— Bagian 62 · افرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح على أفواههم، ويلق… —
Bagian 62
افرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح على أفواههم، ويلقمون ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى اللَّه ﷿، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال هؤلاء من
أمتك يأكلون أموال اليتامى ظلما إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. قال: ثم مضت هنية، فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن [يصحن] إلى اللَّه ﷿، قلت: يا جبريل! من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضت هنية، فإذا أنا بأقوام تقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون، فيقال له: كل ما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمّازون من أمتك اللمازون. ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق اللَّه، قد فضّل عن الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل! من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلّم عليّ. ثم صعدت إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وعيسى، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما عليّ. ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس، قد رفعه اللَّه مكانا عليا، فسلمت عليه وسلّم عليّ. ثم صعدت إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء، ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرّته من طولها، قلت: يا جبريل! من هذا؟ قال: هذا المحب في قومه، هذا هارون بن عمران، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلّم عليّ. ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى بن عمران، رجل آدم، كثير الشعر، لو كان عليه قميصان، لنفذ شعره دون القميص، وإذا هو
يقول: يزعم الناس أنى أكرم على اللَّه من هذا، بل هذا أكرم على اللَّه منى، قال: قلت: يا جبريل! من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران، قال: ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلّم عليّ. ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساندا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل! من هذا؟ قال هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلّم عليّ. وإذا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد، قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معى الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرّمد، وهم على خير، فصليت أنا ومن معى في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معى، قال: والبيت المعمور يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة. قال: ثم رفعت إلى السدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطى هذه الأمة، وإذا فيها عين تجرى يقال لها: سلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة، فاغتسلت فيه، فغفر لي، ما تقدم من ذنبي وما تأخر. ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمرة لذة للشاربين، وأنهار من عسل وصفى، وإذا رمانها كأنه الدّلاء عظما، وإذا بطير كالبخاتي هذه، فقال عندها ﷺ [وعلى جميع أنبيائه] [ (١) ] : إن اللَّه قد أعدّ لعباده الصالحين ما لا عين رأت،
، وإذا رمانها كأنه الدّلاء عظما، وإذا بطير كالبخاتي هذه، فقال عندها ﷺ [وعلى جميع أنبيائه] [ (١) ] : إن اللَّه قد أعدّ لعباده الصالحين ما لا عين رأت،
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: ثم عرضت عليّ النار، فإذا فيها غضب اللَّه وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني. ثم إني دفعت إلى السدرة المنتهى، فتغشى لي، وكان بين وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة، قال: وقال: فرضت عليّ خمسون صلاة، وقال: لك بكل حسنة عشر، [وإذا] هممت بالحسنة فلم تعملها، كتبت لك حسنة، وإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها، لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها، كتبت عليك سيئة واحدة. ثم دفعت إلى موسى فقال: بما أمرك؟ قلت: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر، فرجعت إلى ربى فقلت [يا رب] ، خفف عن أمتى، فإنّها أضعف الأمم فوضع عنى عشرا، وجعلها أربعين، فما زلت اختلف بين موسى وربى، [كلما] أتيت عليه، قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه فقال لي: بما أمرت؟ قلت: أمرت بعشر صلوات، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف عن أمتك فرجعت إلى ربى فقلت: أي ربّ، خفّف عن أمتى، فإنّها أضعف الأمم، فوضع عنى خمسا، وجعلها خمسا، فناداني ملك عندها: تمت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها. ثم رجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: بخمس صلوات، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فسله التخفيف لأمتك، فقلت: رجعت إلى ربى حتى [استحييته] [ (١) ] .
فقال: بما أمرت؟ قلت: بخمس صلوات، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فسله التخفيف لأمتك، فقلت: رجعت إلى ربى حتى [استحييته] [ (١) ] .
ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب، إني رأيت البارحة بيت المقدس، وعرج بى إلى السماء، ورأيت كذا، ورأيت كذا، فقال أبو جهل بن هشام: ألا تعجبون مما يقول محمد، يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا! وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا، ومنقلبة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال: فأخبرهم [بعير] لقريش لما كان في مصعدى، رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء؟ فقال رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل، فإن يكن محمد صادقا فسأخبركم، وإن يكن كاذبا فسأخبركم، فجاءه ذلك المشرك فقال: يا محمد! أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل. قال: فرفع لرسول اللَّه ﷺ بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته، فقال: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال الآخر: صدقت، فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال، أو نحو هذا من هذا الكلام [ (١) ] . وخرّج البيهقي أيضا من حديث عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قال: أتى بفرس فحمل عليه، قال: كل خطوة منتهى أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل ﵇.
فأتى على قوم [ (١) ] يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون في سبيل اللَّه، يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، لا يفتّر عنهم من ذلك شيئا، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة. ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام عن الضريع، والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم اللَّه، وما اللَّه بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضج طيب، ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضج الطيب، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هذا الّذي يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا، فيأتى المرأة الخبيثة، فتبيت معه حتى يصبح. ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمر بها شيء إلا قصعته، يقول اللَّه ﷿: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ [صِراطٍ] تُوعِدُونَ [ (٢) ] . ثم مرّ على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك، عليه أمانة لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما
قال: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك، عليه أمانة لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما
قرضت عادت كما كانت، ولا يفتّر عنهم من ذلك شيء، قال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة. ثم أتى على حجر صغير، يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يدخل من حيث خرج، ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم عليها، فيريد أن يردّها ولا يستطيع. ثم أتى على واد، فوجد فيه ريحا باردة طيبة، ووجد ريح المسك، وسمع صوتا، فقال: يا جبريل! ما هذه الريح الباردة الطيبة؟ وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: يا رب ائتني بأهلى وبما وعدتني، فقد كثر عرفي، وحريرى، وسندسى، وإستبرقى، وعبقري، ولؤلؤى، ومرجانى، وفضتى، وذهبي، وأباريقى، وفواكهى، وعسلى، وخمرى، ولبني، فائتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بى وبرسلي، وعمل صالحا، ولم يشرك بى شيئا، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشينى أمنته، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضنى جزيته، ومن توكل على كفيته، وأنا اللَّه لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد،
شيئا، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشينى أمنته، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضنى جزيته، ومن توكل على كفيته، وأنا اللَّه لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ (١) ] قالت: قد رضيت.
ا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ (١) ] قالت: قد رضيت.
