— Bagian 104 · ثقيف، فقال لها رسول اللَّه ﷺ: إن كان لم يؤذن لنا… —
Bagian 104
ثقيف، فقال لها رسول اللَّه ﷺ: إن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة؟ قال: فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر، فدخل عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- على رسول اللَّه ولم يؤذن لك فيهم؟ قال: لا، قال: أفلا أؤذن في الناس بالرحيل؟ قال رسول اللَّه ﷺ: بلى، فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف! لا نبرح حتى تفتح علينا، واللَّه إنهم أذل وأقل من لاقينا، قد لقينا جمع مكة، وجمع هوازن، ففرق اللَّه تلك الجموع، وإنما هؤلاء ثعلب في جحر لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا، وكثر القول بينهم والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فكلموه [ (١) ] ، فقال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-[ (٢) ] : اللَّه ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء. فكلموا عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فأبى وقال: قد رأينا الحديبيّة وداخلني في الحديبيّة من الشك ما لا يعلمه إلا اللَّه، وراجعت رسول اللَّه ﷺ يومئذ بكلام، ليت أني لم أفعل وأن أهلي ومالي ذهبا، ثم كانت الخيرة لنا من اللَّه فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرا للناس من صلح الحديبيّة بلا سيف، دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل من يوم بعث رسول اللَّه ﷺ، إلى يوم كتب الكتاب، فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول اللَّه ﷺ، ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدا، والأمر أمر اللَّه، وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء. وكان رسول اللَّه ﷺ قد قال لأبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- إني رأيت، أني أهديت لي قعبة [ (٣) ] مملوءة زبدا، فنقرها ديك فأهراق ما فيها، قال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول اللَّه يومك هذا ما تريد، قال رسول اللَّه ﷺ: وأنا لا أرى ذلك.
فنقرها ديك فأهراق ما فيها، قال أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول اللَّه يومك هذا ما تريد، قال رسول اللَّه ﷺ: وأنا لا أرى ذلك.
[قال الواقدي] [ (١) ] حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول اللَّه ﷺ نوفل بن معاوية الديليّ فقال: يا نوفل ما [تقول أو] ترى؟ فقال: يا رسول اللَّه ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيء، قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه-: ولم يؤذن لرسول اللَّه ﷺ في فتحها. قال وأمر رسول اللَّه ﷺ عمر فأذن في الناس بالرحيل، فجعل الناس يضجون من ذلك، قال رسول اللَّه ﷺ: فاغدوا على القتال، فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول اللَّه ﷺ: إنا قافلون إن شاء اللَّه، فسروا بذلك وأذعنوا [ (٢) ] ، وجعلوا يرحلون، ورسول اللَّه ﷺ يضحك، فلما استقل الناس لوجههم نادى سعد بن عبيد بن أسيد بن عمرو بن علاج الثقفي قال: ألا إن الحي مقيم. قال: يقول عيينة بن حصن: أجل واللَّه مجدة كرام، فقال له عمرو بن العاص- رضي اللَّه ﵎ عنه-: قاتلك اللَّه، تمدح قوما مشركين بالامتناع من رسول اللَّه ﷺ، وقد جئت تنصره؟ فقال: إني واللَّه ما جئت معكم أقاتل ثقيفا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مباركون. قال: فأخبر عمر رسول اللَّه ﷺ بمقالته فتبسم ﷺ، ثم قال: هذا الأحمق [ (٣) ] المطاع، وقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: قولوا: لا إله إلا اللَّه وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آئبون إن شاء اللَّه تائبون، عابدون
يرتحلوا: قولوا: لا إله إلا اللَّه وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آئبون إن شاء اللَّه تائبون، عابدون
لربنا حامدون، ولما ظعن رسول اللَّه ﷺ من الطائف قيل: يا رسول اللَّه ادع اللَّه على ثقيف فقال: اللَّهمّ اهد ثقيفا وائت بهم [ (١) ] . وقال ابن إسحاق [ (٢) ] : حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم وعبد اللَّه بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم، قالوا: حاصر رسول اللَّه ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا.
وأما إخباره ﷺ عن ذي الخويصرة بأنه وأصحابه يمرقون من الدين فكان كما أخبر يروي قتيبة بن سعيد وأبو خيثمة وإسحاق بن إبراهيم الحنظليّ وعثمان ابن أبي شيبة قالوا جميعا: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه يعني ابن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- قالوا: لما كان يوم حنين آثر رسول اللَّه ﷺ ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: واللَّه إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه اللَّه! قال: فقلت: واللَّه لأخبرن رسول اللَّه ﷺ، فأتيته فأخبرته بما قال الرجل، فتغيّر وجهه حتى صار كالصرف، قال: فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه
ورسوله؟ ثم قال: يرحم اللَّه موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال: فقلت: لا جرم، لا أرفع إليه بعد هذا حديثا [ (١) ] . لفظ أبي خيثمة: وقال إسحاق مثل ذلك إلا أنه قال: وآثر ناسا من أشراف العرب، وقال: أو ما أريد به وجه اللَّه، وحديث قتيبة وعثمان على لفظ أبي خيثمة إلا أنهما قالا: أو ما أريد به وجه اللَّه- تعالى-، رواه البخاريّ [ (٢) ] ، في (الصحيح عن قتيبة) ، ورواه مسلم [ (٣) ] ، عن أبي خيثمة وإسحاق بن إبراهيم وعثمان بن أبي شيبة، وذكر الواقدي أن المتكلم بهذا معتب ابن قشير العمري [ (٤) ] . وقال يحيى بن بكير ومحمد بن رمح: حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة، ورسول اللَّه ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد: اعدل، فقال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه-: دعني يا رسول اللَّه فأقتل هذا المنافق، قال ﷺ: معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا
لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه-: دعني يا رسول اللَّه فأقتل هذا المنافق، قال ﷺ: معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا
وأصحابه يقرءون القرآن، لا يجاوز خناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية، لفظ حديث ابن رمح، خرّجه عنه مسلم [ (١) ] . وقال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق قال: حدثني أبو عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر عن مقسم أبي القاسم مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي، فلقينا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يطوف بالكعبة معلقا نعليه في يده، فقلنا له: هل حضرت رسول اللَّه ﷺ وعنده ذو الخويصرة التميمي يكلمه؟ قال: نعم، ثم حدثنا فقال: أتى ذو الخويصرة التميمي رسول اللَّه ﷺ وهو يقسم المقاسم بحنين، فقال: يا محمد! قد رأيت ما صنعت قال: وكيف رأيت؟ قال: ما رأيتك عدلت، فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه ألا أقوم إليه فأضرب عنقه؟ فقال ﷺ: دعه عنك، فإنه سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين حتى يمرقوا كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا تجد شيئا، وتنظر في القدح فلا تجد شيئا، ثم تنظر في الفوق فلا تجد شيئا، سبق الفرث والدم [ (٢) ] . وروي بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهريّ قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدريّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة- رجل من بني تميم- فقال: يا رسول اللَّه! اعدل، قال رسول اللَّه ﷺ: ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟ وقد خبت وخسرت إن لم أعدل. قال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول اللَّه ﷺ: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم، صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا
﵎ عنه-: يا رسول اللَّه ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول اللَّه ﷺ: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم، صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا
يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافة فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم في قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه- قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول اللَّه ﷺ الّذي نعت [ (١) ] . خرّجه البخاريّ عن أبي اليمان، عن شعيب، وأخرجاه من وجه آخر عن الزهريّ، فأخبر ﷺ بخروج قوم فيهم رجل مخدّج اليد، عند افتراق يكون بين المسلمين، وأنه يقتلهم أولى الطائفتين بالحق فكان كذلك، وخرجوا حين وقعت الفرقة بين أهل العراق وأهل الشام، وقتلهم أولى الطائفتين بالحق، وهو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه ﵎ عنه-، ووجدوا المخدّج كما وصف رسول اللَّه ﷺ فكان ذلك علم من أعلام النبوة ظهر بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ] ، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء اللَّه تعالى.
