— Bagian 5 · ] أن تسير إلينا قريش حتى تطأ سعفنا [ (٢) ] ، ثم … —
Bagian 5
] أن تسير إلينا قريش حتى تطأ سعفنا [ (٢) ] ، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. فذكر للنّبيّ ﷺ فقال: من أهل النار، إن اللَّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
خبر الرماة يوم أحد وتقدم ﷺ إلى الرماة فقال: احموا لنا ظهورنا، فإنا نخاف أن نؤتى من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه، وإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا، اللَّهمّ إني أشهدك عليهم. وأرشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم [ (٣) ] على النبل. وكان الرماة تحمي ظهور المسلمين، ويرشقون خيل المشركين بالنبل فلا تقع إلا في فرس أو رجل فتولي الخيل هوارب. وشدّ المسلمون على كتائب المشركين فجعلوا يضربون حتى اختلت صفوفهم.
حملة لواء المشركين ومصارعهم [وحمل لواءهم بعد طلحة ابنه أبو شيبة عثمان بن طلحة] [ (٤) ] فحمل عليه حمزة فقتله، فحمله أخوه أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فقتله. فحمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله. فحمله الحارث بن طلحة فرماه عاصم فقتله. فنذرت أمهم سلافة بنت سعد بن الشّهيد- وكانت مع نساء المشركين- أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، وجعلت لمن جاء به مائة من الإبل. ثم تداول حمل لوائهم عدّة، وكلهم يقتلون، وقال
سعد بن الشّهيد- وكانت مع نساء المشركين- أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، وجعلت لمن جاء به مائة من الإبل. ثم تداول حمل لوائهم عدّة، وكلهم يقتلون، وقال
الزبير بن بكار: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: كان لواء المشركين يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار فقتله عليّ ابن أبي طالب ﵁. وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السّلميّ ثم البهزي [بزاي] [ (١) ] : للَّه أيّ مذبّب عن حرمة ... أعني ابن فاطمة المعمّ المخولا جادت يداك لهم بعاجل طعنة ... فتركت طلحة للجبين مجدّلا وشددت شدّة باسل فكشفتهم ... بالجرّ إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن ... لتردّه حران [ (٢) ] حتى ينهلا قال: ثم أخذ اللواء بعد طلحة أخوه أبو سعد بن أبي طلحة فقتله سعد بن أبي وقاص ﵁، ثم أخذ اللواء أخوهما عثمان بن أبي طلحة وهو أبو شيبة، فقتله حمزة بن عبد المطلب ﵁، ثم أخذ اللواء مسافر بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله عاصم [بن ثابت] [ (٣) ] بن أبي الأقلح، رماه فلما أحسّ بالموت دفع اللواء إلى أخيه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فرماه أيضا عاصم [بن ثابت [ (٢) ]] ابن أبي الأقلح، فلما أحس الموت دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة فقتله قزمان عديد [ (٤) ] بني ظفر من الأنصار، ثم أخذ اللواء الحارث بن أبي طلحة فقتله قزمان،
فأخذ اللواء ارطأة بن شرحبيل [ (١) ] بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فقتله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار صاحب لواء رسول اللَّه ﷺ، ثم قتل مصعب بن عمير. ثم أخذ لواء المشركين أبو يزيد بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار فقتله قزمان أيضا. ثم أخذ اللواء القاسط بن شريح [ (٢) ] ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فقتله قزمان أيضا. فذلك عشرة، وقيل: سبعة من صليبتهم مشركون قتلوا يوم أحد. ثم أخذ اللواء «صؤاب» غلام لهم حبشي، فقالوا له: [لا] [ (٣) ] نؤتينّ من قبلك، فقطعت يمينه فأخذ اللواء بشماله، فقطعت فالتزم القناة، وقال [ (٤) ] : قضيت ما عليّ؟ قالوا: نعم، فرماه قزمان فقتله. ووقع اللواء فتفرق المشركون، فأخذت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثية، [قال الكلبي: عمرة بنت الحارث بن الأسود بن عبد اللَّه بن عامر بن عوف بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة] فأقامته، فتراجع المشركون فقال حسان ابن ثابت ﵁، يعير بني مخزوم بالفرار، ويذكر صبر بني عبد الدار: صلي البأس منهم إذ فررتم ... عصبة من بني قصي صميم عمرة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع من القنا مخزوم لم تطق حمله الزعانف منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم وقال في صؤاب [ (٥) ] :
فخرتم باللواء وشرّ فخر ... لواء حين ردّ إلى صؤاب جعلتم فخركم فيه لعبد ... لألأم من مشى فوق التراب وقال في إقامة الحارثية اللواء، وفي سياق الأحابيش معهم [ (١) ] : إذا عضل [ (٢) ] سيقت إلينا كأنهم ... جداية شرك معلمات الحواجب أقمنا لهم ضربا مبيرا منكلا ... وحزناهم بالطعن من كل جانب ولولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب [ (٣) ] وقال أبو عبيدة فيما سمع من علي: أقمنا لكم ضربا طلخفا [ (٤) ] منكّلا ... وحزناكم بالطعن من كل جانب
ة أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب [ (٣) ] وقال أبو عبيدة فيما سمع من علي: أقمنا لكم ضربا طلخفا [ (٤) ] منكّلا ... وحزناكم بالطعن من كل جانب
عصيان الرماة ودولة الحرب على المسلمين وما ظفر اللَّه نبيه ﷺ في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم أحد حتى عصوا الرسول ﷺ وتنازعوا في الأمر. لقد قتل أصحاب اللواء، وانكشف المشركون منهزمين لا يلوون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفاف والفرح، ولكن المسلمين أتوا من قبل الرماة، فإن المشركين لما انهزموا وتبعهم المسلمون: يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا، ووقعوا ينتهبون عسكرهم، قال بعض الرماة لبعض: لم [ (٥) ] تقيمون هاهنا في غير شيء؟ قد هزم اللَّه العدوّ وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم. فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول اللَّه ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا، احموا ظهورنا. فقال
الآخرون: لم يرد رسول اللَّه هذا. وانطلقوا، فلم يبق منهم مع أميرهم عبد اللَّه ابن جبير إلا دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون، وكانت الريح أول النهار صبا فصارت دبورا، وبينا المسلمون قد شغلوا بالنهب والغنائم، إذ دخلت الخيول تنادي فرسانها بشعارهم: يا للعزى [يا لهبل] [ (١) ] ، ووضعوا في المسلمين السيوف وهم آمنون، وكل منهم في يده أو حضنه شيء قد أخذه، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وتفرق المسلمون في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلوا من أسروا، وكرّ خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل في الخيل إلى موضع الرماة، فرماهم عبد اللَّه بن جبير بمن معه حتى قتل، فجردوه ومثل به أقبح المثل [ (٢) ] ، وكانت الرماح قد شرعت في بطنه حتى خرقت ما بين سرته إلى خاصرته إلى عانته وخرجت حشوته [ (٣) ] . وجرح عامة من كان معه، وانتقضت صفوف المسلمين.
قولهم إن محمدا قتل، وانتقاض صفوف المسلمين ونادى إبليس عند جبل عينين [ (٤) ]- وقد تصور في صورة جعال بن سراقة-: إن محمدا قد قتل: ثلاث صرخات، فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين [ (٥) ] .
سلمين ونادى إبليس عند جبل عينين [ (٤) ]- وقد تصور في صورة جعال بن سراقة-: إن محمدا قد قتل: ثلاث صرخات، فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين [ (٥) ] .
اختلاط الأمر على المسلمين، فيقتل بعضهم بعضا واختلط المسلمون وصاروا يقتلون، ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون من العجلة والدّهش، وجرح أسيد بن حضير جرحين ضربه أحدهما أبو بردة [بن نيار] [ (٦) ] وما يدري، وضرب أبو زعنة [ (٧) ] أبا بردة ضربتين وما يشعر والتقت أسياف المسلمين على اليمان [حسيل بن جابر] وهم لا يعرفونه حين اختلطوا، وحذيفة يقول: أبي، أبي!! حتى قتل. فقال حذيفة: يغفر اللَّه لكم وهو أرحم
الراحمين. فزادته عند رسول اللَّه ﷺ خيرا، وأمر رسول اللَّه بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين. ويقال: إن الّذي أصابه عتبة بن مسعود. وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!، فأقبلوا إليه عنقا [ (١) ] واحدة: لبيك داعي اللَّه!! فيضرب يومئذ جبّار بن صخر في رأسه وما يدري، حتى أظهروا الشعار بينهم [ (٢) ] فجعلوا يصيحون: أمت أمت! فكف بعضهم عن بعض، وقتل مصعب بن عمير وبيده اللواء، فقتله ابن قميئة واسمه عمرو، وقيل: عبد اللَّه.
تفرق المسلمون ثم البشرى بسلامة رسول اللَّه ﷺ وتفرق المسلمون في كل وجه، وأصعدوا في الجبل لما نادى الشيطان: قتل محمد! فكان أول من بشرهم برسول اللَّه ﷺ سالما كعب بن مالك، فجعل يصيح ورسول اللَّه ﷺ يشير إليه بإصبعه على فيه: أن اسكت. ودعا بلأمة كعب- وكانت صفراء أو بعضها- فلبسها ونزع لأمته فلبسها كعب. وقاتل كعب حتى جرح سبعة عشر جرحا لشدة قتاله. وصار أبو سفيان بن حرب يقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدا؟ فقال ابن قميئة: أنا قتلته! قال: نسوّرك [ (٣) ] كما تفعل الأعاجم بأبطالها [ (٤) ] . وجعل يطوف بأبي عامر الفاسق في المعرك، هل يرى محمدا؟ وتصفح القتلى فقال: ما نرى مصرع محمد، كذب ابن قميئة. ولقي خالد ابن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال: رأيته قبل في نفر من أصحابه مصعدين في الجبل. قال [أبو سفيان] [ (٥) ] هذا حق، كذب ابن قميئة، زعم أنه قتله.
