— Bagian 7 · هَذَا الْبَابِ الطّوِيلِ ثُمّ يُطَأْطِئُ رَأْسَه… —
Bagian 7
هَذَا الْبَابِ الطّوِيلِ ثُمّ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ؟ فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَيْفِ فَقَالَ إنّمَا فَعَلْت هَذَا لِهَمّي، لِأَنّهُ يَضِيقُ عَنْهُ كُلّ شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ غَلَبَتْنَا عَلَى بِلَادِنَا الْأَغْرِبَةُ، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: أَيّ الْأَغْرِبَةِ: الْحَبَشَةُ أَمْ السّنَدُ؟ فَقَالَ بَلْ الْحَبَشَةُ، فَجِئْتُك لِتَنْصُرَنِي، وَيَكُونُ مُلْكُ بِلَادِي لَك، قَالَ بَعُدَتْ بِلَادُك مَعَ قِلّةِ خَيْرِهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُوَرّطَ١ جَيْشًا مِنْ فَارِسَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ ثُمّ أَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَافٍ وَكَسَاهُ كِسْوَةً حَسَنَةً فَلَمّا قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ سَيْفٌ خَرَجَ فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ الْوَرِقَ لِلنّاسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ فَقَالَ إنّ لِهَذَا لَشَأْنًا، ثُمّ بَعَثَ إلَيْهِ فَقَالَ عَمَدْت إلَى حِبَاءِ الْمَلِكِ تَنْثُرُهُ لِلنّاسِ فَقَالَ وَمَا أَصْنَعُ بِهَذَا؟ مَا جِبَالُ أَرْضِي الّتِي جُثْتُ مِنْهَا إلّا ذَهَبٌ وَفِضّةٌ - يُرَغّبُهُ فِيهَا فَجَمَعَ كِسْرَى مَرَازِبَتَهُ٢ فَقَالَ لَهُمْ مَاذَا تَرَوْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ وَمَا ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَرَازِبَتَهُ٢ فَقَالَ لَهُمْ مَاذَا تَرَوْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ وَمَا ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ قَائِلٌ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّ فِي سُجُونِك رِجَالًا قَدْ حَبَسْتهمْ لِلْقَتْلِ فَلَوْ أَنّك بَعَثْتهمْ مَعَهُ فَإِنْ يَهْلِكُوا كَانَ ذَلِكَ الّذِي أَرَدْت بِهِمْ وَإِنْ ظَفِرُوا كَانَ مُلْكًا ازْدَدْته، فَبَعَثَ مَعَهُ كِسْرَى مَنْ كَانَ فِي سُجُونِهِ وَكَانُوا ثَمَانَمِائَةِ رَجُلٍ. وهرز وَسيف بن ذِي يزن وانتصارهما على مَسْرُوق وَمَا قيل فِي ذَلِك من الشّعْر: وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ وَهْرِزُ وَكَانَ ذَا سِنّ فِيهِمْ وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا وَبَيْتًا، فَخَرَجُوا فِي ثَمَانِ سَفَائِنَ فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ وَوَصَلَ إلَى سَاحِلِ عَدَنٍ سِتّ سَفَائِنَ فَجَمَعَ سَيْفٌ إلَى وَهْرِزَ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ لَهُ رَجُلِي مَعَ رَجُلِك حَتّى نَمُوتَ جَمِيعًا، أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ لَهُ وَهْرِزُ أَنْصَفْت، وَخَرَجَ إلَيْهِ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ مَلِكُ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ إلَيْهِ جُنْدَهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ وَهْرِزُ ابْنًا لَهُ لِيُقَاتِلَهُمْ فَيَخْتَبِرَ قِتَالَهُمْ فَقُتِلَ ابْنُ وَهْرِزَ فَزَادَهُ ذَلِكَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ فَلَمّا تَوَاقَفَ النّاسُ عَلَى مَصَافّهِمْ قَالَ وَهْرِزُ أَرُونِي مُلْكَهُمْ فَقَالُوا لَهُ أَتَرَى رَجُلًا عَلَى الْفِيلِ عَاقِدًا تَاجَهُ عَلَى رَأْسِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ؟ قَالَ نَعَمْ قَالُوا: ذَاكَ مَلِكُهُمْ فَقَالَ اُتْرُكُوهُ قَالَ فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمّ قَالَ عَلَامَ هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوّلَ عَلَى الْفَرَسِ، قَالَ اُتْرُكُوهُ. فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمّ قَالَ عَلَامَ هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوّلَ عَلَى الْبَغْلَةِ.
َ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوّلَ عَلَى الْفَرَسِ، قَالَ اُتْرُكُوهُ. فَوَقَفُوا طَوِيلًا، ثُمّ قَالَ عَلَامَ هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَحَوّلَ عَلَى الْبَغْلَةِ. قَالَ وَهْرِزُ بِنْتُ الْحِمَارِ ذَلّ وَذَلّ مُلْكُهُ إنّي سَأَرْمِيهِ فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَهُ لَمْ يَتَحَرّكُوا، فَاثْبُتُوا حَتّى أُوذِنَكُمْ فَإِنّي قَدْ أَخْطَأْت الرّجُلَ وَإِنْ رَأَيْتُمْ الْقَوْمَ قَدْ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا بِهِ فَقَدْ أَصَبْت الرّجُلَ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمّ وَتّرَ قَوْسَهُ وَكَانَتْ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَا يُوتِرُهَا غَيْرُهُ مِنْ شِدّتِهَا، وَأَمَرَ بِحَاجِبَيْهِ فَعُصّبَا لَهُ ثُمّ ــ وَفِي"الْغَرْبِيّينَ" لِلْهَرَوِيّ الْقَنْقَلُ مِكْيَالٌ يَسَعُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ مَنًا١، وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ الْمَنَا، وَأَحْسَبُهُ وَزْنَ رِطْلَيْنِ وَهَذَا التّاجُ قَدْ أَتَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ حِينَ اسْتَلَبَ مَنْ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ جَدّهِ أَنُوشِرْوَانَ الْمَذْكُورِ فَلَمّا أَتَى بِهِ عُمَرُ ﵁ دَعَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيّ،
رَمَاهُ فَصَكّ الْيَاقُوتَةَ الّتِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَغَلْغَلَتْ النّشّابَةُ فِي رَأْسِهِ حَتّى خَرَجَتْ مِنْ قَفَاهُ، وَنُكِسَ عَنْ دَابّتِهِ وَاسْتَدَارَتْ الْحَبَشَةُ وَلَاثَتْ بِهِ وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ الْفُرْس، وَانْهَزَمُوا، فَقُتِلُوا وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ وَأَقْبَلَ وَهْرِزُ لِيَدْخُلَ صَنْعَاءَ، حَتّى إذَا أَتَى بَابَهَا، قَالَ لَا تَدْخُلُ رَايَتِي مُنَكّسَةً أَبَدًا، اهْدِمُوا الْبَابَ فَهَدَمَ ثُمّ دَخَلَهَا نَاصِبًا رَايَتَهُ فَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيّ: يَظُنّ النّاسَ بِالْمَلِكَيْنِ ... أَنّهُمَا قَدْ الْتَأَمَا وَمَنْ يَسْمَعْ بِلَأْمِهِمَا ... فَإِنّ الْخَطَبَ قَدْ فَقُمَا قَتَلْنَا الْقَيْلَ مَسْرُوقًا ... وَرَوّيْنَا الْكَثِيبَ دَمَا١ وَإِنّ الْقَيْلَ قَيْلُ النّا ... سِ وَهْرِزَ مُقْسِمٌ قَسَمَا يَذُوقُ مُشَعْشَعًا حَتّى ... يَفِيءَ السّبْيُ وَالنّعَمَا٢ ــ فَحَلّاهُ بِأَسْوِرَةِ كِسْرَى، وَجَعَلَ التّاجَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ "قُلْ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي نَزَعَ تَاجَ كِسْرَى، مَلِكَ الْأَمْلَاكِ مِنْ رَأْسِهِ وَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ أَعْرَابِيّ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ وَذَلِكَ بِعِزّ الْإِسْلَامِ وَبَرَكَتِهِ لَا بِقُوّتِنَا" وَإِنّمَا خَصّ عُمَرُ سُرَاقَةَ بِهَذَا ; لِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ قَالَ لَهُ "يَا سُرَاقُ كَيْفَ بِك إذَا وُضِعَ تَاجُ كِسْرَى عَلَى رَأْسِك وَإِسْوَارُهُ فِي يَدَيْك" أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ. وَذَكَرَ قُدُومَ سَيْفٍ مَعَ وَهْرِزَ عَلَى صَنْعَاءَ فِي سِتّمِائَةِ وَقَدْ قَدّمْنَا قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنّهُمْ كَانُوا سَبْعَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ وَانْضَافَتْ إلَيْهِمْ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ. صَنْعَاءُ: وَذَكَرَ دُخُولَ وَهْرِزَ صَنْعَاءَ وَهَدْمَهُ بَابَهَا، وَإِنّمَا كَانَتْ تُسَمّى قَبْلَ ذَلِكَ أَوَالٍ.