-، ووجدوا المخدّج كما وصف رسول اللَّه ﷺ فكان ذلك علم من أعلام النبوة ظهر بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ] ، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء اللَّه تعالى.
وأما إخباره ﷺ عروة بن مسعود الثقفيّ بأن قومه يقتلونه فكان كذلك فقال ابن لهيعة: عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قال: فلما صدر أبو بكر وعليّ- رضي اللَّه ﵎ عنهما- وأقاما [ (١) ] للناس الحج، قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول اللَّه ﷺ مسلما [ (٢) ] ، وقال موسى بن عقبة: وأقام أبو بكر للناس حجتهم [ (٣) ] ، وقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول اللَّه ﷺ، ثم استأذن رسول اللَّه ﷺ ليرجع إلى قومه، فقال رسول اللَّه ﷺ: إني أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني، فأذن له رسول اللَّه ﷺ فرجع إلى الطائف وقدم الطائف عشيا، فجاءته ثقيف فحيوه، ودعاهم إلى الإسلام ونصح لهم، فاتهموه، وعصوه، وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه، فخرجوا من عنده حتى إذا أسحر [ (٤) ] وطلع الفجر قام على غرفة له في داره، فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ حين بلغه قتله، قال: مثل عروة مثل صاحب ياسين حين دعا قومه إلى اللَّه فقتلوه [ (٥) ] . وقال الواقدي [ (٦) ] :
قالوا: كان عروة بن مسعود حين حاصر النبي ﷺ أهل الطائف بجرش يتعلم عمل الدبابات [ (١) ] والمنجنيق [ (٢) ] ، ثم رجع إلى الطائف بعد أن ولى رسول اللَّه ﷺ فعمل المنجنيق والدبابات والعرادات [ (٣) ] ، وأعد ذلك حتى قذف اللَّه في قلبه الإسلام. فقدم المدينة على النبي ﷺ فأسلم، ثم قال: يا رسول اللَّه ائذن لي فأتي قومي فأدعوهم إلى الإسلام، فو اللَّه ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب، فأقدم على أصحابي وقومي بخير قادم، وما قدم وافد قط على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به، وقد سبقت يا رسول اللَّه في مواطن كثيرة، فقال رسول اللَّه ﷺ: إنهم إذا قاتلوك، قال: يا رسول اللَّه لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم. ثم استأذنه الثانية، فأعاد عليه الكلام الأول، فقال رسول اللَّه ﷺ: إنهم إذا قاتلوك. فقال: يا رسول اللَّه لو وجدوني نائما ما أيقظوني، واستأذنه الثالثة فقال: إن شئت فاخرج. فخرج إلى الطائف فسار إليها خمسا، فقدم على قومه عشاء فدخل منزله، فأنكر قومه دخوله منزله من قبل أن يأتي الربة [ (٤) ] ، ثم قالوا: السفر قد حصره [ (٥) ] ، فجاءوا منزله، فحيوه بتحية الشرك، فكان أول ما أنكر عليهم تحية الشرك، فقال: عليكم تحية أهل الجنة، ثم دعاهم إلى الإسلام وقال: يا قوم أتتهمونني؟ ألستم تعملون أني أوسطكم نسبا، وأكثركم مالا، وأعزكم نفرا؟ فما حملني على الإسلام إلا أني رأيت أمرا لا يذهب عنه ذاهب، وأقبلوا
م وقال: يا قوم أتتهمونني؟ ألستم تعملون أني أوسطكم نسبا، وأكثركم مالا، وأعزكم نفرا؟ فما حملني على الإسلام إلا أني رأيت أمرا لا يذهب عنه ذاهب، وأقبلوا
فما حملني على الإسلام إلا أن رأيت أمرا لا يذهب عنه ذاهب، وأقبلوا نصحي ولا تستعصوني، فو اللَّه ما قدم وافد قط على قوم بأفضل مما قدمت به عليكم، فاتهموه، واستغشوه، وقالوا: قد واللات وقع في أنفسنا حيث لم تقرب الربة، ولم تحلق رأسك عندها أنك قد صبوت فآذوه ونالوا منه، وحلم عليهم، فخرجوا من عنده يأتمرون كيف يصنعون به حتى إذا طلع الفجر أوفى على غرفة له، فأذّن بالصلاة، فرماه رجل من رهطه من الأحلاف يقال له: وهب ابن جابر، ويقال: الّذي رماه أوس بن عوف بن بني مالك، وهذا أثبت عندنا. وكان عروة رجل من الأحلاف فأصاب أكحله [ (١) ] فلم يرقأ دمه [ (٢) ] وحشد قومه في السلاح وجمع الآخرون وتجايشوا، فلما رأى عروة ما يصنعون قال: لا تقتتلوا فيّ، فإنّي قد تصدقت بدمي على صاحبه ليصلح بذلك نبيكم، فهي كرامة اللَّه أكرمني بها، الشهادة ساقها اللَّه إليّ، أشهد أن محمدا رسول اللَّه، واللَّه خبرني عنكم هذا أنكم تقتلونني، ثم قال لرهطه: ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللَّه ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، قال: فدفنوه معهم، وبلغ رسول اللَّه ﷺ قتله، فقال: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى اللَّه- تعالى- فقتلوه. ويقال: إن عروة لم يقدم المدينة وإنما لحق رسول اللَّه بين مكة والمدينة فأسلم، ثم انصرف، والقول الأول أثبت عندنا، فلما قتل عروة قال ابنه أبو مليح بن عروة بن مسعود وابن أخيه قارب بن الأسود بن مسعود لأهل الطائف: لا نجامعكم على شيء أبدا، وقد قتلتم عروة، ثم لحقا برسول اللَّه ﷺ فأسلما، فقال لهما رسول اللَّه ﷺ: توليا من شئتما، قالا: نتولى اللَّه ورسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ: وخالكما أبو سفيان بن حرب، حالفاه ففعلا، ونزلا على المغيرة بن شعبة، فأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف في رمضان سنة تسع واللَّه- تعالى- أعلم.
اللَّه ﷺ: وخالكما أبو سفيان بن حرب، حالفاه ففعلا، ونزلا على المغيرة بن شعبة، فأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف في رمضان سنة تسع واللَّه- تعالى- أعلم.
وأما إجابة اللَّه تعالى دعاء رسوله ﷺ على حارثة بن عمرو فقال الواقدي [ (١) ] : حدثني رشيد أبو موهوب، عن جابر بن أبي سلمى وعنبسة بن أبي سلمى قالا: كتب رسول اللَّه ﷺ إلى حارثة بن عمرو بن قريظ يدعوهم إلى الإسلام فأخذوا صحيفته فغسلوها، ورقعوا بها است دلوهم، وأبوا أن يجيبوا، فقالت أم حبيب بنت عامر بن خالد بن عمرو بن قريط بن عبد بن أبي بكرة وخاصمتهم في بيت لها فقالت فيه شعرا. قالوا: فلما فعلوا بالكتاب ما فعلوا، قال رسول اللَّه ﷺ: ما لهم أذهب اللَّه بعقولهم فهم أهل رعدة وعجلة، وكلام مختلط، وأهل سفه، وكان الّذي جاءهم بالكتاب رجل من عرينة يقال له: عبد اللَّه بن عوسجة، لمستهل ربيع الأول سنة تسع. قال الواقدي- ﵀: رأيت بعضهم عييا لا يبين الكلام، واللَّه تعالى أعلم.
