— Bagian 63 · إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني [ (٧) ] ؟ أو إلى … —
Bagian 63
إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني [ (٧) ] ؟ أو إلى عدوّ ملكته أمرى، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بوجهك الّذي أشرقت له
الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. فلما رآه ابنا ربيعة- عتبة وشيبة- وما لقي، تحركت له رحمهما [ (١) ] ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له: عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللَّه ﷺ، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول اللَّه ﷺ يده فيه قال: باسم اللَّه، ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه ثم قال: واللَّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال رسول اللَّه ﷺ: ومن أهل أي البلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ قال: نصرانىّ، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال له رسول اللَّه ﷺ: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ فقال له عدّاس: وما يدريكك ما يونس بن متى؟ قال: ذلك أخى كان نبيا، وأنا نبي، قال: فأكبّ عدّاس على رسول اللَّه ﷺ يقبّل رأسه، ويديه، و [قدميه] [ (٢) ] . قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك، فقد أفسد عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل، ويديه، وقدميه؟! قال: يا سيدي! ما في الأرض [شيء] [ (٣) ] خير من هذا، لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبي، قال: ويحك يا عداس! لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. ثم إن رسول اللَّه ﷺ انصرف من الطائف راجعا إلى مكة، حين يئس من
نى بأمر ما يعلمه إلا نبي، قال: ويحك يا عداس! لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. ثم إن رسول اللَّه ﷺ انصرف من الطائف راجعا إلى مكة، حين يئس من
خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة [ (١) ] ، قام من جوف الليل يصلى، فمرّ به النفر من الجن الذين ذكر اللَّه ﵎، وهم- فيما ذكر لي- سبعة نفر من جن نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته، ولّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ اللَّه خبرهم عليه [ﷺ] [ (٢) ] ، فقال [تعالى] [ (٢) ] : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ* يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ (٣) ] . وقال [تعالى] [ (٢) ] : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ... [ (٤) ] إلى آخر القصة، من خبرهم في هذه السورة [ (٥) ] ، وأما خروجه ﷺ إلى الطائف بعد الهجرة، فسيأتي في فتح مكة إن شاء اللَّه تعالى.
مِنَ الْجِنِّ ... [ (٤) ] إلى آخر القصة، من خبرهم في هذه السورة [ (٥) ] ، وأما خروجه ﷺ إلى الطائف بعد الهجرة، فسيأتي في فتح مكة إن شاء اللَّه تعالى.
فصل في خروج رسول اللَّه ﷺ إلى عكاظ، ومجنّة، وذي المجاز اعلم أنه كانت للعرب أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم، ويجتمع إليها سائر الناس، فإذا انقضت لا يصل إليها أحد، ولا يرجع منها أحد إلا بخفيه، وكانت أعظم هذه الأسواق [عشرة أسواق] ، منها ما يقوم في أشهر الحرم، ثم لا يقوم إلى مثل ذلك من قابل، ومنها ما لا يقوم في أشهر الحرم ويقوم في غيرها. فمن الأسواق العشرة: عكاظ، في أعلا نجد، قريب من عرفات، وكانت تقوم في النصف من ذي القعدة، وكانت من أعظم أسواق العرب، وكانت قريش تنزلها، وهوازن، وغطفان، والأحابيش- وهم الحرث [من بنى] [ (١) ] عبد مناة، وعضل، والمصطلق، وطوائف أفناء العرب، فإذا نزلوها في نصف ذي القعدة، لا يبرحون حتى [يروا] [ (١) ] هلال ذي الحجة، فإذا رأوه انقشعت. وكان قيامها فيما بين نخلة والطائف، بينها وبين الطائف عشرة أيام، وبها نخل وأموال لثقيف، ولم يكن فيها عشور [ (٢) ] ولا خفارة [ (٣) ] ، وكانت فيها أشياء ليست في شيء من أسواق العرب، كأن يوافي [بالأسرى] [ (١) ]
فيفادون بها، وكان بيعهم في السرار، وإذا وجب البيع [وعند التاجر فيها ألف ممن يريد الشراء، ومن لا يريد أشركه في الربح] [ (١) ] . خرّج البيهقيّ من حديث سفيان بن عيينة، عن أبى حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه [عنهما] قال: قدم وفد إياد على رسول اللَّه ﷺ، فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي فقالوا: هلك يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ: لقد شهدته في الموسم بعكاظ، وهو على جمل له أحمر، أو على ناقة حمراء، وهو ينادى في الناس، فذكره [ (٢) ] . وقال جابر بن عبد اللَّه: مكث رسول اللَّه ﷺ عشر سنين يتتبّع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنه، وفي [المواسم] [ (٣) ] ، ويقول: من يؤوينى؟ من ينصرني؟ ومجنة سوق من أسواق العرب، بين عكاظ وذي المجاز، كانت بأسفل مكة، على بريد منها، وهي سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة. وخرّج الدارقطنيّ من حديث ابن نمير، عن يزيد بن زياد بن أبى الجعد [قال] [ (٤) ] : حدثنا أبو ضمرة جامع بن شداد، عن طارق بن عبد اللَّه المحاربي، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ مرتين، مرة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي- هكذا قال- أبيعها، فمرّ وعليه حلة حمراء، وهو ينادى
طارق بن عبد اللَّه المحاربي، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ مرتين، مرة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي- هكذا قال- أبيعها، فمرّ وعليه حلة حمراء، وهو ينادى
[بأعلى] صوته: [يا أيها] [ (١) ] الناس! قولوا: لا إله إلّا اللَّه تفلحوا، ورجل يتبعه بالحجارة، قد أدمى كعبيه وعرقوبيه، وهو يقول: [يا أيها] الناس! لا تطيعوه فإنه كذاب، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا غلام [بنى] [ (١) ] عبد المطلب، قلت: من هذا الّذي يتبعه يرميه؟ قالوا: عمه عبد العزّى- وهو أبو لهب-. فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة، أقبلنا في ركب من الرَّبَذَة، وجنوب الرَّبَذَة، حتى نزلنا [قريبا] [ (١) ] من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينا نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلّم، فرددنا عليه، فقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من [الرَّبَذَة] [ (٢) ] ، وجنوب الرَّبَذَة، [قال: ومعنا] [ (٢) ] جمل أحمر، قال: تبيعوني جملكم؟ قلنا نعم، قال: بكم؟ قلنا: بكذا و [كذا] [ (٢) ] صاعا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئا، وقال: قد أخذته. ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلاوموا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليحقركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول اللَّه ﷺ إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى [العليا] [ (٢) ] ، وابدأ بمن تعول، أمّك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه
ختك وأخاك، وأدناك أدناك، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه
حتى [رأينا] [ (١) ] بياض إبطيه، فقال: ألا لا يجنى والد على ولده [ (٢) ] . [وخرجه الحاكم وابن حبان] [ (٣) ] . [وذكر ابن سعد عن عبد اللَّه بن عون، عن عمرو بن سعيد، أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخى- يعنى النبي ﷺ فأدركنى العطش فشكوت إليه، فقلت: يا ابن أخى! قد عطشت- وما قلت له ذاك وأنا أرى أن عنده شيئا إلا الجزع- قال: فثنى وركه، ثم نزل فقال: يا عم! أعطشت؟ قال: قلت: نعم، قال: فأهوى بعقبه إلى الأرض، فإذا [بالماء] ، قال: اشرب يا عم، قال: فشربت] [ (٤) ] . [وروى عبد اللَّه بن الأجلح، عن الكلبي، عن أبى صالح، عن ابن عباس، عن العباس رضى اللَّه عنه قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: يا عباس، لا أرى لي عندك ولا عند بنى أبيك ممنعة، فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا، حتى تعرفني منازل قبائل الناس؟ قلت: نعم، قال: فخرجت به، فأتيت به سوق عكاظ- وكانت مجمع العرب- قال: فقلت هذه كندة ولفها، وهي أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بنى عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك، قال: فبدأ بكندة، فأتاهم، فقال: ممن [القوم] ؟ فقالوا: من أهل اليمن، قال: من أي اليمن؟ قالوا: من كندة، قال: من أي كندة؟ قالوا: من بنى عمرو بن معاوية، قال: فهل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وتقيمون الصلاة،
الوا: من كندة، قال: من أي كندة؟ قالوا: من بنى عمرو بن معاوية، قال: فهل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وتقيمون الصلاة،
وتؤمنون بما جاء به من عند اللَّه] . [قال ابن الأجلح: وحدثني أبى عن أشياخ قومه، أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك، قال رسول اللَّه ﷺ: الملك للَّه يجعله حيث شاء، قالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به. قال الكلبي في حديثه: فقال جئتنا لتصدنا عن آلهتنا، وتنابذ العرب، ألحق بقومك، فلا حاجة لنا بك] . [فانصرف رسول اللَّه ﷺ من عندهم، فأتى بكر بن وائل فقال: ممن القوم؟ قالوا: من بكر بن وائل، قال: من أي بكر بن وائل؟ قالوا: من بنى قيس بن ثعلبة، قال: كيف [الغلبة] ؟ قالوا: كثير مثل الثرى، قال: فكيف المنعة؟ قالوا: لا منعة، جاورنا فارس، فنحن لا نمنع منهم، ولا نجير عليهم، قال: فتجعلون للَّه عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم، أن تسبحوا اللَّه ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه ثلاثا وثلاثين، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا رسول اللَّه ﷺ، ثم انطلق عنهم] . [وكان عمه أبو لهب يتبعه، فيقول للناس: لا تسمعوا منه، ولا تقبلوا قوله، قال: ثم مرّ أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: نعم، هذا في الذروة منّا، أيّ شأنه تسألونى؟ فأخبروه بما دعاهم، وقالوا: زعم أنه رسول اللَّه، قال: لا ترفعوا لقوله رأسا، فإنه مجنون، يهذى من أم رأسه، قالوا: لقد رأينا ذلك، حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر] . [وروى يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان، عن سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة، قال: أتيت النبي ﷺ بعكاظ فقلت: من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد] . [وروى أبو الزبير عن جابر، أن النبي ﷺ مكث سبع سنين، يتبع الحاج
في منازلهم في المواسم، بعكاظ ومجنة، يعرض عليهم الإسلام، وبعكاظ رأى رسول اللَّه ﷺ قسّ بن ساعدة، وحفظ كلامه] . [وخرج] الحاكم من حديث يونس بن بكير، حدثنا يزيد بن زياد بن أبى الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق [بن] عبد اللَّه المجازي، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ مرتين [ (١) ] ، رأيته بسوق ذي المجاز- وأنا في بياعة لي- فمرّ وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا اللَّه، تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى كعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوا هذا فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بنى عبد المطلب، قلت: من الرجل الّذي يرجمه؟ قيل لي: هو عمه عبد العزّى أبو لهب. فلما أظهر اللَّه الإسلام خرجنا من الرَّبَذَة، ومعنا ظعينة لنا، حتى نزلنا قريبا من المدينة، فبينا نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه ثوبان، فسلم علينا وقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الرَّبَذَة، ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعوننى الجمل؟ فقلنا: نعم، فقال: بكم؟ فقلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: أخذته وما استقضى، فأخذ بخطام الجمل، فذهب به حتى توارى في حيطان المدينة، فقال بعضنا لبعض: تعرفون الرجل؟ فلم يكن منا أحد يعرفه، فلام القوم بعضهم بعضا، فقالوا: أتعطون جملكم من لا تعرفون؟ فقالت الظعينة: لا تلاوموا، فلقد رأيت وجه رجل لا يغدرنكم، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. فلما كان العشىّ، أتانا رجل فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه، أنتم الذين جئتم من الرَّبَذَة؟ قلنا: نعم، قال: أنا رسول اللَّه ﷺ إليكم، وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى
يكم ورحمة اللَّه، أنتم الذين جئتم من الرَّبَذَة؟ قلنا: نعم، قال: أنا رسول اللَّه ﷺ إليكم، وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى
تستوفوا، فأكلنا من التمر حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا. ثم أتينا المدينة من الغد، فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم يخطب الناس على المنبر، فسمعته يقول: يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك، وثمّ رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه! هؤلاء [بنو] ثعلبة بن يربوع، الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا ثأرنا، فرفع رسول اللَّه [ﷺ] يديه حتى رأيت بياض إبطيه فقال: لا تجنى أم على ولد، لا تجنى أم على ولد، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد [ (١) ] . ولأبى نعيم من حديث محمد بن عثمان بن أبى شيبة قال: [حدثنا] محمد بن [مكاره، حدثنا] ابن أبى الزياد، قال: حدثني أبى قال: رأيت رجلا يقال له: ربيعة بن عباد، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يمر في فجاج ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا، قال: فما يؤذيه أحد إلا أنهم يتبعونه، قال: فقالوا: هذا ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إلا رجل أحول، وضيء، ذو غديرتين، يتبعه في فجاج ذي المجاز وهو يقول: إنه صابئ كاذب، قال: فقلنا: من هذا؟ قالوا: عمه أبو لهب. قال أبو نعيم: ورواه زيد بن أسلم، وسعيد بن خالد القارظي، وحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، في آخرين، عن ربيعة [ (٢) ] .
قالوا: عمه أبو لهب. قال أبو نعيم: ورواه زيد بن أسلم، وسعيد بن خالد القارظي، وحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، في آخرين، عن ربيعة [ (٢) ] .
