— Bagian 79 · المدينة على بيت المقدس واحتجوا ونحوا فيه —
Bagian 79
المدينة على بيت المقدس واحتجوا ونحوا فيه بأن النبي ﷺ رأى ميتا فقال: دفن في التربة التي خلق منها قالوا: والنبي ﷺ دفن بالمدينة فمن تربتها خلق وهو أفضل الخلق فهي أفضل البقاع وهذا حديث روى من طريقين إحداهما فيها محمد بن الحسن بن زبالة عن أنيس بن يحيى مرسل والأخرى من رواية أبى خالد عن يحيى البكاء فأما محمد بن الحسن بن زبالة القرشي المخزومي المدني أحد المكثرين الضعفاء روى عن أسامة بن زيد وسعيد بن أبى سعيد المقبري ومالك بن أنس ومحمد بن جعفر بن أبى كثير وخلائف، وحدث عنه أبو خيثمة وأحمد بن صالح، والزبير بن بكار وجماعة اسقطوه لحديثه عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة حديث فتحت البلاد بالسيف، وفتحت المدينة بالقرآن وبغير هذا من الحديث قال: أبو داود كذاب وقال ابن معين: واللَّه ما هو ثقة وقال البخاري: عنده مناكير قال أنب معين: كان يسرق الحديث، وقال النسائي: وغيره متروك وقال أبو حاتم: وهي الحديث وليس بمتروك وما أبه حديثه بحديث عمر بن أبى بكر الموصلي والواقدي ويعقوب بن محمد الزهري وعبد العزيز بن عمران، وقال ابن حزم: هو ساقط بالجملة قال فيه يحيى: ليس بالثقة وهو بالجملة متفق على اطراحه، وأما أنيس بن يحيى فقال ابن حزم: ولا ندري من أنيس بن يحيى، وأما أبو خالد فهو مجهول عن يحيى البكاء واختلف في أسم أبيه فقيل: مسلم وقيل: سليم وقيل: يحيى بن أبى خليد أبو مسلم وقيل: أبو سلم وقيل: أبو الحكم يروى عن أبى عمرو عن السعيد بن المسيب وأبى العالية وغيره ويروى عنه عبد الوارث بن سعيد وعلى بن عاصم، وجماعة قال أحمد: ليس بثقة وقال ابن معين: ليس بذاك وقال أبو زرعة ليس بقوى، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي متروك الحديث وقال ابن عدي ويحيى البكاء هذا ليس بذاك المعروف وليس له كثير رواية فبهذا قد تبين ضعف الحديث بل قال فيه ابن حزم: وهذا خير موضوع ثم لو صح لما كانت فيه حجة لأنها قد دفن فيها المنافقون ودفن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون، وداود وسليمان في الشام ولا يقول: مسلم من آجل ذلك أن الشام أفضل من مكة وفي حديث محمد بن الحسن ابن زبالة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه
وموسى وهارون، وداود وسليمان في الشام ولا يقول: مسلم من آجل ذلك أن الشام أفضل من مكة وفي حديث محمد بن الحسن ابن زبالة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها عن النبي ﷺ أنه قال: فتحت البلاد بالسيف حديث: وفتحت المدينة بالقرآن وقد اسقطوه لهذا ولغيره، وقال ابن عدي: وأنكر ما روى حدي هشام بن عروة حديث: فتحت القرى بالسيف وقال ابن حزم: وهذا أيضا من رواية محمد بن الحسن بن زبالة المذكور بوضع الحديث وهذا من وضعه بلا شك لأنه رواه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ وهذا اسناد تفرد به ابن زبالة دون سائر من روى عن مالك من الثقات ثم لو صح ما كانت فيه حجه في فضلها لان البحرين وأكثر مدائن اليمن وصنعاء والجند لم تفتح بالسيف إلا بالقرآن فقط وليس ذلك بموجب فضلها على مكة عند كل أحد من المسلمين، ومنها حديث ابن زبالة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن النبي ﷺ إنه قال: ما على الأرض بقعة أحب إلى اللَّه تعالى من أن يكون قبري فيها منها، هكذا رواه مرسلا ولو صح لما كان فيه حجه في فضلها على مكة لأن النبي ﷺ كره للمهاجرين؟ وهو عندهم أن يرجعوا إلى مكة ليحشروا غرباء مطرودين عن وطنهم في اللَّه تعالى، حتى أنه ﷺ رثى لسعد ابن خولة أن مات بمكة ولم يجعل للمهاجر معه تمام نسكه أن يبقى بمكة إلا ثلاث ليال فقط فإذا خرجت مكة بهذه العلة على أن يدفن فيها النبي ﷺ فالمدينة أفضل البقاع بعدها بلا شك وقد. خرج البزار من طريق أبى نعيم الفضل بن دكين حدثنا محمد بن قيس عن أبى برده بن أبى موسى الأشعري عن أبى موسى قال: مرض سعد بمكة فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال له: يا رسول اللَّه أليس نكره أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها قال: بلى وذكر باقي الحديث هذا نص ما قلنا ومنها حديث محمد بن زبالة عن محمد بن إسماعيل عن سليمان بن بريدة وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: في حين خروجه من مكة اللَّه إنك أخرجتني من أحب البقاع إلى فأسكني أحب البقاع إليك
زبالة عن محمد بن إسماعيل عن سليمان بن بريدة وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: في حين خروجه من مكة اللَّه إنك أخرجتني من أحب البقاع إلى فأسكني أحب البقاع إليك هكذا ذكره مرسلا. قال ابن عبد البر: وقد ذكر حديث عبد اللَّه ابن عدي بن الحمراء الّذي تقدم هو حديث ثابت عند جماعة أهل العلم بالحديث ولم يأن عن النبي ﷺ من وجه صحيح شيء يعارضه الا ما رواه
محمد بن الحسن بو زبالة وهو متروك الحديث مجتمع على ترك الاحتجاج بحديثه وقد انفرد بهذا الحديث وهذا الحديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث وقال ابن حزم: وهذا موضع من رواية محمد بن الحسن بن زبالة ومنها حديث محمد بن الحسن عن يحيى بن عبد الرحمن عن عمرة بنت عبد الرحمن قال رافع ابن خديج قال رسول اللَّه ﷺ خير من مكة ورواه محمد بن عبد الرحمن ابن الرداد بن عبد اللَّه بن شريح بن مالك القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيدة ابنه عبد الرحمن عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ ورواه عبد اللَّه بن رافع الصانع صاحب مالك عن محمد بن عبد الرحمن الرداد عن يحيى بن سعيد عن عمرة قال رافع: ومحمد بن زبالة هو صاحب هذه الفضائح كلها المتعود بوضعها ومحمد بن عبد الرحمن بن الرداد قال ابن عدي: مدينى من ولد ابن أم مكتوم رواياته ليست بمحفوظة وقال ابن حزم: مجهول لا يدريه أحد وعبد اللَّه بن نافع وفيه مقال. وقد خرج مسلم [ (١) ] هذا الخبر من طريق عبد اللَّه بن مسلمة القصبي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم أن مروان خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها وقد حرم رسول اللَّه ﷺ ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولانى وإن شئت أقرأتكه قال: فسكت مروان ثم قال قد سمعت بعض ذلك قال: وهكذا كله كان الحديث فبدله أهل الزيغ عصبية عجل اللَّه تعالى لهم بها الفضيحة في الكذب على رسول اللَّه ﷺ واللَّه أعلم.
السابعة والسبعون: أنه ﷺ كان إذا دعا لأهل القبور يملأها اللَّه عليهم نورا ببركة دعائه خرج مسلم [ (١) ] من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن رافع عن أبى هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ففقدها رسول اللَّه ﷺ فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات. قال: أفلا كنتم آذنتموني قال: وكأنهم صغروا أمرها وأمره فقال: دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال: هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن اللَّه تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم. وخرجه الإمام أحمد من حديث أبى عامر عن ثابت عن أنس أن أسود كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلا فأتى النبي ﷺ فأخبر فقال: انطلقوا إلى قبره، فانطلقوا فقال: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن اللَّه ﷿ ينورها بصلاتي عليها فأتى القبر فصلى عليه وقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه ﷺ إن أخى مات ولم يصل عليه، قال: فأين قبره فأخبره فانطلق النبي ﷺ مع الأنصاري فصلى عليه، وفي لفظ له فإن صلاتي عليه رحمة له.
