— Bagian 4 · تعهد العادات. —
Bagian 4
تعهد العادات. باب: سيرته في الصداع والشقيقة. باب: سيرته في السعوط واللدود. باب: سيرته في الحجامة والفصد والقسط البحري. باب: سيرته في الإسهال والقيء.
باب: سيرته ﷺ في الكيّ وفيه أنواع. باب: سيرته ﷺ في الحمّى. باب: سيرته ﷺ في المعيون وفيه أنواع. باب: سيرته ﷺ في المجذومين. باب: علاج البدن المقمل وكذا الرأس. باب: علاجه ﷺ البخر. باب: علاجه في الرمد وضعف البصر. باب: علاجه من عرق الكلبة. باب: علاجه ﷺ عرق النساء. باب: علاجه المفؤود ﷺ. باب: علاجه البثرة ﷺ. باب: علاجه ﷺ الباسور. باب: علاجه الورم. باب: علاجه الخنازير. باب: علاجه الدوخة. باب: علاجه العذرة. باب: علاجه العشق. باب: علاجه وجع الصدر. باب: علاجه ذات الجنب. باب: علاجه الاستسقاء والمعدة ويبس الطبيعة. باب: علاجه الإسهال. باب: علاجه القولنج. باب: علاجه الدود في الجوف. باب: علاجه الباه. باب: علاجه السل. باب: علاجه الجراح. باب: علاجه الخراج والكحة ونحوهما. باب: علاجه الكسر والخلع والوثى. باب: علاجه الخدران الكلي.
باب: إرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها. باب: سيرته في السّمّ. باب: سيرته في لدغ الهوام. باب: سيرته في الزكام. باب: علاجه الشوكة. باب: علاجه بعض أمراض الفم. باب: سيرته في الأسنان. باب: علاجه الدبيلة. باب: سيرته في غمز الظهر في السقطة والقدمين من الإعياء. باب: سيرته في الإعياء من شدة المشي. باب: علاجه الحائض والمستحاضة والنفساء. باب: إطعامه المزورات للناقة. باب: تغذيته المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية. باب: بعض فوائد تتعلق بالأبواب السابقة. باب: الكلام على بعض المفردات التي جاءت على لسانه ﷺ. جماع أبواب مرض رسول الله ﷺ ووفاته باب: كثرة أمراضه ﷺ. باب: نعي الله تعالى إلى رسوله ﷺ نفسه. باب: عرضه ﷺ القرآن على جبريل في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه نفسه لأصحابه. باب: ما جاء أنه خير بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره ﷺ لأهل البقيع. باب: ابتداء مرضه وسؤال أبي بكر أن يمرضه في بيته. باب: ما جاء أنه كان يدور علي بيوت أزواجه في مرضه ﷺ. باب: اشتداد الوجع عليه ﷺ.
ستغفاره ﷺ لأهل البقيع. باب: ابتداء مرضه وسؤال أبي بكر أن يمرضه في بيته. باب: ما جاء أنه كان يدور علي بيوت أزواجه في مرضه ﷺ. باب: اشتداد الوجع عليه ﷺ. باب: أمره أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس. باب: ما روى أنه طلب من أصحابه القود من نفسه. باب: مدة مرضه واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس. باب: إرادته أن يكتب لأبي بكر كتابا فلم يكتب.
باب: إرادته أن يكتب لأصحابه كتاباً ثم اختلفوا فلم يكتب. باب: إخراجه شيئاً من المال كان عنده وعتق عبيده. باب: إعلامه ابنته فاطمة ﵂ بموته ﷺ. باب: وصيته بالأنصار ﵃ عند موته. باب: جمعه أصحابه في بيت عائشة ووصيته لهم ﵃. باب: وصيته بالصلاة وغيرها من أمور الدين وأنه لم يوص بشيء من أمور الدنيا. باب: تحذيره أن يتخذ قبره مسجداً. باب: بعض ما يؤثر عنه ﷺ من ألفاظه في مرض موته وآخر ما تكلم به. باب: آخر صلاة صلاها بالناس ﷺ. باب: استعماله السّواك قبل موته ﷺ. باب: معاتبته ﷺ نفسه على كراهة الموت. باب: ما جاء أنه قبض ثم أري مقعده من الجنة ثم ردت إليه روحه ثم خيّر. باب: تردد جبريل إلى الله واستئذان ملك الموت عليه وزيارة إسماعيل صاحب سماء الدنيا له ﷺ وعليهم وقبض روحه الشريفة وصفة خروجها وصفة الثياب التي قبض فيها. باب: إخبار أهل الكتاب بموته ﷺ يوم مات وهم باليمن. باب: بيان معنى قوله ﷺ: «حياتي خير لكم وموتي خير لكم» . باب: عظم المصيبة وما نزل بالمسلمين بموته والظلمة التي غشيت المدينة، وتغيير قلوب الناس وأحوالهم، وبعض ما رثي به من الشعر. باب: بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم وثباته في هذا الأمر. باب: اختيار الله تعالى له بأن يجمع له مع النبوة الشهادة ﷺ. باب: تاريخ وفاته ﷺ. باب: مبلغ سنه ﷺ. باب: عدم استخلافه أحدا بعينه وأنه لم يوص لأحد بعينه. باب: ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر ﵁ بالخلافة بعد موته ﷺ. جماع أبواب غسله وتكفينه ووضع الصلاة عليه ودفنه وموضع قبره والاستسقاء به وفضل ما بين القبر وما بين المنبر وفضل مسجده، وحياته في قبره وعرض أعمال أمته عليه، وحكم تركته وما خلف ﷺ باب: غسله ومن غسله وما وقع في ذلك من الآيات.
وفضل ما بين القبر وما بين المنبر وفضل مسجده، وحياته في قبره وعرض أعمال أمته عليه، وحكم تركته وما خلف ﷺ باب: غسله ومن غسله وما وقع في ذلك من الآيات.
