— Bagian 6 · ينَ﴾ [الشّعَرَاءُ: ١٠٢] وَأَمّا تَسْمِيَةُ قَسِي… —
Bagian 6
ينَ﴾ [الشّعَرَاءُ: ١٠٢] وَأَمّا تَسْمِيَةُ قَسِيّ بِثَقِيفِ فَسَيَأْتِي سَبَبُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. الْمُغَمّسُ: وَقَوْلُهُ فَلَمّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ الْمُغَمّسَ هَكَذَا أَلْفَيْته فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ الْمُقَيّدَةِ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ الْقَاضِي بِفَتْحِ الْمِيمِ الْآخِرَةِ مِنْ الْمُغَمّسِ. وَذَكَرَ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ عَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمّةِ اللّغَةِ أَنّهُ الْمُغَمّسُ. بِكَسْرِ الْمِيم الْآخِرَةِ وَأَنّهُ أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنّهُ يُرْوَى بِالْفَتْحِ فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ هُوَ مُغَمّسٌ مُفَعّلٌ مِنْ غَمّسْت، كَأَنّهُ اُشْتُقّ مِنْ الْغَمِيسِ وَهُوَ الْغَمِيرُ، وَهُوَ النّبَاتُ الْأَخْضَرُ الّذِي يَنْبُتُ فِي الْخَرِيفِ تَحْتَ الْيَابِسِ يُقَالُ: غَمّسَ الْمَكَانُ وَغَمّرَ إذَا نَبَتَ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا
نسب ثَقِيف وَشعر ابْن أبي الصَّلْت فِي ذَلِك: وَاسْمُ ثَقِيفٍ: قَسِيّ بْنُ النّبِيتِ بْنِ مُنَبّهِ بْنِ مَنْصُور بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْنِ إيَادِ١ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ بْنِ عَدْنَانَ. قَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ الثّقَفِيّ: قَوْمِي إيَادٌ لَوْ أَنّهُمْ أُمَمُ ... أَوْ لَوْ أَقَامُوا فَتُهْزَلَ النّعَمُ قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ الْعِرَاقِ إذَا ... سَارُوا جَمِيعًا وَالْقِطّ وَالْقَلَمُ وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ أَيْضًا: فَإِمّا تَسْأَلِي عَنّي - لُبَيْنَى ... وَعَنْ نَسَبِي - أُخَبّرْك الْيَقِينَا فَإِنّا لِلنّبِيتِ أَبِي قَسِيّ ... لِمَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ الْأَقْدَمِينَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثَقِيفٌ: قَسِيّ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْس بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ بْنِ عَدْنَان، وَالْبَيْتَانِ الْأَوّلَانِ وَالْآخَرَانِ فِي قصيدتين لأمية. استسلام أهل الطَّائِف لأبرهة:
ْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ بْنِ عَدْنَان، وَالْبَيْتَانِ الْأَوّلَانِ وَالْآخَرَانِ فِي قصيدتين لأمية. استسلام أهل الطَّائِف لأبرهة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّمَا نَحْنُ عَبِيدُك سَامِعُونَ لَك مُطِيعُونَ لَيْسَ عِنْدَنَا لَك خِلَافٌ وَلَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا الْبَيْتَ الّذِي تُرِيدُ - يَعْنُونَ اللّاتِي - إنّمَا يُرِيدُ الْبَيْتَ الّذِي بِمَكّةَ، وَنَحْنُ نَبْعَثُ مَعَك مَنْ يَدُلّك عَلَيْهِ فَتَجَاوز عَنْهُم. ــ يُقَالُ صَوّحَ وَشَجّرَ٢ وَأَمّا عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ فَكَأَنّهُ مِنْ غَمَسْت الشّيْءَ إذَا غَطّيْته، وَذَلِكَ أَنّهُ مَكَانٌ مَسْتُورٌ إمّا بِهِضَابِ وَإِمّا بِعَضَاهٍ٣ وَإِنّمَا قُلْنَا هَذَا; لِأَنّ
اللات: وَاللّاتِ: بَيْتٌ لَهُمْ بِالطّائِفِ كَانُوا يُعَظّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ الْفِهْرِيّ: وَفَرّتْ ثَقِيفٌ إلَى لَاتِهَا ... بِمُنْقَلَبِ الْخَائِبِ الْخَاسِرِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَات لَهُ. مَعُونَة أبي رِغَال لأبرهة وَمَوته وَقَبْرِهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رِغَالٍ يَدُلّهُ عَلَى الطّرِيقِ إلَى مَكّةَ، فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتّى أَنَزَلَهُ الْمُغَمّسَ١، فَلَمّا أَنْزَلَهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ فَرَجَمَتْ قَبْرُهُ الْعَرَبَ، فَهُوَ الْقَبْرُ الّذِي يَرْجُمُ النّاسُ بالمغمس. الْأسود واعتداؤه عَلَى مَكّةَ:
هُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ فَرَجَمَتْ قَبْرُهُ الْعَرَبَ، فَهُوَ الْقَبْرُ الّذِي يَرْجُمُ النّاسُ بالمغمس. الْأسود واعتداؤه عَلَى مَكّةَ: فَلَمّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ الْمُغَمّسَ، بَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودٍ عَلَى خَيْلٍ لَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى مَكّةَ، فَسَاقَ إلَيْهِ أَمْوَالَ تِهَامَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَصَابَ فِيهَا مِئَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا، فَهَمّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَهُذَيْلٌ، وَمَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْحَرَمِ بِقِتَالِهِ ثُمّ عَرَفُوا أَنّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ فتركوا ذَلِك. حناطة وَعبد الْمُطّلِبِ: وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ حُنَاطَةَ الْحِمْيَرِيّ إلَى مَكّةَ، وَقَالَ لَهُ سَلْ عَنْ سَيّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا، ثُمّ قُلْ لَهُ إنّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَك: إنّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إنّمَا جِئْت لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبِ فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي ــ رَسُولَ اللهِ ﷺ إذْ كَانَ بِمَكّةَ كَانَ إذَا أَرَادَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ خَرَجَ إلَى الْمُغَمّسِ، وَهُوَ عَلَى ثُلُثِ فَرْسَخٍ مِنْهَا، كَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيّ بْنُ السّكَنِ فِي كِتَابِ "السّنَنِ" لَهُ وَفِي
فَأْتِنِي بِهِ فَلَمّا دَخَلَ حُنَاطَةُ مَكّةَ، سَأَلَ عَنْ سَيّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا، فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: وَاَللهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ١ طَاقَةٍ هَذَا بَيْتُ اللهِ الْحَرَامِ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَوْ كَمَا قَالَ - فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ٢ وَإِنْ يُخَلّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَوَاَللهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ حُنَاطَةُ فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ فَإِنّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِك. ذُو نفر وأنيس وتوسطهما لعبد الْمطلب لَدَى أَبْرَهَة: فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتّى أَتَى الْعَسْكَرَ فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفْرٍ وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ فَقَالَ لَهُ يَا ذَا نَفْرٍ هَلْ عِنْدَك مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدُوّا أَوْ عَشِيّا؟ مَا عِنْدَنَا غَنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِمّا نَزَلَ بِك إلّا أَنّ أُنَيْسًا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِك، وَأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقّك، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَك عَلَى الْمَلِكِ فَتُكَلّمُهُ بِمَا بَدَا لَك. وَيَشْفَعُ لَك عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفْرٍ إلَى أُنَيْسٍ فَقَالَ لَهُ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ سَيّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِيرِ٣ مَكّةَ، يُطْعِمُ النّاسَ بِالسّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِئَتَيْ بَعِيرٍ فَاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْت، فَقَالَ أَفْعَلُ.
ُءُوسِ الْجِبَالِ وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِئَتَيْ بَعِيرٍ فَاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْت، فَقَالَ أَفْعَلُ. فَكَلّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ فَقَالَ لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ هَذَا سَيّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِك يَسْتَأْذِنُ عَلَيْك، وَهُوَ صَاحِبُ عِيرِ مَكّةَ، وَهُوَ يُطْعِمُ النّاسَ فِي السّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَأْذَنْ لَهُ عَلَيْك، فَيُكَلّمْك٤ فِي حَاجته [وَأحسن إِلَيْهِ] قَالَ فَأَذِنَ لَهُ أَبْرَهَةُ ــ "السّنَنِ" لِأَبِي دَاوُدَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ أَبْعَد، وَلَمْ يُبَيّنْ مِقْدَارَ الْبُعْدِ
عبد الْمطلب وخويلد بَين يَدي أَبْرَهَة: قَالَ وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ أَوْسَمَ النّاسِ وَأَجْمَلَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ فَلَمّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلّهُ وَأَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ وَكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الْحَبَشَةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلَى جَنْبِهِ ثُمّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ حَاجَتُك؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ التّرْجُمَانُ فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ يَرُدّ عَلَيّ الْمَلِكُ مِئَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي، فَلَمّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ قَدْ كُنْت أَعْجَبْتنِي حِينَ رَأَيْتُك، ثُمّ قَدْ زَهِدْت فِيك حِينَ كَلّمْتنِي، أَتُكَلّمُنِي فِي مِئَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتهَا لَك، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُك وَدِينُ آبَائِك قَدْ جِئْت لِهَدْمِهِ لَا تُكَلّمُنِي فِيهِ؟ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي أَنَا رَبّ الْإِبِلِ وَإِنّ لِلْبَيْتِ رَبّا سَيَمْنَعُهُ قَالَ مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنّي، قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ.
الَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي أَنَا رَبّ الْإِبِلِ وَإِنّ لِلْبَيْتِ رَبّا سَيَمْنَعُهُ قَالَ مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنّي، قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ. وَكَانَ - فِيمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ - قَدْ ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلَى أَبْرَهَةَ حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ حُنَاطَةَ يَعْمُرُ بْنُ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ الدّئْلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ بَنِي بَكْرٍ - وَخُوَيْلِدُ بْنُ وَاثِلَةَ الْهُذَلِيّ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ هُذَيْلٍ - فَعَرَضُوا عَلَى أَبْرَهَةَ ثُلُثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ، عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ وَلَا يَهْدِمَ الْبَيْتَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ. وَاَللهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا، فَرَدّ أَبْرَهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْإِبِلَ الّتِي أَصَابَ لَهُ. ــ وَهُوَ مُبَيّنٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ السّكَنِ - كَمَا قَدّمْنَا - وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَأْتِيَ مَكَانًا لِلْمَذْهَبِ إلّا وَهُوَ مَسْتُورٌ مُنْخَفِضٌ فَاسْتَقَامَ الْمَعْنَى فِيهِ عَلَى الرّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. وَسَامَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: وَقَوْلُهُ فِي صِفّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: أَوْسَمُ النّاسِ وَأَجْمَلُهُ١. ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ مَحْكِيّا عَنْ الْعَرَبِ، وَوَجْهُهُ عِنْدَهُمْ أَنّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، فَكَأَنّك قُلْت: أَحْسَنُ
عبد الْمطلب فِي الْكَعْبَة يستنصر بِاللَّه على رد أَبْرَهَة: فَلَمّا انْصَرَفُوا عَنْهُ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ، وَالتّحَرّزِ١ فِي شَعَفِ٢ الْجِبَالِ وَالشّعَابِ٣ تَخَوّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرّةِ٤ الْجَيْشِ ثُمّ قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللهَ ويستنصرونه عَلَى أَبْرَهَةَ وَجُنْدِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: لَا هُمّ إنّ الْعَبْدَ يَمْ ... نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَك٥ لَا يَغْلِبَن صَلِيبَهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مَحَالُك قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحّ لَهُ مِنْهَا. ــ رَجُلٍ وَأَجْمَلُهُ فَأَفْرَدَ الِاسْمَ الْمُضْمَرَ الْتِفَاتًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ كَأَنّهُ حِينَ ذَكَرَ النّاسَ قَالَ هُوَ أَجْمَلُ هَذَا الْجَنْسِ مِنْ الْخَلْقِ وَإِنّمَا عَدَلْنَا عَنْ ذَلِكَ التّقْدِيرِ الْأَوّلِ لِأَنّ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَوَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ: أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ"٦، وَلَا يَسْتَقِيمُ هَهُنَا حَمْلُهُ عَلَى الْإِفْرَادِ لِأَنّ الْمُفْرَدَ هَهُنَا امْرَأَةٌ فَلَوْ نَظَرَ إلَى وَاحِدِ النّسَاءِ لَقَالَ أَحْنَاهَا عَلَى وَلَدِهِ فَإِذًا التّقْدِيرُ أَحْنَى هَذَا الْجَنْسِ الّذِي هُوَ النّسَاءُ وَهَذَا الصّنْفُ وَنَحْوُ هَذَا. وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
َلَى وَلَدِهِ فَإِذًا التّقْدِيرُ أَحْنَى هَذَا الْجَنْسِ الّذِي هُوَ النّسَاءُ وَهَذَا الصّنْفُ وَنَحْوُ هَذَا. وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
شعر لعكرمة فِي الدُّعَاء عَلَى الْأسود بن مَقْصُود: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: لَا هُمّ أَخْزِ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ ... الْآخِذَ الْهَجْمَةِ فِيهَا التّقْلِيدُ١ بَيْنَ حِرَاءَ وثَبِيرٍ فَالْبِيدُ ... يَحْبِسُهَا وَهِيَ أُولَاتُ التّطْرِيدِ٢ فَضَمّهَا إلَى طَمَاطِمٍ سُود ... أَخْفِرْهُ يَا رَبّ وَأَنْتَ مَحْمُودُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحّ لَهُ مِنْهَا، وَالطّمَاطِمُ الْأَعْلَاجُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى شَعَفِ الْجِبَالِ فَتَحَرّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أَبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكّةَ إذَا دَخَلَهَا. ــ لَا هُمّ إنّ الْمَرْءَ يَمْـ ... نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَك الْعَرَبُ تَحْذِفُ الْأَلِفَ وَاللّامَ مِنْ اللهُمّ وَتَكْتَفِي بِمَا بَقِيَ وَكَذَلِكَ تَقُولُ لَاهٍ أَبُوك تُرِيدُ لِلّهِ أَبُوك، وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي لِهَنّكَ [أَوْ: لَهِنّك] ، وَأَنّ الْمَعْنَى: وَاَللهِ إنّك، وَهَذَا لِكَثْرَةِ دَوْرِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَقَدْ قَالُوا فِيمَا هُوَ دُونَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَجِنّك تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا. أَي مِنْ أجل أَنّك تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا وَالْحَلَالُ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْقَوْمُ الْحُلُولُ فِي الْمَكَانِ وَالْحَلَالُ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النّسَاءِ. قَالَ الشّاعِرُ: بِغَيْرِ حِلَالٍ غَادَرَتْهُ مُجَحْفَلِ٣
بَيْتِ الْقَوْمُ الْحُلُولُ فِي الْمَكَانِ وَالْحَلَالُ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النّسَاءِ. قَالَ الشّاعِرُ: بِغَيْرِ حِلَالٍ غَادَرَتْهُ مُجَحْفَلِ٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْحِلَالُ أَيْضًا: مَتَاعُ الْبَيْتِ وَجَائِزٌ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ هَهُنَا، وَفِي الرّجَزِ بَيْتٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقَعْ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَانَصْر عَلَى آلِ الصّلِيبِ ... وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَك وَفِيهِ حُجّةٌ عَلَى النّحّاسِ وَالزّبَيْدِيّ حَيْثُ زَعَمَا، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا أَنّهُ لَا يُقَالُ اللهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَى آلَهُ لِأَنّ الْمُضْمَرَ يَرُدّ الْمُعْتَلّ إلَى أَصْلِهِ وَأَصْلُهُ أَهْلٌ فَلَا يُقَالُ إلّا: وَعَلَى أَهْلِهِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَتَمَ النّحّاسُ كِتَابَهُ الْكَافِي. وَقَوْلُهُمَا خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ وَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي قِيَاسٍ وَلَا سَمَاعٍ وَمَا وَجَدْنَا قَطّ مُضْمَرًا يَرُدّ مُعْتَلّا إلَى أَصْلِهِ إلّا قَوْلُهُمْ أَعْطَيْتُكُمُوهُ بِرَدّ الْوَاوِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدَرٍ وَلَا نَقُولُ أَيْضًا: إنّ آلًا أَصْلُهُ أَهْلٌ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا نَقُولُ إنّ أُهَيْلًا تَصْغِيرُ آلٍ كَمَا ظَنّ بَعْضُهُمْ وَلِتَوْجِيهِ الْحِجَاجِ عَلَيْهِمْ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَفِي الْكَامِلِ مِنْ قَوْلِ الْكِتَابِيّ لِمُعَاوِيَةَ حِينَ ذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ آلِك، وَلَيْسَ مِنْك١. وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرٍ: الْآخِذُ الْهَجْمَةَ فِيهَا التّقْلِيدُ الْهَجْمَةُ هِيَ مَا بَيْنَ التّسْعِينَ إلَى الْمِائَةِ وَالْمِائَةُ مِنْهَا: هُنَيْدَةٌ وَالْمِائَتَانِ هِنْدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ والثلاثمائة أُمَامَةُ وَأَنْشَدُوا: تَبَيّنْ رُوَيْدًا مَا أُمَامَةُ مِنْ هِنْد٢
ائَةُ مِنْهَا: هُنَيْدَةٌ وَالْمِائَتَانِ هِنْدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ والثلاثمائة أُمَامَةُ وَأَنْشَدُوا: تَبَيّنْ رُوَيْدًا مَا أُمَامَةُ مِنْ هِنْد٢ وَكَأَنّ اشْتِقَاقَ الْهَجْمَةِ مِنْ الْهَجِيمَةِ وَهُوَ الثّخِينُ مِنْ اللّبَنِ لِأَنّهُ لَمّا كَثُرَ لَبَنُهَا لِكَثْرَتِهَا، لَمْ يُمْزَجْ بِمَاءِ وَشُرِبَ صِرْفًا ثَخِينًا، وَيُقَالُ لِلْقَدَحِ الّذِي يُحْلَبُ فِيهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا: هَجْمٌ٣.
دُخُول أَبْرَهَة مَكَّة، وَمَا وَقع لَهُ ولفيله، وَشعر نفَيْل فِي ذَلِك: فَلَمّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيّأَ لِدُخُولِ مَكّةَ، وَهَيّأَ فِيلَهُ وَعَبّى جَيْشَهُ - وَكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا - وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ ثُمّ الِانْصِرَافِ إلَى الْيَمَنِ. فَلَمّا وَجّهُوا الْفِيلَ إلَى مَكّةَ، أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حَتّى قَامَ إلَى جَنْبِ الْفِيلِ ثُمّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ اُبْرُكْ مَحْمُودُ أَوْ ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَإِنّك فِي بَلَدِ اللهِ الْحَرَامِ ثُمّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ. فَبَرَكَ الْفِيلُ وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدّ حَتّى أُصْعِدَ فِي الْجَبَلِ وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا فِي رَأْسِهِ بِالطّبَرْزِينِ١ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ٢ لَهُمْ فِي مَرَاقّهِ٣ فَبَزَغُوهُ بِهَا لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجّهُوهُ رَاجِعًا إلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ وَوَجّهُوهُ إلَى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجّهُوهُ إلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجّهُوهُ إلَى مَكّةَ فَبَرَكَ فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنْ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ وَالْبَلَسَانِ مَعَ كُلّ طَائِرٍ مَعَهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحِمّصِ وَالْعَدَسِ لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلّا هَلَكَ وَلَيْسَ كُلّهُمْ أَصَابَتْ وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطّرِيقَ الّذِي مِنْهُ جَاءُوا، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلّهُمْ عَلَى الطّرِيقِ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنَزَلَ اللهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: ــ فِي حَدِيثِ الْفِيلِ:
حَبِيبٍ لِيَدُلّهُمْ عَلَى الطّرِيقِ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنَزَلَ اللهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: ــ فِي حَدِيثِ الْفِيلِ: وَقَوْلِهِ: أَخْفِرْهُ يَا رَبّ. أَيْ اُنْقُضْ عَزْمَهُ وَعَهْدَهُ فَلَا تُؤَمّنْهُ يُقَالُ أَخَفَرْت الرّجُلَ إذَا نَقَضْت عَهْدَهُ وَخَفَرْته أَخْفِرُهُ إذَا أَجَرْته، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُضْبَطَ هَذَا إلّا بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، لِئَلّا يَصِيرَ الدّعَاءُ عَلَيْهِ دُعَاءً لَهُ. وَقَوْلُهُ إلَى طَمَاطِمِ سُودٍ. يَعْنِي: الْعُلُوجَ. وَيُقَالُ لِكُلّ أَعْجَمِيّ طُمْطُمَانِيّ
أَيْنَ الْمَفَرّ وَالْإِلَهُ الطّالِبُ ... وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "لَيْسَ الْغَالِبُ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا: أَلَا حُيّيت عَنّا يَا رُدَيْنَا ... نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا١ رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْت - وَلَا تَرَيْهِ ... لَذِي جَنْبِ الْمُحَصّبِ مَا رَأَيْنَا٢ إِذا لَعَذَرْتنِي وَحَمِدْت أَمْرِي ... وَلَمْ تَأْسَى عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا حَمِدْت اللهَ إذْ أَبْصَرْت طَيْرًا ... وَخِفْت حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وَكُلّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ ... كَأَنّ عَلَيّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلّ طَرِيقٍ وَيَهْلِكُونَ بِكُلّ مَهْلِك عَلَى كُلّ مَنْهَلٍ وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهم يسْقط [أنامله] أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كَلَمّا سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ أَتّبَعَتْهَا مِنْهُ مِدّةٌ تَمُثّ٣ قَيْحًا وَدَمًا، حَتّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطّائِرِ فَمَا مَاتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنّهُ حَدّثَ.