الثامنة والسبعون: أنه ﷺ كان يوعك وعك رجلين خرج البخاري [ (٢) ] ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه ﵎ عنه قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ
عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه ﵎ عنه قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ
أراك توعك وعكا شديدا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: أجل إني أوعك وعك رجلين منكم فقلت: ذاك إن أجرين فقال رسول اللَّه ﷺ: أجل، ثم قال: رسول اللَّه ﷺ ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط اللَّه به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. وخرج الحاكم [ (١) ] من حديث ابن وهب عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدريّ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو محموم فوضعت يدي من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت: ما أشد حماك يا رسول اللَّه قال: إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع لنا لنا الأجر قال: فقلت: يا رسول اللَّه أي الناس أشد بلاء؟ قلت: الأنبياء. قال: ثم من؟ قال: ثم الصالحون إن من الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيحويها ويلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم يقتله القمل وكان ذلك أحب غليهم من العطاء إليكم. قال الحاكم: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
التاسعة والسبعون: كان ﷺ لم يمت حتى خيره اللَّه تعالى بين أن يفسح له في أجله ثم الجنة وبين لقاء اللَّه سريعا، فاختار ما عند اللَّه على الدنيا خرج البخاري ومسلم من حديث الليث قال: حدثني عقيل ابن شهاب قال: أخبرنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن رجال من أهل العلم أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقول وهو صحيح: أنه لم
ثني عقيل ابن شهاب قال: أخبرنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن رجال من أهل العلم أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقول وهو صحيح: أنه لم
يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير قالت عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها: فلما برسول اللَّه ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: اللَّهمّ الرفيق الأعلى قالت عائشة: قلت: إذا لا يختارنا، قالت عائشة: وعرفت الحديث وقال البخاري: وعلمت أنه الحديث الّذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله: أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول اللَّه ﷺ قوله الرفيق الأعلى ذكره البخاري في كتاب الدعاء وفي كتاب الرفاق وفي المغازي وغير ذلك. وخرج مسلم في مناقب عائشة من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة قالت: كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخبر بين الدنيا والآخرة، قالت: فسمعت النبي ﷺ في مرضه الّذي مات فيه وأخذته بحة يقول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً قال: فظننته خير حينئذ. وخرج البخاري في كتاب التعبير من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من نبي مرض إلا خير بين الدنيا والآخرة وكان في شكواه الّذي قبض فيه أخذته بحة شديدة سمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ فعلمت أنه خير. وخرج النسائي من حديث سفيان عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى بردة عن عائشة قالت: أغمى على رسول اللَّه ﷺ وهو في حجري فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء فأفاق فقال: بل أسأل اللَّه الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.
وخرج البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن عباد بن عبد اللَّه ابن الزبير أن عائشة أخبرته أنها سمعت النبي ﷺ وأصغت إليه قيل أن يموت وهو مسند إلى ظهره يقول: اللَّهمّ اغفر لي وارحمني وألحقنى بالرفيق الأعلى.
اللَّه ابن الزبير أن عائشة أخبرته أنها سمعت النبي ﷺ وأصغت إليه قيل أن يموت وهو مسند إلى ظهره يقول: اللَّهمّ اغفر لي وارحمني وألحقنى بالرفيق الأعلى.
الثمانون: هل تشرع الصلاة على غير رسول اللَّه ﷺ أو تكون للصلاة عليه مما خصه اللَّه به دون غيره ؟ في هذه المسألة أقوال: أحدها: أنه ﷺ يختص بالصلاة عليه وهو ظاهر الكتاب والسنة والثاني: أنه يصلى معه ﷺ على الأنبياء والمرسلين. والثالث: أنه يصلى على سلّم وأزواجه دون غيرهم من الأمة مطلقا. والرابع: أنه يصلى عليهم إلا بطريق التبعية له. والخامس: أنه لا يصلى على سائر المسلمين. وأما من ذهب إلى ما به الرسول اللَّه ﷺ فإنه قال لم يصل اللَّه سبحانه في كتابه العزيز على أحد من أنبيائه المرسلين إلا على محمد ﷺ فقط وسلم على من عداه منهم وقال تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وقال تعالى عن نوح: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وقال عن إبراهيم خليله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. وقال عن موسى وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ. وقال تعالى سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يعنى تعالى بقوله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يقول: وأبقينا على نوح ذكرا جميلا وثناء حسنا فيمن يأتى من الناس فيذكرونه به وهو الّذي قلنا في ذلك كما قال أهل التأويل. فذكر أبو صالح قال: حدثني معاوية بن على عن ابن عباس: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ قال: يذكر بخير، وعن ابن أبى نجيح عن مجاهد يقول: جعلنا لسان صدق للأنبياء كلهم، وعن سعيد عن قتادة قال: أبقى اللَّه عليه الثناء الحسن في الآخرين وعن أسباط عن السدي قال: الثناء الحسن وقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ يقول: أمتة من اللَّه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء وقد كان بعض أهل العربية من أهل الكوفة يقول: معناه وتركنا عليه في الآخرين سلاما أي تركنا عليه تلك الكلمة. قال الطبري: وتركنا عليه في الآخرين يعنى إبراهيم: يقول: وأبقينا عليه فمن بعده إلى يوم القيامة ثناء حسنا. ثم ذكر عن سعيد عن قتادة قال: ابقى اللَّه على إبراهيم الثناء الحسن في الآخرين. وعن ابن وهب قال ابن زيد: هل التي سأل إبراهيم فقال: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. قال: فترك اللَّه عليه الثناء الحسن في الآخرين كما ترك السوء على فرعون وأشياعه كذلك ترك اللسان الصدق والثناء الصالح على هؤلاء. وقيل: معنى ذلك: وتركنا عليه في الآخرين السلام وهو قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ وذلك قول، روى عن ابن عباس وتركنا إسناده لأني في إسناده من لم يستحق ذكره. وقيل معنى ذلك وتركنا عليه في الآخرين أن يقال: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ وقوله: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يقول تعالى أمتة من اللَّه في الأرض لإبراهيم لا يذكر من بعده إلا بالجميل من الذكر.
ين أن يقال: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ وقوله: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يقول تعالى أمتة من اللَّه في الأرض لإبراهيم لا يذكر من بعده إلا بالجميل من الذكر.
قال: العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن أبى بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية: فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السلام عليهم المذكور. وقد قال: جماعة من المفسرين منهم مجاهد وغيره وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ الثناء الحسن ولسان الصدق للأنبياء كلهم وهذا قول قتادة أيضا ولا ينبغي أن يحكى هذا قولين للمفسرين كما يفعله من له عناية بحكاية الأقوال بل هو قول واحد فمن قال: إن المتروك هو السلام في الآخرين نفسه فلا ريب أن قوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ جملة في موضع نصب بتركنا والمعنى أن العالمين يسلمون على نوح ومن بعده من الأنبياء ومن فسره بلسان الصدق والثناء الحسن نظر إلى لازم السلام وموجبة وهو الثناء عليهم وما جعل لهم من لسان الصدق الّذي لأجله إذا ذكروا سلم عليهم انتهى. فهذا كما ترى لم يصلّ اللَّه على أحد في كتابه غير المصطفى ﷺ فإنه ﷺ وملائكته وأمر المؤذنين جميعا بالصلاة عليه دون أنبيائه ورسله تشريفا له وتمييزا لعظيم مقامه، وقد أمرنا بالاتباع ونهينا عن الابتداع، وهو مذهب ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه. خرج بقي بن مخلد بن حديث هشيم قال حدثنا عثمان بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما أعلم الصلاة تبتغي من أحد على أحد إلا على النبي ﷺ يعنى وسائر الناس يدعى لهم. وخرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي) ﷺ من حديث عبد الرحمن بن زياد قال: حدثني عثمان بن حكيم بن عباد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار. وقد حكى عن الإمام مالك في رواية أنه على غير نبينا ﷺ وأوله بعض أصحابه بمعنى أنا لم نتقيد بالصلاة على غيره من الأنبياء كما تقيدنا بالصلاة عليه. وحكى النووي الإجماع على أن الصلاة على جميع الأنبياء مشروعة
وأوله بعض أصحابه بمعنى أنا لم نتقيد بالصلاة على غيره من الأنبياء كما تقيدنا بالصلاة عليه. وحكى النووي الإجماع على أن الصلاة على جميع الأنبياء مشروعة
واحتج من ذهب إلى هذا بما رواه إسماعيل بن إسحاق في كتابه فقال: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي حدثنا عمرو بن هارون عن موسى بن عبيد وعن محمد بن ثابت عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه أن النبي ﷺ قال: صلوا على أنبياء اللَّه ورسله فإن اللَّه بعثهم كما بعثني. ورواه الطبراني عن الديري عن عبد الرزاق عن الثوري عن موسى بن عبيد قال: حدثنا عمرو بن عطاء عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ إذا صليتم على فصلوا على أنبياء اللَّه فإن اللَّه بعثهم كما بعثني. وقيل: عن أنس بن طلحة وموسى بن عبيدة. وقال: سفيان يكره أن يصلى على غيره النبي. وقال الحافظ أبو موسى المديني: وبلغني بإسناد من بعض السلف أنه رأى آدم ﵇ في المنام كأنه يشكو قلة صلاة بنيه عليه. وفي كتاب (النهاية) لابن الأثير فأما قولنا اللَّهمّ صلّ على محمد فمعناه عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره في إظهار دعوته وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته. وقيل: المعنى لما أمر اللَّه بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على اللَّه وقلنا اللَّهمّ صل أنت على محمد لأنك أنت أعلم بما يليق به وهذا الدعاء قد اختلف فيه هل يجوز إطلاقه على غير الرسول ﷺ أم لا؟ والصحيح أنه خاص له فلا يقال لغيره. وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره والتي بمعنى الدعاء والتبريك تقال لغيره، ومنه الحديث اللَّهمّ صلّ على آل أبى أوفى أي ترحم وبرّك وقيل فيه: إن هذا خاص له ولكنه آثر به غيره وأما سواه فلا يجوز له أن يخص به أحد. وقال: الأصمعي: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن اللَّه أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً آثره من بين الرسل وخصكم بها من بين الأمم فقابلوا نعمة اللَّه بالشكر.
