— Bagian 65 · ارتدت بعد إيمانها. —
Bagian 65
ارتدت بعد إيمانها. وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على رسول اللَّه ﷺ مؤمنا مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شريق [إلى] رسول اللَّه ﷺ يسأله أبا
بصير، فذكر الحديث [ (١) ] . ترجم عليه وعلى ما اتصل به: باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط مع الناس بالقول، فذكر منه طرفا في غزوة الحديبيّة [ (٢) ] ، وفرقه في كتاب الشروط. وخرجه باختصار من حديث البراء بن عازب [ (٣) ] ، وخرجه مسلم من
حديث أنس [ (١) ] ، وحديث البراء مختصرا [ (٢) ] ، وفرقه البخاري في مواضع.
وأما عمرة القضاء فقال ابن إسحاق: فلما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهري ربيع، وجمادين ورجبا، وشعبان، و [شهر] [ (٣) ] رمضان، وشوالا ثم خرج في ذي القعدة، في الشهر الّذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدوه عنها [ (٤) ] . قال ابن هشام- ويقال لها: عمرة القصاص [ (٥) ] ، لأنهم صدوا رسول اللَّه ﷺ في ذي القعدة، في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول اللَّه
صلّى اللَّه عليه وسلّم، فدخل مكة في الشهر الحرام الّذي صدوه فيه من سنة سبع-: بلغنا عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه أنه قال: فأنزل اللَّه في ذلك: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ (١) ] .
نِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ (١) ] .
قال موسى بن عقبة: فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ناجح، وضع الأداة كلها: الجحف، والرماح، والمجان، والنبل، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف في القرب. قال ابن إسحاق: فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها: أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة، فحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: صفوا له عند دار الندوة، لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول اللَّه ﷺ المسجد، اضطبع بردائه [ (١) ] ، واخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم اللَّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن، وخرج يهرول [ (٢) ] ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت منهم، واستلم [ (٣) ] الركن اليماني، ومشى حتى استلم الركن الأسود ثم يهرول كذلك ثلاثة أشواط، ومشى سائرها، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ إنما صنعها لهذا الحي من قريش، للذي بلغه عنهم، حتى حج حجة الوداع، فلزمها فمضت السنة بها. قال موسى بن عقبة: فلما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة، أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدكم وقوتكم، وكان رسول اللَّه ﷺ يكايدهم بكل ما استطاع، فانكفأ أهل مكة، الرجال والنساء ينظرون إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة يرتجز بين يدي رسول اللَّه ﷺ، متوشحا بالسيف، وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله ... إني شهدت أنه رسوله حقا وكل الخير في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله [ (١) ] فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة! فقال رسول اللَّه ﷺ: يا عمر، إني أسمع! فأسكت عمر. قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين، كراهية ان ينظروا إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه غيظا، وحنقا، ونفاسة، وحسدا، خرجوا إلى بوادي مكة. قال ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه ﷺ ثلاثة، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش، في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول اللَّه ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول اللَّه ﷺ وما عليكم لو تركتموني، فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟ قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول اللَّه ﷺ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف [ (٢) ] ، فبنى بها هنالك ثم انصرف إلى المدينة.
قال ابن هشام [ (١) ] : فأنزل اللَّه ﷿ فيما حدثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ (٢) ] .
وأما عمرة الجعرانة [ (١) ] فخرج البخاري [ (٢) ] ومسلم [ (٣) ] من حديث همام، حدثنا قتادة، أن أنسا رضى اللَّه ﵎ عنه أخبره أن رسول اللَّه ﷺ اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت في حجته، عمرة من الحديبيّة أو [زمن] الحديبيّة في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة [حيث قسم] غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. لم يقل البخاري: أو زمن الحديبيّة. ذكره في عمرة الحديبيّة، وذكره في آخر كتاب الجهاد، في باب من قسم الغنيمة في غزوة وسفره، ولفظه: أن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه أخبره قال: اعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين. لم يذكر في هذا الباب غير هذا، وكرره.
ة وسفره، ولفظه: أن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه أخبره قال: اعتمر رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين. لم يذكر في هذا الباب غير هذا، وكرره.
وخرج النسائي من حديث ابن جريج قال: حدثني مزاحم بن أبى مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، عن [محرش] الكعبي، أن رسول اللَّه ﷺ خرج من الجعرانة يعتمر ليلا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف، حتى جامع الطريق- طريق المدينة بسرف [ (١) ]- فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس. وقال الواقدي: انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون إلى المدينة، خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء [لاثنتي] عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم من المسجد الأقصى، الّذي بحيز [ (٢) ] الوادي بالعدوة القصوى ولم يجز الوادي إلا محرما، فلم يزل يلبى حتى استلم الركن. ويقال لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى البيت أناخ راحلته على باب بنى شيبة ودخل فطاف ثلاثة أشواط، يرمل من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه عند المروة، ثم انصرف إلى الجعرانة من ليلته، فكان كبائت بها، فلما رجع الجعرانة، خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة، وسلك معه الناس، حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران [ (٣) ] . قال: وقدم المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة [ (٤) ] .
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: أخبرني عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر، مستندين إلى حجرة عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، أنا لنسمعها بست [ (١) ] ، قلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر رسول اللَّه ﷺ في رجب؟ [قال: نعم، قلت: يا أماه! أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قلت يقول: اعتمر رسول اللَّه ﷺ في [رجب] [ (٢) ] ، قالت: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، [نسي] [ (٣) ] ، ما اعتمر رسول اللَّه ﷺ في رجب، قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت [ (٤) ] .
[ (٢) ] ، قالت: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، [نسي] [ (٣) ] ، ما اعتمر رسول اللَّه ﷺ في رجب، قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت [ (٤) ] .
