— Bagian 33 · هوي تدل على الدّنوّ والنزول والسقوط ومنه الهاوية… —
Bagian 33
هوي تدل على الدّنوّ والنزول والسقوط ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دنيّة وتركت المعالي وتعلّقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمّارة بالسوء» . الشعبي: «إنما سمّي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه» . وقال بعض الحكماء: «الهوى إله معبود، له شيطان شديد، يخدمه شيطان مريد، فمن عبد أوثانه، وأطاع سلطانه، واتّبع شيطانه، ختم الله تعالى علي قلبه، وحرم الرّشاد من ربّه، فأصبح صريح غيّه، غريق ذنبه، وقال عز من قائل أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠] . وقال النبي ﷺ: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فالمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والحكم بالعدل في الرضا والغضب، والاقتصاد في الفقر والغنى، والمهلكات: شجّ
مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء برأيه» [ (١) ] . رواه البرّار عن أنس. وقال ﷺ: «ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله، أعظم عند الله من هوى متّبع» [ (٢) ] . رواه الطبراني عن أبي أمامة. وقال بعض الحكماء: «الهوى خادع الألباب، صادّ عن الصواب، يخرج صاحبه من الصّحيح إلى المعتلّ، ومن الصريح إلى المختلّ، فهو أعمى يبصر، أصم يسمع» . كما قال النبي ﷺ: «حبّك الشيء يعمي ويصم» [ (٣) ] . وقال آخر: «على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء، فمن سلم عقله من الهوى يراها على حقيقتها، والنفس الكدرة المتبعة لهواها ترى الأشياء على طبعها. وقيل كان على خاتم بعض الحكماء: «من غلب هواه على عقله افتضح» . وقال ابن دريد في مقصورته: وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
الثامن: في الكلام على قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٤] . الإمام الرازي: «هذا تكملة للبيان، وذلك أن الله تعالى لما قال: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى كأَنّ قائلا يقول فعمّ ذا ينطق، أعن الدليل والاجتهاد؟ فقال: لا، إنما ينطق عن حضرته تعالى بالوحي، وهذا اللفظ أبلغ من أن لو قيل: هو وحي يوحى. وكلمة «إن» استعملت مكان «ما» للنّفي، كما استعملت «ما» للشرط مكان «إن» . اللباب: «يوحى صفة لوحي، وفائدة المجيء لهذا الوصف أنه ينفي المجاز، أي هو وحي حقيقة لا مجرد تسمية كقولك: هذا قول يقال. وقيل تقديره: يوحى إليه، ففيه مزيد فائدة» . ونقل القرطبي عن السجستاني أنه قال: «إن شئت أبدلت إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى من ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن إن الخفيفة لا تكون مبدلة من «ما» بدليل أنك لا تقول: والله ما قمت إن أنا لقاعد» . ابن القيّم: «أعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنه يعمّ نطقه بالقرآن والسّنّة، وأن
اد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنه يعمّ نطقه بالقرآن والسّنّة، وأن
كليهما وحي. قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣] وهما القرآن والسّنّة. وروى الداري [ (١) ] عن يحيى بن أبي كثير [ (٢) ] قال: «كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن» . قلت وفي الصحيحين أن رجلا سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة [فقال: يا رسول الله] كيف ترى في رجل أحرم بعمرة بعد ما تضمّح بالخلوق؟ فنظر إليه رسول الله ﷺ ساعة ثم سكت. فجاءه الوحي، ثم سري عنه، فقال: أين السائل؟ فجيء به فقال: انزع عنك الجبّة واغسل أثر الطّيب واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ، أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الرضا والغضب. فأمسكت عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حقا» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لا أقول إلا حقاً» . وقال بعض أصحابه: «إنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إني لا أقول إلا حقاً» [ (٥) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني والضياء في صحيحة عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلنّ الجنّة بشفاعة رجل مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر. فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة ومضر؟ قال: إني ما أقول إلا ما أقوّله» [ (٦) ]
- الثاني
الجنّة بشفاعة رجل مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر. فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة ومضر؟ قال: إني ما أقول إلا ما أقوّله» [ (٦) ]
- الثاني
بضم الهمزة وفتح القاف والواو المشدّدة. أي ما يقوّله الله من الوحي، ولهذا مزيد بيان في أبواب عصمته. الإمام الرازي، «هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور، فيه وجهان: أشهرهما أنه ضمير معلوم، وهو القرآن، كأنه تعالى يقول: «ما القرآن إلا وحي» ، وهذا على قول من قال: ليس المراد بالنجم القرآن، وأما على قول من قال: هو الوحي فضمير مذكور. والوجه الثاني: أنه عائد إلى مذكور ضمنا، وهو قول النبي ﷺ وكلامه، وذلك لأن قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى في ضمنه النطق وهو كلام وقول، فكأنه تعالى يقول: وما كلامه ولا نطقه إلا وحي. وفيه وجه آخر، وهو أن قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] ردّ على الكفرة حيث قالوا: قوله قول كاهن، وقالوا: قوله قول شاعر، فقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٤] ، وليس بقول شاعر كما قال تعالى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: ٤١، ٤٢] . وقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، أبلغ من قول القائل: هو وحي، وفيه فائدة غير المبالغة، وهي أنهم كانوا يقولون: هو قول كاهن، هو قول شاعر. والمراد نفي قولهم وذلك يحصل بصيغة النفي فقال: ما هو كما تقولون، وزاد فقال: بل هو وحي. أنوار التنزيل: «احتجّ بهذه الآية من لم ير الاجتهاد للنبي ﷺ. وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه أن يجتهد كان اجتهاده وما يسند إليه واجبا وفيه نظر لأن ذلك حينئذ بالوحي» . الطيبي «هذه الآية واردة في أمر التنزيل وليس فيها لمستدلّ أن يستدلّ شيئاً من أمر الاجتهاد نفيا ولا إثباتا، لأن الضمير في «هو» للقرآن، بدليل من فسّر النجم بنجوم القرآن» . وبسط الكلام على ذلك، ثم أورد حديث طلحة بن عبيد الله في تأبير النخل [ (١) ] ، وسيأتي مع الكلام عليه في أبواب عصمته ﷺ.
يل من فسّر النجم بنجوم القرآن» . وبسط الكلام على ذلك، ثم أورد حديث طلحة بن عبيد الله في تأبير النخل [ (١) ] ، وسيأتي مع الكلام عليه في أبواب عصمته ﷺ. وقال الإمام الرازي: «القول بأن النبي ﷺ لم يجتهد خلاف الظاهر: فإنه في الحرب اجتهد وحرّم، قال الله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [مريم: ١] ، وأذن، قال الله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] .
