إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya المقريزي (w. 845 H).

Bagian 84 dari 128 6146 halaman

— Bagian 84 · [ (١) ] ، وقوله تعالى لنبيه ﷺ: وَلا تَكُنْ كَصاح… —

Bagian 84

[ (١) ] ، وقوله تعالى لنبيه ﷺ: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ* لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [ (٢) ] ، وقوله- تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [ (٣) ] ، وقوله تعالى: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ (٤) ] ، قالوا: ولا ذنب أعظم من المغاضبة للَّه- تعالى، ومن ذنب من ظن أن لن يقدر عليه اللَّه، وقد أخبر- تعالى، أنه استحق الذم لولا أن تداركه نعمة من عنده وأنه استحق الملاومة، وأنه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين، ونهى اللَّه تعالى محمدا ﷺ أن يكون مثله، وهذا كله لا حجه لهم فيه بل هو حجه لنا على صحة قولنا. أما إخبار اللَّه- تعالى- أنه ذهب مغاضبا فلم يغاضب ربه قط، ولا أخبر- تعالى- أنه غاضب ربه، والزيادة في القرآن لا تحل فإذ لا شك في شك ولا يجوز أن يظن من له أدنى مسكة من عقل أنه يغاضب اللَّه- تعالى: فكيف بنبيّ من الأنبياء؟ فعلمنا يقينا أنه إنما غاضب قومه ولم يكن ذلك مرادا للَّه تعالى فعوقب لذلك وإن كان لم يقصد بذلك إلا- رضي اللَّه ﵎ عنه. وأما قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ فليس على تأولوه من الظن السخيف الّذي لا يظن مثله بضعفة من ضعائف النساء أو ضعفاء الرجال، فكيف بنبي من الأنبياء؟ ومن أبعد المحال أن يكون نبي يظن أن ربه عاجز عنه، وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه، ولا شك أن من ينسب هذا النوك إلى النبي الفاضل فإنه يشتد غضبه، لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه، فإذا قد بطل ظنهم السخيف، فباليقين نعلم أن معنى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، إما معناه فظن

فاضل فإنه يشتد غضبه، لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه، فإذا قد بطل ظنهم السخيف، فباليقين نعلم أن معنى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، إما معناه فظن

أن لن نضيق عليه، كما قال تعالى: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [ (١) ] ، فظن يونس- ﵇ أن اللَّه- تعالى- لا يعاقبه على ذلك الفعل من المغاضبة لقومه، إذ ظن أنه محسن في ذلك. وأما نهى اللَّه- تعالى- لمحمد ﷺ أن يكون كصاحب الحوت، فنعم نهاه عن مغاضبة قومه، وأمره- تعالى- بالصبر على أذاهم بالمطاولة لهم، فأما قول اللَّه- تعالى- أنه استحق الذم والملامة وأنه لولا النعمة التي تداركه بها للبث معاقبا في بطن الحوت، فهذا يقين ما قلناه عن الأنبياء- ﵈ يؤاخذون في الدنيا على ما فعلوه مما يظنونه خيرا وقربة إلى اللَّه- تعالى- إذ لم يوافق ذلك مراد ربهم، وعلى هذا أقر على نفسه أنه كان من الظالمين، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فلما وضع المغاضبة في غير موضعها، اعترف في ذلك بالظلم على أنه قصده، وهو يرى أنه ظلم. وقال الطوفي: لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ، قد علم أن لولا يقتضي امتناع شيء لوجود غيره، والّذي امتنع هاهنا لوجود النعمة هو نبذه بالعراء مذموما، لا مجرد نبذه بالعراء وهو الصحراء لأنه قد وجد بديل، فنبذناه بالعراء وهو سقيم فدل على النبذ بالعراء مجردا عن صفة الذم بديل: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ومن يكن مجتبى صالحا لا يكون مذموما، وسقط بهذا اللعن على يونس- ﵇. وقال يونس، عن ابن عبد الحق، عن ربيعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت وهب بن منبه، وهو في مسجدنا، وذكر له يونس النبي- ﵇ فقال: كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة، ولها أثقال، فلما جعلت عليه تفسح تحتها نفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فألقاها عنه، وخرج هاربا. قال القاضي عياض: فإن قيل: فما معنى قوله ﷺ: إنه ليغان على قلبي فاستغفر اللَّه- تعالى- كل يوم مائة مرة ؟ ومن طريق: في اليوم أكثر من سبعين مرة فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في

غان على قلبي فاستغفر اللَّه- تعالى- كل يوم مائة مرة ؟ ومن طريق: في اليوم أكثر من سبعين مرة فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في

قلبه ﷺ بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب ويغطيه، قال أبو عبيد: وأصله من غين السماء، هو إطباق الغيم عليها، وقاله غيره. والغين شيء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الّذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس، وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين في اليوم، إذا ليس يقتضيه لفظه الّذي ذكرناه، وهو أكثر الروايات، وإنما هذا عدد للاستغفار، لا للغين، فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهرها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، مما كان ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر، وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحتة النفس، كلفه من أعباء أداء الرسالة، وحمل الأمانة وهو في كل هذا في طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لما كان ﷺ أرفع الخلق إلى اللَّه مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه، وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع حالته، رأى ﷺ حال فترته عنها، فاستغفر اللَّه من ذلك، هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها. وإلى معنى ما أشرنا عنه مال كثير من الناس إليه، وحام حوله، فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محيّاه، وهو مبني على جواز الفترات والغفلات، والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي. قال كاتبه: نعم ما قرره القاضي إلا أنى أقوال: ليس مع ذلك فترة منه ﷺ، ولا غفلة، ولا سهو، وإنما هو شغل بالتبليغ إلى الخلق من الاستغراق في جناب الحق، فإذا فرغ من ذلك، ارتاح لما هنالك، فاستغفر ربه لا من ذنب بل تعرض منه ﷺ للنفحات الربانية. قال القاضي: وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المنصوفة ممن قال بالتنزيه للنّبيّ ﷺ عن هذا جملته، وأجعله أن يجوز عليه، في حال سهوا وفترة إلا أن معنى الحديث ما يهم خاطره، وبعد فكره من أمر أمته ﷺ لاهتمامه بهم، وكثرة شفقته عليهم، فيستغفر اللَّه لهم، قالوا وقد يكون الغين على قلبه

السكينة التي تتغشاه، لقوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [ (١) ] ، ويكون استغفاره عندها إظهار العبوديّة والافتقار. وقال ابن عطاء: استغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الاستغفار، وقد يحتمل أن تكون هذه الإغاثة حالة خشية وإعظام يغشى قلبه، فيستغفر حينئذ شكرا للَّه- تعالى، وملازمة لعبوديته كما قال في ملازمة العبادة: أفلا أكون عبدا شكورا؟. وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما روى في بعض طرق هذا الحديث عنه ﷺ أنه ليغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة، فأستغفر اللَّه. قال القاضي فإن قلت: فما معنى قوله- تعالى- لمحمد ﷺ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [ (٢) ] ، وقوله- تعالى- لنوح ﵇: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ (٣) ] ، فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا ﷺ: لا تكونن ممن يجهل أن اللَّه لو شاء لجمعهم على الهدى، وفي آية نوح: لا تكونن ممن يجهل ان وعد اللَّه حق، لقوله- تعالى: إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات اللَّه، وذلك لا يجوز على الأنبياء، والمقصود: وعظهم أن يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين، كما قال: إِنِّي أَعِظُكَ وليس في آية منهما دليل على كونهم على تلك الصفة التي نهاهم عن الكون عليها، فكيف وآية نوح: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؟ فحمل ما بعدها على، قبلها أولى، لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن، وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداء فنهاه اللَّه- تعالى- أن يسأله عن ما طوى علمه عنه، وأكنه في غيبه، من السبب الموجب لهلاك ابنه، ثم أكمل اللَّه- تعالى- نعمته بإعلامه ذلك بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ حكى معناه مكي.

من السبب الموجب لهلاك ابنه، ثم أكمل اللَّه- تعالى- نعمته بإعلامه ذلك بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ حكى معناه مكي.