فصل في ذكر حجة رسول اللَّه ﷺ بعد الهجرة قال سفيان: حج رسول اللَّه ﷺ قبل أن يهاجر حججا، وحج بعد ما هاجر الوداع. ذكره الحاكم [ (١) ] ، [وقيل: حج ثلاث حجج، حجتين قبل الهجرة، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة] . وخرج مسلم [ (٢) ] من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنهما، فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت: أنا محمد بن على بن حسين، فأهوى بيده الى رأسي، فنزع زرى الأعلى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفه على ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا ابن أخى، سل عما شئت، فسألته- وهو أعمى وحضر وقت الصلاة- فقام في [شملة ملتحفا بها] ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول اللَّه ﷺ، فقال بيده: فعقد تسعا، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن
رسول اللَّه ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه ﷺ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستشفرى بثوب، وأحرمى. فصلى رسول اللَّه ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت بها ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصرى، بين يديه من راكب، وماش ويمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، وأهل بالتوحيد: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الّذي يهلون به، فلم يرد رسول اللَّه ﷺ عليهم شيئا منه، ولزم رسول اللَّه ﷺ تلبيته. قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [مُصَلًّى] ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبى يقول- ولا أعلمه ذكرها إلا عن رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، فرقى عليها حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه ﷿، وكبره، وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا، مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، فقام
ذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، فقام
سراقة بن مالك بن جشعم [فقال: يا رسول اللَّه] [ (١) ] ! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول اللَّه ﷺ أصابعه، واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل أبدا أبدا. وقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه [ (٢) ] من اليمن ببدن رسول اللَّه ﷺ، فوجد فاطمة [ (٣) ] رضى اللَّه ﵎ عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا، قال: وكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ محرشا على فاطمة رضى اللَّه ﵎ عنها للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللَّه ﷺ [فيما] [ (٤) ] ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت، صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللَّهمّ إني أهل بما أهل به رسول اللَّه [ (٥) ] ﷺ، قال: فإن معى [الهدى فلا تحل] . قال: فكان جماعة الهدى الّذي قدم به عليّ من اليمن، والّذي أتى به رسول اللَّه ﷺ مائه، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا رسول اللَّه ﷺ ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فركب رسول اللَّه ﷺ فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر، فضربت [ (٦) ] له بنمرة، فسار رسول اللَّه ﷺ ولا تشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر ﷺ بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ان دماءكم
للَّه ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر ﷺ بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ان دماءكم
وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بنى سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس ابن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلام اللَّه، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه. وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، [اللَّهمّ اشهد] [ (١) ] ، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل [ (٢) ] المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول اللَّه ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة، السكينة. كلما [ (٣) ] أتى جبلا من الجبال، أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل
القبلة، فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما- فلما دفع رسول اللَّه ﷺ، مرت ظعن يجزين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه ﷺ يديه على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول اللَّه ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنه، ثم أعطى عليا فنحر ما غير، وأشركه في هديه، ثم أمر من بين بدنه ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه [ (١) ] . وكرره مسلم من طرق [ (٢) ] ، وأخرجه أبو داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه بنحو حديث مسلم [ (٣) ] ، وقد روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد، وعبد الملك بن جريج، وعبيد اللَّه وعبد اللَّه العرنيين وسفيان الثوري، وعلى بن صالح، ومالك بن أنس، ومحمد بن
٣) ] ، وقد روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد، وعبد الملك بن جريج، وعبيد اللَّه وعبد اللَّه العرنيين وسفيان الثوري، وعلى بن صالح، ومالك بن أنس، ومحمد بن
إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عمرو بن علقمة المكيّ، وحاتم بن إسماعيل، وسلام القاري، وجماعة يطول ذكرهم. وقال الواقدي: إن رسول اللَّه ﷺ، سار من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، ودخل مكة يوم الثلاثاء، الرابع من ذي الحجة، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فركب حين زاغت الشمس إلى [منى] ، ويقال: بل ركب يوم الخميس، فبات بمنى ليلة الجمعة، التاسع من ذي الحجة، ثم أصبح فركب إلى عرفة. [ (١) ] وقد اختلف العلماء فيما كان رسول اللَّه ﷺ في حجته به محرما، فقال قوم: كان مفردا. روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، وعن محمد بن عبد الرحمن بن عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج. وروى ابن عيينة وغيره، عن الزهري عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فقال: من أراد أن يهل بحج فليهل، من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة: وأهل رسول اللَّه ﷺ بالحج، وأهل به الناس معه. وذكر الحديث. وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها سواء وقالوا فيه: قال رسول اللَّه ﷺ وأما أنا فإنّي أهل بالحج. وروى الدراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج.
: قال رسول اللَّه ﷺ وأما أنا فإنّي أهل بالحج. وروى الدراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج.
وروى الدراوَرْديّ، عن علقمة بن أبى علقمة، عن أمه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: إن رسول اللَّه ﷺ أفرد بالحج [ (١) ] . وروى أبو مصعب عن مالك، عن علقمة بإسناد مثله، ورواه عباد بن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: أهللنا مع رسول اللَّه ﷺ بالحج مفردا، وروى بكر المزني عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما مثله. وهذا حجة من قال بإفراد الحج وفضله، وهو قول مالك، وأشهر قول الشافعيّ، واستحسنه أبو ثور، وفضله على التمتع والقران، وهو قول عبد العزيز بن أبى مسلمة، والأوزاعي وغيره، وروى ذلك عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعن عائشة وجابر رضى اللَّه ﵎ عنهم. وقال قوم: بل كان رسول اللَّه ﷺ متمتعا، فروى معمر عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتق اللَّه ترخص لي المتعة، فقال ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما: سل أمك يا عروة، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما فلم [يفعلاه] ، فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: واللَّه ما أراكم منتهين حتى يعذبكم اللَّه! أحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ، وتحدثونا عن أبى بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما. وروى عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب عن سالم، عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: تمتع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة
جة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة
إلى الحج، قال عقيل: قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها بمثل خبر سالم عن أبيه، في تمتع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحج. وعن سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه ﵎ عنه في المتعة: صنعها رسول اللَّه ﷺ، وصنعناها معه، وعن عمران بن حصين رضى اللَّه ﵎ عنه قال: تمتعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ متعة الحج، وروى شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن على رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ تمتع، ورواه حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، وروى مالك وعبيد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضى اللَّه ﵎ عنها أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ: ما بال الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر [ (١) ] . روى ابن إسحاق عن الزهري، عن سالم قال: إني [لجالس] مع ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما في المسجد، [إذ] جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما: حسن جميل، قال: فإن أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك! فإن كان أبى نهى عن ذلك، وقد فعله رسول اللَّه ﷺ وأمر به، أفبقول أبى آخذ، أم بأمر رسول اللَّه ﷺ، قم عنى. وقال عبد الملك بن شريك: تمتعت، فسألت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، رضى اللَّه تعالى ﵎ عنهم فقالوا: هديت لسنة نبيك. وقال شعبة عن أبى حمزة: تمتعت، فنهاني عنها أناس، فسألت ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما فقال: سنة أبى القاسم ﷺ هي التمتع. وروى الثوري عن ليث بن أبى سليم، عن [طاووس] ، عن ابن عباس رضى اللَّه
تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه ﷺ، وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه حتى مات، وأول من نهى عنها معاوية. قال ابن عبد البر: ليث هذا منكر ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان رضى اللَّه ﵎ عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع. وذكر معمر عن الزهري، عن سالم قال: سئل ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: لم يقل الّذي تقولون، إنما قال عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم للعمرة، إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدى، وأراد أن يزار البيت في غير شهر الحج، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها اللَّه تعالى، وعمل بها رسول اللَّه ﷺ، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب اللَّه بيني وبينكم، كتاب اللَّه أحق أن يتبع، أم عمر؟. وهذا نحو حجة من قال: التمتع أفضل، وهو مذهب عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة أيضا رضى اللَّه تعالى ﵎ عنهم، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ، كان ﵀ يقول: الإفراد أحب إلى من التمتع، ثم القران، وقال في (البويطي) : التمتع أحب إليّ من القران. [وقال] قوم: كان رسول اللَّه ﷺ قارنا، وجعل القران الأصل، وهم: أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وإسحاق بن راهويه، وروى عن على رضى اللَّه ﵎ عنه، وحجتهم حديث عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بوادي العقيق: أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صلى في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة. رواه الأوزاعي، وعلى بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، [أنه] سمع عمر رضى اللَّه ﵎ عنه يقول: [إنه] سمع رسول اللَّه ﷺ يقول بذلك.
ى بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، [أنه] سمع عمر رضى اللَّه ﵎ عنه يقول: [إنه] سمع رسول اللَّه ﷺ يقول بذلك.