وأما إخباره ﷺ عمار بن ياسر- رضى اللَّه ﵎ عنه- بما قال المنافقون في مسيرهم إلى تبوك فقال الواقدي [ (١) ] : قالوا: وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي ﷺ في تبوك، منهم وديعة بن ثابت، أحد بني عمرو بن عوف، والجلاس بن سويد بن الصامت، ومخشيّ بن حميّر من أشجع، حليف لبني سلمة، وثعلبة ابن حاطب، فقال ثعلبة: تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ واللَّه لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا برسول اللَّه ﷺ وترهيبا للمؤمنين، فقال وديعة بن ثابت: ما لي أرى قرءانا هؤلاء أوعبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ وقال الجلاس بن سويد- وكان زوج أم عمير وكان ابنها عمير يتيما في حجره-: هؤلاء سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، واللَّه لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير! فقال مخشيّ بن حمير: واللَّه لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا ننفلت من أن ينزل فينا القرآن بمقالتكم. فقال رسول اللَّه ﷺ لعمار بن ياسر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: أدرك القوم فإنّهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا، فذهب إليهم عمار فقال لهم، فأتوا رسول اللَّه ﷺ يعتذرون إليه،
ه-: أدرك القوم فإنّهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا، فذهب إليهم عمار فقال لهم، فأتوا رسول اللَّه ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول اللَّه ﷺ على ناقته قد أخذ بحقب ناقة النبي ﷺ ورجلاه تنسفان الحجارة وهو يقول: يا رسول اللَّه إنما كنا نخوض ونلعب، ولم يلتفت إليه رسول اللَّه ﷺ، فأنزل اللَّه- تعالى- فيه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [ (٢) ] إلى قوله- تعالى-: كانُوا مُجْرِمِينَ [ (٣) ] ، ورد عمير على الجلاس ما قال حين قال: لنحن شر من
الحمير، قال: فأنت شر من الحمار، ورسول اللَّه ﷺ الصادق وأنت الكاذب، وجاء الجلاس إلى النبي ﷺ، فحلف ما قال من ذلك شيئا فانزل اللَّه- تعالى- على نبيه فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [ (١) ] ونزلت فيه أيضا: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ... الآية، وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه وكان محتاجا، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أخذها له فاستغنى بها، وقال مخشي بن حمير: قد واللَّه يا رسول اللَّه قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الّذي عفى عنه في هذه الآية مخشيّ بن حميّر فسماه رسول اللَّه ﷺ عبد الرحمن أو عبد اللَّه وسأل اللَّه- تعالى- أن يقتل شهيدا ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر. ويقال في الجلاس بن سويد: إنه كان ممن تخلف من المنافقين في غزوة تبوك فكان يثبط الناس عن الخروج، وكانت أم عمير تحته وكان عمير يتيما في حجره ولا مال له، فكان يكفله ويحسن إليه، فسمعه وهو يقول: واللَّه لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير! فقال له عمير: يا جلاس قد كنت أحب الناس إليّ، وأحسنهم عندي أثرا، وأعزهم عليّ أن يدخل عليه شيء نكرهه، واللَّه لقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لأهلكن، وإحداهما أهون عليّ من الأخرى! فذكر للنّبيّ ﷺ الجلاس، وكان رسول اللَّه ﷺ قد أعطى الجلاس مالا من الصدقة لحاجته وكان فقيرا فبعث النبي ﷺ إلى الجلاس فسأله عما قال عمير فحلف باللَّه ما تكلم به قط، وأن عميرا لكاذب- وهو عمير بن سعيد- وهو حاضر عند النبي ﷺ، فقام وهو يقول: اللَّهمّ أنزل على رسولك بيان ما تكلمت به، فأنزل اللَّه- تعالى- على نبيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ إلى قوله: أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ، للصدقة التي أعطاها النبي ﷺ، فقال الجلاس: اسمع! اللَّه قد عرض علي التوبة، واللَّه لقد قلت ما قال عمير ولما اعترف بذنبه وحسنت توبته ولم يمتنع عن خير كان يصنعه إلى عمير بن سعيد، فكان ذلك مما قد عرفت به توبته. واللَّه- ﷾ أعلم.
اللَّه لقد قلت ما قال عمير ولما اعترف بذنبه وحسنت توبته ولم يمتنع عن خير كان يصنعه إلى عمير بن سعيد، فكان ذلك مما قد عرفت به توبته. واللَّه- ﷾ أعلم.
وأما إخباره لأبى ذر [الغفاريّ] بأنهم يخرجون من المدينة فكان كما أخبر ﷺ فخرّج الإمام أحمد [ (١) ] من حديث هاشم، عن عبد الحميد، عن شهر حدثتني أسماء [بنت يزيد] أن أبا ذر- رضي اللَّه ﵎ عنه- كان يخدم النبي ﷺ فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد فكان هو بيته يضطجع فيه، فدخل رسول اللَّه ﷺ ليلة فوجده منجدلا في المسجد فنكته برجله حتى استوى جالسا، فقال له رسول اللَّه ﷺ: ألا أراك نائما في المسجد؟ قال أبو ذر: يا رسول اللَّه وأين أنام؟ وهل لي بيت غيره؟ فجلس إليه رسول اللَّه ﷺ فقال له: كيف أنت إذا أخرجوك منه قال: إذا ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فأكون رجلا من أهلها، فقال: كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟ قال: إذا أرجع إليه فيكون بيتي ومنزلي، قال: فكيف بك إذا أخرجوك منه الثانية؟ قال: إذا آخذ سيفي فأقاتل عني [حتى أموت قال:] فكشر إليه رسول اللَّه ﷺ فأثبته بيده، فقال: أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه قال: تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك. قال جامعه: قد صدق اللَّه- تعالى- ورسوله ﷺ فيما أخبر به أبا ذر- رضي اللَّه ﵎ عنه- من إخراجهم له من الشام والمدينة، وذلك أنه أخرج من المدينة أولا في خلافة عثمان- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى الشام لإنكاره أشياء من سيرته، فأقام بها، فأنكر على معاوية بن أبي سفيان وهو يومئذ أمير الشام، فشكاه إلى عثمان، فأمره بحمله إليه، فحمله إلى المدينة، فأخذ يطعن على عثمان، فأخرجه من المدينة، وأسكنه
ر على معاوية بن أبي سفيان وهو يومئذ أمير الشام، فشكاه إلى عثمان، فأمره بحمله إليه، فحمله إلى المدينة، فأخذ يطعن على عثمان، فأخرجه من المدينة، وأسكنه
الرَّبَذَة حتى مات، وقد ذكرته في كتاب (التاريخ الكبير المقفى [ (١) ] ) ذكرا مستوفي. وخرّج ابن حبان في (صحيحه) من حديث النضر بن شميل، عن كهمس بن الحسن [القيسيّ] ، عن أبي السليل ضريب بن نقير القيسيّ قال: قال أبو ذر: جعل رسول اللَّه ﷺ يتلو هذه الآية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ (٢) ] [فجعل يرددها] حتى نعست فقال: يا أبا ذر لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم، ثم قال: يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ قلت: إلى السعة والدعة، أكون حماما من حمام مكة، قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟ قلت: إلى السعة والدعة، إلى أرض الشام والأرض المقدسة، قال: فكيف تفعل إذا أخرجت منها؟ قال: [إذا] والّذي بعثك بالحق آخذ سيفي فأضعه على عاتقي، فقال له النبي ﷺ: أو خير من ذلك، تسمع وتطيع لعبد حبشيّ مجدّع [ (٣) ] ، واللَّه- تعالى- أعلم.