كذلك أمر نبينا ﷺ في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه لا يخرج عند ذلك، فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر، حكاه أبو بكر بن فورك. وقيل: معنى الخطاب لأمة محمد ﷺ أي فلا تكونوا من الجاهلين، حكاه أبو محمد مكي، وقال: في القرآن كثير، فبهذا الفصل وجب القول بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعا. وقال أبو محمد بن حزم: وذكروا قول اللَّه- تعالى- لنوح- ﵇: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، وهذا لا حجة لهم فيه، لأن نوح تأول وعد اللَّه- تعالى- له أن يخلصه وأهله، فظن أن ابنه من أهله وهذا لو فعله أحدنا لكان مأجورا، ولم يسأل نوح تخليص من أيقن أنه ليس من أهله لكن هو أقرب القرابة إليه فقرع على ذلك ونهى أن يكون من الجاهلين فتذمم- ﵇ من ذلك ونزع، وليس هاهنا عمد للمعصية البتة. وقال الطوفي: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [ (١) ] ، يحتج به من يرى العموم وأن له صيغة والتمسك به بأن نوحا إنما تمسك في هذا السؤال لعموم قوله- تعالى: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [ (٢) ] ، وهو اسم جنس مضاف يفيد العموم، فصار تقدير سؤال نوح- ﵇ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وقد وعدتني بإنجاء أهلي قال: يا نوح إنه ليس من أهلك يحتمل وجوها: أحدها: أن ابنك مخصوص في علمنا من عموم أهلك، فليس هو من أهلك الناجين. الثاني: أنه ليس من أهل دينك بذلك، إنه عمل غير صالح وحينئذ يكون الأهل في قوله- تعالى- مجازا عن الموافقين في الإيمان. الثالث: ما قيل إن هذا الولد كان ابن زوجته أو أنه ولد على فراشه من غيره، بدليل أنه عمل غير صالح برفعة عمل ونحوه مما لا يليق بعضه

لموافقين في الإيمان. الثالث: ما قيل إن هذا الولد كان ابن زوجته أو أنه ولد على فراشه من غيره، بدليل أنه عمل غير صالح برفعة عمل ونحوه مما لا يليق بعضه

بالأنبياء، وعلى كل حال فلا بد لهذه القصة من استعمال المجاز في أهلك أو تخصيص عمومه بالابن المذكور، أو تجوز نوح بولده عن ابن امرأته، فيحتج بها على استعمال المجاز أو التخصيص في الكلام: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ (١) ] ، كأن نوحا لما قال: إن ابني من أهلي كان ذلك طلبا لنجاة ولده، لأن اللَّه- تعالى- قد حكم بإنجاء أهله فحمله لا يتغير، فلا فرق بين شفاعة نوح في أهله في ابنه وعدمها، فلذلك قوبل بهذا الكلام الّذي يصعب موقعه، فقال: إن نوحا- ﵇ بكى من هذا الكلام دهرا. قال القاضي عياض: فإن قلت: فإذا قررت عصمتهم من هذا، وأنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك، فما معنى إذا وعد اللَّه لنبينا ﷺ على ذلك إن فعله وتحذيره منه، كقوله- تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ (٢) ] ، قوله- تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [ (٣) ] ، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [ (٤) ] ، وقوله- تعالى: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ (٥) ] ، وقوله- تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ (٦) ] ، وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [ (٧) ] ، وقوله- تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ (٨) ] ، وقوله تعالى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [ (٩) ] .

فاعلم أنه ﷺ لا يصح ولا يجوز عليه أن لا يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك، ولا يتقول على اللَّه ما لا يجب، أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يطيع الكافرين. لكن يسر أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين، فإن إبلاغه لم يكن بهذه السبيل، وكان ما بلغ وطيب نفسه، وقوى قلبه، بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ (١) ] ، كما قال لموسى وهارون عليهما- السلام: لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما [ (٢) ] ، لتشتد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين اللَّه، ويذهب عنهم خوف العدو المضعف للنفس. وأما قوله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [ (٣) ] ، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [ (٤) ] ، فمعناه: أن هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو لا يفعله. وكذلك قوله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [ (٥) ] ، فالمراد غيره كما قال- تعالى: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا [ (٦) ] ، وقوله- تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [ (٧) ] ، وقوله- تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ (٨) ] ، وما أشبهه، فالمراد غيره، وإن هذه حال من أشرك، والنبي ﷺ لا يجوز عليه ذلك. وقوله- تعالى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [ (٩) ] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه- تعالى- ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء، كما قال

يه ذلك. وقوله- تعالى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [ (٩) ] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه- تعالى- ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء، كما قال

  • تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [ (١) ] ، وما كان طردهم، وما كان من الظالمين. قال: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة، فللناس فيه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل باللَّه وصفاته والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء- ﵈ بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق نور المعارف ونفحات الطاف، السعادة، ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبّئ واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل هذا. ومستند هذا الباب النقل، وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله، وأنا أقول: إن قريشا قد رمت نبينا ﷺ بكل ما افترته وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها، واختلقته بما نص اللَّه- تعالى- عليه أو نقلته إليه الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعيير الواحد منهم برفضه آلهته، وتقريعه بذمة ترك ما كان قد جاء معهم عليه، ولو كان لكانوا لذلك مبادرين، وبتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه، وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عنه تحويل القبلة، وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ (٢) ] كما حكاه اللَّه- تعالى- عنهم. وقد استدل القاضي القشيري على تنزيهم عن هذا بقوله- تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ (٣) ] ، وقوله- تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [ (٤) ] ، إلى قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ (٥) ] ، قال:

نْ نُوحٍ [ (٣) ] ، وقوله- تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [ (٤) ] ، إلى قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ (٥) ] ، قال:

فأظهره اللَّه في الميثاق، وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، هذا ما لا يجوزه إلا ملحد، هذا معنى كلامه. وكيف يكون ذلك؟ وقد أتاه جبريل- ﵇ وشق قلبه صغيرا، واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا كما تظاهرت به أخبار المبدإ. قال كاتبه: يكون نبيا وآدم بين الماء والطين، ثم يجوز عليه شيء من النقائص التي نزه اللَّه عنها أنبياءه، هذا ما لا يقوله جاهل ومعاند. قال القاضي: ولا يشتبه عليك بقول إبراهيم- ﵇ في الكواكب والقمر والشمس: هذا ربي فإنه قد قيل: كان هذا في سن الطفولية وابتداء النظر والاستدلال، وقبل لزوم التكليف. وذهب معظم الحذاق من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتا لقومه ومستدلا عليهم، وقيل: معناه الاستفهام الوارد مورد الإنكار، والمراد: أفهذا ربي؟ قال الزجاج قوله: هذا ربي أي على قولكم: أين شركائي؟ أي عندكم، ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك، ولا أشرك باللَّه قط طرفة عين. قول اللَّه- تعالى عنه: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ [ (١) ] ، ثم قال: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [ (٢) ] ، ثم قال- تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ (٣) ] ، وقوله- تعالى: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ (٤) ] ، أي من الشرك، وقوله- تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ (٥) ] ، فان قلت: فما معنى قوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، قيل: إنه إن لم يؤيدني

بمعونته أكن مثلكم في ضلالكم وعبادتكم، على معنى الإشفاق والحذر، وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال. وقال أبو محمد بن حزم: وأما قوله: إذ رأى الشمس والقمر، فقال: هذا ربى، فقد قال قوم: إن هذا كان محققا أول خروجه من الغار، وهذه خرافة موضوعة ظاهرة الافتعال ومن المحال الممتنع أن يبلغ أحد حدّ التمييز والكلام بمثل هذا، ولم ير قط ضوء شمس بنهار، ولا ضوء قمر بالليل، وقد أكذب اللَّه- تعالى- هذا الظن بقوله الصادق: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [ (١) ] ، فمحال أن يكون من آتاه رشده من قبل يدخل في عقله أن الكواكب والقمر أو الشمس ربه، من أجل أنها أكبر قرصا من القمر، هذا ما لا يظنه إلا مقلد سخيف. والصحيح من ذلك أنه- ﵇ إنما قال ذلك موبخا لقومه، كما قال ذلك لهم في الكبير من الأصنام، ولا فرق، لأنهم كانوا على دين الصالحين يعبدون الكواكب، ويصورون الأوثان على صورها، وأسمائها في هياكلهم، ويعدون لها الأعياد، ويذبحون لها الذبائح، ويقربون لها القرابين والدخن، ويقولون: إنها تعقل، وتدبر، وتضر، وتنفع، ويقيمون لكل كوكب منها شريعة محدودة، وقد وبخهم الخليل- ﵇ على ذلك وسخر منهم، وجعل يريهم تعظيم الشمس لكبر جرمها، كما قال- تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [ (٢) ] ، فأراهم ضعف عقولهم في تعظيمهم هذه الأجرام المسخرة الجمادية، وبين لهم أنها مدبرة تنتقل في الأماكن، ومعاذ اللَّه أن يكون الخليل أشرك قط برب أو شك في أن الفلك بما فيه مخلق، وبرهان قولنا هذا أن اللَّه تعالى لم يعاتبه على شيء مما ذكرنا ولا عنفه على ذلك، فصح أن هذا بخلاف ما وقع لآدم- ﵇، وأنه وافق مراد اللَّه- تعالى- فيما قال من ذلك، وبما فعل، يعني إبراهيم- ﵇.