باب: صفة كفنه ﵊. باب: الصلاة عليه. باب: دفنه ومن دفنه. باب: ذكر من كان آخر الناس عهدا به ﷺ في قبره. باب: ذكر ما سمع من التعزية به ﷺ. باب: موضع قبره الشريف وصفته وصفة حجرته وبعض أخبارها. باب: الاستسقاء بقبره الشريف ﷺ. باب: فضل ما بين قبره ومنبره ﵇. باب: فضل مسجده ﷺ غير ما تقدم. باب: حياته في قبره وكذا سائر الأنبياء ﵈. باب: صلاته في قبره وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. باب: عرض أعمال أمته عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه. باب: حكم تركته وما خلف ﷺ. جماع أبواب زيارته ﷺ بعد موته باب: فضل زيارته ﷺ. باب: الرد على من زعم أن شد الرحل لزيارته ﷺ معصية. باب: آداب زيارته ﷺ. جماع أبواب التوسل به بعد موته ﷺ باب: مشروعية التوسل به إلى الله تعالى. باب: ذكر من توسل به قبل خلقه من الأنبياء ﷺ. باب: ذكر من توسل به في حياته من الإنس. باب: ذكر من توسل به في حياته من الحيوانات. باب: ذكر من توسل به بعد موته ﷺ. جماع أبواب الصلاة والسلام عليه زاده فضلا وشرفا لديه باب: فوائد تتعلق بالآية الكريمة في ذلك. باب: الأمر بالصلاة والسلام عليه. باب: التحذير من ترك الصلاة والسلام عليه. باب: فضل الصلاة والسلام عليه. باب: كيفية الصلاة والسلام عليه.
ريمة في ذلك. باب: الأمر بالصلاة والسلام عليه. باب: التحذير من ترك الصلاة والسلام عليه. باب: فضل الصلاة والسلام عليه. باب: كيفية الصلاة والسلام عليه.
باب: المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام عليه وفيه أنواع. جماع أبواب بعثه وحشره وأحواله يوم القيامة ﷺ باب: ما جاء أنه أول من يفيق من الصعقة وأول من يقوم من قبره واختصاصه بركوب البراق يومئذ وكيفية حشره ﷺ. باب: كسوته ﷺ في الموقف ومكانه وأمته وكون لواء الحمد ولواء الكرم بيده ﷺ. باب: كونه أول من يدعى يوم القيامة ﷺ. باب: اختصاصه ﷺ بالسجود يومئذ. باب: طمأنينته إذا جيء بجهنم وفزع غيره ﷺ. باب: شفاعته العظمى لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف. باب: الكلام على المقام المحمود والكلام على بقية شفاعاته ﷺ. باب: دخوله ﷺ جهنم لإخراج أناس من أمته. باب: الكلام على حوضه ﷺ. باب: ما جاء أنه أول من يجوز على الصراط وأن مفاتيح الجنة بيده ﷺ. باب: ما جاء أنه أول من يستفتح باب الجنة وأنه أول من يدخلها وقيام خازن الجنة له ﷺ. باب: ما جاء أن جنة عدن مسكنه، وعلو منزلته في الجنة، وتزويج الله له مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون، وكثرة خدمه ﷺ وغير ذلك. مما يذكر إن شاء الله تعالى وبالله تعالى التوفيق. هذا جميع ما تضمنه الكتاب من الأبواب والله المسؤول في التوفيق في ذلك كله للصواب
بسم الله الرحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
جماع أبواب بعض الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده ﷺ
بسم الله الرحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
جماع أبواب بعض الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده ﷺ
الباب الأول في تشريف الله تعالى له ﷺ بكونه أول الأنبياء خلقا روى أبو إسحاق الجوزجاني [ (١) ]- بجيمين الأولى مضمومة وبينهما زاي مفتوحة، وقبل ياء النسب نون- في تاريخه، وابن أبي حاتم [ (٢) ] ، في تفسيره عن أبي هريرة [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كنت أول الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً» [ (٤) ] . وروى ابن إسحاق [ (٥) ] عن قتادة [ (٦) ] مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ، «كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث» [ (٧) ] . وروى أبو سعد النيسابوري في «الشرف» ، وابن الجوزي [ (٨) ] في «الوفا» عن كعب الأحبار [ (٩) ] ، قال: لما أراد الله ﷾ أن يخلق محمدا- ﷺ أمر جبريل أن يأتيه بالطّينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرفيق
الأعلى، فقبض قبضة رسول الله ﷺ من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء نيّرة، فعجنت بماء التّسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدّرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي والسموات والأرض، فعرفت الملائكة محمدا ﷺ قبل أن تعرف آدم أبا البشر، ثم كان نور محمد ﷺ يرى في غرّة جبهة آدم، وقيل له: يا آدم هذا سيّد ولدك من المرسلين. فلما حملت حوّاء بشيث انتقل النور عن آدم إلى حوّاء، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلا شيثاً فإنها ولدته وحده كرامة لمحمد ﷺ، ثم لم يزل النور ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد ﷺ. وفي كتاب الأحكام للحافظ الناقد أبي الحسن بن القطّان [ (١) ] : روى علي بن الحسين [ (٢) ] ، عن أبيه عن جده مرفوعاً: «كنت نوراً بين يدي ربي ﷿ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام [ (٣) ] » . وروى الحافظ محمد بن عمر العدني [ (٤) ] شيخ مسلم [ (٥) ] في مسنده عن ابن عباس [ (٦) ] ﵄ أن قريشاً- أي المسعدة بالإسلام- كانت نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبّح ذلك النور وتسبّح الملائكة بتسبيحه. قال ابن القطّان: فيجتمع من هذا مع ما في حديث عليّ: أن النور النبوي جسّم بعد
