— Bagian 35 · ثم مضى هنيهة فإذا هو بأقوام بطونهم أمثال البيوت … —
Bagian 35
ثم مضى هنيهة فإذا هو بأقوام بطونهم أمثال البيوت فيها الحياة ترى من خارج بطونهم، كلما نهض أحدهم خرّ، فيقول: اللهم لا تقم الساعة، قال: وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم فسمعتهم يضجون إلى الله تعالى. فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] . ثم مضى هنيهة فإذا هو بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم ويلقمون حجرا، وفي رواية: يجعل في أفواههم صخر من جهنم، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعهم يضجون إلى الله تعالى. فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: ١٠] ثم مضى هنيهة فإذا هو بنساء معلّقات بثديّهنّ ونساء منكّسات بأرجلهن، فسمعهنّ يضججن إلى الله تعالى، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن. ثم مضى هنيهة إذا هو بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمّازون من أمّتك اللّمّازون.. ثم صعدا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ففتح لهما. فلما خلصا فإذا هو بابني الخالة: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، شبيه أحدهما بصاحبه: ثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما. وإذا بعيسى جعد مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشّعر كأنما أخرج من ديماس أي حمّام شبهه بعروة بن مسعود الثقفي. فسلّم عليها فردّا ﵇، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعوا له بخير.
ياض سبط الشّعر كأنما أخرج من ديماس أي حمّام شبهه بعروة بن مسعود الثقفي. فسلّم عليها فردّا ﵇، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعوا له بخير. ثم صعدا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟. قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ففتح لهما فلما خلصا فإذا هو بيوسف ومعه نفر من قومه فسلّم عليه، فردّ ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعا له بخير، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، وفي رواية أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب. قال: من هذا يا جبريل؟ قال: أخوك يوسف. ثم صعدا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن
معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. فلما خلصا فإذا هو بإدريس فقد رفعه الله مكانا عليا، فسلّم عليه فردّ ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم دعا له بخير. ثم صعدا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ففتح لهما، فلما خلصا فإذا هو بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصف لحيته سوداء، تكاد تضرب إلى سرّته من طولها، وحوله قوم من بني إسرائيل، وهو يقص عليهم فسلم عليه فردّ ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم دعا له. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: الرجل المحبّب في قومه هارون بن عمران.
و يقص عليهم فسلم عليه فردّ ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم دعا له. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: الرجل المحبّب في قومه هارون بن عمران. ثم صعدا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ففتح لهما، فجعل يمرّ بالنبي والنبيين معهم الرهط، والنبي والنبيين معهم القوم، والنبي والنبيين ليس معهم أحد. ثم مرّ بسواد عظيم، فقال: «من هذا» قيل له موسى وقومه ولكن ارفع رأسك فإذا بسواد عظيم قد سد الأفق من ذا الجانب ومن ذا الجانب فقيل له: هؤلاء أمتك وسوى هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. فلما خلصا فإذا بموسى بن عمران، رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة، كثير الشّعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دونهما. فسلّم عليه النبي ﷺ فردّ ﵇، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم دعا له بخير، وقال: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني. فلما جاوزه النبي ﷺ بكى. فقال: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل الجنة من أمتي، ويزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله. وهذا رجل من بني آدم خلفي في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن معه كل أمته. ثم صعد. فلما انتهينا إلى السماء السابعة رأى فوقه رعدا وبرقا وصواعق، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ففتح لهما فسمع تسبيحا في السموات العلا مع تسبيح كثير: سبّحت السموات العلى من ذي
المهابة مشفقات، سبحان العليّ الأعلى، ﷾. فلما خلصا فإذا النبي ﷺ بإبراهيم رجل أشمط، جالس عند باب الجنة، على كرسيّ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، ومعه نفر من قومه، فسلّم عليه النبي ﷺ، فردّ ﵇، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح وقال: مر أمّتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيّبة وأرضها واسعة. فقال له: وما غراس الجنة؟ قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . وفي رواية: «أقرئ على أمّتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التّربة عذبة الماء وأن غراسها؟ سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر» . وهو أشبه ولده به، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا، فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم وصارت مثل ألوان أصحابهم. فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم فقال: يا جبريل من هؤلاء البيض الوجوه ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء وما هذه الأنهار التي دخلوها؟ فقال: أما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم، وأما هذه الأنهار فأولها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: ٢١] وقيل له: هذا مكانك ومكان أمتك، وإذا هو بأمّته شطرين: شطر عليهم ثياب كأنها القراطيس، وشطر عليه ثياب رمد [ (١) ] ، فدخل البيت المعمور، ودخل معه الآخرون الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرّمد وهم على خير، فصلّى ومن معه من المؤمنين في البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، آخر ما عليهم، ثم خرج ومن معه. وفي حديث عند الطبراني بسند صحيح: «مررت ليلة أسري بي على الملأ الأعلى فإذا جبريل كالحلس [ (٢) ] البالي من خشية الله، وفي رواية عند البزار «كأنه حلس لاطئ» . انتهى، ثم أتي بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشرب اللبن، فقال جبريل: اختارت [ (٣) ] أمّتك الفطرة،
له، وفي رواية عند البزار «كأنه حلس لاطئ» . انتهى، ثم أتي بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشرب اللبن، فقال جبريل: اختارت [ (٣) ] أمّتك الفطرة، وفي رواية: هذه الفطرة التي أنت عليها وأمّتك. ثم رفع إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يعرض من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوق فيقبض منها. وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. وإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها
كآذان الفيلة، تكاد الورقة تغطّي هذه الأمة، وفي رواية: الورقة منها مغطّية للأمة كلها. وفي لفظ عند الطبراني: الورقة منها تظل الخلق، على كل ورقة ملك، تغشاها ألوان لا يدري ما هي، فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيّرت، وفي رواية: تحوّلت ياقوتا وزبر جدا فما يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها، فيها فراش من ذهب، وفي رواية يلوذ بها جراد من ذهب. فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا [ (١) ] على سبيلك، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهروان باطنان ونهران ظاهران، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وفي رواية: فإذا في أصلها عين تجري يقال لها السلسبيل، ينشقّ منها نهران: أحدهما الكوثر، يطّرد عجاحا مثل السّهم، عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طيور خضر أنعم طير، رأى فيه آنية الذهب والفضة، تجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشدّ بياضا من اللبن، فأخذ من آنية، فاغترف من ذلك الماء، فشرب فإذا هو أحلى من العسل، وأشدّ ريحا من المسك، فقاله جبريل: هذا هو النهر الذي حباك به ربّك، والنهر الآخر نهر الرحمة فاغتسل فيه، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنه ﷺ رأى جبريل عند السدرة له ستمائة جناح، جناح منها قد سد الأفق، تتناثر من أجنحته التهاويل: الدرّ والياقوت مما لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. ثم أخذ على الكوثر حتى إذ دخل الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،
اويل: الدرّ والياقوت مما لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. ثم أخذ على الكوثر حتى إذ دخل الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فرأى على بابها مكتوبا: الصّدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقال: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يسأل إلا من حاجة. فاستقبلته جارية فقال: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: لزيد بن حارثة. ورأى الجنّة من درّة بيضاء وإذا فيها جنابذ [ (٢) ] اللؤلؤ. فقال: يا جبريل، إنهم يسألوني عن الجنة. فقال: أخبرهم أنها قيعان ترابها المسك، وسمع في خارجها وجسا [ (٣) ] ، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن. فسار فإذا هو بأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى، وإذا رمّانها كالدّلاء، وفي رواية: وإذا فيها رمّان كأنه جلود الإبل المقتّبة، وإذا بطيرها كالبخاتي [ (٤) ] . فقال أبو بكر: يا رسول الله إن تلك الطير لناعمة. قال:
أكلتها أنعم منها وإني لأرجو أن تأكل منها. وبينا هو يسير بنهر على حافيته الدرّ المجوّف، وإذا طينة مسك أذفر فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر. ثم عرضت عليه النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، ولو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، فإذا بقوم يأكلون الجيف، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. ورأى رجلا أحمر أزرق فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة. ورأى مالك خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه، فبدأ النبي ﷺ بالسلام، ثم أغلقت دونه، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أنوار الخلائق ومن أنوار الملائكة أمثال الغربان حين يقضّ على الشجرة وينزل على كل ورقة ملك من الملائكة فغشيها سحابة من كل لون. وفي حديث إن جبريل قال له: إن ربك يسبّح. قال: وما يقول؟ قال: يقول: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي» . فتأخر جبريل، ثم عرج به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف [ (١) ] الأقلام. ورأى رجلا مغبّبا في نور العرش، فقال: من هذا؟ ملك، قيل: لا، قال: نبي، قيل: لا، قال: من هو؟ قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر الله، وقلبه معلّق بالمساجد، ولم ينتسب لوالديه قط، فرأى ربه ﷾، فخرّ النبي ﷺ ساجدا، وكلّمه ربه تعالى عند ذلك. فقال له: يا محمد. قال: لبّيك يا رب. قال: سل: فقال: إنك اتّخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكا عظيما وكلّمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرّت له الرياح وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. وعلّمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمّه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال الله ﷾: قد اتخذتك حبيبا. قال الراوي: وهو مكتوب في التوراة:
لأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمّه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال الله ﷾: قد اتخذتك حبيبا. قال الراوي: وهو مكتوب في التوراة: حبيب الله. وأرسلتك للناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، لا أذكر إلا وذكرت معي وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلت أمتك أمّة وسطا، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون، وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أنا جيلهم، وجعلتك أوّل النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً، وأوّلهم يقضى له، وأعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك الكوثر،
وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأني يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقم بها أنت وأمتك. قال أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فضّلني ربي: أرسلني رحمة للعالمين، وكافّة للناس بشيرا ونذيرا، وألقى في قلوب عدوّي الرّعب من مسيرة شهر، وأحلّ لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع ورأيتهم على قوم ينتعلون بالشّعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما أخرمت أعينهم بالمخيط فلم يخف علي ما هم، لا قويّ من بعدي، وأمرت بخمسين صلاة» . انتهى. وأعطي ثلاثا: أنه سيد المرسلين وإمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين. وفي حديث ابن مسعود: أعطى رسول الله ﷺ الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات [ (١) ] . ثم انجلت عنه السحابة وأخذ بيده جبريل، فانصرف سريعا، فأتى على إبراهيم، فلم يقل شيئاً، ثم أتى على موسى، قال: ونعم الصاحب كان لكم، فقال: «ما صنعت يا محمد؟ ما فرض عليك ربّك وعلى أمتك؟» قال: فرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة كل يوم وليلة» .