عاتبه على شيء مما ذكرنا ولا عنفه على ذلك، فصح أن هذا بخلاف ما وقع لآدم- ﵇، وأنه وافق مراد اللَّه- تعالى- فيما قال من ذلك، وبما فعل، يعني إبراهيم- ﵇.

وقال الطوفي [في قوله تعالى] : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ (١) ] ، هذا يدل على أن قوله [تعالى] : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ (٢) ] ، أراد به طمأنينة العيان، لأن اللَّه- تعالى- أخبر أنه أراه الملكوت ليوقن، وإحياء الموتى من قبيل الملكوت العيني: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي [ (٣) ] ، حاصلها أنه استدلال بحركات الكواكب وأفولها على عدم إلهيتها وربوبيتها وذلك بناء على مقدمات: الأولى: إثبات الأعراض: وهي ما لا يقوم بنفسه فيفتقر إلى موضوع يقوم به كالحركة والسكون. والألوان وهي الاجتماع والافتراض وغير ذلك من الأعراض وإثباتها شهادة بالحس. الثانية: أن الأعراض مغايرة للجواهر: بدليل أن الجوهر الواحد تتعاقب عليه الأضداد من الأعراض كالحركة والسكون، والسواد والبياض، وذاته في الحالين واحدة، فالجوهر الباقي غير العرض الفاني. الثالثة: أن الأعراض لا تنفك عن الجواهر: إذ لو انفكت عنها، لزم قيام العرض بذاته، وأنه محال. الرابعة: أن الأعراض حادثة، وهذا لأنها تتعاقب على الجواهر وجودا وعدما مسبوقا بعضها ببعض، والحدوث من لوازم المسبوقية، والملزوم موجود قطعا، فاللازم كذلك. الخامسة: أن ما لا ينفك عن الحادث أو لا ينفك عنه الحادث يجب أن يكون حديثا، إذ لو كان قديما مع أنه لم يفارق الحادث لزم تقدمه على الحادث، وذلك يوجب انفكاكه عن الحادث فيما قبل وجود الحادث، وذلك يستلزم أنه انفك عن الحادث على تقدير أنه لم ينفك عنه، وأنه محال، ولأن زيدا وعمرا لو ولدا في ساعة واحدة، ثم استمرا إلى تسعين سنة من مولدهما استحال أن يكون عمر

نه انفك عن الحادث على تقدير أنه لم ينفك عنه، وأنه محال، ولأن زيدا وعمرا لو ولدا في ساعة واحدة، ثم استمرا إلى تسعين سنة من مولدهما استحال أن يكون عمر

أحدهما مائة دون الآخر، وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبتت حدوث الجواهر، لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة. وينتظم البرهان هكذا: الجواهر لا تفارق الحوادث، وكل ما لا يفارق الحوادث حادث. فالجوهر حادث، والعالم إما جواهر وإما أعراض، وقد ثبت حدوثها فالعالم المؤلف منهما بأسره حادث. والحادث: إما أن يكون الموجد له هو، وهو محال أو غيره، فهو إما حادث فيلزم الدور أو التسلسل أو قديم، وهو المطلوب كما سبق تقريره، فهذه الطريقة العامة في إثبات حدوث العالم وقدم الصانع، فهي مستفادة من إبراهيم- ﵇ في مقامه هذا النظري، ولقد أوتى رشده من قبل، ومتكلمو الإسلام تلاميذه في هذه الطريقة، وهي أيسر الطرق وأحسنها، والرشد الإبراهيمي عليها ظاهر، ونور برهانها ساطع باهر، وحاجه قومه هذه المحاجة إنما تقومت بإبراهيم وقومه، لأنها مفاعلة تستدعى أكثر من فريق واحد، ففيها أدل دليل على الحجاج والجدال في طلب الحق في أصول الدين وفروعه، اقتداء بإبراهيم- ﵇. قال القاضي عياض- ﵀: فإن قلت: فما معنى قوله- تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ (١) ] ، ثم قال- تعالى- بعد عن الرسل: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها؟ فلا يشكل عليك لفظة العود، وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم، فقد تأتى هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس له ابتداء بمعنى الصيرورة، كما جاء في حديث الجهنميين عادوا حمما، ولم يكونوا قبل كذلك ومثله قول الشاعر: فعادا بعد أبوالا

وما كانا قبل كذلك، وقال الأستاذ أثير الدين أبو حيان في قوله- تعالى: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ (١) ] ، عاد لها استعمالان: أحدهما: أن تكون بمعنى [تعود] ، قال: تعود فيكم جزر الجزور ماحنا ... ويرفعن بالأسياف منكسرات. والثاني: بمعنى رجع إلى ما كان عليه فعلى الأول لا إشكال في قوله: (أَوْ لَتَعُودُنَّ) فعلا مسندا إلى شعيب وأتباعه، ولا يدل على أن شعيبا كان في ملتهم. وعلى المعنى الثاني: يشكل، لأن شعيبا لم يكن في ملتهم قط، لكن أتباعه كانوا فيها. وأجيب عن هذا بوجوه: أحدها: أن يراد بعود شعيب إلى الملة حال سكوته عنهم قبل أن يبعث، لا حالة الضلال، فإنه كان يخفى دينه إلى أن أوحى اللَّه- تعالى- إليه. الثاني: أن يكون من باب تغليب حكم الجماعة على الواحد، لما عطفوا أتباعه على ضميره في الإخراج، استحبوا عليه حكمهم في العود، وإن كان شعيب بريئا مما كان عليه قبل الإيمان. الثالث: أن رؤساءهم قالوا ذلك على سبيل التلبيس على العامة والإيهام أنه كان منهم. وقال الطوفي: قول شعيب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها [ (٢) ] ، لما ما كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم، فتجوز به عن ملابسة ملتهم، فسمى إعراضه عنها بهداية اللَّه- ﷿ إياه نجاة، ودخوله فيها لو قدر عودا إليها.

ا كان منشؤه في قوم كفار انعقد له سبب موافقتهم، فتجوز به عن ملابسة ملتهم، فسمى إعراضه عنها بهداية اللَّه- ﷿ إياه نجاة، ودخوله فيها لو قدر عودا إليها.

قال القاضي عياض: فإذا قلت: فما معنى قوله- تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ (١) ] ؟ فليس هو في الضلال الّذي هو الكفر، قيل: ضالا عن النبوة فهداك إليها، قاله الطبري، وقيل: ووجدك بين أهل الضلال، فعصمك من ذلك وهداك للإيمان وإلى إرشادهم، ونحوه عن السدي وغير واحد، وقيل: ضالا عن شريعتك، أي لا تعرفها، فهداك إليها، والضلال هاهنا التحير ولهذا، كان ﷺ يخلوا بغار حراء في طلب ما يتوجه إلى ربه وينشرح به، حتى هداه اللَّه- تعالى- إلى الإسلام، قال معناه القشيري، وقيل: لا تعرف الحق فهداك إليه، وهذا مثل قوله- تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [ (٢) ] ، قاله على بن عيس. قال ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه: لم يكن له ﷺ ضلالة معصية، وقيل: إني أبين أمرك بالبراهين، وقيل: وجدك ضالا بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة، وقيل: وجدك فهدى بك ضالا، وعن جعفر بن محمد: ووجدك ضالا عن محبتي لك في الأزل، أي لا تعرفها، فمننت عليك بمعرفتي. وقرأ الحسن بن علي: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ (٣) ] ، أي اهتدى، وقال: ابن عطاء ووجدك ضالا، أي محبا لمعرفتي، والضال المحب، كما قال- تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ (٤) ] ، أي محبتك القديمة، ولم يريدوا هاهنا إذ لو قالوا ذلك في نبي اللَّه لكفروا. ومثله عند هذا قوله- تعالى: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ (٥) ] ، أي محبة بينة، وقال الجنيد: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك فهداك، لبيان

ا. ومثله عند هذا قوله- تعالى: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ (٥) ] ، أي محبة بينة، وقال الجنيد: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك فهداك، لبيان