ْهِمْ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ. صَنْعَاءُ: وَذَكَرَ دُخُولَ وَهْرِزَ صَنْعَاءَ وَهَدْمَهُ بَابَهَا، وَإِنّمَا كَانَتْ تُسَمّى قَبْلَ ذَلِكَ أَوَالٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِي خَلّادُ بْنُ قُرّةَ السّدُوسِيّ آخِرَهَا بَيْتًا لِأَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِأُمَيّةِ بْنِ أَبِي الصّلْتِ: لِيَطْلُبَ الْوِتْرَ أَمْثَالُ ابْنِ ذِي يَزَنَ ... رَيّمَ فِي الْبَحْرِ لِلْأَعْدَاءِ أَحْوَالَا١ يَمّمَ قَيْصَرَ لَمّا حَانَ رِحْلَتُهُ ... فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ بَعْضَ الّذِي سَالَا ثُمّ انْثَنَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ عَاشِرَةٍ ... مِنْ السّنِينَ يُهِينُ النّفْسَ وَالْمَالَا مَتَى أَتَى بِبَنِي الْأَحْرَارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنّك عَمْرِي لَقَدْ أَسْرَعَتْ قِلْقَالَا٢ لِلّهِ دَرّهُمْ مِنْ عُصْبَةٍ خَرَجُوا ... مَا إنْ أَرَى لَهُمْ فِي النّاسِ أَمْثَالَا بِيضًا مَرَازِبَةً غُلْبًا أَسَاوِرَةً ... أُسْدًا تُرَبّبُ فِي الْغَيْضَاتِ أَشْبَالَا٣ ــ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيّ وَسُمّيَتْ صَنْعَاءَ لِقَوْلِ وَهْرِزَ حِينَ دَخَلَهَا: صَنْعَةً صَنْعَةً يُرِيدُ أَنّ الْحَبَشَةَ أَحْكَمَتْ صَنْعَهَا، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ يَذْكُرُ أَوَالٍ: عَمَدَ الْحُدَاةُ بِهَا لِعَارِضِ قَرْيَةٍ ... وَكَأَنّهَا سُفُنٌ بِسَيْفِ أَوَاَلْ٤ وَقَالَ جَرِيرٌ: وَشَبّهَتْ الْحُدُوجَ غَدَاةَ قَوّ ... سَفِينَ الْهِنْدِ رَوّحَ مَنْ أَوَالَا٥
ِ قَرْيَةٍ ... وَكَأَنّهَا سُفُنٌ بِسَيْفِ أَوَاَلْ٤ وَقَالَ جَرِيرٌ: وَشَبّهَتْ الْحُدُوجَ غَدَاةَ قَوّ ... سَفِينَ الْهِنْدِ رَوّحَ مَنْ أَوَالَا٥
يَرْمُونَ عَنْ شُدُفٍ كَأَنّهَا غُبُطٌ ... بِزَمْخَرٍ يُعَجّلُ الْمَرْمِيّ إعْجَالَا١ أَرْسَلْت أُسْدًا عَلَى سُودِ الْكِلَابِ فَقَدْ ... أَضْحَى شَرِيدُهُمْ فِي الْأَرْضِ فُلّالَا فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التّاجُ مُرْتَفِقًا ... فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْك مِحْلَالَا وَاشْرَبْ هَنِيئًا فَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ ... وَأَسْبِلْ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْك إسْبَالَا٢ تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قُعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شَيْبًا بِمَاءِ فَعَادَا بَعْدَ أَبْوَالَا ــ وَقَالَ الْأَخْطَلُ: خَوْصٍ كَأَنّ شَكِيمَهُنّ مُعَلّقٌ ... بِقَنَا رُدَيْنَةَ أَوْ جُذُوعٍ أَوَاَلْ وَقَدْ قِيلَ إنّ صَنْعَاءَ اسْمُ الّذِي بَنَاهَا، وَهُوَ صَنْعَاءُ بْنُ أَوَاَلْ بْنِ عَبِيرِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِخَ فَكَانَتْ تُعْرَفُ تَارَةً بِأَوَالِ وَتَارَةً بِصَنْعَاءَ. شَرْحٌ لَامِيّةِ ابْنِ أَبِي الصّلْتِ: وَقَوْلُهُ فِي شِعْرِ أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ: رَيّمَ فِي الْبَحْرِ. أَيْ أَقَامَ فِيهِ وَمِنْهُ الرّوَايِمُ وَهِيَ الْأَثَافِي، كَذَلِكَ وَجَدْته فِي حَاشِيَة الشّيْخِ الّتِي عَارَضَهَا بِكِتَابَيْ "أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ", وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٍ لِأَنّ الرّوَايِمَ مِنْ رَأَمَتْ إذَا عَطَفَتْ وَرَيّمَ لَيْسَ مِنْ رَأَمَ وَإِنّمَا هُوَ مِنْ الرّيْمِ وَهُوَ الدّرَجُ أَوْ مِنْ الرّيْمِ الّذِي هُوَ الزّيَادَةُ وَالْفَضْلُ أَوْ مِنْ رَامَ يَرِيمُ إذَا بَرِحَ كَأَنّهُ يُرِيدُ غَابَ زَمَانًا، وَأَحْوَالًا، ثُمّ رَجَعَ لِلْأَعْدَاءِ وَارْتَقَى فِي دَرَجَاتِ الْمَجْدِ أَحْوَالًا إنْ كَانَ مِنْ الرّيْمِ الّذِي هُوَ الدّرْجُ وَوَجَدْته فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ خَيّمَ مَكَانَ رَيّمَ فَهَذَا مَعْنَاهُ أَقَامَ. وَقَوْلُهُ عَمْرِي. أَرَادَ لَعَمْرِي وَقَدْ قَالَ الطّائِيّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَمْرِي لَقَدْ نَصَحَ الزّمَانُ وَإِنّهُ ... لَمِنْ الْعَجَائِبِ نَاصِحٌ لَا يُشْفَقُ وَقَوْلُهُ: أَسْرَعَتْ قِلْقَالًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، وَكَقَوْلِ الْآخَرِ "وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزّ كُلّ مُقَلْقَلٍ" وَهِيَ شِدّةُ الْحَرَكَةِ. وَقَوْلُهُ: "يَرْمُونَ عَنْ شُدُفٍ كَأَنّهَا غُبُطٌ" الشّدَفُ الشّخْصُ وَيُجْمَعُ عَلَى شُدُفٍ وَلَمْ يُرِدْ هَهُنَا إلّا الْقِسِيّ وَلَيْسَ شُدُفٌ جَمْعًا لِشَدَفٍ وَإِنّمَا هُوَ جَمْعُ شَدُوفٌ وَهُوَ النّشِيطُ الْمَرِحُ يُقَالُ شَدِفَ فَهُوَ شَدِفٌ ثُمّ تَقُولُ شَدُوفٌ كَمَا تَقُولُ مَرُوحٌ وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْمَرَحُ وَالنّشَاطُ لِلْقِسِيّ لِحُسْنِ تَأَتّيهَا وَجَوْدَةِ رَمْيِهَا وَإِصَابَتِهَا، وَإِنّمَا احْتَجْنَا إلَى هَذَا التّأْوِيلِ لِأَنّ فَعَلًا لَا يُجْمَعُ عَلَى فُعُلٍ إلّا وَثَنٌ وَوُثُنٌ فَإِنْ قُلْت: فَيُجْمَعُ عَلَى فُعُولٍ مِثْلُ أُسُودٍ فَتَقُولُ شَدُوفٌ ثُمّ تَجْمَعُ الْجَمْعَ فَتَقُولُ شُدُفٌ قُلْنَا: الْجَمْعُ الْكَثِيرُ لَا يُجْمَعُ وَإِنّمَا يُجْمَعُ مِنْهُ أَبْنِيَةُ الْقَلِيلِ. نَحْوَ أَفْعَالٍ وَأَفْعُلٍ وَأَفْعِلَةٍ وَأَشْبَهُ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْبَيْتِ إنّهُ جَمْعٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ هَذَا إنْ كَانَ الشّدُفُ الْقِسِيّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ شَدَفًا عَلَى شُدْفٍ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسْدٍ، ثُمّ حَرّكَ الدّالَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْمَرِحَ مِنْ الْخَيْلِ كَمَا تَقَدّمَ. وَجَعَلَهَا كَالْغُبُطِ لِإِشْرَافِ ظُهُورِهَا وَعُلُوّهَا. وَقَوْلُهُ يَرْمُونَ عَنْ شُدُفٍ أَيْ يَدْفَعُونَ عَنْهَا بِالرّمْيِ وَيَكُونُ الزّمْخَرُ الْقَسِيّ، أَوْ النّبْلُ. وَالْغُبُطُ الْهَوَادِجُ وَالزّمْخَرُ الْقَصَبُ الْفَارِسِيّ.
دُفٍ أَيْ يَدْفَعُونَ عَنْهَا بِالرّمْيِ وَيَكُونُ الزّمْخَرُ الْقَسِيّ، أَوْ النّبْلُ. وَالْغُبُطُ الْهَوَادِجُ وَالزّمْخَرُ الْقَصَبُ الْفَارِسِيّ. وَقَوْلُهُ: فِي رَأْسِ غُمْدَانَ. ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ غُمْدَانَ أَسّسَهُ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَأَكْمَلَهُ بَعْدَهُ وَاحْتَلّهُ وَائِلُ بْنُ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ، وَكَانَ مَلِكًا مُتَوّجًا كَأَبِيهِ وَجَدّهِ. وَقَوْلُهُ: شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ، أَيْ: هَلَكُوا، وَالنّعَامَةُ: بَاطِنُ الْقَدَمِ وَشَالَتْ ارْتَفَعَتْ وَمَنْ هَلَكَ ارْتَفَعَتْ رِجْلَاهُ وَانْتَكَسَ رَأْسُهُ فَظَهَرَتْ نَعَامَةُ قَدَمِهِ تَقُولُ الْعَرَبُ: تَنَعّمْت إذَا مَشَيْت حَافِيًا، قَالَ الشّاعِرُ: تَنَعّمْت لَمّا جَاءَنِي سُوءُ فِعْلِهِمْ ... أَلَا إنّمَا الْبَأْسَاءُ لِلْمُتَنَعّمِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحّ لَهُ مِمّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ مِنْهَا، إلّا آخِرَهَا بَيْتًا قَوْلُهُ تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ١ فَإِنّهُ لِلنّابِغَةِ الْجَعْدِيّ. وَاسْمُهُ [حِبّانُ بْنُ] عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَدِيّ بْنُ زَيْدٍ الْحِيرِيّ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ عَدِيّ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: مَا بَعْدَ صَنْعَاءَ كَانَ يَعْمُرُهَا ... وُلَاةُ مُلْكٍ جَزْلٍ مَوَاهِبُهَا رَفّعَهَا مَنْ بَنَى لَدَى قَزَعِ الْ ... مُزْنِ وَتَنْدَى مِسْكًا مَحَارِبُهَا٢ مَحْفُوفَةٌ بِالْجِبَالِ دُونَ عُرَى الْ ... كَائِدِ مَا تُرْتَقَى غَوَارِبُهَا٣ ــ وَالنّعَامَةُ أَيْضًا: الظّلْمَةُ وَالنّعَامَةُ الدّعَامَةُ الّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ وَالنّعَامَةُ الْجَمَاعَةُ مِنْ النّاسِ وَابْنُ النّعَامَةِ عِرْقٌ فِي بَاطِنِ الْقَدَمِ.
لنّعَامَةُ الدّعَامَةُ الّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ وَالنّعَامَةُ الْجَمَاعَةُ مِنْ النّاسِ وَابْنُ النّعَامَةِ عِرْقٌ فِي بَاطِنِ الْقَدَمِ. النّابِغَةُ وَعَدِيّ بْنُ زَيْدٍ: وَذَكَرَ النّابِغَةَ الْجَعْدِيّ وَاسْمُهُ: قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَقِيلَ إنّ اسْمَهُ حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَحْوَحَ وَالْوَحْوَحُ فِي اللّغَةِ وَسَطُ الْوَادِي، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ النّوَابِغُ وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ ذَكَرَهُمْ الْبَكْرِيّ، وَذَكَرَ الْأَعَاشِي وَهُمْ
يَأْنِسُ فِيهَا صَوْتُ النّهَامِ إذَا ... جَاوَبَهَا بِالْعَشِيّ قَاصِبُهَا سَاقَتْ إلَيْهِ الْأَسْبَابُ جند بني الْأَحْرَار فُرْسَانُهَا مَوَاكِبُهَا وَفَوّزَتْ بالبغال توسق بالحتف وَتَسْعَى بِهَا تَوَالِبُهَا حَتّى رَآهَا الْأَقْوَالُ من طرف المنقل مُخْضَرّةً كَتَائِبُهَا يَوْمَ يُنَادُونَ آل بربر واليكسوم لَا يُفْلِحَن هَارِبُهَا وَكَانَ يَوْمَ بَاقِي الْحَدِيثِ وَزَا ... لَتْ إمّةٌ ثَابِتٌ مَرَاتِبُهَا وَبُدّلَ الْفَيْجُ بِالزّرَافَةِ وَالْأَيَا ... مُ جُونٌ جَمّ عَجَائِبُهَا بَعْدَ بَنِي تُبّعٍ نَخَاوِرَةٌ ... قَدْ اطْمَأَنّتْ بِهَا مَرَازِبُهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ وَرَوَاهُ لِي عَنْ الْمُفَضّلِ الضّبّيّ قَوْلُهُ: يَوْمَ يُنَادِنّ آلَ بربر واليكسوم ... الخ. ــ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَالنّابِغَةُ١ شَاعِرٌ مُعَمّرٌ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَكْثَرُهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَقُدُومُهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنْشَادُهُ إيّاهُ وَدُعَاءُ النّبِيّ ﷺ أَلّا يَفُضّ اللهُ فَاهُ مَشْهُورٌ وَفِي كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْخَبَرِ مَسْطُورٌ فَلَا مَعْنَى لِلْإِطَالَةِ بِهِ.