نداء رسول اللَّه ﷺ المسلمين إليه وجعل رسول اللَّه ﷺ وقد انكشف الناس إلى الجبل وهم لا يلوون عليه- يقول: إليّ يا فلان، إلي يا فلان، أنا رسول اللَّه! فما عرّج واحد عليه. هذا، والنبل يأتيه ﷺ من كل ناحية وهو في وسطها واللَّه يصرفها عنه. وعبد اللَّه بن شهاب الزهريّ يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا! ورسول اللَّه ﷺ إن جنبه ما معه أحد. ثم جاوزه عبد للَّه بن شهاب فلقي صفوان بن أمية [ (١) ] فقال له: ترحت [ (٢) ] ! ألم يمكنك أن تضرب محمدا فتقطع هذه الشأفة [ (٣) ] ، فقد أمكنك اللَّه منه؟ قال: وهل رأيته؟ قال: نعم! إنه إلى جنبك، قال: واللَّه ما رأيته! أحلف [ (٤) ] أنه منا ممنوع، خرجنا أربعة تعاهدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك.
أمر المسلمين بعد الهزيمة وكان رسول اللَّه ﷺ لما انكشف المسلمون لم يبق معه إلا نفير [ (٥) ] ، فأحدق به أصحابه من المهاجرين والأنصار، وانطلقوا به إلى الشعب وما للمسلمين لواء قائم ولا فئة ولا جمع، وإن كتائب المشركين لتحوشهم [ (٦) ] مقبلة ومدبرة في الوادي يلتقون ويفترقون: ما يرون أحدا من الناس يردهم، ثم رجعوا نحو معسكرهم واشتوروا [ (٧) ] في المدينة وفي طلب المسلمين، فبينا هم على ما هم فيه إذ طلع رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه: فكأنهم لم يصبهم شيء حين رأوه سالما.
ما نال المشركون من المسلمين وكان ابن قميئة- لما قتل مصعب بن عمير وسقط اللواء من يده- ابتدره رجلان من بني عبد الدار: سويبط بن حرملة وأبو الروم فأخذه أبو الروم فلم يزل في يده حتى دخل به المدينة حين انصرف المسلمون. ويقال: بل دفعه رسول اللَّه
صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى علي بن أبي طالب ﵁. واقتتل الفريقان على الاختلاط من الصفوف، ونادى المشركون بشعارهم [يا للعزى، يا آل هبل] [ (١) ] فأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا، ونالوا من رسول اللَّه ﷺ ما نالوا. ولم يزل ﷺ شبرا واحدا بل وقف في وجه العدو، وأصحابه تثوب إليه مرة منهم طائفة، وتتفرق عنه مرة، وهو يرمي عن قوسه أو بحجر حتى تحاجزوا.
اللَّه ﷺ ما نالوا. ولم يزل ﷺ شبرا واحدا بل وقف في وجه العدو، وأصحابه تثوب إليه مرة منهم طائفة، وتتفرق عنه مرة، وهو يرمي عن قوسه أو بحجر حتى تحاجزوا.
من ثبت مع رسول اللَّه ﷺ من المسلمين في أحد وثبت معه خمسة عشر رجلا [ (٢) ] : سبعة من المهاجرين هم: أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد اللَّه، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، ومن الأنصار سبعة: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. ويقال: ثبت سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة: فيجعلونهما مكان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
المبايعون على الموت وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين هم: علي، والزبير، وطلحة، وخمسة من الأنصار هم: أبو دجانة، والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد يومئذ، ورسول اللَّه ﷺ يدعوهم في أخراهم [حتى انتهى من انتهى منهم إلى قريب من دون المهراس] [ (٣) ] ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودّع [ (٤) ] .
خبر المدافعين عن رسول اللَّه ﷺ ويقال: إن رسول اللَّه ﷺ لما لحمه القتال [ (١) ] وخلص إليه، ذبّ عنه مصعب ابن عمير، وأبو دجانة حتى كثرت به الجراحة، فجعل ﷺ يقول: من رجل يشري [ (٢) ] نفسه؟ فوثب فتية من الأنصار خمسة، منهم عمارة بن زيادة بن السكن فقاتل حتى أثبت وفاءت [ (٣) ] فئة من المسلمين فقاتلوا حتى أجهضوا أعداء اللَّه. فقال ﷺ لعمارة بن زياد: أدن منّي، إليّ إليّ! حتى وسّده رسول اللَّه ﷺ قدمه- وبه أربعة عشر جرحا- حتى مات. وجعل ﷺ يومئذ يذمّر [ (٤) ] الناس ويحضهم على القتال. وكان رجال من المشركين قد أذلقوا [ (٥) ] المسلمين بالرّمي، منهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي، فجعل النبي ﷺ يقول لسعد بن أبي وقاص: إرم فداك أبي وأمي.
ن رجال من المشركين قد أذلقوا [ (٥) ] المسلمين بالرّمي، منهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي، فجعل النبي ﷺ يقول لسعد بن أبي وقاص: إرم فداك أبي وأمي.
خبر حبان بن العرقة وأم أيمن ورمى حبان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن- وقد جاءت تسقي الجرحى- فانكشف عنها فاستغرب [ (٦) ] في الضحك، فشق ذلك على النبي ﷺ، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له فقال: إرم، فوقع السهم في نحر حبّان فوقع مستلقيا وبدت عورته، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: استقاد [ (٧) ] لها سعد! أجاب اللَّه دعوتك وسدد رميتك. وكان مالك بن زهير [ (٨) ]- أخو أبي سلمة [ (٩) ] الجشمي- هو وحبان بن العرقة قد أكثرا [ (١٠) ] في المسلمين القتل بالنبل، فرمى سعد بن أبي وقاص مالكا أصاب السهم عينه حتى خرج من قفاه فقتله، ورمى رسول اللَّه ﷺ يومئذ عن قوسه حتى صارت شظايا فأخذها قتادة بن النعمان فلم تزل عنده.
خبر عين قتادة وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فجاء رسول اللَّه ﷺ فأخذها وردها فعادت كما كانت، ولم تضرب عليه بعدها. وكان يقول بعد ما أسنّ: هي أقوى عينيّ! وكانت أحسنهما.
مباشرته ﷺ القتال وباشر ﷺ القتال ورمى بالنبل حتى فنيت نبله، وتكسرت سية [ (١) ] قوسه. وقبل ذلك ما انقطع وتره وبقيت في يده قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتر [ (٢) ] له فقال: يا رسول اللَّه، لا يبلغ الوتر، فقال مدّه يبلغ! قال عكاشة: فو الّذي بعثه بالحق، لمددته حتى بلغ وطويت منه ليتين أو ثلاثا على سية القوس، ثم أخذ ﷺ قوسه فما زال يرام القوم- وأبو طلحة يستره مترسا عنه- حتى تحطمت القوس.
خبر أبي طلحة وكان أبو طلحة قد نثر كنانته- وفيها خمسون سهما- بين يدي النبي ﷺ وكان راميا وكان صيّتا [ (٣) ]- فقال رسول اللَّه ﷺ: صوت أبي طلحة في الجيش خير من أربعين رجلا، فلم يزل يرم بها ورسول اللَّه ﷺ من خلفه بين رأسه ومنكبه ينظر إلى مواقع النّبل حتى فنيت نبله وهو يقول: نحري دون نحرك جعلني اللَّه فداك. فإن كان ﷺ ليأخذ العود من الأرض فيقول: ارم أبا طلحة! فيرمي بها سهما جيدا.
سبب تسميته أبا رهم المنحور ورمى يومئذ أبو رهم الغفاريّ بسهم فوقع في نحره، فبصق عليه رسول اللَّه ﷺ فبرأ، وسمّي بعد ذلك المنحور.
المتعاهدون من قريش على قتل رسول اللَّه ﷺ وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول اللَّه ﷺ وعرفهم المشركون بذلك، وهم: عبد اللَّه بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قميئة، وأبي بن خلف [وزاد بعضهم [ (١) ] وعبد اللَّه بن حميد بن زهير بن الحارث ابن أسد بن عبد العزى بن قصي] .
َّه بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قميئة، وأبي بن خلف [وزاد بعضهم [ (١) ] وعبد اللَّه بن حميد بن زهير بن الحارث ابن أسد بن عبد العزى بن قصي] .