وحديث الصبى بن معبد، عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، قال الصبى: أهللت بالحج والعمرة، فلما قدمت على عمر، رضى اللَّه ﵎ عنه، ذكرت ذلك له فقال، هديت لسنة نبيك ﷺ. قال ابن عبد البر: وهو حديث كوفى جيد الإسناد ورواه الثقات عن أبى وائل عن الصبى [ (١) ] بن معبد، عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبى وائل، عن عمر، فيمن رواه هكذا عن أبى وائل، عن عمر: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن أبى النجود، وسيار [والحكم، ورواه الأعمش، منصور، وعبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد، عن عمر، وهو الأجود، وهم أحفظ] . وقد روى عن الصبى بن معبد، وأبو وائل، حديث أنس [بن مالك] رضى اللَّه ﵎ عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة معا، رواه حميد الطويل، وحبيب بن الشهيد، وعن بكر المزني قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا. قال بكر: فحدثت بذلك عن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه فقال لي: بالحج وحده، فلقيت أنسا رضى اللَّه ﵎ عنه فحدثته فقال: ما تعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة معا [ (٢) ] . قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يعارض ما روى عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ تمتع، وفيهما نظر، ويخرج على مذهب ابن عمر في التمتع، أنه لبى بالحج وحده، وقد روى معمر وغيره، عن أيوب عن أبى قلابة، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، إن رسول اللَّه ﷺ أهل بحجة وعمرة، وروى عن أنس من وجوه، وروى قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين
عمر وغيره، عن أيوب عن أبى قلابة، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، إن رسول اللَّه ﷺ أهل بحجة وعمرة، وروى عن أنس من وجوه، وروى قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين
أنه قال له: إني أحدثك حديثا، لعل اللَّه أن ينفعك به: اعلم أن رسول اللَّه ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، ولم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ قال فيها برأيه. قال ابن عبد البر: وهذا قد تأوله جماعة على التمتع وقالوا: إنما الّذي أراد ابن عمر أن يقوله: أن رسول اللَّه ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، أي أنه جمع بينهما في سفرة واحدة، وحجة واحدة، وقد روى عن عمر ما يعضد هذا التأويل. روى أبو الحسن، وأبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تعالى، وفعلناها مع رسول اللَّه ﷺ، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنه حتى مات، قال رجل بعد برأيه ما شاء. وروى شعبة عن الحكم، عن على بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنهما، ما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى أن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى ذلك على رضى اللَّه ﵎ عنه أتى بهما جميعا، فقال: لبيك بحجة وعمرة معا، فقال له عثمان رضى اللَّه ﵎ عنه: تراني أنهى عنهما وأفعله؟ فقال على رضى اللَّه ﵎ عنه: لم أكن [أخالف] سنة رسول اللَّه ﷺ. قال ابن عبد البر: وهذا يحتمل أن يكون، لأن رسول اللَّه ﷺ أباح ذلك فصار سنة. فقال: والإفراد أفضل، لأن رسول اللَّه ﷺ كان مفردا، فلذلك قلنا: أنه أفضل، لأن آثاره أصح في إفراده ﷺ. وقد اختلف أيضا في وقت خروج رسول اللَّه ﷺ من المدينة، فقيل: كان خروجه [ﷺ لخمس] بقين من ذي القعدة، [و] قال بعضهم: كان يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بالمدينة، وصلّى العصر بذي الحليفة. وذكر الواقدي أنه كان يوم السبت لخمس ليال [ (١) ] بقين من ذي القعدة، ولا يصح على ما جاء في الصحيح، أن الوقفة كانت بالجمعة، فيكون هلال
ذي الحجة بالخميس، فلا يكون المتبقى خمسا، ولا يصح حمله على الأيام، ويحسب يوم الخروج منها لقوله لخمس، ولو أراد الأيام لقال: لخمسة. وذكر الواقدي أيضا: أن يوم التروية وافق يوم الجمعة [ (١) ] ، فعلى هذا تكون الوقفة يوم السبت، ويكون قوله: لخمس بقين، مستقيما، إلا أنه خلاف ما جاء في الصحيح. وقال أبو محمد على بن حزم: أنه خرج يوم الخميس لستة بقين، وهو أيضا [خلاف ما] جاء في الصحيح، أنه لخمس بقين. وخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن أبى زيادة عن زيد بن حباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن رسول اللَّه ﷺ حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ومعها عمرة، وساق ثلاثة وثلاثين بدنة، وجاء على رضى اللَّه ﵎ عنه، من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة من فضة فنحرها، وأمر رسول اللَّه ﷺ من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها، وقال: [قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب] . ورأيت عبد اللَّه بن عبد الرحمن يروى هذا الحديث، عن عبد اللَّه بن أبى زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري، عن جعفر، عن أبيه عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنهما عن رسول اللَّه ﷺ، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روى عن الثوري، عن أبى إسحاق، عن مجاهد مرسلا [ (٢) ] ، حدثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، حدثنا زيد بن حباب، فذكره سواء. وخرجه ابن ماجة عن أبى محمد القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، حدثنا عبد اللَّه بن داود، حدثنا سفيان الثوري قال:
حج رسول اللَّه ﷺ ثلاث حجج: حج حجتين قبل أن يهاجر، وحج حجة بعد ما هاجر إلى المدينة، وقرن في حجته عمرة، واجتمع ما جاء به رسول اللَّه ﷺ وما جاء به على رضى اللَّه ﵎ عنه، مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل، على أنفه برة من فضة، فنحر رسول اللَّه ﷺ ثلاثة وستين، ونحر على رضى اللَّه ﵎ عنه ما غير. قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، وابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. [ (١) ]
وستين، ونحر على رضى اللَّه ﵎ عنه ما غير. قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، وابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. [ (١) ]
فصل في ذكر من حدّث عنه رسول اللَّه ﷺ اعلم أن رسول اللَّه ﷺ أخبر عن رب العزة جلت قدرته، بما أوحى إليه من الكتاب والحكمة، فالكتاب هو القرآن الكريم، والحكمة سنة رسول اللَّه ﷺ وروى عن رسول اللَّه ﷺ عن ربه ﷿ أحاديث كثيرة، ورأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها مرتين، ونزل عليه بالقرآن عن اللَّه تعالى على قلبه الكريم، ورأى ﷺ ليلة الإسراء خازن الجنة وخازن النار، وشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، وتلقاه المقربون من الأخرى، وأتاه ﷺ ملك الجبال يوم قرن الثعالب برسالة من اللَّه فقال: إن شاء أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: بل استأنى بهم، ونزل عليه ملك يبشره بالفاتحة، وبالآيتين من آخر سورة البقرة، وأتاه ﷺ وهو يجمع الأقباض، وجبريل ﵇ عن يمينه ملك، فبلغه سلام ربه، وأخبره عن اللَّه بتصويب ما أشار به الحباب بن المنذر، واجتمع ليلة الإسراء بالأنبياء، ورآهم على مراتبهم، فرأى إبراهيم، وإدريس، وموسى، وعيسى، ويحيى، ويوسف، وهارون، وآدم، وسلموا عليه، ورحبوا به وحدثه إبراهيم ﵇، بحديث رواه عنه ﷺ، وحدث ﷺ عن تميم الداريّ بقصة الدجال، وحدث ﷺ عن قس بن ساعدة، بما سمعه يقول بسوق عكاظ.