فصل في ذكر هجرة رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة خرّج البخاري في آخر كتاب الكفالة، في باب جوار أبى بكر في عهد النبي ﷺ، وفي كتاب الهجرة، من حديث الليث عن عقيل، قال [ابن] شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة [رضى اللَّه عنها] ، زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبويّ إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار، بكرة وعشية. فلما ابتلى المسلمون، خرج أبو بكر [رضى اللَّه عنه] مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد، لقيه ابن الدّغنّة- وهو سيد القارة-[فقال] : أين تريد يا أبا بكر؟ [فقال] أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربى، فقال ابن الدّغنّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، أنت تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكلّ، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدّغنّة [فطاف ابن الدّغنّة] [ (١) ] عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب [قريش] [ (١) ] بجوار ابن الدّغنّة. وقالوا لابن الدّغنّة: مر أبا بكر فليعبد ربّه في داره، فليصلّ فيها، وليقرأ [ما شاء] ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدّغنّة لأبى بكر، فلبث أبو بكر [رضى اللَّه عنه] ، يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره.
ثم بدا لأبى بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه، ويقرأ فيه القرآن، [فيتقذّف] عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدّغنّة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أقام على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدّغنّة أبا بكر [رضى اللَّه عنه] فقال: قد علمت الّذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليّ ذمتي، فإنّي لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه، والنبي ﷺ يومئذ بمكة. فقال النبي ﷺ [للمسلمين] [ (١) ] : إن أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين، وهما الحرّتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قبل المدينة، فقال له ﷺ: على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر [رضى اللَّه عنه] : وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت! قال: نعم، [فحبس] أبو بكر نفسه على رسول اللَّه ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين [كانتا] [ (١) ] عنده، ورق السمر- وهو الخبط
للَّه عنه] : وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت! قال: نعم، [فحبس] أبو بكر نفسه على رسول اللَّه ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين [كانتا] [ (١) ] عنده، ورق السمر- وهو الخبط
- أربعة أشهر [ (١) ] . زاد في كتاب الهجرة: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضى اللَّه عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في نحو الظهيرة، وقال قائل لأبى بكر: هذا رسول اللَّه ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر [فداء] له أبى وأمى، ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر؟! قالت: فجاء رسول اللَّه ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبى بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت وأمى يا رسول اللَّه، قال: فإنّي قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت وأمى يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ: نعم، قال أبو بكر، فخذ بأبي أنت يا رسول إحدى راحلتيّ هاتين، قال: رسول اللَّه ﷺ: بالثمن. قالت عائشة: فجهّزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سمّيت: ذات النّطاقين. قالت: ثم لحق رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد اللَّه بن أبى بكر، وهو غلام شاب، ثقف، لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة- كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة- مولى أبى بكر- منحة من غنم، فيريح عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر رجلا من بنى الديل، وهو من بنى عبد
ابن عدىّ، هاديا خرّيتا- والخرّيت: الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاصي بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل [ (١) ] .
ه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل [ (١) ] .
[ () ] ظرفية، والعامل فيه لا يملك، أو هي شرطية والجزاء مقدر. قوله: «فأفزع ذلك» أي أخاف الكفار لما يعلمونه من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا إلى دين الإسلام. قوله: «نخفر له» بضم أوله وبالخاء المعجمة وكسر الفاء، أي نغدر بك، يقال: خفره إذا حفظه، وأخفره إذا غدر به. قوله: «مقرين لأبى بكر الاستعلان» أي لا نسكت عن الإنكار عليه للمعنى الّذي ذكروه من الخشية على نسائهم وأبناءهم أن يدخلوا في دينه. قوله: «وأرضى بجوار اللَّه» أي أمانته وحمايته، وفيه جواز الأخذ بالأشد في الدين- وقوة يقين أبى بكر رضى اللَّه عنه. قوله: «ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة» ، أي لما سمعوا باستيطان المسلمين المدينة، رجعوا إلى مكة، فهاجر إلى أرض المدينة معظمهم لا جميعهم، لأن جعفرا ومن معه تخلفوا في الحبشة، وهذا السبب في مجيء مهاجرة الحبشة غير السبب المذكور في مجيء من رجع منهم أيضا في الهجرة الأولى، لأن ذاك كان بسبب سجود المشركين مع النبي ﷺ والمسلمين في سورة النجم، فشاع أن المشركين أسلموا وسجدوا، فرجع من رجع من الحبشة، فوجدوهم أشدّ ما كانوا. قوله: «الخبط» بفتح المعجمة والموحدة ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر. قاله ابن فارس. قوله: «في نحر الظهيرة» ، أي أول الزوال، وهو أشدّ ما يكون في حرارة النهار، والغالب في أيام الحر القيلولة فيها، وفي رواية ابن حبان: «فأتاه ذات يوم ظهرا» ، وفي حديث أسماء بنت أبى بكر عند الطبراني: «كان يأتينا بمكة كل يوم مرتين بكرة وعشية، فلما كان يوم من ذلك جاءنا في الظهيرة، فقلت: يا أبت هذا رسول اللَّه ﷺ. قوله: «هذا رسول اللَّه متقنّعا» ، أي مغطيا رأسه، وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب، قالت عائشة: «وليس عند أبى بكر إلا أنا وأسماء» . وفي هذا الحديث جواز لبس الطيلسان، وجزم ابن القيم بأن النبي ﷺ لم يلبسه ولا أحد من أصحابه، وأجاب عن الحديث بأن التقنع يخالف التطليس.
إلا أنا وأسماء» . وفي هذا الحديث جواز لبس الطيلسان، وجزم ابن القيم بأن النبي ﷺ لم يلبسه ولا أحد من أصحابه، وأجاب عن الحديث بأن التقنع يخالف التطليس. قال: ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة، وتعقب بأن في حديث أنس: «أن النبي ﷺ كان يكثر التقنع» . وفي (طبقات ابن سعد) مرسلا: «ذكر الطيلسان لرسول اللَّه ﷺ فقال: هذا ثوب لا يؤدى شكره» . قوله: «ثقف» بفتح المثلثة وكسر القاف، ويجوز إسكانها وفتحا وبعدها فاء» الحاذق، تقول: ثقفت الشيء إذا أقمت عوجه. قوله: «لقن» بفتح اللام وكسر القاف بعدها نون، اللّقين: السريع الفهم.
قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي- وهو ابن أخى سراقة بن مالك بن جعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءتنا رسل كفار قريش، يجعلون في رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة: إني رأيت قد آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجّه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بى حتى دنوت منهم، فعثرت بى فرسي، فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى
كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الّذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، تقرّب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول اللَّه ﷺ، وهو لا يلتفت، وأبو بكر [رضى اللَّه عنه] يكثر الالتفات، ساخت [يدا] فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة، إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الّذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول اللَّه ﷺ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى، ولم يسألانى إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة [رضى اللَّه عنه] ، فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ. قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللَّه ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، [فكسا] الزبير رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر رضى اللَّه عنه ثياب بياض.