خبر ما أصاب رسول اللَّه ﷺ من الجراحة يوم أحد ورمى عتبة يومئذ رسول اللَّه ﷺ بأربعة أحجار فكسر رباعيته، أشظى [ (٢) ] باطنها اليمنى السفلى، وشج في وجنتيه حتى غاب حلق المغفر [ (٣) ] في وجنته، وأصيبت ركبتاه: جحشتا [ (٤) ] ، وكانت حفر حفرها أبو عامر كالخنادق يكيد بها المسلمين، وكان رسول اللَّه ﷺ واقفا على بعضها ولا يشعر به. والثبت أن الّذي رمى وجنته ﷺ ابن قميئة، والّذي رمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. وأقبل ابن قميئة- وهو يقول: دلوني على محمد، فو الّذي يحلف به [ (٥) ] لئن رأيته لأقتلنه- فعلاه بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل [ (٦) ] السيف- وكان عليه درعان. فوقع ﷺ في الحفرة التي أمامه على جنبه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف فقد وقع لها ﷺ وانتهض، وطلحة يحمله من ورائه، وعليّ آخذ بيده حتى استوى قائما. ويقال: الّذي شج رسول اللَّه ﷺ في جبهته ابن شهاب، والّذي أشظي رباعيته وأدمى شفتيه عتبة ابن أبي وقاص، والّذي دمّى وجنتيه حتى غاب الحلق في وجنته ابن قميئة وسال الدم من شجته التي [ (٧) ] في جبهته حتى أخضل الدم لحيته ﷺ، وكان سالم مولى أبي حذيفة ﵁ يغسل الدم من وجه رسول اللَّه ﷺ، وهو ﷺ يقول:
جنته ابن قميئة وسال الدم من شجته التي [ (٧) ] في جبهته حتى أخضل الدم لحيته ﷺ، وكان سالم مولى أبي حذيفة ﵁ يغسل الدم من وجه رسول اللَّه ﷺ، وهو ﷺ يقول:
كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟ وهو يدعوهم إلى اللَّه ﷿، فأنزل اللَّه تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [ (١) ] وقال: اشتد غضب اللَّه [ (٢) ] على قوم دمّوا فا [ (٣) ] رسول اللَّه، اشتد غضب اللَّه على قوم دمّوا وجه رسول اللَّه، اشتد غضب اللَّه على رجل قتله رسول اللَّه، وقال: اللَّهمّ لا يحولنّ الحول على أحد منهم! فما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرحه ﷺ: فمات عتبة، وقتل ابن قميئة في المعركة. ويقال بل رمي بسهم فأصاب مصعب ابن عمير ﵁ قتله، فقال ﷺ: ما له أقمأه اللَّه؟ فعمد إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرنها وهو معتقلها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال. وكان عدو اللَّه قد رجع إلى قومه فأخبرهم أنه قتل رسول اللَّه ﷺ [وهو رجل من بني الأدرم [ (٤) ] من بني فهر] وأقبل عبد اللَّه بن حميد بن زهير- حين رأى رسول اللَّه ﷺ على تلك الحال- يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن زهير! دلوني على محمد، فو اللَّه لأقتلنه أو لأموتن دونه. فقال له أبو دجانة: هلم إلى من يقي نفس محمد بنفسه. وضرب فرسه عرقبها [ (٥) ] ثم علاه بالسيف فقتله، ورسول اللَّه ﷺ ينظر إليه ويقول: اللَّهمّ ارض عن أبي خرشة كما أنا عنه راض، وكان أبو دجانة قد ترّس عنه ﷺ بظهره، ونبل يقع فيه وهو لا يتحرك، ﵁.
نزع الحلق من وجنته ﷺ ولما أصاب رسول اللَّه ﷺ ما أصاب أقبل أبو بكر ﵁ يسعى، فوافاه طلحة بن عبيد اللَّه، وبدر [ (٦) ] أبو عبيدة بن الجراح فأخذ بثنيته حلقة المغفر فنزعها وسقط على ظهره وسقطت ثنيته، ثم أخذ الحلقة الأخرى [فكان أبو عبيدة في الناس أثرم [ (٧) ]] ويقال: إن الّذي نزع الحلقتين من وجه رسول اللَّه ﷺ عقبة ابن وهب بن كلدة، ويقال: أبو اليسر، وأثبت ذلك: عقبة بن وهب، فيما ذكره الواقدي [ (٨) ] . وقال غيره: الصحيح أن أبا عبيدة بن الجراح وعقبة بن وهب
عالجاها حتى طارت ثنيتا أبي عبيدة في معالجته لهما، فكان أحسن أهتم خلق. ولما نزعتا جعل الدم يسيل، فجعل مالك بن سنان [وهو والد أبي سعيد الخدريّ] يملج الدم بفيه ثم ازدرده [ (١) ] ، فقال رسول اللَّه ﷺ: من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه دمي فلينظر إلى مالك بن سنان. وقيل له: تشرب الدم؟ فقال نعم! أشرب دم رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ: من مسّ دمه دمي لم تصبه النار.
مسح فاطمة الدم عن وجهه ﷺ وخرجت فاطمة ﵍ في نساء، فلما رأت الّذي بوجه رسول اللَّه ﷺ اعتنقته وجعلت تمسح الدم عن وجهه، وذهب علي ﵁ يأتي بماء وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم فأتى بماء في مجنه [ (٢) ] فأراد النبي ﷺ أن يشرب منه- وكان قد عطش- فلم يستطع، ووجد ريحا من الماء كرهها فقال: هذا ماء آجن [ (٣) ] ، فمضمض منه فاه للدم الّذي فيه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم، ورأى ﷺ سيف علي مختضبا فقال: إن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسيف أبي دجانة غير مذموم.
النساء يحملن الطعام ويسقين الجرحى وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء- وكن قد جئن أربع عشرة امرأة منهن فاطمة ﵍، يحملن الطعام والشراب على ظهورهن، ويسقين الجرحى، ويداوينهم [ (٤) ] . ومنهن أم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين ﵂ على ظهورهما القرب، ومنهن حمنة بنت جحش وكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى، ومنهن أم أيمن تسقي الجرحى- فلم يجد محمد بن مسلمة عند النساء ماء. وكان رسول اللَّه ﷺ قد عطش عطشا شديدا، فذهب محمد إلى قناة حتى استفى من حسي [ (٥) ] ، فأتى بماء عذب فشرب منه رسول اللَّه ﷺ ودعا له
بخير. وجعل الدم لا ينقطع، وجعل النبي ﷺ يقول: لن ينالوا منا مثلها حتى تستلموا الركن.
دواء جرح رسول اللَّه ﷺ فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ [ (١) ]- وهي تغسله وعلي يصب الماء عليها بالمجنّ، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم، ويقال: داوته بصوفة محترقة. وكان ﷺ بعد يداوي الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره. ومكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو أكثر من شهر.
ك الدم، ويقال: داوته بصوفة محترقة. وكان ﷺ بعد يداوي الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره. ومكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو أكثر من شهر.
قتل رسول اللَّه ﷺ أبي بن خلف وأقبل يومئذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى [إذا] [ (٢) ] دنا من رسول اللَّه ﷺ اعترض له ناس من المسلمين ليقتلوه فقال ﷺ: استأخروا عنه! وقام وحربته في يده فرماه بها بين سابغة [ (٣) ] البيضة والدرع فطعنه [ (٤) ] هناك، فوقع عن فرسه وكسر ضلع من أضلاعه، فاحتملوه فمات- لما ولوا [قافلين] [ (٥) ]- بالطريق، وفيه نزلت: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ (٦) ] وكان أبيّ بن خلف قدم المدينة في فداء ابنه وقد أسر يوم بدر، فقال: يا محمد! إن عندي فرسا أجلها فرقا [ (٧) ] من ذرة كل يوم أقتلك عليها، فقال رسول اللَّه ﷺ: بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللَّه. ويقال: قال ذلك بمكة فبلغ رسول اللَّه ﷺ كلمته بالمدينة فقال: أنا أقتله عليها إن شاء اللَّه. وكان ﷺ في القتال لا يلتفت وراءه، فكان يقول لأصحابه: إني أخشى أن يأتي أبيّ بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذوني، فإذا بأبيّ يركض على فرسه، وقد رأى رسول اللَّه فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته:
ن يقول لأصحابه: إني أخشى أن يأتي أبيّ بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذوني، فإذا بأبيّ يركض على فرسه، وقد رأى رسول اللَّه فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته:
يا محمد، لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول اللَّه! ما كنت صانعا حين يغشاك، فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا. فأبى ﷺ، ودنا أبيّ، فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، [ويقال: من الزبير بن العوام] ، ثم انتفض [بأصحابه] [ (١) ] كما ينتفض البعير، فتطاير عنه أصحابه- ولم يكن أحد يشبه رسول اللَّه ﷺ إذ جد الجد- ثم أخذ الحربة فطعنه بها في عنقه وهو على فرسه، فجعل يخور كما يخور الثور، ويقول له أصحابه: أبا عامر! واللَّه ما بك بأس، ولو كان هذا الّذي بك بعين أحدنا ما ضره! فيقول: لا واللات والعزى، ولو كان هذا الّذي بي بأهل [ذي] [ (١) ] المجاز لماتوا أجمعون! أليس قال: لأقتلنك؟ فاحتملوه، وشغلهم ذلك عن طلب النبي ﷺ، ولحق رسول اللَّه ﷺ بعظم أصحابه في الشعب. وقال عبد اللَّه بن عمر ﵁: مات أبيّ بن خلف ببطن رابغ، فإنّي لأسير ببطن رابغ- بعد هويّ [ (٢) ] من الليل- إذا نار تأجج لي فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجذبها يصيح: العطش! وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول اللَّه، هذا أبيّ بن خلف. فقلت: ألا سحقا [ (٣) ] ويقال: مات بسرف [ (٤) ] ويقال: لما تناول النبي ﷺ الحربة من الزبير حمل أبيّ على رسول اللَّه ليضربه، فاستقبله مصعب بن عمير يحول بنفسه دون رسول اللَّه، فضرب مصعب وجه أبيّ، وأبصر رسول اللَّه ﷺ فرجة بين سابغة البيضة والدروع فطعنه هناك، فوقع وهو يخور.