التاسع: في الكلام على قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: ٥] . التّبيان: «أخبر تعالى عن وصف من علّمه بالوحي أنه مضادّ لأوصاف الشيطان معلّم الضلالة والغواية، وهذا نظير قوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠]
وفي وصفه بذلك تنبيه على أمور: الأول: أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا أو يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه. الثاني: أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له وموادّ له وناصر، كما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤] الآية. ومن كان هذا القويّ وليّه ومن أنصاره وأعوانه ومعلّمه. فهو المهديّ المنصور. والله هاديه وناصره. الثالث: أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليّه جبريل، ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك. الرابع: أنه قادر على تنفيذ ما أمر به بقوته فلا يعجز عن ذلك مواد له كما أمر» . السمين: «فاعل علّمه جبريل ﷺ وهو الظاهر. قال الماوردي والقرطبي إنه قول الجميع إلا الحسن، فإنه، قال هو الباري تعالى لقوله ﷿: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن: ١، ٢] ويكون «ذو مرّة» تمام الكلام» . اللباب: «يجوز أن تكون هذه الهاء للنبي ﷺ، وهو الظاهر، فيكون المفعول الثاني محذوفا أي علمه النبي ﷺ الوحي أي الموحى، ويجوز أن يكون للقرآن والوحي، فيكون المفعول الأول محذوفا أي علمه النبي. الإمام الرازي: «الأولى أن يقال الضمير للنبي ﷺ، تقديره علّم محمدا شديدا القوى جبريل، ويكون عائدا إلى صاحبكم، تقديره: ما ضلّ صاحبكم، وشديد القوى هو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ثم في قوله: شَدِيدُ الْقُوى فوائد: الأولى: أن مدح المعلّم مدح للمتعلّم، فلو قال: علّمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي ﷺ فضيلة ظاهرة. الثانية: أن فيه ردّا عليهم بحيث قالوا: أساطير الأوّلين، فقال: لم يعلّمه أحد من الناس علّمه شديد القوى. الثالثة: فيه الوثوق بقول جبريل ﷺ، ففي قوله تعالى: شَدِيدُ الْقُوى جميع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل على ما عرف، وكذلك قوة الحفظ، فقال: (شديد القوى) ليجمع هذه الشرائط، فيصير كقوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠، ٢١] . اللباب: «شديد القوى من كافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية، هذا ما جزم
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠، ٢١] . اللباب: «شديد القوى من كافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية، هذا ما جزم
به الزمخشري وتابعوه» . وقال صاحب الكفيل: «بل هي مضافة إلى مفعولها، وبسط الكلام على ذلك، والشديد البيّن القوة» . روى ابن عساكر عن معاوية بن قرّة [ (١) ]- بضم القاف وتشديد الراء- رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما أحسن ما أثنى عليك ربك: «ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين» ما كانت قوّتك وما كانت أمانتك؟ قال: أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن. وأما أمانتي فلم أؤمر بشيء فعدوته إلى غيره» . وقال محمد بن السائب: «من قوة جبريل أنه اقطع مدائن قوم لوط من الماء الأسود فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء حتى أسمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، ومن قوته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى ابن مريم ﷺ على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند. ومن قوته هبوطه من السماء على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، وصعوده إليها في أسرع من طرفة عين» .
نفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند. ومن قوته هبوطه من السماء على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، وصعوده إليها في أسرع من طرفة عين» .
العاشر: في الكلام على قوله تعالى: «ذُو مِرَّةٍ» [النجم: ٦] . القرطبي: قال قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل ذو مرّة، قال الشاعر: قد كنت قبل لقاكم ذا مرّة ... عندي لكلّ مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله تعالى ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله. الجوهري: «والمرّة القوّة وشدة العقل، ورجل مرير أي قوى ذو مرّة. قال: ترى الرّجل النّحيف فتزدريه ... وحشو ثيابه أسدّ مرير ابن القيّم: «أي جميل المنظر، حسن الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانا، أقبح خلق الله تعالى وأشوههم صورة، بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله، وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة، وتزكية له، كما ذكر نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته. وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي، وكان رسول الله ﷺ أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأصفاهم نفسا. الإمام: «في قوله: «ذو مرة» وجوه: الأول: ذو قوة، قلت ورواه الفريابي عن مجاهد
لبشري والملكي، وكان رسول الله ﷺ أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأصفاهم نفسا. الإمام: «في قوله: «ذو مرة» وجوه: الأول: ذو قوة، قلت ورواه الفريابي عن مجاهد
ويدل على هذا قوله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مرّة سويّ» . رواه الإمام أحمد. الثاني: ذو كمال في العقل وفي الدين جميعا. الثالث: ذو منظر وهيبة عظيمة. الرابع: ذو خلق حسن» . قلت زاد الماوردي خامسا: ذو غناء. قلت: ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنه ﷺ متصف بها. فإن قيل: على قولنا ذو مرّة، قد تقدم بيان كونه شديد القوى، فكيف تقول قواه شديدة وله قوة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك لا يحسن إذا كان وصفا بعد وصف، وأما إذا جاء بدلا فيجوز، كأنه قال: علّمه ذو قوة، ونزل شديد القوى فليس وصفا له وتقديره ذو قوة عظيمة أو كاملة. الثاني: أن إفراد «مرّة» بالذكر ربما تكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله تعالى بها. على أنّا نقول المراد ذو شدة وهي غير القوة، وتقديره علّمه من قواه الشديدة، وفي ذاته أيضا شدّة، فإن الإنسان ربما يكون كثير القوة صغير الجثّة. وفيه لطيفة وهي أنه تعالى أراد بقوله: شَدِيدُ الْقُوى، أي قوة العلم، وبقوله: ذُو مِرَّةٍ، أي شدة في الجسم، قدّم العلميّة على الجسميّة، كما قال تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧] ، وتقدم الكلام على «ذو» في اسمه ﷺ: ذو الوسيلة فراجعه.
لعلميّة على الجسميّة، كما قال تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧] ، وتقدم الكلام على «ذو» في اسمه ﷺ: ذو الوسيلة فراجعه.
الحادي عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى: [النجم: ٦- ٧] . اللباب: «قال مكي: استوى يقع للواحد وأكثر ما يقع من إثنين ولذلك جعل الفرّاء الضمير لاثنين» . الماوردي والقرطبي: «فاستوى» يعني جبريل أي ارتفع وعلا إلى مكانه في المساء، بعد أن علم محمدا ﷺ، قاله ابن المسيب وابن جبير. وقال الإمام: «إنه المشهور» ، وقيل «فاستوى» أي ظهر في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، لأنه كان يأتي النبي ﷺ في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه التي خلقه الله عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرّة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وكان النبي ﷺ بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، فسدّ الأرض إلى المغرب، فخرّ النبي ﷺ مغشيّا عليه، فنزل إليه في صورة الآدميين وضمّه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه، فلما أفاق النبي ﷺ قال: «يا جبريل ما ظننت أن الله تعالى خلق أحدا على مثل هذه الصورة» . فقال: يا محمد، إنما نشرت جناحين من أجنحتي وأن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال: «إن هذا العظيم» . فقال له: وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا، ولقد خلق الله تعالى إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح قدر أجنحتي، وإنه
ليتضاءل أحيانا- يتضاءل بالضاد المعجمة والهمز- من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع- بفتح الواو والصاد وبالعين المهملتين، يعني العصفور الصغير، قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] . وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا ﷺ. ابن كثير: «وهذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها ورسول الله ﷺ في الأرض في أوائل البعث بعد فترة الوحي» . اللباب: «في الضمير وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أنه مبتدأ، «وبالأفق» خبره، والضمير لجبريل أو للنبي ﷺ. ثم في هذه الجملة وجهان: الأول: أنها حال من فاعل «فاستوى» قاله مكي. قال القرطبي: والمعنى فاستوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي ﷺ قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا» ، انتهى. «الثاني: أنها مستأنفة، أخبر الله تعالى بذلك، ثانيهما: أن «وهو» معطوف على الضمير المستتر في استوى. وضمير استوى إما أن يكون لله تعالى وهو قول الحسن أو لجبريل أو لمحمد، وهذا ضعيف، لأنه يقال استوى هو وفلان ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر، والصحيح استوى جبريل وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية لأنه كان يتمثّل للنبي ﷺ إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحب النبي ﷺ إن يراه على صورته الحقيقية فاستوى جبريل في أفق المشرق فملأ الأفق» . وروى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، وأبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق وتسقط من أجنحته التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس في الآية قال: سأل النبي ﷺ جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربّك، فدعا ربه ﷿، فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه رسول الله ﷺ صعق، فأتاه فقرب منه ومسح الغبار عن وجهه. المصباح: «الأفق بضمتين الناحية من الأرض ومن السماء والجمع آفاق، زاد في الصحاح: والأفق بضمة فسكون مثل عشر وعشر» . الماوردي: «في الأفق الأعلى ثلاثة أقوال: أحدها: مطلع الشمس قاله مجاهد، الثاني:
من السماء والجمع آفاق، زاد في الصحاح: والأفق بضمة فسكون مثل عشر وعشر» . الماوردي: «في الأفق الأعلى ثلاثة أقوال: أحدها: مطلع الشمس قاله مجاهد، الثاني: هو بالأفق الذي يأتي منه النهار قاله قتادة يعني طلوع الفجر، الثالث: هو أفق السماء وهو جانب من جوانبها، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
الثاني عشر: في الكلام على قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى: [النجم: ٨] . الإمام الرازي: «فيه وجوه: الأول: وهو أشهرها أن جبريل دنا من النبي ﷺ، أي بعد ما مدّ جناحه وهو بالأفق الأعلى عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها، وقرب من النبي ﷺ. القرطبي: أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى «فتدلّى» على النبي ﷺ، المعنى أنه لما رأى النبي ﷺ من عظمة جبريل ما رأى وهاله ذلك، ردّه الله تعالى إلى صورة آدمي حين قرب من النبي ﷺ بالوحي. هذا قول الجمهور، انتهى. وعليه ففي تدلّى ثلاثة أقوال: الأول أن الدنوّ والتدلي بمعنى واحد كأنه قال: دنا فقرب. اللباب: «ذهب الفرّاء إلى أن الفاء في «فتدلّى» بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى ﵊ ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا قدّمت أيهما شئت، تقول دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الشتم والإساءة شيء واحد، وكذلك قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] ، أي انشقّ القمر واقتربت الساعة. القول الثاني: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ثم تدلّى من الأفق فدنا من النبي ﷺ. القول الثالث: أن دنا بمعنى قصد القرب من النبي ﷺ وتحرك عن المكان الذي فيه فتدلّى فنزل إلى النبي ﷺ. الوجه الثاني: أن المراد دنا من ربه ﵎، والمراد بالدنوّ هنا المنزلة كما في قوله ﷺ حاكيا عن ربه ﷿: «من تقرّب مني شبرا تقرّبت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» [ (١) ] وهذا إشارة إلى المعنى، ولهذا مزيد بيان في شرح القصة. الوجه الثالث: دنا جبريل من ربه، قاله مجاهد.