ثم أتى على واد، فسمع صوتا منكرا، قال: يا جبريل! ما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم، يقول: ائتني بأهلى وما وعدتني، فقد كثر سلاسلى، وأغلالى، وسعيرى، وزقومى، وحميمي، وحجارتى، وغسّاقى، وغسلينى، وقد بعد قعرى، واشتد حرى، فائتنى بما وعدتني، فقال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل، فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت قالوا: يا جبريل! من هذا معك؟ قال: محمد رسول اللَّه وخاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حيّاه اللَّه من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: ثم أتى أرواح الأنبياء، فأثنوا على ربهم، قال فقال إبراهيم ﵇: الحمد اللَّه الّذي اتخذ إبراهيم خليلا، وأعطانى ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا [للَّه] [ (١) ] يؤتم بى، وأنقذنى من النار، وجعلها عليّ بردا وسلاما. قال: ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي كلمني تكليما، واصطفاني برسالته وكلماته، وقربني إليه نجيا، وأنزل عليّ التوراة، وجعل هلاك آل فرعون على يدي، ونجى بنى إسرائيل على يدي. قال: ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي خوّلني ملكا، وأنزل عليّ الزبور، وألان لي الحديد، وسخّر لي الطير، والجبال، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي سخر لي الرياح، والجن، والإنس، وسخر لي الشياطين، يعملون ما شئت من محاريب
وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات ... وعلمني منطق الطير، وكل شيء، وأسال لي عين القطر، وأعطانى ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي علمني التوراة والإنجيل [و] جعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحى الموتى بإذنه، ورفعني وطهرني من الذين كفروا، وأعاذنى وأمى من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليها سبيل. ثم إن محمدا أثنى على ربه فقال: كلكم قد أثنى على ربه، وإني مثن على ربى، فقال: الحمد للَّه الّذي أرسلنى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيانا لكل شيء، وجعل أمتى خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتى أمة وسطا، وجعل أمتى هم الأولون، وهم الآخرون، وشرح صدري، ووضع عنى وزري، ورفع لي ذكرى، وجعلني فاتحا وخاتما. فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد ﷺ. قال: ثم أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتى بإناء منها فيه ماء، فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيرا، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن، فشرب منه حتى روى، ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقال: قد رويت لا أريده، فقيل له: قد أصبت، أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل. قال ثم صعد به إلى السماء.. فذكر الحديث بنحو ما رويناه بالأسانيد الثابتة إلى أن قال: ثم صعد بى إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه اللَّه من أخ وخليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. فدخل فإذا برجل أشمط، جالس على كرسي عند باب الجنة، وعنده قوم بيض الوجوه، وقوم سود الوجوه، وفي ألوانهم شيء، فأتوا نهرا، فاغتسلوا
يفة، ونعم المجيء جاء. فدخل فإذا برجل أشمط، جالس على كرسي عند باب الجنة، وعنده قوم بيض الوجوه، وقوم سود الوجوه، وفي ألوانهم شيء، فأتوا نهرا، فاغتسلوا
فيه، فخرجوا منه، وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم إنهم أتوا نهرا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا [وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا النهر الثالث، فخرجوا] وقد خلصت [من] [ (١) ] ألوانهم مثل ألوان أصحابهم، فجلسوا إلى أصحابهم. فقال: يا جبريل! من هؤلاء بيض الوجوه؟ وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا النهر [فخرجوا] [ (١) ] وقد خلصت ألوانهم؟ فقال: هذا أبوك إبراهيم، هو أول رجل شمط على وجه الأرض، وهؤلاء بيض الوجوه، قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا، فتابوا فتاب اللَّه عليهم، فأما النهر الأول، فرحمة اللَّه، وأما النهر الثاني، فنعمة اللَّه، وأما النهر الثالث، فسقاهم ربهم شرابا طهورا ثم انتهى إلى السدرة [المنتهى] [ (١) ] ، فقيل لي: هذه السدرة، إليها منتهى كل أحد من أمتك، يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، قال: وهي شجرة يسير الراكب في أصلها عاما لا يقطعها، وأن الورقة منها مغطية الخلق. قال: فغشيها نور الخالق، وغشيتها الملائكة، فكلمه ربه عند ذلك، قال له: سل، قال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له [الجبال] [ (٢) ] والجن والإنس، وسخرت له الشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ
يما، وسخرت له [الجبال] [ (٢) ] والجن والإنس، وسخرت له الشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ
الأكمه والأبرص، ويحى الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان فلم يكن له عليهما سبيل. فقال له ربه: قد اتخذتك خليلا، قال: وهو مكتوب في التوراة خليل الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معى- يعنى بذلك الأذان- وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك [أمة وسطا] وجعلت أمتك هم الأولون، وهم الآخرون وجعلت من أمتك أقواما قلوبهن أنا جيلهم، وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم مبعثا، وآتيتك سبعا من المثاني، لم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما. قال: وقال النبي ﷺ: فضلني ربى، أرسلنى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وألقى في قلب عدوى الرعب [من] [ (١) ] مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت الأرض كلها لي مسجدا وطهورا، وأعطيت فواتح الكلام، وخواتمه، وجوامعه، وعرضت عليّ أمتى، فلم يخف عليّ التابع والمتبوع. ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشّعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأنما خزمت أعينهم بالمخيط، فلم يخف عليّ ما هم لاقون من بعدي، وأمرت بخمسين صلاة، فرجعت إلى موسى.. فذكر الحديث بمعنى ما روينا في الأسانيد الثابتة، غير أنه قال في آخره: قال: فقيل له: اصبر على خمس، فإنّهم يجزين عنك بخمس، كل خمس بعشر أمثالها، قال: فكان موسى أشدّ عليهم حين مرّ به، وخيرهم حين رجع
إليه [ (١) ] . قال كاتبه [عفى اللَّه عنه] : هكذا ساق البيهقي هذا الحديث كما أردته، وأن الوضع لائح عليه، ولولا أن الأئمة روته لما ذكرته. قال البيهقي: وقد روى في المعراج أحاديث أخر: منها حديث أبى حذيفة، إسحاق بن بشر، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] [ (٢) ] ، وجوير عن الضحّاك، عن ابن عباس. وإسحاق بن بشير متروك، لا [يفرح] [ (٣) ] بما ينفرد به [ (٤) ] . ومنها حديث إسماعيل بن موسى القواريري عن عمر بن سعد المصري، من بنى نصر بن قعين، قال: حدثني عبد العزيز، وليث بن أبى سليم، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب- بعضهم يزيد في الحديث على بعض- عن على بن أبى طالب، وعن عبد اللَّه بن عباس، ومحمد بن إسحاق بن يسار، عن من حدثه عن ابن عباس، وعن سليم- أو سلم- العقيلي، عن عامر الشعبي، عن عبد اللَّه بن مسعود، وجويبر، عن الضحاك ابن مزاحم، قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ في بيت أم هانئ راقدا، وقد صلّى العشاء الآخرة ... فذكر حديثا طويلا، يذكر فيه عدد الدرج [ (٥) ] والملائكة، وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة اللَّه [تعالى] [ (٦) ] ، إن صحت الرواية، [قال: وذلك حديث [راويه] مجهول، وإسناده منقطع] [ (٧) ] .
] والملائكة، وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة اللَّه [تعالى] [ (٦) ] ، إن صحت الرواية، [قال: وذلك حديث [راويه] مجهول، وإسناده منقطع] [ (٧) ] .