وأما إخباره ﷺ عن أبي ذر رضي اللَّه ﵎ عنه بأنه يموت وحده فكان كما قال فروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان الأسلميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه، قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ- رضي اللَّه ﵎ عنهما- إلى الرَّبَذَة [ (١) ] ، وأصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم قولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول اللَّه ﷺ فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد اللَّه ابن مسعود في رهط من أهل العراق عمار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول اللَّه ﷺ فأعينونا أعلى دفنه، قال فاستهل عبد اللَّه بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول اللَّه ﷺ، تمشى وحدك، وتموت وحدك، وتبعث
وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد اللَّه بن مسعود حديثه، وما قال له رسول اللَّه ﷺ في مسيره إلى تبوك [ (١) ] . ثم قال ابن إسحاق [في خبر أبي ذر- رضي اللَّه ﵎ عنه- في غزوة تبوك] : ثم مضى رسول اللَّه ﷺ سائرا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول اللَّه، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن بك فيه خير فسيلحقه اللَّه- تعالى- بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه، حتى قيل: يا رسول اللَّه! قد تخلف أبو ذرّ، وأبطأ به بعيره، فقال: إن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه. وتلوم [ (٢) ] أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللَّه ﷺ ماشيا، ونزل رسول اللَّه ﷺ في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول اللَّه، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول اللَّه هو واللَّه أبو ذرّ، فقال رسول اللَّه ﷺ: كن [ (٣) ] أبا ذرّ، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللَّه ﷺ: رحم اللَّه أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده [ (٤) ] .
رّ، فقال رسول اللَّه ﷺ: كن [ (٣) ] أبا ذرّ، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللَّه ﷺ: رحم اللَّه أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده [ (٤) ] . قال الواقدي في (مغازيه) : وكان أبو ذر- رضي اللَّه ﵎ عنه- يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيري كان نضوا أعجف [ (٥) ] ، فقلت: أعلفه أياما، ثم ألحق برسول اللَّه ﷺ، فعلفته أياما، ثم خرجت، فلما كنت في ذي المروة عجز بي فتلومت عليه يوما فلم أر به حركة، فأخذت متاعي فحملته [ (٦) ] على ظهري، ثم خرجت أتبع رسول اللَّه ﷺ ماشيا في حرّ شديد، وقد تقطع الناس فلا أرى أحدا يلحقنا من المسلمين، فطلعت على رسول
اللَّه ﷺ نصف النهار وقد بلغ مني العطش فنظر ناظر من الطريق، فقال: يا رسول اللَّه! إن هذا الرجل يمشي وحده، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: كن أبا ذر، فلما تألمني القوم قالوا: يا رسول اللَّه! هذا أبو ذر، فقام رسول اللَّه ﷺ حتى دنوت منه فقال: مرحبا بأبي ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، فقال: ما خلفك يا أبا ذر فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعزّ أهلي عليّ تخلفا، لقد غفر اللَّه لك يا أبا ذرّ بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتني، ووضع متاعه عن ظهره، ثم استسقى [ (١) ] فأتي بإناء من ماء فشربه. فلما أخرجه عثمان- رضي اللَّه ﵎ عنه- إلى الرَّبَذَة وأصابه قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما فقال: غسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق إذا أنا مت. وأقبل ابن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- في رهط من أهل العراق عمارا، فلم يرعهم إلا بالجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فسلم القوم، فقام إليهم غلامه فقال لهم: هذا أبو ذر صاحب رسول اللَّه ﷺ فأعينوني عليه، فاستهل ابن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- يبكي ويقول: صدق رسول اللَّه ﷺ: يمشي أبو ذر وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ثم نزل هو وأصحابه حتى واروه، ثم حدثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول اللَّه ﷺ في مسيره إلى تبوك [ (٢) ] .
يمشي أبو ذر وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ثم نزل هو وأصحابه حتى واروه، ثم حدثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول اللَّه ﷺ في مسيره إلى تبوك [ (٢) ] . وذكر أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر، حديث عليّ بن المديني قال: حدثنا يحيى بن سليم [الطائفي] [ (٣) ] قال: حدثني عبد اللَّه بن خثيم، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أم ذرّ زوجة أبي ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك؟ ولا يد لي للقيام بجهازك، قال: فأبشري لا تبكي، فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:
لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران يحتسبان فيريان النار أبدا، وقد مات لنا ثلاثة من الولد، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا ذلك الرجل، فو اللَّه ما كذبت ولا كذبت، فأبصري الطريق، قلت: أنّي وقد ذهب الحاجّ وتقطعت الطريق؟ قال: اذهبي فتبصري، قالت: فكنت أشتدّ إلى الكثيب فأنظر، ثم أرجع إليه فأمرضه، فبينا أنا كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرّخم [ (١) ] تحث بهم رواحلهم، فأسرعوا إليّ حتى وقفوا عليّ فقالوا: يا أمة اللَّه! مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول اللَّه ﷺ، قلت: نعم، قالت: ففدوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة واللَّه ما كذبت ولا كذبت،
ول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة واللَّه ما كذبت ولا كذبت، ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم اللَّه أن يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار فقال: أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا، وفي ثوبين من عيبتي من غزل أمي، قال: أنت تكفنني [يا بني] [ (٢) ] ، قال: فكفنه الأنصاري وغسله في النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان [ (٣) ] .
وقد خرّجه الحاكم في (مستدركه) [ (١) ] أيضا من حديث ابن المديني نحوه سواء، واللَّه أعلم.
وأما خرصه ﷺ حديقة المرأة وإخباره بهبوب ريح شديدة فكان كما قال فخرّج البخاريّ في كتاب الزكاة في باب خرص
التمر [ (١) ] وفي كتاب الجزية [ (١) ] من حديث سهل بن بكار، عن وهيب، عن عمر بن يحيي، عن
عباس الساعدي، عن أبي حميد الساعدي [ (١) ] قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: اخرصوا، وخرص رسول اللَّه ﷺ عشرة أوسق، وقال لها: أحصي ما يخرج منها فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، ومن كان معه بعير فليعقله، فعقلناها، وهبت ريح شديدة، فقام رجل فألقته بجبل طيِّئ، وأهدى ملك أيلة النبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكنت له ببحرهم، فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق خرص رسول اللَّه ﷺ، قال النبي ﷺ: إني متعجل إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل. فلما- قال ابن بكار: كلمة معناها- أشرف على المدينة قال: هذه طابة، فلما رأى أحدا قال: هذا جبل يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى، قال: دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل، ثم دور بني ساعدة، أو دور بني الحارث بن الخزرج، وفي كل دور الأنصار يعني خيرا، وقال سليمان بن بلال: حدثني عمرو، ثم دور بني الحارث، ثم بني ساعدة. وقال سليمان: عن سعد بن سعيد، عن عمارة بن غزية، عن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه، قال أبو عبد اللَّه: كل بستان عليه حائط فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة [ (٢) ] .
عن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه، قال أبو عبد اللَّه: كل بستان عليه حائط فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة [ (٢) ] .