اً، ثم أتى على موسى، قال: ونعم الصاحب كان لكم، فقال: «ما صنعت يا محمد؟ ما فرض عليك ربّك وعلى أمتك؟» قال: فرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة كل يوم وليلة» . قال: «فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عنك وعن أمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد خبرت الناس قبلك وبلوت بني إسرائيل وعالجتهم أشدّ المعالجة على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وأبدانا وقلوبا وأبصارا وأسماعا» . فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فرجع سريعا حتى انتهى إلي الشجرة، فغشيته السحابة، وخرّ ساجدا. وقال: «ربّ خفّف عنا» ، وفي لفظ: «عن أمتي فإنها أضعف الأمم» . قال: «قد وضعت خمسا» ، ثم انجلت السحابة، ورجع إلى موسى فقال: «وضع عني خمسا» . قال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك» . فلم يزل يرجع بين موسى وبين ربه، يحطّ عنه خمسا خمسا، حتى قال: «يا محمد» ، قال: «لبّيك وسعديك» قال: «هنّ خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة لا يبدّل القول لديّ ولا ينسخ كتابي تخفيفها عنك كتخفيف خمس صلوات، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن
عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة» . فنزل حتى انتهى إلي موسى، فأخبره فقال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك» . قال له: «قد راجعت ربي حتى استحييت منه ولكن أرضى وأسلّم» . فناداه مناد أن «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» [ (١) ] . فقال له موسى: «اهبط بسم الله» . ولم يمر على الملأ من الملائكة إلا قالوا له: «عليك بالحجامة [ (٢) ] » . وفي لفظ: «مر أمتك بالحجامة» . ثم انحدر، فقال جبريل: «ما لي لم آت لأهل السماء إلا رحّبوا بي وضحكوا إليّ، غير واحد سلّمت عليه فردّ السلام ورحّب بي ودعا لي، ولم يضحك إليّ. قال: قال: «مالك خازن النار، لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك لأحد لضحك إليك» . فلما نزل إلى السماء الدنيا نظر أسفل منه، فإذا هو برهج ودخان، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب. ثم ركب منصرفا، فمرّ بعير لقريش بمكان كذا وكذا، منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت واستدارت وصرخ ذلك البعير وانكسر، ومرّ بعير قد ضلّوا بعيرا لهم قد جمعه فلان، فسلّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتى أصحابه قبيل الصبح بمكة، فلما أصبح قطع وعرف أن الناس تكذّبه، فقعد حزينا، فمرّ عليه عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: أسري بي الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فلم ير أنه يكذّبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ قال: نعم، قال يا معشر بني كعب بن لؤي. فانفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما. فقال: حدّث قومك بما حدّثتني فقال النبي ﷺ: «إني أسري الليلة بي» . قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، فمن بين مصفّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجّبا، وضجّوا وأعظموا ذلك.
» . قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، فمن بين مصفّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجّبا، وضجّوا وأعظموا ذلك. فقال المطعم بن عدي: كل أمرك قبل اليوم كان أمما غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى البيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا، أتدّعي أنت أنك أتيته في ليلة؟ واللّات والعزّى لا أصدقك.
فقال أبو بكر لمطعم: بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته وكذبته، أما أنا فأشهد أنه صديق صادق. فقالوا: يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ وفي القوم من سافر إليه. فذهب ينعت لهم بناءه كذا وهيئته كذا، وقربه من الجبل كذا، فما زال ينعته لهم حتى التبس عليه النّعت فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا: كم للمسجد من باب؟ ولم يكن عدّها، فجعل ينظر إليه ويعدّها بابا بابا، ويعلمهم، وأبو بكر يقول: صدقت صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال القوم: أمّا النعت فوالله لقد أصاب. ثم قالوا لأبي بكر: أفتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟
ل: صدقت صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال القوم: أمّا النعت فوالله لقد أصاب. ثم قالوا لأبي بكر: أفتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فبذلك سمي أبو بكر الصديق. ثم قالوا: يا محمد أخبرنا عن عيرنا. فقال «أتيت على عير بني فلان بالرّوحاء قد ضلّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، فليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان وها هي ذه تطلع عليكم من الثّنيّة» . قالوا: فمتى تجيء؟ قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم، انصرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار، ولم تجيء. فدعا النبي ﷺ، فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، حتى دخلت العير، فاستقبلوا الليل. فقالوا: هل ضلّ لكم بعير؟ قالوا: نعم. فسألوا العير الأخر فقالوا: هل انكسر لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم. قالوا: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟ فقال رجل: أنا والله وضعتها فما شربها أحد، متأوّلا أهريقت في الأرض. فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد، فانزل الله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] . فائدة: أخرج ابن مردويه عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ، منذ أسري به ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس. شعر ويرحم الله تعالى من قال: ساد الأنام محمّدٍ خير الورى ... بفضائل جلّت عن الإحصاء وجوامع الكلم الّتي ما نالها ... أحد من الفصحاء والبلغاء وإلى الخلائق كلّهم إرساله ... فشفى القلوب الجمّة الأدواء وله الشّفاعة والوسيلة في غد ... ومقامه السّامي على الشّفعاء ويجيء يومئذ كما قد قاله ... أنا راكب والرّسل تحت لوائي ولقد دنا من ربه لمّا دنا ... في ليلة المعراج والإسراء سمع الخطاب بحضرة قدسيّة ... ما حلّها بشر من العظماء
وبرؤية الجبّار فاز ويا لها ... من نعمة عظمت على النّعماء ما نال موسى والخليل ومجتبى ... ما نلته يا سيّد الشّفعاء يا كنز مفتقر وملجأ عائذ ... يا أفضل الأجواد والكرماء أنت الوسيلة للإله فسل لنا ... عفوا عن الزّلّات والأهواء ودخولنا الجنّات أوّل وهلة ... وشفاعة للمفسد الخطّاء بك نستغيث ونستجير ونلتجي ... من ذي البلاء وفتنة الأهواء ونروم فضلا من جنابك سيّدي ... وشفاعة يا سيّد الشّفعاء فإليك ساق [الله] سحب صلاته ... وجزاك ربّ النّاس خير جزاء وعلى صحابتك الرّضى متعدّدا ... والآل والأتباع والعلماء ولله درّ البوصيري حيث قال مخاطبا للذات الشريفة: سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظّلم وبتّ ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم وقدّمتك جميع الأنبياء بها ... والرّسل تقديم مخدومٍ على خدم وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ ... [نوديت] بالرّفع مثل المفرد العلم كيما تفوز بوصل أيّ مستتر ... عن العيون وسرّ أي مكتتم فحزت كلّ فخار غير مشترك ... وحزت كلّ مقام غير مزدحم وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب ... وعزّ مقدار ما أوليت من نعم بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا ... من العناية ركنا غير منهدم لمّا دعا الله داعينا لطاعته ... يا أكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم
الباب التاسع في تنبيهات على بعض فوائد تتعلق بقصة المعراج
الأول: قال ابن المنير: كانت كرامته ﷺ في المناجاة على سبيل المفاجأة كما أشار إليه بقوله: «بينا أنا» . وفي حق موسى ﵊ عن ميعاد واستعداد فحمل عنه ﷺ ألم الانتظار. ويؤخذ من ذلك أن مقام النبي ﷺ بالنسبة إلى مقام موسى مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد.