خلقه باثني عشر ألف عام وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح. انتهى. وقد أشار عمه العباس [ (١) ] رضي الله تعالى عنه إلى ذلك فيما رواه الطبراني [ (٢) ] أن سيدنا العباس ﵁ قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. فقال له رسول الله ﷺ: قل: لا يفضض الله فاك. فقال رضي الله تعالى عنه: من قبلها طبت في الظّلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ثمّ هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السّفين وقد ... الجم نسراً وأهله الغرق وردت نار الخليل مكتتما ... تجول فيها وليس تحترق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق حتّى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها نطق وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق ونحن في ذلك الضّياء وفي النّو ... ر وسبل الرشاد نخترق وروى سعيد بن منصور [ (٣) ] وابن المنذر [ (٤) ] وابن أبي حاتم والبيهقي [ (٥) ] وابن عساكر [ (٦) ] ،
في ذلك الضّياء وفي النّو ... ر وسبل الرشاد نخترق وروى سعيد بن منصور [ (٣) ] وابن المنذر [ (٤) ] وابن أبي حاتم والبيهقي [ (٥) ] وابن عساكر [ (٦) ] ،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله تعالى آدم خبّره ببنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض، فرأى نوراً ساطعاً في أسفلهم، فقال: يا رب من هذا؟ قال: هذا نبيك أحمد وهو أوّل وهو آخر» [ (١) ] . ولفظ سعيد والبيهقيّ: «هو أول من يدخل الجنة. فقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده» . ويرحم الله تعالى صالح بن الحسين الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال في قصيدته: وكان لدى الفردوس في زمن الرّضا ... وأثواب شمل الأنس محكمة السّدى يشاهد في عدن ضياء مشعشعاً ... يزيد على الأنوار في النّور والهدى فقال: إلهي ما الضّياء الذي أرى ... جنود السّماء تعشو إليه ترددا فقال نبي خير من وطئ الثّرى ... وأفضل من في الخير راح أو اغتدى تخيّرته من قبل خلقك سيّداً ... وألبسته قبل النّبييّن سؤددا
تنبيهان الأول: قال الغزالي [ (٢) ] في كتاب النفخ والتسوية: في قوله ﷺ: «كنت أول النبيين خلقاً» : أن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجوداً، ولكنّ الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود. وبسط الكلام على ذلك. وردّ عليه السبكي [ (٣) ] بكلام شاف يأتي في الباب الثالث، ولم يقف على أثر كعب السابق وهو أقوى من الأدلة التي استدل بها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: «التّسنيم» [ (٤) ] : قال العزيزيّ رحمه الله تعالى: يقال هو أرفع شراب أهل الجنة. ويقال:
و أقوى من الأدلة التي استدل بها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: «التّسنيم» [ (٤) ] : قال العزيزيّ رحمه الله تعالى: يقال هو أرفع شراب أهل الجنة. ويقال:
تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنّمهم في منازلهم أي تنزل عليهم من عال. ويقال تسنّم الفحل الناقة إذا علاها. وضياء مشعشع [ (١) ] : أي منتشر. وقول سيدنا العباس: «من قبلها» الضمير فيه إمّا للدنيا، أو للنبوة، أو للولادة. «الظلال» : جمع ظلّ. والمراد به هنا: ظل الجنة. «مستودع» [ (٢) ] : بفتح الدال المهملة. «حيث يخصف الورق» [ (٣) ] : أشار إلى قوله تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. وأشار إلى كونه في صلب آدم كما كان نطفة في صلب سام بن نوح، وهو في السفينة حين أغرق الله تعالى نسراً. المضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ في الفم. والعلق: جمع علقه، وهي قطعة من دم غليظ. وإنما جمع العلق هنا لأجل القافية أو للتعظيم. والسّفين [ (٤) ] : جمع سفينة كما في الصّحاح. ونسر: هو المذكور في سورة نوح. ونسر ويغوث ويعوق وودّ وسواع: أسماء لجماعة عبّاد كانوا بنين لآدم، فماتوا فحزن عليهم أهل عصرهم فصوّر لهم إبليس اللعين أمثالهم من طفر ونحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم، هذه آلهة آبائكم فعبدوهم. ثم إن الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكانت ودّ لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل بساحل البحر، ويغوث لغطيف من مراد، ويعوق لهمدان، ونسر لذي الكلاع من حمير. «وتنقل» بضم المثناة الفوقية أوله. «ومن صالب» : أي من صلب يقال صلب وصلب وصالب ثلاث لغات. «وإذا مضى عالم» بفتح اللام. «بدا» بترك الهمزة. أي ظهر. و «الطّبق» بفتح الطاء والباء الموحدة. والمعنى: إذا مضى قرن بدا قرن. وقيل للقرن طبق لأنه طبّق
الأرض. ويطلق الطّبق أيضاً على الجماعة من الناس. و «خندف» بكسر الخاء وسكون النون وكسر الدال المهملة بعدها فاء: من الخندفة وهي في الأصل مشية كالهرولة ثم سميت بها ليلى امرأة إلياس بن مضر [ (١) ] . و «النّطق» [ (٢) ] بضم النون والطاء المهملة جمع نطاق: حبال يشدّ بعضها فوق بعض يشدّ بها أوسط الناس، يعني أنه ﷺ مرتفع ومتوسّط في عشيرته ﷺ حتى جعلهم تحته بمنزلة أوساط الحبال. والمراد ببيته ﷺ شرفه، أي حتى احتوى شرفك الشاهد بفضلك على مكان من بيت خندف. والأفق بضم الهمزة والفاء وسكون الفاء أيضاً وهو الناحية. وسبل الرشاد: طرقه وهو مجرور عطفاً على ما قبله.
الباب الثاني في خلق آدم وجميع المخلوقات لأجله ﷺ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى: «آمن بمحمد ﷺ وأمر أمتّك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن» . رواه أبو الشيخ [ (١) ] في طبقات الأصبهانيين، والحاكم [ (٢) ] وصحّحه، واقره السّبكي في شفاء السّقام، والبلقيني [ (٣) ] في فتاويه. وقال الذّهبي [ (٤) ] : في سنده عمرو بن أوس [ (٥) ] لا يدرى من هو انتهى. ولبعضه شاهد من حديث عمر بن الخطاب [ (٦) ] رواه الحاكم وسيأتي. قال الإمام جمال الدين محمود بن جملة [ (٧) ] : ليس مثل هذا للملائكة ولا لمن سواه من الأنبياء.
شاهد من حديث عمر بن الخطاب [ (٦) ] رواه الحاكم وسيأتي. قال الإمام جمال الدين محمود بن جملة [ (٧) ] : ليس مثل هذا للملائكة ولا لمن سواه من الأنبياء.