طّائِرِ فَمَا مَاتَ حَتّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنّهُ حَدّثَ. أَنّ أَوّلَ مَا رُئِيَتْ الْحَصْبَةُ وَالْجُدَرِيّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ وَأَنّهُ أَوّلُ مَا رُئِيَ بِهَا مَرَائِرُ الشّجَرِ الْحَرْمَلُ وَالْحَنْظَلُ وَالْعُشَرُ٤ ذَلِكَ الْعَامَ. ماذكر فِي الْقُرْآن عَن قصَّة الْفِيل، وَشرح ابْن هِشَام لمفرداته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمّدًا ﷺ كَانَ مِمّا يَعُدّ اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ مَا رَدّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدّتِهِمْ، فَقَالَ اللهُ ــ وَطُمْطُمٌ وَيُذْكَرُ عَنْ الْأَخْفَشِ طَمْطَمُ بِفَتْحِ الطّاءِ.
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الْفِيل: ١-٥] . وَقَالَ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قُرَيْش: ١ – ٤] . أَيْ لِئَلّا يُغَيّرَ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمْ الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِمَا أَرَادَ اللهُ بِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ لَوْ قَبِلُوهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَبَابِيلُ الْجَمَاعَاتُ وَلَمْ تَتَكَلّمْ لَهَا الْعَرَبُ بِوَاحِدِ عَلِمْنَاهُ١ وَأَمّا السّجّيلُ فَأَخْبَرَنِي يُونُسُ النّحْوِيّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الشّدِيدُ الصّلْبُ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ: وَمَسّهُمْ مَا مَسّ أَصْحَابَ الْفِيلِ ... تَرْمِيهِمْ حِجَارٌ مِنْ سِجّيلْ وَلُعّبَتْ طَيْرٌ بِهِمْ أَبَابِيلْ
ّلْبُ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ: وَمَسّهُمْ مَا مَسّ أَصْحَابَ الْفِيلِ ... تَرْمِيهِمْ حِجَارٌ مِنْ سِجّيلْ وَلُعّبَتْ طَيْرٌ بِهِمْ أَبَابِيلْ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ أَنّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيّةِ جَعَلَتْهُمَا الْعَرَبُ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَإِنّمَا هُوَ سِنْجٌ وَجِلّ يَعْنِي بِالسّنْجِ الْحَجَرَ، وَبِالْجِلّ الطّينَ يَعْنِي: الْحِجَارَةَ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ الْحَجَرِ وَالطّينِ. وَالْعَصْفُ وَرَقُ الزّرْعِ الّذِي لَمْ يُعْصَفْ وَوَاحِدَتُهُ عَصْفَةٌ. قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ أَنّهُ يُقَالُ لَهُ الْعُصَافَةُ وَالْعَصِيفَةُ. وَأَنْشَدَنِي لِعَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ أَحَدِ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ: تَسْقَى مَذَانِبَ قَدْ مَالَتْ عَصِيفَتُهَا ... جَدُورُهَا مِنْ أَتِيّ الْمَاءِ مَطْمُومُ٢ ــ وَقَوْلُهُ عَبّى جَيْشَهُ. يُقَالُ عَبّيْت الْجَيْشَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَعَبّأَتْ الْمَتَاعَ بِالْهَمْزِ وَقَدْ حُكِيَ عَبَأْت الْجَيْشَ بِالْهَمْزِ وَهُوَ قَلِيلٌ.
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الرّاجِزُ: فَصُيّرُوا مِثْلَ كَعَصْفِ مَأْكُولٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِهَذَا الْبَيْتِ تَفْسِيرٌ فِي النّحْوِ. ــ وَقَوْلُهُ فَبَرَكَ الْفِيلُ. فِيهِ نَظَرٌ لِأَنّ الْفِيلَ لَا يَبْرُكُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُرُوكُهُ سُقُوطَهُ إلَى الْأَرْضِ لِمَا جَاءَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ فِعْلَ الْبَارِكِ الّذِي يَلْزَمُ مَوْضِعَهُ وَلَا يَبْرَحُ فَعَبَرَ بِالْبُرُوكِ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ سَمِعْت مَنْ يَقُولُ إنّ فِي الْفِيَلَةِ صِنْفًا مِنْهَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ فَإِنْ صَحّ وَإِلّا فَتَأْوِيلُهُ مَا قَدّمْنَاهُ. وَالْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودٍ صَاحِبُ الْفِيلِ هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُنَبّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِلّةَ وَيُقَالُ فِيهِ عُلَهْ عَلَى وَزْنِ عُمَرَ ابْنُ خَالِدِ١ بْنِ مَذْجِجَ وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ بَعَثَهُ النّجَاشِيّ مَعَ الْفِيَلَةِ وَالْجَيْشِ وَكَانَتْ الْفِيَلَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا، فَهَلَكَتْ كُلّهَا إلّا مَحْمُودًا، وَهُوَ فِيلُ النّجَاشِيّ ; مِنْ أَجْلِ أَنّهُ أَبَى مِنْ التّوَجّهِ إلَى الْحَرَمِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَنُفَيْلٌ الّذِي ذَكَرَهُ هُوَ نُفَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُزْءِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ وَاهِبِ بْنِ جَلِيحَةَ بْنِ أَكْلُبَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عِفْرِسِ بْنِ جِلْفِ٢ بْنِ أَفْتَلَ وَهُوَ خَثْعَمُ. كَذَلِكَ نَسَبَهُ الْبَرْقِيّ. وَفِي الْكِتَابِ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ وَنُفَيْلٌ مِنْ الْمُسَمّينَ بِالنّبَاتِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ هُوَ تَصْغِيرُ نَفَلٍ وَهُوَ نَبْت مُسْلَنْطِحٌ٣ عَلَى الْأَرْضِ.
ُ حَبِيبٍ وَنُفَيْلٌ مِنْ الْمُسَمّينَ بِالنّبَاتِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ هُوَ تَصْغِيرُ نَفَلٍ وَهُوَ نَبْت مُسْلَنْطِحٌ٣ عَلَى الْأَرْضِ. وَذَكَرَ النّقّاشُ أَنّ الطّيْرَ كَانَتْ أَنْيَابُهَا كَأَنْيَابِ السّبُعِ وَأَكُفّهَا كَأَكُفّ الْكِلَابِ وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ قَالَ "أَصْغَرُ الْحِجَارَةِ كَرَأْسِ الْإِنْسَانِ وَكِبَارُهَا كَالْإِبِلِ" وَهَذَا الّذِي ذَكَرَهُ الْبَرْقِيّ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ. وَفِي تَفْسِيرِ النّقّاشِ أَنّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السّيْلَ احْتَمَلَ جُثَثَهُمْ فَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْرِ وَكَانَتْ قِصّةُ الْفِيلِ أَوّلَ الْمُحَرّمِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ مِنْ تَارِيخِ ذِي الْقَرْنَيْنِ. وَقَوْلُهُ فَضَرَبُوا رَأْسَهُ بِالطّبْرَزِينِ هَكَذَا تُقَيّدُ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي الْمُعْجَمِ وَأَنّ الْأَصْلَ فِيهِ طَبَرْزِينُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَقَالَ طَبَرٌ هُوَ الْفَأْسُ وَذَكَرَ طَبَرَسْتَانَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَقَالَ مَعْنَاهُ شَجَرٌ قُطِعَ بِفَأْسِ لِأَنّهَا قَبْلَ أَنْ تُبْنَى كَانَتْ شَجْرَاءَ فَقُطِعَتْ وَلَمْ يَقُلْ فِي طَبَرِيّةَ مِثْلُ هَذَا. قَالَ وَلَكِنّهَا نُسِبَتْ إلَى طَبَارَاءَ وَهُوَ اسْمُ الْمَلِكِ الّذِي بَنَاهَا، وَقَدْ أَلْفَيْته فِي شِعْرٍ قَدِيمٍ طَبَرْزِينُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - كَمَا قَالَ الْبَكْرِيّ، وَجَائِزٌ فِي طَبَرْزِينَ - وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ أَنْ تُسَكّنَ الْبَاءُ - لِأَنّ الْعَرَبَ تَتَلَاعَبُ بِالْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيّةِ تَلَاعُبًا لَا يُقِرّهَا عَلَى حَالٍ. قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ.