» . وفي حق موسى ﵊ عن ميعاد واستعداد فحمل عنه ﷺ ألم الانتظار. ويؤخذ من ذلك أن مقام النبي ﷺ بالنسبة إلى مقام موسى مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد.
الثاني: قال ابن دحية في قوله: «فرج سقف بيتي» ، يقال: لم لم يدخل من الباب مع قوله تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [البقرة: ١٨٩] ، فالحكمة في ذلك المبالغة في المناجاة، والتنبيه على أن الكرامة والاستدعاء كانا على غير ميعاد، ولعل كونه فرج عن سقف بيته توطئة وتمهيد لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك، بإفراجه عن السقف فالتأم السقف على الفور، كيفيّة ما يصنع به، وقرّب له الأمر في نفسه بالمآل المشاهد في بيته لطفا في حقه وتبيينا لبصره، ولعله فرج عن سقف بيته حتى لا يعرج الملك، وقد جاء في هذا الأمر المهم العظيم على شيء سواه، فانصبّ له من السماء انصبابة واحدة وهي خرق الحجاب. ولو أنه جاء على العادة من الباب لاحتاج أن يلج صحن الدار، ثم يعرج إلى البيت الذي هو فيه وقال الحافظ: قيل الحكمة في نزوله عليه من السقف المبالغة في مفاجأته بذلك والتنبيه على أن المراد منه أن يعرج به إلى جهة العلوّ.
الثالث: الرجلان اللذان كان النبي ﷺ نائما بينهما تلك الليلة: حمزة وجعفر ﵄، نبه عليه الحافظ. قال ابن أبي جمرة: وفي هذا تواضعه ﷺ وحسن خلقه، إذ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم، ولم يجعل لنفسه المكرّمة مزيّة عليهم، وفيه دليل على جواز نوم جماعة في موضع واحد، ولكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد منهم ما يستر به جسده عن صاحبه.
الرابع: تقدم في أبواب صفاته الكلام على شقّ الصّدر وخاتم النبوة والطست والذهب وزمزم.
الخامس: في الكلام على جبريل وفيه فوائد:
الأولى: في لغات اسمه وهي إحدى وعشرون:
أبواب صفاته الكلام على شقّ الصّدر وخاتم النبوة والطست والذهب وزمزم.
الخامس: في الكلام على جبريل وفيه فوائد:
الأولى: في لغات اسمه وهي إحدى وعشرون:
الأولى: جبريل بكسر الجيم والراء وياء ساكنة وهي قراءة نافع [ (١) ] وأبي عمرو [ (٢) ] وابن عامر [ (٣) ] ، وحفص [ (٤) ] عن عاصم [ (٥) ] وهي لغة الحجازيين. الثانية: جبريل كذلك إلا أنه بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير. الثالثة: جبرءل كذلك إلا أنه بزيادة همزة مكسورة بعد الراء وحذف الياء وهي قراءة أبي بكر [ (٦) ] عن عاصم. الرابعة: جبرئيل كذلك إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة وهي قراءة حمزة والكسائي ولغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد كما قاله الفرّاء. الخامسة: جبرايل كذلك إلا أنه بزيادة ألف بعد الراء وهي رواية حمزة ونعيم بن سعيد وغيرهما عن الأعمش ورواية أبان بن تغلب [ (٧) ]- بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام- وأبان بن يزيد العطار من رواية الثلاثة: بكّار ويونس وعبيد، عنه كلاهما عن عاصم وأبو رجاء وأبو غزوان عن طلحة ذكره الأهوازي. السادسة: جبرائيل كذلك إلا أنه بكسر الجيم على وزن إسرائيل وهي إحدى الروايات عن عكرمة ورواها عنه الزبير، وقرأ بها ابن صدقة عن يحيى ذكره ابن عيسى. السابعة: جبراءل بفتح الجيم والراء وهمزة بدون ياء، وفي رواية رزين وابن قيس وابن خثيم وأبي عمران وإسماعيل عن الحسن وغيرهم وإسحاق بن سويد بخلاف عنه والحسن الرازي [ (٨) ] عن أصحابه
وأحمد بن يزيد وهي إحدى الروايات عن عكرمة أيضا. الثامنة: جبرايل كذلك إلا أنه بياء ساكنة بدل الهمزة على الجمع بين التقاء الساكنين وهي قراءة طلحة بن مصرف اليامي [ (١) ] . التاسعة: جبرييل بفتح الجيم والراء وياءين أولهما مكسورة والثانية ساكنة وهي إحدى الروايتين عن ابن محيصن [ (٢) ] ويحيى بن يعمر وأبان بن يزيد العطار [ (٣) ] عن عاصم. العاشرة: جبرئيل كذلك إلا أنه بهمزة عوض الياء الأولى وتشديد اللام وهي إحدى الروايات عن ابن محيصن ويحيى بن يعمر وأبان بن يزيد العطار عن عاصم. الحادية عشرة: جبرءلّ كذلك إلا أنه بحذف الياء بعد الهمزة وقرئ بها شاذا. الثانية عشر: جبريل بفتح الجيم والراء وياء ساكنة لا غير، وهي قراءة محمد بن طلحة بن مصرف وابن محيصن في إحدى الروايات عنه. الثالثة عشر: جبرإل كذلك إلا أنه بهمزة بدل الياء مشدّدة مكسورة ولام لا غير، وقد نقلها أبو عمر الداني في المجتبى في الشواذ عن ابن يعمر [ (٤) ] أيضا. الرابعة عشرة: جبرال بفتح الجيم والراء وألف ولام لا غير. الخامسة عشرة: جبرال كذلك إلا أنه بكسر الجيم. السادسة عشرة: جبرين بفتح الجيم وكسر الراء ونون بدل اللام. السابعة عشرة: جبرين كذلك إلا أنه بكسر الجيم. قال الفرّاء هي لغة بني أسد. الثامنة عشرة: جبرئين بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة ونون، نقلها ابن الأنباري في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان. التاسعة عشرة: جبرين كذلك إلا أنه بكسر الجيم نقلها ابن الجوزي وبرهان الدين الجعبري. العشرون: جبرئيل بفتح الجيم والراء وهمزة ساكنة بعدها ياء. الحادية والعشرون: جبراييل على وزن ميكاييل، نقل جميع ذلك الإمام العلّامة محب الدين بن شيخ الحساب والفرائض الإمام العالم العلامة شهاب الدين بن الهائم في الغرر، ومن خطه نقلت.