وما عجب إكرام ألف لواحد ... لعين تفدّى ألف عين وتكرم وروى الديلمي [ (١) ] في مسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنّة، ولولاك ما خلقت النار» . ويروى عن سلمان [ (٢) ] رضي الله تعالى عنه قال: «هبط جبريل على النبي ﷺ فقال: إن ربك يقول لك: «إن كنت اتّخذت إبراهيم خليلاً فقد اتخذتك حبيباً، وما خلقت خلقاً أكرم عليّ منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرّفهم كرامتك ومنزلتك، ولولاك ما خلقت الدنيا» . رواه ابن عساكر وسنده واه جدّاً. وفي فتاوى شيخ الإسلام البلقيني أن في مولد العزفيّ [ (٣) ]- بعين مهملة وزاي مفتوحتين وقبل ياء النسب فاء- و «شفاء الصدور» لابن سبع، عن علي [ (٤) ] رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي، ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء» . قال: وذكر المصنفان المذكوران في رواية أخرى، عن علي رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: «من أجلك أبطح البطحاء وأموّج الماء وأرفع السّماء وأجعل الثّواب والعقاب والجنّة والنّار» . ولله درّ العارف بالله سيدي علي بن أبي الوفا [ (٥) ] نفعنا الله تعالى بهم حيث قال:
سكن الفؤاد فعش هنيئاً يا جسد ... هذا النّعيم هو المقيم إلى الأبد روح الوجود حياة من هو واحد ... لولاه ما تمّ الوجود لمن وجد عيسى وآدم والصّدور جميعهم ... هم أعين هو نورها لمّا ورد لو أبصر الشّيطان طلعة نوره ... في وجه آدم كان أول من سجد أولو رأى النّمروذ نور جماله ... عبد الجليل مع الخليل وما عند لكن جمال الله جلّ فلا يرى ... إلا بتوفيق من الله الصّمد
ه ... في وجه آدم كان أول من سجد أولو رأى النّمروذ نور جماله ... عبد الجليل مع الخليل وما عند لكن جمال الله جلّ فلا يرى ... إلا بتوفيق من الله الصّمد
الباب الثالث في تقدم نبوته ﷺ على نفخ الروح في آدم صلى الله عليهما وسلم عن عبد الله بن عمرو [ (١) ] رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [ (٢) ] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. رواه مسلم. زاد صاحب اللطائف: ومن جملة ما كتب في الذّكر وهو أمّ الكتاب: أن محمدا ﷺ خاتم النبيين. وعن العرباض- بكسر العين المهملة- ابن سارية [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته [ (٤) ] . رواه الإمام أحمد [ (٥) ] والحاكم وصححه. قال الطيبي [ (٦) ] في «شرح المشكاة» : «انجدل» مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإلقاء على الجدالة- بفتح الجيم والدال المهملة- وهي الأرض الصّلبة وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل، يعني لا يجوز إجزاء منجدل على أن تكون مطاوعا لجدل لما يلزم منه أن يكون آدم منفصلاً من الأرض الصلبة، بل هو ملقّى عليها. والطينة: الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك. والجارّ الذي هو «في» ليس بمتعلق بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم مظروفاً في طينته، إنما هو خبر ثان لأنّ، والواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب،
والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلّقه لمّا يفرغ من تصويره وإجراء الروح. وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب [ (١) ] رحمه الله تعالى في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي ﷺ كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله تعالى ويخرجه إلى دار الدنيا حيّاً، وأن ذلك كان مكتوباً في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم ﷺ، وفسّر أمّ الكتاب باللّوح المحفوظ وبالذّكر في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سأل عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتاباً. فكان كتاباً. ولا ريب أن علم الله تعالى قديم أزلي لم يزل عالماً بما يحدثه من خلقه، ثم إن الله تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. وفي صحيح البخاري [ (٢) ] عن عمران بن حصين [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السماوات والأرض» [ (٤) ] . وقوله في هذا الحديث: «إني عند الله في أم الكتاب» ليس المراد به- والله أعلم- أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوباً في أم الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له ﷺ النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو
الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق الله تعالى من النوع الإنساني. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له ﷺ النبوة. وهذه مرتبة ثالثة وهو
انتقاله ﷺ من رتبة العلم والكتابة إلى رتبة الوجود العيني الخارجي. فإنه ﷺ استخرج من ظهر آدم ونبئ فصارت نبوّته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب. فعن ميسرة- بفتح الميم وسكون المثناة التحتية- الفجر [ (١) ]- بفتح الفاء وسكون الجيم- رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» . رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم وصححه. قال الإمام أحمد في رواية منها: وبعضهم يرويه متى كتبت من الكتابة؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد» . رواه ابن عساكر فتحمل هذه الرواية مع حديث العرباض السابق على وجوب نبوته ﷺ وثبوتها وظهورها في الخارج، فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب شرعاً كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أو قدراً كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» [ (٢) ] . رواه الترمذي [ (٣) ] وحسنه. وعن الصّنابحيّ [ (٤) ] مرسلاً- وهو بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة ومهملة- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله متى جعلت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد» [ (٥) ] . رواه أبو نعيم [ (٦) ] .
وروى الآجريّ [ (١) ] في كتاب الشريعة، عن سعيد بن أبي راشد [ (٢) ] قال: سالت عطاء [ (٣) ] رحمه الله تعالى: هل كان النبي ﷺ نبيّاً قبل أن يخلق الخلق؟ قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام. قال الحافظ ابن رجب: عطاء هذا الظاهر انه الخراساني، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من كتابة نبوته ﷺ في أمّ الكتاب عند تقدير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال: سبقت نبوّته وآدم طينة ... فله الفخار على جميع النّاس سبحان من خصّ النّبيّ محمّداً ... بفضائل تتلى بغير قياس!
ير المقادير. ويرحم الله القائل حيث قال: سبقت نبوّته وآدم طينة ... فله الفخار على جميع النّاس سبحان من خصّ النّبيّ محمّداً ... بفضائل تتلى بغير قياس!
تنبيهان الأول: ما اشتهر على الألسنة بلفظ: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» قال ابن تيمية [ (٤) ] والزّركشي [ (٥) ] والشيخ وغيرهم من الحفّاظ: لا أصل له. وكذا: «كنت ولا آدم ولا ماء ولا طين» .
الثاني: قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله تعالى روحه: لم يصب من فسرّ قوله ﷺ: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» [بأنه] سيصير نبيّاً، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير إليه في المستقبل لم تكن له خصوصية بأنه نبيّ وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي ﷺ لأجلها اخبر أمته الخبر إعلاماً لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى ثم قال: فإن قلت: النبوة وصف لازم أن يكون الموصوف به موجوداً، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة، فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله وإن صح ذلك فغيره كذلك؟. قلت: قد جاء إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: «كنت نبيا» إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله تعالى بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من قبل خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف بأن يكون خلقها، مهيّأة لذلك فأفاضه عليه من ذلك الوقت فصار نبيّاً وكتب اسمه على العرش وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة في ذلك الوقت وإن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها.