لم يذكر منه في كتاب الجزية غير قوله: غزونا مع النبي ﷺ تبوك، وأهدى ملك أيلة النبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم ولم يزد على ذلك [ (١) ] . وخرّج مسلم من حديث سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول اللَّه ﷺ: اخرصوها فخرصناها، وخرصها رسول اللَّه ﷺ عشرة أوسق، قال: أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء اللَّه، وانطلقنا حتى أتينا تبوك، فقال رسول اللَّه ﷺ: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيِّئ، وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول اللَّه ﷺ بكتاب وأهدي له بغله بيضاء، فكتب إليه رسول اللَّه ﷺ وأهدى له بردا، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول اللَّه ﷺ المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول اللَّه ﷺ: إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي ومن شاء فليمكث، فخرجا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه، ثم قال: إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير، فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبو أسيد: ألم تر رسول اللَّه ﷺ خيّر دور الأنصار فجعلنا آخرا! فأدرك سعد رسول اللَّه ﷺ فقال يا رسول اللَّه: خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا! فقال: أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار [ (٢) ] .
ر الأنصار فجعلنا آخرا! فأدرك سعد رسول اللَّه ﷺ فقال يا رسول اللَّه: خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا! فقال: أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار [ (٢) ] .
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر حزم، عن العباس بن سهل بن سعيد الساعدي، أو عن العباس، عن سعد بن سهل- الشك مني- أن رسول اللَّه ﷺ حين مر بالحجر ونزلها واستسقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول اللَّه ﷺ للناس: لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له، ففعل الناس ما أمرهم رسول اللَّه ﷺ إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهم لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الّذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الّذي ذهب في طلب بعيره فاحملته الريح حتى طرحته بجبلي طيِّئ، فأخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد [ (١) ] إلا ومعه صاحبه، ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الّذي وقع بجبلي طيِّئ فإن طيِّئا أهدته إلى رسول اللَّه ﷺ حين قدم من تبوك [ (٢) ] . قال عبد اللَّه بن أبي بكر: قد سمي إليّ العباس الرجلين، ولكنه استودعني إياهما فأبى أن يسميهما لنا [ (٣) ] . وقال الواقدي في (مغازيه) [ (٤) ] : قال أبو حميد الساعدي: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى تبوك، فلما جئنا وادي القرى مررنا على حديقة لامرأة فقال رسول اللَّه ﷺ: اخرصوها، فخرصها رسول اللَّه ﷺ وخرصناها معه، عشرة أو ساق ثم قال رسول اللَّه ﷺ: احفظي ما خرج منها حتى نرجع إليك، فلما أمسينا بالحجر قال: إنها ستهبّ الليلة ريح شديدة فلا يقومن منكم أحد إلا معه صاحبه، ومن كان له بعير فليوثق عقاله، قال: وهاجت ريح شديدة، قال:
ولم يقم أحد إلا مع صاحبه إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الّذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الّذي ذهب في طلب بعيره، فاحتملته الرياح فطرحته بجبليّ طيِّئ، فأخبر رسول اللَّه ﷺ خبرهما، فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد إلا ومعه صاحب، ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الّذي وقع بجبليّ طيِّئ فإن طيِّئا أهدته للنّبيّ ﷺ حين قدم المدينة، واللَّه- تعالى- أعلم.
وأما صلاته ﷺ وهو بتبوك على معاوية بن معاوية وقد مات بالمدينة فروى الحافظ أبو عمر بن عبد البر [ (١) ] ، والحافظ أبو بكر البيهقيّ [ (٢) ] من حديث عثمان بن الهيثم، عن محبوب بن هلال، عن [ابن] أبي ميمونة، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: نزل جبريل- ﵇ على النبي ﷺ فقال: يا محمد مات معاوية بن معاوية المزني، [أفتحب] أن تصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة، ولا أكمة إلا تضعضعت، ورفع إليه سريره حتى نظر إليه فصلّى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ لجبريل: يا جبريل [بم نال] هذه المنزلة [من اللَّه] ؟ قال: بحبه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ (٣) ] وقراءته إياها جائيا، وذاهبا، وقائما، وقاعدا، وعلى كل حال. السياق لابن عبد البر. وزاد البيهقي من حديث الحسن بن محمد الزعفرانيّ قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء أبي محمد الثقفي، قال: سمعت أنس بن مالك قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور، ولم أرها طلعت فيما مضى، [فأتى جبريل- ﵇ رسول اللَّه ﷺ فقال: يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى] ؟ قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثي مات اليوم بالمدينة، فبعث اللَّه سبعين ألف ملك يصلون عليه، قال: وفيم ذاك قال: كان يكثر قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بالليل وبالنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول
اللَّه سبعين ألف ملك يصلون عليه، قال: وفيم ذاك قال: كان يكثر قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بالليل وبالنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول
اللَّه أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم، قال: فصلّى عليه، ثم رجع. قال أبو عمر: العلاء أبو محمد الثقفي هو العلاء بن يزيد الثقفي أبو محمد، يروي عن أنس، روى عن يزيد بن هارون وعثمان بن مطيع، في حديثه مناكير، كان محمد يتكلم فيه. وخرّجه أيضا من حديث بقية بن الوليد قال: حدثنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة الباهلي قال: أتى رسول اللَّه ﷺ جبريل- ﵇ وهو بتبوك فقال: يا محمد اشهد جنازة معاوية بن مقرن المزني، قال: فخرج رسول اللَّه ﷺ في أصحابه، ونزل جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرض فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة، فصلّى عليه رسول اللَّه ﷺ وجبريل والملائكة، فلما فرغ قال: يا جبريل بم بلغ معاوية بن مقرن هذه المنزلة، قال: بقراءته: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قائما، وقاعدا، وراكبا، وماشيا [ (١) ] . قال أبو عمر بن عبد البر: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية، ولولا أنها في [غير] [ (٢) ] الأحكام لم يكن في شيء منها حجة، ومعاوية بن مقرن المزني وإخوته: النعمان، وسويد، ومعقل، وسائرهم وكانوا سبعة معروفون في الصحابة مذكورون في كبارهم، وأما معاوية بن معاوية فلا أعرفه بغير ما ذكرت في هذا [الكتاب] [ (٣) ] ، وفضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا ينكر. قال أبو عمير: معاوية بن معاوية المزني، ويقال: الليثي، ويقال: معاوية بن مقرن المزني، وهو أولى بالصواب إن شاء اللَّه، توفي في حياة النبي ﷺ، روى حديثه أنس بن مالك وأبو أمامه واختلفت الآثار في ذلك.
الليثي، ويقال: معاوية بن مقرن المزني، وهو أولى بالصواب إن شاء اللَّه، توفي في حياة النبي ﷺ، روى حديثه أنس بن مالك وأبو أمامه واختلفت الآثار في ذلك.
وأما إخباره ﷺ خالد بن الوليد حين بعثه إلى أكيدر بدومة الجندل بأنه يجده يصيد البقر فوجده كما قال فروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [ (١) ] قال: حدثني يزيد بن رومان وعبد اللَّه بن أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا على دومة وكان نصرانيا، فقال رسول اللَّه ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين في ليلة مقمرة صافية وهو على سطح ومعه امرأته، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا واللَّه، قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان، فخرجوا معهم بمطاردهم فتلفقتهم خيل رسول اللَّه ﷺ، فأخذته وقتلوا أخاه حسان، وكان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذهب، فاستلبه خالد بن الوليد، فبعث به إلى رسول اللَّه ﷺ قبل قدومه به عليه، ثم إن خالدا قدم بالأكيدر على رسول اللَّه ﷺ فحقن له دمه وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيِّئ يقال له: بجير بن بجرة يذكر قول رسول اللَّه ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول اللَّه ﷺ: تبارك سائق البقرات إني ... رأيت اللَّه يهدي كل هاد ومن يك عائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد زاد فيه غيره: فقال النبي ﷺ: لا يفضض اللَّه، فاك فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس ولا سن.