الفائدة الثانية: قال في الروض الأنف: «ومعنى جبريل: عبد الرحمن أو عبد العزيز، هكذا جاء عن ابن عباس ﵄ موقوفا ومرفوعا أيضا والوقف أصحّ. وأكثر الناس أن آخر الاسم منه أعجمي وهو «إيل» [ (٥) ] ، وكان شيخنا يعني ابن العربي يذهب مذهب طائفة من
عن ابن عباس ﵄ موقوفا ومرفوعا أيضا والوقف أصحّ. وأكثر الناس أن آخر الاسم منه أعجمي وهو «إيل» [ (٥) ] ، وكان شيخنا يعني ابن العربي يذهب مذهب طائفة من
أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة وكذلك الإضافة في كلام العجم يقولون في «غلام زيد» . زيد غلام فعلى هذا يكون «إيل» عبارة عن العبد ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء الله تعالى. قلت: روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄، وابن المنذر عن عكرمة، وأبو الشيخ عن علي بن الحسين قالوا: اسم جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله، وكل شيء راجع إلى «إيل» فهو معبّد لله ﷿، زاد علي بن الحسين وإسرافيل عبد الرحمن، زاد عكرمة: «والإيل» : الله. قال الماوردي: «ولا يعلم لابن عباس مخالف في ذلك» ، وقال السهيلي: «إنه قول الأكثر» . وقال الشيخ شهاب الدين الحلبي رحمه الله تعالى في شرح الشاطبية: «اختلف الناس في هذا الاسم هل هو مشتق أم لا؟ والذي عليه الجمهور أنه لا اشتقاق» إذ الأسماء الأعجمية لا اشتقاق لها. وقال آخرون: بل هو مشتق من جبروت الله تعالى. وكذلك اختلفوا فيه هل هو اسم بسيط لا تركيب فيه أو هو مركّب؟ فإن جبر» معناه «عبد» ، «وإيل» هو اسم الباري تعالى وقد قيل ذلك في إسرافيل، ثم اختلفوا في تركيبه، هل هو مركّب تركيب إضافة أو تركيب مزج؟ فذهب بعضهم إلى الأول، وردّ بأنه كان ينبغي أن يعرب إعراب المتضايفين، فيجري الأول منهما مجرى الإعراب، ويجرى الثاني وينوّن، إذ لا مانع له من الصّرف، كما انصرف «إلّ» في قول من جعله اسما لله تعالى من قوله ﷿: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة: ١٠] وهذا كما تقول: جاءني عبد الله، ورأيت عبد الله ومررت بعبد الله. وذهب آخرون كأبي العباس المهدوي إلى أنه مركّب تركيب مزج كبعلبك وحضر موت، وهذا قريب إلا أن بعضهم ردّ عليه بأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا، وأنت كما رأيتهم يكسرون الراء في بعض اللغات.
ركيب مزج كبعلبك وحضر موت، وهذا قريب إلا أن بعضهم ردّ عليه بأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا، وأنت كما رأيتهم يكسرون الراء في بعض اللغات. وردّ عليه بعضهم أيضا بأنه لو كان مركّبا تركيب مزج لجاز أن يعرب إعراب المتضايفين أو يبنى على الفتح كأحد عشر، فإنه مركب تركيب مزج يجوز فيه هذه الأوجه، فكونه لم يسمع فيه البناء ولا جريانه جريان المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب مزج. وهذا الردّ مردود لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك. انتهى. قال السهيلي: «واتفق في اسم جبريل ﵇ أنه موافق من جهة العربية لمعناه وإن كان أعجميا، فإن الجبر هو إصلاح ما وهي، وجبريل موكّل بالوحي، وفي الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهي من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفا بمكة ولا بأرض العرب، فلما أخبر النبي ﷺ خديجة به انطلقت تسأل من عنده علم الكتاب كعدّاس ونسطور الراهب وورقة.
فقالوا لها: قدّوس قدّوس أنّى لهذا الاسم أن يذكر في هذه البلاد» كما تقدم بيان ذلك.
الفائدة الثالثة: في بعض فضائله: ذكره تعالى في كتابه في خمسة وثلاثين موضعا بالصريح وغيره، وذكره باسمه في ثلاثة مواضع: في البقرة في موضعين قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٧] ، مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٨] ، والثالث في التحريم وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ [التحريم: ٤] ، وذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم في أربعة مواضع الأول والثاني والثالث في آل عمران فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [آل عمران: ٣٩] ، وهو جبريل وحده بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ [آل عمران ٤٢] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] والرابع في النحل: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ يعني جبريل والروح الوحي. وذكر بلفظ الروح في ثمانية مواضع بلفظ الروح مطلقا، وبإضافته إلى نفسه وبإضافته إلى القدس وهو الطهارة، وبوصفه بالأمانة، فقال: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤] يعني جبريل تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [القدر: ٤] ، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [مريم: ١٧] ، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٨٧] وفي المائدة إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ [المائدة: ١١٠] وفي النحل قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢] ، وفي الشعراء نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ، ووصفه في موضع واحد بسبع صفات جميلة وهي: الرسالة والكرم والقوة والقربة والمكانة وطاعة الملائكة والأمانة، وذلك في سورة التكوير في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠، ٢١] .
سورة التكوير في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠، ٢١] . وروى أبو الشيخ في العظمة عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب الخلق إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل وإنهم من الله بمسيرة ألف سنة» . وروى أبو الشيخ عن وهب. قال: هؤلاء الأربعة أملاك: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، أول من خلقهم الله من الملائكة وآخر من يميتهم، وأول من يحييهم وهم المدبرات. وروى أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران قال: جبريل أمين الله تعالى إلى رسله، وميكائيل يلقي الكتب التي ترفع من أعمال الناس وإسرافيل بمنزلة الحاجب. وروى أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد أحد التابعين أن رجلا قال: يا رسول الله أي الملائكة أكرم على الله؟ قال: لا أدري فجاءه جبريل فقال: يا جبريل أي الملائكة أكرم على الله؟ قال: لا أدري، فعرج جبريل، ثم هبط فقال: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك
الموت، فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض روح كل عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم.
التنبيه السادس: في لغات ميكائيل وهي سبع: الأولى وهي الأفصح: ميكال بوزن ميقات وميعاد وبها قرأ أبو عمرو. الثانية: مكائيل: بهمزة فياء وهي قراءة نافع. الثالثة: ميكائيل بياءين وهي قراءة باقي السبعة. الرابعة: ميكئيل بهمزة بعد الكاف فمثنّاة تحتية وهي قراءة ابن محيصن. الخامسة: كذلك [أي ميكئل] إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وبها قرأ بعضهم. السادسة: ميكاييل بياءين صريحتين بعد الألف وبها قرأ الأعمش. السابعة: ميكاءيل بهمزة مفتوحة بعد الألف.
ميكئل] إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وبها قرأ بعضهم. السادسة: ميكاييل بياءين صريحتين بعد الألف وبها قرأ الأعمش. السابعة: ميكاءيل بهمزة مفتوحة بعد الألف.
التنبيه السابع: في الكلام على البراق، وهو بضمّ الموحّدة وتخفيف الراء مشتقّ من البريق فقد جاء في لونه أنه أبيض أو من البرق لأنه وصف بسرعة السّير أو من قولهم: شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء، ولا ينافيه وصفه في الحديث بالبياض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البيض. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد والحارث: «أبرقوا فإنّ دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين» ، فجعل البرقاء مقابلة السوداوين تفضيلا للبياض، فلهذا يكون البراق أفضل الألوان ويجوز أن يجمع بين المعنيين فيسمى براقا للونه ولسرعة مسيره فيكون ذلك من قبيل مجملي اللفظ المشترك دفعة واحدة في اللفظ ويحتمل ألا يكون مشتقا. قال ابن أبي جمرة: وإنما كان ركوب النبي ﷺ على البراق إشارة إلى أن الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحدا ملكه بخلاف جنسه من الدوابّ. قال: والقدرة صالحة لأن يصعد بنفسه بغير براق، لكن كان البراق بشارة له في تشريفه، لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش، والراكب خلاف الماشي. وقال ابن دحية: ربّما مزج خرق العادة بالعادة تأنيسا، وقد كان الحقّ قادرا على أن يرفع نبيه ﷺ بدون البراق، ولكن الركوب وصفة المركوب المعتاد تأنيس في هذا المقام العظيم بطرف من العادة، ولعل الإسراء بالبراق إظهار للكرامة العرفيّة، فإن الملك العظيم إذا استدعى وليّا له وخصيصا به، وأشخصه إليه بعث إليه بمركوب سنّي، يحمله عليه في وفادته إليه. ولم يكن البراق بشكل الفرس ولكنه بشكل البغل وكان ذلك- والله تعالى أعلم- للإشارة إلى أن الركوب في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة في الإسراع العجيب من دابة ما يوصف شكلها بالإسراع الشديد عادة. فإن قيل: فقد ركب النبي ﷺ البغلة في الحرب، فالجواب: كان ذلك لتحقيق نبوته
عليه الصلاة والسلام في مواطن الضرب والطعن والانتشاب في نحر العدو، ولما كان الله تعالى خصه بمزيد من الشجاعة والقوة. وإلا فالبغال عادة من ركوب الطمأنينة والأمنة، فبيّن أن الحرب عنده كالسّلم قوّة قلب وشجاعة نفس، وثقة وتوكّل. وركبت الملائكة في الحرب على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات. ولطف شكل البراق لما وصفه، عن شكل البغل، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن من المطهمات [ (١) ] منها، وذلك بخلاف الخيل. ولم يسمّ الله ﷾ سير البراق برسوله ﷺ طيرانا، وإنما سمّاه بما يسمّى به السير المعتاد وسير الليل عند العرب سرى، فيؤخذ من هذا أن الوليّ إذا طويت له الأرض البعيدة في الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر، ويشمله أحكام السّفر باعتبار القصر والفطر. وإنما لم يذكر البراق في الرجوع لأن ذلك معلوم بذكره في الصعود، كقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني والبرد. قال في فتح الصفا: فإن قيل: هلّا كان الإسراء على أجنحة الملائكة والريح كما كانت تحمل سليمان ﵊ أو الخطوة كطيّ الزمان؟ قلت المراد اطلاعه على الآيات الخارقة للعادة، وما يتضمّن أمرا عجيبا، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطعة هذه المسافة، بخلاف قطعها على دابّة في هذا الحجم المحكيّ عن صفتها، ووقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها فقط. فقد أخذ جبريل بركابه وميكائيل بزمام البراق، وهما من أكابر الملائكة، فاجتمع له ﷺ حمل البراق، وما هو كحمل البراق من الملائكة وهذا أتمّ في الشرف.