ت فصار نبيّاً وكتب اسمه على العرش وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة في ذلك الوقت وإن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها. واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المضافة عليه من الحضرة الإلهية إنما يتأخر البعث والتبليغ وكل ما له من جهة الله تعالى ومن جهة تأهل ذاته الشريفة ﷺ وحقيقته معجّل لا تأخر فيه، وكذا استنباؤه وإيتاؤه الحكم والنبوة، وإنما المتأخّر تكوّنه وتنقّله إلى أن ظهر ﷺ. انتهى ملخصا. وأثر كعب السابق أول الباب الأول يؤيد ما قاله. وقال بعض العارفين: لما خلق الله الأرواح المدبّرة للأجسام عند وجود حركة الفلك أول ما خلق الله الزمان بحركة، كان أول ما خلق روح محمد ﷺ، ثم صدرت الأرواح عن الحركات الفلكية [ (١) ] فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة، وأعلمه بالنبوة وآدم
لم يكن، كما قال: «بين الروح والجسد» فاقتضى قوله: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» أن يكون حقيقة، فإنه لا يكون العدم بين أمرين موجودين لانحصاره، والمعدوم لا يوصف بالحصر في شيء، ثم انتهى الزمان إلى وجود جسمه ﷺ وارتباط الروح به، فظهر سيدنا محمد ﷺ بكليته جسماً وروحاً، فكان له الحكم أولاً باطناً في جميع ما ظهر من الشرائع على يدي الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم صار له الحكم ظاهراً فنسخ كل شرع وإن كان الشرع واحداً وهو صاحب الشرع، فإنه قال: «كنت نبيّاً» ما قال: كنت إنساناً ولا كنت موجوداً، وليست النبوة إلا بالشرع المقرر من عند الله تعالى، فأخبر ﷺ أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء في الدنيا .
الباب الرابع في تقدم أخذ الميثاق عليه، زاده الله تعالى شرفاً وفضلاً لديه روى ابن سعد [ (١) ] عن الشعبي [ (٢) ] مرسلا قال: قال رجل: يا رسول الله متى استنبئت؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد حين أخذ منّي الميثاق» [ (٣) ] . وروى أبو سهل القطّان [ (٤) ] في أماليه، عن سهل بن صالح الهمذانيّ، قال: سالت أبا جعفر محمد بن علي: كيف صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله لما اخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: الست بربكم، كان محمد ﷺ أول من قال بلى. ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث. قال الحافظ ابن رجب في اللّطائف: وخبر الشعبي يدل على أنه من حين صوّر آدم طيناً استخرج وأخذ منه ﷺ ونبئ واخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قد رأيت خروجه فيه، فهو أولهم خلقاً، وآخرهم بعثاً، وهو آخر النبيّين باعتبار أن زمانه تأخّر عنهم.
الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قد رأيت خروجه فيه، فهو أولهم خلقاً، وآخرهم بعثاً، وهو آخر النبيّين باعتبار أن زمانه تأخّر عنهم. لا يقال: خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ هواء لا روح فيه، ومحمد ﷺ كان حيّاً حين استخرج ونبّئ واخذ منه الميثاق، ولا يقال إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دلّ عليه أكثر الأحاديث والذي تقرر أنه استخرج ونبّئ قبل نفخ الروح في آدم، لأنه ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنسانيّ، وهو عينه وخلاصته. ويستدل بخبر الشّعبي وغيره مما تقدم في الباب السابق على أنه ﷺ ولد نبيّاً، فإنّ نبوّته وجبت له حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم فكان نبيّاً حينئذ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه
نبيّاً كمن تولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرّفه يتأخّر إلى حين مجيء الوقت. والأحاديث السابقة في باب تقدم نبوته ﷺ صريحة في ذلك. والله ﷾ أعلم.
قبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرّفه يتأخّر إلى حين مجيء الوقت. والأحاديث السابقة في باب تقدم نبوته ﷺ صريحة في ذلك. والله ﷾ أعلم.
الباب الخامس في كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه ﷺ قال الإمام العلاّمة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أن غيره ﷺ أثبت اسمه على العرش. روى الحاكم والطبراني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك» [ (١) ] . قال الإمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرّقّيّ رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه لبقي هو وذريته في دار السخط أبد الأبد. فما ظنّك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركته، حتى صولح به المتمردون ورزق به المحرمون وجبر به المنكسرون وأنقذ به المعذّبون، ومن العجب أن ننتظر شفاعته في القيامة وقد سبقت شفاعته فينا وفي أبينا من أول دنيانا، فهو مطهّر الباطن والظاهر مبارك الأول والآخر. وروى ابن أبي عاصم [ (٢) ] في المسند وأبو نعيم عن أنس [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه أن الله سبحانه تعالى قال لموسى: «يا موسى إن من لقيني وهو جاحد بمحمد ﷺ ّأدخلته النار. فقال: من محمد؟ قال يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام» .
ال: من محمد؟ قال يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام» .
