أيضًا: الأميرُ ابن ماكولا، وابنُ الفَرَضي، وأبو سُليمان الخطابي (¬١). وقال الذهبي: ولا التفاتَ إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب "الإيصال": إنه مجهول، فإنه ما عرفه، ولا دَرَى بوجود "الجامع"، ولا "العلل" اللذين له (¬٢). وقال الإمامُ ابنُ كثير: وجهالةُ ابنُ حزم لأبي عيسى الترمذي لا تَضُرُّهُ حيث قال في محلاه!: ومن محمدُ بنُ عيسى بن سَوْرَةَ؟ فإن

لعلل" اللذين له (¬٢). وقال الإمامُ ابنُ كثير: وجهالةُ ابنُ حزم لأبي عيسى الترمذي لا تَضُرُّهُ حيث قال في محلاه!: ومن محمدُ بنُ عيسى بن سَوْرَةَ؟ فإن

جهالتَه لا تَضَعُ مِن قدره، عند أهل العلم، بل وَضَعَتْ منزلَة ابن حزم عند الحفاظ. وكَيْفَ يَصِحُّ في الأَذْهانِ شَيءٌ … إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَليل (¬١) وقال الحافظ ابن حجر: وأما أبو محمد بن حزم، فإنه نادى على نفسه بعدمِ الاطلاع، فقال في كتاب الفرائض من "الإيصال": محمد بن عيسى بن سورة مجهول، ولا يقولَنَّ قائل: لعله ما عرف الترمذي، ولا اطَّلع على حفظه، ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلقٍ مِن المشهورين مِن الثقات الحفاظِ كأبي القاسم البغوي، وأبي العباس الأصم، وإسماعيل بن محمد الصفّار، والعجبُ أن الحافظ ابن الفرضي ذكره في كتابه "المؤتلف والمختلف" ونبّه على قدره فكيف فات ابنَ حَزْمٍ الوقوفُ عليه فيه؟ (¬٢) وقال القاسم بن يوسف التُّجيبي السَّبتي بعد أن بَيَّنَ فضل الترمذي وعلومه وشهرته: ولا يضرُّه جَهْلُ مَنْ جَهِلَهُ، وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الظاهري، فإنه وهم فيه وهمًا بيّنًا، وسها سهوًا ظاهرًا، فقد قال في كتاب الفرائض من إيصاله إثر حديث أورده فيه: إن أبا عيسى الترمذي مجهول لا يعرف، وهذه هفوة لا تُوصف (¬٣).

رأيُ الإمَامِ التِّرمذيِّ في مَسْأَلةِ الأسماءِ والصِّفَاتِ: إنَّ مسألةَ الأسماءِ والصفاتِ تُعدُّ مِن أجلَّ وأعظمِ ما تُكلم فيه مِن أصول الاعتقاد، وقد اختلفت فيها مقالاتُ الإسلاميين، فمنهم مَنْ قال بالنفي المحض، ومنهم من أقرَّ بأسماء الله في الجملة ونفى الصفات، ومنهم من أقرَّ بالأسماء والصفات، لكن تأوَّل طائفةً منها وصرفها عن ظاهرها لدليل قام عنده، ومنهم مَنْ ذَهَبَ إلى الإيمان بكل ما وَرَدَ في كتاب الله وصحيح السنة مِن الأسماءِ والصفات، وإمرارها على ظاهرها، ونفي الكيفيةِ والتشبيه والتمثيل عنها، فهو ﷾ لا يُشبه شيءٌ مِن صفاته صِفات الخَلْقِ، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأصحابُ هذا القول هم سلفُ الأمة، وعلماءُ السنة، تلقَّوها جميعًا بالإيمانِ والقبول، وتجنبوا فيها التمثيلَ والتأويلَ، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله. والإمام الترمذي يجري في مضمارِ هذا الرأي الأخير، ويتقلَّدُ قولَ القائلين بهِ مِن أهل السنة والجماعة، ويرتضيه ويدينُ به. فقد قال ﵀ بإثْرِ حديثِ أبي هريرة المرفوع الذي أخرجه في "الجامع" برقم (٦٧٠) "إنّ اللهَ يقبلُ الصدقةَ ويأخذُها بيمينه، فيُرَبِّيها لأحدكم كما يُربي أحدُكُم مُهْرَهُ … ": هذا حديثٌ صحيح، وقد رُوي عن عائشة عن النبيَّ ﷺ نحوُ هذا، وقد قال غيرُ واحدٍ من أهلِ العلم في هذا الحديثِ وما يُشْبِهُ هذا من الروايات والصفات،

ونزولِ الربِّ ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الرواياتُ في هذا، ويُؤمَنُ بها، ولا يُتَوهَّمُ، ولا يُقالُ: كَيْفَ. هكذا رُوي عن مالكٍ، وسفيانَ بنِ عُيينة، وعبدِ الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قولُ أهلِ العلم مِن أهل السنة والجماعة، وأما الجهميةُ، فأنكرتْ هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر اللهُ ﷿ في غير موضع مِن كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهميةُ هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهلُ العلم، وقالوا: إن الله لم يَخْلُقْ آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوة. وقال إسحاق بنُ إبراهيم: إنما يكون التشبيهُ إذا قال: يَدٌ كيدٍ أو مثلُ يدٍ، أو سمعٌ كسمعٍ أو مثلُ سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمعٍ أو مثلُ سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، ولا يقولُ: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقال بإثر حديث أبي هُريرة الطويل (٢٥٥٧): وقد رُوي عن النبيَّ ﷺ روايات كثيرة مثلُ هذا ما يذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناسَ يرون ربَّهم، وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عِنْدَ أهلِ العلم مِن الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عُيينة، ووكيع، وغيرهم: أنهم رَوَوْا هذه