وخرج النسائي من حديث سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا يزيد بن أبى مالك، حدثنا أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه] ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت، ومعى جبريل ﵇، فسرت، فقال: انزل فصلّ، ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة، وإليها المهاجر. ثم قال: انزل فصلّ، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء، حيث كلم اللَّه ﷿ موسى ﵇. ثم قال: انزل فصلّ، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇. ثم دخل بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء ﵈ فقدمني جبريل حتى أممتهم. ثم صعد بى إلى السماء الدنيا، فإذا فيها آدم [﵇] ثم صعد بى إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة، عيسى ويحى [﵉] ثم صعد بى إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف [﵇] ثم صعد بى إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون [﵇] ثم صعد بى إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس [﵇] ثم صعد بى إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى [﵇] ثم صعد إلى السماء السابعة، فإذا فيها [إبراهيم] ، عليه وعليهم السلام. ثم صعد بى فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدا، فقيل لي: [إني] يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك.
سماوات، فأتينا سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدا، فقيل لي: [إني] يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك.
فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألنى عن شيء، ثم أتيت على موسى، فقال: كم فرض [اللَّه] [ (١) ] عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك [فاسأله] التخفيف، فرجعت إلى ربى، فخفف عنى عشرا، ثم أتيت موسى، فأمرنى بالرجوع، فرجعت فخفف عنى عشرا، ثم ردّت إلى خمس صلوات، قال: فارجع إلى ربك، [فاسأله] التخفيف، فإنه فرض على بنى إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربى [﷿] [ (١) ] فسألته التخفيف. فقال: إني يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، فعرفت أنها من اللَّه [﵎] [ (١) ] صرّى، فرجعت إلى موسى [﵇] [ (١) ] فقال: ارجع، فعرفت أنها من اللَّه صرّى [ (٢) ] : [أي حتم] ، فلم أرجع [ (٣) ] . وخرج أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في أول تاريخه [ (٤) ] ، من حديث أبى نعيم عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما، عن النبي ﷺ، [فذكر] حديثا طويلا فيه: أن اللَّه تعالى خلق مدينتين، [إحداهما] بالمشرق، والأخرى بالمغرب، أهل المدينتين جميعا من ولد آدم، فالمدينة التي بالمشرق، من بقايا عاد، من نسل مؤمنيهم، وأهل التي بالمغرب، من بقايا ثمود، من نسل الذين آمنوا بصالح.
[و] اسم التي بالمشرق بالسريانية: قرقيسيا، وبالعربية جابلق [ (١) ] ، واسم التي بالمغرب بالسريانية: برجيسيا، وبالعربية: جابرس [ (٢) ] ، ولكل مدينة
ح.
[و] اسم التي بالمشرق بالسريانية: قرقيسيا، وبالعربية جابلق [ (١) ] ، واسم التي بالمغرب بالسريانية: برجيسيا، وبالعربية: جابرس [ (٢) ] ، ولكل مدينة
منها عشرة آلاف باب، ما بين كل باب [منهما] فرسخ، يئوب كل يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراس، عليهم السلاح، ثم لا تنوبهم الحراسة عد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فو الّذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم، وضجيج أصواتهم يسمع الناس من جميع أهل الدنيا، هذه وقعة الشمس حين تطلع، وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج. وإن جبريل انطلق بى إليهم ليلة أسرى بى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعوت يأجوج ومأجوج إلى [عبادة] اللَّه، فأبوا أن يجيبوني، ثم انطلق بى إلى أهل المدينتين، فدعوتهم إلى دين اللَّه وعبادته، فأجابوا وأنابوا، فهم في الدين من أحسن منهم، فهو مع محسنكم، ومن أساء منهم، فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بى إلى الأمم الثلاثة، فدعوتهم إلى دين اللَّه وإلى عبادته، فأنكروا ما دعوتهم إليه، وكفروا باللَّه، وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج، وسائر من عصى اللَّه في النار. . وذكر الحديث بطوله [ (١) ] . وعمر بن الصبح بن عمران أبو نعيم التيمي- ويقال: العدوي الخراساني السمرقندي- يروى عن أبان بن أبى عياش، وقتادة، [والأوزاعي] وطائفة، وعنه مخلد بن يزيد الحراني، وعيسى غنجار، ومحمد بن حميد الحمصي، وآخرون، وهو [متهم] . قال البخاري: حدثنا على بن جرير قال: سمعت عمر بن الصبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي ﷺ، وقال إسحاق بن راهويه: أخرجت خراسان
ثلاثة، لم يكن [لهم في الدنيا] نظير- يعنى في البدعة والكذب- جهم ابن صفوان، وعمر بن صبح، ومقاتل بن سليمان. وقال [ابن] عدي: منكر الحديث، وعامة ما يرويه غير محفوظ، لا متنا، ولا إسنادا. وقال الدارقطنيّ: متروك، له في ابن ماجة حديث في الجهاد [ (١) ] . وخرّج أبو نعيم من حديث الواقدي، قال مالك بن أبى الرجال، عن عمر ابن عبد اللَّه، عن محمد بن كعب، أن أبا سفيان قال [لقيصر] في آخر القصة أيها الملك، ألا أخبرك عنه خبرا، تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قلت: إنه يزعم أنه خرج من أرضنا- أرض الحرم- في ليلة، فجاء مسجدكم هذا- مسجد إيليا- ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر، فقال بطريق إيليا، عند رأس قيصر، فقال: بطريق إيليا، قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر، فقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كنت تلك الليلة، أغلقت الأبواب كلها، غير باب واحد، فاستعييت عليه عمالى، ومن يحضرني كلهم علاجه، فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجاجرة، فنظروا إليه، فقالوا: هذا باب سقط عليه النحاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت الناس مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما، فإذا الحجر الّذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، قال: قلت لأصحابى: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلّى الليلة في مسجدنا [نبي] .
لحجر الّذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، قال: قلت لأصحابى: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلّى الليلة في مسجدنا [نبي] .
قال أبو نعيم: حدّث أبو عبد اللَّه الجرشى، [حدثنا] يونس من أرقم الكندي، [قال] أخبرنا سعيد بن دينار، عن أبى الجارود زياد بن المنذر، عن أبى العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنا نتحدث أن [بدء] هذا الأذان إنما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، [قال:] ففزع لذلك فزعا شديدا وقال: عمدتم إلى أجسم دينكم، فزعمتم أنه كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه. قال: قلت: هذا الحديث قد استفاض في الناس، قال: هذا واللَّه هو الباطل، قال: إن رسول اللَّه ﷺ لما عرج به إلى السماء، فانتهى إلى مكان من السماء، وقف به، وبعث اللَّه ملكا، فقام من السماء مقاما، ما قامه قبل ذلك، قيل له: علمه الأذان، فقال الملك: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقال اللَّه: صدق عبدي، أنا اللَّه الأكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال اللَّه: صدق عبدي، أنا أرسلته، وأنا اخترته، وأنا ائتمنته، فقال الملك: حي على الصلاة، فقال اللَّه: صدق عبدي، ودعا إلى فريضتي وحقي، فمن أتاها محتسبا لها، كانت كفارة لكل ذنب. فقال الملك: حي على الفلاح، قال اللَّه: صدق عبدي، هي الفلاح، وهي النجاح، فقال الملك: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال اللَّه: صدق عبدي، أنا أقمت فريضتها، وعدتها، ومواقيتها. ثم قيل لرسول اللَّه ﷺ: تقدم، فتقدم، فأم أهل السماء، فتم له شرفه على سائر الخلق. وخرّج الإمام أحمد من حديث حماد، عن على بن زيد، عن أبى الصلت، عن أبى هريرة [رضى اللَّه عنه] قال: قال رسول اللَّه ﷺ: رأيت ليلة أسرى بى، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق-[قال عفان: فوقى]-[ (١) ] ، فإذا أنا برعد، وبرق، وصواعق، [قال] [ (١) ] فأتيت على قوم
ﷺ: رأيت ليلة أسرى بى، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق-[قال عفان: فوقى]-[ (١) ] ، فإذا أنا برعد، وبرق، وصواعق، [قال] [ (١) ] فأتيت على قوم
بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الرّبا، فلما [نزلت] إلى السماء الدنيا، نظرت أسفل منى، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين [يوحون] على أعين بنى آدم، أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب] [ (١) ] . وروى ابن ماجة منه، قصته آكل الربا] [ (٢) ] . وذكر أبو القاسم، الحسن بن محمد بن حبيب المفسر، في كتاب (التنزيل) في الآيات السّفرية، قال: وأنزل بيت المقدس، وقوله تعالى في الزخرف: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ (٣) ] نزلت عليه ﷺ ليلة أسرى به، وقد عدّها غير ابن حبيب في الشامي، والأول أحسن مما ذكره.