فأما ما أخبر به ﷺ عن رب العزة جلت قدرته فقد قدمت فيما سلف اختلاف أئمة الإسلام في رؤيته ﷺ للَّه ﷿، وفي سماعه كلام اللَّه تعالى وخطابه له ليلة الإسراء فأغنى عن إعادته. فالكتاب العزيز الّذي هو القرآن العظيم، المعجز المبين، وحبل اللَّه المتين، فإنه علم على صدق نبوته ﷺ، اقترن بدعوته، ولم يزل أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته وهو كما وصفه به من أنزله فقال جل من قائل:
ين، وحبل اللَّه المتين، فإنه علم على صدق نبوته ﷺ، اقترن بدعوته، ولم يزل أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته وهو كما وصفه به من أنزله فقال جل من قائل:
إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ (١) ] ، وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ (٢) ] ، وقال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ (٣) ] ، وقال: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [ (٤) ] وقال: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ (٥) ] ، وقال: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ* مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ [ (٦) ] ، وقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (٧) ] فإن اللَّه ﷻ أنزل هذا القرآن الكريم، على وصف مباين لأوصاف كلام البشر، لأنه منظوم وليس منثور ونظمه ليس كنظم الرسائل، ولا نظم الخطب، ولا نظم الأشعار، ولا هو كسجع الكهان. وأعلم ﷾ أن أحدا لا يستطيع أن يأتى بمثله، ثم أمره ﷺ أن يتحداهم على الإتيان به إن ادعوا أنهم قادرون عليه، أو ظنوه، فقال ﵎: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ (٨) ] ثم أنقصهم تسعا، فقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ (٩) ] ، وكان امتناع قريش من ذلك، دلالة على صدقه، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ كان من الموافق له، والمخالف عليه، غير مدفوع عن الحصانة والمتانة، ورصانة العقل، وقوة الرأى.
ومعلوم أن من كان بهذه المنزلة، وهو مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه، لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس: ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن، ولن تستطيعوا أن تأتوا بذلك، فإن أتيتم به فأنا كاذب، وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه، ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه، وأنه إن عارضه أحد بطلت دعوته. فكان هذا دليل قاطع، على أنه ﷺ لم يقل للعرب: ائتوا بمثله إن استطعتموه، ولن تستطيعوه، إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربه الّذي أوحى إليه به، حتى إنه وثق بخبره، ويؤيد ذلك أن رسول اللَّه ﷺ قال لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وطالت النظرة والمهلة لهم في ذلك، ووقائعه لهم تتواتر، ومحاربته لهم لا تزال: فيقتل صناديدهم، ويسبى ذراريهم، ونساءهم، ويأخذ أموالهم بالقوة، فلم يتعرض أحد لمعارضته، ولو قدروا عليها، لافتدوا بها أنفسهم، وأولادهم، وأهاليهم، وأموالهم، ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم، إذ هم أهل اللسن، والفصاحة، والشعر، والخطابة. فلما لم يأتوا بذلك، ولا ادعوه صح أنهم كانوا عاجزين عنه، وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم، إذ كان بشرا مثلهم، لسانه لسانهم وعاداته عاداتهم، وطباعه طباعهم، وزمانه زمانهم، وإذ كان كذلك، وقد جاء بالقرآن، وجب القطع بأنه من عند اللَّه تعالى، لا من عنده ﷺ. فإن أورد ملحد أسجاع مسيلمة، قيل له: إنما كان الّذي جاء به مسيلمة، لا [يعدو] أن يكون إلا مجالا، أو سرقة، أو كأسجاع الكهان، وأراجيز العرب، وقد قال رسول اللَّه ﷺ ما هو أحسن لفظا، وأقوم معنى، وأبين فائدة، من أسجاع مسيلمة، ومع ذلك فلم تقل له العرب: يا محمد، أما أنت تتحدانا على الإتيان بمثل [القرآن] ، وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه، ثم قد جئت بمثله، فما هو إلا مفترى، إنه ليس من عند اللَّه، وذلك قول رسول اللَّه ﷺ:
وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه، ثم قد جئت بمثله، فما هو إلا مفترى، إنه ليس من عند اللَّه، وذلك قول رسول اللَّه ﷺ:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقوله ﷺ: تاللَّه لولا اللَّه ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وقوله ﷺ: [اللَّهمّ] إن العيش عيش الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة. وقوله ﷺ: تعس عبد الدينار والدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطى منها رضى، وإن لم يعط سخط، نفس وانتكس، وإن شيك فلا انتكش. فلم يدع أحد من العرب أن شيئا من هذا يشبه القرآن، ولا أن فيه كسر لقوله، وكان عرض رسول اللَّه ﷺ على العرب هذا الكلام، الّذي أعجزهم عن الإتيان بمثله، أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة، من إحياء عيسى ﵇ الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، لأنه ﷺ أتى أهل البلاغة، وأرباب الفصاحة، ورؤساء البيان، والمتقدمين في اللسن بكلام مفهوم المعنى عندهم، فكان عجزهم عن الإتيان بمثله أعجز من عجز شاهد المسيح، وعجز عن إحياء الموتى لأنهم لم يكونوا يطيقون إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ولا يتعاطون علمه، بخلاف قريش فإنّها كانت تتعاطى الكلام الفصيح، والبلاغة والخطابة فدل [على] أن العجز عن إتيانهم بمثل القرآن، إنما كان معجزة لرسول اللَّه ﷺ وتؤيد صدق رسالته، وصحة نبوته. وهذا برهان واضح وحجة قاطعة لمن وفقه اللَّه، ومع ذلك ففي القرآن الكريم وجهان آخران في الإعجاز: أحدهما: ما تضمنه من الإخبار عن المغيبات، كقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ (١) ] وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [ (٢) ] وقوله في الروم:
ِ [ (١) ] وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [ (٢) ] وقوله في الروم:
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ [ (١) ] ونحوها من الآيات التي وعد اللَّه فيها بالفتوح في زمن رسول اللَّه ﷺ وبعده، وكان كما أخبر، ومعلوم أنه ﷺ لم يكن يعلم النجوم ولا الكهانة، ولا يجالس أهلها. والثاني: ما اشتمل عليه من قصص الأولين، من غير أن يعلم ذلك من أحد من علماء أهل الكتاب، ومعلوم أنه ﷺ كان أميا، لا يقرأ كتابا، ولا يخطه، ولا يجالس أهل الكتاب، ليأخذ عنهم، ولما زعم بعض مشركي قريش أن ما يعلمه بشر، ردّ اللَّه تعالى عليه قوله، فقال سبحانه: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ (٢) ] ، وذلك أنه كان لابن الحضرميّ غلامان نصرانيان، يقرءان كتابا لهما بالعبرانية، وبالرومية، وكان رسول اللَّه ﷺ يأتيهما فيحدثهما، ويعلمهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وإذا تقرر ذلك، فاعلم أن أعظم المعجزات، وأشرفها، وأوضحها دلالة، القرآن الكريم، لأن الخوارق في الغالب، تقع مغايرة للوحى الّذي يتلقاه النبي، وتأتى المعجزة شاهدة به، والقرآن بنفسه هو الوحي [المدعى] ، وهو الخارق المعجز فدلالته في عينه، ولا نفتقر إلى دليل أجنبى عنه، كسائر الخوارق مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتحاد الدليل والمدلول فيه. وهذا معنى ما خرجه البخاري ومسلم، من حديث الليث، عن سعيد بن أبى سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبى هريرة، رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الّذي [أوتيته] وحيا أوحى اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة [ (٣) ] .