الأشياء، ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث، ونُؤمِن بها، ولا يُقالُ: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهلُ الحديث أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت، ويُؤمَنُ بها، ولا تُفسَّرُ، ولا تُتوهم، ولا يقال: كيف، وهذا أمرُ أهلِ العلم الذي اختاروه، وذهبوا إليه. مَذْهَبُه في التَّفَقُّهِ وهَلْ كَانَ ينتسِبُ إلى أَحَدِ الأئمة المَتْبُوعِيْنَ، ويَأْخُذُ بأقوالِه، ويَعْتَمِدُ عَلَيْهَا؟ إن جامع أبي عيسى حافل بنقل المذاهب الفقهية، وأقاويل الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة المتبوعين، وغيرهم من أصحاب المذاهب المعروفة في عصره، مثل الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام، وسفيان الثوري إمام أهل العراق، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه إمام أهل خراسان، وعبد الله بن المبارك، فهو يُعَدُّ من المراجع الأصيلة في مذاهب العلماء واختلافِ المجتهدين، وهو أقدم مصنف وصل إلينا عن أوجه الخلاف. فقد قال العلامة أبو الحسن الندوي ﵀: وكان الترمذي مِن أول من طَرَق موضوع ما يُسميه الناسُ اليوم بالفقه المقارن، وكان له فضل كبيرٌ يجب أن تعترف الأمةُ به في حفظه لِفقه المدارس الاجتهادية في عصره، ولولاه لضاعَ منه الشيء الكثير، وعفا عليه الزَّمانُ، وتلك خصيصة لجامعه تفرد بها من بين

مصنفات الحديث والسنة، فهو مِن أوثق المراجع وأقدمِها في الخلاف سيما في معرفة المذاهب المهجورة، كمذاهب الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وكان من حسناته أنه حفظ للمتأخرين مذهب الشافعي القديم. ولم يكن التقليدُ شائعًا في العصر الذي كان فيه الترمذي كما هو عليه الآن من الالتزامِ الكامل للمذهب، بل كان العالمُ المتمكِّن يبحث في المسألة الخلافية، ويطَّلع على الأدلة، ويوازنُ بينها، ثم يأخذ بما هو أقربُ إلى الصواب، سواءٌ وافقَ الإمامَ الذي التزم مذهبه أو خالفه. ومن هنا نجد الإمام الترمذي يقف في جامعه من المذاهب والآراء موقف المحتكم إلى السنة النبوية، والاستدلال بها، فيرجح منها ما شهد له الحديثُ الصحيح، أو كان دليلُه أقوى في نظره حين ينقدح في ذهنه وجه الترجيح، ولا يلتزم مذهبًا معينًا، بل هو دائر مع قوة الدليل، شأنه في ذلك شأن علماء عصره الذين لم يكونوا يرضَون لأنفسهم التقليدَ، لا حفاظُ الحديث، ولا أئمة الفقه، فهو يَسْرُدُ المذاهبَ، ثم يُرجح بينها، فهو في هذا مُتَّبع، وهي منزلة بين التقليد، وبين الاجتهاد، وعليه يُمكننا أن نقول: إن اجتهاد الترمذي في مرتبة الترجيح على طريقة أهل الحديث. وهو يقصد بقوله: أصحابنا، الفقهاء المجتهدين من أهل الحديث، كمالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وفي "الجامع" أمثلة غير قليلة تدل على ذلك.

وقد نَسَبه بعضُهم إلى الإمام الشافعي، فإن صحَّ ذلك عنه، فيكون قد ارتضى منهجَه في الاستدلال، وطريقتَه في التفقه، لا أنه يأخذ بجميع أقواله، وهذا بيِّن في المسائل المُدْرَجة في "الجامع"، فقد خالف في غير مسألة منها رأيَ الإمام الشافعي، وأخذ بقولِ غيرهِ.

الطريقةُ التي اتَّبعها التِّرْمِذِيُّ في نقلِ مَذَاهِبِ الأَئِمَّة: ويُعَوِّلُ الإمام الترمذي في نقل أقاويل الأئمة الفقهاء ومذاهبهم على الأسانيد جريًا على الطريقة المتبعة عندَ أهلِ الحديثِ، لتوثيق المنقولات، وقد سرد في كتاب العلل الذي في آخر الجامع الأسانيد التي اعتمدها وعوّل عليها في ذلك. فقال عن قول سفيان الثوري، فأكثرُه ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي، حدثنا عُبيد الله بنُ موسى، عن سفيان الثوري. ومنه ما حدثني أبو الفضل مكتومُ بن العباس الترمذي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان. وما كان فيه من قول مالك بن أنس، فأكثره ما حدثني به إسحاقُ بن موسى الأنصاري، حدثنا معنُ بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس. وما كان فيه من أبواب الصوم، فأخبرنا به أبو مصعب المدني، عن مالك بن أنس. وبعض كلام مالك ما أخبرنا به موسى بن حِزام، أخبرنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس.

وما كان فيه من قولِ ابنِ المبارك، فهو ما حدثنا به أحمدُ بن عَبْدة الآمُلي، عن أصحابِ ابن المبارك، ومنه ما روي عن أبي وهب محمد بن مزاحم، عن ابن المبارك، ومنه ما روي عن علي بن الحسن بن شقيق، عن عبد الله، ومنه ما روي عن حِبّان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك. وله رجال مُسمَّون سوى مَن ذكرنا عن عبد الله بن المبارك. وما كان فيه مِن قول الشافعي، فأكثرُه ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي، وما كان من الوضوء والصلاة فحدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي، ومنه ما حدثنا به أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البُوَيطي، عن الشافعي، وذكر منه أشياء عن الربيع، عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا. وما كان فيه مِن قول أحمدَ بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فهو ما أخبرنا به إسحاقُ بن منصور الكَوْسَجُ، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب الحج والديات والحدود، فإني لم أسمعه مِن إسحاق بن منصور، وأخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق، وبعضُ كلام إسحاق بن إبراهيم [وهو نفسه ابن راهويه] أخبرنا به محمد بن أفلح، عن إسحاق، وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف. وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجتُه مِن كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به

محمدَ بنَ إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن (يعني الدارمي) وأبا زرعة (يعني الرازي)، وأكثر ذلك عن محمد، وأقلُّ شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة، ولم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ أعلمَ من محمد بن إسماعيل ﵀. قلنا: وهذه الأسانيد قد استوفى دراستها الدكتور نور الدين عتر في بحث خاص في كتابه "الإمام الترمذي" ص ٣٩٢ - ٤٠٨، وانتهى به البحث إلى صلاحية تلك الأسانيد للاحتجاج بها في نقل المذاهب الفقهية عن الأئمة التي نقلت مذاهبهم بالأسانيد المذكورة إليهم.

اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الكَرَاهَةِ والكَرَاهِيَةِ عندَ الإمامِ الترمذيِّ: قد أكثر الإمامُ الترمذيُّ مِن استعمال لفظ الكراهة والكراهية في تراجم الأبواب من كتابه "الجامع". فقال: بابُ كراهية الاستنجاء باليمين، وقال: باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل، وقال: باب ما جاء في كراهيةِ النومِ قبلَ العشاء، وقال: باب في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، وقال: باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء، وقال: باب ما جاء في كراهية أن يُبادَرَ الإمامُ في الركوع والسجود … وهو ﵀ لم يُرِدْ بهذا اللفظ ما هو المشهور عند المتأخرين أنه للتنزيه وترك الأولى، بل أراد معنى شاملًا للتنزيه والحُرمَةِ، وقد جاء هذا اللفظ في كلام المتقدمين بمعنى الحرمة كثيرًا.

وقد عقد الإمام ابن القيم فصلًا في غاية النفاسة في هذا الباب نقل فيه عن الأئمة المتقدمين إطلاقهم لفظ الكراهة على ما هو حرام (¬١). قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم يكن مِن أمرِ الناس، ولا مَن مضى من سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره ذا، ونرى هذا حسنًا، فينبغي هذا ولا نرى هذا، وقال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهُه ولا أقولُ: هو حرام، ومذهبُه تحريمُه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم، لأجل قول عثمانَ. وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثرُ مالِ الرجل حرامًا، فلا يُعجبني أن يؤكل مالهُ، وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكلُ ما ذُبِح للزُّهرة ولا الكنيسة، وكل شيء ذُبِحَ لغير الله، قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فتأمل كيف قال: لا يعجبني في ما نصَّ الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه. وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروه، فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا، لم يُطلق عليه لفظ الحرام.

وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ أنه إلى الحرام أقربُ. وقد قال في "الجامع الكبير": يُكره الشربُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومرادُه التحريم، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النومُ على فراش الحرير والتوسُّد على وسائده، ومرادُهما التحريم. وأما أصحابُ مالك، فالمكروه عندهم مرتبة بينَ الحرام والمباح، ولا يُطلقون عليه اسمَ الجوازِ، ويقولون: إن أكل كلّ ذي ناب من السَّبُعِ مكروه غيرُ مباح. وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا وهو حرام. وقد نص الشافعيُّ على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنى ولم يقل قطُّ: إنه مباح ولا جائز، والذي يليقُ بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجلَّه الله به مِن الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة، لأن الحرام يكرهه اللهُ ورسولُه، وقد قال الله سبحانه عقيبَ ذكر ما حرمه مِن المحرمات مِن عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] إلى قوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].

وفي الصحيح: "إنَّ الله كَرِهَ لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤالِ وإضاعة المال"، فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استُعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من فعله.

لسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استُعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من فعله.

مصنفاته: وقد ألف الإمامُ الترمذي كتبًا عديدةً في خدمةِ السُّنَّةِ النبوية، أبانت عن إمامته، وغزارة علمه، ورسوخِ قدمه في هذا العلم الشريف، وقد ملأها من علوم شيوخه وأقوالهم، ونقلها بأسلوبٍ غاية في الوضوح، وطريقة سهلة، بحيث قرّبت هذا العلم إلى كل طالب علم، وجعلته في متناول اليد. ومن مصنفاته: ١ - الجامع، وقد فصلنا القول فيه في مبحث مفرد، سيأتي قريبًا. ٢ - العلل الصغير: وهو كتاب مُهِمٌّ أبان فيه الترمذيُّ عن منهجه في كتابه "الجامع" وهو من الضرورة بمكان، بحيث لا يستغني عنه كلُّ من يُطالع كتابه "الجامع". وقد شرحه الحافظ ابنُ رجب الحنبلي شرحًا مفيدًا لِطلبة العلم والمتخصصين في علم الحديث والعلل. وهو جزء مِن شرحه على كتاب "الجامع" للترمذي، وسنتكلم عليه بشيء من التفصيل عند الحديث عن شروح "الجامع"، وقد طُبِعَ بتحقيق الدكتور نور الدين عتر، ونشر في دار الملاح في دمشق.

٣ - العلل الكبير، وهو من كتبه المهمة المفيدة، ضمنه الكلام على علل الأحاديث مما سأل عنه شيخَه محمدَ بنَ إسماعيل البخاري، وأبا زرعة الرازي، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأكثره للبخاري، وبعضُه لأبي زرعة والدارمي وشيء مِن أقواله هو، وهو كما ألفه الترمذي مفقودٌ، والموجودُ إنما هو بترتيب فقيه عصره في علم الخلاف القاضي أبي طالب محمود بن علي الأصفهاني الشافعي المتوفَّى سنة (٥٨٥ هـ)، رتَّبه على الأبوابِ الفقهية، فجاء في (٤٢٨) بابًا، وقد طُبعَ بتحقيق الأستاذ حمزة ديب مصطفى، ونشر في مكتبة الأقصى، بعمَّان سنة ١٤٠٦ هـ. ٤ - تسميةُ أصحاب رسول الله ﷺ، طبع بتحقيق الأستاذ عماد الدين أحمد حيدر، في دار الجنان في بيروت سنة ١٤٠٦ هـ. ٥ - الشمائل النبوية، طبع أكثر من طبعة، وله شروح كثيرة زادت على الأربعين بعضها مطبوع، وقد ذكرها فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي" فليراجع. وقد ذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم عدة كتب للإمام الترمذي لم تقع لنا، ولا نعلم هَلْ هي مركوزة في بعض المكتبات في العالم، أو أنها مما ضاع واندثر، منها كتاب "الزهد"، وكتاب "التاريخ"، و"الأسماء والكنى"، و"التفسير"، و"الرباعيات" وكتاب في "الآثار الموقوفة".