فصل جامع في معراج النبي ﷺ قال اللَّه ﷻ: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى * ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [ (١) ] . قوله: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، قسم، هوى، سقط، ما ضَلَّ، ما حاد عن الصواب، صاحِبُكُمْ، هو محمد ﷺ، وَما غَوى ما تعلم بالباطل، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، أي وما يتقول من هواه وشهوته، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أي ما القرآن إلا وحي من اللَّه يوحى إليه.
َوى ما تعلم بالباطل، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، أي وما يتقول من هواه وشهوته، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أي ما القرآن إلا وحي من اللَّه يوحى إليه. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، أي جبريل، ذو شدة وقوة، ذُو مِرَّةٍ، أي ذو إحكام للشيء، فَاسْتَوى، يعنى جبريل، وهو يعنى محمدا ﷺ، أي أيهما استويا بالأفق الأعلى ليلة الإسراء، وقيل: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى، على صورته التي خلقه اللَّه عليها، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، أي تدلى [فدنا] ، لأن التدلي سبب الدنوّ، وقيل: تدلى [للدنو] ، ودنا [للتدلى] ، وقيل: دنا، أي قرب، فتدلى، زاد في القرب. والمشار إليه، قيل: هو اللَّه، كما في الصحيح، من حديث أنس [رضى
اللَّه تعالى عنه] قال: دنا الجبار ربّ العزة، فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. وهو اختيار مقاتل، ورواه أبو سلمة، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] . وقيل: المشار إليه، هو محمد ﷺ، دنا من ربه تعالى، قاله ابن عباس [والقرطبي] وقيل: ثم دنا محمد من ساق العرش، فتدلى، أي جاوز الحجاب والسرادقات، وهو قائم بإذن اللَّه، كالمتعلق بالشيء، لا تثبت قدمه على مكان، وهذا قول الحسين [بن] الفضل، وقيل: تدلى، [أي] هوى للسجود. وقيل: المشار إليه، هو جبريل ﵇، أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، حين كان رسول اللَّه ﷺ بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ رسول اللَّه ﷺ مغشيا عليه، فنزل جبريل وتدلى [إليه] ، حتى قرب لإلقاء الوحي، فكان قربه منه قاب قوسين، أي لم يماسه، وهذا قول الحسن وقتادة. وقيل: دنا جبريل ليلة الإسراء من [النبي] ﷺ، وتدلى أي دنا، فإنّ دنا وتدلى بمعنى واحد، وقيل: دنا جبريل من ربه تعالى، [فكان] منه قاب قوسين أو أدنى. قاله مجاهد، والقاب، قيل: هو القدر، وقيل: ما بين مقبض القوس والسّية، ولكل قوس قابان، وسية القوس: ما انعطف من طرفها، يعنى قدر طول قوسين. قاله قتادة. وقيل: بحيث الوتر من القوس. قاله مجاهد، وقيل: هو من مقبض القوس إلى طرفيها. قاله عبد الوارث، وقيل: ما بين الوتر إلى كبد القوس. قاله عكرمة، وقيل: كان بينهما، أي بين محمد وجبريل ﵉، قدر ذراعين. قاله عبد اللَّه بن مسعود، وسعيد بن جبير، والسّدى أَوْ أَدْنى أي أقرب.
إلى كبد القوس. قاله عكرمة، وقيل: كان بينهما، أي بين محمد وجبريل ﵉، قدر ذراعين. قاله عبد اللَّه بن مسعود، وسعيد بن جبير، والسّدى أَوْ أَدْنى أي أقرب.
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى أي أوحى اللَّه إلى محمد ﷺ كفاحا ليلة المعراج، وقيل: أوحى جبريل إلى محمد ما أوحى اللَّه إليه. رواه عطاء عن ابن عباس، وقيل: أوحى اللَّه إلى جبريل ما يوحيه. روى ذلك عن عائشة، والحسن، وقتادة. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى يعنى ما أنكر فؤاده ما رأته عيناه، وقيل: ما أوهمه فؤاده أنه رأى ولم ير، بل صدقه الفؤاد، وهذا إخبار عن رؤية النبي ﷺ ربه تعالى. قاله ابن عباس، وأنس، والحسن، وعكرمة. قال ابن عباس: رآه تعالى بفؤاده، ولم يره بعينه، وعن أنس، وعكرمة، والحسن، أنه رآه بعينه، وقال السّدى: رآه في المنام، وعن أبى العالية، أنه رأى جلال اللَّه وعظمته، وعن أبى ذرّ، وأبى سعيد الخدريّ، ومجاهد، أنه رأى نورا، وعن ابن مسعود، وعائشة رضى اللَّه عنها، أنه رأى جبريل على صورته التي خلق عليها. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى؟ أي أفتجحدونه؟ قاله أبو عبيدة، وعن المبرّد، أفتدفعونه عما يرى؟ وقيل: أفتجادلونه وتدافعونه؟ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، يعنى رأى محمد ربّه ﷿، في قول ابن عباس وكعب، وقيل: رأى جبريل مرة أخرى، فسماها نزلة على الاستعارة، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ رأى جبريل على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة بالأفق، ومرة عند سدرة المنتهى في السماء. وهذا قول عائشة وغيرها، اختاره الثعلبي. وقال الواحدي: معنى [قوله:] نَزْلَةً أُخْرى: يعود إلى النبي ﷺ، فقد كانت له عرجات في تلك الليلة، لاستحطاط عدد الصلوات، فكل عرجة نزلة عند سدرة المنتهى، ففي حديث مالك بن صعصعة- المتقدم
َةً أُخْرى: يعود إلى النبي ﷺ، فقد كانت له عرجات في تلك الليلة، لاستحطاط عدد الصلوات، فكل عرجة نزلة عند سدرة المنتهى، ففي حديث مالك بن صعصعة- المتقدم
ذكره- أنها فوق السماء السابعة، وقال مقاتل: هي عن يمين العرش، وتقدم في حديث مسلم، أنها في السماء السادسة، وبه قال الضحاك. وعن هلال بن يساف: سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش، على رءوس حملة العرش، إليها ينتهى علم الخلائق، وعن مقاتل: هي طوبى التي ذكرها اللَّه في سورة الرعد [وهي قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ] . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، أي عند سدرة المنتهى، [قال مجاهد: سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، قال: أقصى الدنيا، وأدنى الآخرة، وعندها يجتمع الليل والنهار، وقال زهير بن محمد: المنتهى، قد انتهى علم الخلائق دونها] [ (١) ] . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى، ففي حديث مسلم قال: غشيها فراش من ذهب، وفي حديث مالك بن صعصعة قال: لما غشيها من أمر اللَّه ما غشيها، تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن يصفها من حسنها، وعن الحسن ومقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان، حيث يقعن على الشجر، وعن الضحاك: غشيها نور العزة ﷻ. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، أي بصر محمد ﷺ، ما عدل يمينا ولا شمالا، ولا زاد ولا جاوز ما أمر بالنظر إليه، وعن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما] : ما مال بصره عن رؤية الآيات خوفا وجزعا، بل قوى على النظر في الآيات. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى، أي رأى من آيات ربه الآية الكبرى، يعنى أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سدّ الأفق. قاله ابن مسعود، وقيل