وروى ابن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن آدم لمّا أكل من الشجرة عظم كربه واشتد ندمه علّمه جبريل أن يقول دعاء ومنه: اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي. ففعل آدم، فقال الله: يا آدم من علّمك هذا؟ قال: يا رب إنك لمّا نفخت فيّ الروح. فذكر نحو الحديث الأول. وروى ابن أبي الدنيا [ (١) ] عن سعيد بن جبير [ (٢) ] رحمه الله تعالى قال: اختصم ولد آدم: أي الخلق أكرم على الله؟ فقال بعضهم: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته. وقال آخر: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله. فذكروا الكلام لآدم فقال: لمّا نفخ فيّ الروح لم تبلغ قدمي. فاستويت جالساً فبرق العرش فنظرت فيه: محمد رسول الله. فذاك أكرم الخلق على الله ﷿. وروى ابن الجوزي بسند جيد لا بأس به، عن ميسرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبياً؟ قال: «لمّا خلق الله الأرض واسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وخلق العرش كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء. وخلق الله تعالى الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأوراق والأبواب والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى إنه سيّد ولدك. فلما غرّهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه» . وقال ابن أبي الدّنيا: حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا قريش بن أنس [ (٣) ] حدثنا كليب أبو وائل [ (٤) ] قال: غزونا في صدر هذا الزمان الهند، فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورد أحمر مكتوب فيه بالبياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصيا بعدد الأنبياء
والرسل، ثم أقبل علي ابنه شيث فقال: يا بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد ﷺ، فإني رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم طفت في السماوات فلم أر في السماوات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوبا عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا واسم محمد مكتوب عليه، ولقد رأيت اسم محمد على نحور الحور العين وعلى ورق قصب أجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم [ (١) ] في تاريخ حلب، عن أبي الحسين علي بن عبد الله الهاشمي الرّقّيّ، رحمه الله تعالى قال: دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود فيفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء مكتوب عليها بخط أبيض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. أبو بكر الصديق. عمر الفاروق. فشككت في ذلك وقلت إنّه معمول، فعمدت إلى حبّة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورد، وفي البلد منه شيء كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة. وفي مسالك الأبصار ذكر ابن سعيد المغربيّ [ (٢) ] أنه أخبره من دخل الهند رأى في غيضة بنواحي بالكين، وهي قصبة الهند، شجرة عظيمة لها ورد أحمر فيه مكتوب ببياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونقل القاضي عن السّمطاويّ رحمه الله تعالى أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولوداً ولد على احد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله. وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتاب «روض الرياحين» قال بعض الشيوخ: دخلت
ولوداً ولد على احد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله. وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتاب «روض الرياحين» قال بعض الشيوخ: دخلت
بلاد الهند فرأيت فيها شجرة تحمل ثمراً يشبه اللّوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا الله. كتابة جلية، وهم يتبرّكون بها ويستقون بها إذا منعوا من الغيث. فحدثت بها أبا يعقوب الصيّاد فقال لي: ما أستعظم هذا، كنت اصطاد على نهر الأبلّة فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله. وعلى جنبها الأيسر: محمد رسول الله. فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراماً لها. الأبلّة بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام: بلد معروف قرب البصرة. وروى الخطيب [ (١) ] في تاريخه، عن عبد الرحمن بن هارون المغربي رحمه الله تعالى قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له السوطون، وكان معنا غلام صقليّ ومعه سنارة فدلاّها في البحر فصاد سمكة قدر شبر، فنظرنا فإذا مكتوب على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله. وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله. وكان أبين من نقش على حجر، وكانت السمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنها كتابة بحبر. فقذفناها في البحر. وروى أبو الشيخ في العظمة عن جعفر بن عرفة رحمه الله تعالى قال: كنت في البحر في مركب فظهرت لنا سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بسواد اشدّ سواداً من الحبر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر من طريق الحسن [ (٢) ] عن سلمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي
على قفاها مكتوب بسواد اشدّ سواداً من الحبر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى ابن عساكر من طريق الحسن [ (٢) ] عن سلمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه لكعب الأحبار: أخبرنا عن فضائل رسول الله ﷺ قبل مولده. قال: نعم يا أمير المؤمنين قرأت أن إبراهيم الخليل وجد حجراً مكتوباً عليه أربعة أسطر: الأول: أنّا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. والثّاني: أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي طوبى لمن آمن به واتّبعه. والثالث: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا من اعتصم بي نجا. والرّابع: إني أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي والكعبة بيتي، من دخل بيتي أمن من عذابي. وروى أبو نعيم عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: وجد في البيت حجر منقور في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكّل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمّادون يحمدون الله بكل أكمة يأتزرون على أوساطهم ويطهّرون أطرافهم. وروى البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: بلغني في قول الله تعالى: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما أن الكنز كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه: عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبّاً لمن أيقن بالحساب كيف يضحك، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجباً لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى البزار [ (١) ] عن أبي ذرّ [ (٢) ] نحوه، ولهذا تتمة في باب شرح أسمائه ﷺ.
الباب السادس في أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يؤمنوا به ﷺ وينصروه إذا بعث فيهم قال الله تعالى: وإِذْ نصب بمصدر محذوف أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عهدهم لَما بفتح اللام للابتداء أو دخلت لتوكيد معنى القسم، لأن أخذ الميثاق قسم في المعنى. وبكسرها متعلّقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي الذي آتَيْتُكُمْ وفي قراءة: آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ أي من الكتاب والحكمة، وهو محمد ﷺ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ جواب القسم، أي إن أدركتموه، وأممهم تبع لهم في ذلك. قال الله تعالى لهم: أَأَقْرَرْتُمْ بذلك وَأَخَذْتُمْ قبلتم ووافقتم عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي عهدي قالُوا أَقْرَرْنا. قالَ فَاشْهَدُوا أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. واشهدوا: خطاب للملائكة وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ عليكم وعليهم فَمَنْ تَوَلَّى أعرض بَعْدَ ذلِكَ الثبات فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن الطاعة. روى ابن أبي حاتم عن السدي [ (١) ] في الآية قال: لم يبعث الله نبياً قط من لدن نوح إلاّ أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ﷺ وينصره أن أدركه وخرج وهم أحياء. وروى ابن جرير [ (٢) ] ، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قال: لم يبعث الله نبيا، آدم فمن بعده، إلا اخذ عليه العهد في محمد ﷺ: لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره بأخذ العهد على قومه. وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما بعث الله نبيا قط إلا اخذ عليه العهد: لئن بعث محمد ﷺ وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره بأخذ الميثاق على أمّته إن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرنّه.
نبيا قط إلا اخذ عليه العهد: لئن بعث محمد ﷺ وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره بأخذ الميثاق على أمّته إن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرنّه.