تقرّبت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» [ (١) ] وهذا إشارة إلى المعنى، ولهذا مزيد بيان في شرح القصة. الوجه الثالث: دنا جبريل من ربه، قاله مجاهد. الوجه الرابع: أنه النبي ﷺ، دنا من ربه، ويحمل هو والذي قبله كما قال الإمام الرازي على القرب من المنزلة. والذي عليه الجمّ الغفير هو دنوّ جبريل من النبي ﷺ.
الثالث عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. [النجم: ٩] . الباب: «ها هنا مضافان محذوفان نضطر لتقديرهما، أي فكان مقدار مسافة قربه منه مقدار مسافة قاب» .
الإمام الرازي: «أي فكان بين جبريل ومحمد ﷺ مقدار قوسين أو أقل، فهذا على استعمال العرب وعادتهم، فإن الأميرين منهم أو الكبيرين إذا اصطلحا وتعاقدا خرجا بقوسيهما، جعل كل واحد منهما قوسه بطرف قوس صاحبه، ومن دونهما من الرعية يكون كفّه بكف صاحبه فيمدان باعيهما، لذلك فسمّي مبايعة. وعلى هذا ففيه مقدار قوسين أو كان جبريل سفيرا بين حضرة الله تعالى عنه ومحمد ﷺ فكان كالتّبع لمحمد ﷺ، فصار كالمبايع الذي يمدّ الباع لا القوس» . اللباب: القاب: القدر تقول: هذا قاب هذا، أي قدره ومثله: القيب والقاد والقيد والقيس. الجوهري: «وقال بعضهم في الآية أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث الصحيح: لقاب قوس أحدكم [أو موضع قدّه] من الجنة خير من الدنيا وما فيها» . والقوس معروفة، وهي ما يرمى بها وهي مؤنثة وشذوا في تصغيرها، فقالوا قويس من غير تأنيث، وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بألقاب وإن لم يجر لها ذكر لعدم اللّبس» . الواحدي: «المراد بالقوس التي يرمى بها عند الجمهور، قال: وقيل المراد الذراع لأنها يقاس بها» . القرطبي: «وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحق الهمداني، وأبو وائل [ (١) ] شقيق ابن سلمة «فكان قاب قوسين» أي قدر ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل هي لغة أزد شنوءة أيضا» . قلت: ورواه ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود أيضا. قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد روى الطبراني وابن مردويه والضياء بسند صحيح عن ابن عباس قال: القاب والقيد والقوسان الذراعان.
أيضا. قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد روى الطبراني وابن مردويه والضياء بسند صحيح عن ابن عباس قال: القاب والقيد والقوسان الذراعان. اللباب: «أو» هنا كهي في قوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ لأن المعنى بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما لا [ (٢) ] يشك الرائي في ذلك. وقال ابن القيّم: «أو» هنا ليست للشك بل لتحقيق قدر المسافة، وأنها لا تزيد على قوسين البتة، كما قال تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] ، تحقيقا لهذا القدر وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف أو يزيدون رجلا واحدا، ونظيره قوله تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤] ، أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها. وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل «أو» في هذا الموضع بمعنى بل، ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرائي، وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمّله، وجزم بذلك ابن كثير. اللباب: «أدنى أفعل تفضيل، والمفضّل عليه محذوف أو أدنى من قاب قوسين، فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من الأرض، فتدلّى، فنزل إلى محمد ﷺ، فكان قاب قوسين أو أدنى بل أدنى. تنبيه: هذا الذي قلناه من المقترب الدّاني الذي صار بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين أو أدنى، إنما هو جبريل، نقله القاضي عن الجمهور. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه هو الصحيح في التفسير، كما دل عليه كلام أكابر الصحابة. قال ابن القيم: لأن جبريل هو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [النجم: ١٣، ١٤] هكذا فسّره النبي ﷺ في الحديث الصحيح لعائشة، قالت عائشة ﵂: سألت رسول الله عن هذه الآية، فقال: «ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرّتين» ، رواه مسلم، ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه: الأول: أنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير. الثاني: أنه قال: ذُو مِرَّةٍ [النجم: ٦] أي حسن خلق، وهو الكريم في سورة التكوير. الثالث: أنه قال: فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وهي ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل. الرابع: أنه قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فهذا دنو جبريل، وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله ﷺ بها. وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله ﷺ كان فوق سبع سموات. الخامس: أنه قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. والذي عند السّدرة قطعا هو جبريل، وبهذا فسّره النبي ﷺ، فقال: «ذاك جبريل» .
لخامس: أنه قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. والذي عند السّدرة قطعا هو جبريل، وبهذا فسّره النبي ﷺ، فقال: «ذاك جبريل» . السادس: إن الضمير في قوله: «ولقد رآه» ، وقوله: «دنا فتدلّى» ، وقوله: «فاستوى» ، وقوله: «وهو بالأفق الأعلى» واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسّرين من غير دليل.
السابع: أنه ﷾ أخبر أن هذا الذي «دنا فتدلّى» كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، فدنا من الأرض فتدلى لرسول الله ﷺ، والدنو والتدلي الذي في حديث شريك غير هذا، وكذا جزم ابن كثير بأن الدنو والتدلي في حديث شريك غير الذي في الآية. وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في هذه الآية قال: «رأى بفؤاده مرتين» ، فجعل هذا إحداها، ولهذا مزيد بيان في الباب الثالث.
الرابع عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [سورة النجم: ١٠] . ابن عادل متابعا الإمام الرازي: «في فاعل أوحى وجهان: الأول: أن الله تعالى أوحى، وعلى هذا ففي «عبده» وجهان: أحدهما: أنه جبريل، أي أوحى الله تعالى إلى جبريل، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأخير وجهان: أحدهما: أنه الله ﵎ أيضا. والمعنى حينئذ: فأوحى الله تعالى إلى جبريل الذي أوحاه الله تعالى أيهما أكثر تفخيما وتعظيما للموحي، ثانيهما: فاعل أوحى الثاني جبريل، أي أوحى الله ﵎ إلى جبريل ما أوحى جبريل، وعلى هذا فالمراد من الذي أوحى إليه جبريل يحتمل وجهين: أولهما: أن يكون مبيّنا، وهو الذي أوحى جبريل إلى محمد ﷺ، ثانيهما: أن يكون عاما. أي أوحى الله تعالى إلى جبريل ما أوحى إلى كل رسول. وفيه بيان أن جبريل أمين لم يخن في شيء مما أوحى إليه، وهذا كقوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] وقوله مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] . الوجه الثاني: في «عبده» ، على قولنا هو الله تعالى، إنه محمد ﷺ، أي أوحى الله تعالى إلى محمد ما أوحى إلى كل رسول به أبهمه للتفخيم والتعظيم.