وَفَاتُهُ: توفي الإمامُ الترمذيُّ لثلاث عشرة ليلةً مضت من رجب سنةَ تسعٍ وسبعين ومئتين كما قال غيرُ واحدٍ من العُلماء، منهم أبو العباس المستغفري المؤرخ الكبير، ومحمدُ بنُ أحمد غنجار الحافظ في "تاريخ بُخارى"، ويوسفُ بنُ أحمد البغدادي الحافظ، والحافظُ ابن ماكولا وابن الأثير الجزري صاحب "جامع الأصول"، وغيرهم. وذكر السمعاني في "الأنساب" في نسبة البوغي أنه توفي سنة خمس وسبعين، وفي نسبة الترمذي أنه توفي سنة نيّف وسبعين، وقال الخليلي: مات بعد الثمانين، والصحيح هو الأول، وعليه اقتصر الحفّاظُ أبو القاسم الإسعردي في "فضائل الكتاب الجامع"، وأبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" وابنُ حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" وصوَّبه الحافظ ابن نقطة في "التقييد" في ترجمة الإمام الترمذي. وكانت وفاته في قرية بُوغ إحدى القُرى التابعة لِتِرمذ على ستة فراسخَ منها، وقال بعضُ مترجميه: إنه توفي بترمذ ولعل قائل ذلك قد تجوَّز، فذكر المدينة التي تعرف بها قريته.

التَّعريف بكِتَاب الجَامع عنوان الكتاب: قد اختلف أهل العلم في تسمية هذا الكتاب على أقوال: ١ - "الجامعُ الكبير"، سمَّاه بذلك محمدُ بن محمد ابن الأثير صاحب "الكامل" في التاريخ، والوادي آشي، وهو الموجودُ في أصولنا الخطية، أحدُها بخط أبي الفتح الكروخي راويه عن المشايخ: التِّرياقي والغُورجي والأَزْدي، عن أبي محمد الجرَّاحي، عن أبي العباس المحبوبي، عن أبي عيسى الترمذي، وهو الذي اعتمدناه، وثبتناه في طبعتنا هذه. ٢ - "الجامع"، سمَّاه بذلك الحافظ أبو سعدٍ الإدريسيُّ والسمعاني والمباركُ بنُ محمد ابن الأثير صاحب "جامع الأصول"، والمُؤْتَمَنُ الساجي الذي روى هذا الكتاب مع الكروخي وسمعه أيضًا من المشايخ الثلاثة المذكورين، وكذا سماه غُنجار صاحب "تاريخ بخارى"، والذهبي، وابنُ كثير، والعراقي، وابن حجر العسقلاني، والقاسمُ بنُ يوسف التُجيبي، وابنُ نقطة البغدادي صاحب "التقييد" و"تكملةُ الإكمال"، وابنُ سيد الناس، وابن تغردي بردي. ٣ - "السنن"، سماه بذلك الحافظُ ابنُ كثير، وابنُ عطية صاحب التفسير المعروف بـ "المحرر الوجيز"، واشتهر به بَيْنَ أهلِ

العلم، كانتشارِ سنن أبي داود وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي. ٤ - "الجامع الصحيح"، سماه بذلك أبو عبد الله الحاكم، وأبو بكر البرقاني (¬١). ٥ - "الصحيح"، سماه بذلك الخطيبُ البغداديُّ، وابنُ الأثير المبارك بن محمد، وابن النديم صاحب "الفهرست"، وابنُ الأبار القُضاعي، والسَّمعانيُّ، وطاش كبري زاده، وفي هذا الإطلاق ضربٌ من التجوّز، ونوعٌ من التساهل، فليس يُوجد نص عن الإمام الترمذي أنه التزم فيه الصحةَ، بل فيه أحاديثُ غيرُ قليلة ضعيفة، نبّه هو على ضعفها. وسوّغ هذا الإطلاقَ بعضُهم، بأن ما فيه مِن الصحيح والحسن، ومجموعُهما أكثرُ من الضعيف، فيكون المرادُ بهذا الإطلاقِ أغلبَ ما فيه. قال ابنُ كثير: وكانَ الحاكمُ أبو عبد الله، والخطيبُ البغدادي يُسميانِ كتاب الترمذي "الجامع الصحيح"، وهذا تساهلٌ منهما، فإن فيه أحاديثَ كثيرة منكرة! (¬٢). وقال السيوطي: ومَنْ أطلق عليهما الصحيح، كقولِ السِّلَفي في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها علماءُ المشرق والمغرب،

وكإطلاق الحاكم على الترمذي "الجامع الصحيح"، وإطلاق الخطيب عليه وعلى النسائي اسم الصحيح، فقد تساهل (¬١). ويقول صاحب "كشف النقاب" ص ١٠٥: وقد اشتهر الكتابُ باسم جامع الترمذي، لاشتماله على السير والآداب والتفسير والعقائد والفتن والأحكام والأشراط والمناقب، لأنَّ هذه الأبواب إذا وُجِدَتْ في كتابٍ يُطلق عليه اسمُ الجامع عند المحدثين، وتسميةُ الكتابِ بهذا الاسم أولى، لأنه يَشْمَلُ الأبوابَ الثمانية، ويَشْمَلُ الصحيحَ وغَيْرَهُ، وإذا قلنا له: سُنن الترمذي، فهو باعتبار أن فيه أحاديث الأحكامِ مرتبةً على ترتيب أبوابِ الفقه، وتكون هذه التسمية تجوّزًا باعتبار تسميةِ الكلِ ببعضِ أجزائه، حيث إن فيه أحاديث الأحكام وغيرها كما ذكرنا. وقد ورد اسم الكتاب في نسخة تشستربيتي التي بين أيدينا في القطعة التي هي برواية أبي حامد التاجر وأبي ذر الهروي، كلاهما عن الترمذي في لوحة العنوان هكذا: "الجامعُ المختصر من السنن ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل" وسيأتي بسطُ الكلام عليه وكذلك سماه ابنُ خير الإشبيلي في "فهرسته" (¬٢). ولم نَقف على نص يشير إلى الزمن الذي ابتدأ فيه الإمام الترمذي بتأليف كتابه الجامع، وكذلك لم يَنُصُّ أحد على المدة

التي استغرقها هذا التأليفُ، إلا أننا وقفنا على نص يدل على تاريخ الفراغ من تأليفه، فقد ذكر ابن نقطة البغدادي في "التقييد" له ١/ ٩٥ والإسعردي في كتابه "فضائل الكتاب الجامع" ص ٣٢ أن الإمام الترمذي ﵀ قد فَرَغَ مِنْ تصنيف كتابِ الجامع يومَ الأضحى من سنة سبعين ومئتين، أي قبلَ وفاته بتسعِ سنوات. لكن يخدِش هذا أن أبا العباس المحبوبي قال: إنه قد سَمِعَ من الإمام الترمذي كتاب الجامع سنة خمس وستين ومئتين وكان عمره إذ ذاكَ ستَّ عشرة سنة (¬١).