قتل عثمان بن عبد اللَّه المخزومي وأقبل عثمان بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزومي على فرس أبلق يريد رسول اللَّه ﷺ، وعليه لأمة [ (٥) ] كاملة- ورسول اللَّه ﷺ موجه إلى الشّعب- وهو يصيح: لا نجوت إن نجوت! فوقف رسول اللَّه ﷺ وعثر بعثمان فرسه في تلك
الحفرة فيقع، ويخرج الفرس عائرا [ (١) ] فأخذه المسلمون فعقروه. ومشى الحارث بن الصمة إليه فاضطربا ساعة بسيفهما، ثم ضربه الحارث على رجله فبرك، ودفف عليه وأخذ درعه ومغفره وسيفه- ولم يسمع بأحد [ (٢) ] سلب يومئذ غيره- فقال رسول اللَّه ﷺ: الحمد للَّه الّذي أحانه [ (٣) ] . وكان عبد اللَّه بن جحش أسره ببطن نخلة، فافتدى من رسول اللَّه ﷺ، وعاد إلى مكة حتى قدم فقتله اللَّه بأحد.
ذبح عبيد بن حاجز [ويرى مصرعه] [ (٤) ] عبيد بن حاجز العامري [فأقبل] يعدو فضرب الحارث ابن الصمة فجرحه على عاتقه، فاحتمله أصحابه. ووثب أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري إلى عبيد فناوشه ساعة ثم ذبحه بالسيف ذبحا، ولحق برسول اللَّه [ (٥) ] ﷺ.
سهل بن حنيف ينضح بالنبل عن رسول اللَّه ﷺ وكان سهل بن حنيف ينضح بالنبل عن رسول اللَّه ﷺ فقال ﵇: نبلو سهلا فإنه سهل. ونظر ﷺ إلى أبي الدرداء ﵁ والناس منهزمون فقال: نعم الفارس عويمر غير أفّة [ (٦) ] . ويقال: لم يشهد أبو الدرداء أحدا. ولقي أبو أسيرة بن الحارث بن علقمة رجلا فاختلفا ضربات [ (٧) ] حتى قتله أبو أسيرة، فأقبل خالد بن الوليد على فرس أدهم أغر فطعن أبا أسيرة من خلفه: خرج الرمح من صدره فمات.
قتال طلحة بن عبيد اللَّه وقاتل طلحة بن عبيد اللَّه عن رسول اللَّه ﷺ قتالا شديدا- حين انهزم عنه أصحابه وكرّ المشركون فأحدقوا به من كل ناحية- وصار يذب بالسيف من بين
بيد اللَّه وقاتل طلحة بن عبيد اللَّه عن رسول اللَّه ﷺ قتالا شديدا- حين انهزم عنه أصحابه وكرّ المشركون فأحدقوا به من كل ناحية- وصار يذب بالسيف من بين
يديه ومن ورائه وعن يمينه وعن شماله: يدور حوله يترس بنفسه حول رسول اللَّه، وإن السيوف لتغشاه، والنبل من كل ناحية، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول اللَّه حتى انكشفوا، فجعل ﷺ يقول لطلحة: قد أوجب [ (١) ] . وكان طلحة أعظم الناس غناء عن رسول اللَّه ﷺ يومئذ. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول اللَّه ﷺ، فاتقى طلحة بيده عن وجهه المقدس فأصاب خنصره فشل خنصره. وقال حين رماه: حس [ (٢) ] ! فقال ﷺ: لو قال بسم اللَّه لدخل الجنة والناس ينظرون! من أحب أن ينظر إلى رجل يمشى في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه، طلحة ممن قضى نحبه. ولما جال المسلمون تلك الجولة ثم تراجعوا، أقبل رجل من بني عامر بن لؤيّ- يقال له: شيبة بن مالك المضرّب- يصيح: دلوني على محمد! فضرب طلحة عرقوب فرسه فاكتسعت [ (٣) ] به، ثم طعن حدقته وقتله. وأصيب يومئذ طلحة في رأسه: ضربه رجل من المشركين ضربة وهو مقبل وأخرى وهو معرض عنه، فنزف الدم حتى غشي عليه، فنضح أبو بكر ﵁ الماء في وجهه حتى أفاق، فقال: ما فعل رسول اللَّه؟ قال: خيرا، هو أرسلني إليك. قال: الحمد للَّه كل مصيبة بعده جلل [ (٤) ] .
قتال علي والحباب بن المنذر وكان علي بن أبي طالب يذب عن رسول اللَّه ﷺ من ناحية، وأبو دجانة مالك بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن ثعلبة الأنصاري يذب من ناحية، وسعد ابن أبي وقاص يذب طائفة. وانفرد علي بفرقة فيها عكرمة بن أبي جهل، فدخل وسطهم بالسيف- فضرب به وقد اشتملوا عليه- حتى أفضى إلى آخرهم، ثم
كرّ فيهم ثانيا حتى رجع من حيث جاء. وكان الحباب بن المنذر الجموح يحوش المشركين كما تحاش الغنم، واشتملوا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسيف في يده وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ليهربون [ (١) ] منه. وكان يومئذ معلما بعصابة خضراء في مغفره.
ا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسيف في يده وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ليهربون [ (١) ] منه. وكان يومئذ معلما بعصابة خضراء في مغفره.
خبر عبد الرحمن بن أبي بكر وكان مشركا وطلع يومئذ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: من يبارز؟ وارتجز فقال: لم يبق إلا شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلّال الشيب [ (٢) ] وفي رواية: «وناشي يشرب أرحام الشيب» فنهض إليه أبو بكر ﵁ وهو يقول: أنا ذلك الأشيب! ثم ارتجزه فقال: لم يبق إلا حسبي وديني ... وصارم تقضي به يميني فقال له عبد الرحمن: لولا أنك أبي لم أنصرف. فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر ﵁: شم شيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك.
خبر شماس بن عثمان كان شماس بن عثمان بن الشريد المخزومي لا يرمي رسول اللَّه ﷺ [ببصره] [ (٣) ] يمينا ولا شمالا إلا رآه في ذلك الوجه يذب بسيفه، حتى غشي رسول اللَّه ﷺ فترس بنفسه دونه حتى قتل ﵀، فذلك قول النبي ﷺ: ما وجدت لشماس شبها إلا الجنة [ (٤) ] .
أول من أقبل بعد الهزيمة وكان أول من أقبل من المسلمين بعد التولية قيس بن محرث، [ويقال: قيس ابن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة] مع طائفة من الأنصار، فصادفوا المشركين فدخلوا في حومتهم، فما أفلت منهم رجل حتى قتلوا، ولقد ضاربهم قيس حتى قتل نفرا فما قتلوه إلا بالرماح: نظموه، ووجد به أربع عشرة ضربة قد جافته [ (١) ] وعشر ضربات في بطنه.
فما أفلت منهم رجل حتى قتلوا، ولقد ضاربهم قيس حتى قتل نفرا فما قتلوه إلا بالرماح: نظموه، ووجد به أربع عشرة ضربة قد جافته [ (١) ] وعشر ضربات في بطنه.
خبر الداعين إلى القتال وكان عباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم ابن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وخارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك ابن امرئ القيس بن مالك الأغر، وأوس بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان يرفعون أصواتهم، فيقول عباس: يا معشر المسلمين! اللَّه ونبيكم! هذا الّذي أصابكم بمعصية نبيكم، فيوعدكم النصر فما [ (٢) ] صبرتم. ثم نزع مغفرة وخلع درعه وقال لخارجة بن زيد: هل لك فيهما؟ قال: لا، أنا أريد الّذي تريد. فخالطوا القوم جميعا، وعباس يقول: ما عذرنا عند ربنا إن أصيب رسول اللَّه ومنا عين تطرف؟ فيقول خارجة: لا عذر لنا عند ربنا ولا حجة، فقتل سفيان بن عبد شمس السلمي عباسا، وأخذت [ (٣) ] خارجة الرماح، فجرح بضعة عشر جرحا، وأجهز عليه صفوان بن أمية. وقتل [ (٤) ] أوس بن أرقم ﵃.
خبر أبي دجانة وخبر السيف وقال رسول اللَّه ﷺ يومئذ: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قالوا: وما حقه؟ قال: يضرب به العدو. فقال عمر ﵁: أنا يا رسول اللَّه، فأعرض عنه. ثم عرضه بذلك الشرط، فقام الزبير ﵁، فقال: أنا، فأعرض عنه حتى وجدا [ (٥) ] في أنفسهما. ثم عرضه الثالثة، فقال ذو المشهرة أبو دجانة:
أنا يا رسول اللَّه آخذه بحقه. فدفعه إليه، فصدق به حين لقي العدو، فأعطى السيف حقه، فما قاتل أحد أفضل من قتاله. لقد كان يضرب به حتى إذا كلّ عليه شحذه على الحجارة، ثم يضرب به العدو حتى رده كأنه منجل، وكان حين أعطاه السيف لبس مشهرة فأعلم بها، وكان قومه يعلمون- لما بلوا منه- أنه إذا لبس تلك المشهرة لم يبق في نفسه غاية. فخرج يمشي بين الصفين واختال في مشيته، فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: إن هذه لمشية يبغضها اللَّه إلا في مثل هذا الموطن، ويقال: كان يعلم رأسه بعصابة حمراء.
خبر رشيد الفارسيّ ولقي رشيد الفارسيّ مولى بني معاوية [ (١) ] رجلا من المشركين قد ضرب سعدا مولى حاطب جزله [ (٢) ] باثنتين، فضربه على عاتقه فقتله، فاعترض له أخوه يعدو [ (٣) ] فقتله، فقال له رسول اللَّه ﷺ: أحسنت يا أبا عبد اللَّه وكنّاه يومئذ ولا ولد له.