وأما الاقتصار في الصلاة على الآل والأزواج مطلقا فقال: ابن عبد البر: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله، في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير ما حديث: اللَّهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته، قالوا: فجائز أن يقول، الرجل: لكن ما كان من أزواج محمد ﷺ صلى اللَّه عليك إذا واجهه وصلى اللَّه عليه إذا غاب عنه ولا يجوز ذلك في غيرهم، وأما الصلاة على الآل بطريق التبعية فإنه لا خلاف في جوازها. واختلف موجبو الصلاة على النبي ﷺ في وجوبها على آله على قولين مشهورين، وهي طريقتان لأصحابنا إحداهما: أن الصلاة واجبة على النبي ﷺ وفي وجوبها على الآل قولان، للشافعي، هذه طريقة إمام الحرمين والغزالي. والطريقة الثانية: إن في وجوبها على الآل وجهين وهي الطريقة المشهورة والّذي صححوه أنها غير واجبة عليهم واختلف أصحاب أحمد في وجوب الصلاة عليهم على وجهين، وهل يصلى عليهم منفردين على النبي ﷺ ففيه خلاف، وكذا في الصلاة على غير الآل من الصحابة ومن بعدهم فكرة ذلك مالك وقال: لم يكن ذلك من عمل من مضى وهو مذهب أبى حنيفة وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وبه قال: طاووس. وقال: ابن عباس لا ينبغي الصلاة إلا على النبي ﷺ وهو مذهب عمر ابن عبد العزيز وقال: أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا حسين بن على عن جعفر ابن وثاب قال: كتب عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن أناسا من الناس قد أنهموا الدنيا بعمل الآخرة وإن القصاص قد أحدثوا الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل
عفر ابن وثاب قال: كتب عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن أناسا من الناس قد أنهموا الدنيا بعمل الآخرة وإن القصاص قد أحدثوا الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل
صلاتهم على النبي ﷺ فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاءهم للمسلمين عامة وهذا مذهب القاضي وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منع تحريم. والثاني: أنه منع تنزيه وهو قول أكثر الأصحاب. والثالث: أنه من باب ترك الأولى وليس بمكروه. حكاها النووي في (الأذكار) [ (١) ] والصحيح الّذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه واختلفوا في السلام هل هو في معنى الصلاة فيكره أن يقال: السلام على فلان أو فلان ﵇ فكرهه الشيخ أبو محمد الجويني وطائفة ومنع أن يقال: على ﵇. وفرق آخرون بين السلام والصلاة فقالوا: السلام المشروع في حق كل مؤمن حي وميت حاضر وغائب فإنك تقول بلغ فلانا منى السلام وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة فإنّها من حقوق الرسول وآله ولهذا يقول المصلى في تشهده السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، ولا يقول: الصلاة علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين فعلم الفرق. واحتج من ذهب إلى أنه لا يصلى إلا على الرسول ﷺ بوجوه: أحدها: ما تقدم عن ابن عباس. الثاني: أن الصلاة على غير النبي ﷺ قد صارت شعار أهل البدع ذكره النووي، ومعنى ذلك أن الرافضة إذ ذكروا أئمتهم صلوا عليهم ولا يصلون على غيرهم فاستحبوا مخالفتهم في ذلك الشعار. الثالث: ما احتج به الإمام من أن هذا لم يكن عمل من مضى من الأمة ولو كان خيرا لسبق السلف إليه. الرابع: أن الصلاة فصارت في لسان الأمة مخصوصة بالنبيّ ﷺ تذكر مع ذكر اسمه لا يسوغ ذلك لغيره وكما لا يقال: محمد ﷿، ولا محمد
و كان خيرا لسبق السلف إليه. الرابع: أن الصلاة فصارت في لسان الأمة مخصوصة بالنبيّ ﷺ تذكر مع ذكر اسمه لا يسوغ ذلك لغيره وكما لا يقال: محمد ﷿، ولا محمد
سبحانه وتعالى، لئلا يعطى رتبه الخالق فهكذا لا ينبغي أن تعطى غير النبي ﷺ رتبته فيقال: فلان ﷺ. الخامس: أن اللَّه تعالى قال: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. فكما أمر اللَّه تعالى أن لا يدعى باسمه كما يدعى غيره باسمه كذلك لا تجعل الصلاة على غيره في دعائه والإخبار عنه كما تجعل الصلاة عليه فإن فعل هذا مما لا يسوغ أصلا قالوا: فإذا ذكر رسول اللَّه ﷺ أحد من أمته انبغى له أن يصلى عليه لما جاء عنه في ذلك من قوله: ﷺ من صلى عليّ مرة صلى اللَّه عليه عشرا. ولا يجوز أن يترحم عليه لأنه لم يقل: من ترحم عليّ. ولا قال: من دعا لي وإن كانت الصلاة هنا الرحمة فكأنه خص بهذا اللفظ تعظيما له. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ولم يقل إن اللَّه وملائكته يترحمون على النبي. وإن كان المعنى واحد أن يخصه بذلك. السادس: أن النبي ﷺ شرع لأمته في التشهد أن يسلموا على عباد اللَّه الصالحين. وأن يصلوا على النبي ﷺ فعلمنا من ذلك أن الصلاة عليه حقه الّذي لا يشركه فيه أحد. السابع: أن اللَّه تعالى ذكر الأمر بالصلاة عليه في معرض حقوقه وخواصه، التي خصه بها من تحريم النكاح لأزواجه، وجواز نكاحه لمن وهبت نفسها له، وإيجاب اللعنة لمن أذاه، ونحو ذلك من حقوقه وأكدها بالصلاة عليه والتسليم فدل على أن ذلك حق له خاصة وآله تبع له فيه. الثامن: أن اللَّه تعالى شرع للمسلمين أن يدعو بعضهم لبعض ويستغفر بعضهم لبعض ويترحم عليه في حياته وبعد موته، فالدعاء، حق للمسلمين والصلاة حق لرسول اللَّه ﷺ فهما حقان لا يقوم أحدهما مقام الآخر، ألا ترى أن صلاة الجنازة إنما يدعى فيها للميت ويترحم عليه ويستغفر له ولا يصلى
عليه بدل ذلك، فيقال: اللَّهمّ صلّ عليه، فإنه يصلى عليه في الصلوات كلها ولا يقال: بدل ذلك اللَّهمّ اغفر له وارحمه بل يعطى كل ذي حق حقه. التاسع: أن الميت من يحتاج أن يدعى له بالمغفرة والرحمة والنجاة من العذاب والرسول ﷺ غير محتاج إلى أن يدعى له بذلك بل الصلاة عليه زيادة في تشريف اللَّه له وتكريمه ورفع درجاته وهذا حاصل له، وإن غفل عن ذكره الغافلون فالأمر بالصلاة عليه إحسان من اللَّه للأمة ورحمة منه لهم ولنبيهم بصلاتهم على رسوله بخلاف غيره من الأمة فإنه محتاج إلى من يدعو له ويستغفر له ويترحم عليه ولهذا جاء بهذا في محله ليوجب العارف الحقوق إلى أهلها بفقهه عن اللَّه تعالى. العاشر: لو كانت الصلاة على غير النبي ﷺ سائغة فإما أن يقال، باختصاصها ببعض الأمة ويقال: تجوز على كل مسلم فإن قيل. باختصاصها فلا وجه له وهو تخصيص غير مخصص وإن قيل: بعدم الاختصاص وأنها تسوغ لكل من يسوغ الدعاء له فحينئذ تسوغ الصلاة على المسلم وإن كان من أهل الكبائر، وكما يقال: اللَّهمّ تب عليه اللَّهمّ اغفر له يقال: اللَّهمّ صل عليه وهذا باطل. وإن قيل: تجوز على الصالحين دون غيرهم فهذا مع أنه لا دليل عليه ليس له ضابط فإن كون الرجل صالحا أو غيرهم فهذا مع أنه لا دليل عليه ليس له ضابط فإن كون الرجل صالحا أو غير صالح وصف يقبل الزيادة والنقصان وكذلك كونه وليا للَّه وكونه شقيا وكونه مؤمنا، كل ذلك يقبل الزيادة والنقصان فما ضابط من يصلى عليه من الأمة ومن لا يصلى عليه. نعلم بهذه الوجوه العشرة اختصاص الصلاة بالنبيّ ﷺ.