ات. لكن يخدِش هذا أن أبا العباس المحبوبي قال: إنه قد سَمِعَ من الإمام الترمذي كتاب الجامع سنة خمس وستين ومئتين وكان عمره إذ ذاكَ ستَّ عشرة سنة (¬١).

منزلة الجامع العلمية مِن بين الكتب الستة: لا زالَ العلماء على مرِّ العصور والأزمان يُقرُّون ويُكْبِرُون كتابَ الترمذي "الجامع"، ويشهدون بِحُسْنِ تصنيفه وترتيبه، ويسلِّمون بأنه لم يُؤلَّفْ على غِراره، ولم يُنسج على مِنواله، فقد تميَّز بأمورٍ استحق بها ذلك الشرف والفضل، وهو يمثل ثقافة الإمام الترمذي بحق. وقد عرضه الإمامُ الترمذي بعدَ فراغه مِن تصنيفه على علماء عصره فَقَبِلُوه، فقد قال: صنفتُ هذا الكتابَ فعَرضتُه على علماءِ الحجاز، فرضُوا به، وعرضتُه على علماءِ العراق، فرضُوا به، وعرضتُه على عُلماء خراسانَ، فرضُوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيُّ يتكلم (¬٢).

وقال في "العلل الصغير": جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمولٌ به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ذكرهما قال الحافظ ابنُ رجب: وكأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديثُ الأحكام. وقال محمدُ بنُ طاهر المقدسي: سمعتُ الإمام أبا إسماعيلَ عبدَ الله بن محمد الأنصاري بِهراة (¬١) وجرى بين يديه ذكرُ أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابُه عندي أنفعُ مِن كتابِ البخاري ومسلم، لأن كتابي البخاري ومسلم لا يَقِفُ على الفائدة منهما إلا المتبحرُ العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كُلُّ أحد من الناس (¬٢). وقال الحافظ يوسف بن أحمد البغدادي: لأبي عيسى فضائل تُجمع وتُروى وتُسمع، وكتابُه من الكتب الخمسة التي اتفق أهلُ العَقْدِ والحلِّ والفضلِ والفقهِ مِن العلماء والفقهاء وأهل الحديث النبهاء على قبولها والحكمِ بصحة أصولها، وما ورد في أبوابها وفصولها (¬٣).

وقال الحافظ أبو القاسم الإسعردي: وبعد، فإن علمَ الأثرِ أشرفُ العلوم في المَعاد، وأرجاها عندَ ربِّ العباد، وله أئمةٌ وجهابِذة ونقَّاد، عدَّلوا رجالَه وجرَّحوا، وشرحوا ألفاظه وأوضَحوا، فكان مِن أجلِّهم تأليفًا الإمامُ أبو عيسى الترمذي، اشتمل كتابُه على فقهِ الحديثِ وعلله، وبيانِ المجروحين من رجاله، وتعديلِ نَقلَته (¬١). وقال الحافظ محمد بنُ طاهر أبو الفضل المقدسي: وأما أبو عيسى الترمذي ﵀، فكتابه وحدَه على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسمٌ على شرط الثلاثة دونهما، وقسم أخرجه للضدِّية وأبانَ عَن عِلته ولم يُغْفِلهُ، وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجتُ في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وهذا شرط واسعٌ، فإن على هذا الأصلِ كُلُّ حديثٍ احتجَّ به محتجٌ، أو عَمِلَ به عامل أخرجه، سواء صحَّ طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كُلٍّ بما يقتضيه (¬٢). وقال الحافظ أبو بكر محمدُ بن موسى الحازمي: وفي الحقيقة شرطُ الترمذي أبلغُ من شرط أبي داود، لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه مِن حديثِ أهلِ الطبقة الرابعة، فإنه يُبيِّن ضعفه ويُنبِّه

لحازمي: وفي الحقيقة شرطُ الترمذي أبلغُ من شرط أبي داود، لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه مِن حديثِ أهلِ الطبقة الرابعة، فإنه يُبيِّن ضعفه ويُنبِّه

عليه، فيصير الحديث عنده مِن باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتمادُه على ما صح عند الجماعة (¬١). وقال الحافظ أبو عمر بنُ عبد البر النَّمَرِي: ثلاثةُ كتب مختصرة في معناها أوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، والأحكام في القرآن لابنِ بُكير، ومختصر ابن عبد الحكم (¬٢). وقال الحافظ أبو إسماعيل الهروي: كتابُ الترمذي أحسنُ كتاب صُنف في الإسلام، وأقربُه مأخذًا لاهتداء المرءِ لما يُريده سريعًا بلا مشقة، وكلامه على فقه الحديث الذي يورده فيه حسن (¬٣). وقال أبو السعادات ابنُ الأثير الجزري: وهذا كتابُه "الصحيح" أحسنُ الكتب، وأكثرُها فائدةً، وأحسنُها ترتيبًا، وأقلُّها تكرارًا، وفيه ما ليسَ في غيره من ذكر المذاهب ووجوهِ الاستدلالِ، وتبيينِ أنواعِ الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديل، وفي آخره كتاب "العلل" قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرُها على مَنْ وقف عليها (¬٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وليس في قدر كتاب أبي