خبر عمرو بن ثابت وكان عمرو [ (٤) ] بن ثابت بن وقش بن زغبة بن عبد الأشهل الأنصاري شاكا في الإسلام حتى كان يوم أحد فأسلم وقاتل حتى أثبت فوجد وهو بآخر رمق فقالوا: ما جاء بك؟ قال: الإسلام! آمنت باللَّه ورسوله، ثم أخذت سيفي وحضرت، فرزقني اللَّه الشهادة. ومات، فقال رسول اللَّه ﷺ: إنه لمن أهل الجنة.
خبر مخيريق وكان مخيريق من أحبار يهود، فقال يوم السبت: يا معشر يهود! واللَّه إنكم لتعلمون أن محمدا لنبي، وأن نصره عليكم لحق! ثم أخذ سلاحه وحضر أحدا
مع النبي ﷺ فقتل. وقال حين خرج: إن أحببت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد: فهي عامة صدقات رسول اللَّه ﷺ. وقال فيه ﷺ: مخيريق خير يهود.
خذ سلاحه وحضر أحدا
مع النبي ﷺ فقتل. وقال حين خرج: إن أحببت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد: فهي عامة صدقات رسول اللَّه ﷺ. وقال فيه ﷺ: مخيريق خير يهود.
خبر عمرو بن الجموح وولده وما كان من أمر امرأته وخرج عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وهو أعرج، وهو يقول: اللَّهمّ لا تردني إلى أهلي!! فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد بن عمرو، وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام [بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي] [ (١) ] ، أبو جابر بن عبد اللَّه، فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام- زوجة عمرو بن الجموح- على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة ﵂ وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ- فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك؟ قالت: أما رسول اللَّه ﷺ فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ اللَّه من المؤمنين شهداء، وردّ اللَّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى اللَّه المؤمنين القتال، وكان اللَّه قويا عزيزا. قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابن أخي خلاد وزوجي عمرو بن الجموح، قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم قالت: حل [ (٢) ] ، تزجر بعيرها فبرك، فقالت عائشة: لما عليه [ (٣) ] ، قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك. وزجرته فقام [ (٤) ] فوجهته راجعة إلى أحد فأسرع، فرجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته بذلك فقال: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئا [ (٥) ] ؟ قالت [ (٦) ] إن عمرا لما وجّهه إلى أحد قال: اللَّهمّ لا تردني إلى أهلي خزيان [ (٧) ] وارزقني الشهادة! فقال رسول اللَّه ﷺ: فلذلك الجمل لا يمضي، إن منكم
يا معشر الأنصار من لو أقسم على اللَّه لأبره: منهم عمرو بن الجموح. يا هند! ما زالت الملائكة مظلمة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن. ثم مكث ﷺ حتى قبرهم. ثم قال يا هند! قد ترافقوا في الجنة، عمرو بن الجموح، وابنك خلاد، وأخوك عبد اللَّه، قالت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يجعلني معهم [ (١) ] .
ى قبرهم. ثم قال يا هند! قد ترافقوا في الجنة، عمرو بن الجموح، وابنك خلاد، وأخوك عبد اللَّه، قالت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يجعلني معهم [ (١) ] .
أول قتيل من المسلمين يوم أحد وقال جابر بن عبد اللَّه: كان أبي أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور السلميّ، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ قبل الهزيمة.
خبر أم عمارة وقتالها يوم أحد وكانت أم عمارة [نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف [ (٢) ] بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار] امرأة غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول [بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار] [ (٣) ]-: قد شهدت أحدا هي وزوجها وابنها، ومعها شنّ [ (٤) ] لتسقي الجرحى. فقاتلت وأبلت بلاء حسنا يومئذ- وهي حاجزة ثوبها على وسطها- حتى جرحت اثنى عشر جرحا، بين طعنة برمح أو ضربة بسيف. وذلك أنها كانت بين يدي رسول اللَّه ﷺ هي وابناها عبد اللَّه وحبيب ابنا زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن مبذول، وزوجها غزية بن عمرو- يذبون عنه، فلما انهزم المسلمون جعلت تباشر القتال وتذب عن رسول اللَّه ﷺ بالسيف، وترمي بالقوس. ولما أقبل ابن قميئة- لعنه اللَّه- يريد النبي ﷺ كانت فيمن اعترض له، فضربها على عاتقها ضربة صار لها فيما بعد ذلك غور أجوف، وضربته هي ضربات. فقال رسول اللَّه ﷺ: لمقام نسيبة بنت
كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وقال: ما التفتّ يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني. وقال لابنها عبد اللَّه بن زيد: بارك اللَّه عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك [يعني زوج أمه] خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم اللَّه أهل بيت، قالت أم عمارة: ادع اللَّه أن نرافقك في الجنة، قال: اللَّهمّ [ (١) ] اجعلهم رفقائي في الجنة، قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا.
خبر حنظلة «غسيل الملائكة» وخرج حنظلة بن أبي عامر [بن عمرو بن صيفي بن مالك بن أمية [ (٢) ] بن ضبيعة بن زيد بن [ (٣) ] عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس] هو حنظلة الغسيل- إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يسوي الصفوف بأحد، فلما انكشف المشركون ضرب فرس أبي سفيان بن حرب فوقع [على [ (٤) ]] الأرض وصاح، وحنظلة يريد ذبحه، فأدركه الأسود بن شعوب [ (٥) ] فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه، ومشى حنظلة إليه في الرمح وقد أثبته ثم ضربه الثانية فقتله، ونجا أبو سفيان. فقال رسول اللَّه ﷺ: إني رأيت الملائكة تغسّل حنظلة بن [أبي] [ (٦) ] عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء. فلما أخبر النبي ﷺ بذلك أرسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته أنه خرج وهو جنب.
خبر هند بنت عتبة وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف- زوجة أبي سفيان بن حرب- أول من مثل بقتلى المسلمين، وأمرت نساء المشركين أن
يمثلن بهم، فجدّعن الأنوف والآذان، فمثلن بالجميع إلا حنظلة الغسيل.
بد مناف- زوجة أبي سفيان بن حرب- أول من مثل بقتلى المسلمين، وأمرت نساء المشركين أن
يمثلن بهم، فجدّعن الأنوف والآذان، فمثلن بالجميع إلا حنظلة الغسيل.
أول من دخل المدينة بعد الهزيمة ولما صاح إبليس: إن محمدا قد قتل. تفرق الناس، فمنهم من ورد المدينة، فكان أول من دخلها بهذا الخبر أبو عبادة سعد بن عثمان بن خلدة بن مخلد بن عامر ابن زريق الأنصاري، ثم ورد بعده رجال. فجعل النساء يقلن: عن رسول اللَّه تفرّون. وجعل ابن أم مكتوم يقول: عن رسول اللَّه تفرون!! وحثت أم أيمن في وجوه بعضهم التراب وتقول: هاك المغزل، اغزل به، وهلمّ سيفك!! وقيل: إن المسلمين لم يعدوا الجبل- وكانوا في سفحه- لم يجاوزوه [ (١) ] . وأقبل [أبو] [ (٢) ] أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وهو يقول: يوم بيوم بدر. وقتل رجلا من المسلمين فضربه علي ﵁ فقتله. وقال النبي ﷺ يومئذ: أنا ابن العواتك [ (٣) ] . وقال أيضا: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
خبر أنس بن النّضر ومر أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن عدي بن النجار- وهو عم أنس بن مالك- بنفر من المسلمين قعود فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قتل رسول اللَّه! قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه! ثم جالد بسيفه حتى قتل ﵁، فوجد به سبعون ضربة، وما عرف حتى عرفته أخته.
خبر خارجة بن زيد ومرّ مالك بن الدّخشم على خارجة بن زيد أبي زهير وهو قاعد، في حشوته ثلاثة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل! فقال خارجة: فإن [ (١) ] كان محمد قد قتل فإن اللَّه حي لا يموت، لقد بلّغ [محمد] [ (٢) ] ، فقاتل عن دينك. ومرّ على سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير الأنصاري أحد النقباء- وبه اثنا عشر جرحا كلها خلص إلى مقتل- فقال: علمت أن محمدا قد قتل!! فقال سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك فإن اللَّه حي لا يموت، وقال منافق: إن رسول اللَّه قد قتل فارجعوا إلى قومكم فإنّهم داخلوا البيوت.
سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك فإن اللَّه حي لا يموت، وقال منافق: إن رسول اللَّه قد قتل فارجعوا إلى قومكم فإنّهم داخلوا البيوت.
خبر ثابت بن الدحداحة وأصحابه: آخر من قتل يوم أحد وأقبل ثابت بن الدّحداحة [ (٣) ] (ويقال: ابن الدحداح) بن نعيم بن غنم بن إياس بن بكير والمسلمون أوزاع [ (٤) ] قد سقط في أيديهم فصاح: يا معشر الأنصار!! إليّ إليّ، أنا ثابت بن الدحداحة، إن كان محمد قد قتل فإن اللَّه حي لا يموت، فقاتلوا عن دينكم فإن اللَّه مظهركم وناصركم. فنهض إليه نفر من الأنصار فحمل بهم على كتيبة فيها: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار ﵃، فيقال: إن هؤلاء آخر من قتل من المسلمين. ووصل رسول اللَّه ﷺ إلى الشّعب مع أصحابه فلم يكن هناك قتال.
