سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 12 dari 173 5757 halaman

— Bagian 12 · ي ذلك. ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري ف… —

Bagian 12

ي ذلك. ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق. قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله تعالى.

تنبيهات الأول: قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه: لم أقف في شيء من الأحاديث مصرّحاً على أنه ﷺ لما ولد عطس، بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانّها كالطبقات لابن سعد، والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، وكالمستدرك للحاكم. وإنما الحديث الذي روته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف يعني السابق آخر الباب فيه لفظ يشبه التشميت. لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فيحتمل. وحمل القائل على الملك ظاهر. وقال العلامة شمس الدين الجوجريّ رحمه الله تعالى في شرح الهمزية: الاستهلال وإن كان هو صياح المولود أول ما يولد إلا أن حمله على العطاس هنا قريب، كحمل القائل على الملك. الثاني: جرت عادة كثير من المحبين إذا سمعوا بذكر وضعه ﷺ إن يقوموا تعظيماً له ﷺ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، وقال ذو المحبة الصادقة حسّان زمانه أبو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة له من ديوانه: قليلٌ لمدح المصطفى الخطّ بالذهب ... على فضّة من خطّ أحسن من كتب

مانه أبو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري رحمه الله تعالى ورضي عنه في قصيدة له من ديوانه: قليلٌ لمدح المصطفى الخطّ بالذهب ... على فضّة من خطّ أحسن من كتب

وإن ينهض الأشراف عند سماعه ... قياماً صفوفاً أو جثيّاً على الرّكب أما الله تعظيماً له كتب اسمه ... على عرشه يا رتبةً سمت الرّتب واتفق أن منشداً أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام الحافظ تقي الدين السبكي. والقضاة والأعيان بين يديه فلما وصل المنشد إلى قوله: «وإن ينهض الأشراف عند سماعه» إلى آخر البيت قام الشيخ للحال قائماً على قدميه امتثالاً لما ذكره الصّرصري، وحصل للناس ساعة طيّبة. ذكر ذلك ولده شيخ الإسلام أبو النصر عبد الوهاب في ترجمته من الطبقات الكبرى. الثالث: اشتهر على بعض الألسنة عنه ﷺ أنه قال: ولدت في زمن الملك العادل. قال الحافظ إنه كذب باطل لا أصل له. وقال الشيخ الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى في اللآلئ: روى الحافظ السّمعاني عن أبي بكر الحيريّ رحمه الله تعالى قال حكى لي شيخ من الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في المنام قال: فقلت له: يا رسول الله بلغني أنك قلت: ولدت في زمن الملك العادل وإني سألت الحاكم أبا عبد الله الحافظ عن هذا فقال: كذب لم يقله رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: صدق أبو عبد الله. وقال الحليمي رحمه الله تعالى في «الشّعب» : هذا الحديث لا يصح وإن صحّ فإطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا لوصفه بالعدل والشهامة له بذلك، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلاً كما قال الله تعالى فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ أي ما كان عندهم آلهةً ولا يجوز أن يسمّي رسول الله ﷺ من يحكم بغير حكم الله عادلاً. وقال الشيخ رحمه الله تعالى في الدّرر: قال البيهقي في الشّعب: تكلم شيخنا أبو عبد الله يعني الحاكم، في بطلان ما يرويه بعض الجهلة عن نبينا ﷺ: «ولدت في زمن الملك العادل» يعني كسرى أنوشروان. ثم رأى بعض الصالحين في المنام رسول الله ﷺ فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدّقه وقال ما قلته قط.

نبينا ﷺ: «ولدت في زمن الملك العادل» يعني كسرى أنوشروان. ثم رأى بعض الصالحين في المنام رسول الله ﷺ فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدّقه وقال ما قلته قط. وقال صاحب المقاصد: وأما ما يحكى عن الشيخ أبي عمر بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى مما أورده ابن رجب في ترجمته من طبقاته أنه قال: جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ولدت في زمن الملك العادل كسرى» فلا يصحّ لانقطاع سنده، وإن صح فلعل الناقل للحكاية لم يضبط لفظ الشيخ وإن ضبط الحكاية. والله أعلم [ (١) ] .

الباب السابع في انفلاق البرمة حين وضع ﷺ تحتها روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا فلما ولد رسول الله ﷺ طرحوه تحت برمة فلما أصبحوا أتوا البرمة فإذا هي قد انفلقت اثنتين وعيناه ﷺ إلى السماء، فعجبوا من ذلك. وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات أثبات عن عكرمة رحمه الله تعالى- مرسلا- إن رسول الله ﷺ لما وضعته أمه وضعته تحت برمة فانفلقت عنه، قالت: فنظرت إليه فإذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء. وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي [ (١) ] رحمه الله تعالى قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح فكفأن عليه برمة، فلما ولد رسول الله ﷺ دفع إلى نسوة فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدت البرمة قد انفلقت عنه باثنتين، فوجدنه مفتوح العين شاخصاً ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب فقلن: ما رأينا مولوداً مثله ووجدناه قد انفلقت عنه البرمة ووجدناه مفتوحاً عينه شاخصاً ببصره إلى السماء فقال: احفظنه فإني أرجو أن يصيب خيرا. وروى ابن الجوزي عن أبي الحسين بن البراء- مرسلاً- رحمه الله تعالى عن آمنة أنها قالت: وضعت عليه إناء فوجدته قد انفلق الإناء عنه وهو يمصّ إبهامه يشخب لبناً. قال بعض أهل الإشارات في انفلاق البرمة عنه ﷺ إشارة إلى ظهور أمره وانتشاره وأنه يفلق ظلمة الجهل ويزيلها. يشخب بشين فخاء معجمتين أي يسيل.

ه يشخب لبناً. قال بعض أهل الإشارات في انفلاق البرمة عنه ﷺ إشارة إلى ظهور أمره وانتشاره وأنه يفلق ظلمة الجهل ويزيلها. يشخب بشين فخاء معجمتين أي يسيل.

الباب الثامن في ولادته ﷺ مختوناً مقطوع السرة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختوناً ولم ير أحد سوأتي» . رواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق. قال في الزهر: سنده جيد. انتهى. وصححه الحافظ ضياء الدين المقدسي وروي من حديث العباس بن عبد المطلب رواه ابن سعد وحسّن مغلطاي سنده في كتابه دلائل النبوة ومن حديث ابنة عبد الله رواه ابن عدي وابن عساكر ومن حديث أبي هريرة رواه ابن عساكر أيضاً. ومن حديث أنس رواه أبو نعيم. قال مغلطاي في دلائله: بسند جيد. ومن حديث ابن عمر رواه ابن عساكر. وقد جزم- بأنه ﷺ ولد مختوناً- جماعة من العلماء منهم هشام بن محمد بن السائب في كتاب الجامع. وابن حبيب في المحبّر. وابن دريد في الوشاح، وابن الجوزي في العلل والتلقيح. وقال الحاكم في المستدرك: تواترت الأخبار بأنه ﷺ ولد مختوناً. وتعقبه الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواتراً. وأجيب باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السّيرة، لا من طريق السند المصطلح عليه عند أئمة الحديث. وقيل: إن جبريل ختنه ﷺ. حين شق صدره. رواه الخطيب عن أبي بكرة موقوفاً. ولا يصح سنده. وقال الذهبي: إنه خبر منكر. وقال الذهبي: إن جده ﷺ ختنه على عادة العرب. ورواه أبو عمر قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وسنده غير صحيح. قال الحافظ قطب الدين الخيضريّ رحمه الله تعالى في الخصائص: وأرجحها عندي الأول. وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره. قلت: قد قدمنا أن له طريقاً جيدة صححها الحافظ الضياء. وقد قال الزركشي: إن تصحيح الضياء أعلى مزيةً من تصحيح الحاكم.

وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره. قلت: قد قدمنا أن له طريقاً جيدة صححها الحافظ الضياء. وقد قال الزركشي: إن تصحيح الضياء أعلى مزيةً من تصحيح الحاكم. قال الخيضري: فإن قيل إن فيه أي في ولادته ﷺ مختوناً بعض نقص في حق من يوجد كذلك. فيقال: هذا في حقه ﷺ غاية الكمال لأن القلفة ربما تمنع من تكميل النظافة والطهارة، وتمنع كمال لذة الجماع فأوجد الله تعالى عبدة ورسوله ﷺ مختوناً مسروراً مكمّلاً سالماً من سائر النقائص والمعايب فإن قيل: إذا كان كذلك فلم شق صدره ﷺ واستخرج منه العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان، ولو كان كما ذكرت لخلقه سالماً منها؟

قلت: لا سواء لأن الختان والإسرار من الأمور الظاهرة التي تحتاج إلى فعل الآدمي، فخلقه الله تعالى سليماً منها لئلا يكون لأحد عليه منّة، كما في كمال الطهارة، وأما إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان فمحلها القلب ولا اطلاع للآدمي عليها، ولو خلق الله تعالى نبيه ﷺ سليما منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره الله تعالى لعباده على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر انتهى. وهو مأخوذ من كلام السبكي يأتي ذكره في باب شرح صدره ﷺ. وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلاً رحمه الله تعالى أن آمنة قالت: وضعته نظيفاً، ما ولدته كما يولد السّخل، ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيديه. فائدة: ولد من الأنبياء مختوناً جماعة. نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى إنهم ثلاثة عشر. ونقل ابن الجوزي عن محمد بن حبيب رحمه الله تعالى أنهم أربعة عشر. وكل منهما ذكر ما لم يذكر الآخر. فالذي اتفقا عليه: آدم. وشيث. ونوح، ولوط ويوسف، وشعيب، وموسى، وسليمان وعيسى، ومحمد ﷺ. والذي زاده كعب: إدريس، وسام، ويحيى والذي زاده ابن حبيب: هود، وصالح، وزكريا، وحنظلة بن صفوان نبيّ أصحاب الرس ﷺ أجمعين فاجتمع من كلامهما سبعة عشر نبياً أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وقد نظم الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنه أسماءهم في قلائد الفوائد فقال: وسبعةٌ مع عشرٍ قد روى خلقوا ... وهم ختانٌ فخذ لا زلت مأنوسا

م آدم وآخرهم محمد ﷺ وقد نظم الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنه أسماءهم في قلائد الفوائد فقال: وسبعةٌ مع عشرٍ قد روى خلقوا ... وهم ختانٌ فخذ لا زلت مأنوسا محمدٌ آدم إدريس شيث ونو ... حٌ سام هودٌ شعيبٌ يوسف موسى لوط سليمان يحيى صالحٌ زكر ... يّا وحنظلة الرسّيّ مع عيسى وقال العلامة القاضي عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى ونفعنا به: وفي الرسل مختوناً لعمرك خلقةً ... ثمانٍ وتسعٍ طيبون أكارم وهم زكريّا شيث إدريس يوسف ... وحنظلةٌ عيسى وموسى وآدم ونوحٌ شعيبٌ سام لوطٌ وصالحٌ ... سليمان يحيى هود ياسين خاتم تنبيه: قال بعضهم وفي قولهم: خلقوا مختونين تجوّز لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر. لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع. والله أعلم.

الباب التاسع في مناغاته ﷺ للقمر في مهده وكلامه فيه روى الطبراني والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك فحيث ما أشرت إليه مال. قال: «كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش» . قال الإمام أبو عثمان الصابوني [ (١) ] رحمه الله تعالى في كتاب المائتين: هذا حديث غريب الإسناد والمتن في المعجزات حسن. المناغاة: المحادثة. وناغت الأم صبيها لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. قال الحافظ في الفتح وفي سير الواقدي إن النبي ﷺ تكلم في المهد أوائل ما ولد. وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى في الخصائص أن مهده ﷺ كان يتحرك بتحريك الملائكة له. وأن أول كلام تكلم به أن قال: «الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيراً» . فائدة: تكلم في المهد جماعة نظم شيخنا رحمه الله تعالى أسماءهم في كتابه قلائد الفوائد فقال: تكلّم في المهد النبيّ محمدٌ ... وموسى وعيسى والخليل ومريم ومبرئ جريجٌ ثم شاهد يوسفٍ ... وطفلٌ لدى الأخدود يرويه مسلم وطفلٌ عليه مرّ بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلّم وماشطةٌ في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم والله ﷾ أعلم بالصواب.

يرويه مسلم وطفلٌ عليه مرّ بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلّم وماشطةٌ في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم والله ﷾ أعلم بالصواب.

الباب العاشر في حزن إبليس وحجبه من السموات وما سمع من الهواتف لما ولد رسول الله ﷺ نقل السهيلي وأبو الربيع وغيرهما عن تفسير الحافظ بقي بن مخلد [ (١) ] رحمه الله تعالى أن إبليس رنّ أربع رنّات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي ﷺ، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب. رنّ: صوت بحزن وكآبة. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال إبليس لما ولد رسول الله ﷺ: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته. فلما دنا من رسول الله ﷺ بعث الله جبريل فركضه برجله ركضة فوقع بعدن. وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خرّبوذ رحمه الله تعالى قال: كان إبليس يخترق السموات السبع. فلما ولد عيسى حجب من ثلاث سموات، وكان يصل إلى أربع فلما ولد النبي ﷺ حجب من السبع. وروى الخرائطي وابن عساكر عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم يجتمعون إليه فلما دخلوا يوماً فرأوه مكبوباً على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلاباً عنيفاً فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة فقال عثمان: إن هذا لأمر حدث. وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ. فجعل عثمان بن الحويرث يقول: أيا صنم العيد الذي صفّ حوله ... صناديد وفدٍ من بعيدٍ ومن قرب ينكس مقلوباً فما ذاك قل لنا ... أذاك سفيهٌ أم تنكّس للعتب فإن كان من ذنبٍ أسأنا فإننا ... نبوء بإقرارٍ ونلوي على الذّنب وإن كنت مغلوباً تنكّست صاغراً ... فما أنت في الأصنام بالسّيّد الرّبّ قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من جوف الصنم بصوت جهير وهو يقول:

لوباً تنكّست صاغراً ... فما أنت في الأصنام بالسّيّد الرّبّ قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من جوف الصنم بصوت جهير وهو يقول:

تردّى لمولودٍ أضاءت لنوره ... جميع فجاج الأرض بالشّرق والغرب وخرّت له الأوثان طرّا وأرعدت ... قلوب ملوك الأرض طرّا من الرّعب ونار جميع الفرس باخت (٣) وأظلمت ... وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدّت عن الكهّان بالغيب جنّها ... فلا مخبرٌ منهم بحقّ ولا كذب فيا لقصيّ إرجعوا عن ضلالكم ... وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل في جبل. باخت: خمدت. هبّ النائم هبّا وهبوباً: استيقظ. وروى الخرائطي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشيّ بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال: أصدقاني أيّها القرشيان: هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه جمال كثيرة؟ فقلنا نعم. قال: فهل لكما علم به ما فعل؟ قلنا: تزوّج امرأة منا يقال لها آمنة تركها حاملاً وخرج. قال: فهل تعلمان ولدت أم لا؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك. إني قد قربت عند وثن لنا إذ سمعت من جوفه هاتفاً يقول: ولد النّبيّ فذلّت الأملاك ... ونأى الضّلال وأدبر الإشراك ثم تنكّس الصنم على رأسه. فقال زيد: عندي خبره أيها الملك، إني في مثل هذه الليلة خرجت حتى أتيت جبل أبي قبيس إذ رأيت رجلاً ينزل له جناحان أخضران فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذلّ الشيطان وبطلت الأوثان وولد الأمين. ثم نشر ثوباً معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلّل ما تحت السماء وسطع نورٌ كاد يخطف بصري، وهالني ما رأيت وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة وقال: زكت الأرض وأدّت ربيعها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها.

يت وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة وقال: زكت الأرض وأدّت ربيعها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي: أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبّتي وقت خلوتي إذ خرج عليّ من الأرض عنق ورأس وهو يقول: حلّ الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طيرٌ أبابيل بحجارة من سجّيل، هلك الأشرم المعتدي المجرم، وولد النبي المكي الحرمي، من أجابه سعد ومن أباه عند، ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام ورمت القيام فلم أطق القيام فأتاني أهل فقلت: احجبوا عني الحبشة فحجبوهم فأطلق الله لساني ورجلي. وروى ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لما ولد

رسول الله ﷺ هتف هاتف على أبي قبيس وآخر على الحجون الذي بأصل المقبرة فقال الذي على جبل الحجون: فأقسم ما أنثى من النّاس أنجبت ... ولا ولدت أنثى من النّاس والده كما ولدت زهريةٌ ذات مفخرٍ ... مجنّبةٌ لؤم القبائل ماجده فقد ولدت خير البريّة أحمدا ... فأكرم بمولود وأكرم بوالده وقال الذي على جبل أبي قبيس: يا ساكني البطحاء لا تغلطوا ... وميّزوا الأمر بعقل مضي إن بني زهرةٍ من سرّكم ... في غابر الأمر وعند البدي واحدة منكم فهاتوا لنا ... فيمن مضى في الناس أو من بقي واحدةً من غيرهم مثلها ... جنينها مثل النّبي التّقي

الباب الحادي عشر في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر ذكر ابن جرير وغيره أن كسرى أبرويز كان قد سكر دجلة العوراء وأنفق عليها مالاً عظيماً، وكان طاق ملكه قد بناه بنياناً عظيماً لما ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة رجل من كاهن وساحر ومنجّم، وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب قد بعث به بأذان من اليمن، وكان كسرى إذا حزبه أمرٌ جمعهم فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو. فلما ولد رسول الله ﷺ أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل وانخرقت دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه فدعا كهانه وسحّاره ومنجميه وفيهم السائب فقال لهم: قد انقصم طاق ملكي من غير ثقل فانظروا في أمره بما تعلمونه من علمكم فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض فلم يمض لهم ما رأوه وبات السائب في ليلة مظلمة على ربوة من الأرض ينظر فرأى برقاً من قبل الحجاز قد استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضةً خضراء فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجنّ من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب الأرض عليه كأفضل ما أخصبت على ملك.

مشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضةً خضراء فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجنّ من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب الأرض عليه كأفضل ما أخصبت على ملك. فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمرٍ جاء من السماء وأنه لنبيّ يبعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ملكه ويكسر وإن نعيتم إلى كسرى كسر ملكه ليقتلنكم فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له قد نظرنا فوجدنا وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النّحوس، فلما اختلف الليل والنهار فوقعت النحوس مواقعها زال كلّ ما وضع عليها، ونحن نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول. - فحسبوا فأمروه بالبناء فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر وأنفق عليها أموالاً جليلة حتى فرغ منها، فلما فرغ قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم. فجلس في أساورته ومرازبته، فبينما هو كذلك انشقّت دجلة وخرج ذلك البنيان من تحته، فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحرته ومنجميه وقتل منهم نحو مائة وقال لهم: أقرّبتكم وأجريت عليكم الأموال ثمّ إنكم تخونونني؟ فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وأمروه بالبناء فبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف أن يجلس عليه فركب وسار على البناء فبينما هو يسير إذ انشقت أيضاً،

ا أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وأمروه بالبناء فبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف أن يجلس عليه فركب وسار على البناء فبينما هو يسير إذ انشقت أيضاً،

فلم يدرك إلا بآخر رمق. فدعاهم وقال: لأقتلنكم أو لتصدقنّي. فصدقوه وأخبروه بالأمر فقال: ويحكم هلا بيّنتم لي ذلك فأرى فيه ما أرى قالوا: منعنا الخوف. فتركهم. وروى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس فيها إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبّر عليه تشجّعاً، ثم رأى أن لا يدّخر ذلك عن وزرائه ومرازبته حين عيل صبره فجمعهم ولبس تاج ملكه وقعد على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت؟ قالوا: لا إلا أن تخبرنا بذلك، فبينما هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس فازداد غمّاً إلى غمه ثم أخبرهم بما هاله، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة. فقص عليهم رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ وكان أعلمهم في أنفسهم قال: حدثٌ يكون من ناحية العرب، فكتب كسرى عند ذلك: من ملك الملوك كسرى إلى النعمان بن المنذر: أما بعد فوجّه إلي عالماً بما أريد أن أسأله عنه فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسّان بن بقيلة- بضم الموحدة وفتح القاف وسكون التحتية- الغسّاني. فلما قدم عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسالك عنه؟ قال: يسألني الملك أو يخبرني الملك، فإن كان عندي علم منه أخبرته وإلا دللته على من يعلمه. قال: فأخبره. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح. قال: فاذهب إليه فاسأله وائتني بتأويل ما عنده. فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحيّاه فلم يحر جواباً فأنشأ عبد المسيح يقول: أصمّ أم يسمع غطريف اليمن.. في أبيات ذكرها.

فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحيّاه فلم يحر جواباً فأنشأ عبد المسيح يقول: أصمّ أم يسمع غطريف اليمن.. في أبيات ذكرها. فلما سمع سطيح كلامه فتح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك- ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح إذا أكثرت التلاوة. وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة، فليس الشام لسطيح شاماً، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشّرفات، وكل ما هو آتٍ آت. ثم قضى سطيح مكانه فأتى عبد المسيح إلى كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكاً كانت أمور وأمور. فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.