شَادُهُ إيّاهُ وَدُعَاءُ النّبِيّ ﷺ أَلّا يَفُضّ اللهُ فَاهُ مَشْهُورٌ وَفِي كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْخَبَرِ مَسْطُورٌ فَلَا مَعْنَى لِلْإِطَالَةِ بِهِ. وَذَكَرَ شِعْرَ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيّ، نُسِبَ إلَى الْعِبَادِ وَهُمْ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، قِيلَ إنّهُمْ انْتَسَلُوا مِنْ أَرْبَعَةٍ عَبْدِ الْمَسِيحِ وَعَبْدِ كُلَالٍ وَعَبْدِ اللهِ وَعَبْدِ يالَيْل، وَكَذَلِكَ سَائِرُهُمْ فِي اسْمِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدٌ وَكَانُوا قَدِمُوا عَلَى مَلِكٍ فَتَسَمّوْا لَهُ فَقَالَ أَنْتُمْ الْعِبَادُ فَسُمّوا بِذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ "أَبْعَدُ النّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ الرّومُ وَالْعِبَادُ"
هزيمَة الأحباش، ونبوءة سطيح وشق: وَهَذَا الّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: "يَلِيهِ إرَمُ ذِي يَزَنَ، يَخْرَجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنٍ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ". وَاَلّذِي عَنَى شِقّ بِقَوْلِهِ: "غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيّ وَلَا مُدْنٍ يَخْرَجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ". ــ وَأَحْسَبُهُمْ هَؤُلَاءِ لِأَنّهُمْ تَنَصّرُوا، وَهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَاَلّذِي ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ فِي نَسَبِ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ أَنّهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ حَمّادِ بْنِ أَيّوبَ بْنِ مَجْرُوفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُصَيّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. وَقَدْ دَخَلَ بَنُو امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ فِي الْعِبَادِ. فَلِذَلِكَ يُنْسَبُ عَدِيّ إلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: صَوْتُ النّهَامِ يُرِيدُ ذِكْرَ الْيَوْمِ وَقَاصِبُهَا: الّذِي يُزَمّرُ فِي الْقَصَبِ. وَقَوْلُهُ فِيهَا: دُونَ عُرَى الْكَائِدِ يُرِيدُ عُرَى السّمَاءِ وَأَسْبَابُهَا، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ عَرَى بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهِيَ النّاحِيَةُ وَأَضَافَهَا إلَى الْكَائِدِ وَهُوَ الّذِي كَادَهُمْ وَالْبَارِي ﷾ كَيْدُهُ مَتِينٌ. وَقَوْلُهُ: فَوّزَتْ بِالْبِغَالِ أَيْ رَكِبَتْ الْمَفَاوِزَ١. وَقَوْلُهُ: تُوسَقُ بِالْحَتْفِ أَيْ أَوْسَقَ الْبِغَالَ الْحُتُوف، وَتَوَالِبُهَا: جَمْعُ تَوْلَبٍ وَهُوَ وَلَدُ الْحِمَارِ وَالتّاءُ فِي تَوْلَبٍ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ كَمَا فِي تَوْأَمٌ وَتَوْلَجٌ٢ وَفِي تَوْرَاةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنّ اشْتِقَاقَ التّوْلَبِ مِنْ الْوَالِبَةِ وَهِيَ مَا يُوَلّدُهُ الزّرْعُ وَجَمْعُهَا: أَوَالِبُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ طَرَفِ الْمَنْقَلِ أَيْ مِنْ أَعَالِي حُصُونِهَا، وَالْمِنْقَالُ الْخَرْجُ يُنْقَلُ إلَى الْمُلُوكِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ فَكَأَنّ الْمَنْقَلَ مِنْ هَذَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: مُخْضَرّةٌ كَتَائِبُهَا. يَعْنِي مِنْ الْحَدِيدِ وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ الْخَضْرَاءُ٣.
َكَأَنّ الْمَنْقَلَ مِنْ هَذَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: مُخْضَرّةٌ كَتَائِبُهَا. يَعْنِي مِنْ الْحَدِيدِ وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ الْخَضْرَاءُ٣.
ذكر مَا انْتهى إِلَيْهِ أَمر الْفُرْسِ بِالْيَمَنِ: ملك الْحَبَشَة فِي الْيمن وملوكهم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ وَهْرِزُ وَالْفُرْسُ بِالْيَمَنِ، فَمِنْ بَقِيّةِ ذَلِكَ الْجَيْشِ مِنْ الْفُرْسِ: الْأَبْنَاءُ الّذِينَ بِالْيَمَنِ الْيَوْمَ. وَكَانَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ، فِيمَا بَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا أَرْيَاطُ إلَى أَنْ قَتَلَتْ الْفُرْسُ مَسْرُوقَ بْنَ أَبْرَهَةَ وَأَخْرَجَتْ الْحَبَشَةَ، اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ أَرْيَاطٌ، ثُمّ أَبْرَهَةُ، ثُمّ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ ثُمّ مَسْرُوقُ بن أَبْرَهَة. مُلُوك الْفُرْسِ عَلَى الْيَمَنِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ مَاتَ وَهْرِزُ فَأَمَرَ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانِ بْنِ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ، ــ وَقَوْلُهُ: يُنَادَوْنَ آلَ بَرْبَرَ ; لِأَنّ الْبَرْبَرَ وَالْحَبَشَةَ مِنْ وَلَدِ حَامٍ١. وَقَدْ قِيلَ إنّهُمْ مِنْ وَلَدِ جَالُوتَ مِنْ الْعَمَالِيقِ. وَقَدْ قِيلَ فِي جَالُوتَ إنّهُ مِنْ الْخَزَرِ، وَإِنّ أفريقس لَمّا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ سَمِعَ لَهُمْ بَرْبَرَةً وَهِيَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ فَقَالَ مَا أَكْثَرَ بَرْبَرَتَهُمْ فَسُمّوا بِذَلِكَ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَقَوْلُهُ وَالْغُرُبُ أَرَادَ الْغُرُبَ بِضَمّ الرّاءِ جَمْعُ: غُرَابٍ وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَغْرِبَةً وَغِرْبَانٌ وَلَكِنّ الْقِيَاسَ لَا يَدْفَعُهُ وَعَنَى بِهِمْ السّودَانَ.
ْغُرُبَ بِضَمّ الرّاءِ جَمْعُ: غُرَابٍ وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَغْرِبَةً وَغِرْبَانٌ وَلَكِنّ الْقِيَاسَ لَا يَدْفَعُهُ وَعَنَى بِهِمْ السّودَانَ. وَقَوْلُهُ وَبُدّلَ الْفَيْجُ بِالزّرَافَةِ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ فِي مِشْيَتِهِ وَالزّرَافَةُ الْجَمَاعَةُ٢ وَقِيلَ فِي الزّرَافَةِ الّتِي هِيَ حَيَوَانٌ طَوِيلُ الْعُنُقِ إنّهُ اخْتَلَطَ فِيهَا النّسْلُ بَيْنَ الْإِبِلِ الْوَحْشِيّةِ وَالْبَقَرِ الْوَحْشِيّةِ وَالنّعَامِ وَإِنّهَا مُتَوَلّدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثّلَاثَةِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الزّبَيْدِيّ وَغَيْرُهُ وَأَنْكَرَ الْجَاحِظُ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ لَهُ وَقَالَ إنّمَا دَخَلَ
ثُمّ مَاتَ الْمَرْزُبَانُ فَأَمَرَ كِسْرَى ابْنَهُ التّيْنُجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمّ مَاتَ التّيْنُجَانُ فَأَمَرَ كِسْرَى ابْنَ التّيْنُجَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمّ عَزَلَهُ وَأَمّرَ بَاذَانَ فَلَمْ يَزَلْ بَاذَانُ عَلَيْهَا حَتّى بَعَثَ اللهُ مُحَمّدًا النّبِيّ ﷺ كسْرَى وبعثة النَّبِي ﷺ: فَبَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَانَ: أَنّهُ بَلَغَنِي أَنّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ بِمَكّةَ، يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، فَسِرْ إلَيْهِ فَاسْتَتِبْهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلّا فَابْعَثْ إلَيّ بِرَأْسِهِ فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ – "إنّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَقْتُلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا" فَلَمّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقّفَ لِيَنْظُرَ وَقَالَ إنْ كَانَ نَبِيّا، فَسَيَكُونُ ــ
يَقْتُلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا" فَلَمّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقّفَ لِيَنْظُرَ وَقَالَ إنْ كَانَ نَبِيّا، فَسَيَكُونُ ــ هَذَا الْغَلَطُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفُرْسِ لَهَا "اشْتَرِ - كَاوِ - مَاهَ١". وَالْفُرْسُ إنّمَا سَمّتْهُ بِذَلِكَ لِأَنّ فِي خِلْقَتِهَا شَبَهًا مِنْ جَمَلٍ وَنَعَامَةٍ وَبَقَرَةٍ فَاشْتَرِ هُوَ الْجَمَلُ وَكَاوِ النّعَامَةُ وَمَاهُ الْبَقَرَةُ وَالْفُرْسُ تُرَكّبُ الْأَسْمَاءَ وَتُمْزَجُ الْأَلْفَاظُ إذَا كَانَ فِي الْمُسَمّى شَبَهٌ مِنْ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ وَيُقَالُ زَرَافّةٌ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ الْقَنَانِيّ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ بَنِي تُبّعٍ بَجَاوِرَةٌ. هَكَذَا فِي نُسْخَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْأَسَدِيّ مُصَحّحًا عَلَيْهِ وَقَدْ كَتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ نَخَاوَرَةٌ فِي الْأَمِينِ وَفِي الْحَاشِيَةِ النّخَاوِرَةُ الْكِرَامُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْمُوعَةِ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ يَعْنِي نُسْخَتَيْ أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ اللّتَيْنِ قَابَلَ بِهِمَا مَرّتَيْنِ وَيَعْنِي بِالْحَاشِيَةِ حَاشِيَة "تِينك الْأَمِين" وَأَنّ فِيهِمَا: نَخَاوَرَةً بِالنّونِ وَالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ وَهُمْ الْكِرَامُ كَمَا ذُكِرَ. بَاذَانُ وَكِسْرَى: وَذَكَرَ قِصّةَ بَاذَانَ، وَمَا كَتَبَ بِهِ إلَى كِسْرَى، وَكِسْرَى هَذَا هُوَ أَبَرْوَيْزُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ، وَمَعْنَى أَبْرَوَيْزَ بِالْعَرَبِيّةِ الْمُظَفّرُ وَهُوَ الّذِي غَلَبَ الرّومَ حِينَ أَنَزَلَ اللهُ:
مَا قَالَ. فَقَتَلَ اللهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قُتِلَ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حَقّ الشّيْبَانِيّ:. وَكِسْرَى إذْ تَقَسّمَهُ بَنُوهُ ... بِأَسْيَافِ كَمَا اُقْتُسِمَ اللّحَامُ١ تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمِ ... أَنَى، وَلِكُلّ حاملة تَمام٢ إِسْلَام بَاذَانُ: قَالَ الزّهْرِيّ: فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ بَاذَانَ بَعَثَ بِإِسْلَامِهِ٣ وَإِسْلَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُرْسِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ الرّسُلُ مِنْ الْفُرْسِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى مَنْ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "أَنْتُمْ مِنّا وَإِلَيْنَا أهل الْبَيْت". ــ ﴿الم غُلِبَتِ الرّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الرّوم: ١-٣] وَهُوَ الّذِي عُرِضَ عَلَى اللهِ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ سَلّمْ مَا فِي يَدَيْك إلَى صَاحِبِ الْهِرَاوَةِ فَلَمْ يَزَلْ مَذْعُورًا مِنْ ذَلِكَ حَتّى كَتَبَ إلَيْهِ النّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِظُهُورِ النّبِيّ ﷺ بِتِهَامَةَ٤، فَعَلِمَ أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَيْهِ حَتّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ وَهُوَ الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ وَحَفِيدُهُ يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوَيْزَ وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَكَانَ سُلِبَ مُلْكُهُ وَهُدِمَ سُلْطَانُهُ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، ثُمّ قُتِلَ هُوَ فِي أَوّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وُجِدَ مُسْتَخْفِيًا فِي رَحًى٥ فَقُتِلَ وَطُرِحَ فِي قَنَاةِ الرّحَى، وَذَلِكَ بِمَرْوَ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ بَاذَانَ وَمَقْتَلَ كِسْرَى، وَكَانَ مَقْتَلُ كِسْرَى حِينَ قَتَلَهُ بَنُوهُ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ لِعَشْرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ فِي سَنَةِ
نَ قَتَلَهُ بَنُوهُ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ لِعَشْرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ فِي سَنَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَشْرٍ وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْأَبْنَاءِ١ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَمِنْ الْأَبْنَاءِ وَهْبُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ سَيْجِ بْنِ ذُكْبَارٍ، وَطَاوُوسٌ وَذَادَوَيْهِ وَفَيْرُوزُ اللّذَانِ قَتَلَا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيّ الْكَذّابَ وَقَدْ قِيلَ فِي طَاوُوسٍ إنّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَإِنّهُ مِنْ حِمْيَرَ، وَقَدْ قِيلَ مِنْ فَارِسَ، وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ مَوْلَى بُجَيْرِ بْنِ رَيْسَانَ وَقَدْ قِيلَ مَوْلَى الْجَعْدِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ طَاوُوسٌ الْقَرّاءُ لِجَمَالِهِ. وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ حِقّ: تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمِ ... أَنَى ; وَلِكُلّ حَامِلَةٍ تِمَامُ٢ الْمَنُونُ: الْمَنِيّةُ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْمَاءِ الدّهْرِ وَهُوَ مِنْ مَنَنْت الْحَبْلَ إذَا قَطَعْته، وَفَعُولٌ إذَا كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لَمْ تَدْخُلْ التّاءُ فِي مُؤَنّثِهِ لِسِرّ بَدِيعٍ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ فَيُقَالُ امْرَأَةٌ صَبُورٌ وَشَكُورٌ فَمَعْنَى الْمَنُونِ الْمَقْطُوعُ وَتَمَخّضَتْ أَيْ حَمَلَتْ وَالْمَخَاضُ الْحَمْلُ وَوَزْنُهُ فَعَالٌ وَمَخَاضَةُ الْمَاءِ وَمَخَاضَةُ [النّهْرِ] وَزْنُهُ مَفْعَلٌ مِنْ الْخَوْضِ.