أنه رأى جبريل ﵇، في صورته التي يكون عليها في السموات. قاله ابن زيد، وابن عباس، في رواية أبى صالح ومقاتل بن حيان. وقيل: رأى سدرة المنتهى. قاله الضحاك، وقيل: رأى ما غشي السدرة من فراش الذهب. قاله عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه، وقيل: رأى [المعراج] وما مرّ به في مسراه وعوده. قاله محمد بن جرير الطبري، وقيل: ما رآه حين نامت عيناه ونظر فؤاده. وهذا قول حكى عن الضحاك، وقيل من التبعيض، أي رأى بعض الآيات، وقيل: هي زائدة، أي رأى آيات ربه الكبرى، وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي رأى الكبرى من آيات ربه ﷿. [و] خرّج مسلم من حديث سليمان بن فيروز الشيباني، قال: سألت زرّ بن حبيش عن قول اللَّه ﵎: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، قال: أخبرنى ابن مسعود أن النبي رأى جبريل ﵇، له ستمائة جناح [ (١) ] . وخرجه البخاري، ولفظه، قال: سألت زرا عن قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال: أخبرنا عبد اللَّه، أنه محمد رأى جبريل له ست مائة جناح. ذكره في كتاب التفسير [ (٢) ] ، وفي كتاب بدء الخلق [ (٣) ] ، وخرجه النسائي أيضا. ولمسلم عن الشيباني عن زر، عن عبد اللَّه ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى،
قال: رأى جبريل ﵇، له ست مائة جناح [ (١) ] . وفي حديث آخر له، عن سليمان الشيباني، سمع زر بن حبيش، عن عبد اللَّه قال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى، قال رأى جبريل في صورته، له ست مائة جناح [ (٢) ] . وذكره النسائي. وللبخاريّ من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال: رأى رفرفا أخضر قد سدّ الأفق [ (٣) ] . ذكره في التفسير. وفي كتاب بدء الخلق، ولفظه: رأى رفرفا خضرا سدّ أفق السماء [ (٤) ] . ولمسلم من حديث عطاء، عن أبى هريرة، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال: رأى جبريل [﵇] [ (٥) ] . وله أيضا عن عطاء، عن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما] قال: رآه بقلبه [ (٦) ] . ولمسلم والنسائي من حديث الأعمش، عن زياد بن الحصين أبى جهمة، عن أبى العالية، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] ، ما كَذَبَ
هما] قال: رآه بقلبه [ (٦) ] . ولمسلم والنسائي من حديث الأعمش، عن زياد بن الحصين أبى جهمة، عن أبى العالية، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] ، ما كَذَبَ
الْفُؤادُ ما رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، قال رآه بفؤاده مرتين [ (١) ] . وللبخاريّ من حديث ابن عون، قال: أنبأنا القاسم عن عائشة رضى عنها قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم [الفرية] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق [ (٢) ] . ذكره في بدء الخلق. وللبخاريّ [ (٣) ] ومسلم [ (٤) ] من حديث زكريا، عن أبى الأشوع، عن عامر، عن مسروق قال: قلت لعائشة رضى اللَّه عنها: فأين قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى؟ [ (٥) ] قالت: ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل وإنما أتاه هذه المرة، في صورته التي هي صورته، فسدّ الأفق. ذكره البخاري في كتاب بدء الخلق. ولمسلم [ (٦) ] [والترمذي] [ (٧) ] ، من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن داود بن أبى هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة رضى اللَّه عنها، فقالت: [يا أبا] عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على اللَّه الفرية، فقلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمد
كنت متكئا عند عائشة رضى اللَّه عنها، فقالت: [يا أبا] عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على اللَّه الفرية، فقلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمد
رأى ربه، فقد أعظم على اللَّه الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست، فقلت: [يا أم] المؤمنين! أنظريني، ولا تعجلينى، ألم يقل اللَّه ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ؟ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى؟ فقالت: إنا أول هذه الأمة، سأل عن ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها، غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أو لم تسمع أن اللَّه ﷿ يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ (١) ] ؟ أو لم تسمع أن اللَّه ﷿ يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [ (٢) ] ؟. قالت: ومن زعم أن رسول اللَّه ﷺ كتم شيئا من كتاب اللَّه، فقد أعظم على اللَّه الفرية، واللَّه ﷿ يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ (٣) ] . قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على اللَّه الفرية، واللَّه ﷿ يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ (٤) ] . اللفظ لمسلم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ذكره في تفسير سورة الأنعام، وذكره النسائي في تفسير [سورة] النجم. وذكر مسلم [ (٥) ] بعقبه، حديث محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود بهذا الإسناد نحو حديث ابن علية، وزاد، قالت: ولو
كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ (١) ] . وخرّجه النسائي بهذا الإسناد الأخير في كتاب التفسير كما قال مسلم، وخرّج أيضا من حديث ابن عليه، عن الشعبي، عن مسروق، قال: سألت عائشة رضى اللَّه عنها، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان اللَّه! لقد قفّ شعرى لما قلت.. وساق الحديث بقصته، وحديث داود أتم وأطول [ (٢) ] . وخرّجه البخاري من حديث وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد، عن عامرة عن مسروق، قال: قلت لعائشة رضى اللَّه عنها: [يا أمتاه] ! هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعرى مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثك بهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ. ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، ولكن رأى جبريل في صورته مرتين. ذكره في تفسير سورة النجم [ (٣) ] . وفي كتاب
م قرأت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، ولكن رأى جبريل في صورته مرتين. ذكره في تفسير سورة النجم [ (٣) ] . وفي كتاب
التوحيد [ (١) ] ، في باب قول اللَّه ﷿: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وفي تفسير سورة المائدة [ (٢) ] ، وفي أول كتاب التوحيد [ (٣) ] ، في باب قول اللَّه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، لكن باختصار. وخرج مسلم من حديث وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبى ذر رضى اللَّه عنه، [قال] : سألت رسول اللَّه ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال نور أنى أراه [ (٤) ] . ومن حديث همام عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق قال: قلت لأبى ذر: لو رأيت رسول اللَّه ﷺ لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: رأيت نورا [ (٥) ] . وخرجه الإمام أحمد بهذا السند، ولفظه، قلت لأبى ذر، لو رأيت رسول اللَّه ﷺ لسألته، قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأى ربه؟ قال: فإنّي قد سألته، فقال: رأيته نورا أنى آراه . وقال: قال عفان: وبلغني عن ابن هشام- يعنى معاذ- أنه رواه عن أبيه كما قال همام: قد رأيته [ (٦) ] .