ا فقط. فقد أخذ جبريل بركابه وميكائيل بزمام البراق، وهما من أكابر الملائكة، فاجتمع له ﷺ حمل البراق، وما هو كحمل البراق من الملائكة وهذا أتمّ في الشرف. واختلفت الأقاويل في صفته، فنقل عن ابن عباس ﵄ ما ذكر. وقال صاحب الاحتفال: إنه دون البغل وفوق الحمار، وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال. وقال غيره: جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درّة بيضاء. له جناحان في فخذيه وهذا كله لم يصحّ منه شيء، وما ذكره عن ابن عباس أمثلها، ولعل السّرّ في كونهما في فخذيه لثقل مؤخّر الدابّة، أو لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة، أو لأجل الراكب، لأنّهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب أو فوقهما، ويحصل له من ذلك مشقة بضمّهما ونشرهما خصوصا مع السرعة العظيمة.
وفي بعض الآثار أنه ليس بذكر ولا أنثى، فاقتضى ذلك أن يكون مفردا بالخلق بهذه الصفة من غير توليد، وقد قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] ونقل الشيخ سعد الدين إن الملائكة الكرام لا ذكور ولا إناث إلى آخر ما ذكره. وفي أثر آخر أن جبريل خاطبه خطاب المؤنث. واختلف في الحكمة في استصعاب البراق، فقال ابن بطّال: إنما استصعب عليه لبعده بركوب الأنبياء قبله، ويؤيده ما في المبتدأ لابن إسحاق رواية وثيمة بن موسى في ذكر الإسراء، «فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي» وكانت بعيدة العهد بركوبهم فلم تكن ركبت في الفترة.
المبتدأ لابن إسحاق رواية وثيمة بن موسى في ذكر الإسراء، «فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي» وكانت بعيدة العهد بركوبهم فلم تكن ركبت في الفترة. وقال ابن دحية وابن المنير: «إنما استصعب تيها وزهوا بركوب النبي ﷺ، وأراد جبريل بقوله: أبمحمد تستصعب؟ استنطاقه بلسان الحال إذ أنه لم يقصد الصعوبة، وإنما تاه بركوب النبي ﷺ، ولهذا قال: فارفضّ عرقا، فكأنه أجاب بلسان الحال، فبرئ من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب، وذلك قريب من رجفة الجبل به حتى قال: اثبت فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيد، فإنها هزّة طرب لا هزّة غضب، كما سيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في المعجزات. قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي رحمه الله تعالى: ولا يبعد أن يقال إنما كان استصعابه فرقا من هيبة سيدنا رسول الله ﷺ.
التنبيه الثامن: قال الحافظ: من الأخبار الواهية أن البراق لما عاتبه جبريل ﵇ اعتذر إليه البراق بأنه مسّ الصّفراء اليوم، وأن الصفراء صنم من ذهب عند الكعبة، وأن النبي ﷺ مرّ به فقال: «تبّا لمن يعبدك من دون الله» [ (١) ] ، وأن النبي ﷺ نهى زيد بن حارثة أن يمسّه بعد ذلك، وكسره يوم الفتح. وقال في الزهر: هذا لا ينبغي أن يذكر ولا يعزى لسيدنا رسول الله ﷺ. قال الإمام أحمد- روى عنه ابنه عبد الله أنه قال: «هو موضوع» وأنكره جدا.
التنبيه التاسع: قال الحافظ: من الأخبار الواهية ما ذكره الماوردي والثعلبي والقرطبي في التذكرة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: الموت والحياة جسمان، فالموت ليس يجد ريحه في شيء إلا مات، والحياة فرس بلقاء أنثى وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمرّ بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي.
التنبيه العاشر: اختلف في ركوب جبريل على البراق مع النبي ﷺ، وعلى القول به هل ركب أمام النبي ﷺ أم خلفه؟ فعند الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن
رسول الله ﷺ أتي بالبراق فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. وفي رواية عنه عند ابن حبّان أن جبريل حمله على البراق رديفا له، وفي لفظ «فركبه خلف جبريل فسار بهما» . وفي حديث أبي ليلى أن جبريل أتى النبي ﷺ بالبراق فحمله بين يديه، رواه الطبراني. وفي حديث ابن مسعود، رفعه: «أتيت بالبراق فركبته خلف جبريل» . والصحيح أنه كان معدّا لركوب الأنبياء قبل سيدنا رسول الله ﷺ [ (١) ] . وروى الفاكهي بسند حسن عن علي ﵁ قال: «كان إبراهيم يزور إسماعيل وأمه على البراق» . وفي حديث أبي سعيد ﵁: «وكانت الأنبياء تركبها قبلي» . رواه البيهقي وغيره. وقال أنس ﵁: «وكانت تسخّر للأنبياء قبلي» . رواه النسائي وابن مردويه. وقال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن: «أسري برسول الله ﷺ على البراق، وهي دابّة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام» ، رواه ابن جرير.
التنبيه الحادي عشر: قوله في حديث ابن عباس ﵄: «وتكلم أربعة وهم صغار» فذكر ابن الماشطة وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم. وروى الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» ، فذكر عيسى وصاحب جريج وابن الماشطة. وفي حديث مسلم عن صهيب ﵁ في قصة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار أو لتكفر ومعها صبيّ يرضع فتقاعست فقال: يا أماه اصبري فإنك على الحقّ. وفي رواية عند ابن قتيبة: إنه كان ابن سبعة أشهر. وروى الثعلبي عن الضحاك أن يحيى بن زكريا تكلم في المهد وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل ﵇ تكلم في المهد. وفي سير الواقدي إن النبي ﷺ تكلم في أوائل ما ولد. وقد تكلم في زمان النبي ﷺ مبارك اليمامة كما سيأتي في المعجزات، فهذه عشرة، وتقدم نظمهم في أبواب المولد، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في المعجزات. وإذا علم ذلك فقوله ﷺ: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» [ (٢) ] ، قاله قبل أن يعلم الزيادة على ذلك.
اب المولد، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في المعجزات. وإذا علم ذلك فقوله ﷺ: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» [ (٢) ] ، قاله قبل أن يعلم الزيادة على ذلك.
التنبيه الثاني عشر: ذكر في القصة نزوله ﷺ عن البراق وصلاته بعدّة مواضع كما هو مذكور في القصة. وقال حذيفة ﵁: «أن رسول الله ﷺ لم يزايل ظهر البراق هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس» . قال الحافظ: «وهذا لم يسنده حذيفة إلى النبي ﷺ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد» . قلت: ويدل على ذلك إنكاره ربط البراق والصلاة
في بيت المقدس، مع ورود الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة بوقوع ذلك كما سيأتي.