عُ وَتَمَخّضَتْ أَيْ حَمَلَتْ وَالْمَخَاضُ الْحَمْلُ وَوَزْنُهُ فَعَالٌ وَمَخَاضَةُ الْمَاءِ وَمَخَاضَةُ [النّهْرِ] وَزْنُهُ مَفْعَلٌ مِنْ الْخَوْضِ. وَقَوْلُهُ: أَنَى، أَيْ: حَانَ، وَقَدْ قَلَبُوهُ فَقَالُوا: آنَ يَئِينُ وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّ آنَ يَئِينُ مَقْلُوبٌ مِنْ أَنّى يَأْنَى، قَوْلُهُ آنَاءَ اللّيْلِ وَوَاحِدُهَا: إنًى وَأَنًى وَإِنْيٌ فَالنّونُ مُقَدّمَةٌ عَلَى الْيَاءِ فِي كُلّ هَذَا، وَفِي كُلّ مَا صُرِفَ مِنْهُ نَحْوَ الْإِنَاءِ وَالْآنِي: الّذِي بَلَغَ أَنَاهٍ أَيْ مُنْتَهَى وَقْتِهِ فِي التّسْخِينِ وَهَذَا الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ الدّهْرُ حُبْلَى لَا يَدْرِي مَا تَضَعُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَنُونِ فِي الْبَيْتِ الدّهْرَ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَنُونِ الْمَنِيّةَ فَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِهَذَا الْيَوْمِ الّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنّ مَوْتَهُ مُنْيَتُهُ فَكَيْفَ تَتَمَخّضُ الْمُنْيَةُ بِالْمُنْيَةِ إلّا أَنْ يُرِيدَ أَسِبَابَهَا، وَمَا مُنِيَ لَهُ، أَيْ: قُدّرَ مِنْ وَقْتِهَا،
نّ مَوْتَهُ مُنْيَتُهُ فَكَيْفَ تَتَمَخّضُ الْمُنْيَةُ بِالْمُنْيَةِ إلّا أَنْ يُرِيدَ أَسِبَابَهَا، وَمَا مُنِيَ لَهُ، أَيْ: قُدّرَ مِنْ وَقْتِهَا،
سلمَان منا: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: فَمِنْ ثَمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ – "سَلْمَانُ مِنّا أهل الْبَيْت". بعثة النَّبِي، ونبوءة سطيح وشق: عَوْدٌ إلَى شِقّ وَسَطِيحٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهُوَ الّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ "نَبِيّ زَكِيّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيّ". وَاَلّذِي عَنَى شِقّ بِقَوْلِهِ "بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَلٍ يَأْتِي بِالْحَقّ وَالْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الدّينِ وَالْفَضْلِ يَكُونُ الْمَلِكُ فِي قَوْمِهِ إلَى يَوْمِ الْفَصْل". ــ فَتَصِحّ الِاسْتِعَارَةُ حِينَئِذٍ وَيَسْتَقِيمُ التّشْبِيهُ. وَقَوْلُ ابْنِ حِقّ وَكِسْرَى إذْ تَقْسِمُهُ بَنُوهُ. وَإِنّمَا كَانَ قَتْلُهُ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ لَكِنْ ذَكَرَ بَنِيهِ لِأَنّ بَدْءَ الشّرّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنّ فَرْخَانَ رَأَى فِي النّوْمِ أَنّهُ قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ فِي مَوْضِعِ أَبِيهِ فَبَلَغَ أَبَاهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَى ابْنِهِ شَهْرَيَارَ - وَكَانَ وَالِيًا لَهُ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ اُقْتُلْ أَخَاك فَرْخَانَ فَأَخْفَى شَهْرَيَارُ الْكِتَابَ مِنْ أَخِيهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَرّةً أُخْرَى، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ فَعَزَلَهُ وَوَلّى فَرْخَانَ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ شَهْرَيَارَ فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فَأَرَاهُ شَهْرَيَارُ الْكِتَابَ الّذِي كَتَبَ لَهُ أَبُوهُ فِيهِ فَتَوَاطَآ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى أَبِيهِمَا، وَأَرْسَلَا إلَى مَلِكِ الرّومِ يَسْتَعِينَانِ بِهِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ فَكَانَ هَذَا بَدْءَ الشّرّ ثُمّ إنّ الْفُرْسَ خَلَعَتْ كِسْرَى لِأَحْدَاثِ أَحْدَثَهَا، وَوَلّتْ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَكَانَ كِسْرَى أَبْرَوَيْزَ رُبّمَا أَشَارَ بِرَأْيِ مِنْ مَحْبِسِهِ فَقَالَتْ الْمَرَازِبَةُ لِشِيرَوَيْهِ لَا يَسْتَقِيمُ لَك الْمُلْكُ إلّا أَنْ تَقْتُلَ أَبَاك١،
َبْرَوَيْزَ رُبّمَا أَشَارَ بِرَأْيِ مِنْ مَحْبِسِهِ فَقَالَتْ الْمَرَازِبَةُ لِشِيرَوَيْهِ لَا يَسْتَقِيمُ لَك الْمُلْكُ إلّا أَنْ تَقْتُلَ أَبَاك١، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فَيُقَالُ إنّهُ كَانَ يَضْرِبُ بِالسّيْفِ فَمَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَفَتّشَ فَوَجَدَ عَلَى عَضُدِهِ حَجَرٌ مُعَلّقٌ كَالْخَرَزَةِ فَنُزِعَ فَعَمِلَتْ فِيهِ السّلَاحُ٢،
الْحجر الَّذِي وجد بِالْيمن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - كِتَابٌ بِالزّبُورِ كُتِبَ فِي الزّمَانُ الْأَوّلُ "لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارٍ؟ لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارِ لِمَنْ مُلْك ذِمَارَ؟ لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارِ لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ لِقُرَيْشِ التّجّارِ". وَذِمَارُ: الْيَمَنُ أَوْ صَنْعَاءُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَمَارُ: بِالْفَتْحِ فِيمَا أَخْبَرَنِي يُونُسُ. شعر الْأَعْشَى فِي نبوءة سطيح وشق: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَعْشَى - أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي وُقُوعِ مَا قَالَ سَطِيحٌ وَصَاحِبُهُ: مَا نَظَرَتْ ذَاتُ أَشْفَارٍ كَنَظْرَتِهَا ... حَقّا كَمَا صَدَقَ الذّئْبِيّ إذْ سَجَعَا١ ــ وَكَانَ قَبْلُ يَقُولُ لَابْنِهِ يَا قَصِيرَ الْعُمْرِ فَلَمْ يَدُمْ أَمْرُهُ بَعْدَهُ إلّا أَقَلّ مِنْ سِتّةِ أَشْهُرٍ - فِيمَا ذَكَرُوا - وَاَللهُ أَعْلَمُ. "ذِمَارُ وَحِمْيَرُ وَفَارِسُ وَالْحَبَشَةُ": وَقَوْلُهُ وُجِدَ بِحَجَرِ بِالْيَمَنِ: لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ وَحَكَى ابْنُ هِشَامٍ عَنْ يُونُسَ ذَمَارَ بِفَتْحِ الذّالِ فَدَلّ عَلَى أَنّ رِوَايَةَ ابْنِ إسْحَاقَ بِالْكَسْرِ فَإِذَا كَانَ بِكَسْرِ الذّالِ فَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِأَنّهُ اسْمٌ لِمَدِينَةِ وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ التّأْنِيثُ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ أَيْضًا ; لِأَنّهُ اسْمُ بَلَدٍ وَإِذَا فُتِحَتْ الذّالُ فَهُوَ مَبْنِيّ٢ مِثْلُ رَقَاشِ وَحَذَامِ وَبَنُو تَمِيمٍ يُعْرِبُونَ مِثْلَ هَذَا الْبِنَاءِ فَيَقُولُونَ رَقَاشُ [وَحَذَامُ] فِي الرّفْعِ وَرَقَاشَ وَحَذَامَ فِي النّصْبِ وَالْخَفْضِ يُعْرِبُونَهُ وَلَا يَصْرِفُونَهُ فَإِذَا كَانَ لَامُ الْفِعْلِ رَاءً
رَقَاشُ [وَحَذَامُ] فِي الرّفْعِ وَرَقَاشَ وَحَذَامَ فِي النّصْبِ وَالْخَفْضِ يُعْرِبُونَهُ وَلَا يَصْرِفُونَهُ فَإِذَا كَانَ لَامُ الْفِعْلِ رَاءً
وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ لِسَطِيحِ الذّئْبِيّ، لِأَنّهُ سَطِيحُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنَ بْنِ ذِئْبٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ــ اتّفَقُوا مَعَ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْكَسْرِ. وَذَمَارِ: مِنْ ذَمَرْتُ الرّجُلَ إذَا حَرّضْته عَلَى الْحَرْبِ. وَقَوْلُهُ: لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارُ لِأَنّهُمْ كَانُوا أَهْلَ دِينٍ كَمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ فَيْمُونَ وَابْنِ الثّامِرِ. وَقَوْلُهُ لِفَارِسَ الْأَحْرَارُ فَلِأَنّ الْمُلْكَ فِيهِمْ مُتَوَارِثٌ مِنْ أَوّلِ الدّنْيَا مِنْ عَهْدِ جيومرت١ فِي زَعْمِهِمْ إلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ لَمْ يَدِينُوا لِمَلِكِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا أَدّوْا الْأَتَاوَةَ٢ لِذِي سُلْطَانٍ مِنْ سِوَاهُمْ فَكَانُوا أَحْرَارًا لِذَلِكَ. وَأَمّا قَوْلُهُ لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارُ فَلَمّا أَحْدَثُوا فِي الْيَمَنِ مِنْ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ وَإِخْرَابِ الْبِلَادِ حَتّى هَمّوا بِهَدْمِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، وَسَيَهْدِمُونَهُ فِي آخِرِ الزّمَانِ٣ إذَا رَفَعَ الْقُرْآنَ وَذَهَبَ مِنْ الصّدُورِ الْإِيمَانُ وَهَذَا الْكَلَامُ الْمُسَجّعُ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ مَنْظُومًا: حِينَ شِيدَتْ ذِمَارِ قِيلَ لِمَنْ أَنْ ... تَ فَقَالَتْ لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارِ ثُمّ سِيلَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ؟ فَقَالَتْ ... أَنَا لِلْحَبْشِ أَخْبَثِ الْأَشْرَارِ ثُمّ قَالُوا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ لِمَنْ أَنْ ... تَ؟ فَقَالَتْ لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ ثُمّ قَالُوا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ لِمَنْ أَنْ ... تَ فَقَالَتْ إلَى قُرَيْشٍ التّجَارِ وَهَذَا الْكَلَامُ الّذِي ذَكَرَ أَنّهُ وُجِدَ مَكْتُوبًا بِالْحَجَرِ هُوَ - فِيمَا زَعَمُوا - مِنْ كَلَامِ