خبر وحشي ومقتل حمزة وكان وحشي عبدا لابنة الحارث [ (٥) ] بن عامر بن نوفل، ويقال: لجبير بن
مطعم، فقالت له ابنة الحارث: إن أبي قتل يوم بدر، فإن قتلت أحد الثلاثة فأنت حر: إن قتلت محمدا، أو حمزة، أو عليا، فإنّي لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم. فكمن لحمزة ﵁ إلى صخرة، وقد اعترض له سباع بن عبد العزى (واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم) - وهو ابن أم أنمار- فاحتمله ورمى به وبرك عليه فشحطه شحط [ (١) ] الشاة. ثم قام حتى بلغ المسيل فزلت رجله عن جرف، فهز وحشي حربته وضرب بها خاصرة حمزة خرجت من مثانته فلحق بربه. فأتاه وحشي فشق بطنه وأخرج كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة فقال لها: ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت: سلبي [ (٢) ] ! فقال: هذه كبد حمزة! فمضغتها ثم لفظتها، ونزعت ثيابها وحليها فأعطتها وحشيا، ووعدته إذا جاء مكة أن تعطيه عشرة دنانير، وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة فقطعت مذاكيره، وجدّعت أنفه وقطعت أذنيه، ثم جعلت مسكتين ومعضدين وخدمتين [ (٣) ] حتى قدمت بذلك مكة وكبده معها. وفي المسند للإمام أحمد قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقرت بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول اللَّه ﷺ: أكلت منها شيئا؟
كبده معها. وفي المسند للإمام أحمد قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقرت بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول اللَّه ﷺ: أكلت منها شيئا؟ قالوا: لا، قال: ما كان اللَّه ليدخل من حمزة النار. وفي رواية ابن سعد [ (٤) ] : إن اللَّه قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا. ويروى أن هندا لما أخرجت كبد حمزة لاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصاحت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فهجاها حسان بن ثابت لما بلغه ذلك من قولها [ (٥) ] .
موقف رسول اللَّه ﷺ على مقتل حمزة وجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: ما فعل عمي؟ ويكرر ذلك، فخرج الحارث ابن الصمة فأبطأ، فخرج علي ﵁ فوجد حمزة ﵁ مقتولا، فأخبر النبي ﷺ فخرج يمشي حتى وقف عليه فقال: ما وقفت موقفا أغيظ إليّ من هذا! فطلعت صفية بنت عبد المطلب [ (١) ] ﵂ فقال ﷺ: [يا زبير] [ (٢) ] أغن عني أمك. هذا وحمزة يحفر له فقال: إن في الناس تكشفا. فقالت: ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول اللَّه ﷺ، فلما رأته قالت: يا رسول اللَّه، أين ابن أمي حمزة؟ قال: هو في الناس، قالت: لا أرجع حتى انظر إليه. فجعل الزبير يجلسها حتى دفن حمزة ﵁. وقال رسول اللَّه ﷺ: لولا أن يحزن نساءنا لتركناه للعافية [ (٣) ] حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير.
بكاء رسول اللَّه ﷺ على حمزة ويقال: لما أصيب حمزة ﵁ جاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار، فقال رسول اللَّه ﷺ: دعوها، فجلست عنده،
فجعلت إذا بكت بكى رسول اللَّه ﷺ، وإذا نشجت نشج [ (١) ] . وكانت فاطمة ﵍ تبكي ورسول اللَّه ﷺ كلما بكت يبكي، وقال: لن أصاب بمثلك أبدا. ثم قال: أبشرا! أتاني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه وأسد رسوله.
المثلة بحمزة ورأى ﷺ به مثلا شديدا فأحزنه ذلك المثل، ثم قال: لئن فرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم، فنزلت هذه الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ (٢) ] [فعفا رسول اللَّه] فلم يمثل بأحد [ (٣) ] ، وجعل أبو قتادة الأنصاري يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غم رسول اللَّه ﷺ في قتل حمزة وما مثل به، ورسول اللَّه ﷺ يشير إليه أن اجلس- وكان قائما- فقال ﷺ: احتسبتك عند اللَّه، ثم قال: يا أبا قتادة: إن قريشا أهل أمانة، من بغاهم العواثر كبه [ (٤) ] اللَّه لفيه، وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر [ (٥) ] قريش لأخبرتها بما لها عند اللَّه، فقال أبو قتادة: واللَّه يا رسول اللَّه ما غضبت إلا للَّه ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا، فقال ﷺ: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم.
ا بما لها عند اللَّه، فقال أبو قتادة: واللَّه يا رسول اللَّه ما غضبت إلا للَّه ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا، فقال ﷺ: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم.
مقتل عبد اللَّه بن جحش وخبره وقال عبد اللَّه بن جحش بن رئاب بن يعمر [ (٦) ] بن صبرة بن مرة بن كبير [ (٦) ] ابن غنم بن دودان [ (٦) ] بن أسد بن خذيمة الأسدي: يا رسول اللَّه! إن هؤلاء القوم قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت اللَّه فقلت: اللَّهمّ إني أقسم عليك نلقى العدو غدا فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك مقتولا قد صنع هذا بي، فتقول: فيم [ (٦) ] صنع بك هذا؟ فأقول: فيك. وأنا أسألك أخرى: أن تلي تركتي من
بعدي. فقال: نعم. فخرج حتى قتل ومثل به. ودفن هو وحمزة [ (١) ] ﵁ في قبر واحد. وولي تركته رسول اللَّه ﷺ فاشترى لابنه [ (٢) ] مالا بخيبر، فأقبلت أخته حمنة بنت جحش. فقال لها رسول اللَّه ﷺ: يا حمن! احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: خالك حمزة، قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفر اللَّه له ورحمه، هنيئا له الشهادة! ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: أخوك، قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفر اللَّه له ورحمه، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: مصعب بن عمير، قالت وا حزناه!! وفي رواية أنها قالت: وا عقراه!! فقال ﷺ: إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد! ثم قال لها: لم قلت هذا؟ قالت: يا رسول اللَّه، ذكرت يتم بنيه فراعني. فدعا رسول اللَّه ﷺ لولده أن يحسن عليهم الخلف، فتزوجت طلحة فولدت له محمد بن طلحة، فكان أوصل الناس لولدها. وكانت حمنة خرجت يومئذ إلى أحد مع النساء يسقين الماء.
اللَّه ﷺ لولده أن يحسن عليهم الخلف، فتزوجت طلحة فولدت له محمد بن طلحة، فكان أوصل الناس لولدها. وكانت حمنة خرجت يومئذ إلى أحد مع النساء يسقين الماء.
طلوع رسول اللَّه ﷺ على أصحابه في الشّعب وطلع رسول اللَّه ﷺ على أصحابه في الشّعب بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يتكفأ في الدرع [وكان ﷺ إذا مشى يتكفأ تكفؤا] [ (٣) ]- وقد بدن وظاهر بين درعين- وكان يتوكأ على طلحة بن عبيد اللَّه، فما صلى الظهر يومئذ بأصحابه إلا جالسا. وقد حمله طلحة ﵁ حين انتهى إلى الصخرة- حتى ارتفع عليها. ثم مضى إلى أصحابه ومعه النفر الذين ثبتوا معه، فلما رأوهم ولوا في الشعب ظنا أنهم من المشركين، حتى جعل أبو دجانة يليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه فعرفوه، فرجعوا أو بعضهم. وكانوا الذين ثبتوا معه ﷺ وطلعوا وهو بينهم إلى الشعب- أربعة عشر: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار.
سرور المسلمين بسلامة رسول اللَّه ﷺ فسروا برسول اللَّه ﷺ حتى كأنهم لم تصبهم في أنفسهم مصيبة، وبينا هم
على ذلك ردّ المشركون فإذا هم فوقهم، وإذا كتائبهم قد أقبلت، فندبهم النبي ﷺ يحضهم على القتال، فعدوا إليهم فانكشفوا، ورسول اللَّه ﷺ يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ (١) ] . وأبو سفيان في سفح الجبل فقال ﷺ: ليس لهم أن يعلونا فانكشفوا [ (٢) ] .
خبر النّعاس وألقى اللَّه النعاس على من مع النبي ﷺ وهم سلّم [ (٣) ] لمن أرادهم، لما بهم من الحزن فناموا ثم هبوا من نومهم كأن لم تصبهم قبل ذلك نكبة. وقال معتب ابن قشير، ويقال: بشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك ابن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا! فأنزل اللَّه تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [إلى آخر الآيات] [ (٤) ] قال أبو اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم [ (٥) ] بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري: لقد رأيتني يومئذ- في أربعة عشر رجلا من قومي- إلى جنب رسول اللَّه ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنة، فما منهم إلا رجل يغط غطيطا حتى إن الجحف [ (٦) ] لتناطح. ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلم: وإن المشركين لتحتنا. وقال أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري: ألقي علينا النعاس، فكنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي. وكان النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل [ (٧) ] منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان.
كنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي. وكان النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل [ (٧) ] منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان.
خبر أبي سفيان ومقالته وردّ عمر ولما تحاجزوا أراد أبو سفيان بن حرب الانصراف، وأقبل على فرس حتى أشرف على المسلمين في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أعل هبل! ثم صاح: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال، وحنظلة بحنظلة [ (١) ] ، فقال عمر ﵁: أجيبه يا رسول اللَّه؟ فقال: بلى، فأجبه! فقال أبو سفيان: أعل هبل! فقال عمر: اللَّه أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: إنها قد أنعمت فعال [ (٢) ] عنها، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: هذا رسول اللَّه، وهذا أبو بكر، وهذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول وإن الحرب سجال. فقال عمر: لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا! لنا العزى ولا عزى لكم! فقال عمر: اللَّه مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب فعال [ (٢) ] عنها قم إليّ يا ابن الخطاب أكلمك، فقام عمر، فقال أبو سفيان: أنشدك بدينك، هل قتلنا محمدا؟ قال عمر: اللَّهمّ لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال أنت عندي أصدق من ابن قميئة، ثم قال أبو سفيان ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم عنتا ومثلا، إلا أن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا، أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إذ [ (٣) ] كان ذاك فلم نكرهه ثم نادى: ألا إن موعدكم بدر [ (٤) ] الصفراء على رأس الحول، فقال رسول اللَّه ﷺ: قل نعم! فقال عمر ﵁: نعم.