ه؟ قال: فإنّي قد سألته، فقال: رأيته نورا أنى آراه . وقال: قال عفان: وبلغني عن ابن هشام- يعنى معاذ- أنه رواه عن أبيه كما قال همام: قد رأيته [ (٦) ] .
وله أيضا من حديث الأعمش، عن عمرو [بن] مرة، عن أبى عبيدة، عن أبى موسى قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال: إن اللَّه ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور [ (١) ] . وفي رواية أبى بكر بن أبى شيبة، عن أبى معاوية، عن الأعمش: النار لو كشفته لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه [ (٢) ] . ومن حديث جرير عن الأعمش بهذا الإسناد، قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ بأربع كلمات، ثم ذكر بمثل حديث أبى معاوية، ولم يذكر: من خلقه، وقال: حجابه النور [ (٣) ] . وخرّج البخاري من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] ، وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ (٤) ] ، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسرى به، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [ (٤) ] ، قال: شجرة الزقوم [ (٥) ] .
َّاسِ [ (٤) ] ، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسرى به، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [ (٤) ] ، قال: شجرة الزقوم [ (٥) ] .
وخرّج الترمذي من حديث يحيى بن كثير العنبري، قال: حدثنا مسلم ابن جعفر، عن الحكم، عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس اللَّه يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] ؟ قال: ويحك! ذاك إذا تجلى بنوره، الّذي هو نوره [وقال: أريه مرتين] [ (١) ] . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب [ (٢) ] . وقال يونس بن بكير: حدثنا عبد اللَّه بن لهيعة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن عروة عن عائشة، رضى اللَّه عنهما، أن نبي اللَّه ﷺ، كان أول شأنه يرى في المنام، فكان أول ما رأى، جبريل بأجياد، أنه خرج لبعض حاجته، فصرخ به: يا محمد! يا محمد! فنظر يمينا وشمالا، فلم ير شيئا، ثم نظر فلم ير شيئا، فرفع بصره، فإذا هو يراه ثانيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى، على أفق السماء، فقال: يا محمد! جبريل، يسكنه، فهرب محمد ﷺ حتى دخل في الناس، فنظر، فلم ير شيئا، ثم خرج من الناس، فنظر فرآه، فذلك قول اللَّه ﷿: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * [وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى] .
وقد اختلف سلف الأمة وخلفها، في رؤية رسول اللَّه ﷺ ربه تعالى ليلة الإسراء، بعد اتفاق جمهور أهل العلم، على أنه ﷾، يضح أن يرى، وقالت المعتزلة والفلاسفة: لا يصح أن يرى، وقالت الأشاعرة: يصح أن يرى، واحتج من أثبت الرؤية بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، وبقوله سبحانه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، وبقوله تعالى عن موسى ﵇: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي. ثم اختلف القائلون بجواز الرؤية، فذهب الأكثرون إلى جوازها في الدنيا، ومنهم من خصّها بالآخرة، وهو مذهب عائشة رضى اللَّه عنها، ونقل عثمان بن سعيد الدارميّ، إجماع الصحابة رضى اللَّه عنهم على قول عائشة في عدم وقوع رؤية النبي ﷺ، ربه تعالى ليلة الإسراء. [وقد] اختلف القائلون بجواز الرؤية، فقالت [الكرامية] والمشبهة- خزاهم اللَّه-: رؤيته كرؤية غيره، بارتسام، واتصال، ومواجهة. وقالت الأشاعرة: معناها أن تحصل لنا حالة في الانكشاف والظهور، نسبتها إلى ذاته المخصوصة، كنسبة الحالة المسماة بالإبصار، والرؤية إلى هذه المرئيات. فإذا تقرر ذلك فنقول: قد اختار إمام الأئمة محمد بن خزيمة، أن رسول اللَّه ﷺ رآه سبحانه ببصره، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين، وقد قال عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنه: أنه رآه بفؤاده، كما مرّ في رواية مسلم، وأنكرت عائشة رضى اللَّه عنها رؤية البصر، وإلى هذا مال جماعات من الأئمة قديما وحديثا، اعتمادا على حديث أبى ذرّ وأتباعا لقول عائشة رضى اللَّه عنها، وقالوا: وهذا مشهور عنها، ولم يعرف لها مخالف من الصحابة، إلّا ما روى عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] ، أنه رآه بفؤاده، ونحن نقول به. وما روى من ذلك من إثبات الرؤية بالبصر، فلا يصح شيء
لها مخالف من الصحابة، إلّا ما روى عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] ، أنه رآه بفؤاده، ونحن نقول به. وما روى من ذلك من إثبات الرؤية بالبصر، فلا يصح شيء
من ذلك، لا مرفوعا، ولا موقوفا. وقال القاضي عياض: اختلف السلف والخلف، هل رأى نبيّنا ﷺ ربه ليلة [الإسراء] ؟ فأنكرته عائشة [رضى اللَّه عنها] ، وجاء مثله عن أبى هريرة وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين. وروى عن ابن عباس أنه رآه بعينه، ومثله عن أبى ذر، وكعب، والحسن، وكان الحسن يحلف على ذلك، وحكى [مثله] عن ابن مسعود، وأبى هريرة، وأحمد بن حنبل، وحكى أصحاب المقالات عن أبى الحسن الأشعري، وجماعة من أصحابه، أنه رآه، ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز. ورؤية اللَّه تعالى في الدنيا جائزة، وسؤال موسى ﵇ إياها، دليل على جوازها، إذ لا يجهل نبيّ ما يجوز أو يمتنع على ربه تعالى، وقد اختلفوا في رؤية موسى ﵇ ربه تعالى، وفي مقتضى الآية، ورؤية الجبل، جواب القاضي أبى بكر، ما يقتضي أنهما رأياه. قال: وكذلك اختلفوا في قوله: ثُمَّ [دَنا] فَتَدَلَّى، والأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي، مقسم بين جبريل والنبي ﷺ، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من السدرة المنتهى. وذكر ابن عباس، والحسن، ومحمد بن كعب، وجعفر بن محمد، وغيرهم، أنه دنوّ من النبي ﷺ إلى ربه تعالى، أو من اللَّه تعالى، وعلى هذا القول، يكون الدنوّ والتدلي منا ليس على وجهه، بل كما قال جعفر بن محمد الصادق: الدنوّ من اللَّه تعالى، لا حدّ له، ومن العباد بالحدود، فيكون معنى دون النبي ﷺ من ربه ﷾، وقربه منه، ظهور
يس على وجهه، بل كما قال جعفر بن محمد الصادق: الدنوّ من اللَّه تعالى، لا حدّ له، ومن العباد بالحدود، فيكون معنى دون النبي ﷺ من ربه ﷾، وقربه منه، ظهور