التنبيه الثالث عشر: أنكر حذيفة ﵁ ربط البراق، فروى الإمام أحمد والترمذي عنه أنه لما قيل له: ربط البراق قال: أخاف أن يفرّ منه وقد سخّره له عالم الغيب والشهادة؟ قال البيهقي والسهيلي: والمثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى، فهو أولى بالقبول. قال الإمام النووي: وفي ربط البراق الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في التّوكّل إذا كان الاعتماد على الله ﷾. وقال السهيلي: وفي هذا من الفقه التنبيه على الأخذ بالحزم مع صحّة التوكل وأن الإيمان بالقدر كما روي عن وهب بن منبه لا يمنع الحزم من توقّي المهالك، قال وهب: وجدته في سبعين كتابا من كتب الله القديمة، وهذا نحو من قوله ﷺ: «اعقلها وتوكّل» [ (١) ] . فإيمانه ﷺ بأنه قد سخّر له كإيمانه بقدر الله تعالى وعلمه بأنه قد سبق في أم الكتاب ما سبق، ومع ذلك كان يتزود في أسفاره، ويعدّ السلاح في حروبه، حتى لقد ظاهر بين درعين في غزوة أحد وربطه للبراق من هذا الفن.
مه بأنه قد سبق في أم الكتاب ما سبق، ومع ذلك كان يتزود في أسفاره، ويعدّ السلاح في حروبه، حتى لقد ظاهر بين درعين في غزوة أحد وربطه للبراق من هذا الفن.
التنبيه الرابع عشر: في بعض فضائل بيت المقدس وفيه فوائد: الأولى: في مبدأ خلقه: روى أبو بكر الواسطي عن علي ﵁ قال: كانت الأرض ماء، فبعث الله تعالى ريحا فمسحت الماء مسحا، فظهرت على الأرض زبدة فقسّمها أربع قطع، خلق من قطعة مكة ومن أخرى المدينة ومن أخرى بيت المقدس ومن أخرى الكوفة. وتقدم حديث أبي ذر في الباب الأول من أبواب بعض فضائل بلده المنيف فراجعه. وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن سليمان ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل ربّه خلالا ثلاثا فأعطاه إياها: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد يعني بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه» . قال النبي ﷺ: «ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطاه ذلك» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة والواسطي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «إن بيت المقدس لمقدّس في السموات السبع بمقداره في الأرض» وروى الواسطي عن عطاء
الخراساني قال: «لما فرغ سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام من بناء بيت المقدس أنبت الله شجرتين عند باب الرحمة أحدهما تنبت الذهب والأخرى تنبت الفضّة، فكان كل يوم تنزع من كل واحدة مائة رطل ذهب وفضّة، ففرش المسجد، بلاطة ذهبا وبلاطة فضة. فلما جاء بختنصر خرّبه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهبا وفضة فطرحهما برومية» . وروى الواسطي عن سعيد بن المسيّب رحمهما الله تعالى أن سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس فرّغ له عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل أو نهار إلا والله تعالى يعبد فيه. وروى الواسطي عن كعب الأحبار إن سليمان بن داود ﵉ لما فرغ من بناء المسجد خرّ ساجدا شكرا لله وقال: «يا رب من دخله من خائف فأمّنه أو من داع فاستجب له أو مستغفر فاغفر له» ، فأوحى الله تعالى إليه: «إني قد أجبت لآل داود الدعاء» . قال: فذبح أربعة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة، وصنع طعاما كثيرا ودعا بني إسرائيل إليه. والآثار في هذا كثيرة، وقد ذكر المؤرخون في عمارته وما فيه من الجواهر والمعادن واليواقيت في سمائه وأرضه وجدرانه ما تعجز عنه ملوك الدنيا. فلما دخل بختنصر خربه وأخذ تلك النفائس التي فيه، وذكر ذلك هنا ليس من غرضنا. الثانية: في بعض فضله، قال الله ﷾: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [الإسراء: ١] وهذه الآية هي المعظّمة لقدره بإسراء رسول الله ﷺ إليه قبل عروجه إلى السماء وإخبار الله تعالى بالبركة حوله. وتقدم الكلام على ذلك. وقال تعالى: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٧١] . روى أبو المعالي المشرف بن المرجّى المقدسي في فضائله عن أنس بن مالك ﵁ قال: «الجنّة تحن إلى بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس من جنة الفردوس» . وروى الواسطي عن مكحول قال: «من صلى في بيت المقدس ظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، ثم صلّى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
بيت المقدس من جنة الفردوس» . وروى الواسطي عن مكحول قال: «من صلى في بيت المقدس ظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، ثم صلّى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . وروى أيضا عن كعب قال: «في بيت المقدس، اليوم فيه كألف يوم وشهر فيه كألف شهر والسّنة فيه كألف سنة، ومن مات فيه كأنما مات في السماء» . وروى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «في بيت المقدس لنعم المصلّى، وليوشكن ألا يكون للرجل مثل بسط فرشه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا أو قال خير من الدنيا وما فيها» . وروى الواسطي عن كعب قال: «إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين» . والآثار في فضله كثيرة.
الثالثة: في أسمائه الأول: المسجد الأقصى وتقدم الكلام عليه. الثاني: مسجد إيلياء بوزن كبرياء. وحكى البكري وغيره قصر ألفه، وحكى ابن يونس في شرح التعجيز. وابن الأثير في النهاية بتشديد الياء. وحكى صاحب المطالع وغيره حذف الياء الأولى وكسر الهمزة وسكون اللام والمدّ، قال محمد بن سهل الكاتب: معنى إيلياء بيت الله. وفي حديث ابن عباس ﵄ في مسند أبي يعلى: «الإيلا» بالألف واللام، قال النووي: وهو غريب. الثالث والرابع: «بيت المقدس» بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال مخفّفة، «والبيت المقدّس» بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة. قال الواحدي: «معناه المطهّر» ، قال: أبو علي المقدسي: «وأما بيت المقدس يعني بالتخفيف فلا يخلو إما أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [يونس: ٤] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانا فالمعنى بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على معنى إخلائه من الأصنام وإبعاده منها» ، وقال الزّجّاج: «البيت المقدّس أي المكان المطهّر، وبيت المقدس أي المكان الذي يطهّر فيه من الذنوب، هذا ما ذكره الواحدي» ، وقال غيره: «البيت المقدّس وبيت المقدس لغتان الأولى على الصفة والثانية على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى ومسجد الجامع.