كوير: ٢١] . الوجه الثاني: في «عبده» ، على قولنا هو الله تعالى، إنه محمد ﷺ، أي أوحى الله تعالى إلى محمد ما أوحى إلى كل رسول به أبهمه للتفخيم والتعظيم. الوجه الثاني في فاعل أوحى الأول: هو أنه جبريل أوحى إلى عبده أي إلى عبد الله يعني محمدا ﷺ، ما أوحى إليه ربه ﷿، قاله ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد. وعلى هذا ففي فاعل أوحى الثاني وجهان: أحدهما: أنه جبريل إي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم، وثانيهما: إن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إلى محمد ما أوحى الله تعالى إليه. وفي ما أَوْحى وجوه: الأول: فضل الصلاة، الثاني: أنّ أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك ولا قبل أمّتك. الثالث: أن «ما» للعموم، والمراد كل ما جاء به جبريل» .
الخامس عشر: في الكلام على قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] . ابن القيّم: «أخبر الله تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأن القلب صدّق العين،
وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدّقه الفؤاد وعلم أنه كذلك. يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنّه وحدسه. قال الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا [ (١) ] ؟ أي أرتك ما لا حقيقة له. فنفى الله تعالى هذا عن رسول الله ﷺ، وأخبر أن فؤاده لم يكذب ما رآه» . الماوردي: «في الفؤاد قولان: أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد، فعبّر عنه بالفؤاد، لأنه قطب الجسد وبه قوام الحياة. الثاني: أنه أراد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد» . اللباب: «قرأ هشام [ (٢) ] وأبو جعفر [ (٣) ] بتشديد الذال من «كذب» ، والباقون بتخفيفها. فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد ﷺ بعينه صدّقه قلبه، ولم ينكر الداري «أل» لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد ﷺ في قوله: «إلى عبده» وفي قوله (وهو بالأفق الأعلى) وقوله (ما ضلّ صاحبكم) ، أي لم يقل إنه خيال لا حقيقة. و «ما» الثانية مفعول له موصولة، والعائد محذوف، ففاعل «رأى» ضمير يعود على النبي ﷺ. وأما قراءة التخفيف فقيل فيها كذلك. وكذب يتعدى بنفسه. وقيل هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه، قاله مكي وغيره. قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: لو كنت صادقة الّذي حدّثتني ... لنجوت منجا الحارث بن هشام [ (٤) ] أي في الذي حدّثتني، وجوّز «ما» في وجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى: ما كذب الفؤاد الذي رأى بعينه، والثاني: أن تكون مصدرية.
[ (٤) ] أي في الذي حدّثتني، وجوّز «ما» في وجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى: ما كذب الفؤاد الذي رأى بعينه، والثاني: أن تكون مصدرية.
ابن القيّم: فيكون المعنى: ما كذّب فؤاده رؤيته، وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما، وتصديق كل واحد منهما لصاحبه، وهذا ظاهر في قراءة التشديد. وقد استشكلها طائفة منهم المبرّد، وقال في هذه القراءة بعد، لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه، فإذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب؟. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو به فيكذّبه قلبه، إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه، فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنّه وكذبته عينه، فنفى ذلك ﷾ عن رسول الله ﷺ، وأخبر أن ما رآه الفؤاد كما رآه، كمن يرى الشيء على حقيقة ما هو به، فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه. الثاني: أن يكون الضمير في «رأى» عائد إلى الرائي لا إلى الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، وهذا بحمد الله لا إشكال فيه، والمعنى: ما كذب الفؤاد بل صدّقه، وعلى القراءتين فالمعنى: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتّهم بصره» . انتهى. اللباب تبعا للإمام الرازي: «ويجوز أن يكون فاعل «رأى» ضميرا يعود على الفؤاد [أي] لم يشك قلبه فيما رأى بعينه» . قال الزمخشري: [ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أي ما قال فؤاده، لما رآه: لم أعرفه ولو قال ذلك لكان كاذبا، لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق] .
بصره من صورة جبريل ﵇، أي ما قال فؤاده، لما رآه: لم أعرفه ولو قال ذلك لكان كاذبا، لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق] . فما كذب الفؤاد، هذا على قراءة التخفيف، يقال كذبه إذا قال له الكذب، وأما على قراءة التشديد فمعناه: ما قال إن الذي رآه كان خفيا لا حقيقة له. وأما الرائي فقيل هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤاد ما رآه الفؤاد، أي لم يقل إنه جنّ أو شيطان، بل تيقّن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، ولم يتدارك أن ما رآه البصر خيال. ويحتمل أن تكون «أل» للجنس أي جنس الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رأى محمد ﷺ، أي شهدت القلوب بصحة ما رآه محمد ﷺ. واختلفوا في المرئي ما هو؟ فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلّتا رفرف أخضر قد ملآ ما بين السماء والأرض. رواه الفريابي والترمذي وصححه. وقيل رأى الآيات العجيبة. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رأى ربّه بفؤاده مرّتين، رواه مسلم وغيره. وسيأتي الكلام على رؤية الله تعالى في الباب الثالث.
السادس عشر: في الكلام على قوله تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى [النجم: ١٢] .
واه مسلم وغيره. وسيأتي الكلام على رؤية الله تعالى في الباب الثالث.
السادس عشر: في الكلام على قوله تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى [النجم: ١٢] .
ابن القيّم: «أنكر عليهم ﷾ مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه مما ينكر على الجاهل مكابرته لعالم، ومماراته له على ما علمه» . اللباب: «قرأ الأخوان: «أفتمرونه» بفتح التاء وسكون الميم، والباقون «تمارونه» ، وعبد الله بن مسعود والشعبي: «أفتمرونه» بضم التاء وسكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنه من مريته حقّه إذا غلبته عليه وجحدته إياه، وعدّي بعلى لتضمّنه معنى الغلبة، وأنشدوا: لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... لقد مريت أخا ما كان يمريكا لأنه إذا جحده حقّه فقد غلبه عليه. قال المبرّد: يقال مراه عن حقّه وعلى حقّه إذا منعه منه ودفعه عنه. قال ومثل «على» بمعنى «عن» قول بني كعب بن ربيعة رضي الله عليك أي رضي عنك» . ابن القيم: «على بابها ليست بمعنى «عن» كما قوله المبرّد، بل الفعل متضمّن معنى المكابرة، وهذا في قراءة الألف أظهر. الثاني: أنه من مراه كذا على كذا أي غلبه فهو من المراء وهو الجدال» . وأما الثانية: فهي من ماراه يماريه، جادله واشتقاقه من مرى الناقة، لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. وكان من حقه أن يتعدّى بفي كقولك: جادله في كذا. وإنما ضمّن الغلبة فعدّي تعديتها. وأما قراءة عبد الله فمن «ماراه» رباعيا، والمعنى: «أفتجادلونه» ، أي كيف تجادلونه على ما يرى مع أنه، ما رأى عين اليقين؟ ولا شك بعد الرؤية. القرطبي: «والمعنيان متداخلان لأن مجادلتهم جحود، وقيل: إن الجحود كان دائما منهم وهذا جدال جديد» . ابن القيّم: «القوم جمعوا بين الجدال والدّفع في الإنكار، فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبيين للحق. وإثبات الألف يدل على المجادلة، والإتيان بعلى يدل على المكابرة، فكانت قراءة الألف متضمّنة للمعنيين جميعا، وذلك أنهم جادلوا حين أسري به، فقالوا صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق، وغير ذلك مما جادلوه به.