... تَ فَقَالَتْ إلَى قُرَيْشٍ التّجَارِ وَهَذَا الْكَلَامُ الّذِي ذَكَرَ أَنّهُ وُجِدَ مَكْتُوبًا بِالْحَجَرِ هُوَ - فِيمَا زَعَمُوا - مِنْ كَلَامِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُودٍ ﵇ وُجِدَ مَكْتُوبًا فِي مِنْبَرِهِ وَعِنْدَ قَبْرِهِ حِينَ كَشَفَتْ الرّيحُ الْعَاصِفَةَ عَنْ مِنْبَرِهِ الرّمْلَ حَتّى طَهُرَ وَذَلِكَ قَبْلَ مُلْكِ بِلْقِيسَ بِيَسِيرِ وَكَانَ خَطّهُ بِالْمُسْنَدِ وَيُقَالُ إنّ الّذِي بَنَى ذِمَارِ هُوَ شِمْرُ بْنُ الْأُمْلُوكِ وَالْأُمْلُوكُ هُوَ مَالِكُ بْنُ ذِي الْمَنَارِ وَيُقَالُ ذِمَارِ وَظَفَارِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ مَنْ دَخَلَ ظَفَارِ حَمّرَ أَيْ تَكَلّمَ بِالْحِمْيَرِيّةِ. زَرْقَاءُ الْيَمَامَةِ: وَذَكَرَ قَوْلَ الْأَعْشَى: مَا نَظَرْت ذَاتَ أَشْفَارٍ كَنَظْرَتِهَا. الْبَيْتَ. يُرِيدُ زَرْقَاءَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَتْ تُبْصَرُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ ذِكْرِهَا فِي خَبَرِ جَدِيسٍ وَطَسْمٍ وَقَبْلَ الْبَيْتِ: قَالَتْ أَرَى رَجُلًا فِي كَفّهِ كَتِفٌ ... أَوْ يَخْصِفُ النّعْلَ لَهْفِي أَيّةً صَنَعَا فَكَذّبُوهَا بِمَا قَالَتْ فَصَبّحَهُمْ ... ذُو آلِ حَسّانَ يُزْجِي الْمَوْتَ وَالسّلَعَا١ وَكَانَ جَيْشُ حَسّانَ هَذَا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُخَيّلُوا عَلَيْهَا بِأَنْ يُمْسِكَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَعْلًا كَأَنّهُ يَخْصِفُهَا، وَكَتِفًا كَأَنّهُ يَأْكُلُهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوا عَلَى أَكْتَافِهِمْ أَغْصَانَ الشّجَرِ فَلَمّا أَبْصَرَتْهُمْ قَالَتْ لِقَوْمِهَا: قَدْ جَاءَتْكُمْ الشّجَرُ أَوْ قَدْ غَزَتْكُمْ حِمْيَرُ، فَقَالُوا: قَدْ كَبِرْت وَخَرِفْت، فَكَذّبُوهَا، فَاسْتُبِيحَتْ بَيْضَتُهُمْ٢ وَهُوَ الّذِي ذَكَرَ الْأَعْشَى.
قِصّةُ مَلِكِ الْحَضَرِ: نسب النُّعْمَان، وَشَيْء عَن الْحَضَر، وَشعر عدي فِيهِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي خَلّادُ بْنُ قُرّةَ بْنِ خَالِدٍ السّدُوسِيّ عَنْ جَنّادٍ، أَوْ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالنّسَبِ أَنّهُ يُقَالُ إنّ النّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ مِنْ وَلَدِ سَاطِرُونَ مَلِكِ الْحَضَرِ. وَالْحَضَرُ حِصْنٌ عَظِيمٌ كَالْمَدِينَةِ، كَانَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَهُوَ الّذِي ذَكَرَ عَدِيّ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بناه وَإِذ دجلة يُجْبَى إلَيْهِ وَالْخَابُورُ شَادّهُ مَرْمَرًا وَجَلّلَهُ كِلْسًا فَلِلطّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ لَمْ يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ فَبَانَ الْ ... مُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَاَلّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دُوَادَ الْإِيَادِيّ فِي قَوْلِهِ: وَأَرَى الْمَوْتَ قَدْ تدلى من الْحَضَر عَلَى رَبّ أَهْلِهِ السّاطِرُونِ ــ خَبَرُ الْحَضْرِ وَالسّاطِروُنِ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنّ النّعْمَانَ مِنْ وَلَدِ السّاطِرُونِ وَهُوَ صَاحِبُ الْحَضْرِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ فَنَذْكُرُ شَرْحَ قِصّةِ الْحَضَرِ وَصَاحِبِهِ وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مُلَخّصًا بِعَوْنِ اللهِ. السّاطِرُونُ بالسُّرْيَانيَّة: هُوَ الْمَلِكُ وَاسْمُ السّاطِرُونِ الضّيْزَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الطّبَرِيّ: هُوَ جُرْمُقَانِيّ١، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيّ هُوَ قُضَاعِيّ مِنْ الْعَرَبِ الّذِينَ تَنَخُوا بِالسّوَادِ فَسُمّوا: تَنُوخَ، أَيْ أَقَامُوا بِهَا، وَهُمْ قَبَائِلُ شَتّى، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْكَلْبِيّ،
ُضَاعِيّ مِنْ الْعَرَبِ الّذِينَ تَنَخُوا بِالسّوَادِ فَسُمّوا: تَنُوخَ، أَيْ أَقَامُوا بِهَا، وَهُمْ قَبَائِلُ شَتّى، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْكَلْبِيّ،
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ إنّهَا لِخَلَفِ الْأَحْمَرِ وَيُقَالُ لِحَمّادِ الرّاوِيَةِ. دُخُول سَابُور الْحَضَر، وزواجه بنت ساطرون، وَمَا وَقع بَينهمَا: وَكَانَ كِسْرَى سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ غَزَا سَاطِرُونَ مَلِكَ الْحَضْرِ، فَحَصَرَهُ سَنَتَيْنِ فَأَشْرَفَتْ بِنْتُ سَاطِرُونَ يَوْمًا، فَنَظَرَتْ إلَى سَابُورَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ دِيبَاجٍ وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلّلٍ بِالزّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللّؤْلُؤِ وَكَانَ جَمِيلًا، فَدَسّتْ إلَيْهِ أَتَتَزَوّجُنِي إنْ فَتَحْت لَك بَابَ الْحَضَرِ؟ فَقَالَ نَعَمْ فَلَمّا أَمْسَى سَاطِرُونَ شَرِبَ حَتّى سَكِرَ وَكَانَ لَا يَبِيتُ إلّا سَكْرَانَ فَأَخَذَتْ مَفَاتِيحَ بَابِ الْحَضَرِ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَبَعَثَتْ بِهَا مَعَ مَوْلًى لَهَا فَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلَ سَابُورُ فَقَتَلَ سَاطِرُونَ وَاسْتَبَاحَ الْحَضْرَ وَخَرّبَهُ وَسَارَ بِهَا فَتَزَوّجَهَا، فَبَيْنَا هِيَ نَائِمَةٌ عَلَى فِرَاشِهَا لَيْلًا إذْ جَعَلَتْ تَتَمَلْمَلُ لَا تَنَامُ فَدَعَا لَهَا بِشَمْعِ فَفَتّشَ فِرَاشَهَا، فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَرَقَةَ آسٍ فَقَالَ لَهَا سَابُورُ أَهَذَا الّذِي أَسْهَرَك؟ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَمَا كَانَ أَبُوك يَصْنَعُ بِك؟ قَالَتْ كَانَ يَفْرِشُ لِي الدّيبَاجَ وَيُلْبِسُنِي الْحَرِيرَ وَيُطْعِمُنِي الْمُخّ وَيَسْقِينِي الْخَمْرَ قَالَ أَفَكَانَ جَزَاءُ أَبِيك مَا صَنَعْت بِهِ؟ أَنْتَ إلَيّ بِذَلِكَ أَسْرَعُ ثُمّ أَمَرَ بِهَا، فَرُبِطَتْ قُرُونُ رَأْسِهَا بِذَنَبِ فَرَسٍ ثُمّ رَكَضَ الْفَرَسُ ــ
َاءُ أَبِيك مَا صَنَعْت بِهِ؟ أَنْتَ إلَيّ بِذَلِكَ أَسْرَعُ ثُمّ أَمَرَ بِهَا، فَرُبِطَتْ قُرُونُ رَأْسِهَا بِذَنَبِ فَرَسٍ ثُمّ رَكَضَ الْفَرَسُ ــ فَقَالَ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَوَجَدْته بِخَطّ أَبِي بَحْرٍ عُبَيْدٌ بِضَمّ الْعَيْنِ بْنُ أَجْرَمَ مِنْ بَنِي سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأُمّهُ جَيْهَلَةُ وَبِهَا كَانَ يُعْرَفُ وَهِيَ أَيْضًا قُضَاعِيّةٌ مِنْ بَنِي تَزِيدَ الّذِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ الثّيَابُ التّزِيدِيّةُ. وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي دُوَاد: وَأَرَى الْمَوْتَ قَدْ تَدَلّى مِنْ الْحَضْ ... رِ عَلَى رَبّ أَهْلِهِ السّاطِرُونِ١ وَاسْمُ أَبِي دُوَاد: جَارِيَةُ بْنُ حَجّاجٍ وَقِيلَ حَنْظَلَةُ بْنُ شَرْقِيّ وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ:
حَتّى قَتَلَهَا، فَفِيهِ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: أَلَمْ تَرَ لِلْحَضْرِ إذْ أَهْلُهُ ... بِنُعْمَى، وَهَلْ خَالِدٌ مَنْ نَعِمْ أَقَامَ بِهِ شَاهَبُورُ الجنو ... د حَوْلَيْنِ تَضْرِبُ فِيهِ الْقُدُمْ١ فَلَمّا دَعَا رَبّهُ دَعْوَةً ... أَنَابَ إلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَقِمْ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ عَدِيّ بْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ: وَالْحَضْرُ صَابَتْ عَلَيْهِ دَاهِيَةٌ ... مِنْ فَوْقِهِ أَيْدٌ مَنَاكِبُهَا رَبِيّةٌ لَمْ تُوَقّ وَالِدَهَا ... لِحَيْنِهَا إذْ أَضَاعَ رَاقِبُهَا إذْ غَبَقَتْهُ صَهْبَاءَ صَافِيَةً ... وَالْخَمْرُ وَهْلٌ يَهِيمُ شَارِبُهَا فَأَسْلَمَتْ أَهْلَهَا بِلَيْلَتِهَا ... تَظُنّ أَنّ الرّئِيسَ خَاطِبُهَا فَكَانَ حَظّ الْعَرُوسِ إِذْ جشر ... الصُّبْح دِمَاءً تَجْرِي سَبَائِبُهَا وَخُرّبَ الْحَضْرُ وَاسْتُبِيحَ وَقَدْ ... أُحْرِقَ فِي خِدْرِهَا مَشَاجِبُهَا وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ــ صَرَعَتْهُ الْأَيّامُ مِنْ بَعْدِ مُلْكٍ ... وَنَعِيمٍ وَجَوْهَرٍ مَكْنُونٍ٢