شقيا وكونه مؤمنا، كل ذلك يقبل الزيادة والنقصان فما ضابط من يصلى عليه من الأمة ومن لا يصلى عليه. نعلم بهذه الوجوه العشرة اختصاص الصلاة بالنبيّ ﷺ.
فصل فيمن أجاز الصلاة على غير النبي ﷺ فقال: القاضي أبو سعيد بن الفراء في (رءوس مسائله) : وبذلك قال: الحسن البصري، وحصيف، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان، وكثير من أهل التفسير، قال: وهو قول الإمام أحمد نص عليه في رواية أبى داود وقد سئل. أينبغي أن يصلى على أحد أو لا يصلى إلا على النبي ﷺ فقال: أليس قال على لعمر: صلى اللَّه عليك قال: وبه قال: إسحاق بن راهويه وأبو ثور، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم وحكى أبو بكر بن أبى داود عن أبيه: قال ذلك أبو الحسن وعلى هذا العمل، واحتج هؤلاء بوجوه: أحدها: قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ فأمر تعالي رسوله أن يأخذ الصدقة من أمته وأن يصلى عليهم ومعلوم أن الأمة من بعده تأخذ الصدقة كما كان يأخذها فيشرع لهم أن يصلوا على المتصدق كما كان يصلى عليه حين يأخذها منه النبي ﷺ. الثاني: ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث شعبة عن عمر وعن عبد اللَّه أبى أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللَّهمّ صل على آل فلان فأتاه أبى بصدقته فقال ﷺ أتاه قوم فصدقته قال: اللَّهمّ صل على آل فلان فأتاه أبى بصدقته فقال صلى اللَّه عليه وآله اللَّهمّ صل على آل أبى أوفى. والأصل عدم الاختصاص وهذا ظاهر في أنه هو المراد من الآية. الثالث: ما رواه حجاج عن أبى عوانة عن الأسود بن قيس العمرى عن جابر بن عبد اللَّه أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه صلى على زوجي صلى اللَّه عليك فقال ﷺ صلى اللَّه عليك وعلى زوجك وأجيب عن ذلك بأن الأدلة نوعان:
عمرى عن جابر بن عبد اللَّه أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه صلى على زوجي صلى اللَّه عليك فقال ﷺ صلى اللَّه عليك وعلى زوجك وأجيب عن ذلك بأن الأدلة نوعان: نوع منها صحيح وهو غير متناول لعمل النزاع فلا يحتج به ونوع غير معلوم الصحة فلا يحتج به أيضا فقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ استدلال في غير محل الكلام لأن النزاع هل يشرع لأحدنا أن يصلى على النبي وآله أم لا وأما صلاته ﷺ على من صلى فمسألة أخرى وأين هذه من صلاتنا عليه التي أمرنا اللَّه بها قضاء حتما؟ فان الصلاة عليه حق ل ﷺ يتعين على الأمة أداؤه،
والقيام به، وأما هو ﷺ فيخص من أراد ببعض ذلك الحق وهذا كما تقول شاتمة ومؤذيه قتله حق لرسول اللَّه ﷺ يجب على الأمة القيام به واستيفاؤه وأنه هو ﷺ كان يعفو عنه حين كان يبلغه ويقول: رحم اللَّه موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر. وقال ابن عبد البر: تهذيب الآثار وحملها على غير المعارضة والتدافع هو أن يقال: أما النبي ﷺ فجائز أن يصلى على من يشاء لأنه قد أمر أن يصلى على كل من يأخذ صدقته وأما غيره فلا ينبغي له إلا أن يخص النبي ﷺ عليه كما قال ابن عباس وجائز أن يحتج في ذلك بعموم قوله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً يقول: والّذي اختاره في هذا الباب أن يقول: اللَّهمّ ارحم فلانا واغفر له، ورحم اللَّه فلانا وغفر له ورضى عنه، ونحو هذا الدعاء والترحم عليه ولا يقال: إذا ذكر النبي ﷺ إلا صلى عليه إلا أنه جائز أن يدخل معه في ذلك ما جاء في الأحاديث عنه من قوله: اللَّهمّ صل على محمد وعلى آل محمد واللَّهمّ صل على محمد وعلى آله وذريته، ولا يصلى على غيره بلفظ الصلاة امتثالا لعموم قول اللَّه تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً في حياته وموته ﷺ. الرابع: ما رواه ابن سعد في كتاب (الطبقات) من حديث ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه أن عليا دخل على عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما وهو مسجى فلما انتهى إليه قال: صلى اللَّه عليك ما أحد لقي اللَّه بصحيفته إلى من هذا المسجى بينكم.
بن عبد اللَّه أن عليا دخل على عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما وهو مسجى فلما انتهى إليه قال: صلى اللَّه عليك ما أحد لقي اللَّه بصحيفته إلى من هذا المسجى بينكم. وأجيب بأن هذا الحديث قد اختلف فيه على أنس بن محمد عن أبيه أن عليّا لما غسل عمر وكفن وحمل على سريره وقف عليه فاثنى عليه وقال: واللَّه ما على الأرض رجل أحب إلى أن ألقى اللَّه بصحيفته من هذا المسجى بالثوب. وكذلك رواه محمد ومحمد ومعلى معلى ابنا عبيد عن حجاج الواسطي عن بعضهم ولم يذكر هذه اللفظة وكذلك رواه سليمان بن بلال عن جعفر عن
أبيه وكذلك رواه يزيد بن هارون عن جعفر عن أبيه وكذلك رواه عون بن أبى جحيفه عن أبيه قال كنت عند عمرو فقال: فذكره دون لفظة الصلاة بل قال: رحمك اللَّه وكذلك رواه حازم بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب وعمرو بن دينار وأبى جهيم قالوا: لما مات عمر رضى اللَّه ﵎ عنه فذكروا الحديث دون لفظ الصلاة وكذلك رواه قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن محمد بن الحنفية ومع ذلك فإن ابن سعد لم يسند حديثه بل قال: في الطبقات: أخبرنا بعض أصحابنا عن سفيان بن عينيه أنه سمع منه هذا الحديث عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه فذكروه فقال: لما انتهى اليه فقال: صلى اللَّه عليك وهذا الرجل المهمل لم يحفظه فلا يحتج به وقد عارضه قول: عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما لا ينبغي الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ فاحتاجا إلى ترجيح أحدهما على الآخر. الخامس: ما رواه إسماعيل بن إسحاق فقال: حدثنا عبد اللَّه بن مسلم حدثنا نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم القاري عن نعيم عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه أنه كان يكبر على الجنازة، ويصلى على النبي ﷺ ثم يقول: اللَّهمّ بارك فيه وصل عليه واغفر له وأورده حوض نبيك ﷺ. وأجيب بأن نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم أبا رويم هذا، قال أبو طالب: عن أحمد بن حنبل كان يؤخذ عنه القرآن وليس في الحديث بشيء. وقال ابن عدي: وأرجو أنه لا بأس فيه، فقد تبين ضعفه وإن كان من أئمة القراءة، ويدل على أن حديثه هذا ليس بمحفوظ أن مالك لم يروه في (الموطأ) وإنما روى أثرا عن أبى هريرة، فلو كان هذا عند نافع مولاه لكان مالك أعلم به من نافع بن أبى نعيم، وقول ابن عباس يعارضه مع ذلك. السادس: أن الصلاة هي الدعاء وقد أمرنا بالدعاء بعضنا لبعض، هكذا احتج أبو سليمان بن الفراء. وأجيب عن ذلك بأن الصلاة دعاء مخصوص قد أمروا به في حق رسول اللَّه ﷺ وليس في ذلك دليل على جواز الدعاء به لغيره لما بين الرسول وبين غيره من الفرق العظيم، فلا يصح الإلحاق به، لا في الدعاء ولا في المدعو، وكما لا يصح أن يقاس عليه دعاء غيره لا يصح
الدعاء به لغيره لما بين الرسول وبين غيره من الفرق العظيم، فلا يصح الإلحاق به، لا في الدعاء ولا في المدعو، وكما لا يصح أن يقاس عليه دعاء غيره لا يصح