فكانت قراءة الألف متضمّنة للمعنيين جميعا، وذلك أنهم جادلوا حين أسري به، فقالوا صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق، وغير ذلك مما جادلوه به. والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عمّا رآه وعلمه وتيقّنه؟ فإن قيل: هلّا قيل: أفتمارونه على ما رأى؟ بصيغة الماضي، لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم، وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب أن التقدير: أفتمارونه على ما يرى؟ فكيف وهو قد رآه في المساء، فماذا تقولون فيه» ؟.
السابع عشر: في الكلام على قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. [النجم: ١٣] .
ابن القيّم: «أخبر تعالى عن رؤيته لجبريل مرة أخرى. فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى» . ابن كثير: «هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وكانت ليلة الإسراء ... وتقدم عن ابن عباس ﵄ أنه كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة والتابعين» . قلت وسيأتي تحقيق ذلك في بابه. اللباب: «الواو في «ولقد» يحتمل أن تكون عاطفة، ويحتمل أن تكون للحال، أي كيف تجادلونه فيما رآه، وهو قد رآه على وجه لا شك فيه؟ والنّزلة فعلة من النزول كجلسة من الجلوس، وفي نصبها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة على الظّرف الذي هو مرّة، لأن الفعلة اسم للمرّة من الفعل، فكانت في حكمها. قال الشهاب الحلبي: وهذا ليس مذهب البصريين، وإنما هو مذهب القرّاء، نقله عنه مكي. الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال، أي رآه نازلا نزلة أخرى، وإليه ذهب الحوفي وابن عطية الثالث: أنها منصوبة على المصدر المؤكد، فقدّره أبو البقاء مرة أخرى أو رؤية أخرى. قال الشهاب الحلبي: وفي تأويل نزلة برؤية، نظر، وأخرى تدل على سبق رؤية قبلها، وعند سدرة المنتهى ظرف مكان لرأى» .
ّره أبو البقاء مرة أخرى أو رؤية أخرى. قال الشهاب الحلبي: وفي تأويل نزلة برؤية، نظر، وأخرى تدل على سبق رؤية قبلها، وعند سدرة المنتهى ظرف مكان لرأى» .
الثامن عشر: في الكلام على السّدرة وإضافتها إلى المنتهى . قال الإمام الرازي: «يحتمل وجوها: أحدها: إضافة الشيء إلى مكانه كقولك: أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك أو روح من الأرواح. قال كعب الأحبار: هي في أصل العرش على رؤوس حملة العرش، وإليها ينقضي علم الخلائق وما خلفها بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى. ثانيها: إضافة المحلّ إلى الحالّ فيه، كقولك: كتاب الفقه، وعلى هذا فالتقدير: سدرة عندها منتهى العلوم. ثالثها: إضافة الملك إلى مالكه كقولك: دار زيد أو شجرة زيد، وحينئذ المنتهى إليه محذوف تقديره: سدرة المنتهى إليه. قال الله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٣] . فالمنتهى إليه هو الله تعالى، وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيّنة للتشريف والتعظيم، كما يقال في التسبيح: يا غاية رغباه ويا منتهى أملاه» . القرطبي: «اختلف لم سمّيت سدرة المنتهى على أقوال تسعة: الأول لأنه ينتهي إليها ما نهبط من فوقها فيقبض منها وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود. الثاني: علم الأنبياء ينتهي إليها ويعزب عما وراءها، قاله ابن عباس. الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضّحّاك. الرابع: لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها
بياء ينتهي إليها ويعزب عما وراءها، قاله ابن عباس. الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، قاله الضّحّاك. الرابع: لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها
ووقوفهم عندها. الخامس: لأن أرواح الشهداء تنتهي إليها، قاله الربيع بن أنس. السادس: لأنه تأوي إليها أرواح المؤمنين، قاله قتادة. السابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنّة محمد ﷺ ومنهاجه، قاله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والربيع بن أنس أيضا. الثامن: [هي شجرة على رؤوس حملة العرش] إليها ينتهي علم الخلائق. التاسع: لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة» . الماوردي: «فإن قيل: لم اختيرت السّدرة دون غيرها؟ قيل لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظلّ مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكيّة، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا ونيّة وعملا، فظلّها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النّيّة لكمونه أي استتاره، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره» . الصحاح: «السّدر شجر النبق الواحدة سدرة والجمع سدرات أي بكسر فسكون وسدرات بكسرتين، وسدرات بكسر ففتح، وسدر بكسر ففتح» ، وسيأتي في شرح القصّة الكلام على أصلها. تنبيه: جاء في النّهي عن قطع السّدر أحاديث. فروى أبو داود والطبراني والبيهقي والضياء في صحيحه عن عبد الله بن حبشيّ بضم المهملة ثم موحّدة ساكنة، ثم معجمة بعدها ياء ثقيلة، ابن جنادة، بضم الجيم وبالنون والدال المهملة، السّلولي، بفتح السين المهملة ولامين، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار» ، زاد الطبراني يعني من سدر الحرم. وقال أبو داود رحمه الله تعالى: يعني من قطع السّدر في فلاة يستظلّ بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها. وروى البيهقي عن أبي ثور أنه سأل الشافعي عن قطع السّدر فقال: لا بأس به. وقد روى إن النبي ﷺ قال: «اغسلها بماء وسدر» ، فيكون محمولا على ما حمله عليه أبو داود. وقال البيهقي: وروينا عن عروة إنه كان يقطعه وهو أحد رواة النهي، فيشبه أن يكون النهي خاصا كما قال أبو داود.
» ، فيكون محمولا على ما حمله عليه أبو داود. وقال البيهقي: وروينا عن عروة إنه كان يقطعه وهو أحد رواة النهي، فيشبه أن يكون النهي خاصا كما قال أبو داود. وقال الخطّابي: سئل المزني [ (١) ] عن هذا فقال: وجهه أن يكون النبي ﷺ سئل عمّن هجم على قطع سدر لقوم أو يتيم أو لمن حرم الله تعالى أن يقطع عليه، فتحامل عليه فقطعه فاستحق ما قاله، فتكون المسألة سبقت لسامع فسمع الجواب ولم يسمع المسألة وجعل نظيره
حديث أسامة بن زيد إن رسول الله ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة» ، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة وقد قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد» . واحتج المزني بما احتج به الشافعي من إجازة النبي ﷺ إن يغسل الميت بالسدر، ولو كان حراما لم يجز الانتفاع به وقال: والورق من السّدر كالغصن. قال: وقد سوّى رسول الله ﷺ، فيما حرّم قطعه من شجر الحرم بين ورقه وغيره، فلما لم يمنع من ورق السّدر، دلّ على جواز قطع السّدر. قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه: «والأولى عندي في تأويل الحديث أنه محمول على سدر الحرم، كما وقع في رواية الطبراني. قال ابن الأثير في النهاية: «قيل أراد به سدر مكة لأنها حرم وقيل سدر المدينة، نهى عن قطعه ليكون أنسا وظلّا لمن يهاجر إليها، وقيل أراد السّدر الذي يكون في الفلاة يستظلّ به أبناء السبيل والحيوان أو في ملك إنسان، فيتحامل عليه ظالم فيقطعه بغير حق، ومع هذا فالحديث مضطرب الرواية فإن أكثر ما يروى عن عروة بن الزبير، وكان هو يقطع السدر ويتخذ منه أبوابا. قال هشام: وهذه أبواب من سدر قطعه أبي، وأهل العلم مجمعون على إباحة قطعه» . وروى أبو داود عن حسان بن إبراهيم قال: «سألت هشام بن عروة عن قطع السّدر، وهو مسند ظهره إلى قصر عروة، قال: ترى هذه الأبواب والمصاريع إنما هي من سدر قطعه أبي من أرضه» .