يشير ﷺ، إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الموضوع، وقوة الدلالة، وهي كونها نفس الوحي، كان المصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدق المؤمن، وهم التابع والأمة. واللَّه ﵎ أعلم. ويدلك هذا، على أن القرآن من بين الكتب [الإلهية] ، إنما تلقاه رسول اللَّه ﷺ فتلا كما هو، بكلماته وتراكيبه، بخلاف التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب الإلهية، فإن الأنبياء ﵈ يتلقونها في حال الوحي، معاني يعبرون عنها بعد رجوعهم إلى الحالة البشرية، بكلامهم المعتاد لهم، ولذلك لم يكن فيها إعجاز، واختص الإعجاز بالقرآن الكريم. وكان تلقى الأنبياء لكتبهم، مثل ما كان رسول اللَّه ﷺ يتلقى المعاني التي يسندها إذا حدث بها إلى اللَّه تعالى، ويشهد لتلقيه ﷺ القرآن متلوا قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ (١) ] ، أي محمد لا تحرك بالقرآن لسانك عجلان، خائفا أن يفوتك، ويزول حفظه عن قلبك، إن علينا أن نجمعه في نفسك، حتى تقرأه بلسانك، فإذا أنزلناه عليك فاستمع قراءته ثم علينا أن نحفظه، ونبينه بلسانك. خرج البخاري ومسلم من حديث أبى عوانة، موسى بن أبى عائشة، عن سعيد بن الجبير، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ [عنهما] في قوله ﷿: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، قال: [كان] رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فأنزل اللَّه ﷿: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه، فإذا قرأناه فاتبع قراءته، قال: فاستمع، وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه رسول اللَّه ﷺ كما قرأه. ذكره مسلم [ (٢) ] في كتاب الصلاة،
ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه رسول اللَّه ﷺ كما قرأه. ذكره مسلم [ (٢) ] في كتاب الصلاة،
وذكره البخاري في كتاب التوحيد، في باب قول اللَّه ﷿: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ، وذكره في أول كتابه، [وذكره في] التفسير، في فضائل القرآن، ولفظه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، كان يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، وكان يعرف منه، فأنزل اللَّه [﷿] الآية التي في: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ (١) ] ، قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقراءته، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ (٢) ] ، فإذا أنزلناه فاستمع ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [ (٣) ] ، علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ إذا أتاه جبريل [﵇] يقرئه القرآن؟ فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه [﷿] . أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [ (٤) ] ، توعد [ (٥) ] . فقد تبين أن سبب نزول الآية، ما كان يقع له ﷺ من بدارة إلى تدارس الآية، خشية من النسيان، وحرصا على حفظ ذلك المتلو المنزل، فتكفل اللَّه ﷿ له بحفظه، يقول [﵎] : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ (٦) ] ، هذا هو معنى الحفظ الّذي اختص به القرآن، لا قيل غير ذلك، فإنه بمعزل عن المراد. وفي القرآن الكريم آيات عديدة، تشهد بأنه نزل قرآنا، متلوا، معجزا بسورة منه، وهذا القرآن العظيم، أعظم معجزات رسول اللَّه ﷺ، ولم يكن في معجزاته- مع كثرتها- أعظم منه ومن ائتلاف العرب على دعوته، كما
قال [تبارك] وتعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما [أَلَّفْتَ] بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ (١) ] . فاعلم هذا، وتذكره، تجده صحيحا، وكما قررت لك، وتأمل ما يشهد لك به، من ارتفاع رتبته على الأنبياء، وعلو مقامه ﷺ.
وأما الأحاديث [الإلهية] [ (١) ]
) ] . فاعلم هذا، وتذكره، تجده صحيحا، وكما قررت لك، وتأمل ما يشهد لك به، من ارتفاع رتبته على الأنبياء، وعلو مقامه ﷺ.
وأما الأحاديث [الإلهية] [ (١) ]
وهي التي يرويها رسول اللَّه ﷺ، عن اللَّه ﵎، فهي كثيرة، كحديث: [يا عبادي] كلكم جائع إلا من أطعمته.. الحديث أخرجه مسلم [ (١) ] ، وله أشباه عديدة، وقد أفرد العلماء فيها مصنفات فجمع زاهر بن طاهر فيها مصنفا، وكتب الحافظ الضياء فيها كتابا، ولعلى بن بليان فيها مجلد، يحتوي على نحو مائة حديث، وقد تقدم رؤية رسول اللَّه ﷺ، جبريل ﵇، على صورته التي خلقها اللَّه عليها، وكيف تلقى عنه القرآن الكريم، الّذي نزل على قلبه المقدس، وتقدم أيضا رؤية خازن الجنة وخازن النار، وتشييع ملائكة السموات، وتلقيهم له.
وأما الحكمة، وهي سنة رسول اللَّه ﷺ فقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعيّ- ﵀ ورضى عنه-: قد وضع اللَّه [﷿] رسوله ﷺ من [دينه] ، وفرضه، وكتابه، الموضع الّذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علما لدينه بما افترض من طاعته، وحرم معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله، مع الإيمان به، فقال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (١) ] ، وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (٢) ] ، فجعل كمال ابتداء الإيمان الّذي ما سواه، تبع له الإيمان باللَّه، ثم برسوله. قال الشافعيّ: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد في قوله ﷿: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ (٣) ] قال: لا أذكر إلا ذكرت، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدا رسول اللَّه. قال: وفرض اللَّه على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله، فقال في كتابه: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [يَتْلُوا] عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ (٤) ] مع آي سواها، ذكر فيهن الكتاب والحكمة. قال الشافعيّ: فذكر اللَّه الكتاب والقرآن، وذكر الحكمة، فسمعت ممن أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول اللَّه ﷺ، وقال:
يهن الكتاب والحكمة. قال الشافعيّ: فذكر اللَّه الكتاب والقرآن، وذكر الحكمة، فسمعت ممن أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول اللَّه ﷺ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ (٥) ] ، فقال: بعض أهل العلم [أولو] الأمر: هم أمراء سرايا رسول اللَّه ﷺ، وقال: فإن تنازعتم في
شيء، يعنى اختلفتم في شيء، يعنى- واللَّه أعلم- هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعته، فردوه للَّه والرسول، يعنى- واللَّه أعلم- إلى ما قاله اللَّه والرسول. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فأعلمهم أن طاعة رسول اللَّه ﷺ طاعته، فقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (١) ] . واحتج أيضا في فرض اتباع أمره بقوله ﷿: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ (٢) ] وقوله: [وَ] ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ (٣) ] ، وغيرها من الآيات التي دلت على اتباع أمره، ولزوم طاعته. قال: وكان فرضه جل ثناءه على من عاين رسول اللَّه ﷺ بعده إلى يوم القيامة واحدا، من أن على كل طاعته، لم يكن أحد غاب عن رؤية رسول اللَّه ﷺ يعلم أمر رسول اللَّه ﷺ إلا بالخبر عنه، والخبر عنه خبران: خبر عامة عن عامة: عن رسول اللَّه ﷺ بجمل ما فرض اللَّه سبحانه من العبادات، يأتوا به بألسنتهم وأفعالهم، ويؤتوه من أنفسهم وأموالهم، وهذا ما لا يسع جهله، وما يكاد أهل العلم والعوام أن يستووا فيه لأن كلا كلفه، كعدد الصلاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش، وأن للَّه عليهم حقا في أموالهم، وما كان في معنى هذا. وخبر خاصة: في خاص الأحكام، لم يأت أكثره كما جاء الأول، لم يكلفه العامة وكلف علم ذلك من فيه الكفاية للقيام به دون العامة، وهذا مثل ما يكون بينهم في الصلاة من سهو يجب به سجود السهو أو لا يجب، وما يفسد الحج، و [ما] لا يفسده، وما يجب به الفدية، وما لا يجب فيما لا يفعل، وغير
هذا مثل ما يكون بينهم في الصلاة من سهو يجب به سجود السهو أو لا يجب، وما يفسد الحج، و [ما] لا يفسده، وما يجب به الفدية، وما لا يجب فيما لا يفعل، وغير
ذلك. وهو الّذي على العلماء فيه عندنا، قبول خبر الصادق على صدقه، ولا يسعهم رده، بفرض اللَّه طاعة نبيه. قال: ولولا ثبوت الحجة بالخبر، لما قال رسول اللَّه ﷺ في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم: ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلما ندب رسول اللَّه ﷺ إلى استماع مقالته وأدائها، أمر أن يؤديها، والأمر واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم الحجة به على من أدى إليه. قال: سفيان بن عيينة: أخبرنى سالم أبو النصر، أنه سمع عبيد اللَّه ابن أبى رافع، يخبر عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى، مما أمرت به أو نهيت عنه، يقول: لا أدرى، ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعنا [ (١) ] . والحجج في تثبيت خبر الواحد كثيرة، وفيما احتج به الإمام الشافعيّ ﵀ [و] رضى اللَّه ﵎ عنه على ذلك كفاية.