انصراف المشركين ومخافة رسول اللَّه ﷺ من مباغتة المدينة فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذوا في الرحيل، فأشفق رسول اللَّه ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فبعث سعد
المدينة فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذوا في الرحيل، فأشفق رسول اللَّه ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فبعث سعد
ابن أبي وقاص لينظر: إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهي الغارة. ثم قال ﵇: والّذي نفسي بيده لئن ساروا إليه لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم، فذهب سعد يسعى إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، بعد ما تشاوروا نهب المدينة فأشار عليهم صفوان بن أمية ألا يفعلوا فإنّهم لا يدرون ما يغشاهم، فعاد فأخبر النبي ﷺ.
قدوم أبي سفيان مكة وقدم أبو سفيان مكة فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: قد أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه، وحلق رأسه.
أول من قدم إلى مكة بخبر أحد فكان أول من قدم مكة بخبر أحد وانكشاف المشركين عبد اللَّه بن [أبي] [ (١) ] أمية بن المغيرة فكره أن يأتيهم بهزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا. ثم قدم وحشيّ مكة فأخبرهم بمصاب المسلمين وقد سار أربعا على راحلته، ووقف على الثنية التي تطل الحجون فنادى: يا معشر قريش! أبشروا، قد قتلنا أصحاب محمد مقتلة لم يقتل مثلها في زحف قط، وجرحنا محمد فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة. فسرّوا بذلك.
قتلى المسلمين وقتلى المشركين وقتل من المسلمين بأحد أربعة وسبعون [ (٢) ] : أربعة من قريش وسائرهم من الأنصار، ويقال: خمسة من قريش. وقتل من المشركين أربعة وعشرون، وأسر من المشركين أبو عزة عمرو [ (٣) ] بن عبد اللَّه بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، ولم يؤسر منهم غيره فقال: يا محمد، منّ عليّ! فقال رسول اللَّه ﷺ: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول: خدعت [وفي رواية سحرت] محمدا مرتين، ثم أمر به عاصم بن ثابت فضرب عنقه، ويقال:
إن المشركين لما انصرفوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة، ثم حلوا وتركوا أبا عزّة نائما مكانه حتى ارتفع النهار، ولحقه المسلمون وهو مستنبه يتلدد، وكان الّذي أخذه عاصم بن ثابت، فأمره النبي ﷺ فضرب عنقه.
صلاة رسول اللَّه ﷺ على شهداء أحد ولما انصرف المشركون أقبل المسلمون على أمواتهم، فكان حمزة ﵁ فيمن أتي به أولا، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ وقال: رأيت الملائكة تغسله، لأن حمزة كان جنبا ذلك اليوم. ولم يغسّل ﷺ الشهداء، وقال: لفوهم بدمائهم وجراحهم، فإنه ليس أحد يجرح في سبيل اللَّه إلا جاء يوم القيامة جرحه لونه لون الدم وريحه ريح مسك، ثم قال: ضعوهم، أنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة. فكان حمزة أول من كبّر عليه رسول اللَّه ﷺ، ثم جمع إليه الشهداء. فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهداء، حتى صلى عليه سبعين مرة، ويقال: كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم ثم ترفع التسعة وحمزة مكانه، ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات. ويقال: كبّر عليهم تسعا وسبعا وخمسا. وقيل: لم يصلّ عليهم. أخرجه أبو داود [ (١) ] من حديث جابر وأنس وابن عباس ﵃: وهو مذهب مالك، والليث بن سعد والشافعيّ، وأحمد، وداود [ (٢) ] : ألا يصلى على المقتول في المعركة. وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم.
باس ﵃: وهو مذهب مالك، والليث بن سعد والشافعيّ، وأحمد، وداود [ (٢) ] : ألا يصلى على المقتول في المعركة. وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم.
خبر دفن القتلى ودفن حمزة وقال ﷺ للمسلمين، احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر. وقدموا أكثرهم قرآنا، فكانوا يقدمون أكثرهم قرآنا في القبر، ولما واروا حمزة ﵁ أمر رسول اللَّه ﷺ ببردة تمدّ عليه وهو في القبر، فجعلت البردة إذا خمّروا [ (١) ] رأسه بدت قدماه، وإذا خمّروا رجليه ينكشف وجهه، فقال ﷺ: غطوا وجهه، وجعل على رجليه الحرمل [ (٢) ] . فبكى المسلمون وقالوا: يا رسول اللَّه! عم رسول اللَّه لا نجد له ثوبا؟ فقال: تفتح الأرياف والأمصار فيخرج إليها الناس ثم يبعثون إلى أهليهم، إنكم بأرض حجاز [ (٣) ] جردية [الجردية التي ليس بها شيء من الأشجار] [ (٤) ] والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. والّذي نفسي بيده لا يصبر أحد على لوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
مصعب بن عمير ومر ﷺ على مصعب بن عمير وهو مقتول في بردة [ (٥) ] فقال: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة منك ولا أحن لمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة. ثم أمر به فقبر. وكان كثير من الناس حملوا موتاهم إلى المدينة فدفنوهم، فنادى منادي رسول اللَّه ﷺ: ردّوا القتلى إلى مضاجعهم. فلم يردّ أحد إلا رجل واحد أدركه المنادي ولم يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزوميّ.
موقف المسلمين للثناء على اللَّه ولما فرغ ﷺ من دفن أصحابه ركب فرسه وخرج، والمسلمون حوله: عامتهم جرحى، ولا مثل لبني [ (٦) ] سلمة وبني عبد الأشهل ومعه أربع عشرة امرأة،
ثناء على اللَّه ولما فرغ ﷺ من دفن أصحابه ركب فرسه وخرج، والمسلمون حوله: عامتهم جرحى، ولا مثل لبني [ (٦) ] سلمة وبني عبد الأشهل ومعه أربع عشرة امرأة،
فلما كانوا بأصل الحرة قال: اصطفوا فنثني على اللَّه، فاصطف الرجال صفين خلفهم النساء ثم دعا فقال: اللَّهمّ لك الحمد كله، اللَّهمّ لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت. اللَّهمّ إني أسألك النعيم المقيم الّذي لا يحول ولا يزول، اللَّهمّ إني أسألك الأمن يوم الخوف، والغنى يوم الفاقة، عائذا بك اللَّهمّ من شر ما أعطيتنا وشرّ ما منعت منا. اللَّهمّ توفنا مسلمين. اللَّهمّ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللَّهمّ عذب كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسولك ويصدون عن سبيلك، اللَّهمّ أنزل عليهم رجسك وعذابك إله الحق. آمين.
دخول رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة وأقبل حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم فقال: لكن حمزة لا بواكي له: فخرج الناس ينظرون إلى سلامته، فقالت أم عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل [ (١) ] وجاءت أم سعد بن معاذ [وهي كبشة بنت رافع بن معاوية] [ (٢) ] بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، [وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج] [ (٢) ] تعدو نحو رسول اللَّه ﷺ وقد وقف على فرسه، وسعد ابن معاذ آخذ بعنان الفرس، فقال سعد: يا رسول اللَّه: أمي، فقال: مرحبا بها، فدنت حتى تأملت رسول اللَّه ﷺ وقالت: أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة [ (٣) ] . فعزاها ﷺ بعمرو بن معاذ ابنها ثم قال: يا أم سعد: أبشري وبشّري أهليهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا- وهم اثنى عشر رجلا- وقد شفعوا في أهليهم، قالت: رضينا برسول اللَّه، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول اللَّه لمن خلفوا. قال: اللَّهمّ اذهب حزن قلوبهم، وأجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا. ثم قال: خلّ أبا عمرو الدابة. فخلى سعد الفرس، فتبعه الناس فقال: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح
إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان: اللون لون الدم والريح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقرّ في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني. فنادى فيهم سعد، عزمة من رسول اللَّه ألا يتبع رسول اللَّه جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح. فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحا، ومضى سعد مع رسول اللَّه ﷺ حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ حتى دخل بيته، فلما أذّن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته.
خبر البكاء على حمزة ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول اللَّه ﷺ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران يتكمدون [ (١) ] بها من الجراح. وأذّن بلال ﵁ حين غاب الشفق فلم يخرج رسول اللَّه ﷺ، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه الصلاة يا رسول اللَّه، فهب ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل، وسمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة. فقال: رضي اللَّه عنكن وعن أولادكن، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن. وصلى رسول اللَّه ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صفّ له الرجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه يحرسونه فرقا [ (٢) ] من قريش أن تكر، ويقال: إن معاذ بن جبل ﵁ جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد اللَّه بن رواحة ﵁ بنساء بلحارث [بن الخزرج] [ (٣) ] فقال ﷺ: ما أردت هذا! ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي.