التاسع عشر: في الكلام على قوله تعالى: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى [النجم: ١٥] قال القرطبي: هذا تعريف بموضع جنة المأوى وأنها عند سدرة المنتهى، وهي عن يمين العرش، وقيل أوى إليها آدم ﵊ إلى أن أخرج منها. وقيل: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وهي تحت العرش فيتنعمون [بنعيمها ويتنسمون بطيب ريحها] . وقيل: لأن جبريل وميكائيل ﵉ يأويان إليها. اللباب: «جملة ابتدائية في موضع الحال، والأحسن أن يكون الحال الظرف، وجنة المأوى فاعل به. والعامة أن جنّة اسم مرفوع وقرأ أمير المؤمنين علي، وأبو الدرداء [ (١) ] ، وأبو هريرة، وابن الزبير، وأنس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وزرّ بن حبيش، ومحمد بن كعب من التابعين: جنّه فعلا ماضيا، والهاء ضمير المفعول يعود للنبي ﷺ، والمأوى فاعل
الزبير، وأنس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وزرّ بن حبيش، ومحمد بن كعب من التابعين: جنّه فعلا ماضيا، والهاء ضمير المفعول يعود للنبي ﷺ، والمأوى فاعل
بمعنى سترة إيواء الله إياه. ويقال ضمّه البيت والليل، وقيل جنّة بظلاله ودخل فيه» . قال الإمام الرازي: «ويحتمل أن يكون الضمير في «عندها» على هذه القراءة عائدا إلى النّزلة، أي عند النّزلة جنّ محمدا المأوى، أي ستره، والصحيح أنه عائد إلى، السّدرة» . اللباب: «وهذا قول الجمهور، وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها هذه القراءة، وتبعها جماعة وقالوا: «أجنّ الله من قرأها» . فإذا ثبتت قراءة عن مثل هؤلاء فلا سبيل إلى ردها. ولكن استعمل إنما هو «أجنّه» رباعيا، فإن استعمل ثلاثيا تعدّى «بعلى» ، كقوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ الأنعام: ٧٦] . وقال أبو البقاء: هو شاذّ والمستعمل: أجنّه» .
العشرون: في الكلام على قوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦] . ابن القيم: «لما ذكر سبحانه رؤية محمد ﷺ لجبريل ﵇ عند سدرة المنتهى، استطرد منها وذكر أن جنّة المأوى عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى، وهذا من أحسن الاستطراد، وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن» . اللباب: «إذ» منصوب يراه. الإمام: «العامل في «إذ» ما قبلها أو ما بعدها، فيه وجهان. فإن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان: أظهرهما رآه أي رأى وقت ما يغشى السّدرة الذي يغشى. والاحتمال الثاني العامل فيه الفعل الذي في النزلة أي رآه نزلة أخرى، تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السّدرة وغشيها ما غشيها، فحينئذ نزل محمد نزلة، إشارة أنه لم يرجع من غير فائدة. وإن قلنا العامل فيه ما بعدها فالعامل: ما زاغ البصر، أي ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها. واختلفوا فيما يغشى السدرة فقيل فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضّحّاك. قال القرطبي: ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «رأيت السّدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا يسبح الله تعالى» .
والضّحّاك. قال القرطبي: ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «رأيت السّدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا يسبح الله تعالى» . قلت وقول الإمام: «إن هذا ضعيف، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صحّ فيه خبر وإلا فلا وجه له قصور شديد، فإن الحديث في صحيح مسلم وغيره. ومثله لا يقال بالرأي. وقيل: ملائكة يغشونها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوّقين متبرّكين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة، وقيل يغشاها أنوار الله تعالى لأن النبي ﷺ لما وصل إلى السّدرة تجلى لها ربه ﵎ كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار، ولكن السّدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل الجبل دكّا، ولم تتحرك الشجرة وخرّ موسى صعقاً، ولم يتزلزل محمد ﷺ» .
قلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال، فقد ورد أن كلّا منها يغشاها كما سيأتي ذلك في القصة. وقيل أبهمه تعظيما له كأنه قال: إذ يغشى السدرة ما الله أعلم به من دلائل ملكوته وعجائب قدرته. الإمام: «يغشى يستر، ومنه الغواشي أو من معنى الإتيان، يقال فلان يغشانا كل وقت أي يأتينا، الوجهان محتملان» .
الحادي والعشرون: في الكلام على قوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ: الصحاح: «الزّيغ الميل، وقد زاغ يزيغ وزاغ البصر أي مال» . ابن القيم: «قال ابن عباس: «ما زاغ البصر يمينا ولا شمالا، ولا جاوز ما أمر به» . وعلى هذا المفسّرون، فنفى تعالى عن نبيه ﷺ ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين أيدي الملوك والعظماء من التفاته يمينا وشمالا لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة، إذ لم يلتفت جانبا، ولم يمدّ بصره إلى غير ما أري من الآيات وما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما أريد له دون التفاته إلى غيره، ودون تطلعه إلى ما لم يره، مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته. وهذا غاية الكمال. فزيغ البصر التفاته جانبا، وطغيانه مدّه أمامه إلى حيث ينتهي. فنزّه في هذه السورة عمله عن الضّلال وقصده عن الغيّ ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره، وبصره عن الزيغ والطغيان. وهكذا يكون المدح: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا اللباب تبعا للإمام الرازي: «اللام في البصر تحتمل وجهين: أحدهما: المعروف وهو بصر محمد ﷺ، أي ما زاغ بصر محمد، وعلى هذا فعدم الزّيغ لوجوه: إن قلنا الغاشي للسّدرة هو الجراد أو الفراش، فمعناه لم يلتفت محمد إليه ولم يشتغل به، ولم يقطع نظره عن مقصوده.
اغ بصر محمد، وعلى هذا فعدم الزّيغ لوجوه: إن قلنا الغاشي للسّدرة هو الجراد أو الفراش، فمعناه لم يلتفت محمد إليه ولم يشتغل به، ولم يقطع نظره عن مقصوده. وعلى هذا فغشيان الجراد والفراش يكون ابتلاء وامتحانا للنبي ﷺ. وإن قلنا أنوار الله تعالى ففيه وجهان: أحدهما: لم يلتفت يمنّة ويسرة، بل اشتغل بمطالعتها، وثانيهما: ما زاغ البصر بضعفه، ففي الأول بيان أدب محمد ﷺ، وفي الثاني بيان قوته. الوجه الثاني في اللام: أنها لتعريف الجنس، أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع لعظم الهيبة. فإن قيل: لو كان كذلك لقال: ما زاغ بصر، فإنه أدلّ على العموم لأن النّكرة في معرض النّفي تعمّ. فالجواب هو كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ولم يقل لم يدركه بصر.
الثاني والعشرون: في الكلام على قوله تعالى: وَما طَغى: [النجم: ١٧] . اللباب تبعا للإمام الرازي: «فيه وجهان: أحدهما أنه عطف جملة مستقلة على جملة
أخرى. الثاني: أنه عطف جملة تقديره مقدّرة على جملة. فمثال المستقلة: خرج زيد ودخل عمرو، ومثال المقدّرة: خرج زيد ودخل، الوجهان جائزان هنا. أما الأول فكأنه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بصر محمّد وما طغى محمد بسبب الالتفات، ولو التفت لكان طاغيا. وأما الثاني فظاهر. فإن قيل بأن الغاشي للسّدرة جراد، فالمعنى لم يلتفت إليه وما طغى، أي ما التفت إلى غير الله تعالى، ولم يلتفت إلى الجراد ولا إلى غير الجراد، بل إلى الله ﷾. أما على قول من قال غشيها نور، فقوله تعالى: «ما زاغ» أي ما مال عن الأنوار. وما طغى، أي ما طلب شيئا وراءه. وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ما زاغ وما طغى ولم يقل ما مال وما جاوز، لأن الميل في ذلك الموضع والتجاوز مذمومان، فاستعمل الزّيغ والطغيان فيه.