عيسى مثله، حلاوةَ مَقْطَع، ونفاسة مَنزِع، وعذوبةَ مَشْرعَ، وفيه أربعةَ عشر علمًا فرائد: صنَّف، وذلك أقربُ إلى العمل، وأسندَ وصحح، وأشهر وعَدَّدَ الطرق، وجرَّح وعدَّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضحَ المعمولَ به والمتروكَ، وبَيَّن اختلافَ العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله وكُلُّ علم من هذه العلوم أصل في بابه، فرد في نصابه. وقال أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد: والأجرى على واضح الطريق أن يقال: إنه تضمَّن الحديثَ مصنفًا على الأبواب، وهو علمٌ برأسه، والفقه علم ثانٍ، وعلل الأحاديث، ويشتمل على بيانِ الصحيح من السقيم، وما بينهما مِن المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومن أدرك النبي ﷺ ممن لم يُدركه ممن أسْنَدَ عنه في كتابه سادس، وتعديدُ من روى ذلك الحديثَ سابع. هذه علومه الجُمْليّة، وأما التفصيلية فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كبيرة، وفوائده كثيرة (¬١). وقال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس: ولما كان كتابُ الجامع للإمام أبي عيسى "الترمذي الحافظ ﵀ ورَضِيَ عنه - هو الذي أبْدَعَ جامعه وما أبعد، والذي حَظِيَ بتعداد هذه العلوم، فكان بها مِن غيره أقعد، فذَلَّلَ جوامِحَها، وسهَّلَ طوامِحَها، وأرسلَ

لَواقحها، وأسالَ بأعناقِ المَطيِّ أباطِحَها، واستلانَ صعبَها، وأبان لمن ظن بُعدها قُرْبَها (¬١). وقال ابنُ كثير: وكتابُ "الجامع" أحدُ الكتب الستة التي يرجِعُ إليها العلماءُ في سائر الآفاق (¬٢). وقال الحافظ الذهبي: وكتابُه "الجامعُ" يَدُلُّ على تبحره في هذا الشأنِ، وفي الفقه، واختلافِ العلماء (¬٣)، وقال في موضع آخر: "جامِعُه" قاضٍ له بإمامتهِ وحفظه وفقهه (¬٤). وقال في موضع آخر: في "الجامعِ" علمٌ نافع، وفوائدُ غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحدُ أصول الإسلام (¬٥). وقال الحافظ أبو طاهر السَّلَفي: الكتُب الخمسة اتفق على صِحتها علماءُ المشرق والمغرب (¬٦). وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ (¬٧): كتاب الترمذي يمتاز بأمور ثلاثة لا تجدها في شيءٍ من كتب السنة الأصول الستة أو غيرها:

أولها: أنه بعد أن يرويَ حديثَ البابِ يذكر أسماء الصحابة الذين رُويت عنهم أحاديثُ فيه. ثانيها: أنه في أغلب أحيانه يذكر اختلافَ الفقهاءِ وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرا ما يُشير إلى دلائلهم، ويذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة وهذا مَقْصِدٌ من أعلى المقاصد وأهمها، إذ هو الغاية الصحيحة من علوم الحديث: تمييز الصحيح من الضعيف للاستدلال والاحتجاج، ثم الاتباع والعمل. ثالثها: أن الترمذي يُعنى كُلَّ العناية في كتابه بتعليل الأحاديث، فيذكر درجته من الصحة أو الضعف، ويُفَصِّلُ القولَ في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا، وعن ذلك صار كتابُه هذا كأنه تطبيق عملي لقواعدِ علوم الحديث خصوصًا علم العِلَلِ، وصار أنفعَ كتابٍ للعالم والمتعلم، وللمستفيد والباحث في علوم الحديث. وقال صاحب "كشف النقاب" (¬١): ويجدرُ بنا أن نذكر ملخَّصَ ما كتبه شيخنا العلامة المرحوم [يعني الشيخ المحدث محمد يوسف البِنَّوري] في مقال نشر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (٣٢ - ٣٠٨) فقال ما معناه: إن لِكُل كتابٍ من الأمهات الست مزيةً لا تُوجَدُ في غيره، وبها تقع المزيةُ، ولا تكاد تُوجد مزيةٌ مطلقة لِكل كتاب مِن كل جهة، وفيما يلي ذِكْرُ خصائصِ الترمذي في كتابه:

الأمهات الست مزيةً لا تُوجَدُ في غيره، وبها تقع المزيةُ، ولا تكاد تُوجد مزيةٌ مطلقة لِكل كتاب مِن كل جهة، وفيما يلي ذِكْرُ خصائصِ الترمذي في كتابه:

الأول: أنه جَمَعَ في كتابه ثماني أنواعِ من السُّننِ النبوية من: ١ - العقائد وأصول الدِّيانة. ٢ - الأحكام الشرعية مِن العبادات والمعاملات، وحقوق الناس. ٣ - تفسير القرآن الكريم. ٤ - الآداب والأخلاق. ٥ - السيرة النبوية وشمائل الرسول ﷺ. ٦ - مناقب أصحاب رسول الله ﷺ. ٧ - أبواب التذكير والموعظة من "الترغيب والترهيب"، أي: الرقائق وكتابه من أحسن ما أُلِّف في هذا الباب. ٨ - أشراط الساعة وعلاماتها. وإن كتاب الترمذي، وإن شاركه في ذلك كُلِّه كتابُ البخاري، لكن تشدده في شروط الصحة حالَ دونَ توسُّعه في جميعِ الروايات، وسَرْدِ كل ما له صلةٌ بالموضوع. وبذلك قد ضاق عليه نِطاقُ موضوعه الواسع. الثاني: أنه جَعَلَ كتابه نافعًا بحكمه على الأحاديث بالصحة والحسن والغرابة والضعف، وبذلك قد تدارك أيضًا عدمَ التزامه الشروطَ الخاصة في التخريج. الثالث: أنه تَصَدَّى لبيانِ مذاهبِ الأئمة، وتعاملِ الأمة، وببيان هذا الاختلاف يكادُ يُغني عن الكتبِ المؤلَّفَةِ الخاصةِ في الخلاف، وبه يُعْلمُ حالُ تلقي الأمة لتلك الروايات الحديثية، وكذلك يُعثِرنا