أن يقاس على الرسول غيره، لا سيما والصلاة تشرع في حق الرسول لكونها دعاء بل لأخص من مطلق الدعاء، وهو كون الصلاة مطلق تعظيمه، وتحميده، والثناء عليه وهذا أخص من مطلق الدعاء. السابع: ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن زيد عن يزيد ابن ميسرة عن عبد اللَّه بن شفيق عن أبى هريرة قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال: ويقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى اللَّه عليك وعلى جسد كنت تعمرينه فينطلق به إلى ربه ﷿ ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعنا ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرد رسول اللَّه ﷺ ربطة كانت عليه على أنفه هكذا. وهو يدل عن عبد اللَّه بن شفيق عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال: يقول أهل السماء: روح طيب ريحها وذكر المسك، قال: يقول أهل السماء: روح طيبه جاءت من قبل الأرض صلى اللَّه عليك وعلى جسد كنت تعمر فيه. وذكر الحديث هكذا قال: مسلم عن أبى هريرة موقوفا وسياقه يدل على أنه مرفوع فإنه قال بعده: وإن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لفها ويقول: أهل السماء روح خبيئة جاءت من قبل الأرض قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل قال: أبو هريرة فرد رسول اللَّه ﷺ ريطة كانت على ألفه هكذا [ (١) ] وهو
ول: أهل السماء روح خبيئة جاءت من قبل الأرض قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل قال: أبو هريرة فرد رسول اللَّه ﷺ ريطة كانت على ألفه هكذا [ (١) ] وهو
يدل على أن رسول اللَّه ﷺ حدثهم به وقد رواه جماعة عن أبى هريرة مرفوعا منهم أبو سلمة وعمرو بن الحكم وإسماعيل السدي عن أبيه عن أبى هريرة وسعيد بن يسار وغيرهم فإذا كانت الملائكة تقول: المؤمن صلى اللَّه عليك جاز ذلك أيضا للمؤمنين بعضهم لبعض. وأجيب بان هذا ليس بمتناول لمحل النزاع فإن النزاع فإنه هو هل يسوغ لأحد أن يصلى على غير الرسول وآله وأما الملائكة فليسوا بداخلين تحت تكاليف البشر حتى يصح قياسا عليهم فيها وبفعلونه فأين أحكام الملك من أحكام البشر فالملائكة رسل اللَّه في خلقه وأمر يتصرفون بأمره تعالى لا بأمر البشر. الثامن: قال اللَّه تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ (١) ] . وقال: ﷺ إن اللَّه وملائكته يصلون على معلم الناس الخير [ (٢) ] وأجيب بأن هذا أيضا في غير النزاع فكيف يصح النزاع وقياس فعل العبد على فعل الرب وصلاة العبد دعاء وصلاة اللَّه على عبده ليست دعاء وإنما هي أكرم وتعظيم ومحبه وثناء واين هذا من صلاة العبد.
التاسع: ما خرجه أبو داود [ (١) ] ومن حديث عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ إن اللَّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف [ (٢) ] وفي حديث ارخ عنها قالت: ان رسول اللَّه ﷺ وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف [ (٣) ] وقد جاء صلاة الملائكة على من صلى على النبي ﷺ وتقدم جواب هذا كله فيما مضى. العاشر: روى مالك بن مخامر عن النبي ﷺ مرسلا أنه قال: اللَّهمّ صلى على آل أبى بكر فإنه يحب اللَّه ورسوله اللَّهمّ صل على عمر فإنه يحب اللَّه ورسوله اللَّهمّ صلى على آل عثمان فإنه يحب اللَّه ورسوله اللَّهمّ صلى على عليّ فإنه يحب اللَّه ورسوله اللَّهمّ صلى على أبى عبيدة فإنه يحب اللَّه ورسوله اللَّهمّ صل على عمرو بن العاص فإنه يحب اللَّه ورسوله، وأجيب بأن هذا حديث مرسل لا إسناد له حتى نعرف صحته من سقمه ومع هذا فإنه في غير محل النزاع كما تقدم. الحادي عشر: ما روى عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما أنه كان يقف على غير النبي فيصلي عليه وسلّم فيصلي عليه وعلى أبى بكر وعمر. وأجيب بأن ابن عبد البر قال: ولهذا أنكر العلماء على يحيى بن يحيى ومن تابعه في الرواية عن مالك في (الموطأ) عن عبد اللَّه بن دينار قال: رأيت عبد اللَّه بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبى بكر
يحيى ومن تابعه في الرواية عن مالك في (الموطأ) عن عبد اللَّه بن دينار قال: رأيت عبد اللَّه بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبى بكر
وعمر قالوا: إنما الرواية وغيره عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان يقف على قبر النبي ﷺ ويدعوا لأبى بكر وعمر وبين يصلى على أبى بكر وعمر فإن كانت الصلاة قد تكون دعاء لما به رسول اللَّه ﷺ من لفظ الصلاة عليه وكذلك روى عن عبد اللَّه بن عباس قال: لا يصلى على أحد إلا على النبي ﷺ يعنى وسائر الناس يدي لهم وترحم عليهم ومعلوم ان ابن عباس يعلم أن الصلاة قد تكون الدعاء والرحمة أيضا وقد رد ابن وضاح رواية يحيى إلى رواية ابن القاسم عن سحنون وحدث بها عنه وكما رواه ابن القاسم كذلك رواه القعنبي وابن بكر ومن تابعهم في (الموطأ) وجعلها يصلى على النبي ﷺ ويدعو لأبى بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما. الثاني عشر: أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه في الصلاة عليه وعلى أزواجه وهذا على أصولكم الزم فإنكم لم تدخلوهن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة فإذا جازت الصلاة عليهنّ جازت على غيرهن من الصحابة. وأجيب إنما صلى على الأزواج لإضافتهن إلى الرسول اللَّه ﷺ وأهل بيته وزوجاته تبع له فيها. *** تم بحمد اللَّه تعالى الجزء العاشر ويليه الجزء الحادي عشر وأوله: فصل في أنهن لم يدخلن فيمن تحرم عليه الصدقة من الآل
[المجلد الحادي عشر] [تتمة الثمانون] [تتمة الثاني عشر] ﷽
فصل في أنهن لم يدخلن فيمن تحرم عليه الصدقة من الآل فلعموم القرابة التي يثبت بها التحريم، ومع ذلك فإنّهنّ من أهل بيته الذين يستحقون الصلاة عليه، ولا منافاة بين الأمرين.
الثالث عشر: أنكم قد قلتم بجواز الصلاة على النبي ﷺ تبعا له، وقلتم بجواز أن يقال: اللَّهمّ صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه. قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا النووي: واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعا لهم في الصلاة، ثم ذكر هذه الكيفية وقال: الأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد أمرنا به في التشهد ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضا. قالوا: ومنه الأثر المعروف، عن بعض السلف: اللَّهمّ صل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك المرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات والأرضين. وأجيب بأن ادعاء الاتفاق غير معلوم الصحة، فقد منع جماعة الصلاة على غير الأنبياء مفردة وتابعة كما تقدم، فمن جعل الاتفاق وهذا التفصيل الّذي ذكرتموه وإن كان معروفا عن بعضهم في أصلهم بقوله: بل يمنعه، وهب أنا نجوز الصلاة على أتباعه بطريق التبعية له فمن أين يجوز إفراد المقر أو غيره بالصلاة عليه استقلالا ودعواكم أن الأحاديث الصحيحة في ذلك غير مسلم بها، فأين تجدون في الأحاديث الصحيحة الصلاة على غير النبي ﷺ وآله وأزواجه وذريته حتى قلتم: والصحابة؟ فليس فيما ذكر الصحابة ولا الأتباع، وكذا قولكم: وقد أمرنا به في التشهد، فما أمرنا في التشهد إلا بالصلاة على آله وأزواجه وذريته فقط دون من عداهم، أوجدونا، ولن تجدوه أبدا.