اءه. وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ما زاغ وما طغى ولم يقل ما مال وما جاوز، لأن الميل في ذلك الموضع والتجاوز مذمومان، فاستعمل الزّيغ والطغيان فيه. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون ذلك بيانا لوصول النبي ﷺ إلى شدة اليقين الذي لا يقين فوقه، ووجه ذلك أن بصره ﷺ ما زاغ أي ما مال عن الطريق، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا، ثم ينظر إلى شيء أبيض فإنه يراه أصفر وأخضر، يزيغ بصره عن جادّة الإبصار. وقوله: وَما طَغى أي ما تخيّل المعدوم موجودا، وقيل: «وما طغى» أي ما تخيّل المعدوم موجودا وقيل: «وَما طَغى» أي ما جاوز ما أمر به» .
الثالث والعشرون: في الكلام على قوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] . اللباب: «في الكبرى وجهان، أظهر هما أنه مفعول رأى من آيات ربه حال مقدمه، والتقدير: لقد رأى الآيات الكبرى من آيات ربه. والثاني أن «من آيات ربه» هو مفعول الرؤية، والكبرى صفة لآيات ربه. وهذا الجمع يجوز وصفه بوصف المؤنثة الواحدة، وحسنه هنا كونها فاصلة» . الإمام الرازي: «في الكبرى وجهان: أحدهما: أنهما صفة لمحذوف تقديره لقد رأى من آيات ربه. ثانيهما: صفة لآيات ربه، فيكون مفعول رأى محذوفا تقديره: رأى من آيات ربه الكبرى آية أو شيئا. القرطبي: «ويجوز أن تكون «من» زائدة، أي رأى آيات ربه الكبرى. وقال بعضهم: آيات ربه الكبرى هي أنه رأى جبريل ﵇ في صورته» . قال الإمام: «والظاهر أن هذه الآيات غير تلك لأن جبريل وإن كان عظيما لكن ورد في الأخبار إن لله ملائكة أعظم منه. والكبرى تأنيث الأكبر، فكأنه تعالى قال: رأى من آيات ربه آيات هي أكبر الآيات. وروى الإمام أحمد والترمذي وصححه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «رأى جبريل في حلّة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» .
قال الحافظ: «وبهذه الرواية يعرف المراد بالرفرف وأنه حلّة، ويؤيده قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ [الرحمن: ٧٦] . وأصل الرفرف ما كان من الديباج رقيقا حسن الصفة. ثم اشتهر استعماله في الستر، وكل ما فضل من شيء وعطف وثني فهو رفرف» . القرطبي: «هو ما رأى تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه وهذا أحسن» . قال الإمام: «وهذه الآية تدل على إن النبي ﷺ لم ير الله تعالى ليلة المعراج وإنما رأى آيات الله تعالى وفيه خلاف، ووجه الدلالة أنه تعالى ختم قصة المعراج ها هنا برؤية الآيات وقال ﷾: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١] إلى أن قال: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن، فكانت الآية للرؤية، وكان أكبر شيء هو الرؤية» . ابن كثير: «وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة إلى أن الرؤية تلك الليلة لم تقع لأنه قال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس» . خاتمة: اشتملت هذه الآيات على قسمه تعالى على هداية نبيه محمد ﷺ، وتنزيهه عن الهوى وصدقه فيما تلا، وأنه وحي يوحى، يوصّله إليه جبريل الشديد القوي عن الله ﵎ العليّ الأعلى، واحتوت أيضا على تزكية جملته ﷺ وعصمته من الارتياب في هذا المسرى، ثم أخبر تعالى فيها عن فضيلته بقصة الإسراء وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره فيما روي أنه رأى من آيات ربه الكبرى.
مته من الارتياب في هذا المسرى، ثم أخبر تعالى فيها عن فضيلته بقصة الإسراء وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره فيما روي أنه رأى من آيات ربه الكبرى.
الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه ﵎ ليلة المعراج اعلم أن الصواب الذي عليه أهل الحق [أن] رؤية الله ﷾ ممكنة غير مستحيلة عقلا، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة، وإن المؤمنين يرون الله تعالى. وزعمت طوائف من أهل البدع أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلا. وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح. وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمّة على إثبات رؤية الله ﷾ في الآخرة للمؤمنين. ورواها أحد وعشرون صحابيا عن النبي ﷺ، وآيات القرآن العظيم فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها، لها أجوبة مذكورة في كتب المتكلمين من أهل السّنّة. وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فممكنة عقلا وسمعا، ومذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعّة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط. وقد قرّر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجليّة، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة الله- تعالى عن ذلك- بل يراه المؤمنون لا في جهة، كما يعلمون أنه لا في جهة. وبيان الدليل العقلي على جوازها بطريق الاختصار أن الباري ﷾ موجود، وكل موجود يصحّ أن يرى، فالباري ﷿ يصحّ أن يرى. أما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى، فلأن الحكم يدور مع علّته وجودا وعدما. وقد تبيّن أن الموجود هو العلّة لصحة الرؤية، ولا يلزم من جوازها وقوعها وعدم تعلّقها، إنما هو لجري عادته تعالى بعدم خلقها فينا الآن، مع جواز خلقها فينا، إذ هي غير مستحيلة وهنا أبحاث محلّها الكتب الكلامية. وبيان الدليل الشّرعي على جوازها في الدنيا أن موسى بن عمران، رسول الله وكليمه، العارف به سأل الله ﷾ الرؤية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:
الدليل الشّرعي على جوازها في الدنيا أن موسى بن عمران، رسول الله وكليمه، العارف به سأل الله ﷾ الرؤية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] مع اعتقاده أنه تعالى يرى، فسألها. وفي هذه الآية دليلان. الأول: محال أن يجهل نبيّ ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزا غير محال، لاستحالة سؤال المحال من الأنبياء، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن
أعلمه إياه وأطلعه عليه، فقال له تعالى غير ناف للجواز: «لن تراني» ، دون لن أرى المؤذنة بنفيه أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي الآن لتوقّفها على معدّ لها في الرائي لم يوجد فيك بعد. ومثّل له مثالا بما هو أقوى من نبيّه موسى ﷺ وأثبت، وهو الجبل في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] . وهذا هو الدليل الثاني: وبيانه أنه تعالى علّق رؤية موسى إياه تعالى باستقرار جبل المناجاة في مكانه وقت التجلي له، والشيء المعلّق بالممكن ممكن، إذ معنى التعليق الإخبار بثبوت المعلّق عند ثبوت المعلّق به. وعلى هذا فالشرطية خبرية إذا كان الجزاء في الأصل خبريّا كما هنا. فثبت إمكان الرؤية ضرورة أن الله تعالى أخبر بوقوعها على بعض التقادير، والمحال لا يقع على شيءٍ من التقادير أصلا، وإذا ثبت الإمكان انتفى الامتناع وبالعكس وهنا أبحاث محلها الكتب الكلامية. وقول موسى ﷺ: تُبْتُ إِلَيْكَ، أي من الإقدام على سؤالي إياه في الدنيا ما لم تقدّره لي. وقيل: إن قوله تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] إنما كان لما غشيه من شدة ما أفضى به إلى أن صعق، كما تقول من فعل جائر عراك منه مشقّة: تبت عن فعل مثله.