ويرحم الله تعالى الإمام أبا عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن علي الشقراطسي [ (١) ] حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطّفل وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقضّ منكسر الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت ... من ألف عام ونهر القوم لم يسل خرّت لمولده الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشّهب ترمي الجنّ بالشّعل والإمام أبا عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي الشهير بالبوصيري رحمه الله تعالى حيث قال: أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم وبات أيوان كسرى وهو منصدعٌ ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم والنّار خامدة الأنفاس من أسفٍ ... عليه والنّهر ساهي العين منسدم وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي كأنّ بالنّار ما بالماء من بللٍ ... حزناً وبالماء ما بالنّار من ضرم والجنّ تهتف والأنوار ساطعةٌ ... والحقّ يظهر من معنى ومن كلم عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم ... يسمع وبارقة الإنذار لم تشم من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم من بعد ما عاينوا في الأفق من شهبٍ ... منقضّةٍ وفق ما في الأرض من صنم حتّى غدا عن طريق الحقّ منهزمٌ ... من الشياطين يقفو إثر منهزم وقال أيضاً في قصيدته الهمزية: ومحيّا كالشّمس منك مضيءٌ ... أسفرت عنه ليلةٌ غرّاء ليلة المولد الذي كان للدّي ... ن سرورٌ بيومه وازدهاء

يقفو إثر منهزم وقال أيضاً في قصيدته الهمزية: ومحيّا كالشّمس منك مضيءٌ ... أسفرت عنه ليلةٌ غرّاء ليلة المولد الذي كان للدّي ... ن سرورٌ بيومه وازدهاء

وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحقّ الهناء وتداعى إيوان كسرى ولو ... لا آيةٌ منك ما تداعى البناء وغدا كلّ بيت نارٍ وفيه ... كربةٌ من خمودها وبلاء وعيونٌ للفرس غارت فهل كا ... ن لنيرانهم بها إطفاء فهنيئاً به لآمنة الفض ... ل الذي شرفت به حوّاء من لحوّاء أنّها حملت أح ... مداً وأنّها به نفساء يوم نالت بوضعه ابنة وه ... بٍ من فخارٍ ما لم تنله النّساء وأتت قومها بأفضل ممّا ... حملت قبل مريم العذراء شمّتته الأملاك إذ وضعته ... وشفتنا بقولها الشّفاء رافعاً رأسه وفي ذلك الرّف ... ع إلى كلّ سؤددٍ إيماء رامقاً طرفه السّماء ومرمى ... عينٍ من شأنه العلوّ العلاء وتدلّت زهر النّجوم إليه ... وأضاءت بضوئها الأرجاء وتراءت قصور قيصر بالشا ... م يراها من داره البطحاء

تفسير الغريب كسرى بفتح الكاف وكسرها: اسم ملك الفرس. والذي ولد النبي ﷺ في زمانه: أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور. والذي كتب إليه الكتاب ومزّقه: أبرويز بن هرمز أنوشروان. والذي قتل في زمن عثمان وأخذ منه المسلمون البلاد: يزدجرد بن شهريار. دجلة بكسر الدال المهملة: نهر بغداد. قال ثعلب- رحمه الله تعالى- تقول: عبرت دجلة بغير ألف ولام. باذان: بذال معجمة. انقصم: انكسر وانفصل بعضه من بعضه. اعتاف: قال في النهاية: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها، يقال: عاف يعيف عيفاً إذا زجر وحدس وظن. قلت: والمراد هنا الحدس والظن. ارتجس: اضطرب وانشق. والرّجس بفتح الراء وإسكان الجيم وبالسين المهملة: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير. الإيوان: بوزن الدّيوان ويقال فيه بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه. والأزج: بيت

إسكان الجيم وبالسين المهملة: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير. الإيوان: بوزن الدّيوان ويقال فيه بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه. والأزج: بيت

يبنى طولاً، وجمعه على الأول: أواوين كدواوين. وإيوانات. وعلى الثاني: أون كخوان وخون: بناء مشهور بالمدائن من أرض العراق، كان بناء محكماً مبنياً بالآجرّ الكبار والجصّ، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، فارتجس حتى سمع صوته وانشقّ وسقطت منه أربعة عشر شرافة. ليس السبب في ذلك من جهة خلل في بنائه في نفسه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آيةً باقية على وجه الدهر لنبيه ﷺ. الموبذان: بضم الميم ثم واو ساكنة وفتح الباء الموحدة. وحكى الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى كسرها أيضاً وبذال معجمة: اسم لحاكم المجوس كقاضي القضاة للمسلمين. مشيح بشين معجمة وحاء مهملة وزن مليح يقال ناقة مشحاة إذا كانت سريعة. والإبل كناية عن الناس هنا. الهراوة. بكسر الهاء: العصا. الشرفات بضم الراء وفتحها وسكونها جمع شرفة- إما تحقيراً لها أو أن جمع القلة قد يقع موضع جمع الكثرة. خمدت بفتح الميم وكسرها كنصر وسمع. غاضت بغين وضاد معجمتين: غارت. خيلاً عراباً، بكسر العين. الخيل العراب خلاف البراذين الفرس إن كان أبواه عربيين فهو عتيق، وإن كانا أعجميين فهو برذون، وإن كان الأب عربياً والأم عجمية فهو هجين. وإن كان بالعكس فهو مقرف. بحيرة ساوة بحيرة متسعة الأكناف جداً. وقد قال فيها الصّرصري- رحمه الله تعالى- في بعض قصائده: غارت وقد كانت جوانبها تفوت الميلا وقال غيره: كانت أكثر من ستة فراسخ تركب فيها السفن ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة كأن لم يكن بها شيء من الماء. تنبيه: وقع في بعض الكتب: غاضت بحيرة طبرية. وهذا غير معروف. وبحيرة طبرية لم يثبت أن ماءها غاض وهو باق إلى اليوم. المرازبة بفتح الميم جمع مرزبان بضم الزاي وهو الفارس الشجاع المتقدم على القوم دون المكره. هاله: أفزعه.

رؤيا بترك التنوين. حدث بفتح الحاء والدال المهملتين ومثلثة أي وقع. مشارف بميم مفتوحة فشين معجمة مخففة فألف فراء ففاء. المشارف: القرى التي تقرب من المدن، وقيل التي بين بلاد الريف وجزيرة العرب قيل لها ذلك لأنها أشرفت على السّواد. قاله في النهاية وقال في الصّحاح: مشارف الأرض أعاليها. أشفى: أشرف. أنشأ بهمزة مفتوحة أوله وآخره أي ابتدأ. أصمّ: بهمزة الاستفهام ثم بضم الصاد المهملة فتشديد الميم مبني للمفعول. الغطريف: بغين معجمة فطاء مهملة فراء مكسورة فمثناة تحتية ففاء المراد به هنا السيد. عبد المسيح: بالرفع لأنه مبتدأ والجار والمجرور في قوله «على جمل» الخبر. أوفى: أشرف. ساوة مدينة بين الرّيّ وهمذان. السّماوة بسين مهملة مفتوحة فميم مخففة: بادية لبني كلب عند الكوفة، أرض عالية لا حجر فيها لها طول ولا عرض لها سميت السّماوة لسمّوها أي علوها. الطّفل بفتحتين: العشيّ عند تطفيل الشمس ونقصان ضوئها. ومعنى تطفيلها دنوّها من المغيب. أنقاض يروى بضاد معجمة. ويروى بصاد مهملة. وعليهما فمعناه سقط. الأرجاء: النواحي. الميل بفتح الميم والمثناة التحتية قال في المحكم: الميل أي بسكون الياء في الحادث. والميل في الخلقة. فارس: اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوساً يعبدون النار وكان لبيوت النار سدنة يقومون عليها. ويتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهبٌ لا ليل ولا نهار إلا ليلة مولده ﷺ، فإنهم أوقدوها فلم تقد. وإنما انتفى إيقادها في نفسها مع كونهم تعاطوا إيقادها فهذا موضع الآية العجيبة، ولو كانوا لم يتعاطوا إيقادها لم يكن في ذلك آية لمولد النبي ﷺ وكان ذلك وقع اتفاقاً. وخمدت تلك النار مع إيقادهم لها ولها ألف سنة لم تخمد وتلك مدة عبادة المجوس للنار. المحيّا: الوجه. أسفرت: انحسرت.