ب، هذا ما ذكره الواحدي» ، وقال غيره: «البيت المقدّس وبيت المقدس لغتان الأولى على الصفة والثانية على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى ومسجد الجامع. قال ابن سراقة [ (١) ] : «ويقال الأرض المقدسة ثلاثة: فلسطين- بفاء مفتوحة فلام مفتوحة- والأردن- بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة مضمومة فنون، قال البكري: مشدّدة- ودمشق، وهو ما أدرك بصر إبراهيم ﷺ حين رفع على الجبل وقيل له: «ما أدرك بصرك فهو ميراث لك ولولدك من بعدك» . الخامس: بيت القدس: بضم الدال وإسكانها بغير ميم، ذكره الحازمي [ (٢) ] في أسماء الأماكن ونقل عن ابن الأثير أيضا. السادس: سلّم بتشديد اللام لكثرة سلام الملائكة فيه. قال ابن بريّ: وأصله «شلم» بالشين المعجمة لأن الشين المعجمة في العربية سين، فالسلام شلام واللسان لشان والإسلام أشم، وقال البكري في حرف الشين المعجمة: «شلّم» [ (٣) ] بفتح أوله وثانية وتشديده على وزن
فعّل اسم لبيت المقدس. وقال الهمداني: «سلّم» : وقد تعرّبها العرب فنقول: شلم. وحكى ابن القطّاع: شلّام على وزن فعّال. وقال ابن الأثير: «شلّم» بالمعجمة وتشديد اللام اسم لبيت المقدس ويروى بالمهملة وكسر اللام سلم كأنّه عرّبه. ومعناه بالعبرانية: بيت السلام. السابع: روي عن كعب الأحبار، أن الجنة في السماء السابعة بحيال بيت المقدس والصخرة، ولو وقع حجر منها لوقع على الصخرة ولذلك دعيت: أوري شلم، ودعيت الجنة: دار السلام الثامن: أوري شلم، بضم الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وسكون التحتية وفتح الشين المعجمة وكسر اللام المخففة، كذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأكثرون بفتح الشين واللام. التاسع: كورة إليا، العاشر: أوري شلم. الحادي عشر: بيت إيل، أي بيت الله. الثاني عشر: «صهيون» : بصاد مهملة مكسورة فهاء ساكنة فمثناة تحتية فواو فنون، ذكره البكري. قال: وهو بفتح الصاد اسم قبيلة. الثالث عشر: «مصرث» بميم فصاد فراء فثاء مثلثة. الرابع عشر: «بابوش» : بموحدتين وآخره شين معجمة. الخامس عشر: «كورشيلاه» . السادس عشر: «صلعون» : ذكر هذه الأسماء ابن خالويه. السابع عشر: سليم. الثامن عشر: «فسط مصر» بضم الفاء. التاسع عشر: أرض المحشر والمنشر. العشرون: المحفوظة. الحادي والعشرون: المفرّقة. الثاني والعشرون: مدينة الجنة. الرابعة: في خصائصه: الأولى في مضاعفة الصلاة فيه: وقد اختلف الأحاديث في مقدارها: الأول: خمسمائة صلاة: روى الإمام أحمد وابن ماجة والبزّار والقاسم الحافظ أبي القاسم بن عساكر عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ. قال: «الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة [ (١) ] » . الثاني: ألف صلاة: روى ابن ماجة عن ميمونة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، فقال رسول الله ﷺ: «أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة [ (٢) ] » . قال النووي: لا بأس بإسناده، وقال الذهبي: حديث منكر. الثالث: خمسون ألف صلاة:
: «أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة [ (٢) ] » . قال النووي: لا بأس بإسناده، وقال الذهبي: حديث منكر. الثالث: خمسون ألف صلاة: روى ابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمّع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة» . وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة [ (١) ] » . الرابع: مائتان وخمسون: روى الطبراني في معجمه عن أبي ذر ﵁، مرفوعاً: «صلاة في مسجدي أفضل من أربع فيه [ (٢) ] » ، يعني بيت المقدس، فدل على أن الصلاة في بيت المقدس بمائتين وخمسين صلاة. الخامس: بعشرين ألف صلاة، روي ذلك عن ابن عباس ﵄ ولهذا مزيد بيان في أبواب فضائل المدينة الشريفة. الثانية: استحباب شدّ المطيّ إليه لما رواه الشيخان: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى [ (٣) ] » . الثالثة: استحباب ختم القرآن فيه: روى سعيد بن منصور في سننه عن أبي مجلز بكسر الميم وحكي فتحها وإسكان الجيم وفتح اللام وبالزاي- واسمه لاحق بن حميد، قال: «كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج» . الرابعة: استحباب المجاورة به: روى الحاكم عن ثور بن يزيد عن مكحول قال: «كان عبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس ﵄ يسكنان بيت المقدس» . وقد سكنه عدّة من الصحابة ﵃. الخامسة: يستحبّ الصيام فيه فقد روي: «صوم في بيت المقدس براءة من النار» . السادسة: استحباب الإحرام بالحج والعمرة منه: روى أبو داود عن أم سلمة ﵂ إن رسول الله ﷺ قال: «من أهلّ بحجّة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر [ (٤) ] » . السابعة: يستحب لمن لم يقدر على زيارته أن يهدي له زيتا، روى أبو داود وابن ماجة واللفظ له عن ميمونة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس. قال: «أرض المحشر والمنشر، ايتوه فصلّوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره» . قلت: يا رسول الله أرأيت إن لم أستطع أن أصل إليه؟ قال: «فتهدي إليه زيتا ليسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» .
وا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره» . قلت: يا رسول الله أرأيت إن لم أستطع أن أصل إليه؟ قال: «فتهدي إليه زيتا ليسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» . المحشر مفعل من الحشر وهو الجمع يعني يوم القيامة، فإذا فتحت الشين فهو المصدر، وأمّا الموضع فهو بالكسر. قال الجوهري: المحشر بالكسر موضع الحشر. انتهى. وذكر صاحب مختصر العين أن المحشر بالكسر والفتح الموضع الذي يحشر إليه الناس والمنشر موضع النشور وهو قيام الموتى من قبورهم. الثامنة: حكي عن بعض السلف أن السيئات تضاعف فيه، روي ذلك عن كعب
الأحبار وأنه لما كان يأتي من حمص للصلاة فيه، فإذا صار منه قدر ميل اشتغل بالذّكر والتلاوة والعبادة حتى يخرج منه بقدر ميل أيضا ويقول: «السيئات تضاعف فيه» ، أي تزداد قبحا وفحشا لأن العاصي في زمان أو مكان شريف أشد جرأة وأقل خوفا من الله تعالى. وذكر أبو بكر الواسطي عن نافع قال: قال لي ابن عمر: «أخرج بنا من هذا المسجد فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات» . التاسعة: أن الدّجّال لا يدخل بيت المقدس. روى ابن أبي شيبة في المصنف عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ وذكر الدّجّال فقال: «وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس [وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس قال: فيهزمه الله وجنوده حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة ينادي: يا مؤمن: هذا كافر يستتر بي تعالى اقتله إلى آخره] . العاشرة: أن الصخرة في المسجد الأقصى كالحجر الأسود في المسجد الحرام. روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: «إن الله تعالى قال لصخرة بيت المقدس: لأضعنّ عليك عرشي ولأحشرنّ إليك خلقي وليأتينّك يومئذ داود راكبا، وروى أبو بكر الواسطي وابن عساكر عن يزيد بن جابر في قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [ق ٤١] ، قال:
ومئذ داود راكبا، وروى أبو بكر الواسطي وابن عساكر عن يزيد بن جابر في قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [ق ٤١] ، قال: «يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصور فيقول: «يا أيتها العظام النّخرة والجلود المتمزّقة والأشعار المتقطّعة إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الخطاب» . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والواسطي عن قتادة في الآية قال: «كنا نتحدث أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض» ، وحدثنا أن كعبا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. الحادية عشرة: يكره استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط ولا يحرم قاله في الروض. الثانية عشرة: روي أنه من دفن في بيت المقدس وقي فتنة القبر وسؤال الملكين ومن دفن في زيتون الملّة [يعني بإيلياء] فكأنما دفن في السماء الدنيا. وروى أبو نعيم في تاريخه عن أحمد بن جعفر بن سعيد قال حدثنا يحيى بن مطرّف حدثنا محمد بن بكر، حدثنا يوسف بن عطية، عن أبي سفيان، عن الضحاك بن عبد الرحمن ابن عرزب- بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاي ثم موحّدة، وقد تبدل ميما- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء» [ (١) ] .
الثالثة عشرة: روى الخطيب في الموضّح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مسجدي ثم سائر المؤذنين» [ (١) ] . الرابعة عشرة: ليحذر من اليمين الفاجرة فيه وكذا في المسجد الحرام ومسجد المدينة فإن عقوبتها معجّلة. روي أن عمر بن عبد العزيز أمر بحمل عمّال سليمان بن عبد الملك إلى الصخرة ليحلفوا عندها فحلفوا إلا واحدا، فدى يمينه بألف دينار، فما مرّ الحول على واحد منهم بل ماتوا كلهم. الخامسة عشرة: روى ابن جرير عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» [ (٢) ] . قيل: فأين هم يا رسول الله؟ قال: «ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس» . وروى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة» [ (٣) ] . السادسة عشرة: روى أبو المعالي المشرف بن المرجّى المقدسي قال: «من حجّ وصلّى في مسجد المدينة، ومسجد الأقصى في عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . وإذا ثبت ذلك فقول النووي: «إنه لا أصل لذلك» فيه نظر. السابعة عشرة: ذكر الدارمي: «أنه لا يجوز الاجتهاد يمنة ولا يسرة بمحراب بيت المقدس» وألحقه بمسجد المدينة. الثامنة عشرة: نصّ الصيدلاني والماوردي والروياني والبغوي والبندنيجي- بفتح الموحّدة وسكون النون الأولى وكسر الثانية ثم تحتية والجيم- والجويني في مختصره والغزالي في الخلاصة والخراساني في كافيه على استحباب صلاة العيد في مسجد بيت المقدس وأن فعلها فيه أولى من المصلّى. التاسعة عشرة: قال ابن سراقة في كتاب الأعداد: «أكبر مساجد الإسلام واحد وهو
ه على استحباب صلاة العيد في مسجد بيت المقدس وأن فعلها فيه أولى من المصلّى. التاسعة عشرة: قال ابن سراقة في كتاب الأعداد: «أكبر مساجد الإسلام واحد وهو
بيت المقدس» . وقيل: «ما تمّ فيه صفّ واحدّ قط لا في عيد ولا في جمعة ولا غير ذلك» . العشرون: يستحب لزائره زيارة الأماكن المشهورة بآثار الأنبياء لا سيما مواضع صلاة نبينا ﷺ. الحادية والعشرون: حشر الكعبة إلى بيت المقدس: روى الواسطي في فضائل بيت المقدس عن خالد بن معدان- بفتح الميم- قال: «لا تقوم الساعة حتى تزفّ الكعبة إلى الصخرة زفّ العروس، فيتعلّق بها جميع من حجّ واعتمر، فإذا رأتها الصخرة قالت: مرحبا بالزائرة والمزور إليها» . وروى أيضا عن كعب قال: «لا تقوم الساعة حتى يزفّ البيت الحرام إلى بيت المقدس فيتغادان إلى الجنّة، فيها أهلها، والعرض والحساب ببيت المقدس» وروى ابن مردويه والأصفهاني في ترغيبه والديلمي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة زفّت الكعبة: البيت الحرام إلى قبري فتقول الكعبة: السلام عليك يا محمد، فأقول: عليك يا بيت الله، ما صنع بك أمتي بعدي؟ فتقول: يا محمد من أتاني فأنا أكفيه وأكون له شفيعا، ومن لم يأتني فأنت تكفيه وتكون له شفيعا» [ (١) ] . وروى الجندي عن الزّهري نحوه.