عظيم منزلته [لديه] ، وإشراق أنوار معرفته عليه، [وإطلاقه] من غيبه، وأسرار ملكوته، على ما لم يطلع سواه عليه. والدنوّ من اللَّه تعالى، لهو إظهار ذلك له، وعظيم يده، وفضله العظيم لديه، ويكون قوله تعالى: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، على هذا عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة، من نبينا [ﷺ] ، ومن اللَّه تعالى، إجابة الرغبة، وإبانة المنزلة، ونتناول في ذلك ما يتناول في قوله ﷺ عن ربه تعالى: من تقرب منى شبرا، تقربت منه ذراعا. .. الحديث. قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا، يحيى النووي، ﵀: وأما صاحب التحرير، فإنه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة، وإن كانت كثيرة، لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس رضى اللَّه عنه: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ. وعن عكرمة، سئل ابن عباس: هل رأى محمد ﷺ [ربه] ؟ قال: نعم. وقد روى بإسناد لا بأس به، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس رضى اللَّه عنه، قال: رأى محمد ﷺ ربه. وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد ﷺ ربه. والأصل في الباب، حديث ابن عباس حبر الأمة، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر رضى اللَّه [عنهما] في هذه المسألة [وقد سأله:] هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضى اللَّه عنها، لأن عائشة [رضى اللَّه عنها] ، لم تخبر أنّها سمعت النبي ﷺ يقول: لم أر ربى، وإنما ذكرت ما ذكرت، متأولة لقول اللَّه تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره، لم يكن قوله حجة، وإذا صحّت
الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية، وجب المصير إلى إثباتها، فإنّها ليست مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما تلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس، أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد. وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: عائشة ليست عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. قال النووي: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء، أن رسول اللَّه ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، إثبات هذا لا يأخذونه بالسماع من رسول اللَّه ﷺ، هذا مما لا ينبغي أن يتشكّك فيه، ثم إن عائشة رضى اللَّه عنها، لم تنف الرؤية بحديث عن رسول اللَّه ﷺ، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات، وسنوضح الجواب عنها. فأما احتجاج عائشة [رضى اللَّه عنها] بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، فجوابه ظاهر، فإن الإدراك هو الإحاطة، واللَّه تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النصّ بنفي الإحاطة، لا يلزم منه نفى الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى، لا حاجة إليها مع ما ذكرناه، فإنه في نهاية من الحسن مع اختصاره. وأما احتجاجها بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حالة الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
ِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حالة الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثاني: أنه عام، مخصوص بما تقدم من الأدلة. الثالث: ما قاله بعض العلماء: أن المراد بالوحي، الكلام من غير واسطة، وهذا الّذي قاله هذا القائل، وإن كان محتملا، ولكن الجمهور على أن المراد بالوحي هنا، الإلهام والرؤية في المنام، وكلاهما سمّى وحيا. وأما قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، فقال الواحدىّ وغيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه ﷾ من حيث لا يرونه، وليس المراد أن هناك حجاب يفصل موضعا عن موضع، ويدل على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم، واللَّه أعلم. انتهى. قال كاتبه-[عفى اللَّه عنه]-: قد تحصّل مما تقدم أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رآه ببصره وعيني رأسه، وهو قول أنس بن مالك، وعكرمة، والربيع، وحكاه بعضهم عن عبد اللَّه بن مسعود، وهو المشهور عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عباس، وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم. وحكى النقاش عن الإمام أبى عبد اللَّه أحمد ابن محمد بن حنبل، أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه- رآه حتى انقطع نفسه، يعنى نفس أحمد بن حنبل- وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، وجماعة من المتكلمين، أنه رأى اللَّه سبحانه ببصره، وعيني رأسه. الثاني: أنه رآه بفؤاده وقلبه لا بعينه، وقد روى ذلك عن عبد اللَّه بن عباس، وأبى ذر، وإبراهيم التيمي، وأبى العالية، والربيع بن أنس، وحكى عن عكرمة، وقاله أحمد بن حنبل، قال: رآه بقلبه، وجبن عن القول
ذلك عن عبد اللَّه بن عباس، وأبى ذر، وإبراهيم التيمي، وأبى العالية، والربيع بن أنس، وحكى عن عكرمة، وقاله أحمد بن حنبل، قال: رآه بقلبه، وجبن عن القول
برؤيته تعالى في الدنيا بالأبصار، وعن الإمام مالك بن أنس قال: لم ير في الدنيا لأنه باق، ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة، رزقوا أبصارا باقية، رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي عياض: وهذا الكلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة، إلا من حيث ضعف القوة، فإذا قوّى اللَّه تعالى من يشاء من عباده، وأقدره على القيام بأعباء الرؤية، لم يمتنع في حقه. وقال القاسم أبو عاصم، محمد بن أحمد العبادىّ، في قول ابن عباس وغيره، رآه بقلبه: وعلى هذا رأى ربه رؤية صحيحة، وهي أن اللَّه تعالى جعل بصره في فؤاده، وخلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربه رؤية صحيحة، كما ترى العين. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: ومعنى الآية- يعنى قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى - أن الفؤاد رأى شيئا فصدق فيه ما رأى، أي ما كذب الفؤاد مرئيه، وقرأ أبو عامر: ما كَذَبَ بالتشديد، قال المبرد: معناه أنه رأى شيئا فقبله. قال الواحدي: وهذا الّذي قاله المبرد على أن الرؤية للفؤاد، فإن جعلها للبصر فظاهر، أي ما كذّب الفؤاد ما رأى البصر، واللَّه أعلم. الثالث: أنه إنما رأى ليلة الإسراء جبريل، ولم ير رب العزة تعالى، وهو مذهب عائشة، وعبد اللَّه بن مسعود، ويروى عن أبى هريرة، وأبى ذر، رضى اللَّه عنهم. فظهر مما تقدم، أنه ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة الإسراء على صورته، وكان قد رآه قبل ذلك في ابتداء الوحي، منهبطا من السماء إلى الأرض، على الصورة التي خلق عليها، وهو المعنيّ بقوله: عَلَّمَهُ شَدِيدُ
الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ [دَنا] فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فالصحيح من قول المفسرين: أن المتدلى في هذه الآية، هو جبريل، كما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة، أنها سألت رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فقال: [ذلك] جبريل، فقد قطع هذا الحديث النزاع و [أزاح] الإشكال، [واللَّه الحمد] .