لمولد النبي ﷺ وكان ذلك وقع اتفاقاً. وخمدت تلك النار مع إيقادهم لها ولها ألف سنة لم تخمد وتلك مدة عبادة المجوس للنار. المحيّا: الوجه. أسفرت: انحسرت.

غرّاء: تأنيث- الأغرّ وهو السيّد والأبيض النيّر. الازدهاء: الافتخار. توالت: تتابعت. الهواتف: جمع هاتف وهو ما يسمع صوته ولا يرى شخصه. تداعى: تهادم. غدا بالدال المهملة: صار. خمود النار: سكون لهبها ولم يطف جمرها، فإن انطفأ أيضاً قيل: همدت. الكربة بالضم: الهمّ الذي يأخذ النفس. والاستفهام عن انطفاء نار فارس بمياه العيون التي غارت يفيد التعجب من هذه القضية وتأكيد وقوعها وأن ذلك من آياته ﷺ. رمق الشيء: نظر إليه نظرا خفيّاً. المرمى في الأصل: الغرض الذي ينتهي إليه سهم الرامي. والمراد ما انتهى إليه البصر. الشأن: القصد. العلو: الارتفاع في المكان. العلاء بالفتح والمد: الرفعة والشرف، والعلى بالضم والقصر بمعناه. تراءت من رؤية العين. وتراءى الجمعان: رأى بعضهم بعضاً. قيصر: أحد ملوك الروم. البطحاء: الأبطح. وهو في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد به هنا بطحاء مكة. التشميت: بالمعجمة، ويجوز إهمالها: أن تقول للعاطس: رحمك الله. الشفاء بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء وقيل بفتحها والتثقيل: أم عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه-.

ة، ويجوز إهمالها: أن تقول للعاطس: رحمك الله. الشفاء بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء وقيل بفتحها والتثقيل: أم عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنه-.

الباب الثاني عشر في فرح جده عبد المطلب به ﷺ وتسميته له محمداً قال ابن إسحاق والواقدي وغيرهما: لما وضعت آمنة سيدنا رسول الله ﷺ أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام فائته فانظر إليه. فأتاه ونظر إليه. وحدثّته بما رأت حين حملت به وما قيل لها وما أمرت به أن تسمّيه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، ثم خرج به ﷺ إلى أمه وهو يقول: الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيّب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان حتّى يكون بلغة الفتيان ... حتّى أراه بالغ التّبيان أعيذه من شرّ ذي شنآن ... من حاسدٍ مضطرب العيان ذي همّةِ ليس له عينان ... حتّى أراه رافعاً للشّان أنت الذي سمّيت في الفرقان ... أحمد مكتوبٌ على اللسان [ (١) ] وروى البيهقي عن أبي الحسن التنوخي- رحمه الله تعالى- أنه لما كان يوم السابع من ولادة رسول الله ﷺ ذبح عنه جدّه ودعا قريشاً، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب ما سميته؟ قال: سميته محمداً. قالوا: لم رغبت به عن أسماء أهل بيته. قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض. وروى أبو عمر وأبو القاسم بن عساكر من طرق عن ابن عباس- ﵄ قال: لما ولد رسول الله ﷺ عقّ عنده جده بكبش وسماه محمداً. فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمداً ولم تسمه باسم آبائه؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض. وذكر السّهيلي وأبو الرّبيع- رحمهما الله تعالى- أن عبد المطلب إنما سماه محمداً لرؤيا رآها. زعموا أنه رأى مناماً كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره ولها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلّقون بها. فقصّها فعبّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمداً مع ما حدّثته به أمه ﷺ.

ويرحم الله تعالى الإمام العلامة العارف إبراهيم بن أحمد الرقيّ حيث قال: لو أنّ كلّ الخلق ليلة مولد ال ... هادي على الهامات منهم قاموا شكراً لنعمة ربّهم فيما حبوا ... فيها بعشر عشيرها ما قاموا هي نعمةٌ ما غادرت من دينه ... كفرٌ ولا من دينه الإسلام عمّتهم ببحارها فالعالم ال ... علويّ والسّفليّ فيها عاموا فالحمد لله الذي من فضله ... عمّ البريّة كلّها الإنعام نظر الرّحيم إلى الورى فرآهم ... أغوتهم الأنصاب والأزلام وتحيّروا في ظلمة الكفر الذي ... عبدت به الأوثان والأصنام تغشى الفواحش في المحافل جهرةً ... لا ينكرون كأنّهم أنعام يبغي القويّ على الضعيف ويقهر ال ... والي اليتيم وتقطع الأرحام فأغاثهم ربّ العباد بشرعةٍ ... فيها الحدود على السّداد تقام دين النّبيّ محمّدٍ خير الورى ... من فصّلت في دينه الأحكام موسى وعيسى بشّرا بظهوره ... ودعا به من قبل إبراهام شكرا لمهديه إلينا نعمة ... ليست تحيط بكنهها الأوهام

الباب الثالث عشر في أقوال العلماء في عمل المولد الشريف واجتماع الناس له وما يحمد من ذلك وما يذم قال الحافظ أبو الخير السخاوي- رحمه الله تعالى- في فتاويه: عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. انتهى. وقال الإمام الحافظ أبو الخير بن الجزريّ- رحمه الله تعالى- شيخ القرّاء: من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام. قلت: وأول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل الملك المظفّر أبو سعيد كوكوبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد.

غية والمرام. قلت: وأول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل الملك المظفّر أبو سعيد كوكوبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد. قال الحافظ عماد الدين بن كثير- رحمه الله تعالى- في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان شهماً شجاعاً بطلاً عاقلاً عادلاً- رحمه الله تعالى- وأكرم مثواه. وقد صنّف الشيخ أبو الخطاب بن دحية- رحمه الله تعالى- كتاباً له في المولد سمّاه: «التنوير في مولد البشير النذير» فأجازه بألف دينار. قال سبط بن الجوزي- رحمه الله تعالى- في مرآة الزمان: حكى من حضر سماط المظفر في بعض المولد أنه عدّ في ذلك السّماط خمسة آلاف رأس غنم شويّ وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف قرص ومائة ألف زبديّة أي من طعام، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم. وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة. فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار وكان يفتكّ من الفرنج في كل سنة بمائتي ألف دينار، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وهذا كله سوى صدقات السرّ. وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين [ (١) ] أن قميصه

لمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وهذا كله سوى صدقات السرّ. وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين [ (١) ] أن قميصه

كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم. قالت: فعاتبته في ذلك فقال: ألبس ثوباً بخمسة دراهم وأتصدّق بالباقي خير من أن ألبس ثوباً مثمناً وأدع الفقير والمسكين. وقد أثنى عليه الأئمة، منهم الحافظ أبو شامة شيخ النّووي في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وقال: مثل هذا الحسن يندب إليه ويشكر فاعله ويثنى عليه. قال ابن الجوزيّ: لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وإدعام أهل الإيمان. وقال العلامة ابن ظفر- رحمه الله تعالى-: بل في الدرّ المنتظم: وقد عمل المحبون للنبي ﷺ فرحاً بمولده الولائم-، فمن ذلك ما عمله بالقاهرة المعزّية من الولائم الكبار الشيخ أبو الحسن المعروف بابن قفل قدس الله تعالى سره، شيخ شيخنا أبي عبد الله محمد بن النعمان، وعمل ذلك قبل جمال الدين العجمي الهمذاني وممن عمل ذلك على قدر وسعه يوسف الحجّار بمصر وقد رأى النبي ﷺ وهو يحرّض يوسف المذكور على عمل ذلك. قال: وسمعت يوسف بن علي بن زريق الشامي الأصل المصري المولد الحجّار بمصر في منزله بها حيث يعمل مولد النبي ﷺ يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام منذ عشرين سنة وكان لي أخ في الله تعالى يقال له الشيخ أبو بكر الحجّار فرأيت كأنني وأبا بكر هذا بين يدي النبي ﷺ جالسين، فأمسك أبو بكر لحية نفسه وفرقها نصفين وذكر للنبي ﷺ كلاماً لم أفهمه فقال النبي ﷺ مجيباً له: لولا هذا لكانت هذه في النار. ودار إليّ وقال: لأضربنك.

لسين، فأمسك أبو بكر لحية نفسه وفرقها نصفين وذكر للنبي ﷺ كلاماً لم أفهمه فقال النبي ﷺ مجيباً له: لولا هذا لكانت هذه في النار. ودار إليّ وقال: لأضربنك. وكان بيده قضيب فقلت: لأي شيء يا رسول الله؟ فقال: حتى لا تبطل المولد ولا السّنن. قال يوسف: فعملته منذ عشرين سنة إلى الآن. قال: وسمعت يوسف المذكور يقول: سمعت أخي أبا بكر الحجّار يقول: سمعت منصوراً النشّار يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام يقول لي: قل له لا يبطله. يعني المولد ما عليك ممن أكل وممن لم يأكل. قال: وسمعت شيخنا أبا عبد الله بن أبي محمد النّعمان يقول: سمعت الشيخ أبا موسى الزّرهونيّ يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال ﷺ: «من فرح بنا فرحنا به» . وقال الشيخ الإمام العلامة نصير الدين المبارك الشهير بابن الطبّاخ في فتوى بخطه: إذا أنفق المنفق تلك الليلة وجمع جمعاً أطعمهم ما يجوز إطعامه وأسمعهم ما يجوز سماعه ودفع للمسمع المشوّق للآخرة ملبوساً، كلّ ذلك سروراً بمولده ﷺ فجميع ذلك جائز ويثاب

فاعله إذ أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثواباً، نعم إن كان الاجتماع كما يبلغنا عن قرّاء هذا الزمان من أكل الحشيش واجتماع المردان وإبعاد القوّال إن كان بلحية وإنشاد المشوّقات للشهوات الدنيوية وغير ذلك من الخزي والعياذ بالله تعالى فهذا مجمع آثام. وقال الشيخ الإمام جمال الدين بن عبد الرحمن بن عبد الملك الشهير (٣) بالمخلّص الكتاني- رحمه الله تعالى- مولد رسول الله ﷺ مبجّل مكرّم، قدّس يوم ولادته وشرّف وعظم، وكان وجوده ﷺ مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه وتقليل حظّ جهنم لمن أعدّ لها لفرحه بولادته ﷺ وتمّت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم يوم الجمعة من حيث أن يوم الجمعة لا تسعّر فيه جهنم، هكذا ورد عنه ﷺ فمن المناسب إظهار السرور وإنفاق الميسور وإجابة من دعاه ربّ الوليمة للحضور. وقال الإمام العلامة ظهير الدين جعفر التزمنتيّ- رحمه الله تعالى-: هذا الفعل لم يقع في الصّدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم له إعظاماً ومحبةً لا يبلغ جمعنا الواحد منهم ولا ذرّة منه، وهي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين والصلاة على النبي ﷺ وإطعام الطعام للفقراء والمساكين، وهذا القدر يثاب عليه بهذا الشرط في كل وقت، وأما جمع الرعاع وعمل السّماع والرقص وخلع الثياب على القوّال بمروديّته وحسن صوته فلا يندب بل يقارب أن يذمّ، ولا خير فيما لم يعمله السلف الصالح، فقد قال ﷺ: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» . وقال الشيخ نصير الدين أيضاً: ليس هذا من السّنن، ولكن إذا أنفق في هذا اليوم وأظهر السرور فرحاً بدخول النبي ﷺ في الوجود واتخذ السماع الخالي عن اجتماع المردان وإنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات والمشوّقات للشهوات الدنيويّة كالقدّ والخدّ والعين والحاجب، وإنشاد ما يشوّق إلى الآخرة ويزهد في الدنيا فهذا اجتماع حسن يثاب قاصد ذلك وفاعله عليه، إلا أن سؤال الناس ما في أيديهم بذلك فقط بدون ضرورة وحاجة سؤالٌ مكروه، واجتماع الصّلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام ويذكروا الله تعالى ويصلّوا على رسول الله ﷺ يضاعف لهم القربات والمثوبات.

ذلك فقط بدون ضرورة وحاجة سؤالٌ مكروه، واجتماع الصّلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام ويذكروا الله تعالى ويصلّوا على رسول الله ﷺ يضاعف لهم القربات والمثوبات. وقال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه: «الباعث على إنكار البدع والحوادث» قال الربيع: قال الشافعي- رحمه الله تعالى ورضي عنه-: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد من هذا

فهي محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر- رضي الله تعالى عنه- في قيام رمضان نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن. وإذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى. قلت: وإنما كان كذلك لأن النبي ﷺ حث على قيام شهر رمضان وفعله هو ﷺ واقتدى به فيه بعض أصحابه ليلة أخرى. ثم ترك النبي ﷺ فعلها بالمسجد جماعة، لما فيه من إحياء هذا الشّعار الذي أمر به الشارع وفعله والحثّ عليه والترغيب فيه. والله تعالى أعلم. فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي. وذلك نحو بناء المنابر والرّبط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البرّ التي لم تعهد في الصّدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى. ومن أحسن ما ابتدع في زماننا هذا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة «إربل» جبرها الله تعالى، كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي ﷺ وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكر الله تعالى علي من منّ به من إيجاد رسول الله ﷺ الذي أرسله رحمةً للعالمين ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملاّ [ (١) ] أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله تعالى.

اء والمرسلين. وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملاّ [ (١) ] أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله تعالى. وقال الشيخ الإمام العلامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزري [ (٢) ] الشافعي رحمه الله تعالى: هذه بدعة لا بأس بها ولا تكره البدع إلا إذا راغمت السّنة، وأما إذا لم تراغمها فلا تكره، ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبي ﷺ.