الرابع عشر: ما خرجه أبو يعلى الموصلي، عن ابن زنجويه، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، حدثنا ضمرة بن حبيب بن صهيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت، أن رسول اللَّه ﷺ دعاه وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال: قل حين تصبح: لبيك اللَّهمّ لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، وتباركت وتعاليت، وأستغفرك وأتوب إليك،
د به أهله كل يوم، قال: قل حين تصبح: لبيك اللَّهمّ لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، وتباركت وتعاليت، وأستغفرك وأتوب إليك،
اللَّهمّ ما قلت من قول أو نذرت من نذر، وحلفت من حلف، فمشيئتك بين يديك، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة لي إلا بك، أنت على كل شيء قدير، اللَّهمّ ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. ووجه الاستدلال أنه لو لم تشرع الصلاة على غير النبي ﷺ لما كان يصلي على من ليس بأهل للصلاة، ولا يدري استثنى من ذلك كما أستثنى في حلفه ونذره. أجيب بأن في سند هذا الحديث أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغساني الحمصي، قال ابن معين: ضعيف الحديث ليس بشيء، وقال أحمد: كان عيسى بن يونس لا يرضاه، وقال السعدي: ليس بالقوى في الحديث وهو متهالك. وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو داود: سرق له متاع فأنكره عقله، وقال ابن عدي: والغالب على حديثه الغرائب وكل من يوافقه عليه من الثقات، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ، يتحدث بالشيء فيهم، وكثر ذلك حتى استحق الترك. قال ابن القيم: وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﷺ وجائزة ومفردة.
ذه المسألة أن الصلاة على غير النبي ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﷺ وجائزة ومفردة. وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضا فيقال: اللَّهمّ صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان معينا أو طائفة معينة كره أن تتخذ الصلاة عليه شعارا لا تحل به، ولو قيل بتحريمه لكانت له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعارا له، وصنع منها نظيره أو من هو خير منه، وهذا كما يفعل الرافضة بعليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه-، فإنّهم حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع منه، ولا سيما إذا اتخذ شعارا لا تحل به، فتركه حينئذ متعين، وأما إن صلّى عليه اتفاقا بحيث لا يجعل ذلك شعارا كما يصلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت، وكما قال النبي ﷺ على المرأة وزوجها، وكما روى
عن عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- من صلاته على عمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فهذا لا بأس به، وبهذا التفصيل تتفق الأدلة، ويكشف وجه الصواب. واللَّه الموفق.
ا روى
عن عليّ- رضي اللَّه ﵎ عنه- من صلاته على عمر- رضي اللَّه ﵎ عنهما- فهذا لا بأس به، وبهذا التفصيل تتفق الأدلة، ويكشف وجه الصواب. واللَّه الموفق.
الحادية والثمانون من خصائصه ﷺ: أن الصلاة عليه واجبة قال أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على كل مؤمن بقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (١) ] ثم اختلفوا في كيفية ذلك وموضعه، فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن الصلاة على النبي ﷺ فرض في الجملة بعقد الإيمان، ولا يتعين في الصلاة ولا في وقت من الأوقات، ومن قول بعضهم: أن من صلى على النبي ﷺ مرة في عمره فقد سقط فرض ذلك عنه، وبقي مندوبا إليه في سائر عمره بمقدار ما يمكنه. قال كاتبه: وهذا أبو محمد بن حزم قال فيمن يقول: أن هذا القول فرض على كل مسلم أن يقوله مرة في الدهر: فإذا فعل ذلك فقد صلّى على رسول اللَّه ﷺ كما أمر ثم يستحب له ذلك في الصلاة وغيرها فهو يزيد من الأجر. قيل: من أين اقتصرتم على وجوب هذا مرة في الدهر ولم توجبوا تكرار ذلك متى ذكر رسول اللَّه ﷺ؟ قلنا: إن ذلك مرة واحدة واجب، ولا يوجد الاقتصار على أقل من مرة، وأما الزيادة على المرة فنحن نسألكم: كم مرة توجبون ذلك في الدهر؟ أو في الحول؟ أو في الشهر؟ أو في اليوم؟ أو في الساعة؟ ولا يمكن منكم تحديد عدد دون عدد إلا ببرهان، ولا سبيل إليه فقد امتنع هذا بضرورة العقل.
فإن قالوا: نوجب ذلك عليه في الصلاة خاصة، قلنا: ليس هذا موجودا في الآية ولا في شيء من الأحاديث، فهو دعوى منكم بلا برهان، فإن من قال من غير الشافعيّ بقول إيجاب ذلك متى ذكر رسول اللَّه ﷺ في صلاة أو غيرها، قلنا: هذا لا يوجد في الآية ولا في الصحيح من الأخبار. قال القرطبي في تفسيره: ولا خلاف أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة، وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة، التي لا يسع تركها، ولا يغفلها إلا من لا خير فيه. ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره، كما قال في آية السجدة، وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وفي آخره. ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين، والّذي يقتضيه الاحتياط، الصلاة عليه كلما ذكر، كما ورد من الأخبار في ذلك. وقال أبو جعفر الطحاوي وأبو عبد اللَّه الحليمي: تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وقال: ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه، اختلفوا في ذلك، فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة، لأن الأمر لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وهذا لأنه يحكي عن أبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري والأوزاعي. وقال القاضي عياض- وهو قول جمهور الأمة-: وقالت فرقه: تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير وهو قول الشافعيّ وأحمد في أحد الروايتين عنه. قال ابن عبد البر: وقال الشافعيّ ﵀: إذا لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير، بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة، قال: وإن صلّى عليه قبل ذلك لم يجز، هذا قول حكاه عنه حرملة، ولا يكاد يوجد عنه إلا من رواية حرملة، وغير حرملة إنما يروى عنه أن الصلاة على النبي ﷺ فرض في كل صلاة، موضعها التشهد الآخر قبل التسليم، ولم يذكر إعادة فيمن وضعها قبل التشهد في الجلسة الأخرى، وأن أصحابه قد تقلدوا رواية حرملة، ومالوا إليها، وناظروا عليها.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر وجوب، هذا قول ابن جريج وطائفة، وادعى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري فيه الإجماع، وهذا على أصله، فإنه إذا رأى الأكثرين على قول جعل إجماعا يجب اتباعه، والمقدمتان باطلتان، واحتج القائلون بوجوب الصلاة عليه ﷺ بحجج:
الطبري فيه الإجماع، وهذا على أصله، فإنه إذا رأى الأكثرين على قول جعل إجماعا يجب اتباعه، والمقدمتان باطلتان، واحتج القائلون بوجوب الصلاة عليه ﷺ بحجج:
الأولى: ما خرجه الحاكم [ (١) ] من حديث أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- عن النبي ﷺ قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ. ورغم أنفه: دعاء عليه، وذم له.
الثانية: قوله: من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فمات فأبعده اللَّه، وله طرق عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة، وكعب بن عجرة، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك وكل طريق منها جاءت مستقله، والحديث بهذه الطرق المتعددة يفيد الصحة.
الثالثة: قوله: من ذكرت عنده فليصل عليّ فإنه من صلّى عليّ مرة صلّى اللَّه عليه عشرا. لأمر ظاهر في الوجوب.
الرابعة: قوله: إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ، وقوله: إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل على، وقوله: بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي عليّ، وقوله: كفى به شحا أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليّ فإذا ثبت أنه بخيل، ووجه الدلالة أن البخيل اسم ذمّ، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [ (٢) ] [وقال تعالى:] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ (٣) ] فقرن تعالى البخل بالاختيال والفخر والأمر بالبخل، وذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، وقد قال النبي ﷺ: وأي داء أدوى من البخل؟ والبخيل هو
مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، وإنما البخيل مانع ما يجب عليه إعطاؤه وبذله.
الخامسة: أن اللَّه تعالى أمر بالصلاة والسلام عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو في كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت، فتكرر الأمر بتكرار ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص، وهاهنا ثلاث مقدمات.
المقدمة الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
لى من وقت، فتكرر الأمر بتكرار ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص، وهاهنا ثلاث مقدمات.
المقدمة الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه، فنفاه طائفة، وفرقت طائفة بين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت، فأثبت التكرار في المعلق دون المطلق، وهذه الأقوال الثلاثة لأصحابنا، ولأصحاب أحمد وغيرهم يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلام، وإن كان لا يفرض لصحة المنهي عنه ولا فساده في أصل موضع اللغة، وكذا خطاب الشارع للواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذه لغة صاحب الشرع، وعرفه في مصادر كلامه، وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار عن دينه قبل أن يعلم صحة القياس، واعتباره، وشروطه، وهذا فرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، وبين اقتضائه في عرف الشرع وعادة خطابه.