فِي خِدْرِهَا مَشَاجِبُهَا وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. ــ صَرَعَتْهُ الْأَيّامُ مِنْ بَعْدِ مُلْكٍ ... وَنَعِيمٍ وَجَوْهَرٍ مَكْنُونٍ٢ وَكَانَ الضّيْزَنُ مِنْ مُلُوكِ الطّوَائِفِ وَكَانَ يُقَدّمُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا لِحَرْبِ عَدُوّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَكَانَتْ الْحَضْرُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، وَكَانَ مُلْكُهُ يَبْلُغُ أَطْرَارَ الشّامِ، وَكَانَ سَابُورُ قَدْ تَغَيّبَ عَنْ الْعِرَاقِ إلَى خُرَاسَانَ، فَأَغَارَ الضّيْزَنُ عَلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْعَرَبِ، فَلَمّا قَفَلَ سَابُورُ وَأُخْبِرَ بِصُنْعِ الضّيْزَنِ نَهَدَ إلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَذَكَرَ الْأَعْشَى فِي شِعْرِهِ حَوْلَيْنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ وَكَانَ لِلضّيْزَنِ بِنْتٌ اسْمُهَا: النّضِيرَةُ وَفِيهَا قِيلَ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَقْفَرَ الْحَضْرُ مِنْ نَضِيرَةَ فَالْمِ ... رْبَاعُ مِنْهَا فَجَانِبُ الثّرْثَارِ وَكَانَتْ سُنّتُهُمْ فِي الْجَارِيَةِ إذَا عَرَكَتْ أَيْ حَاضَتْ أَخَرَجُوهَا إلَى رَبَضِ الْمَدِينَةِ، فَعَرَكَتْ النّضِيرَةُ فَأُخْرِجَتْ إلَى رَبَضِ الْحَضْرِ١ فَأَشْرَفَتْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَبْصَرَتْ سَابُورَ - وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النّاسِ - فَهَوِيَتْهُ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ أَنْ يَتَزَوّجَهَا، وَتَفْتَحَ لَهُ الْحَضْرَ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ لَهَا مَا أَرَادَتْ ثُمّ اُخْتُلِفَ فِي السّبَبِ الّذِي دَلّتْ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا فِي الْكِتَابِ وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: دَلّتْهُ عَلَى نَهَرٍ وَاسِعٍ [اسْمُهُ الثّرْثَارُ] كَانَ يَدْخُلُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَى الْحَضْرِ فَقَطَعَ لَهُمْ الْمَاءَ وَدَخَلُوا مِنْهُ٢. وَقَالَ الطّبَرِيّ: دَلّتْهُ عَلَى طِلَسْمٍ [أَوْ طِلّسْمٍ] كَانَ فِي الْحَضْرِ وَكَانَ فِي عِلْمِهِمْ أَنّهُ لَا يُفْتَحُ حَتّى تُؤْخَذَ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ وَتُخْضَبُ رِجْلَاهَا بِحَيْضِ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَرْقَاءَ ثُمّ تُرْسَلُ الْحَمَامَةُ فَتَنْزِلُ عَلَى سُورِ الْحَضْرِ فَيَقَعُ الطّلّسْمُ فَيُفْتَحُ الْحَضْرُ فَفَعَلَ سَابُورُ ذَلِكَ فَاسْتَبَاحَ الْحَضْرَ وَأَبَادَ قَبَائِلَ مِنْ قُضَاعَةَ كَانُوا فِيهِ مِنْهُمْ بَنُو عُبَيْدٍ رَهْطُ الضّيْزَنِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَقِبٌ وَحَرَقَ خَزَائِنَ الضّيْزَنِ وَاكْتَسَحَ مَا فِيهَا، ثُمّ قَفَلَ بِنَضِيرَةَ مَعَهُ وَذَكَرَ الطّبَرِيّ فِي قَتْلِهِ إيّاهَا حِين تَمَلْمَلَتْ عَلَى الْفِرَاشِ الْوَثِيرِ وَلِينِ الْحَرِيرِ أَنّهُ قَالَ لَهَا: مَا كَانَ يَصْنَعُ بِك أَبُوك؟ فَقَالَتْ كَانَ يُطْعِمُنِي الْمُخّ وَالزّبْدَ وَشَهْدُ أَبْكَارَ النّحْلِ وَصَفْوَ الْخَمْرِ.
يرِ أَنّهُ قَالَ لَهَا: مَا كَانَ يَصْنَعُ بِك أَبُوك؟ فَقَالَتْ كَانَ يُطْعِمُنِي الْمُخّ وَالزّبْدَ وَشَهْدُ أَبْكَارَ النّحْلِ وَصَفْوَ الْخَمْرِ. وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ يَرَى مُخّهَا مِنْ صَفَاءِ بَشَرَتِهَا، وَأَنّ وَرَقَةَ الْآسَ أَدْمَتْهَا فِي عُكْنَةٍ مِنْ عُكَنِهَا، وَأَنّ الْفِرَاشَ الّذِي نَامَتْ عَلَيْهِ كَانَ مِنْ حَرِيرٍ حَشْوُهُ الْقَزّ. وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: كَانَ حَشْوُهُ زَغَبِ٣ الطّيْرِ ثُمّ اتّفَقُوا فِي صُورَةِ قَتْلِهَا٤ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ غَيْرَ أَنّ ابْنَ إسْحَاقَ قَالَ كَانَ الْمُسْتَبِيحُ لِلْحَضْرِ سَابُورُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذُو الْأَكْتَافِ وَجَعَلَهُ غَيْرُ سَابُورَ بْنِ أَزْدَشِيرَ بْنِ بَابِك، وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ أَزْدَشِيرَ هُوَ أَوّلُ مَنْ جَمَعَ مُلْكَ فَارِسَ، وَأَذَلّ مُلُوكَ الطّوَائِفِ حَتّى دَانَ الْمُلْكُ لَهُ وَالضّيْزَنُ كَانَ مِنْ مُلُوكِ الطّوَائِفِ فَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصّةُ لِسَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَهُوَ سَابُورُ بْنُ هُرْمُزَ وَهُوَ ذُو الْأَكْتَافِ لِأَنّهُ كَانَ بَعْدَ سَابُورَ الْأَكْبَرِ بِدَهْرِ طَوِيلٍ وَبَيْنَهُمْ مُلُوكٌ مُسَمّوْنَ فِي كُتُبِ التّارِيخِ وَهُمْ هُرْمُزُ بْنُ سَابُورَ وَبَهْرَامُ بْنُ هُرْمُزَ وَبَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ وَبَهْرَامُ الثّالِثُ وَنُرْسِي بْنُ بَهْرَامَ وَبَعْدَهُ كَانَ ابْنُهُ سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُ الْأَعْشَى: شَاهَبُورُ الْجُنُودِ بِخَفْضِ الدّالِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ بِشَاهَبُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَأَمّا إنْشَادُهُ لِأَبْيَاتِ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ: وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بَنَاهُ وَإِذْ ... دِجْلَةُ يُجْبَى إلَيْهِ وَالْخَابُورُ
َ ذِي الْأَكْتَافِ وَأَمّا إنْشَادُهُ لِأَبْيَاتِ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ: وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بَنَاهُ وَإِذْ ... دِجْلَةُ يُجْبَى إلَيْهِ وَالْخَابُورُ فَلِلشّعْرِ خَبَرٌ عَجِيبٌ. حَدّثَنَا إجَازَةً الْقَاضِي الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ أَيّوبَ عَنْ الْبُرْقَانِيّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيّ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَزْرَقُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ قَالَ حَدّثَنِي جَدّي، قَالَ حَدّثَنِي أَبِي، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ لُؤَيّ عَنْ شُبَيْبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الْأَهْتَمِ قَالَ أَوْفَدَنِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ إلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي وَفْدِ [أَهْلِ] الْعِرَاق قَالَ فَقَدِمْت عَلَيْهِ وَقَدْ خَرَجَ مُتَبَدّيًا بِقَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ وَحَشَمِهِ وَغَاشِيَتِهِ مِنْ جُلَسَائِهِ فَنَزَلَ فِي أَرْضِ قَاعٍ صَحْصَحٍ مُتَنَايِفٍ١ أَفْيَحَ فِي عَامٍ [قَدْ] بَكّرَ وَسْمِيّهُ وَتَتَابَعَ وَلِيّهُ٢ وَأَخَذَتْ الْأَرْضُ [فِيهِ] زِينَتِهَا مِنْ اخْتِلَافِ أَنْوَارِ نَبْتِهَا مِنْ نُورِ رَبِيعٍ مُونِقٍ فَهُوَ أَحْسَنُ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُ مُسْتَنْظَرًا، وَأَحْسَنُ مُخْتَبَرًا بِصَعِيدِ كَأَنّ تُرَابَهُ قِطَعُ الْكَافُورِ حَتّى لَوْ أَنّ قِطْعَةً أُلْقِيَتْ فِيهِ لَمْ تَتْرَبْ قَالَ وَقَدْ ضُرِبَ لَهُ سُرَادِقٌ مِنْ حِبَرَةٍ كَانَ صَنَعَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِالْيَمَنِ، فِيهِ فُسْطَاطٌ١ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَفْرِشَةٍ مِنْ خَزّ أَحْمَرَ مِثْلُهَا مَرَافِقُهَا وَعَلَيْهِ دُرّاعَةٌ٢ مِنْ خَزّ أَحْمَرَ مِثْلُهَا عِمَامَتُهَا، قَالَ وَقَدْ أَخَذَ النّاسُ مَجَالِسَهُمْ فَأَخْرَجْت رَأْسِي مِنْ نَاحِيَةِ الطّاقِ فَنَظَرَ إلَيّ شِبْهَ الْمُسْتَنْطَقِ [لِي] ; فَقُلْت: أَتَمّ اللهُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَةً سَوّغَكَهَا بِشُكْرِ وَجَعَلَ مَا قَلّدَك مِنْ هَذَا الْأَمْرِ رُشْدًا، وَعَاقِبَةً مَا تَئُول إلَيْهِ حَمْدًا، وَأَخْلَصَهُ لَك بِالتّقَى، وَكَثّرَهُ لَك بِالنّمَاءِ وَلَا كَدَرَ عَلَيْك مِنْهُ مَا صَفَا، وَلَا خَالَطَ سُرُورَهُ الرّدَى ; فَقَدْ أَصْبَحَتْ لِلْمُسْلِمِينَ ثِقَةٌ وَمُسْتَرَاحًا. إلَيْك يَقْصِدُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَإِلَيْك يَفْزَعُونَ فِي مَظَالِمِهِمْ وَمَا أَجِدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا - جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَك - هُوَ أَبْلَغُ فِي قَضَاءِ حَقّك وَتَوْقِيرِ مَجْلِسِك مِمّا مَنّ اللهِ [جَلّ وَعَزّ] بِهِ عَلَيّ مِنْ مُجَالَسَتِك، وَالنّظَرِ إلَى وَجْهِك مِنْ أَنْ أُذَكّرَك نِعَمَ اللهِ عَلَيْك، وَأُنَبّهَك لِشُكْرِهَا، وَمَا أَجِدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَك مِنْ الْمُلُوكِ فَإِنْ أَذِنَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرْته عَنْهُ.
يرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَك مِنْ الْمُلُوكِ فَإِنْ أَذِنَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرْته عَنْهُ. قَالَ فَاسْتَوَى جَالِسًا - وَكَانَ مُتّكِئًا - ثُمّ قَالَ هَاتِ يَا ابْنَ الْأَهْتَمِ [قَالَ] : فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنّ مَلِكًا مِنْ الْمُلُوكِ قَبْلَك خَرَجَ فِي عَامٍ مِثْلِ عَامِنَا هَذَا إلَى الْخَوَرْنَقِ وَالسّدِيرِ٣ فِي عَامٍ قَدْ بَكّرَ وَسْمِيّهُ وَتَتَابَعَ وَلِيّهُ وَأَخَذَتْ الْأَرْضُ فِيهِ زِينَتَهَا مِنْ نُورِ رَبِيعٍ مُونِقٍ فَهُوَ فِي أَحْسَنِ مَنْظَرٍ وَأَحْسَنِ مُسْتَنْظَرٍ وَأَحْسَنِ مُخْتَبَرٍ بِصَعِيدِ كَأَنّ تُرَابَهُ قِطَعُ الْكَافُورِ٤ حَتّى لَوْ أَنّ قِطْعَةً أُلْقِيَتْ فِيهِ لَمْ تَتْرَبْ. قَالَ وَقَدْ كَانَ أُعْطِيَ فَتَاءَ السّنّ مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ قَالَ فَنَظَرَ فَأَبْعَدَ النّظَرَ فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ لِمَنْ [مِثْلُ] هَذَا؟ هَلْ رَأَيْتُمْ مِثْلَ مَا أَنَا فِيهِ؟ [و] هَلْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيت؟ قَالَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَقَايَا حَمَلَةِ الْحَجّةِ
َذَا؟ هَلْ رَأَيْتُمْ مِثْلَ مَا أَنَا فِيهِ؟ [و] هَلْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيت؟ قَالَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَقَايَا حَمَلَةِ الْحَجّةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُضِيّ عَلَى أَدَبِ الْحَقّ وَمِنْهَاجِهِ. قَالَ: وَلَنْ تَخْلُوَا الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلّهِ بِحُجّتِهِ فِي عِبَادِهِ فَقَالَ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّك قَدْ سَأَلْت عَنْ أَمْرٍ أَفَتَأْذَنُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ أَرَأَيْت مَا أَنْتَ فِيهِ أَشَيْءٌ لَمْ تَزَلْ فِيهِ أَمْ شَيْءٌ صَارَ إلَيْك مِيرَاثًا مِنْ غَيْرِك، وَهُوَ زَائِلٌ عَنْك، وَصَائِرٌ إلَى غَيْرِك، كَمَا صَارَ إلَيْك مِيرَاثًا مِنْ لَدُنْ غَيْرِك؟ قَالَ فَكَذَلِكَ هُوَ. قَالَ فَلَا أَرَاك [إلّا] أُعْجِبْت بِشَيْءِ يَسِيرٍ تَكُونُ فِيهِ قَلِيلًا، وَتَغِيبُ عَنْهُ طَوِيلًا، وَتَكُونُ غَدًا بِحِسَابِهِ مُرْتَهِنًا. قَالَ وَيْحَك فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ؟ وَأَيْنَ الْمَطْلَبُ؟ قَالَ إمّا أَنْ تُقِيمَ فِي مُلْكِك، تَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ [اللهِ] رَبّك عَلَى مَا سَاءَك وَسَرّك، وَمَضّكَ وَأَرْمَضَكَ وَإِمّا أَنْ تَضَعَ تَاجَك، وَتَضَعَ أَطْمَارَك، وَتَلْبَسَ أَمسَاحَك١، وَتَعْبُدَ رَبّك فِي هَذَا الْجَبَلِ حَتّى يَأْتِيَك أَجَلُك. قَالَ فَإِذَا كَانَ فِي السّحَرِ فَاقْرَعْ عَلَيّ بَابِي، فَإِنّي مُخْتَارٌ أَحَدَ الرّأْيَيْنِ فَإِنْ اخْتَرْت مَا أَنَا فِيهِ كُنْت وَزِيرًا، لَا تُعْصَى، وَإِنْ اخْتَرْت خَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَقَفْرَ الْبِلَادِ كُنْت رَفِيقًا، لَا تُخَالِفُ. قَالَ فَقَرَعَ عَلَيْهِ بَابَهُ عِنْدَ السّحَرِ فَإِذَا هُوَ قَدْ وَضَعَ تَاجَهُ [وَخَلَعَ أَطْمَارَهُ] وَلَبِسَ أَمْسَاحَهُ وَتَهَيّأَ لِلسّيَاحَةِ قَالَ فَلَزِمَا - وَاَللهِ - الْجَبَلَ حَتّى أَتَتْهُمَا آجَالُهُمَا، وَهُوَ حَيْثُ يَقُولُ أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ: عَدِيّ بْنُ [زَيْدُ] بْنُ سَالِمٍ الْمُرّيّ الْعَدَوِيّ: أَيّهَا الشّامِتُ الْمُعِيرُ بِالدّ ... هْرِ أَأَنْتَ المبرأ الْمَوْفُورُ؟
دُ بَنِي تَمِيمٍ: عَدِيّ بْنُ [زَيْدُ] بْنُ سَالِمٍ الْمُرّيّ الْعَدَوِيّ: أَيّهَا الشّامِتُ الْمُعِيرُ بِالدّ ... هْرِ أَأَنْتَ المبرأ الْمَوْفُورُ؟ أَمْ لَدَيْك الْعَهْدُ الْوَثِيقُ مِنْ الْأَيّا ... مِ؟ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْت الْمَنُونَ خَلّدْنَ أَمْ مَنْ ... ذَا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ أَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى الْمُلُوكِ أَنُو ... شِرْوَانَ أَمْ أَيْنَ قَبْلَهُ سَابُورُ؟ وَبَنُو الْأَصْفَرِ الْكِرَامِ مُلُوكُ الرّ ... ومِ؟ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَذْكُورٌ وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْ ... لَةُ تُجْبَى إلَيْهِ وَالْخَابُورُ شَادَهُ مَرْمَرًا، وَجَلّلَهُ كِلْس ... افَلِلطّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَمْ يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ فَبَا ... نَ الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ وَتَذَكّرْ رَبّ الْخَوَرْنَقِ إذْ ... أَشْرَفَ يَوْمًا، وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ سَرّهُ مَالُهُ وَكَثْرَةُ مَا يَمْلِكُ ... وَالْبَحْرُ مُعْرِضًا وَالسّدِيرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ وَقَالَ وَمَا غِبْطَةُ ... حَيّ إلَى الْمَمَاتِ يَصِيرُ؟ ثُمّ أَضْحَوْا كَأَنّهُمْ وَرَقٌ جَفّ ... فَأَلَوْت بِهِ الصّبَا وَالدّبُورُ ثُمّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ ... وَالْإِمّةِ وَارَتْهُمْ هُنَاكَ الْقُبُورُ١ قَالَ فَبَكَى [وَاَللهِ] هِشَامٌ حَتّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وَبَلّ عِمَامَتَهُ وَأَمَرَ بِنَزْعِ أَبْنِيَتِهِ وَبِنُقْلَانِ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ وَحَشَمِهِ وَغَاشِيَتِهِ مِنْ جُلَسَائِهِ وَلَزِمَ قَصْرَهُ. قَالَ فَأَقْبَلَتْ الْمَوَالِي وَالْحَشَمُ عَلَى خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الْأَهْتَمِ وَقَالُوا: مَا أَرَدْت إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَفْسَدْت عَلَيْهِ لَذّتَهُ وَنَغّصْت عَلَيْهِ مَأْدُبَتَهُ. قَالَ إلَيْكُمْ عَنّي فَإِنّي عَاهَدْت اللهَ [﷿] عَهْدًا أَلّا أَخْلُوَ بِمَلِكِ إلّا ذَكّرْته اللهَ ﷿. وَاَلّذِي ذَكَرَهُ عَدِيّ بْنُ زَيْدٍ فِي هَذَا الشّعْرِ هُوَ النّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ جَدّ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَوّلُ هَذَا الشّعْرِ: أَرْوَاحٌ مُوَدّعٌ أَمْ بُكُورُ ... [لَك] فَانْظُرْ لِأَيّ ذَاكَ تَصِيرُ قَالَهُ عَدِيّ، وَهُوَ فِي سِجْنِ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَفِيهِ قُتِلَ وَهُوَ عَدِيّ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَيّوبَ بْنِ مَحْرُوبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُصَيّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ آلَةَ بْنِ الْخَنْسَاءِ:
بْنِ مَحْرُوبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُصَيّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ آلَةَ بْنِ الْخَنْسَاءِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَلَمْ يُنَبّئْك وَالْأَنْبَاءُ تَنْمَى ... بِمَا لَاقَتْ سَرَاةَ بَنِي الْعَبِيدِ١ وَمَصْرَعُ ضَيْزَنٍ وَبَنِيّ أَبِيهِ ... وَأَحْلَاسُ الْكَتَائِبِ مِنْ تَزِيدَ٢ أَتَاهُمْ بِالْفُيُولِ مُجَلّلَاتٍ ... وَبِالْأَبْطَالِ سَابُورُ الْجُنُودِ فَهَدّمَ مِنْ أَوَاسِي الْحَضْرِ صَخْرًا ... كَأَنّ ثِقَالَهُ زُبَرُ الْحَدِيدِ٣ وَقَالَ الْأَعْشَى: أَقَامَ بِهِ شَاهَبُورُ الجنو ... د حَوْلَيْنِ تُضْرَبُ فِيهِ الْقُدُمُ وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّ شَاهَبُورَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْمَلِكِ وَأَنّ بُورَ هُوَ الِابْنُ بِلِسَانِهِمْ وَفِي هَذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنّ سَابُورَ مُغَيّرٌ عَنْ شَاهَبُورَ. وَالْقُدُمُ جَمْعُ قَدُومٍ وَهُوَ الْفَأْسُ وَنَحْوُهُ وَالْقَدُومُ: اسْمُ مَوْضِعٍ أَيْضًا اُخْتُتِنَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ ﵇ الّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنّ إبْرَاهِيمَ اخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ مُخَفّفٌ أَيْضًا، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ التّشْدِيدُ. وَبَعْدَهُ: فَهَلْ زَادَهُ رَبّهُ قُوّةً ... وَمِثْلُ مُجَاوِرِهِ لَمْ يَقُمْ وَكَانَ دَعَا قَوْمَهُ دَعْوَةً ... هَلُمّوا إلَى أَمْرِكُمْ قَدْ صُرِمَ فَمُوتُوا كِرَامًا بِأَسْيَافِكُمْ ... أَرَى الْمَوْتَ يَجْشَمُهُ مَنْ جَشِمْ وَفِي الشّعْرِ: وَهَلْ خَالِدٌ مَنْ نَعِمْ. يُقَالُ نَعِمَ يَنْعِمُ وَيَنْعَمُ مِثْلُ حَسِبَ يَحْسِبُ وَيَحْسَبُ. وَفِي أَدَبِ الْكَاتِبِ أَنّهُ يُقَالُ نَعِمَ يَنْعُمُ مِثْلُ فَضَلَ يَفْضُلُ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ الْقُتَبِيّ وَمَنْ تَأَمّلَهُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ تَبَيّنَ لَهُ غَلَطُ الْقُتَبِيّ،
يَفْضُلُ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ الْقُتَبِيّ وَمَنْ تَأَمّلَهُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ تَبَيّنَ لَهُ غَلَطُ الْقُتَبِيّ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَنّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَذْكُرْ الضّمّ إلّا فِي فَضَلَ يَفْضُلُ١. وَقَوْلُ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ: رَبِيّةٌ لَمْ تُوَقّ وَالِدَهَا. يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَعِيلَةً مِنْ رَبِيت إلّا أَنّ الْقِيَاسَ فِي فَعَيْلَةٍ بِمَعْنَى: مَفْعُولَةٍ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ هَاءٍ وَيَحْتَمِلُ أَنّهُ أَرَادَ مَعْنَى الرّبْوِ وَالنّمَاءِ لِأَنّهَا رَبَتْ فِي نِعْمَةٍ فَتَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَأَصَحّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ رَبِيئَةً بِالْهَمْزِ وَسَهّلَ الْهَمْزَةَ فَصَارَتْ يَاءً وَجَعَلَهَا رَبِيئَةً لِأَنّهَا كَانَتْ طَلِيعَةً حَيْثُ اطّلَعَتْ حَتّى رَأَتْ سَابُورَ وَجُنُودَهُ وَيُقَالُ لِلطّلِيعَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: رَبِيئَةٌ٢ وَيُقَالُ لَهُ رَبَاءُ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ وَأَنْشَدُوا: رَبَاءُ شَمّاءُ لَا يَأْوِي نَقْلَتُهَا الْبَيْت. وَقَوْلُهُ أَضَاعَ رَاقِبُهَا، أَيْ أَضَاعَ الْمَرْبَأَةُ الّذِي يَرْقُبُهَا وَيَحْرُسُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى الْجَارِيَةِ أَيْ أَضَاعَهَا حَافِظُهَا. وَقَوْلُهُ: وَالْخَمْرُ وَهْلٌ. يُقَالُ: وَهِلَ الرّجُلُ وَهْلًا وَوَهَلًا إذَا أَرَادَ شَيْئًا، فَذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَيُقَالُ فِيهِ وَهَمَ أَيْضًا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَأَمّا وَهِمَ بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ غَلَطٌ وَأَوْهَمَ بِالْأَلِفِ مَعْنَاهُ أَسْقَطَ. وَقَوْلُهُ سَبَائِبُهَا. السّبَائِبُ جَمْعُ: سَبِيبَةٍ وَهِيَ كَالْعِمَامَةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَمِنْهُ السّبّ وَهُوَ الْخِمَارُ.