شماتة المنافقين وجعل عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول والمنافقون يشمتون معه ويسرّون بما أصاب
المسلمين، ويظهرون أقبح القول: فيقول ابن أبيّ لابنه عبد اللَّه- وهو جريح قد بات يكوي الجراحة بالنار- ما كان خروج معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، واللَّه لكأنّي كنت انظر إلى هذا. فقال ابنه: الّذي صنع اللَّه لرسوله [ (١) ] وللمسلمين خير.
ان خروج معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، واللَّه لكأنّي كنت انظر إلى هذا. فقال ابنه: الّذي صنع اللَّه لرسوله [ (١) ] وللمسلمين خير.
ما قالت اليهود والمنافقون شماتة بقتلى أحد وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط! أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه! وجعل المنافقون يخذّلون عن رسول اللَّه ﷺ أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول اللَّه ﷺ يستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من يهود والمنافقين. فقال ﵇: يا عمر، إن اللَّه مظهر دينه ومعزّ نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم، قال: فهؤلاء المنافقون! قال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ قال: بلى يا رسول اللَّه! وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لنا أمرهم، وأبدى اللَّه أضغانهم عن هذه النكبة! فقال: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه يا ابن الخطاب، إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن.
ما نزل من القرآن في غزوة أحد ونزل في غزوة أحد من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ من سورة آل عمران إلى آخرها [ (٢) ] ، وكان قد نزل قبل أن يخرج ﷺ إلى حد قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ (٣) ] . فلم يصبروا وانكشفوا، فلم يمدّ رسول اللَّه ﷺ بملك واحد يوم أحد.
ُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ (٣) ] . فلم يصبروا وانكشفوا، فلم يمدّ رسول اللَّه ﷺ بملك واحد يوم أحد.
خبر معاوية بن المغيرة وكان هو الّذي مثّل بحمزة وكان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قد انهزم ومضى على وجهه ونام قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، وأتى عثمان بن عفان ﵁، فلما رآه قال: ويحك أهلكتني وأهلكت نفسك، وأدخله بيته. ثم سأل فيه رسول اللَّه ﷺ فأجله ثلاثا فإن وجد بعدهن قتل. فجهزه عثمان. وخرج بعد ثلاث فأدركه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر بالجماء [ (١) ] فرمياه حتى قتلاه، وكان هو الّذي مثّل بحمزة ﵁.
غزوة حمراء الأسد ثم كانت غزوة حمراء الأسد [ (٢) ] يوم الأحد صبيحة أحد. وذلك أن عبد اللَّه ابن عمرو بن عوف المزني [ (٣) ] أو في باب النبي ﷺ ليلة الأحد، وبلال على الباب بعد ما أذّن وهو ينتظر خروج النبي ﷺ، فلما خرج أخبره المزني أنه أقبل من أهله حتى كان بملل إذا قريش قد نزلوا، فسمع أبا سفيان وأصحابه يشتورون [ (٤) ] ليرجعوا حتى يستأصلوا من بقي، وصفوان يأبى ذلك عليهم. فدعا رسول اللَّه ﷺ أبا بكر وعمر ﵄ وذكر لهما ذلك، فقالا: أطلب العدو يا رسول اللَّه، ولا يقتحمون على الذرية، فلما صلى الصبح يوم الأحد- ومعه وجوه الأوس والخزرج، وقد باتوا في المسجد على بابه- أمر بلالا فنادى: إن رسول اللَّه يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس.
خروج جرحى أحد للغزو فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير وكلها جريح فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمركم أن تطلبوا عدوكم. فقال أسيد بن حضير- وبه سبع جراحات
يريد أن يداويها- سمعا وطاعة للَّه ولرسوله، وأخذ سلاحه ولم يعرّج على دواء، ولحق برسول اللَّه ﷺ، وجاء سعد بن عبادة قومه، وجاء أبو قتادة إلى طائفة فبادروا جميعا. وخرج من بني سلمة أربعون جريحا- بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا [ (١) ] ، وبخراش بن الصمة عشر جراحات- حتى وافوا رسول اللَّه ﷺ فقال لما رآهم: اللَّهمّ ارحم بني سلمة.
اللواء ودفع رسول اللَّه ﷺ لواءه إلى أبي بكر، وقيل: لعليّ ﵄، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام على حرسه عبّاد بن بشر.
خبر عبد اللَّه ورافع ابني سهل وكان عبد اللَّه ورافع ابنا سهل بن رافع بن عدي بن زيد بن أمية بن زيد الأنصاريان، رجعا من أحد وبهما جراح كثيرة فخرجا يزحفان، فضعف رافع فحمله عبد اللَّه على ظهره عقبة ومشى عقبة [ (٢) ] . فدعا لهما رسول اللَّه ﷺ لما أتياه وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم، ولم يخرج أحد لم يشهد أحدا سوى جابر بن عبد اللَّه، واستأذنه رجال لم يخرجوا أحدا فلم يأذن لهم.
خروج رسول اللَّه ﷺ ولما اجتمع الناس ركع رسول اللَّه ﷺ ركعتين في المسجد ودعا بفرسه على باب المسجد- وعليه الدرع والمغفر- فركب، وإذا بطلحة ﵁، فقال: يا طلحة، سلاحك. فأسرع ولبس سلاحه- وبه تسع جراحات- وأقبل فقال له ﷺ: أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسّيالة. قال: ذلك ظننت، أما إنهم- يا طلحة- لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح اللَّه مكة علينا.
الطلائع وبعث ﷺ ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم هم: سليط [ (١) ] ونعمان ابنا سفيان بن خالد بن عوف بن دارم وآخر [من أسلم من بني عوير، لم يسمّ لنا] [ (٢) ] فقتلوا، ومضى ﷺ في أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد. وكان عامة زادهم التمر. وحمّل سعد بن عبادة ﵁ ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء، وساق جزرا لينحر، وكان ﷺ يأمر في النهار فيجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فقد أوقدوا خمسمائة نار حتى رئيت من مكان بعيد. وذهب ذكر معسكر المسلمين ونيرانهم في كل وجه، فكان ذلك مما كبت اللَّه به عدوهم.
يران، فيوقد كل رجل نارا، فقد أوقدوا خمسمائة نار حتى رئيت من مكان بعيد. وذهب ذكر معسكر المسلمين ونيرانهم في كل وجه، فكان ذلك مما كبت اللَّه به عدوهم.
خبر معبد الخزاعي وانصراف المشركين ولقي معبد بن أبي معبد الخزاعي-[وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة سلما للنّبيّ ﷺ] [ (٣) ]- رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك في نفسك وما أصاب أصحابك، ولوددنا أن اللَّه أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، ثم مضى، فوجد أبا سفيان وقريشا بالروحاء وهم مجمعون على الرجوع: فأخبرهم أن محمدا وقومه وأصحابه قد تركهم يتحرقون عليهم [ (٤) ] مثل النيران، وأنهم في طلبهم، فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب لهم. وبعث أبو سفيان مع نفر من عبد القيس مرّ بهم يريدون المدينة أن يعلموا [ (٥) ] رسول اللَّه ﷺ أنهم أجمعوا الرجعة إليه، فلما بلغوه ﷺ ذلك قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. فنزل في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٦) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [ (٧) ] . وبعث معبد الخزاعي رجلا فأخبر رسول اللَّه ﷺ بانصراف أبي
سفيان ومن معه خائفين، فانصرف ﷺ إلى المدينة بعد ثلاث.
مْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [ (٧) ] . وبعث معبد الخزاعي رجلا فأخبر رسول اللَّه ﷺ بانصراف أبي
سفيان ومن معه خائفين، فانصرف ﷺ إلى المدينة بعد ثلاث.
سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن ثم كانت سرية أبي سليمة بن عبد الأسد إلى قطن: وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة بنجد، وذلك في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا: دعاه رسول اللَّه ﷺ لهلال المحرم واستعمله على خمسين ومائة رجل، وعقد له لواء، وأمره أن يرد أرض [ (١) ] بني أسد، وأن يغير عليهم قبل أن تلاقي عليه جموعهم، وأوصاه ومن معه بتقوى اللَّه، فسار. وكان الّذي هيّج هذا أن رجلا من طيِّئ- يقال له الوليد بن زهير بن طريف- قدم المدينة، وأخبر أن طليحة وسلمة ابني [ (٢) ] خويلد تركهما قد سارا- في قومهما ومن أطاعهما- لحرب رسول اللَّه، فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ذلك، بعث أبا سلمة. وخرج الطائي معه دليلا ونكّب بهم عن الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا حتى انتهوا بعد أربع إلى قطن، فوجدوا سرحا فأخذوه وثلاثة رعاء مماليك، ونذر بهم [ (٣) ] القوم فتفرقوا في كل وجه، وورد أبو سلمة الماء وقد تفرقوا عنه، فبعث في طلب النّعم والشاء فأصابوا منها ولم يلقوا أحدا، فانحدروا إلى المدينة. وأعطى أبو سلمة الطائيّ الّذي دلهم رضاه من المغنم، ثم أخرج صفيا لرسول اللَّه ﷺ عبدا، ثم أخرج الخمس، وقسم ما بقي بين أصحابه فأقبلوا بها إلى المدينة. ويقال: كان بين المسلمين وبين القوم قتال قتل فيه رجل من المشركين، واستشهد مسعود بن عروة.
غزوة بئر معونة ثم كانت غزوة بئر معونة- وهي ماء لبني عامر بن صعصعة [ (٤) ] ، وقيل: قرب حرة بني سليم- في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا. وسببها أن عامر ابن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة- أبا براء ملاعب، الأسنّة قدم على رسول اللَّه ﷺ وأهدى له فرسين وراحلتين، فقال: لا أقبل