المقدمة الثالثة: إذا تكرر المأمور به فإنه لا يتكرر إلا بسبب، ولولا الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه، والإمحال عليه بالبخل، وإعطائه اسمه، ومما يؤيد ذلك أن اللَّه سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون عليه لم يكن مرة وانقطعت، بل هي صلاة متكررة، ولهذا ذكرها مبينا بها فضله، وشرفه، وعلو مرتبته، ثم أمر المؤمنين بها، فتكرارها في حقهم أحق وأكثر لأجل الأمر، ولأن اللَّه تعالى أكد السلام بالمصدر الّذي هو التسليم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته، وذلك بالتكرار، ولأن لفظ المأمور به
يدل على التكثير فإن الفعل المشدد يدل على تكرار الفعل كقولك كسّر الخبز وقطّع اللحم، وعلّم الخير، ونحوه، ولأن الأمر بالصلاة عليه في مقابل إحسانه إلى الأمة وتعليمهم وإرشادهم المطلق، وهذه الأقوال الثلاثة لأصحابنا، ولأصحاب أحمد وغيرهم. ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر اللَّه تعالى على التكرار كقوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (١) ] وقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [ (٢) ] وقوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ (٣) ] وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ (٤) ] وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [ (٥) ] وقوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ (٦) ] وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [ (٧) ] وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [ (٨) ] وقوله في اليتامى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ [ (٩) ] وقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ (١٠) ] وقوله تعالى:
سُوهُمْ [ (٩) ] وقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ (١٠) ] وقوله تعالى:
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ (١) ] إلى قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ (٢) ] إلى قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [ (٣) ] وقوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ (٤) ] وقوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ [ (٥) ] وقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [ (٦) ] وقوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ (٧) ] وهذا في القرآن كثير جدا. وإذا كانت أوامر اللَّه تعالى ورسوله على التكرار، حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب اللَّه ورسوله للأمة، والأمر إن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور، وكان قد عرف في خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه، والمألوف من خطابه وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، وهذا كما قلنا: إن الأمر يقتضي الوجوب، والنهى يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع التكرار، فلا يحمل كلامه وإن كان لا يفرض لصحة المنهي عنه ولا فساده في أصل موضوع اللغة، وكذا خطاب الشارع بالواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك فإن هذه لغة صاحب الشرع، وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يتعلم صحة القياس، واعتباره، وشروطه، وهذا
لغة لا يقتضي ذلك فإن هذه لغة صاحب الشرع، وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يتعلم صحة القياس، واعتباره، وشروطه، وهذا
الفرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، وبين اقتضائه في عرف الشرع وعادة خطابه. ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا تحصل بالصلاة مرة واحدة في العمر، بل لو صلّى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه، ولا مؤديا لنعمته، فجعل جزاء هذه النعمة الصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ، ولهذا أشار ﷺ إلى ذلك بتسمية من لم يصل عليه عند ذكر اسمه بخيلا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له منه الخير الجسيم، ثم يذكر عنده فلا يثنى عليه، ولا يبالغ في حمده، ومدحه، ويبدئ ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القيام بشكره، وواجب حقه، عده الناس بخيلا، لئيما، كفورا، فكيف بمن أو في إحسانه إلى العبد يزيد على إحسان المخلوقين بعضهم لبعض، الّذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجى من شر الدنيا والآخرة، والّذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلا عن أن يقوم بشكره؟. أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم ويثنى عليه، ويتفرغ الوسع في حمده ومدحه، إذا ذكر بين الملأ فلا أقل من أن يصلي عليه مرة إذا ذكر اسمه، ولهذا دعي عليه النبي ﷺ برغم الأنف، وهو أن يلصق أنفه بالتراب. وأيضا فإن اللَّه تعالى: نهى الأمة أن تجعل دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا بل تدعوه: يا رسول اللَّه، يا نبي اللَّه، وهذا من تمام تعزيره وتوقيره، فلهذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فرقا بينه وبين ذكر غيره، كما كان الأمر به، دعاءه بالرسول، والنبي، فرقا بينه وبين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا يجب الصلاة عليه لكان ذكره كذكر غيره في ذلك، هذا على أحد التفسيرين في الآية. وأما التفسير الآخر وهو أن المعنى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ (١) ] فتؤخروا الإجابة بالأعذار والعلل التي يؤخر بعضكم عن إجابة بعض بها، لكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف عن إجابته، والمبادرة إلى طاعته، فإذا
لم تكن الصلاة التي فيها شغل يستباح به إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافا إلى المفعول، وقد يقال: إن المصدر هنا لم يضف إلى الفاعل ولا المفعول، وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة، ويكون المعنى لا تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا، وعلى هذا فيعم الأمرين معا، ويكون النهى عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا، عن تأخير إجابته، وعلى كل تقدير فكما أمر اللَّه سبحانه بأن يميز عن غيره في خطابه ودعائه إياهم، قياما للأمة بما يجب عليهم من تعظيمه وإجلاله، فتمييزه ﷺ بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود وقد أخبر ﷺ أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطئ طريق الجنة، فلولا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره، فلم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة، فمن ذكر النبي ﷺ عنده فلم يصل عليه فقد جفاه ولا يجوز لمسلم جفاؤه.
والدليل على المقدمة الأولى: حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، يرفعه: من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي عليّ وهذا وإن كان مرسلا لا يحتج به، فله شواهد.
والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءه مناف لكمال حبه، وتقديم محبته على النفس، والأهل، والمال، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإن العبد لا يؤمن حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه، وولده، ووالده، والناس أجمعين كما تقدم، فإن المحبة ثلاثة أنواع:
- إما محبة إجلال وتعظيم، كمحبة الوالدين.
- وإما محبة تحنن وبر ولطف، كمحبة الولد.
- وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال، كمحبة الناس بعضهم بعضا. ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول ﷺ أشد من هذه المحبات الثلاثة، ومعلوم أن حقا ثانيا في ذلك، فلما كانت محبته ﷺ فرضا وكانت توابعها من الإجلال، والتعظيم، والتوقير، والطاعة، والتقديم على النفس وإيثاره بنفسه بحيث بقي نفسه بنفسه فرضا، كانت الصلاة عليه من لوازم هذه
المحبة وتمامها، وإذا ثبت لهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر أولى. ونظير هذا أن السامع آية السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا واستحبابا على القولين فوجوبها على التالي أولى،
اة على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر أولى. ونظير هذا أن السامع آية السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا واستحبابا على القولين فوجوبها على التالي أولى،
واحتج نفاة الوجوب بوجوه:
أحدها: أنه من المعلوم الّذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنّبيّ ﷺ أكثر من أن يذكر، فإنّهم كانوا يقولون: يا رسول اللَّه، مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم: صلى اللَّه عليك، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليه تركها.
الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كما ذكر لكان هذا من أظهر الواجبات، ولبينه لأمته بيانا يقطع العذر وتقوم به الحجة.
الثالث: أنه لا يعرف عند أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يعرف أحد منهم قال به، وأكثر الفقهاء حكى الإجماع على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القائل بوجوبها إلى الشذوذ، ومخالفة الإجماع، فكيف خارج الصلاة؟.
الرابع: لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائما لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللَّه ﷺ، ولا يشرع له في الأذان فضلا عن أن تجب عليه.
الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء ويجيبه أن يصلي عليه، وقد أمر ﷺ أن نقول كما يقول المؤذن، وهذا دليل على جواز اقتصاره على قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدا رسول اللَّه، هذا هو مثل ما قال المؤذن.
السادس: أن التشهد الأول ينتهى عند قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اتفاقا، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله في التشهد الأخير أم لا؟ على ثلاثة أقوال: قيل: لا يشرع الصلاة عليه خاصة دون آله، ولم يقل أحد بوجوبها في التشهد الأول عند ذكر النبي ﷺ.
السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللَّه ﷺ.
ل أحد بوجوبها في التشهد الأول عند ذكر النبي ﷺ.
السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول: أشهد أن محمدا رسول اللَّه ﷺ.
الثامن: أن الخطيب في الجمع والأعياد ونحوها، لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس التشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، فلا يقال: تكفي الصلاة عليه في الخطبة، فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند التشهد، ولا سيما مع طول الفصل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة كلما ذكر، ومعلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا.
التاسع: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر على القارئ كلما مرّ بذكر اسمه، يصلي عليه ويقطع بذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها فإن الصلاة عليه لا تبطل الصلاة وهي واجبة، قد تعين فوجب أداؤه، وترك إهماله.
العاشر: لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على اللَّه تعالى كلما ذكر اسمه، وكان يجب على من ذكر اسم اللَّه أن يقرنه بأن يقول: ﷾، أو ﷿، أو ﵎، أو جلت عظمته، أو تعالى جدّه، ونحو ذلك، بل كان ذلك أولى مما روى، فإن تعظيم الرسول ﷺ وإجلاله، ومحبته، وطاعته تابع لتعظيم مرسلة سبحانه وإجلاله، ومحبته، وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة، والتعظيم والإجلال، للرسول ﷺ دون مرسلة، بل إنما يثبت له تبعا لمحبة اللَّه ﵎، وتعظيمه، وإجلاله، ولهذا كانت طاعة ومتابعة النبي ﷺ متابعة للَّه ﵎ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ (١) ] ومحبته محبة للَّه تعالى. قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ (٢) ] وتعظيمه تعظيما للَّه، ونصرته نصرة للَّه، فإنه رسوله ﷺ وعبده الداعي إليه، وإلى طاعته، ومحبته، وإجلاله، وتعظيمه، وحده لا شريك له. فكيف يقال:
تجب الصلاة كلما ذكر اسمه وهي ثناء وتعظيم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق ﷾ كلما ذكر اسمه؟ هذا محال من القول.