وقال الواقدي في (مغازيه) [ (١) ] حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهما- ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، ومعاذ بن محمد، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وإسماعيل ابن إبراهيم، عن موسى بن عقبة، فكل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة، وعماده حديث ابن أبي حبيبة. قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل- وكان أكيدر من كندة قد ملكهم وكان نصرانيا- فقال خالد: يا رسول اللَّه، كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسير؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: ستجده يصيد البقر فتأخذه. قال: فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة، وصعد على ظهر الحصن من الحر، وقينته تغنبه، ثم دعا بشراب فشرب، فأقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فأقبلت امرأته الرباب فأشرفت على الحصن فرأت البقر، فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم، هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا، ثم قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد. قال: يقول أكيدر: واللَّه ما رأيت جاءنا بقر غير تلك الليلة ولقد كنت أضمّر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرا أو أكثر، ثم أركب بالرجال وبالآلة. قال: فنزل، فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم [ (٢) ] ، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر، وامتنع حسان فقاتل حتى قتل، وهرب المملوكان ومن كان معه من أهل بيته، فدخلوا
تنتظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر، وامتنع حسان فقاتل حتى قتل، وهرب المملوكان ومن كان معه من أهل بيته، فدخلوا
الحصن، وكان على حسان قباء ديباج مخوّص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول اللَّه ﷺ مع عمرو بن أمية الضمريّ حين قدم عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر. قال أنس بن مالك وجابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه ﵎ عنهما-: رأينا قباء حسان أخي أكيدر حين قدم به إلى رسول اللَّه ﷺ، فجعل المسلمون يتلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول اللَّه ﷺ: تعجبون من هذا؟ والّذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. وقد كان رسول اللَّه ﷺ قال لخالد بن الوليد: إن ظفرت بأكيدر فلا تقتله، وائت به إليّ فإن أبي فاقتلوه، فطاوعهم. فقال بجير بن بجرة من طيِّئ، يذكر قول النبي ﷺ لخالد: إنك تجده يصيد البقر وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديق قول رسول اللَّه ﷺ فقال شعرا. وقال خالد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتى رسول اللَّه ﷺ على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، ذلك لك، فلما صالح خالد أكيدر، وأكيدر في وثاقه انطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن ونادى أكيدر أهله: افتحوا باب الحصن فأرادوا ذلك فأبى عليهم أخو أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم واللَّه لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك، فخل عني فلك اللَّه والأمانة أن أفتح لك باب الحصن إن أنت صالحتني على أهله، قال خالد: فإنّي أصالحك، فقال أكيدر: إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني، قال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت فصالحه على ألفي بعير، وثماني مائة رأس وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول اللَّه ﷺ، فيحكم فيهما حكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن فدخل خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة ومعه أكيدر، فلما قدم بأكيدر على رسول اللَّه ﷺ صالحه على
وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة ومعه أكيدر، فلما قدم بأكيدر على رسول اللَّه ﷺ صالحه على
الجزية، وحقن دمه ودم أخيه، وخلى سبيلها، وكتب رسول اللَّه ﷺ كتابا فيه أمانهم وما صالحهم، وختمه يومئذ بظفره [ (١) ] . وذكر ابن الكلبي أن أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، لما قبض رسول اللَّه ﷺ منع أبا بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ما صالح عليه فأخرج من جزيرة العرب من دومة ولحق الحيرة وابتنى بها بناء وسماه دومة، بدومة الجندل، وفي (كتاب الفتوح) : أن خالد بن الوليد لما خرج إلى دومة الجندل وبها أكيدر هذا والجودي بن ربيعة جمع كثير قال أكيدر: لا أحد فمن نقيه من خالد ولا يرى وجهه أحد إلا انهزم فلا تقاتلوا، فعصوه فتركهم، وخرج فأخذته خيل خالد فقتلته، ثم قتل خالد الجودي وفتح دومة.
وأما أكل طائفة من سبع ثمرات غير مرة حتى شبعوا- وهم بتبوك مع رسول اللَّه ﷺ وإذا هي لم تنقص فقال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن سعيد، عن عرباض بن سارية قال: كنت ألزم باب رسول اللَّه ﷺ في الحضر والسفر، فرأينا ليلة ونحن بتبوك، وذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول اللَّه ﷺ، وقد تعشى ومن عنده من أضيافه ورسول اللَّه ﷺ يريد أن يدخل في قبته ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية، فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟
ول اللَّه ﷺ، وقد تعشى ومن عنده من أضيافه ورسول اللَّه ﷺ يريد أن يدخل في قبته ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية، فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟ فأخبرته، فطلع جعال بن سراقة، وعبد اللَّه بن مغفل المزني، وكنا ثلاثة، كلنا جائع، إنما نعيش بباب النبي ﷺ، فدخل رسول اللَّه ﷺ البيت، فطلب شيئا نأكلها فلم يجده، فخرج إلينا فنادى بلالا: يا بلال، هل من عشاء لهؤلاء النفر؟ قال: لا والّذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا [ (١) ] وحمتنا [ (٢) ] ، قال: انظر عسى أن تجد شيئا، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة والتمرتان، حتى رأيت بين يديه سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع فيها التمر، ثم وضع يده على التمرات وسمى اللَّه، وقال: كلوا بسم اللَّه، فأكلنا فأحصيت أربعا وخمسين تمرة أكلتها أعدها ونواها في يدي الأخرى، وصاحباي يصنعان ما أصنع وشبعنا، وأكل كل واحد منا خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي، فقال: يا بلال، ارفعها في جرابك فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا، قال: فبتنا حول قبة رسول اللَّه ﷺ، فكان يتهجد من الليل، فقام تلك الليلة يصلي، فلما طلع الفجر ركع ركعتي الفجر، وأذّن بلال وأقام، فصلّى رسول اللَّه ﷺ بالناس، ثم انصرف إلى فناء قبته، فجلس وجلسنا حوله، فقرأ من المؤمنين عشرا، فقال: هل لكم في الغداء؟
قال عرباض: فجعلت أقول في نفسي أي غداء؟ فدعا بلال بالتمر، فوضع يده عليه في الصفحة، ثم قال: كلوا بسم اللَّه، فأكلنا- والّذي بعثه بالحق- حتى شبعنا وإنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعا، وإذا التمرات كما هي! فقال رسول اللَّه ﷺ: لولا أني أستحيي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد المدينة عن آخرنا، وطلع غليم من أهل البلد، فأخذ رسول اللَّه ﷺ التمرات بيده فدفعها إليه، فولى الغلام يلوكهن [ (١) ] .