وأما مجيء الجبال إلى رسول اللَّه ﷺ
ا [ (١) ] . والحجج في تثبيت خبر الواحد كثيرة، وفيما احتج به الإمام الشافعيّ ﵀ [و] رضى اللَّه ﵎ عنه على ذلك كفاية.
وأما مجيء الجبال إلى رسول اللَّه ﷺ فخرج البخاري في كتاب بدء الخلق، في باب ذكر الملائكة، من حديث ابن وهب قال: أخبرنى يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، حدثته أنها قالت: يا رسول اللَّه! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم، يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، وسلم على، ثم قال: يا محمد! إن اللَّه ﷿ قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرنى بأمرك، فما شئت [ (١) ] ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللَّه وحده لا يشرك به شيئا [ (٢) ] ، وذكر طرفا من هذا الحديث في كتاب التوحيد [ (٣) ] ، وخرجه مسلم أيضا [ (٤) ] .
وأما إنزال الملك يبشره بالفاتحة وبالآيتين من سورة البقرة فخرج مسلم من حديث عبد اللَّه بن عباس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ [عنها] قال: بينما جبريل ﵇ قاعدا عند رسول اللَّه ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم! فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم! فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتها، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، [لم] تقرأ بحرف منها الا أعطيته [ (١) ] .
م ينزل قط إلا اليوم! فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتها، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، [لم] تقرأ بحرف منها الا أعطيته [ (١) ] .
وأما الملك الّذي نزل بتصويب الحباب ففي مغازي الأموي، عن أبيه قال: وزعم الكلبي عن أبى صالح، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يجمع الأقباض وجبريل عن يمينه، إذ أتاه ملك من الملائكة، قال: يا محمد، إن اللَّه يقرأ عليك السلام، قال رسول اللَّه ﷺ: هو السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، فقال الملك: إن اللَّه يقول لك: إن الأمر الّذي أمرك به الحباب ابن المنذر، فقال رسول اللَّه ﷺ: يا جبريل! هل تعرف هذا؟ قال: ما كل أهل السماء أعرف، وإنه لصادق، وما هو بشيطان [ (٢) ] . وإسناد هذا الحديث ليس بذاك، وقد خالف فيه محمد بن عمر الواقدي فقال: حدثني ابن أبى حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: نزل جبريل على رسول اللَّه ﷺ
فقال: الرأى ما أشار به حباب، فقال رسول اللَّه ﷺ: يا حباب! أشرت بالرأي، فنهض رسول اللَّه ﷺ ففعل كل ذلك [ (١) ] .
وأما اجتماعه ﷺ بالأنبياء ورؤيتهم في ليلة الإسراء فقد مضى ذكر ذلك مجودا فراجعه [ (٢) ] .
وأما حديث رسول اللَّه ﷺ عن إبراهيم ﵇ فخرج الترمذي من حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسرى بى، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك منى السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان اللَّه، والحمد اللَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجهة [ (٣) ] . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن عمر، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبى أيوب الأنصاري رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ ليلة أسرى به مر على إبراهيم ﵇، فقال من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد، قال له إبراهيم: مر أمتك
فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه [ (١) ] . وخرج ابن حبان في صحيحه، من حديث حيوة بن شريح قال: أخبرنى أبو صخر، أن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، أخبره عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر قال: حدثني أيوب صاحب رسول اللَّه ﷺ، أن رسول اللَّه ﷺ ليلة اسرى به، مر على إبراهيم خليل الرحمن ﵇، فقال لجبريل ﵇،: من معك يا جبريل؟ فقال جبريل: هذا محمد، فقال: مر أمتك أن يكثروا غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لإبراهيم: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه [ (٢) ] . [[و] إبراهيم خليل الرحمن، أبو الضيفان] ، وهو الأب الثالث، أب الآباء، وعمود العالم، وإمام الحنفاء، الّذي اتخذه اللَّه تعالى خليلا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته، وشيخ الأنبياء ابن [آذر] ، ويقال: [آذر] بن تارح ابن نوحود بن مسروغ بن رعوا بن فالغ بن عيبر، ويقال: عابر بن شالخ بن أرفخشاذ بن سام بن نوح [ (٣) ] ، صلوات اللَّه وسلامه عليه، كان آباؤه في
ر] بن تارح ابن نوحود بن مسروغ بن رعوا بن فالغ بن عيبر، ويقال: عابر بن شالخ بن أرفخشاذ بن سام بن نوح [ (٣) ] ، صلوات اللَّه وسلامه عليه، كان آباؤه في
[ () ] وأزيدك أيضا بيانا بضبطها بالحروف، فإنّها إنما كتبت في التوراة بالقلم العبرانىّ، وقد منّ اللَّه بعد معرفتها بالقلم العبرانىّ أن يسّر ضبطها بالحروف العربية. فإبراهيم، كان اسمه «أبرام» بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وضم الراء المهملة، ثم ألف بعدها ميم، ومعنى ذلك تقريبا: رفيع القدر «فسماه اللَّه تعالى: أبروهام: وصار معناه: أبو جمهور الأحزاب. وعرّبته العرب فقالت: إبراهيم: بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وكسر الهاء ثم ياء آخر الحروف ساكنة بعدها ميم. وقالت أيضا «إبراهام» بفتح الهاء، وبهما جاء تنزيل العزيز الحكيم في القرآن المجيد. وسمع أيضا «إبرهم» . قال عبد المطلب بن عبد مناف بن أساف: نحن آل اللَّه في بلدته، لم يزل ذاك على عهد إبرهم. وتارح، بفتح التاء المثناة من فوق ثم ألف ساكنة بعدها راء مهملة مفتوحة ثم حاء مهملة. ونوحور، بضم النون وسكون الواو وضمّ الحاء المهملة، وبعدها واو ثم راء مهملة. وسروغ، بفتح السين المهملة وضم الراء المهملة، ثم واو ساكنة بعدها غين معجمة. ورعو، بضم الراء والعين المهملتين ثم واو. وفالغ، بفاء مفتوحة بعدها ألف ثم لام مفتوحة وغين معجمة. وهذه الفاء ليست في اللغة. وبعضهم يقول: فالج بالجيم، وهذه الفاء بين الفاء والباء الموحدة. وعيبر، بكسر العين المهملة وسكون الباء اخر الحروف وفتح الباء الموحدة ومن نقلة الأخبار من يقول: «عابر بفتح العين» . وأصله ما ذكرت. وشالح، بفتح الشين المعجمة واللام وسكون الحاء المهملة. وأرفخشاذ، بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة، وفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين، ثم ألف بعدها ذال معجمة. وهذه الفاء أيضا بين الفاء والباء الموحدة. وسام، أصله بشين معجمة، وعرّب فقيل: بسين مهملة مفتوحة، ثم ألف بعدها ميم، وكثيرا ما تكون الشين المعجمة في العبرانية سينا مهملة في اللسان العربيّ. ولامخ، بفتح اللام والميم وبعدها خاء معجمة.