وقال في موضع آخر: هذا بدعة، ولكنها بدعة لا بأس بها، ولكن لا يجوز له أن يسأل الناس بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسؤول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح أرجو أن لا ينتهي إلى الكراهة. وقال الحافظ- رحمه الله تعالى-: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عمله المحاسن وتجنّب ضدّها كان بدعة حسنة ومن لا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يومٌ أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى. فقال: «أنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه» . فيستفاد من فعل ذلك شكرا لله تعالى على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبيّ الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرّى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى ﷺ في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسّع قوم حتى نقلوه إلى أي يوم من السّنة. وفيه ما فيه. فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد.

ء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسّع قوم حتى نقلوه إلى أي يوم من السّنة. وفيه ما فيه. فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد. وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزّهدية المحرّكة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحاً بحيث يتعيّن السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، ومهما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلافاً للأولى. انتهى. وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري [ (١) ] رحمه الله تعالى: قد رئي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفّف عني كل ليلة اثنين وأمصّ

من بين إصبعيّ هاتين ماءً بقدر هذا- وأشار لرأسي إصبعيه- وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشّرتني بولادة محمد ﷺ وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في النار لفرحه ليلة مولد محمد ﷺ فما حال المسلم الموحّد من أمة محمد ﷺ ببشره بمولده وبذل ما تصل إليه قدرته في محبته؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم. وذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي- رحمه الله تعالى- ثم أنشد: إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمّه ... وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا أتى أنّه في يوم الاثنين دائماً ... يخفّف عنه بالسّرور بأحمدا فما الظّنّ بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسروراً ومات موحدا وقال شيخنا- رحمه الله تعالى- في فتاويه: عندي أن أصل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي ﷺ وما وقع في مولده من الآيات ثم يمدّ لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي ﷺ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف. قال: وقد ظهر لي تخريجه على أصل صحيح غير الذي ذكره الحافظ، وهو ما رواه البيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله ﷺ إظهاراً للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمةً للعالمين وتشريعاً لأمته ﷺ، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده ﷺ بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات والمسرّات. وقال في شرح سنن ابن ماجه: الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلا عن المنكرات شرعاً. انتهى. ويرحم الله تعالى القائل: لمولد خير العالمين جلال ... لقد غشي الأكوان منه جمال فيا مخلصاً في حقّ أحمد هذه ... ليالٍ بدا فيهنّ منه هلال فحقّ علينا أن نعظّم قدره ... فتحسن أحوالٌ لنا وفعال فنطعم محتاجاً ونكسو عارياً ... ونرفد من أضحى لديه عيال

حقّ أحمد هذه ... ليالٍ بدا فيهنّ منه هلال فحقّ علينا أن نعظّم قدره ... فتحسن أحوالٌ لنا وفعال فنطعم محتاجاً ونكسو عارياً ... ونرفد من أضحى لديه عيال

فتلك فعال المصطفى وخلاله ... وحسبك أفعالٌ له وخلال لقد كان فعل الخير قرّة عينه ... فليس له فيما سواه مجال والقائل أيضاً: يا مولد المختار أنت ربيعنا ... بك راحة الأرواح والأجساد يا مولداً فاق الموالد كلّها ... شرفاً وساد بسيّد الأسياد لا زال نورك في البريّة ساطعاً ... يعتاد في ذا الشّهر كالأعياد في كل عام للقلوب مسرّةٌ ... بسماع ما نرويه في الميلاد فلذاك يشتاق المحبّ ويشتهي ... شوقاً إليه حضور ذا الميعاد وزعم الإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني المالكي- رحمه الله تعالى- أن عمل المولد بدعة مذمومة وألّف في ذلك كتابا قال فيه: الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيّدنا بالهداية إلى دعائم الدّين، ويسّر لنا إتباع آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنواع علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهّر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين. أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصلٌ في الشرع أو هو بدعة حدثت في الدين؟

عد: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصلٌ في الشرع أو هو بدعة حدثت في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبيّناً والأيضاًح عنه معيّناً. فقلت وبالله التوفيق: ما أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسّكون بآثار الصالحين المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاًَ أو محرّماً. وليس بواجب إجماعاً، ولا مندوباً، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذمّ على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتديّنون فيما علمت. وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت. ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين: أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام

فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدّمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية وتشتد به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيّما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء من البطون الملأى بآلات الباطل من الدّفوف والشّبّابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات إما مختلطات بهن أو متشرّفات والرقص بالتثنّي والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتّهنيك والتّطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقيلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرّمات. فإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ! ولله درّ شيخنا القشيري رحمه الله تعالى حيث يقول فيما أجازناه: قد عرف المنكر واستنكر ال ... معروف في أيّامنا الصّعبة وصار أهل العلم في وهدةٍ ... وصار أهل الجهل في رتبه حادوا عن الحقّ فما للّذي ... سادوا به فيما مضى نسبه فقلت للأبرار أهل التّقى ... والدّين لما اشتدّت الكربه لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربة! ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب!. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه ﷺ وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول. هذا جميع ما أورده الفاكهاني- رحمه الله تعالى- في كتابه المذكور.

فليس الفرح بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول. هذا جميع ما أورده الفاكهاني- رحمه الله تعالى- في كتابه المذكور. وتعقبه الشيخ- رحمه الله تعالى- في فتاويه فقال: أمّا قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنّة فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل بن حجر أصلاً من السنة واستخرجت أنا له أصلاً ثانياً. قلت: وتقدم ذكرهما. وقوله بل هو بدعة أحدثها البطّالون إلى قوله: «ولا العلماء المتدينون» يقال عليه: إنما

أحدثه ملك عادل عالم وقصد به التقرب إلى الله تعالى، وحضر عنده فيه العلماء والصّلحاء من غير نكير منهم. وارتضاه ابن دحية- رحمه الله تعالى- وصنف له من أجله كتاباً، فهؤلاء علماء متديّنون رضوه وأقرّوه ولم ينكروه. وقوله: «ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع» يقال عليه: إن الطلب في المندوب تارةً يكون بالنصّ وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما. وقوله: «ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين» كلام غير مستقيم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضاً مباحة ومندوبة وواجبة. قال النووي- رحمه الله تعالى- في «تهذيب الأسماء واللغات: البدعة في الشرع: هي ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة» . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام- رحمه الله تعالى- في القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة وإلى محرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشّرع، فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة. وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة منها: إحداث الرّبط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول. ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوّف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى.