ِ مَعْنَاهُ أَسْقَطَ. وَقَوْلُهُ سَبَائِبُهَا. السّبَائِبُ جَمْعُ: سَبِيبَةٍ وَهِيَ كَالْعِمَامَةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَمِنْهُ السّبّ وَهُوَ الْخِمَارُ. وَقَوْلُهُ: فِي خِدْرِهَا مَشَاجِبُهَا. الْمَشَاجِبُ جَمْعُ مِشْجَبٍ وَهُوَ مَا تَعَلّقَ مِنْهُ الثّيَابُ وَمِنْهُ قَوْلُ جَابِرٍ وَإِنّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ وَكَانُوا يُسَمّونَ الْقِرْبَةَ شَجْبًا;
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِأَنّهَا جِلْدُ مَاءٍ قَدْ شَجِبَ أَيْ عَطِبَ وَكَانُوا لَا يُمْسِكُونَ الْقِرْبَةَ وَهِيَ الشّجْبُ إلّا مُعَلّقَةً فَالْعَوْدُ الّذِي تَعَلّقَ بِهِ هُوَ الْمِشْجَبُ حَقِيقَةً ثُمّ اتْسَعُوا، فَسَمّوا مَا تَعَلّقَ بِهِ الثّيَابُ مِشْجَبًا تَشْبِيهًا بِهِ. وَفِي شِعْرِ عَدِيّ الْمُتَقَدّمِ ذُكِرَ الْخَابُورُ، وَهُوَ وَادٍ مَعْرُوفٌ وَهُوَ فَاعُولٌ مِنْ خَبَرْت الْأَرْضَ إذَا حَرَثْتهَا، وَهُوَ وَادٍ عَظِيمٌ عَلَيْهِ مَزَارِعُ. قَالَتْ لَيْلَى أُخْتُ الْوَلِيدِ بْنِ طَرِيفٍ الْخَارِجِيّ الشّيْبَانِيّ حِينَ قُتِلَ أَخُوهَا الْوَلِيدُ قَتَلَهُ يَزِيدُ بْنُ مَزِيدٍ الشّيْبَانِيّ أَيّامَ الرّشِيدِ فَلَمّا قُتِلَ قَالَتْ أُخْتُهُ: أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَا لَك مُورِقًا ... كَأَنّك لَمْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ١ فَقَدْنَاهُ فُقْدَانَ الرّبِيعِ وَلَيْتَنَا ... فَدَيْنَاهُ مِنْ سَادَاتِنَا بِأُلُوفِ وَأَمّا الْخَافُورُ بِالْفَاءِ فَنَبَاتٌ تَخْفِرُ رِيحُهُ أَيْ تَقْطَعُ شَهْوَةَ النّسَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَبَقُ وَيُقَالُ لَهُ الْمَرْوُ وَبِهَذَا الِاسْمِ يَعْرِفُهُ النّاسُ وَهُوَ الزّغْبُرُ أَيْضًا.
ذِكْرُ وَلَدِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ أَوْلَاده فِي رَأْي ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَوَلَدَ نِزَارُ بْنُ مَعَدّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مُضَرَ بْنَ نِزَارٍ، وَرَبِيعَةَ بْنَ نِزَارٍ، وَأَنْمَارَ بْنَ نِزَارٍ. ــ ذَكَرَ نِزَارُ بْنُ مَعَدّ وَمَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُمْ: قَدْ ذَكَرْنَا أَوْلَادَ مَعَدّ الْعَشَرَةَ فِيمَا تَقَدّمَ فَأَمّا مُضَرُ فَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي عَمُودٍ نَسَبِ النّبِيّ ﷺ وَذَكَرْنَا أَنّهُ أَوّلُ مَنْ سَنّ حُدَاءَ الْإِبِلِ وَسَبَبُهُ - فِيمَا ذَكَرُوا - أَنّهُ سَقَطَ عَنْ
َدّمَ ذِكْرُهُ فِي عَمُودٍ نَسَبِ النّبِيّ ﷺ وَذَكَرْنَا أَنّهُ أَوّلُ مَنْ سَنّ حُدَاءَ الْإِبِلِ وَسَبَبُهُ - فِيمَا ذَكَرُوا - أَنّهُ سَقَطَ عَنْ
دَاوُد الْإِيَادِي، واسْمه جَارِيَة بن الْحجَّاج: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِيَادُ بْنُ نِزَارٍ. قَالَ الْحَارِثُ بْنُ دَوْسٍ الْإِيَادِيّ، وَيُرْوَى لِأَبِي: وَفُتُوّ حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ ... مِنْ إيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. فَأُمّ مُضَرَ وَإِيَادٍ: سَوْدَةُ بِنْتُ عَكّ بْنِ عَدْنَانَ. وَأُمّ رَبِيعَةَ وَأَنْمَارٍ: شَقِيقَةُ بِنْتُ عَكّ بْنِ عَدْنَانَ، وَيُقَالُ جُمُعَةُ بِنْتُ عَكّ بْنِ عَدْنَانَ. أَوْلَادُ أَنْمَارٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْمَارٌ أَبُو خَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيّ وَكَانَ سَيّدَ بَجِيلَةَ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ: لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهْ ... نِعْمَ الْفَتَى، وَبِئْسَ الْقَبِيلَهْ وَهُوَ يُنَافِرُ الْفُرَافِصَةَ١ الْكَلْبِيّ إلَى الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التّمِيمِيّ بن عقال بن مجاشع بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة: ــ بَعِيرٍ فَوَثَبَتْ يَدُهُ وَكَانَ أَحْسَنَ النّاسِ صَوْتًا، فَكَانَ يَمْشِي خَلْفَ الْإِبِلِ وَيَقُولُ وَايَدَيّاهُ وَايَدَيّاهُ يَتَرَنّمُ بِذَلِكَ فَأَعْنَقَتْ الْإِبِلُ وَذَهَبَ كَلَالُهَا ; فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلُ الْحُدَاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنّهَا تَنْشَطُ بِحُدَائِهَا الْإِبِلُ فَتُسْرِعُ. وَأَمّا أَنْمَارُ بْنُ نِزَارٍ، وَهُوَ أَبُو بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ فَسُمّيَ بِالْأَنْمَارِ جَمْعُ نَمِرٍ كَمَا سُمّوا بِسِبَاعِ وَكِلَابٍ وَأُمّ بَنِيهِ بَجِيلَةُ بِنْتُ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ وُلِدَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا أَفْتَلُ٢ وَهُوَ خَثْعَمُ٣، وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْقَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ سَمّاهُمْ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُمْ
الْعَشِيرَةِ وُلِدَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا أَفْتَلُ٢ وَهُوَ خَثْعَمُ٣، وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْقَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ سَمّاهُمْ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُمْ
يَا أَقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقَرْعُ ... إنّك إنْ تَصْرَعْ أَخَاك تصرع وقَالَ: ابْنَيْ نِزَارٍ اُنْصُرَا أَخَاكُمَا ... إنّ أَبِي وَجَدْته أَبَاكُمَا لَنْ يَغْلِبَ الْيَوْمَ أَخٌ وَالَاكُمَا وَقَدْ تَيَامَنْت، فَلَحِقْت بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَجِيلَةُ: أَنْمَارُ بْنُ إرَاشَ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ إرَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لِحْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ. وَدَارُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ: يَمَانِيّةٌ. أَوْلَادُ مُضَرَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ رَجُلَيْنِ إلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ، وَعَيْلَانَ بْنَ مُضَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُمّهُمَا: جُرْهُمِيّةٌ. ــ تَنَاسَلَتْ قَبَائِلُ بَجِيلَةَ وَهُمْ وَدَاعَةُ وَخُزَيْمَةُ وَصُهَيْبَةُ [فِي الْأَصْلِ صُحَيْهِمْ] وَالْحَارِثُ وَمَالِكُ وَشَيْبَةُ وَطُرَيْفَةُ وَفَهْمٌ وَالْغَوْثُ وَسَهْلٌ وَعَبْقَرٌ وَأَشْهَلُ كُلّهُمْ بَنُو أَنْمَارٍ، وَيُقَالُ إنّ بَجِيلَةَ حَبَشِيّةٌ حَضَنَتْ أَوْلَادَ أَنْمَارٍ الّذِينَ سَمّيْنَا، وَلَمْ تَحْضُنْ أَفْتَلَ وَهُوَ خَثْعَمُ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهَا. رَوَى التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ أَنّهُ لَمَا أَنَزَلَ اللهُ فِي سَبَأٍ مَا أَنَزَلَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ مَا سَبَأٌ: امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ؟ قَالَ "لَيْسَ بِامْرَأَةِ وَلَا أَرْضٍ وَلَكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنْ الْعَرَبِ، فَتَيَامَنْ مِنْهُمْ سِتّةً وَتَشَاءَمَ١ أَرْبَعَةٌ فَأَمّا الّذِينَ تَشَاءَمُوا: فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسّانُ، وَأَمّا الّذِينَ تَيَامَنُوا: فَالْأَزْدُ وَالْأَشْعَرُونَ وَحِمْيَرُ وَمُذْحِجُ وَكِنْدَةُ وَأَنْمَارٌ، قَالَ: الرّجُلُ وَمَنْ أَنْمَارٌ؟ قَالَ الّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ.