بن الزبير أن رسول اللَّه ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، [فكسا] الزبير رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر رضى اللَّه عنه ثياب بياض. وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول اللَّه ﷺ، من مكة [فكانوا] يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه، حتى يردّهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم- قال ابن زبالة: وهي عز أهل المدينة ومنعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم- قال ابن شهاب: لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللَّه ﷺ وأصحابه مبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال [بأعلى] صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الّذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللَّه ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات
اليمين، حتى نزل بهم في بنى [عمرو] بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، [وقيل: لثمان خلون منه] [ (١) ] . وفي الإكليل عن الحاكم، تواترت الأخبار بذلك، وقيل: قدم المدينة يوم الجمعة عشاء لثنتى عشرة مضت منه، وقيل: لليلتين مضتا منه، وقيل: لثمان عشرة ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وعند البيهقي اثنتين، وعندي ليلة، وعند ابن حزم: خرجنا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليال، وقال البرقي: قدمها ليلا، وقيل قدم لثلاث عشر ليلة مضت منه، وجزم ابن النجار بقدومه حين [الضحى] يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة من ربيع الأول، ووافقه جازما بذلك النووي في زوائده من كتاب السير من (الروضة) [ (٢) ] . قال [ابن] شهاب: فقام أبو بكر [رضى اللَّه عنه] للناس، وجلس رسول اللَّه ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللَّه ﷺ يحىّ أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللَّه ﷺ عند ذلك، فلبث رسول اللَّه ﷺ في بنى [عمر] بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسّس المسجد الّذي أسّس على التقوى، وصلّى فيه رسول اللَّه ﷺ ثم ركب راحلته، فسار يمشى معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة،
الناس، حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة، فقال رسول اللَّه ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء اللَّه المنزل. ثم دعاء رسول اللَّه ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا،
فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى أن يقبل [منهما] هبته، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول اللَّه ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربنا وأطهر ويقول: اللَّهمّ إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار [والمهاجرة] فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول اللَّه ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. وخرّجه أيضا في كتاب اللباس، في باب التقنع، من حديث معمر عن الزهري، عن عائشة [رضى اللَّه عنها] باختصار [ (١) ] ، وفرّقه في كتاب الجهاد في باب حمل الزاد في الغزو [ (٢) ] ، وهجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة [ (٣) ] ، وفي كتاب الأطعمة في باب الخبز المرقق، والأكل على الخوان والسفرة [ (٤) ] . وخرّج البخاري أيضا في الهجرة من حديث شعبة قال: سمعت أبا إسحاق الهمدانيّ يقول: سمعت البراء [رضى اللَّه عنه] يقول: أقبل رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى المدينة، فذكر قطعة مما تقدم [ (٥) ] . وخرّجه
مسلم كذلك [ (١) ] . وخرّج البخاري ومسلم من حديث أبى إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب [رضى اللَّه [عنه]] يقول: جاء أبو بكر رضى اللَّه [عنه] إلى أبى في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث معى ابنك يحمله معى إلى منزلي، فقال أبى: احمله، فحملته، وخرج أبى معه ينتقد ثمنه، فقال له أبى: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعت ليلة سريت مع رسول اللَّه ﷺ، قال: نعم، أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت الشمس بعد، فأتيت الصخرة، فنزلنا عندها، وسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول اللَّه، وأنا أنفض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الّذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من أهل المدينة، قلت له: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر، والتراب، والقذى، قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأرض ينفض، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن، قال: ومعى إداوة أرتوى فيها للنّبيّ ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ [فشرب منها وتوضأ] ، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافقته قد استيقظ، فصببت على اللبن من الماء، حتى برد أسفله، فقلت يا رسول اللَّه، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك، ونحن في
سول اللَّه، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك، ونحن في
جلد من الأرض فقلت: يا رسول اللَّه! أتينا، فقال: لا تحزن إن اللَّه معنا، [فدعا] عليه رسول اللَّه ﷺ، فارتطمت فرسه إلى بطنها- أرى- فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، [فاللَّه] لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا [رسول اللَّه ﷺ] اللَّه، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم هاهنا، فلا يلقى أحدا إلا ردّه ووفّى لنا. اللفظ لمسلم، وقال فيه البخاري: فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة، وقال فيه: فقال: إني أراكما قد دعوتما عليّ. ذكره البخاري في باب علامات النبوة [ (١) ] . ولمسلم من حديث عثمان بن عمر، والنضر بن شميل، كلاهما عن أبى إسحاق، عن البراء، قال: اشترى أبو بكر من أبى [ (٢) ] رحلا بثلاثة عشر درهما.. وساق الحديث بمعنى ما تقدم [ (٣) ] . وقال في حديثه من رواية عثمان بن عمر، [عن إسرائيل] : فلما دنا [دعا] عليه رسول اللَّه ﷺ فساخ
فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه وقال: يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع اللَّه أن يخلصني مما أنا فيه، ولك عليّ لأعمينّ على من ورائي، وهذه كنانتي فخذ سهما منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني [بمكان] كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقدمنا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول اللَّه ﷺ، فقال ﷺ: انزل على بنى النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطريق ينادون: يا محمد، يا رسول اللَّه [ (١) ] ... يا محمد يا رسول اللَّه! وخرّج البخاري في المناقب، من حديث إسرائيل بمعناه، وذكر نحوا أو
والخدم في الطريق ينادون: يا محمد، يا رسول اللَّه [ (١) ] ... يا محمد يا رسول اللَّه! وخرّج البخاري في المناقب، من حديث إسرائيل بمعناه، وذكر نحوا أو
قريبا منه في باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه [ (١) ] . وقال الواقدي: حدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامه قالت: لما أمر رسول اللَّه ﷺ أن يتحول عن فراشه، ولا ينام عليه في الليلة التي ائتمرت قريش في دار الندوة، على أن يثبتوه فيقتلوه، خرج على القوم حتى انتهى إلى بيت بكر رضى اللَّه عنه، وكان فيه حتى خرجا منه إلى الغار- غار ثور- خرجا من خوخة في ظهر بيت أبى بكر رضى اللَّه عنه ليلا. وكان رسول اللَّه ﷺ يحدث: لقد خرجت من الخوخة متنكرا، وكان أول من لقيني، الخبيث أبو جهل، فعمى اللَّه تعالى بصره عنى وعن أبى بكر [رضى اللَّه عنه] حتى مضيت، ومضى رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر [رضى اللَّه عنه] ، فقال أبو بكر لعائشة [رضى اللَّه عنهما] : لو رأيتني ورسول اللَّه ﷺ إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول اللَّه ﷺ، فتقطرتا دما، وأما قدماي، فعادتا كأنها صفوان، فقالت عائشة رضى اللَّه عنها: إن رسول اللَّه ﷺ لم يتعود الحفية، ولا الرعية، ولا الشقوة، [قال:] ولو رأيتنا ونحن نصعد في الغار، مرة هو أمامى، ومرة أنا أمامه، حتى سبقته إلى الغار فدخلته، وكان فيه جحر، فألقمته عقبى، ودخل رسول اللَّه ﷺ عليّ، قال أبو بكر رضى اللَّه عنه: إن كانت لدغة لدغتني، أحب إلى من أن تلدغ رسول اللَّه ﷺ. قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن أبى الحسن بن زبالة، في (تاريخ المدينة) : حدثني محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حارثة، عن أبيه قال: نزل رسول اللَّه ﷺ على كلثوم ابن الهدم، بغلام [يقال] له: يا نجيح، فقال رسول اللَّه ﷺ: أنجحت يا أبا بكر.