ين مهملة مفتوحة، ثم ألف بعدها ميم، وكثيرا ما تكون الشين المعجمة في العبرانية سينا مهملة في اللسان العربيّ. ولامخ، بفتح اللام والميم وبعدها خاء معجمة. ومثوشالح، بفتح الميم وضم المثلثة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها ألف ساكنة ثم لام مفتوحة ثم حاء مهملة كأن بعدها ألفا. وحنوخ، بحاء مهملة مفتوحة ونون مضمومة بعدها واو ساكنة، ثم خاء معجمة.
السريانيين، يقال: ابن الكنعانيين، وولد [﵇] بكوثى، وقيل: ولد بهرمزجرد، ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل، وأمه [﵊] يونا بنت كرنيا بن كوثى، من بنى أرفخشاذ بن سام، ويقال: بل اسمها أبيونا وأنها من ولد أفرام بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشاذ. وكان أبوه [ (١) ] على أصنام الملك نمروذ، ولسانهم السريانية، وبينه ﵇، وبين نوح [﵇] عشرة قرون، وولد ولأبيه من العمر سبعون سنة، وخرج به أبوه بعد ما تزوج بسارة، ومعه لوط فسكن حران، وبها [مات] أبوه. وكان قد أراه اللَّه تعالى ملكوت السموات والأرض، وكاد أصنام قومه [ (٢) ] ، وحاجهم
في إثبات اللَّه تعالى [ (١) ] ، فألقوه في النار، فصارت بردا
[ () ] وقال الزبير بن بكار: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة قال: لما رأى الناس أن إبراهيم ﵇ لا تحرقه النار قالوا: ما هو إلا عرق الندى وما نعرفه، ألا ترى ما تضره النار ولا تحرقه؟ فسمى عرق الندى. (المرجع السابق) . وقال مقاتل: أول من اتخذ المنجنيق نمروذ، وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن يدنوا من النار التي أضرمها لرمي إبراهيم ﵇ فيها، فقال: أنا أدلكم، فاتخذ لهم المنجنيق، صنعه له رجل من الأكراد يقال له: هبون. وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف اللَّه به الأرض، وجيء بإبراهيم ﵇ فخلعوا ثيابه وشدوا رباطه، فوضع في المنجنيق، فبكت السموات، والأرض، والجبال، والشمس، والقمر، والعرش، والكرسي، والسحاب، والريح، والملائكة، كل يقول: يا رب عبدك إبراهيم بالنار يحرق، فائذن لنا في نصرته، فقالت النار وبكت: يا رب سخرتني لبني أدم، وعبدك يحرق بى ﵇. فأوحى اللَّه إليهم أن عبدي إياي عبد، وفي جنبي أوذى، إن دعاني أجبته، وإن استنصركم فانصروه. فلما رمى استقبله جبريل ﵇ بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم، أنا جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حاجتي إلى اللَّه ربى. (المرجع السابق) . قال اللَّه تعالى: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] ، فلو لم يخلط بالسلام لآذاه البرد، ودخل جبريل معه وإسرائيل، وأنبت اللَّه تعالى حوله روضة خضراء، وبسط له بساط من درنوك [بسط] الجنة، وأتى بقميص من حلل جنة عدن فألبسه، وأجرى عليه الرزق غدوة وعشيا. (المرجع السابق) .
نبت اللَّه تعالى حوله روضة خضراء، وبسط له بساط من درنوك [بسط] الجنة، وأتى بقميص من حلل جنة عدن فألبسه، وأجرى عليه الرزق غدوة وعشيا. (المرجع السابق) . قال وهب: فلما رأوا الآية الباهرة، آمن منهم بشر كثير فأتى الجمع إلى نمروذ فقالوا: إن إبراهيم قد استمال الناس، وقد صبأ إليه خلق كثير، فجمع نمروذ وزحف، يريد إبراهيم ومن معه، فأوحى اللَّه إلى إبراهيم: أرحل بمن معك، فرفع بامرأته سارة وجميع من آمن به حتى بلغ مدين، فنزل، ونمروذ سائر بجموعه خلفه، فأرسل اللَّه عليهم جندا من البعوض فأعمى أعين الدواب، ودخل خياشيم الرجال حتى ماتوا، وأبقى اللَّه نمروذ، وقد دخلت خيشومه بعوضة فسكنت دماغه حتى كان أحب الناس إليه من ضرب رأسه ليكف عنه أكل البعوض. ثم هلك بعد ذلك. (المرجع السابق) .
وسلاما [ (١) ] فخرج ﵊ عند ذلك بزوجته سارة، ومعه لوط إلى حران، فأقام بها خمس سنين ثم مضى منها وعمره خمس وسبعون، فهاجر إلى ربه [ (٢) ] . فلما عبر الفرات من حران، غير اللَّه تعالى لسانه، وتكلم بالعبرانية، وسار حتى نزل أرض القدس، ومعه مواشيه، وزوجته، ولوط، فبنى عند صخرة بيت المقدس مذبحا، يقرب فيه قرابينه للَّه تعالى. ثم قدم مصر لغلاء نزل [بأرض] القدس، فكان أمر سارة مع الملك ما كان [ (٣) ] وأخذ منها هاجر، ثم خرج [﵊] من مصر، بعد ما أقام بها ثلاثة أشهر، فنزل خارج غزة، وقد كثر ماله، وابتنى بئر سبع، وجعلها سبيلا، وفرق أموالا في وجوه البر، وكان ﵊ نصيف من كل مزية، وأمر ابن أخيه لوطا أن يتحول عنه، فسار عنه لوط إلى أرض القدس، ونزل سدوم، ونزل إبراهيم ﵊ حبرون، التي تعرف اليوم ببلد الخليل. وولد له ﵊ بعد عشر سنين من سكناه إسماعيل ﵇ من هاجر، وعمره ست وثمانون سنة، [ثم اختتن وله تسع وتسعين سنة] [ (٤) ] وفي الصحيح أنه اختتن وعمره ثمانون سنة، وولد له إسحاق
شر سنين من سكناه إسماعيل ﵇ من هاجر، وعمره ست وثمانون سنة، [ثم اختتن وله تسع وتسعين سنة] [ (٤) ] وفي الصحيح أنه اختتن وعمره ثمانون سنة، وولد له إسحاق
[﵉] وهو ابن مائة سنة من سارة، وأنزل ابنه إسماعيل ﵇ وأمه هاجر بمكة، وقد وعده اللَّه [تبارك و] تعالى أن يجعل منه ومن إسحاق [﵉] شعوبا كبارا. وامتحنه اللَّه [﷿] بذبح ولده، فبادر لطاعة ربه، وأراد ذبحه، ففداه اللَّه [تعالى] بذبح عظيم، وماتت سارة، فتزوج بعدها قطورا، فولدت له ﵇ ستة أولاد، ثم مات ﵇، وعمره مائة وخمس وسبعون سنة، فدفن حيث قبره الآن من قرية حبرون، مع زوجته سارة. ويقال: معنى إبراهيم بالسريانية، أب رحيم، وقد سماه اللَّه تعالى إماما [ (١) ] [وحليما [ (٢) ] ، وأواها، ومنيبا وصديقا [ (٣) ]] وأمّة، وقانتا، وحنيفا [ (٤) ] ، فالأمة: هو القدوة، المعلم للخير. والقانت: المطيع للَّه، الملازم لطاعته. والحنيف: المقبل على اللَّه، المعرض عما سواه. وقد اتفق أهل الملة على تعظيمه، وتوليته، [و] محبته، وكان خير بنيه، وسيد ولد آدم، محمد ﷺ، يجله، ويعظمه، ويبجله، ويحترمه. ففي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال ذاك إبراهيم [ (٥) ] ، وسماه شيخه، فإنه لما دخل الكعبة، وجد
المشركين قد صوروا فيها صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فقال قائلهم: سبحان اللَّه! لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام، ولم يأمر اللَّه [﵎] رسوله ﷺ أن يتبع ملة أحد من الأنبياء، غير إبراهيم ﵇، وأمر أمته بذلك. وأخبر ﷺ، أن إبراهيم ﵇، أول من [يكسي] يوم القيامة، وكان أشبه الخلق به رسول اللَّه ﷺ، وهو عليه [الصلاة] والسّلام أول من [أقرى] الضيف، وأول من اختتن، وأول من رأى الشيب، وقد شهد اللَّه [تبارك و] تعالى له، أنه وفّى ما أمر به، يعنى وفّى جميع ما أمر به من تبليغ الرسالة، وفّى جميع شرائع الإسلام، وجعله [تبارك] تعالى إماما للخلائق يأتمون به. وكان كما قيل: قلبه للرحمن، وولده للقربان، وبدنه للنيران، وماله للضيفان، وبه سنّ اللَّه الهدايا والضحايا، وهو الّذي للأمة مناظر المشركين، والمبطلين، وكسر حجتهم، وهو أذن في الناس بالحج، لما فرغ من بناء الكعبة البيت الحرام، فكل من حجه واعتمره، كان لإبراهيم مزيد الثواب، بعدد الحجاج والمعتمرين إلى يوم القيامة، وقد ذكرت له سيرة في (التاريخ الكبير المقفى) [ (١) ] ، صلى اللَّه عليه وعلى نبينا وسلم.