قوله- تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [ (١) ] ، وقيل: وجدك لم يعرفك أحد بالنّبوّة حتى أظهرك، فهدى بك السعداء ولا أعلم أحدا من المفسرين قال فيها: ضالا عن الإيمان وكذلك في قصة موسى- ﵇ قوله تعالى: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [ (٢) ] ، أي من المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد، قاله ابن عرفة. قال الأزهري: معناه من الناسبين، وقد قيل في قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ (٣) ] ، أي ناسيا، كما قال- تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ (٤) ] ، وقال عطية وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ (٥) ] ، أي على غير طريق هذا الدين الّذي بعثت به، ولم يكن ﷺ في ضلال الكفار ولا في غفلتهم، لأنه لم يشرك قط، وإنما كان مستهديا ربه- ﷿ موحدا والسائل عن الطريق المتحير يقع عليه في اللغة اسم ضال وقال الطوفي: وقيل: لما نشأ بين قوم كفار نعقد له سبب الضلال، فلولا أن أنقذه اللَّه- تعالى- من ملتهم بهداه وبوحيه لضل، فسمى انعقاد سبب الضلال ضلالا على المجاز، كما يقال: وجدت فلانا غريقا فأنقذته، أو قتيلا بين أعدائه فأحييته ونحوه إذا انعقد له سبب ذلك. وفي هذه الآية عشرين قولا، هذا أقربها إلى التحقيق وإليه يرجع قوله ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ (٦) ] . قال القاضي عياض: فإن قلت: ما معنى قوله- تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ (٧) ] ، فالجواب أن السمرقندي قال: معناه ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الايمان، قال أبو بكر

القاضي نحوه قال: ولا الإيمان الّذي هو الفرائض والأحكام، قال: فكان قبل مؤمنا بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل، فزاد بالتكليف إيمانا. وكذلك الحديث الّذي يرويه عثمان بن أبي شيبة بسنده، عن جابر أن النبي ﷺ كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع مليكن خلفه، أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام، فلم يشهدهم بعد، فهذا حديث أنكره أحمد بن حنبل، وقال: هنا موضوع أو شيبة بالموضوع. وقال الدارقطنيّ: إن عثمان وهم في إسناده والحديث بالجملة منكر، غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي ﷺ عند أهل العلم من قوله: بغضت إلى الأصنام وقوله- في الحديث الآخر حين كلمه عمه وآله في حضور بعض أعيادهم وعزموا عليه فيه بعد كراهته لذلك، فخرج معهم ورجع مرعوبا- فقال: كلما دنوت عليها من صم تمثل لي شخص أبيض طويل يصيح بى وراءك لا تمسه فما شهد بعد لهم عيدا. وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي ﷺ باللات والعزى إذا لقيه بالشام في سفره مع عمه أبي طالب وهو صبي، ورأى فيه علامات النبوة، فأخبره بذلك، فقال له النبي ﷺ: لا تسألنى بهما فو اللَّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا: فباللَّه إلا ما أخبرتنى عما اسألك عنه، فقال: سل ما بدا لك، وكذلك المعروف من سيرته ﷺ وتوفيق اللَّه- تعالى- له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف هو بعرفة، لأنه كان موقف إبراهيم- ﵇. قال الطوفي في قوله- تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، مع قوله ﷺ: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين: وأنه حين ولد خر ساجدا مشيرا بإصبعه إلى السماء، وأنه لم يزل ﷺ كارها الأصنام مبغضا لها قبل النبوة، ولم يحلف بها، ولا أكل مما ذبح لها. وإجماع الناس على أن نبيا من الأنبياء لم يكفر باللَّه وخلا من الإيمان به طرفه عين، فالواجب تأويل الآية على ما يزيل عنها هذا المحذور، مثل أن

ذبح لها. وإجماع الناس على أن نبيا من الأنبياء لم يكفر باللَّه وخلا من الإيمان به طرفه عين، فالواجب تأويل الآية على ما يزيل عنها هذا المحذور، مثل أن

المراد ما ما كنت تدري ما الكتاب. ولا كيفية ماهية الإيمان وحقيقته، ولا يلزم من كونه مؤمنا معرفة ذلك، بدليل أن أكثر الناس هم كذلك، أو ما كنت تدري ما الكتاب ولا الدعاء إلى الإيمان، إذ كيفية دعاء الناس إلى الإيمان، إنما تعلم بالوحي، فقبل الوحي من أين تعلم؟ ولا يلزم من كون الإنسان مؤمنا في نفسه أن يدرى كيف يدعو إلى ما يدعو غيره لجواز أن يتعبد اللَّه- تعالى- كل إنسان بأمر غير ما تعبد به الآخر، اختص النبي ﷺ بخواص تعبد لم تكن لغيره. قال القاضي عياض: قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان والوحي، وعصمتهم في ذلك- على ما بيناه- فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم، فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة وإنما احتوت من المعرفة بأمور الدين والدنيا ما لا شيء فوقه، ومن طالع الأخبار واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه، وجده إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف، فأما ما تعلق منها بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء- ﵈ العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه، ولا وصم عليهم فيه إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأسبابها وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدنيا تضادهم بخلاف غير هم الذين: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ (١) ] ، كما سنبين- إن شاء اللَّه تعالى- ولكنه لا يقال إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا، فإن ذلك يؤدى إلى الغفلة والبله، وهم المنزهون عنه، بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا، وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وهذا لا يكون مع هدم العلم بأمور الدنيا بالكلية، وأحوال الأنبياء وسيرتهم في هذا الباب معلومة، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة، وإن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين، فلا يصح من النبي إلا العلم، ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من اللَّه- تعالى- فهو ما لا يصح الشك منه على ما قدمناه،

فلا يصح من النبي إلا العلم، ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من اللَّه- تعالى- فهو ما لا يصح الشك منه على ما قدمناه، فكيف الجهل؟ بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده، فلما لم ينزل عليه فيه شيء على القول بتجويز الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين، وعلى مقتضى حديث

أم سلمه إني انما أقتضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، وخرّجه الثقات، وكقصة أسرى بدر، والإذن للمتخلفين- على رأى بعضهم- فلا يكون أيضا ما يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا، وصحيحا، هذا هو الحق الّذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه، لا على القول بتصويب المجتهدين الّذي هو الحق، والصواب عندنا لا على القول الآخر بأن الحق في طرف واحد، لعصمة النبي ﷺ من الخطأ في الاجتهاد في الشرعيات، ولأن القول في تخطئة المجتهدين، إنما هو استقراء الشرع ونظر النبي ﷺ واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه شيء، ولم يشرع له قبل هذا فيما عقد عليه قلبه فأما ما لم يعقد عليه قلبه، من أمر النوازل الشرعية، فلقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه اللَّه شيئا، حتى استقر علم جملتها عنده، إما بوحي من اللَّه- تعالى- وإذن أن يشرع في ذلك ويحكم بما أراه. وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها، ولكنه لم يمت حتى اسقر علم جملتها عنده ﷺ، وتقررت معارفها لديه على التحقيق، ورفع الشك والريب، وانتفاء الجهل، وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الّذي أمر بالدعوة إليه، إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه. قال جامعه ومؤلفه: قد اختلف في اجتهاد الرسول ﷺ فيما لا نص عنده فيه، فاحتج من أجاز ذلك بقوله- تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ (١) ] ، وقد اختلفت عبارات المفسرين في معناها. فقال الكرماني: بما أراك اللَّه، بما علمك وعرفك في الحجة، وهو من الرأى الّذي هو الاعتقاد، لأن الرأى بمعنى العلم يستدعى ثلاثة مفاعيل، قال الرازيّ: وهذه الآية تدل على أنه- صلوات اللَّه تعالى عليه- ما كان يحكم إلا بالوحي والنص.