كِرَ أَنْ تُسَكّنَ الْبَاءُ - لِأَنّ الْعَرَبَ تَتَلَاعَبُ بِالْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيّةِ تَلَاعُبًا لَا يُقِرّهَا عَلَى حَالٍ. قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ. وَقَوْلُهُ فَبَزَغُوهُ أَيْ أَدْمَوْهُ وَمِنْهُ سُمّيَ الْمِبْزَغُ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ الْفِيلَ رَبَضَ فَجَعَلُوا يَقْسِمُونَ بِاَللهِ أَنّهُمْ رَادّوهُ إلَى الْيَمَنِ، فَحَرّكَ لَهُمْ أُذُنَيْهِ كَأَنّهُ يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ عَهْدًا بِذَلِكَ فَإِذَا أَقْسَمُوا لَهُ قَامَ يُهَرْوِلُ فَيَرُدّونَهُ إلَى مَكّةَ، فَيَرْبِضُ فَيَحْلِفُونَ لَهُ فَيُحَرّكُ لَهُمْ أُذُنَيْهِ كَالْمُؤَكّدِ عَلَيْهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ مِرَارًا. وَقَوْلُهُ أَمْثَالُ الْحِمّصِ وَالْعَدَسِ يُقَالُ حِمّصٌ، وَحِمّصٌ، كَمَا يُقَالُ جِلّقٌ وَجِلّقٍ قَالَهُ الزّبَيْدِيّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحِمّصِ إلّا الْفَتْحَ وَلَيْسَ لَهُمَا نَظِيرٌ فِي الْأَبْنِيَةِ إلّا الْحِلّزَةُ وَهُوَ الْقَصِيرُ١ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ الْحِلّزُ الْبَخِيلُ بِتَشْدِيدِ الزّاي، وَصَوّبَ الْقَالِي هَذِهِ الرّوَايَةَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ لِأَنّ فِعْلًا بِالتّشْدِيدِ لَيْسَ مِنْ الصّفَاتِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَيَعْنِي بِمُمَاثَلَةِ الْحِجَارَةِ لِلْحِمّصِ أَنّهَا عَلَى شَكْلِهَا - وَاَللهُ أَعْلَمُ - لِأَنّهُ قَدْ رُوِيَ أَنّهَا كَانَتْ ضِخَامًا تَكْسِرُ الرّءُوسَ وَرُوِيَ أَنّ مَخَالِبَ الطّيْرِ كَانَتْ كَأَكُفّ الْكِلَابِ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَ جَاءَتْهُمْ طَيْرٌ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْبَحْرِ كَرِجَالِ الْهِنْدِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنّهُمْ اسْتَشْعَرُوا الْعَذَابَ فِي لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنّهُمْ نَظَرُوا إلَى النّجُومِ كَالِحَةً إلَيْهِمْ تَكَادُ تُكَلّمُهُمْ مِنْ اقْتِرَابِهَا مِنْهُمْ فَفَزِعُوا لِذَلِكَ. ١ وَقَوْلُ نُفَيْلٍ وَلَمْ تَأْسَى عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا نَصَبَ بَيْنًا نَصْبَ الْمَصْدَرِ الْمُؤَكّدِ لِمَا قَبْلَهُ إذْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى لَفْظِهِ لِأَنّ فَاتَ مَعْنَى: فَارَقَ وَبَانَ كَأَنّهُ قَالَ عَلَى مَا فَاتَ فَوْتًا، أَوْ بَانَ بَيْنًا، وَلَا يَصِحّ لِأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ يَعْمَلُ فِيهِ تَأَسّى، لِأَنّ الْأَسَى بَاطِنٌ فِي الْقَلْبِ وَالْبَيْنُ ظَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مِنْ أَجْلِهِ إلّا بِعَكْسِ هَذَا. تَقُولُ بَكَى أَسَفًا، وَخَرَجَ خَوْفًا، وَانْطَلَقَ حِرْصًا عَلَى كَذَا، وَلَوْ عَكَسْت الْكَلَامَ كَانَ خَلَفًا مِنْ الْقَوْلِ وَهَذَا أَحَدُ شُرُوطِ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ وَلَعَلّ لَهُ مَوْضِعًا مِنْ الْكِتَابِ فَنَذْكُرُهُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنًا: دُعَاءٌ أَيْ نَعِمْنَا بِكُمْ فَعَدّى الْفِعْلَ لَمّا حَذَفَ حَرْفَ الْجَرّ وَهَذَا كَمَا تَقُولُ أَنْعَمَ اللهُ بِك عَيْنًا. وَقَوْلُهُ فِي أَوّلِ الْبَيْتِ أَلَا حُيّيت عَنّا يَا رُدَيْنَا. هُوَ اسْمُ امْرَأَةٍ كَأَنّهَا سُمّيَتْ بِتَصْغِيرِ رُدْنَةَ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الرّدَنِ وَهُوَ الْحَرِيرُ. وَيُقَالُ لِمُقَدّمِ الْكُمّ رُدْنٌ وَلَكِنّهُ مُذَكّرٌ وَأَمّا دُرَيْنَةُ بِتَقْدِيمِ الدّالِ عَلَى الرّاءِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَحْمَقِ قَالَهُ الْخَلِيلُ.
َالُ لِمُقَدّمِ الْكُمّ رُدْنٌ وَلَكِنّهُ مُذَكّرٌ وَأَمّا دُرَيْنَةُ بِتَقْدِيمِ الدّالِ عَلَى الرّاءِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَحْمَقِ قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ أَبْرَهَةَ تَبِعَتْهَا مِدّةٌ تَمُثّ قَيْحًا وَدَمًا. أَلْفَيْته فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ تَمُثّ، وَتَمِثّ بِالضّمّ وَالْكَسْرِ. فَعَلَى رِوَايَةِ الضّمّ يَكُونُ الْفِعْلُ مُتَعَدّيًا، وَنَصَبَ قَيْحًا عَلَى الْمَفْعُولِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ غَيْرَ مُتَعَدّ وَنَصَبَ قَيْحًا عَلَى التّمْيِيزِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى الْحَالِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَصَبّبَ عَرَقًا، وَتَفَقّأَ شَحْمًا٢،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا أَبُو الْحُسَيْنِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ أَفْصَحَ سِيبَوَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَالِ فِي: ذَهَبْنَ كَلَاكِلًا وَصُدُورًا١. وَأَشْرَقَ كَاهِلًا، وَهَذَا مِثْلُهُ وَلِكَشْفِ الْقِنَاعِ عَنْ حَقِيقَةِ هَذَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا وَإِنّمَا قُلْنَا: إنّ مَنْ رَوَاهُ تَمُثّ بِضَمّ الْمِيمِ فَهُوَ مُتَعَدّ كَأَنّهُ مُضَاعَفٌ وَالْمُضَاعَفُ إذَا كَانَ مُتَعَدّيًا كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَضْمُومًا نَحْوَ رَدّهُ يَرُدّهُ إلّا مَا شَذّ مِنْهُ نَحْوَ عَلّ يَعُلّ وَيَعِلّ، وَهَرّ الْكَأْسُ يَهُرّ وَيَهِرّ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُتَعَدّ كَانَ مَكْسُورًا فِي الْمُسْتَقْبِلِ نَحْوَ خَفّ يَخِفّ، وَفَرّ يَفِرّ إلّا سِتّةَ أَفْعَالٍ جَاءَتْ فِيهَا اللّغَتَانِ جَمِيعًا، وَهِيَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ وَغَيْرِهِ٢ فَغُنِينَا بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهَا. عَلَى أَنّهُمْ قَدْ أَغْفَلُوا: هَبّ يَهُبّ وَخَبّ يَخُبّ وَأَجّ يَؤُجّ إذَا أَسْرَعَ وَشَكّ فِي الْأَمْرِ يَشُكّ، وَمَعْنَى تَمُثّ قَيْحًا: أَيْ تَسِيلُ يُقَالُ فُلَانٌ يَمُثّ كَمَا يَمُثّ الزّقّ٣.
ّ يَخُبّ وَأَجّ يَؤُجّ إذَا أَسْرَعَ وَشَكّ فِي الْأَمْرِ يَشُكّ، وَمَعْنَى تَمُثّ قَيْحًا: أَيْ تَسِيلُ يُقَالُ فُلَانٌ يَمُثّ كَمَا يَمُثّ الزّقّ٣. وَقَوْلُهُ يَسْقُطُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً أَيْ يَنْتَثِرُ جِسْمُهُ وَالْأُنْمُلَةُ طَرَفُ الْأُصْبُعِ وَلَكِنْ قَدْ يُعَبّرُ بِهَا عَنْ طَرَفٍ غَيْرِ الْأُصْبُعِ وَالْجُزْءُ الصّغِيرُ. فَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ – إنّ فِي الشّجَرَةِ شَجَرَةً هِيَ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ. ثُمّ قَالَ هِيَ النّخْلَةُ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ لَا تَسْقُطُ لَهُ دَعْوَة. وَقَوْلُهُ مَرَائِرُ الشّجَرِ يُقَالُ شَجَرَةٌ مُرّةٌ ثُمّ تُجْمَعُ عَلَى مَرَائِرَ كَمَا تُجْمَعُ حُرّةٌ عَلَى حَرَائِرَ وَلَا تُعْرَفُ فِعْلَةٌ تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ إلّا فِي هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ وَقِيَاسُ جَمْعِهِمَا فُعَلٌ نَحْوَ دُرّةٌ وَدُرَرٌ وَلَكِنّ الْحُرّةَ مِنْ النّسَاءِ فِي مَعْنَى: الْكَرِيمَةِ وَالْعَقِيلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَأَجْرَوْهَا مَجْرَى مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْفَعِيلَةِ وَكَذَلِكَ الْمُرّ قِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَرِيرٌ لِأَنّ الْمَرَارَةَ فِي الشّيْءِ طَبِيعَةٌ فَقِيَاسُ فِعْلِهِ: أَنْ يَكُونَ فَعَلَ كَمَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَقُولُ عَذُبَ الشّيْءُ وَقَبُحَ. وَعَسِرُ إذَا صَارَ عَسِيرًا، وَإِذَا كَانَ قِيَاسُهُ فَعُلَ فَقِيَاسُ الصّفَةِ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ عَلَى فَعِيلٍ وَالْأُنْثَى: فَعَيْلَةٌ وَالشّيْءُ الْمُرّ عَسِيرٌ أَكْلُهُ شَدِيدٌ فَأَجْرَوْا الْجَمْعَ مَجْرَى هَذِهِ الصّفَاتِ الّتِي هِيَ عَلَى فَعِيلٍ لِأَنّهَا طِبَاعٌ وَخِصَالٌ وَأَفْعَالُ الطّبَاعِ وَالْخِصَالِ كُلّهَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى. وَذَكَرَ الْعُشَرَ. وَهُوَ شَجَرٌ مُرّ يَحْمِلُ ثَمَرًا كَالْأُتْرُجّ وَلَيْسَ فِيهِ مُنْتَفَعٌ وَلَبَنُ الْعُشَرِ تُعَالَجُ بِهِ الْجُلُودُ قَبْلَ أَنْ تُجْعَلَ فِي الْمَنِيئَةِ وَهِيَ الْمَدْبَغَةُ كَمَا تُعَالَجُ بِالْغَلْقَةِ وَهِيَ شَجَرَةٌ وَفِي الْعُشَرِ الْخُرْفُعُ وَالْخِرْفِعُ وَهُوَ شَبَهُ الْقُطْنِ وَيُجْنَى مِنْ الْعُشَرِ الْمَغَافِيرُ وَاحِدُهَا: مُغْفُورٌ وَمَغَافِرُ وَوَاحِدُهَا: مِغْفَرٌ وَيُقَالُ لَهَا: سُكّرُ الْعُشَرِ وَلَا تَكُونُ الْمَغَافِيرُ إلّا فِيهِ وَفِي الرّمْثِ١ وَفِي الثّمَامِ وَالثّمَامُ أَكْثَرُهَا لَثًى، وَفِي الْمِثْلِ هَذَا الْجَنَى لَا أَنْ يُكَدّ الْمِغْفَرُ مِنْ كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَبَابِيلَ وَقَالَ لَمْ يُسْمَعْ لَهَا بِوَاحِدِ وَقَالَ غَيْرُهُ وَاحِدُهَا: إبّالُهُ وَإِبّوْلٌ وَزَادَ ابْنُ عَزِيزٍ وَإِبّيلٌ وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِرُؤْبَةَ وَصُيّرُوا مِثْلَ كَعَصْفِ مَأْكُولٍ