وأما دعاؤه ﷺ لذي البجادين أن يحرم اللَّه تعالى دمه على الكفار فمات حتف أنفه مع عزمه على القتل في سبيل اللَّه فقال الواقدي في (مغازيه) : قالوا: وكان عبد اللَّه ذو البجادين [ (٢) ] من مزينة وكان يتيما لا مال له، مات أبوه فلم يورثه شيئا، وكان عمه ميّلا [ (٣) ] فأخذه وكفله حتى كان قد أيسر، وكانت له إبل وغنم ورقيق، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، كانت نفسه تتوق إلى الإسلام، ولا يقدر عليه من عمه، حتى مضت السنون والمشاهد كلها، فانصرف رسول اللَّه ﷺ من فتح مكة راجعا إلى المدينة، فقال عبد اللَّه لعمه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدا، فأذن لي في الإسلام، فقال: واللَّه لئن اتبعت محمدا لا أترك بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك حتى ثوبيك، فقال عبد العزى وهو يومئذ اسمه: وأنا واللَّه متبع محمدا ومسلم، وتارك عبادة الحجر والوثن وهذا ما بيدي فخذه، فأخذ كل ما أعطاه حتى جرده من إزاره، فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد وارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان- جبل بالمدينة- فاضطجع في المسجد في السحر، ثم صلّى مع رسول اللَّه ﷺ
قطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد وارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان- جبل بالمدينة- فاضطجع في المسجد في السحر، ثم صلّى مع رسول اللَّه ﷺ
الصبح، وكان رسول اللَّه ﷺ يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح فنظر إليه، فأنكره، فقال: من أنت؟ فانتسب له فقال: أنت عبد اللَّه ذو البجادين، ثم قال: انزل مني قريبا. فكان يكون في أضيافه ويعلمه القرآن، حتى قرأ قرآنا كثيرا، والناس يتجهزون إلى تبوك. وكان رجلا صيتا، فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة، فقال عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه-: يا رسول اللَّه! ألا تسمع هذا الأعرابي يرفع صوته بالقرآن حتى قد منع الناس القراءة؟ فقال النبي ﷺ: دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرا إلى اللَّه ورسوله. قال: فلما خرج إلى تبوك قال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه لي بالشهادة، فقال: أبلغني لحاء سمرة [ (١) ] ، فأبلغه لحاء سمرة، فربطها رسول اللَّه ﷺ على عضده وقال: اللَّهمّ إني أحرم دمه على الكفار، فقال: يا رسول اللَّه ليس هذا أردت، قال النبيّ ﷺ: إنك إذا خرجت غازيا في سبيل اللَّه فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد، لا تبال بأية كان. فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياما، وتوفى عبد اللَّه ذو البجادين، فكان بلال ابن الحارث يقول: حضرت رسول اللَّه ﷺ ومع بلال المؤذن شعله من نار عند القبر واقفا بها، وإذا رسول اللَّه ﷺ في القبر، وإذا أبو بكر وعمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- يدليانه إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: أدنيا إليّ أخاكما، فلما هيئاه لشقه، قال: اللَّهمّ إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، قال: فقال عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- يا ليتني كنت صاحب اللحد [ (٢) ] .
كما، فلما هيئاه لشقه، قال: اللَّهمّ إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، قال: فقال عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه ﵎ عنه- يا ليتني كنت صاحب اللحد [ (٢) ] .
وأما إخباره ﷺ [بطلوع] وفد عبد القيس [قبل قدومهم] فخرّج البيهقيّ [ (١) ] من طريق قيس بن حفص الدارميّ، عن طالب بن حجير العبديّ، قال: حدثنا هود بن عبد اللَّه بن سعيد أنه سمع [جده] [ (٢) ] مزيدة العصري قال: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم: سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- فتوجه نحوهم فلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال: من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس، فقال: فما أقدمكم هذه البلاد؟ أتجارة؟ قالوا: لا، قال: أما إنّ النبي ﷺ قد ذكركم آنفا، فقال: خيرا، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ، فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الّذي تريدون، فرمي القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى، ومنهم من هرول، ومنهم من سعى، حتى أتوا النبي ﷺ فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول اللَّه ﷺ فقبلها، فقال له النبي ﷺ: إن فيك خلتين يحبهما اللَّه ورسوله، فقال جبل جبلت عليه أم تخلقا مني؟ قال: بل جبل، قال: الحمد للَّه الّذي جبلني على ما يحب اللَّه ورسوله [ (٣) ] .
قال كاتبه: قد خرّج البخاريّ ومسلم حديث وفد عبد القيس بغير هذه السياقة، فخرّجه مسلم [ (١) ] من طريق شعبة، عن أبي جمرة قال: كنت أترجم
بين يدي ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول اللَّه ﷺ، فقال رسول اللَّه ﷺ: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى، قال: فقالوا: يا رسول اللَّه إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وأنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع قال: أمرهم بالإيمان باللَّه وحده وقال: هل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم، والمزفت، قال شعبة: وربما قال النقير، قال شعبة:
وربما قال: المقير، وقال: احفظوه وأخبروا به من وراءكم، وقال أبو بكر: يعني ابن أبي شيبة في روايته من وراءكم وليس في روايته المقير. وخرّجه البخاري وفي روايته: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فقال: إن وفد عبد القيس، لم يذكر المرأة، وقال: غير حزايا ولا ندامي، وقال: في شهر حرام وقال: تعطوا الخمس من المغنم وقال: وأخبروه من وراءكم، ذكره في كتاب العلم [ (١) ] ، وفي كتاب الإيمان [ (٢) ] ، وفي إجازة خبر الواحد الصدوق بألفاظ متقاربة. وأخرجاه من حديث قرة بن خالد، عن أبي حمزة، ومن حديث حماد بن يزيد، وعباد بن عباد، عن أبي جمرة. وأخرجه البخاريّ في كتاب الأدب [ (٣) ] من حديث أبي التياح، عن أبي جمرة، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم [ (٤) ] من حديث سعيد، عن قتادة، عن أبي سعيد الخدريّ.
وأخرجه البخاريّ في كتاب الأدب [ (٣) ] من حديث أبي التياح، عن أبي جمرة، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم [ (٤) ] من حديث سعيد، عن قتادة، عن أبي سعيد الخدريّ.
وأما إخباره ﷺ عديّ بن حاتم بأمور فرآها عديّ بعد ذلك كما أخبر فخرّج البخاريّ في باب علامات النبوة في الإسلام [ (١) ] من حديث إسرائيل، عن سعد الطائي، عن محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا اللَّه، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعّار طيِّئ الذين الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك الحياة لتفتحن كنوز كسرى قال: كسرى بن هرمز! ولئن: طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين اللَّه أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبين ترجمان يترجم له، فيقولنّ له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: يخرج الرجل ملء كفه. وخرّج الإمام أحمد [ (٢) ] من حديث شعبة قال: سمعت سماك بن حرب قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول اللَّه
خرج الرجل ملء كفه. وخرّج الإمام أحمد [ (٢) ] من حديث شعبة قال: سمعت سماك بن حرب قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول اللَّه
صلّى اللَّه عليه وسلّم- أو قال: رسل رسول اللَّه ﷺ وأنا بعقرب، فأخذوا عمتي وناسا، قال: فلما أتوا بهم رسول اللَّه ﷺ قال: فصفوا له، قلت: يا رسول اللَّه نأى الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة، فمنّ عليّ منّ اللَّه عليك. قال: من وافدك؟ قالت: عديّ بن حاتم الّذي فر من اللَّه ورسوله، قالت: فمنّ عليّ! قالت: فلما رجع ورجل إلى جنبه نرى أنه علي قال: سليه حملانا، قال: فسألته، فأمر لها، قالت فأتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها. قالت: ائته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان- أو صبيّ- فذكر قربهم من النبيّ ﷺ فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فقال له: يا عدي بن حاتم! ما أفرك أن يقال: لا إله إلا اللَّه؟ فهل من إله إلا اللَّه؟ ما أفرك أن يقال: اللَّه أكبر؟ فهل شيء هو أكبر من اللَّه ﷿؟ قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. ثم سألوه فحمد اللَّه- تعالى- وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: بتمرة، بشق تمرة، وإن أحدكم لا في اللَّه- ﷿ فقائل ما أقول: ألم أجعلك سميعا بصيرا؟ ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فماذا قدمت؟ فينظر من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئا، فما يتقى النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة، لينصركم اللَّه- تعالى- وليعطينكم أو ليفتحن لكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب أو أكثر، ما تخاف السرق على ظعينتها. [قال محمد بن جعفر: حدثناه شعبة ما لا أحصيه وقرأته عليه] [ (١) ] .