ي هو الاعتقاد، لأن الرأى بمعنى العلم يستدعى ثلاثة مفاعيل، قال الرازيّ: وهذه الآية تدل على أنه- صلوات اللَّه تعالى عليه- ما كان يحكم إلا بالوحي والنص. وقال الزمخشريّ: بما أراك اللَّه، بما عرفك وأوحى به إليك، وعن عمر رضي اللَّه ﵎ عنه: لا يقل أحدكم قضيت بما أرانى اللَّه، لأن

اللَّه لم يجعل ذلك إلا لنبيه، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول اللَّه ﷺ كان مصيبا، لأن اللَّه كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكليف. وقال الماتريدي: قوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، أي موافقا لما هو الحق في فعل كل أحد، وهو التكليف دون الأعمال، أو بما له عاقبة حميدة، لأن ما ليس كذلك عبث وباطل، أو مبينا بما هو الحق للَّه على العباد، وبما لبعضهم على بعض، ليعملوا بذلك، أو بيانا لأمر هو حق كائن ثابت، وهو البعث والقيامة، ليتزودوا له، أو مما يحمد عليه فاعله، أو بالعدل والصدق على الأمن من التغيير والتبديل، بما أراك اللَّه وألهمك. وفيه دليل على جواز اجتهاده كالنص، لأن اللَّه- تعالى- أخبر أنه يريه ذلك، ولا يريه غير الصواب. وقال ابن حيان: معنى قوله: بِما أَراكَ اللَّهُ، يريد به بما أراك اللَّه- تعالى- من القرآن وعلمك إياه، وقال الأثير أبو حيان: ومعنى: بِما أَراكَ اللَّهُ بما أعلمك من الوحي، وقيل: بالنظر فإنه ﷺ محروس في اجتهاده معصوم الأقوال والأفعال، وقيل: بما ألقاه في قلبك من أنوار المعرفة، وصفاء الباطن، واحتج من أجاز ذلك أيضا بأن منصب الاجتهاد في الأحكام منصب كمال، فلا ينبغي أن يفوته ﷺ. وقد دل على وقوعه منه قوله ﷺ: لو قلت: نعم، لوجبت، وقوله: لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها، في قضيتين مشهورتين: أما القضية الأولى: فخرّج مسلم [ (١) ] من حديث يزيد بن هارون عن الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال:

شهورتين: أما القضية الأولى: فخرّج مسلم [ (١) ] من حديث يزيد بن هارون عن الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال:


[ () ] أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) هذا الرجل السائل هو الأقرع بن حابس كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية واختلف الأصوليون في أن الأمر هل يقتضي التكرار، والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف، لأنه سأل فقال: أكل عام؟ ولو كان مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل، وقال له النبي ﷺ: لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقة محمول على كذا، وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارا واحتياطا، وقوله: «ذروني ما تركتكم» ظاهر في أنه يقتضي التكرار. قال الماوردي: ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر، لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر، قال: وقد تعلق بما ذكرناه عن أهل اللغة هاهنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ يقتضي تكرار قصد البيت بمحكم اللغة والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب إلا مرة كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة، لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة بأصل الشرع. وأما قوله ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ففيه دليل للمذهب الصحيح أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، وقيل: يشترط، وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحى إليه ذلك، واللَّه أعلم. قوله ﷺ: (ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وقوله ﷺ: فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه استطعتم

الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وقوله ﷺ: فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه استطعتم هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ، ويدخل فيه ما لا يحصي من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه جماعة من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحوه، وأمكنه البعض فعل الممكن وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك. -

خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: يا أيها الناس قد فرض اللَّه الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت- حتى قالها ثلاثا، فقال رسول اللَّه ﷺ: لو قلت نعم لو جبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه. وخرّجه النسائي [ (١) ] من حديث أبي هاشم المغيرة بن سلمة المخزومي ثقة بصري، قال: أنبأنا الربيع بن مسلم- إلى آخره بمعناه، وقال فيه: ولو وجبت ما قمتم بها، وقال في آخره فاجتنبوه مكان فدعوه.

وخرّج النسائيّ [ (١) ] من حديث سعيد بن أبي مريم، قال: أنبأنا موسى بن سلمة، قال: حدثني عبد الجليل بن حميد عن ابن شهاب، عن أبي سنان الدؤلي، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن رسول اللَّه ﷺ قام فقال: إن اللَّه قد كتب عليكم الحج، فقال الأقرع بن حابس التميمي: كل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت، ثم قال: لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذا لا تسمعون، ولا تطيعون، ولكنه حجة واحدة. وخرّجه قاسم بن أصبغ من حديث محمد بن كثير، أنبأنا سليمان، عن الزهري عن سنان بن أبي سنان، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إن اللَّه كتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول اللَّه كل عام؟ قال: لا. ولو قلتها لوجبت الحج مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع [ (٢) ] .

وخرجه أبو داود [ (١) ] من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سنان، عن ابن عباس- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه الحج في كل سنه أو مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوع، قال أبو داود: وهو أبو سنان الدؤلي، كذا قال عبد الجليل بن حميد وسليمان بن كثير جميعا، عن الزهري، وقال عقيل: عن سنان. وأما القضية الثانية: فقال أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر: قتيلة بنت النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، قتل رسول اللَّه ﷺ أباها يوم بدر صبرا، قال الواقدي: أسلمت قتيلة يوم الفتح، قال ابن عبد البر: كانت شاعرة محسنة، ولما انصرف رسول اللَّه ﷺ من بدر كتبت إليه في أبيها، وذلك قبل إسلامها [ (٢) ] . يا راكبا إن الأثيل مظنة الأبيات. فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ذلك بكى، حتى اخضلت بالدموع لحيته، وقال: لو بلغني شعرها هذا قبل أن أقتله لعفوت عنه، ذكر هذا الخبر عن عبد اللَّه بن إدريس في حديثه، وذكره الزبير بن بكار، وقال: فرق رسول اللَّه ﷺ حتى دمعت عيناه، وقال لأبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه: لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها، قال الزبير: وسمعت بعض أهل العلم يغمز أبياتها هذه، ويقول: أنها مصنوعة [ (٣) ] ، واللَّه- تعالى- اعلم.

اللَّه ﵎ عنه: لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها، قال الزبير: وسمعت بعض أهل العلم يغمز أبياتها هذه، ويقول: أنها مصنوعة [ (٣) ] ، واللَّه- تعالى- اعلم.

وأحتج من منع اجتهاده ﷺ بقوله- تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ (١) ] ، فأخبر- تعالى- أنه ﷺ كان لا يحكم إلا بالوحي، قالوا والسنة الواردة عنه كانت توحى إليه. كما خرّجه أبو داود [ (٢) ] ، من حديث جرير بن عثمان، عن عبد الرحمن ابن أبي عون، عن المقدام بن معديكرب، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. ورواه بقية عن الزبيدي، عن مروان بن رؤبة، عن عبد الرحمن بن عوف الجرشي، عن المقدام بن معديكرب، أن النبي ﷺ قال: ألا إني أوتيت الكتاب، وما يعدله، يوشك رجل شبعان على أريكته، فذكره مثله إلى آخره [ (٣) ] . وخرّج أبو داود من حديث أشعث بن شعبة، قال: حدثنا أرطاة بن المنذر قال: سمعت حكيم بن عمير أبا الأحوص يحدث عن العرباض بن سارية، قال: نزلنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فذكر الحديث، وفيه: أمر مناديا أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا وصلّى بهم النبي ﷺ ثم قال: أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن اللَّه لم يحرم شيئا إلا في القرآن، ألا وإني قد أمرت ووعظت، ونهيت عن أنهما لمثل القرآن أو أكثر، وأن اللَّه لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب لنسائهم، ولا أكل

قرآن، ألا وإني قد أمرت ووعظت، ونهيت عن أنهما لمثل القرآن أو أكثر، وأن اللَّه لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب لنسائهم، ولا أكل

ثمارهم إذا أعطوكم الّذي عليهم، قال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي قوله: أتيت الكتاب، ومثله معه، يتحمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أوتى من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أعطى من الظاهر. والثاني: أنه ﷺ أوتى الكتاب وحيا يتلى وأوتى من البيان مثله، أي أذن له ﷺ أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخصص ويزيد عليه ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالزاهر المتلو من القرآن، وقوله: كالظاهر يوشك رجل شبعان على أريكته، الحديث يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها، مما ليس في القرآن له ذكر. قالوا: وقوله ﷺ: في الرضى والغضب، والجد والمزاح حق، لما خرجه الترمذي [ (١) ] من حديث أسامة بن زيد عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: قالوا: يا رسول اللَّه إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وخرّج أبو بكر بن أبي شيبة [ (٢) ] ، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان. عن أبي عبيد بن الأخنس، قال: حدثني الوليد بن عبد اللَّه، عن يوسف بن مالك، عن عبد اللَّه بن عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللَّه ﷺ ورسول اللَّه ﷺ يتكلم في الرضى والغضب، فأمسكت فذكرت لرسول اللَّه ﷺ فأشار بيده إلى فيه، فقال: اكتب فو الّذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق. خرجه أبو داود قال: أنبأنا مسدد، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا يحيى ابن سعيد، عن عبيد اللَّه بن الأخنس، عن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي معتب، إلى آخره بنحوه، قالوا: ولأنه ﷺ قادر على يقين الوحي، والاجتهاد لا يفيد،