ي. وقيل: إن قوله تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] إنما كان لما غشيه من شدة ما أفضى به إلى أن صعق، كما تقول من فعل جائر عراك منه مشقّة: تبت عن فعل مثله. وقال القاضي أبو بكر الهذلي، في قوله تعالى: لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] أي ليس لبشر أن يطيق النّظر إليّ في الدنيا وإن من نظر إلى في الدنيا مات، أي في الحال، بشهادة صعق موسى إذ رأى الجبل» وقال القاضي: «وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة، لا من حيث ذاتها، لثبوت جوازها فيها بما مرّ، وإنما امتنعت فيها لضعف تراكيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيّرة عرضة للآفات من نوائب مقلقلة ونواكب للأكباد معلقة تنذر بالموت والفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية في الدنيا. فإذا كان في الآخرة وركّبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية وأتمّت أنوار أبصارهم وقلوبهم حصل بذلك قوّة على الرؤية في الآخرة» . وقد رأيت نحو هذا للإمام مالك بن أنس ﵀ قال: «لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني. فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رئي الباقي بالباقي» وهذا الذي قاله الإمام مالك كلام حسن مليح، وليس فيه دلالة على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا قوّى الله تعالى من شاء أقدره على حمل أعباء الرؤية في حقه في أي وقت كان. قال الحافظ: «ووقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه: «واعلموا أنكم لن تروا ربّكم حتّى تموتوا» . وأخرجه ابن خزيمة- بخاء معجمة مضمومة فزاي مفتوحة. من حديث أبي أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت. فإذا جازت الرؤية في الدنيا
عقلا، فقد امتنعت سمعا. لكن من أثبتها للنبي ﷺ له أن يقول إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه» . قال القاضي: «ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] لاختلاف التأويلات في الآية، فقد قيل: المراد بالإدراك الإحاطة، فلا نفي فيها لمطلق الرؤية، وقيل: لا تدركه أبصار الكفّار، وقيل غير ذلك: والجواب الصحيح أنه لا دلالة في هذا النفي على عموم الأوقات ولا حال من الأحوال لأنه مسكوت عنه. فمن أين أن المراد لا تدركه الأبصار في وقت من الأوقات ولا حال من الأحوال؟ بل يتعيّن الحمل على النفي بالنسبة إلى دار الدنيا جمعا بين الأدلة السمعية» . وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «الأبصار» جمع محلّى بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت ذلك سمعا في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فيكون المراد الكفّار، بدليل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال: فإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى الرائي» انتهى. قال الحافظ: «وهو استدلال جيد» . وقد يستدل بهذه الآية على جواز إمكان الرؤية، إذ لو امتنعت الرؤية لما حصل التّمدّح في الآية بنفي الرؤية، ووجه الملازمة أن الممتنع منتف في حد ذاته، فلا يكون نفيه صفة مدح، لأنه ضروري كالمعدوم الممتنع الرؤية، لا يمدح بعدم رؤيته، إذ لا يكون: «المعدوم لا يرى» تمدحا، لامتناع رؤية المعدوم. وقد ثبت التمدح بنفي عدم رؤيته تعالى فتكون رؤيته ممكنة، والحاصل أن التمدح بنفي عدم الرؤية إنما يكون في إمكان رؤيته تعالى لكنه لا يرى للامتناع وتعذر الإبصار والتحجب بحجاب الكبرياء والجلال لا في أنه لا يرى لامتناع رؤيته تعالى.
نفي عدم الرؤية إنما يكون في إمكان رؤيته تعالى لكنه لا يرى للامتناع وتعذر الإبصار والتحجب بحجاب الكبرياء والجلال لا في أنه لا يرى لامتناع رؤيته تعالى. لكن الصفات السلبية على هذا، صفات تمدّح، وإن جعلنا الإدراك في الآية عبارة عن الرؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئي وحدوده. فدلالة الآية حينئذ على جواز الرؤية بل على تحققها بالوقوع، أظهر من دلالتها على الجواز بما ذكر من التّمدّح. إذ المعنى على هذا لا تدركه الأبصار، إذ نظرت إليه على وجه الإحاطة، لأنه ﵎، مع كونه مرئيا بالأبصار لا تدركه الأبصار على وجه الإحاطة، لتعاليه قطعا عن التناهي وعن الاتصاف بالحدود التي هي النهايات والجوانب على ما تبيّن في كتب الكلام. والإحاطة بما لا يتناهى محال. ولهذا مزيد بيان يأتي في الكلام على حديث عائشة ﵂. ومع القول بجوازها في الدنيا، لم يحصل لبشر غير نبينا ﷺ، على ما في
ذلك من الخلاف، ومن ادّعاها غيره فهو ضالّ. كما جزم بكفره الإمام موفق الدين الكواشي [ (١) ]- بالفتح والتخفيف وبالمعجمة- والإمام المهدوي [ (٢) ] في تفسيريهما، والإمام جمال الدين الأردبيلي [ (٣) ]- بالفتح وسكون الراء وضم الدال المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية- في كتاب «الأنوار» إذ قد سألها نبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران، ولم تحصل له، أفتحصل لآحاد الناس؟ هذا مما يتوقف فيه. فصل: وإذا علم ما تقرر ففي رؤية النبي ﷺ لربه ﵎ ليلة المعراج مذهبان: فنفتها عائشة وهو المشهور عن ابن مسعود، وجاء مثله عن أبي هريرة، وإليه ذهب كثيرون من المحدّثين والمتكلمين. وبالغ الحافظ عثمان عن سعيد الدارمي، فنقل فيه الإجماع، والثاني أنه رآه. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه كان يحلف بالله أن محمدا ﷺ رأى ربه. وروى ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إنكار عائشة لها. وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وبه جزم كعب الأحبار والزهري ومعمر وآخرون. وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري [ (٤) ] وغالب أتباعه. وجنح ابن خزيمة إلى ترجيحه بما يطول ذكره. ثم اختلفوا:
وبه جزم كعب الأحبار والزهري ومعمر وآخرون. وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري [ (٤) ] وغالب أتباعه. وجنح ابن خزيمة إلى ترجيحه بما يطول ذكره. ثم اختلفوا:
هل رآه بعينه أو بقلبه؟ والقولان رويا عن الإمام أحمد. وقال الإمام النووي: الراجح عند أكثر العلماء إن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة المعراج، وبسط الكلام على ذلك واستدل بأشياء نوزع في بعضها كما سيأتي بيانه في ذكر أدلة المذهب الأول. وذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة ولم يجزموا بنفي ولا إثبات لتعارض الأدلة، ورجّح ذلك الإمام أبو العباس القرطبي في المفهم، وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليل قاطع. وغالب ما استدلت به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من التعظيمات فيكتفي فيها بالدلالة الظنّية، فإنما هي من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي. وقال السبكي ﵀ في السيف المسلول: «ليس من شرطه أن يكون قاطعا متواترا بل متى كان حديثا صحيحا ولو ظاهرا وهو من رواية الآحاد، جاز أن يعتمد عليه في ذلك لأن ذلك من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلّفين بذلك» . انتهى.
ثا صحيحا ولو ظاهرا وهو من رواية الآحاد، جاز أن يعتمد عليه في ذلك لأن ذلك من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلّفين بذلك» . انتهى. وقال القاضي في الشفاء وغيره «لا مرية في الجواز، إذا ليس في الآيات: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ، لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] نصّ في المنع للرؤية، بل هي مشيرة للجواز كما تقرّر ذلك. وأما وجوب وقوعها لنبينا ﷺ، والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا ولا نصّ يعوّل عليه، إذ المعوّل عليه فيه على آيتي النّجم: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] وما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: ١٧] . والتنازع بين الأئمة فيهما مأثور، والاحتمال لهما من حيث دلالتهما على الرؤية وعدمها ممكن، لعدم صراحتهما بها، لا أثر قاطع متواتر عن رسول الله ﷺ بذلك. وحديث ابن عباس أنه رآه بعينه أو بفؤاده إنما نشأ عن اعتقاد لم يسنده إلى النبي ﷺ حتى يعتبر فيجب العمل باعتقاد مضمّنه من رؤيته ربّه. ومثله حديث شريك عن أبي ذر في تفسير الآية بأن النبي ﷺ رأى ربّه، وحديث معاذ: «رأيت ربي في أحسن صورة» [ (١) ] ، مضطرب الأسناد والمتن. وحديث أبي ذر مختلف من حديث اللفظ محتمل لأن يكون رآه أو لم يره، مشكل من حيث جعل ذاته نورا، فروي: «نور أنّى أراه» [ (٢) ]- بفتح أوله وتشديد النون- أي نورا لن أراه، أي لجري العادة بأن النور إذا غشى البصر حجبه في رؤيته لما وراءه، وروي: «نورانيّ، أي بكسر النون الثانية وتشديد التحتية» .