وأما إخباره ﷺ بقدوم أهل اليمن فخرّج البخاريّ من حديث شعيب أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه-، عن النبي ﷺ قال: أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية [ (١) ] . وخرّج مسلم من حديث حماد قال: حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمنية [ (٢) ] . ومن حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد قالها أبي عن صالح، عن الأعرج قال: قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه: قال رسول اللَّه ﷺ: أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية [ (٣) ] . ومن حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهريّ قال: حدثني سعيد ابن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة، وأضعف قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين، أهل الوبر قبل مطلع الشمس [ (٤) ] . والبخاريّ ومسلم من حديث ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة، وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم [ (٥) ] .
وخرّج مسلم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، رأس الكفر في المشرق [ (١) ] .
بي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، رأس الكفر في المشرق [ (١) ] .
ولأبي بكر بن أبي شيبة من حديث يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مسير له، فقال: يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خير من في الأرض، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول اللَّه؟ فقال كلمة ضعيفة: إلا أنتم [ (١) ] . وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسندة من حديث ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن إلى آخره بمعناه. وللطبراني في كتاب (الأوائل) من حديث علي بن عثمان اللاحقي حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا، وهم أول من جاء بالمصافحة.
وأما إجابة اللَّه تعالى دعاء رسوله ﷺ في قدوم معاوية بن حيدة بن معاوية بن حيدة ابن قشير بن كعب القشيري [ (١) ] فخرّج البيهقيّ من طريق داود الوراق، عن سعد بن حكيم، عن أبيه، عن جده معاوية بن حيدة القشيري، قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فلما دفعت إليه قال أما إني سألت اللَّه- ﷿ أن يعينني عليكم بالسّنة نحفيكم [ (٢) ] ، وبالرعب أن يجعله في قلوبكم قال: فقال بيديه جميعا، أما إني قد خلقت هذا وهكذا أن لا أومن بك ولا أتبعك فما زالت السنة تحفيني، وما زال الرعب يجعل في قلبي حتى قمت بين يديك، أفبالله الّذي أرسلك بما تقول؟ قال: نعم، قال: وهو أمرني بما تأمر؟ قال: نعم، قال: فما تقول في نسائنا؟ قال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ (٣) ] ، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تضربون، ولا تقبحون، قال: أفينظر أحدنا إلى عورة أخيه إذا اجتمعنا؟ قال: لا، قال: فإذا تفرقا، قال: فضم رسول اللَّه ﷺ إحدى فخذيه على الأخرى، ثم قال: اللَّه أحق أن تستحيوا، قال: وسمعته يقول: يحشر الناس يوم القيامة عليهم الفدام [ (٤) ] ، وأول ما ينطق من [ (٥) ] الإنسان كفه وفخذه [ (٦) ] .
، ثم قال: اللَّه أحق أن تستحيوا، قال: وسمعته يقول: يحشر الناس يوم القيامة عليهم الفدام [ (٤) ] ، وأول ما ينطق من [ (٥) ] الإنسان كفه وفخذه [ (٦) ] .
وأما شهادة الأساقفة للمصطفى ﷺ بأنه النبي الّذي كانوا ينتظرونه وامتناع من أراد ملاعنته من ذلك فقال يونس عن إسحاق: وفد على رسول اللَّه ﷺ وفد نصارى نجران بالمدينة، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: لما قدم وفد نجران على رسول اللَّه ﷺ دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول اللَّه ﷺ: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن السلماني، عن كرز بن علقمة قال: قد قدم على رسول اللَّه ﷺ وفد نصارى نجران [ (١) ] ستون راكبا، منهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، و [في الأربعة عشر] منهم [ثلاثة] نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب، أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذين لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح والسيد لهم، ثمالهم [ (٢) ] وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم [ (٣) ] . وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن عمله في دينهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه، ومولوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من عمله واجتهاده في دينهم. فلما رجعوا [ (٤) ] إلى رسول اللَّه ﷺ من نجران جلس أبو حارثة على بغله له موجها إلى رسول اللَّه ﷺ وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة حتى إذا
عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز [ (١) ] : تعس الآبعد: يريد رسول اللَّه ﷺ، فقال له أبو حارثة: وأنت تعست! فقال له: ولم يا أخى؟ فقال: واللَّه إنه للنبيّ الّذي كنا ننتظر، قال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا، ومولونا، وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كما ترى، فأضمر علينا منه أخوه كرز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك. [فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني] [ (٢) ] . حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير عن عكرمة، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنهم- قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول اللَّه ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى، ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل اللَّه- ﷿ فيهم: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ (٣) ] فقال أبو رافع القرظي حين اجتمع عنده النصارى والأحبار: فدعاهم رسول اللَّه ﷺ إلى الإسلام، [قالوا] أتريد منايا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: وذلك تريد يا محمد، وإليه تدعو؟ فقال رسول اللَّه ﷺ معاذ اللَّه أعبد غير اللَّه أو آمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني ولا أمرني،
ران نصراني يقال له الرئيس: وذلك تريد يا محمد، وإليه تدعو؟ فقال رسول اللَّه ﷺ معاذ اللَّه أعبد غير اللَّه أو آمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني ولا أمرني، فأنزل اللَّه- ﷿ في ذلك قوله تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ (٤) ] ،
ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم وإقرارهم به على أنفسهم، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. حدثني محمد بن أبي أمامه قال: لما وقد أهل نجران على رسول اللَّه ﷺ يسألونه عن عيسى ابن مريم- ﵇ نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين [ (١) ] . وقال يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يشوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس- وكان نصرانيا فأسلم-: إن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن تنزل عليه: طس* تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ [ (٢) ] باسم إليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول اللَّه إلى أسقف نجران وأهل نجران: إن أسلمتم، فإنّي أحمد إليكم اللَّه، إليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللَّه من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية اللَّه من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد أذنتكم بحرب آذنتكم. والسلام.
إنّي أدعوكم إلى عبادة اللَّه من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية اللَّه من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد أذنتكم بحرب آذنتكم. والسلام. فلما أتى الأسفل الكتاب وقرأه فظع به وذعره ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الأيهم، ولا السيد، ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول اللَّه ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال للأسقف: يا أبا مريم! ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد اللَّه إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن من أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي،
لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه، وجهدت لك، فقال له الأسقف: تنحّ فاجلس، فتنحّى شرحبيل فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد اللَّه بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال مثل قول شرحبيل وعبد اللَّه، فأمره الأسقف فتنحى، فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد اللَّه، فأمره الأسقف فتنحى، فجلس ناحية. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جمعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت المسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية ومائة وعشرون ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول اللَّه ﷺ وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمدانيّ، وعبد اللَّه بن شرحبيل الأصبحي، وحبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول اللَّه ﷺ.