فجوازه في حقه ﷺ والحالة هذه كالتيمم مع القدرة على الماء، ثم على القول بأن الاجتهاد جائز، هل يقع منه الخطأ فيه أم لا؟ فيه قولان للأصوليين: أحدهما: لا يقع منه ﷺ خطأ في اجتهاده من الخطأ مطلقا. والثاني: نعم بشرط أن لا يقر عليه، واستدل من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ (١) ] ، قالوا: فعوتب ﷺ حيث أذن لهم في التخلف عن الغزو في غير موضع الإذن، وأجيب عن ذلك أن عفا اللَّه عنك افتتاح كلام أعلمه اللَّه- تعالى- عنه به أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفوا عن ذنب، إنما هو أن اللَّه- تعالى- أعلمهم أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم، كما قال ﷺ: عفا اللَّه لكم عن صدقة الخيل، والرقيق وما وجبتا قط، ومعناه ترك أن يلزمكم ذلك، قاله أبو حيان، ونقل عن أبي عبد اللَّه بن إبراهيم ابن عرفة نفطويه، أنه قال: ذهب ناس إلى أن النبي ﷺ معاتب في هذه الآية وحاشاه من ذلك بل كان له أن يفعل، وأن لا يفعل، وقد قال تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ، لأنه كان له ﷺ أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المخلفون في التخلف، واعتذروا فاختار ﷺ أيسر الأمرين تكرما منه وتفضلا، فأبان اللَّه- تعالى- أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا على النفاق الّذي في قلوبهم، وأنهم كاذبون في الطاعة والمشاورة، قاله أبو حيان ووافقه عليه قوم، فقالوا،: ذكر العفو هنا لم يكن عن تقديم ذنب، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العرب أن تخاطب بمثله تعظمه وترفع عن قدره، يقصدون بذلك الدعاء له، فيقولون: أصلح اللَّه الأمير كان كذا وكذا، فعلى هذا صيغته الخبر، ومعناه الدعاء. وكلام الزمخشريّ في تفسير قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، يجب اطراحه فضلا عن أن يذكر فيرد عليه، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [ (٢) ] ، ويتعلق بهذا مسألة التفويض،

مْ، يجب اطراحه فضلا عن أن يذكر فيرد عليه، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [ (٢) ] ، ويتعلق بهذا مسألة التفويض،

وهي أنه هل يجوز أن يفرض اللَّه- تعالى- إلى نبي حكم الأمة أن يقول: احكم بينهم باجتهادك، وما حكمت به فهو حق، أو أنت لا تحكم إلا بالحق، فيه قولان: أقربهما الجواز، وهو قول موسى بن عمران من الأصوليين، لأنه مضمون له إصابة الحق، وكل مضمون له إصابة ذلك جاز له الحكم، أو يقال: هذا التفويض لا محذور فيه، وكل ما كان كذلك كان جائزا واللَّه- تعالى- أعلم. قال القاضي عياض: وأما ما تعلق بعقده ﷺ من ملكوت السموات والأرض، وخلق اللَّه- تعالى- وتعيين أسمائه- تعالى- وآياته الكبرى، وأمور الآخرة، وأشراط الساعة، وأحوال السعداء والأشقياء، وعلم ما كان ويكون، ما لا يعلمه إلا بوحي، فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب، بل هو في غاية اليقين، لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك، وان كان عنده من علم ذلك ما ليس عند البشر، لقوله ﷺ: إني لا أعلم إلا ما علمني ربي، ولقوله ﷺ: ولا خطر على قلب بشر، ولا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وقول موسى للخضر- ﵉: لا هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ (١) ] ، وقوله ﷺ: أسألك اللَّهمّ بأسمائك الحسنى ما علمت منها، وما لم أعلم، وقوله ﷺ: أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وقد قال اللَّه- تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ (٢) ] ، قال زيد بن أسلم وغيره: حتى ينتهى العلم إلى اللَّه- تعالى، وهذا ما لا خفاء فيه، إذا معلوماته- تعالى- لا يحاط بها، ولا منتهى لها، هذا حكم عقد النبي ﷺ في التوحيد، والشرع، والمعارف، والأمور الدينية. قال: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس ثم ذكر قوله ﷺ: ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟

طان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس ثم ذكر قوله ﷺ: ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟

قال: وإياي ولكن اللَّه أعاننى عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير، قال: فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم، فكيف بمن بعد عن سنته ولم يلزم شخصه، ولا قدر على الدنوّ منه؟ وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن، رغبة في إخفاء نوره وإبانة نفسه، وإدخال شغل عليه، إذ يئسوا من أعوانه، فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له في الصلاة، فأخذه النبي ﷺ وأسره. ففي الصحاح قال أبو هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه: عن النبي ﷺ إن الشيطان عرض لي، قال عبد الرزاق: في صورة هرّ فشدّ عليّ يقطع على الصلاة، فأمكننى اللَّه منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية، حتى تصبحوا تنظرون إليه، فذكرت قول: أخى سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً [ (١) ] الآية، فرده اللَّه خاسئا. وفي حديث أبي الدرداء رضى اللَّه ﵎ عنه عن النبي ﷺ أن عدو اللَّه إبليس جاءني بشهاب من نار، ليجعله في وجهي، والنبي ﷺ في الصلاة، وذكر تعوذه باللَّه منه، ولعنه له، ثم أردت آخذه وذكر نحوه، وقال: لأصبحنه موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة. وكذلك في حديث الأسماء وطلب العفريت له بشلغه، فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه، ذكره في (الموطأ) [ (٢) ] ، ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تثبت بالتوسط الى عداه كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي ﷺ، وتصوره في صورة الشيخ النجدي، ومرة أخرى يوم بدر في صورة سراقة بن مالك، وهو قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ (٣) ] الآية، ومرة ينذر بشأنه

عند بيعة العقبة، وكل هذا قد كفاه اللَّه أمره، وعصمه ضره، وشره، وقد قال ﷺ: إن عيسى- ﵇ كفى من لمسه، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب، وقال ﷺ: حين لد في مرضه وقيل له: خشينا أن يكون بك ذات الجنب، فقال إنها من الشيطان، ولم يكن اللَّه ليسلطه على. فإن قيل: فما معنى قوله- تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ (١) ] الآية، فقد قال بعض المفسرين: إنها راجعة إلى قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ (٢) ] ، ثم قال: وإما ينزغنك أي يستخفنك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم، فاستعذ باللَّه فقيل: النزغ هنا الفساد كما قال: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ (٣) ] ، وقيل: ينزغنك يغرينك، ويحركنك، والنزغ أدنى الوسوسة، فأمره اللَّه- تعالى- أنه متى تحرك عليه عدوه أو رام الشيطان من إغرائه به، وخواطر أدنى وساوسه، ما لم يجعل له سبيل اليه أن يستعيذ عنه فيكفى أمره، ويكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه، وقد قيل في هذه الآية غير هذا، وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك، ويلبس عليه، لا في أول الرسالة، ولا بعدها، والاعتماد في ذلك دليل المعجزة، بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من اللَّه الملك ورسوله حقيقة، إما بعلم ضروري يخلقه اللَّه له، أو ببرهان يظهره لديه، لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، فإنه قيل: فما معنى قوله- تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ (٤) ] . الآية، فاعلم أن للناس في هذه الآية أقاويل منها السهل، والغث، والسمين، والغث، وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين أن التمني هاهنا التلاوة وإلقاء الشيطان فيها اشتغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي، حتى يدخل عليه

أولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين أن التمني هاهنا التلاوة وإلقاء الشيطان فيها اشتغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي، حتى يدخل عليه