الَ غَيْرُهُ وَاحِدُهَا: إبّالُهُ وَإِبّوْلٌ وَزَادَ ابْنُ عَزِيزٍ وَإِبّيلٌ وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِرُؤْبَةَ وَصُيّرُوا مِثْلَ كَعَصْفِ مَأْكُولٍ وَقَالَ وَلِهَذَا الْبَيْتِ تَفْسِيرٌ فِي النّحْوِ وَتَفْسِيرُهُ أَنّ الْكَافَ تَكُونُ حَرْفَ جَرّ وَتَكُونُ اسْمًا بِمَعْنَى: مِثْلُ وَيَدُلّك أَنّهَا حَرْفٌ وُقُوعُهَا صِلَةً لِلّذِي ; لِأَنّك تَقُولُ رَأَيْت الّذِي كَزَيْدِ وَلَوْ قُلْت: الّذِي مِثْلُ زَيْدٍ لَمْ يُحْسِنْ وَيَدُلّك أَنّهَا تَكُونُ اسْمًا دُخُولُ حَرْفِ الْجَرّ عَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ وَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ. وَدُخُولُ الْكَافِ عَلَيْهَا، وَأَنْشَدُوا: وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنِ [أَوْ يُؤْثَفَيْنِ] . وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى مِثْلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورَى: ١١] فَهِيَ إِذا حَرْفٌ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ هِيَ حَرْفُ فِي بَيْتُ رُؤْبَةَ "مِثْلَ كَعَصْفِ" لَكِنّهَا مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ التّشْبِيهِ كَمَا أَقْحَمُوا اللّامَ مِنْ قَوْلِهِ يَا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْحَمَ حَرْفٌ مِنْ
ِ" لَكِنّهَا مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ التّشْبِيهِ كَمَا أَقْحَمُوا اللّامَ مِنْ قَوْلِهِ يَا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْحَمَ حَرْفٌ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُرُوفِ الْجَرّ سِوَى اللّامِ وَالْكَافِ أَمّا اللّامُ فَلِأَنّهَا تُعْطِي بِنَفْسِهَا مَعْنَى الْإِضَافَةِ فَلَمْ تُغَيّرْ مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ الْكَافُ تُعْطِي مَعْنَى التّشْبِيهِ فَأُقْحِمَتْ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ غَيْرَ أَنّ دُخُولَ مِثْلٍ عَلَيْهَا كَمَا فِي بَيْتِ رُؤْبَةَ قَبِيحٌ وَدُخُولُهَا عَلَى مِثْلٍ كَمَا فِي الْقُرْآنِ أَحْسَنُ شَيْءٍ لِأَنّهَا حَرْفُ جَرّ تَعْمَلُ فِي الِاسْمِ وَالِاسْمُ لَا يَعْمَلُ فِيهَا، فَلَا يَتَقَدّمُ عَلَيْهَا إلّا أَنْ يُقْحِمَهَا كَمَا أُقْحِمَتْ اللّامُ. وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى الْعَصِيفَةِ قَوْلَ عَلْقَمَةَ، وَآخِرَهُ: حدورها مِنْ أَتِيّ الْمَاءِ مَطْمُومِ. وَهَذَا الْبَيْتُ أَنْشَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ جُدُورُهَا: هُوَ جَمْعُ جَدْرٍ بِالْجِيمِ وَهِيَ الْحَوَاجِزُ الّتِي تَحْبِسُ الْمَاءَ وَيُقَالُ لِلْجَدْرِ حُبّاسٌ١ أَيْضًا: وَفِي الْحَدِيثِ "أَمْسِكْ الْمَاءَ حَتّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ ثُمّ أَرْسِلْهُ". وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ رِوَايَةَ الْجِيمِ وَقَالَ إنّمَا قَالَ جُدُورُهَا مِنْ أَتِيّ الْمَاءِ مَطْمُومُ. وَأَفْرَدَ الْخَبَرَ، لِأَنّهُ رَدّهُ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَدْرِ كَمَا قَالَ الْآخَرُ: تَرَى جَوَانِبَهَا بِالشّحْمِ مَفْتُوقَا أَيْ: تَرَى كُلّ جَانِبٍ فِيهَا. فَصْلٌ: وَيُقَالُ لِلْعَصِيفَةِ أَيْضًا: أَذَنَةٌ٢ وَلَمّا تُحِيطُ بِهِ الْجُدُورُ الّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ دَبْرَةَ وَحِبْسَ وَمَشَارَةَ وَلِمَفْتَحِ الْمَاءِ مِنْهَا: آغِيَةٌ بِالتّخْفِيفِ وَالتّثْقِيلِ [أَوْ أُتِيّ] .
وَإِيلَافُ قُرَيْشٍ: إيلَافُهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الشّامِ فِي تِجَارَتِهِمْ وَكَانَتْ لَهُمْ خَرْجَتَانِ خَرْجَةٌ فِي الشّتَاءِ وَخَرْجَةٌ فِي الصّيْفِ. أَخْبَرَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ: أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ أَلِفْت الشّيْءَ إلْفًا، وَآلَفْتُهُ إيلَافًا، فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنْشَدَنِي لِذِي الرّمّةِ: مِنْ الْمُؤْلِفَاتِ الرّمْلَ أَدْمَاءُ حُرّةٍ١ ... شُعَاعُ الضّحَى فِي لَوْنِهَا يَتَوَضّحُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ: الْمُنْعِمِينَ إذَا النّجُومُ تَغَيّرَتْ ... وَالظّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ ــ وَذَكَرَ إيلَافَ قُرَيْشٍ لِلرّحْلَتَيْنِ وَقَالَ هُوَ مَصْدَرُ أَلِفْت الشّيْءَ وَآلَفْتُهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الْإِلْفِ لِلشّيْءِ وَفِيهِ تَفْسِيرٌ آخَرُ أَلْيَقُ لِأَنّ السّفَرَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَلَا تَأْلَفُهُ النّفْسُ وَإِنّمَا تَأْلَفُ الدّعَةَ وَالْكَيْنُونَةَ مَعَ الْأَهْلِ. قَالَ الْهَرَوِيّ: هِيَ حِبَالٌ أَيْ عُهُودٌ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُلُوكِ الْعَجَمِ، فَكَانَ هَاشِمٌ يُؤَالِفُ إلَى مَلِكِ الشّامِ، وَكَانَ الْمُطّلِبُ يُؤَالِفُ إلَى كِسْرَى، وَالْآخَرَانِ يُؤَالِفَانِ أَحَدُهُمَا إلَى مَلِكِ مِصْرَ، وَالْآخَرُ إلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَهُمَا: عَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ. قَالَ وَمَعْنَى يُؤَالِفُ يُعَاهِدُ وَيُصَالِحُ وَنَحْوُ هَذَا، فَيَكُونُ الْفِعْلُ مِنْهُ أَيْضًا آلَفَ عَلَى وَزْنِ فَاعَلَ وَالْمَصْدَرُ إلَافًا بِغَيْرِ يَاءٍ مِثْلُ قِتَالًا، وَيَكُونُ الْفِعْلُ مِنْهُ أَيْضًا آلَفَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ مِثْلُ آمَنَ وَيَكُونُ الْمَصْدَرُ إيلَافًا بِالْيَاءِ مِثْلُ إيمَانًا، وَقَدْ قُرِئَ لِإِلَافِ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ يَاءٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ آلَفْت الشّيْءَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلْت إذَا أَلِفْته لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ صَحِيحَةً وَقَدْ قَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ فَدَلّ هَذَا عَلَى صِحّةِ مَا قَالَهُ الْهَرَوِيّ، وَقَدْ حَكَاهُ عَمّنْ تَقَدّمَهُ.
ُنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ صَحِيحَةً وَقَدْ قَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ فَدَلّ هَذَا عَلَى صِحّةِ مَا قَالَهُ الْهَرَوِيّ، وَقَدْ حَكَاهُ عَمّنْ تَقَدّمَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ اللّامَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: أَنّهَا مُتَعَلّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ أَيْ فَلْيَعْبُدُوهُ مِنْ أَجْلِ مَا فَعَلَ بِهِمْ. وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ لَامُ التّعَجّبِ وَهِيَ مُتَعَلّقَةٌ بِمُضْمَرِ كَأَنّهُ قَالَ اعْجَبْ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، كَمَا قَالَ ﷺ فِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ حِينَ دُفِنَ "سُبْحَانَ اللهِ لَهَذَا الْعَبْدُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ أَلْفٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. يُقَالَ آلَفَ فُلَانٌ إيلَافًا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ مَعَدّ: بِعَامِ يَقُولُ لَهُ الْمُؤْلِفُو ... نَ هَذَا الْمُعِيمَ لَنَا الْمُرْجِلُ١ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَصِيرَ الْقَوْمُ أَلْفًا، يُقَالُ آلَفَ الْقَوْمَ إيلَافًا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ: وَآلُ مُزَيْقِيَاءَ غَدَاةَ لَاقَوْا ... بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبّةَ مُؤْلِفِينَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تُؤَلّفَ الشّيْءَ إلَى الشّيْءِ فَيَأْلَفَهُ وَيَلْزَمَهُ يُقَالُ آلَفْتُهُ إيّاهُ إيلَافًا. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تَصِيرَ مَا دُونَ الْأَلْفِ أَلْفًا، يُقَالُ آلفته إيلافا. مَا أصَاب قَائِد الْفِيلِ وَسَائِسُهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ٢ ابْنَةِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ــ
ا أصَاب قَائِد الْفِيلِ وَسَائِسُهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ٢ ابْنَةِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ــ الصّالِحُ ضُمّ فِي قَبْرِهِ حَتّى فَرّجَ اللهُ عَنْهُ!! ". وَقَالَ فِي عَبْدٍ حَبَشِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ "لَهَذَا الْعَبْدُ الْحَبَشِيّ جَاءَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ إلَى الْأَرْضِ الّتِي خُلِقَ مِنْهَا". أَيْ اعْجَبُوا لِهَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ. وَأُنْشِدَ لِلْكُمَيْتِ: بِعَامِ يَقُولُ لَهُ الْمُؤْلِفُو ... نَ أَهَذَا الْمُعِيمُ لَنَا الْمُرْجِلُ الْمُؤْلِفُ صَاحِبُ الْأَلْفِ مِنْ الْإِبِلِ كَمَا ذُكِرَ وَالْمُعِيمُ بِالْمِيمِ مِنْ الْعَيْمَةِ
سَعْدِ١ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "لَقَدْ رَأَيْت قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ بِمَكّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ النّاسَ". ــ أَيْ تَجْعَلُ تِلْكَ السّنَةُ صَاحِبَ الْأَلْفِ مِنْ الْإِبِلِ يَعَامُ إلَى اللّبَنِ وَتُرْجِلُهُ فَيَمْشِي رَاجِلًا، لِعَجِفِ الدّوَابّ وَهُزَالِهَا. وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الزّبَعْرَى: تَنَكّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكّةَ الْبَيْتُ. وَنَسَبَهُ إلَى عَدِيّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ وَكَرّرَ هَذَا النّسَبَ فِي كِتَابِهِ مِرَارًا وَهُوَ خَطَأٌ وَالصّوَابُ سَعْدُ بْنُ سَهْمٍ وَإِنّمَا سَعِيدٌ أَخُو سَعْدٍ وَهُوَ فِي نَسَبِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَقَدْ أَنْشَدَ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُبْرِقِ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدٍ: فَإِنْ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيّ أَمَانَةٌ ... عَدِيّ بْنِ سَعْدٍ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ فَقَالَ عَدِيّ بْنُ سَعْدٍ وَلَمْ يَقُلْ سُعَيْدٌ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ وَالزّبَيْرِيّون وَغَيْرُهُمْ.