كل إحسان لم يعهد في العصر الأول. ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوّف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وروى البيهقي بإسناده في «مناقب الشافعي» عن الشافعي- رحمه الله تعالى- ورضي عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا. وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر- رضي الله تعالى عنه- في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه. يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت ليس فيها ردّ لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي. فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين: «ولا جائز أن يكون مباحاً» إلى قوله: «وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة» الخ لأن هذا القسم مما أحدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي، لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي من اقتراف الآثام إحسان، فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام. وقوله: والثاني الخ هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه

الأشياء المحرّمة التي ضمت إليه، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلاً لكانت قبيحة شنيعة، ولا يلزم من ذلك تحريم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة وهو واضح. وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليال من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح فلا تحرم التراويح لأجل هذه الأمور التي قرنت بها، كلا بل نقول: أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنّة وقربة وما ضمّ إليها من هذه الأمور قبيحٌ شنيع. وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوبٌ وقربة. وما ضمّ إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع. وقوله مع «أن الشهر الذي وقع فيه» الخ. جوابه أن يقال: إن ولادته ﷺ أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثّت على أظهار شكر النعم والصبر والسّكون والكتم عند المصائب. وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النّياحة وإظهار الجزع، فدلّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته ﷺ دون إظهار الحزن فيه بوفاته ﷺ وقد قال ابن رجب- رحمه الله تعالى- في كتاب «اللطائف» في ذمّ الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل قتل الحسين- رضي الله تعالى عنه- لم يأمر الله تعالى ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن هو دونهم؟ وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج- رحمه الله تعالى- في كتابه «المدخل» على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جداً وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذمّ ما احتوى عليه من محرّمات ومنكرات. وأنا أسوق كلامه فصلاً فصلاً. قال: فصل في المولد: ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد وقد احتوى ذلك على بدع ومحرّمات جملة.

ملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد وقد احتوى ذلك على بدع ومحرّمات جملة. فمن ذلك: استعمال المغاني ومعهن آلات الطرب من الطّار المصرصر [ (١) ] والشّبّابة وغير ذلك مما جعلوه آلةً للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذّميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضّلها الله تعالى وعظّمها ببدع ومحدثات، ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه، فكيف به إذا انضمّ إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم الذي منّ الله علينا فيه بسيّد الأوّلين والآخرين، وكان يجب أن يزداد فيه من العبادة والخير شكراً للمولى على ما أولانا به من هذه النّعم العظيمة وإن كان النبي ﷺ لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئاً من العبادات. وما ذاك إلا برحمته ﷺ لأمته ورفقه بهم لأنه ﷺ كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمةً منه بهم، لكن أشار ﷺ إلى

فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: «ذاك يوم ولدت فيه» فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضّله بما فضل الله تعالى به الأشهر الفاضلة وهذا منها، لقوله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي» وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله تعالى به من العبادات التي تفعل فيها، لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها. وإنما يجعل التشريف بما خصّت به من المعاني. فانظر إلى ما خصّ الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضلٌ عظيم لأنه ﷺ ولد فيه؟ فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرّم ويعظّم ويحترم الاحترام اللائق به، إتباعاً له ﷺ في كونه كان يخصّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البرّ فيها وكثرة الخيرات. ألا ترى إلى قول ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان» فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا. فإن قال قائل: قد التزم ﷺ في الأوقات الفاضلة ما التزمه في غيره.

وكان أجود ما يكون في رمضان» فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا. فإن قال قائل: قد التزم ﷺ في الأوقات الفاضلة ما التزمه في غيره. فالجواب: أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يريد التخفيف عن أمته سيما فيما كان يخصه، ألا ترى إلى أنه ﷺ حرّم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة، ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفاً على أمته ورحمة بهم، وكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلاً في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم. فعلى هذا: تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقلّ أحواله أن يجتنب ما يحرّم عليه ويكره له تعظيماً لهذا الشهر الشريف، وإن كان ذلك مطلوباً في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراماً، كما يتأكّد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم فيترك الحدث في الدّين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي. وقد ارتكب بعضهم في هذا الزمان ضدّ هذا المعنى، و [هو] أنه إذا دخل هذا الشهر الشريف تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدّف والشبابة وغيرهما. ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدّب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوّك والطّرق المهيّجة لطرب النفوس، وهذا فيه وجوه من الفساد. ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر، بل ضمّ بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر، وهو أن يكون

المغنّي شابّاً نظيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة، فينشد التغزّل ويتكسّر في صوته وحركاته، فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء، فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من الفساد ما لا يحصى. وقد يؤول ذلك في الغالب إلى إفساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل ويتشتّت أمرهم بعد جمعهم وهذه المفاسد مركّبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع. فإن خلا منه وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدّم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط لأن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن تبع فيسعنا ما يسعهم. انتهى. وحاصل ما ذكره: أنه لم يذمّ المولد بل ذمّ ما يحتوي عليه من المحرّمات والمنكرات، وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يخصّ هذا الشهر بزيادة فعل البرّ وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذي استحسنّاه، فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خيرٌ وبرّ وقربة. وأما قوله آخراً: إنه بدعة: فإما أن يكون مناقضاًَ لما تقدّم، أو أنه يحمل على أنه بدعة حسنة، كما تقدم تقريره في صدر الباب، أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نيّة المولد كما أشار إليه بقوله: «فهو بدعة بنفس نيته فقط، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد» فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط ولم يكره عمل الطعام ودعاء الإخوان إليه. وهذا إذا حقّق النظر يجتمع مع أول كلامه لأنه حثّ فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذ أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين ﷺ وهذا هو معنى نية المولد. فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولاً؟!. وأما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلاً فإنه لا يكاد يتصوّر، ولو تصوّر لم يكن عبادة ولا ثواب فيه، إذ لا يعمل إلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم ﷺ في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك. فتأمّل.

يعمل إلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم ﷺ في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك. فتأمّل. ثم قال ابن الحاج: ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم، ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم ويريد أن يستردّها ويستحي أن يطلبها بذلك، فيعمل المولد حتى يكون سبباً لأخذ ما اجتمع له عند الناس وهذا فيه وجوه من المفاسد: أنه يتصف بصفة النفاق، وهو أن يظهر خلاف ما يبطن، وظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة، وباطنه أنه يجمع فيه فضةً. ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم

أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له، وهذا أيضاً فيه من المفاسد ما لا يخفى. انتهى. وهذا أيضاً من نمط ما تقدم ذكره، وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النيّة الصالحة، لا من أصل عمل المولد. انتهى ما أوردته من كلام الشيخ رحمه الله تعالى. ورضي عنه، والله هو الهادي للصواب.

جماع أبواب رضاعه ﷺ وزاده شرفا وفضلا

الباب الأول في مراضعه ﷺ جملة من قيل إنهن أرضعنه ﷺ عشر نسوة. الأولى: أمه ﷺ أرضعته سبعة أيام. ذكر ذلك جماعة منهم صاحب المورد والغرر. الثانية: ثويبة [ (١) ] بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية بعدها ياء موحدة أرضعته بلبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة ثم راء مضمومة وآخره حاء مهملة. قال ابن منده: اختلف في إسلامها وقال أبو نعيم لا أعلم أحدا ذكر إسلامها إلا ابن منده. قال الحافظ: وفي باب من أرضع النبي ﷺ من طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم، ولكنه لا يدفع نقل ابن مندة به. انتهى. وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لا نعلم أنها أسلمت. وقال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على إسلام ابنها مسروح وهو محتمل. انتهى. فأرضعته ﷺ أياماً حتى قدمت حليمة، وكانت ثويبة [ (١) ] أرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد، وكانت مولاة أبي لهب. روى عبد الرزاق والإسماعيلي [ (٢) ] والبخاري في كتاب النكاح في باب «وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» عن عروة: ثويبة مولاة أبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ،

Bagian 12 dari 173