الوهم، والنسيان، أو يدخل عليه غير ذلك على إيهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله، وينسخه ويكشف لبسه، ويحكم آياته. وقال أبو محمد بن حزم: الأماني الواقعة في النفس لا معنى لها، وقد يكون ذلك الشيء الّذي يلقى الشيطان في أمنية النبي ﷺ خوفا من آدمي عدو له، أو تمنى إسلام مشرك قريب له لم يأذن اللَّه بإسلامه، أو ما أشبه هذا اللَّه ذلك في نفسه المقدسة ويطهرها منه. قال: وأما الحديث الّذي ذكر فيه وأنهن الغرانيق العلى وكذب مختلف موضوع بلا شك، ولم يصح قط، بطريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، قال القاضي عياض: وقد حكى السمرقندي إنكار قول من قال: سلط الشيطان على ملك سليمان وغلبه عليه، وإن مثل هذا لا يصح، وقال مكي في قصة أيوب- ﵇ وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ (١) ] ، لا يجوز لأحد أن يقال: أن الشيطان هو الّذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا بفعل اللَّه- تعالى، وأمره ليبتليهم، ويثبتهم، وقال مكي: وقيل: إن الّذي أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله، فإن قلت: فما معنى قوله تعالى عن يوشع: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [ (٢) ] ، وقوله عن يوسف: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [ (٣) ] ، وقول نبينا ﷺ حين نام عن الصلاة يوم الوادي: إن هذا واد به شيطان، وقول موسى- ﵇ في وكزته: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ (٤) ] ، فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع هذا على مورد مستمر في كلام العرب في وصفهم كل قبيح من شخص، أو فعل بالشيطان، أو فعله، كما قال- تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ (٥) ] .

وأيضا فإن قول يوشع- ﵇ لا يلزمنا الجواب عنه، إذ لم تثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موسى- ﵇ قال اللَّه- تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [ (١) ] ، المروي أنه إنما نبئ بعد موت موسى، وقيل: قبيل موته، وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن الكريم.

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم وبه التوفيق ومنه الإعانة [ (١) ]

نه إنما نبئ بعد موت موسى، وقيل: قبيل موته، وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن الكريم.

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم وبه التوفيق ومنه الإعانة [ (١) ]

وأما ذهاب الصورة المصورة بوضع يد المصطفى عليها ﷺ فخرّج البيهقي [ (٢) ] من حديث بشر بن بكر ... قال: حدثنا الأوزاعي عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- قالت: دخل علي النبي ﷺ وأنا مستترة بقرام [ (٣) ] فيه صورة فهتكه، ثم قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق اللَّه. قال الأوزاعي: قالت عائشة: أتاني رسول اللَّه ﷺ ببرنس فيه تمثال عقاب، فوضع عليه يده فأذهبه اللَّه [ (٤) ] .

وأما إعلامه بأن اللَّه تعالى يعطيه إذا سأل ما لم تجر به العادة فخرّج أبو نعيم من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن عبد اللَّه الأشج، عن الحسن بن على، أن ابن أبي رافع حدثه: أن أبا رافع حدثه: أنه صاحب الذراع، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: ناولني الذراع، فناولته، ثم قال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا نبي اللَّه وللشاة غير

ذراعين؟ فقال النبي ﷺ: لو ناولتني ما زلت تناولني، قال أبو نعيم: رواه عمرو بن الحارث، عن بكير [ (١) ] . وله من حديث أبي جعفر الرازيّ، عن داود بن أبي هند عن شرحبيل، عن أبي رافع [قال] : دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ، وقد جعلنا شاة في قدر، فقال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فناولته، فانتهشها، ثم قال: ناولني الذراع، فناولته، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه إنما يكون للشاة ذراعان، فقال: لو ناولتني لم تزل تناولني، حتى أسكت، ثم قام يصلى وما مس ماء [ (٢) ] ، قال: ودخل على يوما آخر وعندي لحم بارد فأكل منه، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ. قال أبو نعيم: رواه عن شرحبيل بن سعدة، عن أبي رافع في أكل اللحم، وأنه صلى ولم يتوضأ جماعة منهم أبو خالد الدالاني، وسماك بن حرب، وزيد ابن أبي أنيسة، وسليمان بن أبي داود. وخرّج أيضا من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، عن فائد عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبي رافع- رضي اللَّه ﵎ عنه. قال: أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أصلي له شاة فصليتها له، ثم جئته بها، فقال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: كم لها من ذراع؟ فقال: [لو] سكتّ لوجدتها ما دعوت بها [ (٣) ] . ومن حديث حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ وعندنا شاة مطبوخة، فقال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، فأكلها، ثم قال: ناولني الذراع، فناولته، فأكلها، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه وهل للشاة إلا ذراعان؟ فقال: لو سكت لأعطيتني أذرعا ما دعوتها [ (٤) ] .

ل: ناولني الذراع، فناولته، فأكلها، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه وهل للشاة إلا ذراعان؟ فقال: لو سكت لأعطيتني أذرعا ما دعوتها [ (٤) ] .

وخرّج من حديث أبان بن يزيد عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا، فقال: ناولني الذراع، وكان يعجبه الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه! وكم للشاة من ذراع؟ فقال: والّذي نفسي بيده لو سكتّ، لأعطيتني ما دعوت بها. وخرج من حديث أبي مسلم الكوفي، قال: حدثنا أبو عاصم عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي اللَّه ﵎ عنه- أن شاة طبخت، فقال رسول اللَّه ﷺ: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع فناولته، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه إنما للشاة ذراعان، فقال: أما إنك لو التمستها لوجدتها [ (١) ] . ومن حديث طالوت بن عباد قال: حدثنا سعيد بن راشد: حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن يعجبه في الشاة إلا الكتف، فذبح ذات يوم شاة، فقال: يا غلام ائتني بالكتف، فأتاه بها ثم قال له أيضا، فأتاه بها ثم قال له أيضا فأتاه بها، ثم قال: يا رسول اللَّه، إنما ذبحت شاة وقد أتيتك بثلاثة أكتاف، فقال رسول اللَّه ﷺ: لو سكت لجئت بها ما دعوت بها [ (٢) ] . ومن حديث ابن كاسب قال: حدثنا ابن أبي حازم عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ دعا بذراع شاة فأكلها، ثم دعا بذراع أخرى فأكلها، ثم دعا بذراع أخرى، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما للشاة ذراعان، فقال: والّذي نفسي بيده لو سكتم لوجدتموها [ (٣) ] . وخرّج من حديث معاوية بن يحيى الصدفي أبي روح عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أسامة بن زيد: أن امرأة أتت النبي ﷺ بشاة مصلية، فقال لي: يا أسيم ناولني الذراع، فأصلحت الذراع فناولته فأكلها، ثم قال لي:

الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أسامة بن زيد: أن امرأة أتت النبي ﷺ بشاة مصلية، فقال لي: يا أسيم ناولني الذراع، فأصلحت الذراع فناولته فأكلها، ثم قال لي:

يا أسيم ناولني ذراعها، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك قلت: ناولني الذراع فناولتكها، ثم قلت: ناولني الذراع، فناولتكها، ثم قلت: ناولني الذراع، وإنما للشاة ذراعان، فقال: إنك لو لم تراجعني ثم أهويت إليها، ما زلت تجد فيها ذراعا ما قلت لك [ (١) ] . قال أبو نعيم ووجه الدلالة من هذه الأخبار إعلامه ﷺ فضيلته بأن اللَّه يعطيه، إذا سأله ما لم تجر العادة به تفضيلا له، وتخصيصا، ليكون ذلك آية له في نفسه، ورفعة له في مرتبته، وإبانته في الكرامة عن الخليقة، أن لو التمس ﷺ ذراعا ثالثة من شاة واحدة، لكان اللَّه- ﷿ يجيبه إلى مسألته، فأما إذا لم يسأل اللَّه- تعالى- فالفضيلة ثابتة، وإن كانت الآية معدومة، لأنها آية عطاء اللَّه- تعالى- نبيه ﷺ [ (٢) ] .