مَا قِيلَ فِي صِفَةِ الْفِيلِ مِنْ الشّعْرِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَدّ اللهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكّةَ، وَأَصَابَهُمْ بِمَا أَصَابَهُمْ بِهِ مِنْ النّقْمَةِ أَعْظَمَتْ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللهِ قَاتَلَ اللهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوّهِمْ فَقَالُوا فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللهُ بِالْحَبَشَةِ وَمَا رَدّ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ. ــ حَوْلَ الشّعْرِ الّذِي قِيلَ فِي الْفِيلِ: وَقَوْلُهُ: تَنَكّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكّةَ إنّهَا. وَهَذَا خَرْمٌ فِي الْكَامِلِ وَقَدْ وُجِدَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَيْتِ فِي أَشْعَارِ هَذَا الْكِتَابِ الْخَرْمُ فِي الْكَامِلِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَرْمُ فِي
ْكَامِلِ وَقَدْ وُجِدَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَيْتِ فِي أَشْعَارِ هَذَا الْكِتَابِ الْخَرْمُ فِي الْكَامِلِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَرْمُ فِي
شعر ابْن الزبعري فِي وقْعَة الْفِيل: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى بْنِ عَدِيّ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: تَنَكّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكّةَ إنّهَا ... كَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرَامُ حَرِيمُهَا لَمْ تُخْلَقْ الشّعْرَى لَيَالِيَ حُرّمَتْ ... إذْ لَا عَزِيزَ مِنْ الْأَنَامِ يَرُومُهَا١ سَائِلْ أَمِيرَ الْجَيْشِ عَنْهَا مَا رَأَى ... وَلَسَوْفَ يُنْبِي الْجَاهِلِينَ عَلِيمُهَا سِتّونَ أَلْفًا لَمْ يَئُوبُوا أَرْضَهُمْ ... وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا كَانَتْ بِهَا عَادٌ وَجُرْهُمُ قَبْلَهُمْ ... وَاَللهُ مِنْ فَوْقِ الْعِبَادِ يُقِيمُهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي ابْنُ الزّبَعْرَى بِقَوْلِهِ: ... بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا أَبْرَهَةَ، إذْ حَمَلُوهُ مَعَهُمْ حِينَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ حَتّى مَاتَ بِصَنْعَاءَ. شعر ابْن الأسلت فِي وقْعَة الْفِيل: وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْأَنْصَارِيّ ثُمّ الْخَطْمِيّ، وَاسْمُهُ صَيْفِيّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو قَيْسٍ: صَيْفِيّ بْنُ الْأَسْلَتِ بْنِ جُشَمِ بْنِ وَائِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرَةَ٢ بْنِ مُرّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: وَمِنْ صُنْعِهِ يَوْمَ فِيلِ الْحَبُو ... شِ إذْ كُلّمَا بَعَثُوهُ رَزَمْ٣ مَحَاجِنُهُمْ تَحْتَ أَقْرَابِهِ ... وَقَدْ شَرّمُوا أَنْفَهُ فَانْخَرَمْ٤ وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًا ... إذَا يَمّمُوهُ قَفَاهُ كُلِمْ فَوَلّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ ... وَقَدْ بَاءَ بِالظّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مْ فَوَلّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ ... وَقَدْ بَاءَ بِالظّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمْ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَأَرْسَلَ مَنْ فَوْقَهُمْ حَاصِبًا ... فَلَفّهُمْ مِثْلَ لَفّ الْقُزُمْ تُجَضّ عَلَى الصّبْرِ أَحْبَارُهُمْ ... وَقَدْ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الْغَنَمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْقَصِيدَةُ أَيْضًا تُرْوَى لِأُمَيّةِ بْنِ أَبِي الصّلْتِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ فَقُومُوا فَصَلّوا رَبّكُمْ وَتَمَسّحُوا ... بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ١ فَعِنْدَكُمْ مِنْهُ بَلَاءٌ مُصَدّقٌ ... غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي الْكَتَائِبِ كَتِيبَتُهُ بِالسّهْلِ تُمْسِي، وَرَجْلُهُ ... عَلَى الْقَادِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ٢ فَلَمّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ رَدّهُمْ ... جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافَ وَحَاصِبِ٣ فَوَلّوْا سِرَاعًا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ ... إلَى أَهْلِهِ مِلْحِبْشِ غَيْرُ عَصَائِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ قَوْلَهُ: عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي قَيْسٍ، سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللهُ. وَقَوْلُهُ"غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ": يَعْنِي: أَبْرَهَةَ كَانَ يُكَنّى أَبَا يكسوم. شعر طَالب فِي وقْعَة الْفِيل: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ ... وَجَيْشِ أَبِي يَكْسُومَ إذْ مَلَئُوا الشّعْبَا٤ فَلَوْلَا دِفَاعُ اللهِ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سِرْبًا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شعر أبي الصَّلْت فِي وقْعَة الْفِيل: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصّلْتِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ فِي شَأْنِ الْفِيلِ وَيَذْكُرُ الْحَنِيفِيّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﵇. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُرْوَى لِأُمَيّةِ بْنِ أَبِي الصّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ: إنّ آيَاتِ رَبّنَا ثَاقِبَاتٌ ... لَا يُمَارِي فِيهِنّ إلّا الْكَفُورُ خُلِقَ اللّيْلُ وَالنّهَارُ فَكُلّ ... مُسْتَبِينٌ حِسَابُهُ مَقْدُورُ ثُمّ يَجْلُو النّهَارَ رَبّ رَحِيمٌ ... بِمَهَاةِ شُعَاعُهَا مَنْشُورُ١ حُبِسَ الْفِيلُ بِالْمُغَمّسِ حَتّى ... ظَلّ يَحْبُو كَأَنّهُ مَعْقُورُ لَازِمًا حَلْقَةَ الْجِرَانِ كَمَا قُطّ ... رَ مِنْ صَخْرِ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ٢ حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَا ... لُ مَلَاوِيثٌ فِي الْحُرُوبِ صُقُورُ٣ خَلّفُوهُ ثُمّ ابْذَعَرّوا جَمِيعًا ... كُلّهُمْ عَظْمُ سَاقِهِ مَكْسُورُ٤ كُلّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَة عِنْد الله إلّا دِينَ الحنيفة بور. شعر الفرزدق فِي وقْعَة الْفِيل: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ - وَاسْمُهُ هِشَامُ بْنُ غَالِبِ أَحَدُ بَنِي مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ - يَمْدَحُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَيَهْجُو الْحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ وَيَذْكُرُ الْفِيلَ وَجَيْشَهُ: فَلَمّا طَغَى الْحَجّاجُ حِينَ طَغَى بِهِ غِنًى ... قَالَ إنّي مُرْتَقٍ فِي السّلَالِمِ فَكَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ نُوحٍ سَأَرْتَقِي ... إلَى جَبَلٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَاءِ عَاصِمِ رَمَى اللهُ فِي جُثْمَانِهِ مِثْلَ مَا رَمَى ... عَنْ الْقِبْلَةِ الْبَيْضَاءِ ذَاتِ الْمَحَارِمِ جُنُودًا تَسُوقُ الْفِيلَ حَتّى أَعَادَهُمْ ... هَبَاءً وَكَانُوا مُطْرَخِمّي الطّرَاخِمِ نُصِرْت كَنَصْرِ الْبَيْتِ إذْ سَاقَ فِيلَهُ ... إلَيْهِ عَظِيمُ الْمُشْرِكِينَ الْأَعَاجِمِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ِ الْبَيْتِ إذْ سَاقَ فِيلَهُ ... إلَيْهِ عَظِيمُ الْمُشْرِكِينَ الْأَعَاجِمِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
شعر ابْن الرقيات فِي وقْعَة الْفِيل:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسِ الرّقَيّاتِ. أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِب يَذْكُرُ أَبْرَهَةَ - وَهُوَ الْأَشْرَمُ - وَالْفِيلُ
كَادَهُ الْأَشْرَمُ الّذِي جَاءَ بِالْفِي ... لِ فَوَلّى وَجَيْشَهُ مَهْزُومُ
وَاسْتَهَلّتْ عَلَيْهِم الطير بالجند ... ل حَتّى كَأَنّهُ مَرْجُومُ
ذَاكَ مَنْ يَغْزُهُ مِنْ النّاسِ يَرْجِعُ ... وَهُوَ فَلّ مِنْ الْجُيُوشِ ذَمِيمُ١
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
ملك يكسوم ثمَّ مَسْرُوق على الْيمن:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَكَ الْحَبَشَةَ ابْنُهُ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ وَبَهْ كَانَ يُكَنّى، فَلَمّا هَلَكَ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ مَلَكَ الْيَمَنَ فِي الْحَبَشَةِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ.