رواه البخاري في صحيحه. كما نقله الزركشي في شرح البردة، والحافظ ابن كثير [ (١) ] في تاريخه وأول كتابه جامع المسانيد، والحافظ في الفتح في باب حديث الخضر مع موسى، ولم أظفر به فيه، ورواه ابن عساكر بنحوه. قال الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين السبكي قدس الله سره في هذه الآية من التّنويه بالنبي ﷺ وعظيم قدره ما لا يخفى أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم. فتكون نبوّته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله ﷺ: «بعثت إلى الناس كافة» [ (٢) ] لا يختصّ به الناس في زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضاً. وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدّم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم. وفي أَخَذَ وهي في معنى الاستخلاف، ولذلك دخلت لام القسم في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ لطيفة أخرى، وهي كأنها البيعة التي تؤخذ للخلفاء ولعل أيمان الخلفاء أخذت من هذا، فانظر إلى هذا التعظيم للنبي ﷺ من ربه. فإذا عرفت هذا فالنبي ﷺ نبي الأنبياء، ولهذا أظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه. وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ﷺ ونصرته. وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته ﷺ ورسالته إليهم معنىّ حاصل له. وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما يقتضيه. وفرق بين توقّف الفعل
وته ﷺ ورسالته إليهم معنىّ حاصل له. وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما يقتضيه. وفرق بين توقّف الفعل
على قبول المحلّ وتوقّف أهليّة الفاعل، فهنا لا توقّف من جهة الفاعل ولا من جهة ذات النبي ﷺ الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم إتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى ﷺ في آخر الزمان على شريعته ﷺ، وهو نبيّ كريم، لا كما يظنّ بعض الناس أنه يأتي واحداً من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من إتباعه للنبي ﷺ، وإنما يحكم بشريعة نبيّنا محمد ﷺ بالقرآن والسنة، فكل ما فيهما من أمر ونهي فهو متعلق به كما يتعلّق بسائر هذه الأمة، وهو نبيّ كريم على حاله لم ينقص منه شيء ولذلك لو بعث النبي ﷺ في زمانه أو زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرّين على نبوّتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي ﷺ نبي الله ورسوله إلى جميعهم، فنبوّته ورسالته أعمّ وأشمل وأعظم، ويتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص وإما على سبيل النّسخ أو لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبي في تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة، والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات. انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإن قيل: قال الله ﷾: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ.
تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات. انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإن قيل: قال الله ﷾: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. فالجواب: بأن هداهم من الله وهو شرعه ﷺ، أي الزم شرعك الذي ظهر به نوّابك، من إقامة الدين وعدم التفرقة فيه ولم يقل الله بهم اقتده وكذا قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وهو الدين، فهو ﷺ مأمور بإتباع الدين، فإن أصل الدين إنما هو من الله تعالى لا من غيره، وأين هذا من قوله ﷺ: «لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني» فأضاف الإتباع إليه، وأمر هو ﷺ باتباع الدين لا باتباع الأنبياء، فإن السلطان الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوّابه حكم إلا له، فإذا غاب حكم النّواب بمراسيمه، فهو الحاكم في الحقيقة غيبة وشهادة. فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا ظهرت لم يبد منهنّ كوكب [ (١) ] وقد أشار إلى ذلك المعنى البوصيريّ [ (٢) ] ، وتوفي قبل مولد السّبكي رحمهما الله تعالى:
وكل آي أتى الرّسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم فإنّه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للنّاس في الظّلم
الباب السابع في دعاء إبراهيم ﵊ به ﷺ وإعلام الله به إبراهيم وآله قال الله ﷾ حاكياً عن إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا أي في جماعة الأمة المسلمة من أولادهما، أو هم أهل مكة رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم يعني محمدا ﷺ يَتْلُوا يقرأ عَلَيْهِمْ آياتِكَ كتابك يعني القرآن وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي القرآن وَالْحِكْمَةَ أي مواعظه وما فيه من الأحكام، أو هي العلم والعمل وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الذّنوب ويشهد لهم بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب الْحَكِيمُ في صنعه. روى ابن جرير عن أبي العالية [ (١) ] رحمه الله تعالى قال: لمّا قال إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ قيل له قد: استجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وروى الإمام أحمد والحاكم عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا دعوة [أبي] إبراهيم وبشارة عيسى» [ (٢) ] . وروى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه قال، قيل يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشّر بي عيسى ابن مريم» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد وابن سعد والطبراني وابن مردويه [ (٥) ] عن أبي أمامة [ (٦) ] رضي الله
تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشّر بي عيسى ابن مريم» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أمر إبراهيم بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمرّ بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ها هنا يا جبريل؟ فيقول: لا. حتى أتى مكة فقال جبريل: إنزل يا إبراهيم. قال: حيث لا ضرع ولا زرع؟! قال: نعم، ها هنا يخرج النبي الكريم الذي من ذرية ابنك إسماعيل الذي تتمّ به الكلمة العليا. وروى أيضا عن محمد بن كعب القرظي [ (٢) ] رحمه الله تعالى قال: لما خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقّاها متلقّ فقال: يا هاجر إن ابنك أبو شعوب كثيرة، ومن شعبه النبي الأميّ ساكن الحرم.
قرظي [ (٢) ] رحمه الله تعالى قال: لما خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقّاها متلقّ فقال: يا هاجر إن ابنك أبو شعوب كثيرة، ومن شعبه النبي الأميّ ساكن الحرم.