وذكر عن محمد بن كعب القرظيّ وغيره، قالوا: لما بركت ناقة النبي ﷺ بباب أبى أيوب [رضى اللَّه عنه] ، جعل رسول اللَّه ﷺ يريد أن ينزل فتخلخل، فيطيف بها أبو أيوب [رضى اللَّه عنه] ، فيجد جبار بن صخر- أخا بنى سلمة- ينخسها، فقال أبو أيوب: يا جبار! أعن منزلي تنخسها؟ واللَّه بعثه بالحق، لولا الإسلام لضربتك بالسيف. قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ في منزل أبى أيوب، وقرّ قراره، وطابت داره، ونزل معه زيد بن حارثة.
فصل في ذكر غزوات رسول اللَّه ﷺ [اعلم أن رسول اللَّه ﷺ غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة [ (١) ] ، وكانت سراياه التي بعث فيها، سبعا وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات] [ (٢) ] . قال البخاري: وقال محمد بن إسحاق: أول ما غزا رسول اللَّه ﷺ، الأبواء، ثم بواط، ثم العشيرة [ (٣) ] . وخرّج من طريق شعبة، عن أبى إسحاق [قال:] كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، [قيل:] كم [غزوت] أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: [العشيراء] أو العشير، فذكرت ذلك لقتادة فقال: العشيرة [ (٣) ] . وخرجه مسلم بمعناه [ (٤) ] . وقال محمد إسحاق: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة يوم الاثنين حين اشتد [الضحى] وكادت الشمس تعتدل لثنتى عشرة مضت من شهر ربيع الأول، ورسول اللَّه ﷺ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه اللَّه
بثلاث عشرة سنة، فأقام بقية ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادين، ورجبا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال، وذا القعدة، وذا الحجة [وولى تلك الحجة المشركون] [ (١) ] . ثم خرج غازيا في صفر، على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة [ (٢) ] ، حتى بلغ ودّان، وهي: [غزوة الأبواء] .
غزوة الأبواء [ (١) ] يريد قريشا وبنى ضمرة، بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الّذي وادعه منهم مخشىّ بن عمرو الضمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك.
١) ] يريد قريشا وبنى ضمرة، بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الّذي وادعه منهم مخشىّ بن عمرو الضمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك.
ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ولم يلق كيدا، [فأقام بها بقية صفر، وصدرا من شهر ربيع الأول، وهي أول غزو غزاها] [ (١) ] . وقال الواقدي: وفي هذه الغزاة، وادع بنى ضمرة من كنانة، على أن لا يكثروا عليه، ولا يعينوا عليه أحدا، ثم كتب بينهم كتابا [ (٢) ] ، ثم رجع، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة [ (٣) ] .
[غزوة بواط] [ (١) ] قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول اللَّه ﷺ في شهر ربيع الأول يريد قريشا حتى بواط من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا [ (٢) ] . وقال الواقدي: ثم غزا بواط- وبواط حيال ضبّه من ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة برد- يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش وألفان و [خمسمائة] بعير، [في ربيع الأول، على رأس ثلاث عشر شهرا] ، [ثم رجع ولم يلق كيدا] [ (٣) ] . وقال ابن إسحاق: فلبث بها- يعنى المدينة-[بقية] [ (٤) ] شهر ربيع الآخر، وبعض [جمادى الأولى] ، ثم غزا قريشا، فسلك نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثم مسجده ﷺ وصنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس منه، فموضع أثافى البرمة معلوم [هنالك] [ (٤) ] ، واستقى له من ماء به يقال له: المشترب، ثم ارتحل رسول اللَّه ﷺ، فترك الخلائق بيسار، [وسلك
شعبة يقال لها: شعبة عبيد اللَّه، ثم صبّ لليسار حتى هبط بليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة] [ (١) ] واستقى من بئر بالضبوعة، ثم سلك الفرش، فرش [ملل] [ (١) ] ، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل [به] [ (١) ] الطريق حتى نزل العشيرة [واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد] .
الفرش، فرش [ملل] [ (١) ] ، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل [به] [ (١) ] الطريق حتى نزل العشيرة [واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد] .
غزوة بدر الأولى ثم غزا في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، في طلب كرز بن جابر الفهري، أغار على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء ونواحيها، حتى بلغ بدرا ولم يدركه] [ (١) ] . وذكر الواقدي أن غارة كرز في ربيع الأول بعد بواط، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبه، حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى، ثم رجع إلى المدينة [ (٢) ] ، [وكان قد استخلف عليها زيد بن حارثة رضى اللَّه عنه] .
غزوة ذي العشيرة [ثم غزا] العشيرة في جمادى الآخرة، على رأس ستة عشر شهرا، يعترض لعيرات قريش حين أبدأت إلى الشام، وكان قد جاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد الشام، قد جمعت قريش أموالها، فهي في تلك العير، فسلك على نقب من بنى دينار، يريد بيوت السّقيا وهي غزوة ذي العشيرة، [واستخلف على المدينة في هذه الغزوة، أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضى اللَّه عنه] [ (١) ] . [قال ابن إسحاق: ولم يقم رسول اللَّه ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبه، حتى بلغ واديا يقل له: سفوان [ (٢) ] ، من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى، ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة، ورجبا، وشعبان] . [قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثم مسجده ﷺ، وصنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه،
فموضع أثافىّ البرمة معلوم هنالك، واستقى له ﷺ من ماء به، يقال له: المشترب [ (١) ]] .