ــ
مُتَفَاعَلٍ فَيُحْذَفُ مِنْ السّبَبِ حَرْفٌ كَمَا حُذِفَ مِنْ الْوَتِدِ فِي الطّوِيلِ حَرْفٌ وَإِذَا وُجِدَ حَذْفُ السّبَبِ الثّقِيلِ كُلّهِ فَأَحْرَى أَنْ يَجُوزَ حَذْفُ حَرْفٍ مِنْهُ وَذَلِكَ فِي قَوْلِ ابْنِ مُفَرّغٍ:
هَامَةٌ تَدْعُو صَدَى ... بَيْنَ الْمُشَقّرِ وَالْيَمَامَةِ٢
وَهُوَ مِنْ الْمُرَفّلِ وَالْمُرَفّلُ مِنْ الْكَامِلِ. أَلَا تَرَى أَنّ قَبْلَهُ:
وَشَرَيْت بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْت هَامَة
ِ٢ وَهُوَ مِنْ الْمُرَفّلِ وَالْمُرَفّلُ مِنْ الْكَامِلِ. أَلَا تَرَى أَنّ قَبْلَهُ: وَشَرَيْت بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْت هَامَة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْمَحْذُوفُ مِنْ الطّوِيلِ إذَا خَرُمَ حَرْفٌ مِنْ وَتَدٍ مَجْمُوعٍ وَالْمَحْذُوفُ مِنْ الْكَامِلِ إذَا خَرُمَ حَرْفٌ مِنْ سَبَبٍ ثَقِيلٍ بَعْدَهُ سَبَبٌ خَفِيفٌ وَلَمّا كَانَ الْإِضْمَارُ فِيهِ كَثِيرًا، وَهُوَ إسْكَانُ التّاءِ مِنْ مُتَفَاعِلُنْ فَمِنْ ثَمّ قَالَ أَبُو عَلِيّ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْخَرْمُ لِأَنّ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى الِابْتِدَاءِ بِسَاكِنِ وَهَذَا الْكَلَامُ لِمَنْ تَدَبّرَهُ بَارِدٌ غَثّ ; لِأَنّ الْكَلِمَةَ الّتِي يَدْخُلُهَا الْخَرْمُ لَمْ يَكُنْ قَطّ فِيهَا إضْمَارٌ نَحْوَ تَنَكّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكّةَ، وَاَلّتِي يَدْخُلُهَا الْإِضْمَارُ لَا يُتَصَوّرُ فِيهَا الْخَرْمَ نَحْوَ لَا يَبْعَدْنَ قَوْمِي، وَنَحْوَ قَوْلِهِ "لَمْ تُخْلَقْ الشّعْرَى لَيَالِيَ حُرّمَتْ" فَتَعْلِيلُهُ فِي هَذَا الشّعْرِ إِذا لَا يَفِيدُ شَيْئًا، وَمَا أَبْعَدَ الْعَرَبَ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى هَذِهِ الْأَغْرَاضِ الّتِي يَسْتَعْمِلُهَا بَعْضُ النّحَاةِ وَهِيَ أَوْهَى مِنْ نَسْجِ الْخَزَرْنَقِ١. وَقَوْلُهُ: لَمْ تُخْلَقْ الشّعْرَى لَيَالِيَ حُرّمَتْ
لْأَغْرَاضِ الّتِي يَسْتَعْمِلُهَا بَعْضُ النّحَاةِ وَهِيَ أَوْهَى مِنْ نَسْجِ الْخَزَرْنَقِ١. وَقَوْلُهُ: لَمْ تُخْلَقْ الشّعْرَى لَيَالِيَ حُرّمَتْ إنْ كَانَ ابْنُ الزّبَعْرَى قَالَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُنْتَزِعٌ مِنْ قَوْلِ النّبِيّ ﷺ "إنّ اللهَ حَرّمَ مَكّةَ، وَلَمْ يُحَرّمْهَا النّاسُ". وَمِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ "إنّ اللهَ حَرّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ"٢، وَالتّرْبَةُ خُلِقَتْ قَبْلَ خَلْقِ الْكَوَاكِبِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ الزّبَعْرَى، قَالَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَإِنّمَا أَخَذَهُ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - مِنْ الْكِتَابِ الّذِي وَجَدُوهُ فِي الْحَجَرِ بِالْخَطّ الْمُسْنَدِ٣ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ، وَفِيهِ"أَنَا اللهُ رَبّ مَكّةَ خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْت السّمَوَاتِ وَالْأَرْض" الْحَدِيثُ. وَقَوْلُهُ "وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا "هَكَذَا فِي النّسْخَةِ الْمُقَيّدَةِ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ الْمُقَابَلَةِ بِالْأَصْلَيْنِ اللّذَيْنِ كَانَا عِنْدَهُ وَقَابَلَهَا أَبُو بَحْرٍ ﵀ – بِهِمَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَرّتَيْنِ وَحَسِبَ بَعْضُهُمْ أَنّهُ كَسْرٌ فِي الْبَيْتِ فَزَادَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَقَالَ بَلْ لَمْ يَعِشْ. فَأَفْسَدَ الْمَعْنَى، وَإِنّمَا هُوَ خَرْمٌ١ فِي أَوّلِ الْقَسَمِ مِنْ عَجُزِ الْبَيْتِ كَمَا كَانَ فِي الصّدْرِ مِنْ أَوّلِ بَيْتٍ مِنْهَا. وَقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِثْلُ لَفّ الْقُزُمْ. الْقُزُمُ: صِغَارُ الْغَنَمِ. وَيُقَالُ رُذَالُ الْمَالِ وَرَزَمٌ: ثَبَتَ وَلَزِمَ مَوْضِعُهُ، وَأَرْزَمَ مِنْ الرّزِيمِ وَهُوَ صَوْتٌ لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَكَذَلِكَ صَوْتُ الْفِيلِ ضَئِيلٌ عَلَى عِظَمِ خِلْقَتِهِ وَيَفْرَقُ مِنْ الْهِرّ وَيَنْفِرُ مِنْهُ وَقَدْ اُحْتِيلَ عَلَى الْفِيَلَةِ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ مَعَ الْهِنْدِ. أُحْضِرَتْ لَهَا الْهِرّةُ فَذَعَرَتْ وَوَلّتْ وَكَانَ سَبَبًا لِهَزِيمَةِ الْقَوْمِ. ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ، وَنَسَبُ هَذِهِ الْحِيلَةِ إلَى هَارُونَ بْنِ مُوسَى حِينَ غَزَا بِلَادَ الْهِنْدِ، وَأَوّلُ مَنْ ذَلّلَ الْفِيَلَةَ - فِيمَا قَالَ الطّبَرِيّ - أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْفِيَانَ وَمَعْنَى أَثْفِيَانَ صَاحِبُ الْبَقَرِ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ نَتَجَ الْبِغَالَ وَاِتّخَذَ لِلْخَيْلِ السّرُوجَ وَالْوُكُفَ٢ - فِيمَا ذَكَرُوا - وَأَمّا أَوّلُ مَنْ سَخّرَ الْخَيْلَ وَرَكِبَهَا "فطمهورث" وَهُوَ الثّالِثُ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ - فِيمَا زَعَمُوا - وَثُؤَاجُ الْغَنَمِ صَوْتُهَا، وَوَقَعَ فِي النّسْخَةِ ثَجّوا، وَعَلَيْهِ مَكْتُوبٌ الصّوَابُ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الْغَنَمِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْأَسْلَتِ فَقُومُوا، فَصَلّوْا رَبّكُمْ وَتَمَسّخُوا. سَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي الْقَصِيدَةِ حَيْثُ يَذْكُرُهَا ابْنُ إسْحَاقَ بِكَمَالِهَا - إنْ شَاءَ اللهُ.
َلّوْا رَبّكُمْ وَتَمَسّخُوا. سَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي الْقَصِيدَةِ حَيْثُ يَذْكُرُهَا ابْنُ إسْحَاقَ بِكَمَالِهَا - إنْ شَاءَ اللهُ. وَذَكَرَ قَوْلَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "فَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سَرْبًا" وَيُرْوَى سِرْبًا بِالْكَسْرِ وَالسّرْبُ بِالْفَتْحِ الْمَالُ الرّاعِي، وَالسّرْبُ بِالْكَسْرِ الْقَطِيعُ مِنْ الْبَقَرِ وَالظّبَاءِ وَمِنْ النّسَاءِ أَيْضًا. قَالَ الشّاعِرُ: فَلَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَ سِرْبٍ رَأَيْته ... خَرَجْنَ عَلَيْنَا مِنْ زُقَاقِ ابْنِ وَاقِفٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَطَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَسَنّ مِنْ عَقِيلٍ بِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَكَانَ عَقِيلٌ أَسَنّ من جَعْفَرٍ بِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَجَعْفَرٌ أَسَنّ مِنْ عَلِيّ ﵁ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَذَكَرُوا أَنّ طَالِبًا اخْتَطَفَتْهُ الْجِنّ، فَذَهَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنّهُ أَسْلَمَ١. وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي الصّلْتِ وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عِلَاجٍ. وَفِيهِ حَبْسُ الْفِيلِ بِالْمُغَمّسِ وَأَنّ كَسْرَ الْمِيمِ الْآخِرَةِ أَشْهَرُ فِيهِ. وَفِيهِ بِمَهَاةِ شُعَاعُهَا مَنْشُورُ. وَالْمَهَاةُ الشّمْسُ سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِصَفَائِهَا، وَالْمَهَامِنُ الْأَجْسَامُ الصّافِي الّذِي يَرَى بَاطِنَهُ مِنْ ظَاهِرِهِ. وَالْمَهَاةُ الْبِلّوْرَةُ وَالْمَهَاةُ الظّبْيَةُ. وَمِنْ أَسْمَاءِ الشّمْسِ الْغَزَالَةُ إذَا ارْتَفَعَتْ فَهَذَا فِي مَعْنَى الْمَهَاةِ. وَمِنْ أَسْمَائِهَا: الْبُتَيْرَاءُ. سُئِلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ - عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الضّحَى، فَقَالَ: "حَتّى تَرْتَفِعَ الْبُتَيْرَاءُ" ذَكَرَهُ الْهَرَوِيّ وَالْخَطّابِيّ، وَمِنْ أَسْمَائِهَا: حَنَاذٍ وَبَرَاحٍ وَالضّحّ وَذُكَاءٍ وَالْجَارِيَةُ وَالْبَيْضَاءُ وَبُوحٌ وَيُقَالُ يُوحٌ بِالْيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَارِسِيّ وَبِالْبَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ وَالشّرْقُ وَالسّرَاجُ.