الحادي عشر: أنه لو جلس إنسان ليس له هجير إلا قوله: محمد رسول اللَّه، أو اللَّهمّ صل على محمد وعلى آل محمد، وبشر كثير يسمعونه، فإن قلتم: يجب على كل من أولئك السامعين أن يكون هجيرا للصلاة عليه ولو طال المجلس ما طال، كان ذلك حرجا ومشقة، وتركا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم وكلام صاحب الحاجة منهم، وهذا كونه في العلم وتعلمه القرآن وغير ذلك. وإن قلتم: لا تجب عليهم الصلاة في هذه الحالة نقضتم مذهبكم، وإن قلتم: تجب عليه مرة أو أكثر كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولهم.
الثاني عشر: أن الشهادة له ﷺ بالرسالة فرض واجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل أحد في الإسلام إلا بها ولا تجب كلما ذكر اسمه فكيف تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه؟ وليس من الواجبات بعد كلمة الإخلاص إفراد الشهادة له بالرسالة فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان، وموجبات هذه الشهادة، فكان يجب على من ذكر اسمه أن يقول: محمد رسول اللَّه، ووجوب ذلك أظهر بكثير من موجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، فهذه حجج الفريقين، ولكل فرقة منها أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا، وبعضها محتمل، وبعضها قوى، والفاضل لا يخفى عليه ذلك عند تأمل حجج الفريقين، وبالجملة فأدلة الوجوب أقوى وأظهر.
حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا، وبعضها محتمل، وبعضها قوى، والفاضل لا يخفى عليه ذلك عند تأمل حجج الفريقين، وبالجملة فأدلة الوجوب أقوى وأظهر.
الثانية والثمانون من خصائصه ﷺ: في كيفية الصلاة على النبي ﷺ اعلم أنه قد أوردت أحاديث الصلاة على الرسول ﷺ اثنان وأربعون من الصحابة- رضي اللَّه ﵎ عنهم- وهم: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، وكعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن الحارث السوداوي حليف الأنصار، وأبو حميد الساعدي واسمه المنذر وقيل: عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، وأبو سعيد الخدريّ واسمه سعد بن مالك بن سنان، وطلحة بن عبيد اللَّه، وزيد بن خارجة ويقال: ابن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وبريدة بن الحصيب، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد اللَّه بن مسعود، وفضالة ابن عبيد، وأبو طلحة الأنصاري واسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، وأنس بن مالك وعمر بن الخطاب، وعامر بن ربيعة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وأوس بن أوس، والحسن والحسين ابنا على بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والبراء بن عازب، ورويفع بن ثابت الأنصاري، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو رافع بن ثابت الأنصاري، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو رافع مولى رسول اللَّه ﷺ وعبد اللَّه بن أوفى، وأبو أمامه الباهلي واسمه صدى ابن عجلان، وعبد الرحمن بن بشير بن مسعود، وأبو بردة بن دينار واسمه هاني، وقيل: الحارث، وعمار بن ياسر، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، واسمه سعد، ومالك بن الحويرث، وعبد اللَّه بن جزء الزبيدي، وعبد اللَّه بن عباس، وأبو ذر الغفاريّ، واسمه جندب بن جنادة، وقيل: غير ذلك، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصديق، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وسعيد بن عمير الأنصاري، وهو من البدريين، وحبان بن منقذ.
دب بن جنادة، وقيل: غير ذلك، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصديق، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وسعيد بن عمير الأنصاري، وهو من البدريين، وحبان بن منقذ.
فأما حديث أبي مسعود [ (١) ]- رضي اللَّه ﵎ عنه - فحديث صحيح خرجه النسائي [ (٢) ] عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم عن مالك. وخرجه الترمذي [ (٣) ] عن إسحاق بن موسى، عن معن عن مالك. وخرجه مسلم [ (٤) ] من حديث يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر أن زيد بن عبد اللَّه الأنصاري، وعبد اللَّه بن زيد،
[ () ] قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد إلى آخره، قالوا: والأمر للوجوب، وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضم إليه الرواية الأخرى، كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال ﷺ: قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد إلى آخره وهذه الزيادة صحيحة. رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي، والحاكم أبو عبد اللَّه في صحيحيهما، وقال الحاكم: هي زيادة صحيحة، واحتج لها أبو حاتم وأبو عبد اللَّه في صحيحيهما بما روياه عن فضالة بن عبيد- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلا يصلي لم يحمد اللَّه، ولم يمجده، ولم يصل على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: عجل هذا، ثم دعاه النبي ﷺ، فقال: إذا صلّى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه وليصل على النبي ﷺ وليدع ما يشاء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهذان الحديثان وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع كالصلاة على الآل والذرية والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما فإن الأمر للوجوب فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب. واللَّه تعالى أعلم. والواجب عند أصحابنا: اللَّهمّ صلّ على محمد، وما زاد عليه سنة، ولنا وجه شاذ أنه يجب الصلاة على الآل وليس بشيء، واللَّه تعالى أعلم. واختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال: أظهرها وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين، أنهم جميع الأمة، والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، والثالث: أهل بيته ﷺ وذريته واللَّه تعالى أعلم.
ى أقوال: أظهرها وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين، أنهم جميع الأمة، والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، والثالث: أهل بيته ﷺ وذريته واللَّه تعالى أعلم. قوله (أمرنا اللَّه تعالى أن نصلي عليك يا رسول اللَّه فكيف نصلي عليك) معناه أمرنا اللَّه تعالى بقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً فكيف نلفظ بالصلاة؟ وفي هذا أن من أمر بشيء لا يفهم مراده يسأل عنه ليعلم ما يأتى به، قال القاضي: ويحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في غير الصلاة ويحتمل أن يكون في الصلاة، قال: وهو الأظهر، قلت: وهذا ظاهر اختيار مسلم وبهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضوع. قوله: (فسكت رسول اللَّه ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله) معناه كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي ﷺ كره سؤاله وشق عليه. قوله ﷺ: (والسلام كما علمتم) معناه قد أمركم اللَّه تعالى بالصلاة والسلام على، فأما الصلاة فهذه صفاتها، وأما السلام فكما علمتم في التشهد، وهو قوله: السلام
هو الّذي كان أرى النداء بالصلاة، أخرجه عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: أتانا رسول اللَّه ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد، أمرنا اللَّه أن نصلي عليك يا رسول اللَّه فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول اللَّه ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم. ترجم عليه النسائي باب الأمر بالصلاة على النبي ﷺ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وخرجه أبو داود [ (١) ] عن القعنبي، عن مالك. وخرجه الإمام أحمد [ (٢) ] بزيادة عن طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد فقال: حدثنا أبو السحيم عبد ربه الأنصاريّ عن أبي مسعود قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول اللَّه أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نحن نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلّى اللَّه عليك؟ قال: فصمت رسول اللَّه ﷺ حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال:
إذا أنتم صليتم عليّ فقولوا: اللَّهمّ صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك [ (١) ] . ورواه ابن خزيمة والحاكم [ (٢) ] . قال الحاكم فيه: على شرط مسلم واعترض عليه بأن في هذا نوع تساهل، فإن مسلم لم يحتج بابن إسحاق في الأصول، وإنما خرّج له في المتابعات، وقد أحلت له هذه الزيادة بتفرد ابن إسحاق بها، ومخالفة سائر الرواة له في تركهم ذكرها. وأجيب عن ذلك بأن ابن إسحاق لم يخرّج بما يوجب ترك الاحتجاج به، وقد وثقه كبار الأمة، وأثنوا عليه بالحفظ والعدالة، وهما ركنا الرواية، ومع ذلك فإنما يخاف من تدليسه، وقد صرح هنا بسماعة الحديث من محمد بن إبراهيم التيمي فزالت تهمة تدليسه، وقد قال الدارقطنيّ في هذا الحديث- وقد خرجه في (السنن) [ (٣) ] من هذا الوجه-: وهذا إسناد حسن متصل، وقال في كتاب (العلل) : يرويه محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد عن أبي مسعود، حدث به عنه كذلك القعنبي ومعن وأصحاب (الموطأ) . [يعنى أصحاب مالك] [ (٤) ] .