غزوة بدر الكبرى ثم خرج إلى غزاة بدر، [وهي البطشة التي أعزّ اللَّه تعالى بها الإسلام، وأهلك رءوس الكفر] [ (١) ] . قال ابن إسحاق: وبلغ [رسول اللَّه ﷺ] [بدارا- ماء كان ليخلد بن النضر، ويقال لرجل من جهينة- وبين بدر والمدينة ثمانية برد] [ (٢) ] ، وبلغ رسول اللَّه ﷺ أن أبا سفيان بن حرب، مقبل من الشام، في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش، وتجارة من تجارتهم، وفيها ثلاثون رجلا من قريش، أو أربعون، منهم: مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، و [عمرو] بن العاص بن وائل، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام، ندب إليهم المسلمين، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللَّه ﷺ يلقى حربا. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز، يتحسس [ (٣) ] الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان، أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتى قريشا
، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان، أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتى قريشا
فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، فصرخ ببطن الوادي يقول: يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان، قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. فتجهز الناس سراعا، فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان قد لاط [ (١) ] له بأربعة آلاف درهم، كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها، على أن يجزئ [عنه] بعثه، فخرج عنه، وتخلف أبو لهب. وخرج رسول اللَّه ﷺ من المدينة [يوم الاثنين] [ (٢) ] لثمان ليالي خلون من رمضان، فساروا حتى التقوا مع المشركين ببدر. وقال الواقدي: ولما [تحين] [ (٣) ] رسول اللَّه ﷺ انصراف العير من الشام، ندب أصحابه للعير، وبعث طلحة بن عبيد اللَّه، وسعيد بن زيد، قبل خروجه من المدينة بعشر ليال، يتحسسان خبر العير، قال: وخرج رسول اللَّه ﷺ بمن معه، حتى انتهى إلى نقب بنى دينار، ثم نزل بالبقيع- وهي بيوت السّقيا- يوم الأحد لثنتى عشرة [ليلة] خلت من رمضان، فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة. [قال:] وقدم عدي بن أبى الزغباء، وبسبس بن عمرو، وراح عشية الأحد من بيوت السقيا، وخرج المسلمون معه، وهم ثلاثمائة وخمسة،
ضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة. [قال:] وقدم عدي بن أبى الزغباء، وبسبس بن عمرو، وراح عشية الأحد من بيوت السقيا، وخرج المسلمون معه، وهم ثلاثمائة وخمسة،
وثمانية تخلفوا ضرب لهم بسهامهم وأجورهم، وكانت الإبل سبعين بعيرا، وكانوا يتعاقبون الإبل، الاثنين، والثلاثة، والأربعة، وكان رسول اللَّه ﷺ وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه عنه، [ومرثد] ، ويقال: زيد بن حارثة، يتعاقبون بعيرا واحدا، واستعمل على الماء قيس [بن] أبي صعصعة عمرو ابن زيد بن عوف بن مبذول، وأمره حين فصل من بيوت السقيا أن يعد المسلمين، فوقف لهم، فعدّهم، وأخبر النبي ﷺ. ومضى رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان [دوين] [ (١) ] ماء بدر، أتاه الخبر بمسير قريش، فأخبرهم [رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ]] بمسيرهم، واستشار [رسول اللَّه ﷺ [ (٢) ]] الناس، قال: فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول اللَّه ﷺ: سيروا على بركة اللَّه، فإن اللَّه وعدني إحدى الطائفتين، واللَّه لكأنّي انظر إلى مصارع القوم، قال: ونزل بأدنى بدر، عشاء ليلة الجمعة، ولسبع عشرة ليلة من رمضان، واستشار في المنزل، فأشار الحباب بن المنذر بنزوله على قليب بدر، فتحول إليه، وبنى له عريش من جريد، فدخله رسول اللَّه ﷺ، وأبو بكر رضى اللَّه عنه [ (٣) ] . وخرّج البخاري من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو في قبته يوم بدر: اللَّهمّ أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهمّ إن تشأ لا تعبد بعد اليوم، فأخذ أبو بكر رضى اللَّه عنه بيده فقال: حسبك يا رسول اللَّه، ألححت على ربك، فخرج وهو ثبت في الدرع، فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ذكره في كتاب التفسير [ (٤) ] ، وفي غزوة
بدر، في باب ما قيل في درع النبي ﷺ [ (١) ] .
درع، فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ذكره في كتاب التفسير [ (٤) ] ، وفي غزوة
بدر، في باب ما قيل في درع النبي ﷺ [ (١) ] .
وخرج مسلم [ (١) ] والترمذي، من حديث ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي قال: قال يونس: سمعت ابن عباس رضى اللَّه عنهما يقول: لما كان يوم بدر. وذكر مسلم من طريق عمر بن يونس الحنفي [قال:] حدثنا عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمّ آتني ما وعدتني، اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه، مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر رضى اللَّه عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللَّه! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه [تعالى:] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، فأمده اللَّه [تعالى] بالملائكة [ (١) ] . زاد مسلم: قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: [بينما] رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرّ مغشيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه بضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث رسول اللَّه ﷺ، فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين [ (١) ] . قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول اللَّه ﷺ
لأبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه: يا نبي اللَّه! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم للإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ، ما ترى يا ابن الخطاب: قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما أرى الّذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد، جئت فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه! أخبرنى من أي شيء تبكى أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال رسول اللَّه ﷺ: أبكى الّذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة
- شجرة قريبة من رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه ﷿: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ (١) ] إلى قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [ (١) ] فأحل اللَّه تعالى الغنيمة لهم [ (٢) ] . قال الواقدي: كان انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس، فأقام رسول اللَّه ﷺ ببدر، وأمر عبد اللَّه بن كعب بقيض الغنائم وحملها، [وأمر رسول اللَّه ﷺ نفرا من أصحابه أن يعينوه [ (٣) ]] فصلى العصر ببدر، ثم راح فمر
بالأثيل [ (١) ] قبل غروب الشمس، فنزل به، وبات به، وأقبل بالأسرى، حتى إذا كان بعرق الظبية [ (٢) ] ، أمر عاصم بن ثابت أن يضرب عنق عقبة بن أبى معيط، فقدمه فضرب عنقه، ولما نزلوا يسيرا بشعب بالصفراء، قسم الغنائم بها بين أصحابه، [وقدم] زيد بن حارثة، وعبد اللَّه بن رواحة، وتلقاه الناس يهنئونه بالروحاء حتى قدم المدينة [ (٣) ] [واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر] [ (٤) ] .
م] زيد بن حارثة، وعبد اللَّه بن رواحة، وتلقاه الناس يهنئونه بالروحاء حتى قدم المدينة [ (٣) ] [واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر] [ (٤) ] .
غزوة بنى قينقاع ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى غزاة بنى قينقاع من اليهود، في يوم السبت، النصف من شوال بعد البدر، فحصرهم إلى هلال ذي القعدة وجلالهم. وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث من الهجرة، وجعلها ابن إسحاق بعد غزاة قرارة الكدر، ولم يتجاوز أرض المدينة. [قال ابن الأثير: لما عاد رسول اللَّه ﷺ من بدر، أظهرت يهود له الحسد بما فتح عليه، وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرا] . [فلما بلغه حسدهم جمعهم بسوق بنى قينقاع، فقال لهم: احذروا ما نزل بقريش وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل. فقالوا: يا محمد! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة] . [فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه، فبينما هم على مجاهرتهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ لأجل حلىّ لها، فجاء رجل منهم فحل درعها إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول اللَّه ﷺ وتحصنوا في حصونهم، فغزاهم رسول اللَّه ﷺ، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فكتفوا وهو يريد قتلهم، وكانوا حلفاء الخزرج، فقام إليه عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول، فكلمه فيهم، فلم يجبه، فأدخل يده إلى جيب رسول اللَّه ﷺ، فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: ويحك! أرسلنى، فقال: لا أرسلك حتى تحسن إلى موالىّ،
ه بن أبىّ بن سلول، فكلمه فيهم، فلم يجبه، فأدخل يده إلى جيب رسول اللَّه ﷺ، فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: ويحك! أرسلنى، فقال: لا أرسلك حتى تحسن إلى موالىّ،
أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني واللَّه لأخشى الدوائر، فقال النبي ﷺ: هم لك، خلوهم، لعنهم اللَّه ولعنه معهم] [ (١) ] . [وغنم رسول اللَّه ﷺ والمسلمون ما كان لهم، ولم يكن لهم أرضون، إنما كانوا صاغة، وكان الّذي أخرجهم عبادة بن الصامت الأنصاري، فبلغ بهم ذباب [اسم موضع] ، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا] [ (١) ] . [وكان ﷺ قد استخلف على المدينة أبا لبابة، وكان لواء رسول اللَّه ﷺ مع حمزة، وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان أول خمس أخذه رسول اللَّه ﷺ في قول] [ (١) ] . [ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ، وحضر الأضحى، وخرج إلى المصلّى، فصلى بالمسلمين، وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول اللَّه ﷺ بشاتين، وقيل بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذو اليسار، وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر] [ (١) ] .