وأما حديث رسول اللَّه ﷺ عن تميم الداريّ [ (١) ]
يوم القيامة، وقد ذكرت له سيرة في (التاريخ الكبير المقفى) [ (١) ] ، صلى اللَّه عليه وعلى نبينا وسلم.
وأما حديث رسول اللَّه ﷺ عن تميم الداريّ [ (١) ]
فخرج مسلم من حديث الحسين بن ذكوان قال: حدثنا ابن بريدة قال: حدثني عامر بن شرحبيل الشعبي، شعب همدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس- أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، - فقال: حدثيني حديثا سمعته من رسول اللَّه ﷺ، لا [تسنديه] إلى أحد غيره، فقالت: لئن شئت لأفعلن، فقال [لها] : أجل حدثيني، فقالت: نكحت ابن المغيرة رضى اللَّه ﵎ عنه وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ، فلما تأيمت خطبنى عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه ﵎ عنه في نفر من أصحاب محمد ﷺ، وخطبنى رسول اللَّه ﷺ على مولاه أسامة بن زيد رضى اللَّه ﵎ عنه، وكنت قد حدثت أن رسول اللَّه ﷺ قال: من أحبنى فليحب أسامة، فلما كلمني رسول اللَّه ﷺ، قلت: أمرى بيدك، فأنكحنى من شئت، فقال ﷺ: انتقلي إلى أم شريك رضى اللَّه ﵎ عنها- وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل اللَّه، ينزل عليها الضيفان-[فقلت: سأفعل، فقال ﷺ: لا تفعلي، إن أم شريك رضى اللَّه ﵎ عنها ينزل عليها الضيفان] فإنّي أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك، عبد اللَّه بن عمرو بن أم مكتوم رضى اللَّه ﵎ عنه، وهو رجل من بنى فهر قريش، وهو من البطن الّذي هي منه، فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتى، سمعت المنادي- منادى رسول اللَّه ﷺ ينادى: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللَّه ﷺ، فكنت في صف النساء الّذي يلي ظهور القوم، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلتزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ فقالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: إني واللَّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداريّ كان رجلا نصرانيا، فجاء وبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الّذي أحدثكم عن مسيح الدجال.
واللَّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداريّ كان رجلا نصرانيا، فجاء وبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الّذي أحدثكم عن مسيح الدجال.
حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم [أرفأوا] إلى جزيرة في البحر، حيث مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب، كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره، من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، فقالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمّت لنا رجلا، فرقنا منها أن تكون شيطانا، فانطلقنا سراعا حتى أتينا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه بالحديد إلى كعبيه، قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين [اغتلم] ، فلعب بنا الموج شهرا، ثم أرفأنا الى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب، كثير الشعر، لا ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقال: الجساسة، فقلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعبروا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانا. قال: أخبرونى عن نخل بيسان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ فقلنا له: نعم، قال: أما إنه توشك ألا يثمر، قال: أخبرونى عن بحيرة طبرية، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبرونى عن عين زغر؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبرونى عن نبي الأميين ما فعل؟ [قالوا] : أخرج من مكة، ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال:
نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبرونى عن نبي الأميين ما فعل؟ [قالوا] : أخرج من مكة، ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا له: نعم، قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عنى: إني أنا المسيح [الدجال] ، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريه إلا هبطتها في أربعين
ليلة، إلا مكة وطيبة، فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدا منهما، استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وطعن [أو طنّ] بمخصرته في المنبر: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعنى المدينة، ألا هل كنت أحدثكم ذاك؟ فقال الناس: نعم، فإنه أعجبنى حديث تميم، أنه وافق الّذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة، ومكة، إلا أنه في بحر الشام، أو نحو اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق وما هو من قبل المغرب، ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق، قالت: فحفظت هذا من رسول اللَّه ﷺ وذكر له عدة طرق، تدور على الشعبي [ (١) ] .
[ () ] [وذكر البخاري في (التاريخ) أنه عاش إلى خلافة عمر، رضى اللَّه ﵎ عنه] . [وقولها: «فأصيب» ، وليس معناه أنه قتل في الجهاد مع النبي ﷺ، وتأيمت بذلك، بل إنما تأيمت بطلاقه البائن، ويكون معنى فأصيب [بجراحة أو أصيب] في ماله أو نحو ذلك، وأرادت عد فضائله، فابتدأت بكونه خير شباب قريش، ثم ذكرت الباقي] . [وقوله: «وأم شريك من الأنصار» أنكر هذا بعضهم وقال: إنما هي قريشة، وهي من بنى عامر بن لؤيّ، واسمها غزية، وقيل: غزيلة. وذهب آخرون إلى أنهما ثنتان: قريشة وأنصارية، فالقرشية العامرية هي: أم شريك غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حجر. ويقال: حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤيّ [وقيل: هي أم شريك بنت عوف بن جابر بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر ابن لؤيّ] وهي التي وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ، على خلاف في ذلك قد ذكرته في كتاب (إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع) ، [عند ذكر أزواج رسول اللَّه ﷺ] ، قال محققه: راجع (إمتاع الأسماع) بتحقيقنا: الجزء السادس. وأما أم شريك الأنصارية فمن بنى النجار، ولم يذكرها ابن عبد البر، وإنما