ِيَةُ وَالْبَيْضَاءُ وَبُوحٌ وَيُقَالُ يُوحٌ بِالْيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَارِسِيّ وَبِالْبَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ وَالشّرْقُ وَالسّرَاجُ. وَقَوْلُهُ: "حَلْقَهُ الْجِرَانُ" الْجِرَانُ الْعُنُقُ٢ يُرِيدُ أَلْقَى بِجِرَانِهِ إلَى الْأَرْضِ وَهَذَا يُقَوّي أَنّهُ بَرَكَ كَمَا تَقَدّمَ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ كَمَا قُطّرَ ٣مِنْ صَخْرِ كَبْكَبٍ، وَهُوَ جَبَلٌ. مَحْدُورٌ أَيْ حَجَرٌ حُدِرَ حَتّى بَلَغَ الْأَرْضَ. وَقَوْلُهُ: ابْذَعَرّوا٤: تَفَرّقُوا مِنْ ذُعْرٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ مَنْحُوتَةٌ مِنْ أَصْلَيْنِ مِنْ الْبَذْرِ وَالذّعْرِ. وَقَوْلُهُ إلّا دِينَ الْحَنِيفَةِ. يُرِيدُ بِالْحَنِيفَةِ الْأُمّةَ الْحَنِيفَةَ أَيْ الْمُسْلِمَةَ الّتِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ ﷺ وَذَلِكَ أَنّهُ حَنَفَ عَنْ الْيَهُودِيّةِ والنصرانية، أَيْ عَدَلَ عَنْهَا، فَسُمّيَ حَنِيفًا، أَوْ حَنَفَ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُ وَقَوْمُهُ. وَقَوْلُهُ فِي شِعْرِ الْفَرَزْدَقِ: كَمَا قَالَ ابْنُ نُوحٍ. اسْمُهُ يَام، وَقِيلَ كَنْعَانُ. وَقَوْله: "مُطْرَخِمّي الطّرَاخِمِ" الْمُطْرَخِمّ: الْمُمْتَلِئُ كِبَرًا أَوْ غَضَبًا. وَالطّرَاخِمُ جَمْعُ مُطَرَخِمّ عَلَى قِيَاسِ الْجَمْعِ فَإِنّ الْمُطَرَخِمّ اسْمٌ مِنْ سِتّةِ أَحْرُفٍ فَيُحْذَفُ مِنْهُ فِي الْجَمْعِ وَالتّصْغِيرِ مَا فِيهِ مِنْ الزّوَائِدِ وَفِيهِ زَائِدَتَانِ الْمِيمُ الْأُولَى، وَالْمِيمُ الْمُدْغَمَةُ فِي الْمِيمِ الْآخِرَةِ لِأَنّ الْحَرْفَ الْمُضَاعَفَ حَرْفَانِ يُقَالُ فِي تَصْغِيرِ مُطَرَخِمّ طُرَيْخِمٌ وَفِي جَمْعِهِ طَرَاخِمٌ وَفِي مُسْبَطِرّ سَبَاطِرٌ١ وَذَكَرَهُ يَعْقُوبُ فِي الْأَلْفَاظِ بِالْغَيْنِ فَقَالَ اطْرَغَمّ الرّجُلُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَاءَ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسِ الرّقَيّاتِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيبِهِ قَيْسَ الرّقَيّاتِ فَقِيلَ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ جَدّاتٍ كُلّهُنّ رُقَيّةُ فَمَنْ قَالَ فِيهِ ابْنَ الرّقَيّاتِ فَإِنّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدّاتِهِ وَمَنْ قَالَ قَيْسَ الرّقَيّاتِ دُونَ ذِكْرِ ابْنٍ فَإِنّهُ نِسْبَةٌ وَقِيلَ بَلْ شَبّبَ بِثَلَاثِ نِسْوَةٍ كُلّهُنّ تُسَمّى: رُقَيّةَ وَقِيلَ بَلْ بِبَيْتِ قَالَهُ وَهُوَ "رُقَيّةُ مَا رُقَيّةُ مَا رُقَيّةُ أَيّهَا الرّجُلُ". وَقَالَ الزّبَيْرُ كَانَ يُشَبّبُ بِرُقَيّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي السّرْحِ مِنْ بَنِي ضِبَابِ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصٍ وَبِابْنَةِ عَمّ لَهَا اسْمُهَا رُقَيّةُ وَهُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ شُرَيْحٍ مِنْ بَنِي حُجَيْرٍ أَيْضًا، وَحُجَيْرٌ أَخُو حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ رَهْطِ عَمْرِو بْنِ أُمّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى.
نِ شُرَيْحٍ مِنْ بَنِي حُجَيْرٍ أَيْضًا، وَحُجَيْرٌ أَخُو حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ رَهْطِ عَمْرِو بْنِ أُمّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى. وَقَوْلُهُ: "حَتّى كَأَنّهُ مَرْجُومٌ" وَهُوَ قَدْ رُجِمَ فَكَيْفَ شَبَهُهُ بِالْمَرْجُومِ وَهُوَ مَرْجُومٌ بِالْحِجَارَةِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي مَقْتُولٍ كَأَنّهُ مَقْتُولٌ؟ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اسْتِهْلَالَ الطّيْرِ وَجَعَلَهَا كَالسّحَابِ يَسْتَهِلّ بِالْمَطَرِ وَالْمَطَرُ لَيْسَ بِرَجْمِ وَإِنّمَا الرّجْمُ بِالْأَكُفّ وَنَحْوِهَا، شَبَهُهُ بِالْمَرْجُومِ الّذِي يَرْجُمُهُ الْآدَمِيّونَ أَوْ مَنْ يَعْقِلُ وَيَتَعَمّدُ الرّجْمَ مِنْ عَدُوّ وَنَحْوِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْمَقْتُولُ بِالْحِجَارَةِ مَرْجُومًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمّا لَمْ يَكُنْ جَيْشُ الْحَبَشَةِ كَذَلِكَ وَإِنّمَا أُمْطِرُوا حِجَارَةً فَمِنْ ثَمّ قَالَ كَأَنّهُ مَرْجُومٌ
خُرُوجُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ وَمَلِكِ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ: ابْن ذِي يزن عِنْد قَيْصر: فَلَمّا طَالَ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيّ وَكَانَ يُكَنّى بِأَبِي مُرّةَ حَتّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّومِ، فَشَكَا إلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْهُ وَيَلِيهِمْ هُوَ وَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ مَنْ شَاءَ مِنْ الرّومِ، فَيَكُونُ لَهُ مَلِكُ الْيَمَنِ، فَلَمْ يَشْكُهُ [وَلم يجد عِنْده شَيْئا مِمَّا يُرِيد] . توَسط النُّعْمَان لِابْنِ ذِي يزن لَدَى كسْرَى: فَخَرَجَ حَتّى أَتَى النّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ - وَهُوَ عَامِلُ كِسْرَى١ عَلَى الْحِيرَةِ، وَمَا يَلِيهَا ــ
ّعْمَان لِابْنِ ذِي يزن لَدَى كسْرَى: فَخَرَجَ حَتّى أَتَى النّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ - وَهُوَ عَامِلُ كِسْرَى١ عَلَى الْحِيرَةِ، وَمَا يَلِيهَا ــ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَكِسْرَى وَذِكْرُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ وَخَبَرِهِ مَعَ النّعْمَانِ وَكِسْرَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصّتَهُ فِي أَوّلِ حَدِيثِ الْحَبَشَةِ، وَأَنّهُ مَاتَ عِنْدَ كِسْرَى، وَقَامَ ابْنُهُ مَقَامَهُ فِي الطّلَبِ وَهُوَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بْنِ ذِي أَصْبَحَ٢ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ قُطْنِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ الْعَرَنْجَحِ وَهُوَ: حِمْيَرُ بْنُ سَبَأٍ، وَكِسْرَى هَذَا هُوَ أَنُوشِرْوَانَ بْنُ قُبَاذٍ وَمَعْنَاهُ مُجَدّدُ الْمُلْكِ لِأَنّهُ جَمَعَ مُلْكَ فَارِسَ بَعْدَ شَتَاتٍ. وَالنّعْمَانُ اسْمٌ مَنْقُولٌ مِنْ النّعْمَانِ الّذِي هُوَ الدّمُ. قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْقَنْقَلُ الّذِي شَبّهَ بِهِ التّاجَ هُوَ مِكْيَالٌ عَظِيمٌ. قَالَ الرّاجِزُ يَصِفُ الْكَمْأَةَ: مَا لَك لَا تَجْرُفُهَا بِاْلَقَنْقَلِ ... لَا خَيْرَ فِي الْكَمْأَةِ إنْ لَمْ تَفْعَلْ
مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ - فَشَكَا إلَيْهِ أَمْرَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ لَهُ النّعْمَانُ إنّ لِي عَلَى كِسْرَى وِفَادَةً فِي كُلّ عَامٍ فَأَقِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ فَفَعَلَ ثُمّ خَرَجَ مَعَهُ فَأَدْخَلَهُ عَلَى كِسْرَى، وَكَان كِسْرَى يَجْلِسُ فِي إيوَانِ مَجْلِسِهِ الّذِي فِيهِ تَاجُهُ وَكَانَ تَاجُهُ مِثْلَ الْقَنْقَلِ الْعَظِيمِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - يُضْرَبُ فِيهِ الْيَاقُوتُ وَاللّؤْلُؤُ وَالزّبَرْجَدُ بِالذّهَبِ وَالْفِضّةِ مُعَلّقًا بِسَلْسَلَةِ مِنْ ذَهَبٍ فِي رَأْسِ طَاقَةٍ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَكَانَتْ عُنُقُهُ لَا تَحْمِلُ تَاجَهُ إنّمَا يُسْتَرُ بِالثّيَابِ حَتّى يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ثُمّ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي تَاجِهِ فَإِذَا اسْتَوَى فِي مَجْلِسِهِ كُشِفَتْ عَنْهُ الثّيَابُ فَلَا يَرَاهُ رَجُلٌ لَمْ يَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلّا بَرَكَ هَيْبَةً لَهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بَرَكَ. ابْن ذِي يزن بَين يَدي كسْرَى، ومعاونة كسْرَى لَهُ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ سَيْفًا لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَقَالَ الْمَلِكُ إنّ هَذَا الْأَحْمَقَ يَدْخُلُ عَلَيّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الطّوِيلِ ثُمّ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ؟ فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَيْفِ فَقَالَ إنّمَا فَعَلْت هَذَا لِهَمّي، لِأَنّهُ يَضِيقُ عَنْهُ كُلّ شَيْءٍ.