التنبيه الخامس عشر: أنكر حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه صلاة النبي ﷺ ببيت المقدس تلك الليلة، واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه. قال البيهقي وابن كثير: والمثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت الصلاة في بيت المقدس، وهم الجمهور من الصحابة معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول. والجواب عما استند إليه حذيفة ﵁ منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله كتب عليكم الفرض، وإن أريد التشريع فيلتزمه، وقد شرع النبي ﷺ في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شدّ الراحلة وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
يكم الفرض، وإن أريد التشريع فيلتزمه، وقد شرع النبي ﷺ في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شدّ الراحلة وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
التنبيه السادس عشر: تظافرت الروايات على أنه ﷺ صلّى بالأنبياء قبل العروج وهو أحد الاحتمالين للقاضي، وقال الحافظ: «إنه الأظهر» ، والاحتمال الثاني «أنه ﷺ صلى بهم بعد أن هبط من السماء أيضا فهبطوا. وصححه الحافظ ابن كثير، وقال صاحب السراج: «وما المانع من أنه ﷺ صلى بهم مرتين، فإن في بعض الأحاديث ذكر الصلاة بهم بعد ذكره المعراج» .
التنبيه السابع عشر: قيل: كيف يصلي الأنبياء وهم أموات في الدار الآخرة وليست
دار عمل؟ وأجاب القاضي وتبعه السبكي بجوابين: الأول: إنا نقول: إنهم كالشهداء بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجّوا وأن يصلّوا كما ورد في الحديث الآخر، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدّتها، وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل، وحاصله أن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور. الثاني ولفظه للسبكي رحمه الله تعالى: «إنا نقول إن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله تعالى. ولهذا ورد أنهم يسبّحون ويدعون ويقرأون القرآن وانظر إلى سجود النبي ﷺ وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة وعملا؟ وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ» .
يسبّحون ويدعون ويقرأون القرآن وانظر إلى سجود النبي ﷺ وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة وعملا؟ وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ» . وقد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال: «اللهم إن كنت أعطيت أحدا أن يصلي في قبره فأعطني ذلك» . فرؤي بعد موته يصلي في قبره، ويكفي رؤية النبي ﷺ لموسى قائما يصلي في قبره، لأن النبي ﷺ وسائر الأنبياء لم يقبضوا حتى خيّروا بين البقاء في الدنيا وبين الآخرة فاختاروا الآخرة. ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم انتقلوا إلى الجنة، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى الله تعالى أفضل لما اختاروه، ولو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب إلى الله تعالى لما اختاروه. انتهى ولهذا مزيد بيان يأتي في باب حياته في قبره ﷺ.
التنبيه الثامن عشر: هذه الصلاة التي صلاها النبي ﷺ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الصواب أنّها الصلاة المعروفة لأن النص يحمل على حقيقتها الشرعية قبل اللغوية إلا إذا تعذّر حمله على الشرعية، ولم يتعذّر هنا فوجب حمله على الشرعية. وعلى هذا قال بعضهم: «كانت الصلاة التي صلاها العشاء» وقال بعضهم: «إنها الصبح» . قلت: وليسا بشيء سواء قلنا صلّى بهم قبل العروج أو بعده لأن أول صلاة صلاها النبي ﷺ من الخمس مطلقا الظّهر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على مكة فعليه الدليل، والذي يظهره والله تعالى أعلم أنها كانت من النّفل أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء، وفي فتاوى النووي ما يؤيد الثاني.
التنبيه التاسع عشر: قال بعضهم: ورؤيته إياهم ﷺ في السماء محمولة على رؤيته أرواحهم إلا عيسى، لما صحّ أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضا ذلك. وأما الذين صلّوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة، ويؤيده ما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عند الحاكم والبيهقي، «فلقي أرواح الأنبياء» ، وفيه دليل على تشكّل الأرواح
بصور أجسادها في علم الله تعالى، ويحتمل الأرواح بالأجساد ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ﵁ عند البيهقي. وبعث الله له آدم فمن دونه من الأنبياء. وعند البزار والطبراني: «فنشر لي الأنبياء، من سمّى الله تعالى ومن لم يسمّ، فصلّيت بهم» .
التنبيه العشرون: قول سيدنا إبراهيم ﷺ: «وأعطاني ملكا عظيما» : قال ابن دحية: لا يعهد لإبراهيم ملك عرفي، فإما أن يراد بالملك الإضافة إليه نفسه وذلك لقهره لعظماء الملوك، وناهيك بالنمرود، وقد قهره الله تعالى لخليله وأعجزه عنه، وغاية الملك العظيم قهر الملك العظيم، فالقاهر أعظم من المقهور قطعا. ويحتمل أن يراد الإضافة إلى نبيّه وذريّته وذلك نحو ملك يوسف الصّدّيق ﷺ وهلم جرّا كملك داود وسليمان والكل من ولد إبراهيم ﵊، وفي التنزيل: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: ٥٤] والإشارة هنا إلى ذرّيته. وإما أن يراد ملك النفس في مظنّة الاضطراب مثل ملكه لنفسه. وقد سأله جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
التنبيه الحادي والعشرون: اختلف في تقديم الآنية هل هو قبل العروج أو بعده؟ واختلف في عددها فأكثر الروايات أنه كان قبله. روى أحمد والشيخان والنسائي والترمذي من حديث أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنه: «ثم رفع إلى البيت المعمور» ، إلى أن قال: «ثم أتيت بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن» ، وعند البخاري في الأشربة من طريق شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعا: «رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا فيها أربعة أنهار» قال: «وأتيت بثلاثة أقداح» [ (١) ] . لم يذكر شعبة في الإسناد مالك بن صعصعة. وعند ابن عائذ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث المعراج بعد ذكر رؤيته إبراهيم في السماء السابعة: «ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطّاة» .
عند ابن عائذ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث المعراج بعد ذكر رؤيته إبراهيم في السماء السابعة: «ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطّاة» . قال السهيلي وابن دحية وابن المنير وابن كثير والحافظ: «لعلّه قدّم مرّتين جمعا بين الروايات» . قال ابن كثير والحافظ: «وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة آنية فيها تعرض الآنية مرّتين وأربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي تخرج من أصل سدرة المنتهى» .
التنبيه الثاني والعشرون: إذا قلنا بعرض الآنية مرتين ففائدة عرض الخمر [مع] إعراضه عنها في المرة الأولى وتصويب جبريل له، تكثير التصويب والتحذير. وهل كانت
الخمر من خمر الجنّة أو من جنس خمر الدنيا؟ فإن كان الأول فسبب تجنّبها صورتها ومضاهاتها للخمر المحرّمة، ويكون ذلك أبلغ في الورع. وإن كان الثاني فاجتنابها واضح. وعلى التقدير الأول يستفاد منه فائدة: وهو أن من وضع من الماء ونحوه من الأشربة ما يضاهي الخمر في الصورة وهيّأه بالهيئة التي يتعاطاها [بها] أهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أتى منكرا وإن كان لا يحدّ. وذكر أصحابنا أن إدارة كأس الماء على شاربه تشبّها بشارب الخمر حرام، ويعزّر فاعله.