على المذاهب المهجورة كمذهب الأوزاعي والثوري وإسحاق المروزي [وهو ابن راهويه]. الرابع: أنه جعل الأحاديثَ المتعارضة في بابِ الأحكام في بابين، وقسم مذاهبَ فقهاء الأمة قسمين، وخصَّ كل قسم ببابٍ مفرد، وذكر فيه الحديثَ المحتَج به للمسألة، وربما يُؤيِّدُ أحد القِسمين، ويرجح تفقهًا أو تحديثًا أو تعاملًا، أو يجمعُ بينهما. الخامس: أنه يذكر أسماءَ مَنْ ذكر في الإسناد بالكُنى، وتارة عكس ذلك. السادس: أنه زادَ باب الجرح والتعديل بعد تخريج الروايات، وبذلك تدارك عدم التزامه ما التزمه الشيخانِ والنسائي وأبو داود. السابع: أنَّه ربما يعرض لأبحاثِ الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وما إلى ذلك مِن علوم عِلَلِ الحديث، والفوائد الإسنادية، وبهذا كافأ ما عندَ غيره مِن الاعتبارات والشهادات مِن علوم المحدثين وآدابهم في مصنفاتهم. الثامن: أنه يكتفي في غالبِ الأبوابِ بحديثٍ واحدٍ بطريق واحدة، وخصوصًا في أحاديث الأحكام، ولذا قلَّت عنده مادةُ أحاديث الأحكام، وقد تَداركَه بالإشارة إلى أسماءِ مَنْ روى مِن الصحابةِ حديثًا في ذلك الموضوعِ، أو ما يُلائمُ ذلك المتن، ويُعلَم بذلك عَدَدُ الرواة مِن الصحابة لذلك الحديث، وهذه مِيزة بديعة لكتابهِ ترتاحُ لها الأذواقُ القديمة والأفكارُ الحديثة جميعًا في وقت واحد.

التاسع: أنه ربما يأتي بتأويل وتفسير للأحاديث المشكلةِ مِنِ عند نفسه، أو مِن كلام غيره من أئمة الفن. العاشر: أنه يسرُد في الأبوابِ الأحاديثَ الغريبةَ، ويترك الأحاديث الصحيحة السائرة بينَ الناس ثم يُشير إليها بما في الباب، ويفعلُ ذلك لِبيان العلل، كما فعل النسائي حيث يبدأ بما هو غلط، ثم يذكر الصوابَ المخالفَ له. قلنا: وهذه المزيةُ الأخيرة التي ذكرها الشيخ البِنَّوري قد نصَّ عليها قبلَه الحافظُ ابنُ رجب الحنبلي في "شرح العلل" (¬١) فقد قال: وقد اعتُرِض على الترمذي ﵀ بأنه في غالبِ الأبواب يبدأ بالأحاديثِ الغريبة الإسنادِ غالبًا؟! وليس ذلك بعيبٍ، فإنه ﵀ يُبيِّنُ ما فيها مِن العلل، ثم يُبين الصحيحَ في الإسناد، وكان قصدُه ﵀ ذكرَ العِلَلِ، ولهذا تجدُ النسائي إذا استوعب طُرُقَ الحديثِ بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بَعْدَ ذلك الصوابَ المخالِفَ له. ومع كل هذه النقولِ التي فيها بيانٌ لمكانة الترمذي، وثناء الأئمة عليه، وأنه مِن العلماء الذين يُرجع إليهم، ويُعْتَمدُ عليهم، وأن أحكامَه التي يُصْدِرُها، وهو موافق فيها لأئمة الجرحِ والتعديل كالإمام البخاري، والإمام أبي زرعة، والإمامِ عبد الله الدارمي هي أحكامٌ صحيحة سديدة في الأعمِّ الأغلب، وأن كتابه فرْدٌ في

مَوضُوعه وطريقة تصنيفه واشتماله على علومٍ عدة، فإنه ﵀ لم يَسْلَمْ مِن توجيه النقدِ إلى كتابه واتهامٍ له بعدم الاعتماد على ما ينتهي إليه مِن تصحيح وتحسين للأحاديث التي أدرجها في كتابه "الجامع"، فقد انتقده الإمامُ الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال" (¬١) في ترجمة كثير بنِ عبد الله المُزَني، فقال بعد أن نقل أقوالَ أهلِ العلم في تضعيفه ضعفًا شديدًا: وأما الترمذي فروى من حديثهِ "الصلحُ جائِزٌ بَيْنَ المسلمين" وصححه، فلهذا لا يعتمِدُ العلماءُ على تصحيح الترمذي!، وقال في ترجمة يحيى بن يمان: قال البخاري: فيه نظر، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبْرًا ليلًا، فأُسرج له سِراجٌ. حسَّنه الترمذي مع ضعف ثلاثة فيه، فلا يُغترَّ بتحسين الترمذي!، فعند المحاققة غالبُها ضعافٌ. وهذا الطَّعْنُ الذي انتهى إليه الذهبي ﵀ غير مُسلَّم له على إطلاقه، وفيه ما فيه، فإن الإمام الترمذي إمام كبير في فقه الحديث والعلل والرجال، وقوله حُجَّة في علم الحديث، والذهبي نفسُه يَعُدُّهُ ممن يُعتمد قولهُ في الجرح والتعديل (¬٢). وهذه النقَداتُ القليلةُ التي وقعت له، وهي غير مسلَّمة في أغلبِها، لا تحطُّ مِن قدره، ولا تَغُضُّ من علمه، ولا تُنزِله عن رُتبته فما مِن حافظ من الحفاظ يُنَزَّهُ عما وقع فيه الإمامُ الترمذي، وهذه مؤلفاتهم بين

أيدينا، فيها أحاديث توثَّقوا مِن صحتها، وانتُقِدَت عليهم، ولم نسمع لأحد منهم أصدر في حقِّهم هذا التعميمَ القاسي الذي انتهى إليه الإمام الذهبيُّ. قال العلامة ابن الوزير (¬١): هذا خطأ نادِرٌ، والعِصمةُ مرتفعة من الأئمة والحفاظ والعلماء. وقال العلامة أحمد الغماري: لم يقل أحد إن تصحيح الترمذي لا يقبل هكذا على الإطلاق، بل تصحيحُه مقبولٌ إلا في أحاديث معدودة ضعف فيها رأيُه، كما وقع للبخاري ومسلم والحاكم والنسائي وغيرهم (¬٢). وقد انتَقَد مقالة الذهبي هذه الحافظُ العراقي (¬٣)، فقال تعليقًا على حديث "الصلح جائز بين المسلمين … " (¬٤) ما نصّه: وقد تكلَّم صاحبُ "الميزان" في تصحيح الترمذي هذا الحديث، فذكر تصحيحَ الترمذي له، ثم قال: فلهذا لا يَعْتَمِدُ العلماء على تصحيح الترمذي. قلت: (القائل هو الحافظ العراقي): وما نَقَلَهُ عن العلماء من أنهم لا يعتمدون على تصحيحه لَيْس بجيد، وما زال الناسُ يعتمدون تصحيحَه، والمصنِّف قد أخذ على البخاري قبولَ كثير بن