فصل في كلام رسول اللَّه ﷺ للَّه ﷿ ليلة الإسراء اعلم أن الإله ﷾ متكلم، دلّ على ذلك الكتاب و [السنة] ، وإجماع الأمة، فالمنكر كافر، وكلامه معلوم لكل عاقل ذي قلب سليم، والكيف مجهول، لا يعلمه إلا من سمعه منه، وغيرهم لا برهان لهم به، إن يتبعون إلا الظن. وقالت الأشاعرة [ (١) ] : كلامه معنى واحد، قائم بذاته، مغاير لعلمه وإرادته، وهو طلب فعل، أو طلب ترك، أو الحكم بنفي، أو إثبات. وقالت المعتزلة [ (١) ] : إذا أراد اللَّه شيئا، أو كرهه، أو حكم به، خلق الأصوات المخصوصة، في جسم من الأجسام، التي لا يصح أن تتصف بالكلام، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدا لذاك الشيء، أو كارها له، أو حاكما به، بنفي أو إثبات، وكلامه على هذا، هو خلقه لتلك الأصوات، إلا أن الخلق عندهم نفس المخلوق، فيكون كلامه إذن: هو تلك الأصوات، فلهذا قالوا بأن كلام [اللَّه تعالى] مخلوق، لأن تلك الأصوات مخلوقة، ونفوا أن يقوم بذاته طلب أو حكم. وقالت الكرامية [ (١) ] ومن تبعهم: كلامه لفظ قائم بذاته، وهذا معنى كلام الإمام أحمد ﵀، قال الإمام أحمد في رواية يعقوب والمروزي: تكلم اللَّه بصوت، وذكر الحديث: إذا تكلم اللَّه بالوحي، سمع صوته أهل السماء، فالأشاعرة والمعتزلة، متفقون على أن اللفظ لا يقوم بذاته تعالى،
والمروزي: تكلم اللَّه بصوت، وذكر الحديث: إذا تكلم اللَّه بالوحي، سمع صوته أهل السماء، فالأشاعرة والمعتزلة، متفقون على أن اللفظ لا يقوم بذاته تعالى،
وأنه مخلوق، واختلفوا في قيام المعنى به، فنفاه المعتزلة كدأبهم في نفى الصفات، وأثبته الأشاعرة. واتفق الأشاعرة والكرامية، على أن الكلام يجب أن يقوم بذاته ﷿، واختلفوا في ذلك الكلام، فقال الأشاعرة: هو المعنى، وقال الكرامية: هو اللفظ، واتفق الكرامية والمعتزلة على أن كلامه سبحانه يجب أن يكون أصواتا وحروفا، واختلفوا بعد ذلك، فقال الكرامية: هو قائم به، وقالت المعتزلة: هو مخلوق في غيره، ولكل فريق من هذه الفرق الثلاثة احتجاجات، ورد ذكرها في غير هذا الكتاب، فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن السلف والخلف في أن نبينا محمدا ﷺ، هل كلم ربه ﷾ ليلة الإسراء بغير واسطة؟ أم لا؟ فحكى عن الشيخ أبى حسن الأشعري- ﵀ وقوم من المتكلمين، أنه كلّمه، وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمد الصادق ﵇، وإلى عبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه [عنهم] ، ذكره القاضي عياض. وأشهر قولي أهل الحديث أنه كلمه ربه تعالى، فسمع خطابه، واستدلوا على ذلك بقوله [في] حديث الإسراء، فنوديت: أن قد أتممت فريضتي وخففت عن عبادي، يا محمد، إنه لا يبدّل القول لدى، هي خمس، وهي خمسون، قالوا: فمثل هذا لا يقوله إلا رب العالمين، كما في قوله لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ (١) ] . قال علماء السلف وأئمتهم: هذا من أدلّ الدلائل على أن كلام اللَّه غير مخلوق، لأن هذا لا يقوم بذات مخلوقة، وقال جماعة منهم: من زعم أن قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، مخلوق، فهو كافر، لأنه
لأن هذا لا يقوم بذات مخلوقة، وقال جماعة منهم: من زعم أن قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، مخلوق، فهو كافر، لأنه
بزعمه يكون ذلك المحل المخلوق، قد دعا موسى ﵇ إلى عبادته، واستدلوا أيضا بقوله في الحديث الّذي خرّجه أبو بكر البزار، من طريق على رضى اللَّه عنه، وقد تقدم ذكره في ذكر من كان يؤذن لرسول اللَّه ﷺ، وفيه: [إذا] خرج ملك من الحجاب، وأنه أذن، فكان يجاب من وراء الحجاب بقوله: صدق عبدي، أنا أكبر، وبقوله: صدقت، أنا لا إله إلا أنا، وبقوله: أنا أرسلت محمدا، وظاهره يقتضي أنه ﵇، سمع كلام اللَّه تعالى، ولكن من وراء حجاب، كما قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أي وهو لا يراه، حجب بصره عن رؤيته. وقال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل [الحق] على أن اللَّه تعالى خلق في موسى ﵇ معنى من المعاني، أدرك به كلامه، و [به] كان اختصاصه في سماعه، وأنه قادر على مثله، في جميع خلقه، واختلفوا في نبينا محمد ﷺ [هل سمع في] ليلة المعراج كلام اللَّه تعالى؟ وهل سمع جبريل [كلامه] ؟ على قولين.
في سماعه، وأنه قادر على مثله، في جميع خلقه، واختلفوا في نبينا محمد ﷺ [هل سمع في] ليلة المعراج كلام اللَّه تعالى؟ وهل سمع جبريل [كلامه] ؟ على قولين.
فصل في سفر رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف اعلم أن رسول اللَّه ﷺ سافر- فيما حفظ من أحواله- إلى الطائف مرتين، مرة قبل الهجرة، ومرة بعد الهجرة، فأما التي قبل الهجرة، فإنه خرج بعد موت عمه أبى طالب، وبعد موت زوجته خديجة بنت خويلد، بثلاثة أشهر، ومعه زيد بن حارثة، في شوال سنة عشر من المبعث- في قول الواقدي- ليدعو ثقيفا إلى نصرته، فأقام بالطائف عشرة أيام، وقيل: شهرا. قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول اللَّه ﷺ من الأذى، ما لم تكن تناله منه في حياة عمه أبى طالب، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النّصرة، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من اللَّه [﷿] فخرج إليهم وحده. قال: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف، عهد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود ابن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة [بن] غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش، من بنى جمح، فجلس إليهم [رسول اللَّه ﷺ] [ (١) ] ، فدعاهم إلى اللَّه، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال أحدهم- وهو يمرط [ (٢) ] ثياب الكعبة-: إن كان اللَّه أرسلك! وقال
الآخر: أما وجد اللَّه أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: واللَّه لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من اللَّه كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على اللَّه، ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول اللَّه ﷺ من عندهم، و [قد] يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم- فيما ذكر لي-: إذا فعلتم ما فعلتم، فاكتموا عنى [ (١) ] . وكره رسول اللَّه ﷺ أن يبلغ ذلك قومه، فيذئرهم [ (٢) ] ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه، ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، [وألجئوه] [ (٣) ] إلى حائط [ (٤) ] لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعهد إلى ظل حبلة [ (٥) ] من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. وقد لقي رسول اللَّه ﷺ فيما ذكر لي- المرأة [التي] [ (٦) ] من بنى جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن، قال- فيما ذكر لي: اللَّهمّ إليك [أشكو] ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت، رب المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني [ (٧) ] ؟ أو إلى عدوّ ملكته أمرى، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بوجهك الّذي أشرقت له