وأما صدق رؤياه ﷺ عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها في المنام وصنع اللَّه له في تزويجها به بذهاب ما كان في نفس أبي بكر رضي اللَّه ﵎ عنه وعنها من عدة مطعم بن عدي بها لابنه فخرّج البخاري [ (١) ] في كتاب النكاح في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، وخرّج مسلم [ (٢) ] في المناقب من حديث حماد بن زيد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي، فأقول: إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه. وقال البخاري: فقال لي: هذه امرأتك، ولم يقل ثلاث ليال، وخرّجه مسلم [ (٣) ] من حديث ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، وأبي أسامة، عن هشام بهذا الإسناد. وخرّجه البخاري في كتاب النكاح [ (٤) ] في باب نكاح الأبكار، وفي كتاب التعبير [ (٥) ] في باب كشف المرأة في المنام من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: أريتك في المنام مرتين إذا

رجل يحملك في سرقة حرير، فيقول: هذه امرأتك فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه. وخرّجه أيضا في التعبير [ (١) ] من حديث أبي معاوية عن هشام عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: أريتك قبل أن أتزوجك مرتين: رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقلت له: اكشف فكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه، ثم أريتك يحملك في سرقة، فقلت: اكشف فكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه، ترجم عليه باب ثياب الحرير في المنام. وخرّجه في كتاب البعث في باب تزويج النبي ﷺ عائشة من حديث وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها: أريتك في المنام مرتين، أرى أنك في سرقة، ويقول: هذه امرأتك، فاكشف عنها فإذا هي أنت، وأقول: إن يك هذا من عند اللَّه يمضه. وخرّج الإمام أحمد [ (٢) ] من حديث محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة ويحيى، قالا: لما هلكت خديجة- رضي اللَّه ﵎ عنها- جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فقالت: يا رسول اللَّه ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا، أو إن شئت ثيبا. قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أحب خلق اللَّه إليك، عائشة بنت أبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنهما، قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما علي، فدخلت بيت أم رومان [ (٣) ] ، فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل اللَّه عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول اللَّه أخطب عليه عائشة، قالت:

لت بيت أم رومان [ (٣) ] ، فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل اللَّه عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول اللَّه أخطب عليه عائشة، قالت:

انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل اللَّه عليك من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول اللَّه أخطب عائشة، قال: وهل تصلح له، إنما هي بنت أخيه، فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: انتظري، وعند ما خرجت خولة، قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي كان قد ذكرها على ابنه، فو اللَّه ما وعد وعدا فأخلفه لأبي بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه، فدخل أبو بكر- رضي اللَّه ﵎ عنه- على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا مدخله في دينك الّذي أنت عليه إن تزوج إليك، [قال أبو بكر- رضى اللَّه ﵎ عنه- للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول، قال: أنها تقول ذلك] [ (١) ] ، فخرج من عنده وقد أذهب اللَّه ما في نفسه من عدته التي وعده، فرجع، فقال لخولة: ادعى لي رسول اللَّه ﷺ، فدعته فزوجها إياه وعائشة- رضي اللَّه ﵎ عنها- يومئذ بنت ست سنين، ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل اللَّه عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول اللَّه ﷺ أخطبك عليه، قالت: وددت أدخلي على أبي فاذكرى له ذلك، وكان شيخا كبيرا قد أدركته السن وتخلف عن الحج. فدخلت عليه فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقال: خولة بنت ابنة حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلنى محمد بن عبد اللَّه أخطب عليه سودة، قال: كفؤ كريم، فماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، قال: ادعها إلى فدعتها، فقال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب أرسل يخطبك، وهو كفؤ كريم. أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم، قال: أدعية لي، فجاء رسول اللَّه ﷺ فزوجها إياه، فجاء أخوها عبد اللَّه بن زمعة من الحج، فجعل يحثى التراب في رأسه، فقال: بعد ما أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول اللَّه ﷺ سودة بنت زمعة.

بد اللَّه بن زمعة من الحج، فجعل يحثى التراب في رأسه، فقال: بعد ما أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول اللَّه ﷺ سودة بنت زمعة.

قالت عائشة رضي اللَّه ﵎ عنها: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج بالسنح، قالت: فجاء رسول اللَّه ﷺ فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء فجاءتني أمي، وأنى لفي أرجوحة [بين عذقين] ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولى جميمة [ (١) ] ، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودنى حتى وقفت عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلسني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك اللَّه لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، وخرجوا وبني بي رسول اللَّه ﷺ في بيتنا ما نحرت على جزور، ولا نحرت شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة- رضي اللَّه ﵎ عنه- بجفنة، كان يرسل بها إلى رسول اللَّه ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.

وأما تعليم اللَّه تعالى له جواب ما يسأله عنه السائلون في مقامه فيه الّذي قام ﷺ فخرّج البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة [ (١) ] ، وفي كتاب العلم [ (٢) ] في باب الغضب في الموعظة والتعليم، وخرّج مسلم [ (٣) ] كلاهما من حديث أبي أسامة عن بريد بن أبي بردة، عن أبي موسى- رضي اللَّه ﵎ عنه- قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: سلوا عما شئتم، فقام رجل فقال: من أبي يا رسول اللَّه؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: من أبي يا رسول اللَّه، قال: أبوك سالم مولى شيبة، فلما رأى عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- ما في وجه رسول اللَّه ﷺ

من الغضب، قال: يا رسول اللَّه إنا نتوب إلى اللَّه، وخرّج مسلم في المناقب من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب [ (١) ] . وخرّج البخاريّ [ (٢) ] في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من حديث شعيب عن الزهري، ومن حديث عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فو اللَّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. قال أنس: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول اللَّه ﷺ، وأكثر رسول اللَّه ﷺ أن يقول: سلوني، قال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول اللَّه؟ قال: النار، فقام عبد اللَّه بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول اللَّه؟ قال: أبوك حذافة، قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني، قال: فبرك عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- على ركبتيه، فقال: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. قال: فسكت رسول اللَّه ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال النبي ﷺ: والّذي نفسي بيده لقد عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلى، فلم أر كاليوم في الخير والشر. وزاد هشام بعقبه، قال ابن شهاب: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: قالت أم عبد اللَّه بن حذافة لعبد اللَّه بن حذافة: ما سمعت بابن قط

لشر. وزاد هشام بعقبه، قال ابن شهاب: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: قالت أم عبد اللَّه بن حذافة لعبد اللَّه بن حذافة: ما سمعت بابن قط

أعق منك! أأمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما يقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد اللَّه بن حذافة: واللَّه لو أحلقنى بعبد أسود للحقته. ولم يذكر مسلم في حديثه قوله، فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول اللَّه؟ قال: النار، ولا ذكر البخاري قوله حين سمعوا ذلك من رسول اللَّه. وخرّج مسلم من حديث عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، ومن حديث أبي اليمان قال: أخبرنا شعيب كلاهما، عن الزهري، عن أنس- رضي اللَّه ﵎ عنه، عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وحديث عبيد اللَّه معه غير أن شعيبا قال: عن الزهري، قال: أخبرنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، قال: حدثني رجل من أهل العلم أن أم عبد اللَّه قالت مثل حديث يونس. وذكره البخاري [ (١) ] أيضا في كتاب الصلاة في باب وقت الظهر بعد الزوال [وقال جابر: كان النبي ﷺ يصلي بالهاجرة] [ (٢) ] من حديث أبي اليمان، قال: أخبرني شعيب عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، وذكر الحديث بنحو ما تقدم، وقال فيه: فذكر أن فيها أمورا عظاما، وقال: فقام عبد اللَّه بن حذافة السهمي، وقال: وبمحمد نبيا، ولم يذكر فيه سؤال الرجل له، والّذي نفسي بيده ولا ذكر الزيادة التي زادها مسلم بعقبة. وذكره البخاري [ (٣) ] أيضا في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند العالم والمحدث، ولفظه أن رسول اللَّه ﷺ خرج، فقام عبد اللَّه بن حذافة، فقال: من أبي، فقال: أبوك حذافة، ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- على ركبتيه فقال: رضينا باللَّه ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، فسكت.

ن أبي، فقال: أبوك حذافة، ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر- رضي اللَّه ﵎ عنه- على ركبتيه فقال: رضينا باللَّه ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، فسكت.

وخرّج مسلم [ (١) ] في المناقب من حديث النضر بن شميل، قال شعبة: حدثنا موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب، فقال: عرضت عليّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، قال: فما أتى على رسول اللَّه ﷺ يوم أشد منه، قال: فغطوا رءوسهم وله خنين، قال: فقام عمر، فقال: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. قال: فقام ذلك الرجل، فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان، قال: فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [ (٢) ] . وخرّجه أيضا من حديث روح بن عبادة [ (٣) ] قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني موسى بن أنس، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول اللَّه من أبي؟ قال: أبوك فلان، قال: فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ تمام الآية. وخرجه البخاري [ (٤) ] في التفسير من حديث منذر بن الوليد بن عبد الرحمن ابن الجارود أخبرنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، قال: فغطى أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، رواه أبو النضر وروح ابن عبادة، عن شعبة، ذكره في تفسير سورة المائدة.

Bagian 84 dari 128