اة، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذو اليسار، وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر] [ (١) ] .
غزوة السويق ثم خرج إلى غزوة السويق [ (١) ] ، يوم الأحد الخامس من ذي الحجة، على رأس اثنتين وعشرين شهرا من مهاجره ﷺ، فغاب خمسة أيام في طلب أبى سفيان بن حرب ومن معه [ (٢) ] ، و [استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمرى] [ (٣) ] . [قال ابن هشام: [لما] فل [المنهزمون] من قريش من بدر نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: ثيب، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيىّ بن أخطب فضرب على بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مكشم- وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم- فاستأذن عليه فأذن له. فقراه وسقاه، وبطنه من خبر الناس [أعلمه بسرهم] ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها يقال لها: العريض، فحرقوا أصوار نحل بها [أي نخل مجتمع] . ووجدوا بها رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس] [ (٢) ] .
[فخرج رسول اللَّه ﷺ في طلبهم، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وهو أبو لبابة فيما قال ابن هشام، حتى بلغ قرارة الكدر [أرض ملساء]- ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا أزوادا من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاة، فقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللَّه ﷺ: يا رسول اللَّه أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: نعم] [ (١) ] . [قال ابن هشام: وإنما سميت غزوة السويق، فيما حدثني أبو عبيده، أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق] [ (١) ] . [وفي هذا الحديث أن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية، بقية من دين إبراهيم وإسماعيل، كما بقي فيهم الحج، والزواج، ولذلك سموها جنابة، وقالوا: رجل جنب، وقوم جنب، لمجانبتهم في تلك الحال البيت الحرام، ومواضع قرباتهم، ولذلك عرف معنى هذه الكلمة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ (٢) ] ، وقوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [ (٣) ] .
لكريم، في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ (٢) ] ، وقوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [ (٣) ] .
غزوة قرارة الكدر ثم خرج ﷺ إلى غزاة قرارة الكدر، للنصف من المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من هجرته في قول الواقدي. وعند ابن إسحاق: أنه خرج في شوال سنة اثنتين بعد بدر، في طلب غطفان وسليم، وعاد بعد خمس عشرة ليلة بغنائم [ (١) ] ، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم المعيصى] [ (٢) ] . [قال الواقدي: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى قرارة الكدر إلى بنى سليم وغطفان للنصف من المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا، وغاب خمس عشرة ليلة، وكان الّذي هاجه على ذلك أنه بلغه أن بها جمعا من غطفان وسليم، فسار رسول اللَّه ﷺ إليهم، وأخذ عليهم الطريق حتى جاء فرأى أثار النعم ومواردها، ولم يجد في المجال أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم رسول اللَّه ﷺ في بطن الوادي، فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار، فسألهم عن الناس، فقال يسار: لا علم لي بهم، إنما أورد لخمس وهذا يوم ربعي، والناس قد ارتيعوا إلى المياه] [ (١) ] . [فانصرف رسول اللَّه ﷺ وقد ظفر بنعم، فانحدر إلى المدينة حتى إذا صلى الصبح، فإذا هو بيسار، فرآه يصلى، فأمر القوم أن يقسموا غنائمهم، فقال القوم: يا رسول اللَّه! إن أقوى لنا أن نسوق النعم جميعا، فإن فينا من يضعف عن حظه الّذي يصير إليه] [ (٣) ] .
[فقال رسول اللَّه ﷺ: اقتسموا، فقالوا: يا رسول اللَّه: إن كان أنمّ بك العبد الّذي رأيته يصلى، فنحن نعطيكه في سهمك، فقال رسول اللَّه ﷺ: قد طبتم نفسا؟ قالوا: نعم، فقبله رسول اللَّه ﷺ وأعتقه، وارتحل الناس، فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، واقتسموا غنائمهم، فأصاب كل رجل منهم سبعة أبعرة، وكان القوم مائتين] [ (١) ] . [وعن أبى أروى الدوسيّ قال: كنت في السرية، وكنت ممن يسوق النعم، فلما كنا بصرار- على ثلاثة أميال من المدينة- خمس النعم، وكان النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسة، وقسم أربعة أخماس على المسلمين- فأصابهم بعيران] [ (١) ] .
فلما كنا بصرار- على ثلاثة أميال من المدينة- خمس النعم، وكان النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسة، وقسم أربعة أخماس على المسلمين- فأصابهم بعيران] [ (١) ] .
غزوة ذي أمر [وهي غزوة غطفان] ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى غزاة ذي أمر- وهي غزوة غطفان- وكانت يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا في قول الواقدي [ (١) ] ، وعند ابن إسحاق [ (٢) ] : أنها كانت في المحرم سنة ثلاث من الهجرة، يريد ثعلبة ومحارب، وعاد من غير أن يلقى كيدا، بعد إحدى عشرة ليلة، [واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضى اللَّه تعالى عنه] [ (٣) ] . [سببها أن جمعا من بنى ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور بن الحارث المحاربي، وكان شجاعا] [ (٣) ] . [فندب ﷺ المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمهبطه ﷺ عليهم هربوا في رءوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم يقال له: حبان من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول اللَّه ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال رضى اللَّه تعالى عنه- ليعلمه الشرائع-] [ (٣) ] . [وأصاب النبي ﷺ مطر، فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفّا، واضطجع تحتها، وهم ينظرون إليه، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك
به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه ﷺ فقال: من يمنعك منى؟ فقال ﷺ: اللَّه، فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ فقال: من يمنعك منى؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام. وأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ (١) ] ، ويقال: كان ذلك في ذات الرقاع] [ (٢) ] . [وقال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها شهر ربيع الأول كله إلا قليلا منه] [ (٣) ] .
غزوة بحران ثم خرج ﷺ إلى بحران من ناحية الفرع، في سادس [جمادى] الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا، ثم عاد بعد عشر ليالي، ولم يلق ﷺ كيدا، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] . [وسببها: أنه بلغه ﷺ أن بها جمعا كبيرا من بنى سليم، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا] [ (٢) ] . [قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران من ناحية الفرع بضمتين، يقال: هي أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وهي من ناحية المدينة، وفيها عينان يقال لهما: الربض والنجف، يسقيان عشرين ألف نخلة، كانت لحمزة بن عبد اللَّه بن الزبير، والفرع بفتحتين موضع بين الكوفة والبصرة، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا] [ (٣) ] .