عبد الله، فإنه سأله عن حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جَدِّه في الساعة التي تُرجى يومَ الجمعة (¬١) قال: حديث حسن إلا أن أحمَدَ بن حنبل كان يَحْمِلُ على كثير يُضعفه، قال: وقد روى يحيى بنُ سعيد، عن كثير، وقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديثه في التكبير في صلاة العيدين (¬٢)، فقال: ليس شيءٌ في هذا الباب أصح مِن هذا (وبه أقول) (¬٣)، وقد حسن الترمذيُّ له أربعة أحاديث: هذين الحديثين، وحديث "من أحيا سنتي"، وحديثَ "إن الإيمانَ ليأرِزُ إلى المدينة" وصحح له حديثَ الباب، وأخرج له ابنُ خزيمة في "صحيحه"، ومِن عادة الترمذي أن الحديث الحسن إذا يُروى مِن غير وجه ارتفعَ إلى درجةِ الصحة، وقد صرَّح بذلك عند ذكر حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمَرْتُهُمْ بالَسِّواكِ عندَ كُلَّ صلاةٍ" فصحَّحه ثم قال: وحديث أبي هريرة إنما صحَّ، لأنه قد رُوي مِن غير وجه، وعادةُ البخاري تحسينُ أفراد محمد بن عمرو، وصَحَّحَ هذا، وعلل ذلك، فإنه رُوي مِن غير وجه، وقرر ابنُ الصلاح هذه القاعدة في "علوم الحديث" (¬٤). فحديث كثير بن عبد الله في الصلح قد اعتَضَد بحديث أبي هريرة، ولذلك صححه الترمذي، والله أعلم.

وقال أيضًا عند شرحه حديث الساعة التي تُرجى يومَ الجمعة (¬١) ما نصه: قال صاحب "الميزان": فلهذا لا يَعْتَمِدُ العلماءُ على تصحيح الترمذي. قلت: لا يُقبل هذا الطعنُ منه في حقِّ الترمذي … فهو إمامٌ مُعتمَد عليه، ولا يمتنع أن يختلِفَ اجتهادُه مع اجتهادِ غيره في بعض الرجال، وكأنَّ المصنف رأى ما رآه البخاريُّ، فإن المصنف نقل عن البخاريِّ أنه قال في حديثِ كثير، عن أبيه، عن جَدِّه في تكبيرِ العيدين: إنَّه حديث حسن، وإنما حكم عليه بالحُسْن باعتبارِ الشواهد، فإنه بمعنى حديث أبي موسى المتقدم (يريد حديثه الذي في "صحيح مسلم" ٨٥٣) فارتفع بوجود حديثٍ شاهدٍ له إلى درجة الحَسَنِ. وقال الحافظ ابنُ رجب (¬٢): والترمذي ﵀ يُخرج حديثَ الثقةِ الضابطِ، ومن يَهِمُ قليلًا، ومن يهم كثيرًا، ومن يَغْلِبُ عليه الوهم يُخرّج حديثه نادرًا ويُبيِّن ذلك ولا يَسكتُ عنه. وقد أخرج حديث كثير بن عبد الله المُزَني، ولم يجمع على ترك حديثه، بل قد قوَّاه قومٌ، وقدَّم بَعْضُهُمْ حديثَه على مرسلَ ابنِ المسيب، … وقد حكى الترمذي في "العلل" عن البخاريِّ: أنه قال في حديثه في تكبير العيدينِ: هو أصحُّ حديث في هذا البابِ، قال: وأنا أذهبُ إليه.

وقال الدكتور نور الدين عتر (¬١): ونحنُ وقد عرفنا مكانةَ أبي عيسى وإمامَته، نجدُ هذا الطعنَ مِن الذهبي يتعارضُ مع ما تقرر مِن إمامة الترمذي في الحديثِ وفي علومه، ومِنَ الاتفاقِ على أخذ الصحيحِ والحَسَنِ من كتابه. وإذا ما بحثنا عن الحقيقةِ نَجِدُ ضعفَ ادعاءِ الذهبي عدمَ التعويل على تصحيح أبي عيسى وتحسينه ونجدُ بطلانَه ظاهرًا، كما أننا نجد الخطأ يُحالِفُ انتقادَهُم للترمذي في الأحاديث التي اعترضوا عليه في تصحيحها أو تحسينِها، إلا ما كان قليلًا جدًا، وذلك الخطأُ القليلُ هو حكم البشرية، فإنَّ عَمَل البشر مهما سما وكَمُلَ لا يخلو مِن نقدٍ، فهذا مالك انتُقِدَ، وكذلك البخاري ومسلم، ولم يخلُ أحدٌ مِنَ الأعلامِ مِنْ نقدٍ، ثم لم يضرَّ ذلك في الاحتجاجِ بهم، والأخذِ عنهم، والاعتمادِ عليهم. وإذا ما بحثنا في هذه الشبهة التي أثارها الذهبي، وحققنا فيها بمعرفة أسبابها نجدُ الغلوَّ والإسرافَ الشديد فيما قاله الذهبي، ونتبين صحة ما أثبتناه مِن حجية أحكامِ الترمذي على الأحاديث. ونثبتُ ذلك مِن وجهين: الأول إجمالي، والثاني تفصيلي. أما رَدُّنا الإجماليُّ على الذهبي، فذلك أننا بالبحث نرى عَمَلَ الترمذي في "الجامع" عَمَلَ الأئمة الكبار، تحتج الأُمةُ بحكمه على الأحاديثِ، بإجماعِ علمائها في القديم والحديث.

Bagian 2 dari 54