غزوة أحد ثم كانت غزاة أحد، يوم السبت لسبع خلون من شوال، على رأس اثنتين وثلاثين شهرا ظاهر المدينة، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] . [قال الواقدي: وقد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا قال كل واحد منهم: واللَّه إني لأنظر إلى هند وصواحبها منهزمات، وكلما أتى خالد من قبل مسيرة النبي ﷺ ليجوز حتى يأتى من قبل السفح فيرده الرماة، حتى فعلوا ذلك مرارا، ولكن المسلمين أتوا من قبل الرماة. إن رسول اللَّه ﷺ أو عز إليهم فقال: قوموا على مصافكم هكذا فاحموا ظهرنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا] [ (٢) ] . [فلما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون، يضعون السلاح فيهم، حيث شاءوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر] [ (٢) ] . [قال بعض الرماة لبعض: لم تقيمون هنا في غير شيء؟ قد هزم اللَّه العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم، فقال بعض الرماة لبعض: ألم تعلموا أن رسول اللَّه ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟] [ (٢) ] .
موا أن رسول اللَّه ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟] [ (٢) ] .
[فقال الآخرون: لم يرد رسول اللَّه هذا، وقد أذل اللَّه المشركين وهزمهم، فادخلوا العسكر فانتهبوا مع إخوانكم يقول رافع بن خديج: فكنا أتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من الدهشة والعجل. ولقد جرح يومئذ أسيد بن حضير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة وما يدرى، يقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري! وكر أبو زغنة في حومة القتال فضرب أبا بردة ضربتين وما يشعر، إنه يقول: خذها وأنا أبو زغنة! حتى عرفه بعد ذلك، فكان إذا لقيه قال: انظر إلى ما صنعت بى، فيقول له أبو زغنة: أنت ضربت أسيد ابن حضير ولا تشعر، ولكن هذا الجرح في سبيل اللَّه] [ (١) ] . [فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال ﷺ: هو في سبيل اللَّه، يا أبا بردة لك أجره، حتى كأنه ضربك أحد من المشركين، ومن قتل فهو شهيد] [ (١) ] . [وكانت عائشة زوج النبي ﷺ خرجت في نسوة تستروح الخبر- ولم يضرب الحجاب يومئذ- حتى إذا كانت بمنقطع الحرة وهي هابطة من بنى حارثة إلى الوادي، لقيت هند بنت عمرو بن حرام، أخت عبد اللَّه بن عمرو ابن حرام تسوق بعيرا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وابنها خلاد بن عمرو، وأخوها عبد اللَّه بن عمرو بن حرام أبو جابر، فقالت عائشة- رضى اللَّه عنها- عندك الخبر، فما وراءك؟ فقالت: هند: خيرا، أما رسول اللَّه فصالح، وكل مصيبة بعده جلل] [ (١) ] . [واتخذ اللَّه من المؤمنين شهداء، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ (٢) ]] .
ّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ (٢) ]] .
غزوة حمراء الأسد وخرج يوم الأحد، صبيحة أحد إلى حمراء الأسد، في طلب قريش، ثم عاد بعد ثلاث، ولم يلق كيدا، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (١) ] . [قال الواقدي: وكانت يوم الأحد لثمان خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا، ودخل المدينة يوم الجمعة وغاب خمسا] [ (٢) ] . [وقال جابر بن عبد اللَّه: يا رسول اللَّه، إن مناديا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس، وقد كنت حريصا على الحضور، ولكن أبى خلفنى على أخوات لي وقال: يا بنى، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن ولا رجل عندهن، وأخاف عليهنّ وهن نسيات ضعاف، فأذن لي يا رسول اللَّه أن أسير معك، فأذن له رسول اللَّه ﷺ] [ (٢) ] . [قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم] [ (٢) ] . [وخرج رسول اللَّه ﷺ وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شطيت، وشفته قد كلمت من باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه محجوشتان] [ (٢) ] .
[فدخل رسول اللَّه ﷺ المسجد فركع ركعتين، والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، وبعث رسول اللَّه ﷺ ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحقوهم بحمراء الأسد، ولهم زجل، وهم يأتمرون بالرجوع] [ (١) ] . [ومضى رسول اللَّه ﷺ في أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، قال جابر: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة ثلاثين جملا حتى وافت الحمراء، وساق جزرا فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثا] [ (١) ] . [وكان رسول اللَّه ﷺ يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمرنا أن نوقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان مما كبت اللَّه تعالى عدونا] [ (١) ] . [ومر بأبي سفيان نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون محمدا وأصحابه ما أرسلكم به، على أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ، إن أنتم جئتمونى؟ قالوا: نعم، قال: حيثما لقيتم محمدا وأصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم، وأنا في آثارهم، فانطلق أبو سفيان] [ (١) ] . [وقد الركب على النبي ﷺ وأصحابه بالحمراء، فأخبروهم الّذي أمرهم أبو سفيان، فقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، وفي ذلك أنزل اللَّه ﷿: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ (٢) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٣) ]] .
قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٣) ]] .
غزوة بنى النضير ثم خرج ﷺ إلى غزوة بنى النضير من اليهود، في ربيع الأول، على رأس سبعة وعشرين شهرا من الهجرة، في قول الواقدي. وقال الزهري: [هي] غزوة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة [بدر] قبل أحد. وجعلها ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد، فحصرهم ست ليالي، حتى أنزلهم وجلاهم عن المدينة، ثم عاد بعد خمسة عشر يوما [ (١) ] ، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (٢) ] . [قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بنى النضير يستعينهم في دية القتيلين من بنى عامر، فلما أتاهم رسول اللَّه ﷺ قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه] [ (٣) ] . [ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول اللَّه ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه؟] [ (٣) ] . [فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول اللَّه ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم: أبو بكر، وعمر وعلى- رضوان اللَّه تعالى عليهم] [ (٣) ] .
أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول اللَّه ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم: أبو بكر، وعمر وعلى- رضوان اللَّه تعالى عليهم] [ (٣) ] .
[فأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول اللَّه ﷺ حتى انتهوا إليه ﷺ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول اللَّه ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم] [ (١) ] . [قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟] [ (١) ] . [قال أهل التأويل: وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل اللَّه تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها، واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني، ففي هذه الآية: أن النبي ﷺ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة، وقال تعالى: لِينَةٍ، ولم يقل: نخلة على العموم، تنبيها على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو، إذا رجى أن يصير إلى المسلمين] [ (١) ] . [وخلوا الأموال لرسول اللَّه ﷺ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول اللَّه ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول اللَّه ﷺ] [ (١) ] . [ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير، أبو كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها] [ (١) ] .
[قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين: أن رسول اللَّه ﷺ قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به؟ فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون] . [ونزل في بنى النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم اللَّه به من نقمته، وما سلط عليهم به رسول اللَّه ﷺ، وما عمل به فيهم [ (١) ]] .