الباب الثامن في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله ﷺ ومناقبه العظيمة قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ. وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أنه رأى النبي ﷺ الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يا أيها النبي إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سمّيتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العَوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح به أعيناً عمياً وقلوباً غلفاً وآذاناً صمّاً» [ (١) ] . رواه الإمام أحمد والبخاري. وروى نحوه ابن عساكر وابن الجوزي عن عبد الله بن سلام [ (٢) ] ، والدارمي [ (٣) ] عن كعب. «شاهداً» حال مقدرة من الكاف أو من الفاعل، أي مقدّراً أو مقدّرين شهادتك على من بعثت إليهم، أي مقبولاً قولك عند الله فيهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. «حرزاً» بالمهملة المكسورة فالراء الساكنة فالزاي- أي حفظاً «للأميين» أي للعرب لأن الكتابة عندهم قليلة. والأميّ من لا يحسن الكتابة. وليس لليهود أن يتمسكوا بقوله «حرزاً للأميين» على ما زعموا أنه ﷺ مبعوث إلى العرب خاصة، لأن قوله: «حتّى يقيم الملّة العوجاء» يشملهم لأنهم بدّلوا وحرّفوا وغيروا، فأرسل ﷺ إليهم ليقيم عوجهم، وهل احد أولى منهم بإقامة عوجهم؟!. «ليس بفظ» أي سيئ الخلق «ولا غليظ» أي شديد القول «ولا سخّاب» بالسين
ّلوا وحرّفوا وغيروا، فأرسل ﷺ إليهم ليقيم عوجهم، وهل احد أولى منهم بإقامة عوجهم؟!. «ليس بفظ» أي سيئ الخلق «ولا غليظ» أي شديد القول «ولا سخّاب» بالسين
المهملة والخاء المعجمة المشددة من السّخب وهو لغة ربيعة في الصّخب، وهو رفع الصوت، أي لا كثيره بل ولا قليله، إذ المراد نفيه مطلقاً. «الملّة العوجاء» يعني ملة إبراهيم، لأن العرب غيّرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء. «غلفاً» بضم الغين المعجمة وسكون اللام جمع أغلف وهو الشيء في غلاف وغشاء بحيث لا يوصل إليه. وعن رجل من الأعراب رضي الله تعالى عنه قال: قدمت المدينة حياة رسول الله ﷺ فقلت لألقينّ هذا الرجل فلأسمعن منه. فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزّي بها نفسه عن ابن له في الموت كان من أحسن الفتيان وأجملهم، فقال له رسول الله ﷺ: «أنشدك بالّذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك صفتي ومخرجي» .؟ فقال برأسه هكذا. أي لا. فقال ابنه: والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: أقيموا اليهود عن أخيكم. ثم ولي كفنه والصّلاة عليه. رواه الإمام أحمد [ (١) ] . وعن عبد الله بن مسعود [ (٢) ] رضي الله تعالى عنه إن رسول الله ﷺ دخل كنيسة فإذا هو بيهوديّ يقرأ عليهم التوراة، فلما أتوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا وفي ناحيتها مريض، فقال النبي ﷺ: «ما لكم أمسكتم» ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا. ثم جاء المريض حتى اخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي ﷺ فقال: هذه صفتك وصفة أمّتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم مات، فقال النبي ﷺ: «لوا أخاكم» [ (٣) ] . رواه الإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان [ (٤) ] : حدثنا فيض البجلي، حدثنا سلاّم بن مسكين [ (٥) ] ، عن مقاتل
ابن حيان [ (١) ] ، رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم ﵊: جدّ في بني إسرائيل ولا تهزل واسمع وأطع يا بن الطاهرة البكر البتول، إنيّ خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فأيايّ فاعبد وعليّ فتوكّل، فسر إلى أهل سورانّية، بلّغ [ (٢) ] من بين يديك أني أنا الله الحي القائم الذي لا يزول، صدّقوا النبيّ الأمّي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهي التّاج، والنّعلين والهراوة وهي القضيب، الجعد الرّأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأكحل العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضّة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره، شئن الكفّين والقدمين إذا جامع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلّع من الصّخر ويتحدّر في صبب ذو النّسل القليل. «غمرهم» أي علاهم شرفاً. وقوله: «ذو النّسل القليل» أراد الذّكور من صلبه ﷺ. وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم الجارود بن عبد الله فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشّر بك ابن البتول. وسمّيت مريم بذلك من قولهم: امرأة بتول أي منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم. وعن أبي موسى الأشعري [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النّجاشيّ يقول: أشهد أن محمدا رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من أمر الملك وما تحملت من أمر الناس لأتيته حتى أحمل نعليه [ (٤) ] . رواه أبو داود [ (٥) ] . وروى الترمذي في الشمائل عن كعب رحمه الله تعالى قال: نجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة: محمد بن عبد الله يولد بمكّة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحّاش ولا سخّاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمّادون
محمد بن عبد الله يولد بمكّة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحّاش ولا سخّاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمّادون
يحمدون الله في كل أمر ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفّون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويّهم في مساجدهم كدويّ النحل يسمع مناديهم في جوّ السماء. النّجد: ما ارتفع من الأرض. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ: «أنّ موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونه ظاهراً، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد أمة يأكلون الفيء فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعلمها لم تكتب، وإن عملها كتبت عليه بسيئة واحدة، فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرن الضلال المسيح الدّجّال فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين. قال: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ قال له قد رضيت» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال أوحى الله تعالى إلى يعقوب ﵊: أني أبعث من ذّرّيّتك ملوكاً وأنبياء حتّى أبعث النّبّي الحرميّ الذي تبني أمته هيكل بيت المقدس وهو خاتم الأنبياء واسمه أحمد.
حى الله تعالى إلى يعقوب ﵊: أني أبعث من ذّرّيّتك ملوكاً وأنبياء حتّى أبعث النّبّي الحرميّ الذي تبني أمته هيكل بيت المقدس وهو خاتم الأنبياء واسمه أحمد. وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: اشتدّ غضبي عليكم من أجل ما ضيّعتم من أمري، فإنّي حلفت لا يأتيكم روح القدس حتى ابعث النبيّ الأميّ من أرض العرب الذي يأتيه روح القدس. وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: كان أبي من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عنّي شيئاً مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني إنك قد علمت إني لم أدّخر عنك شيئاً أعلمه إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما
نبيّ يبعث قد أطلّ زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوّة التي ترى وطيّنت عليهما فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تبعته. ثم إنّه مات فدفنّاه، فلم يكن شيء أحب إلي من أن انظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويصفح أمته الحمّادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلّل ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيّهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، وتراحمهم بينهم كتراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم. فمكثت ما شاء الله ثم بلغني أن النبي ﷺ قد خرج بمكة، فأخذت أستثبت ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده، فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى انظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمّال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر.
افع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمّال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر. فو الله إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً الآية. فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحوّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحب إلى من الصباح، فغدوت في المسلمين. ناوأه: أي ناهضه وعاداه. وروى ابن سعد عن سهل مولى عثمة أنه كان نصرانيا وكان يتيماً في حجر أمه وعمّه، وأنّه كان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفاً لعمي فقرأته حتى مرّ بي ورقة فأنكرت كثافتها حين مرّت بي، ومسستها بيدي ونظرت فإذا فضول الورقة ملصقة بغرا قال ففتشتها فوجدت فيها نعت محمد ﷺ: أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء [ (١) ] ، ولا يقبل الصّدقة، ويركب الحمار والبعير ويحلب الشّاة، ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعل ذلك برئ من الكبر، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد ﷺ جاء عمي فلما رأى الورقة
ضربني وقال لي: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟! فقلت: فيها نعت النبي أحمد ﷺ فقال: إنه لم يأت بعد. وروى أيضا عن عبد الحميد بن جعفر [ (١) ] ، عن أبيه، قال: كان الزّبير بن باطا، وكان أعلم يهود يقول: إني وجدت سفرا وكان أبي يختمه عليّ فيه ذكر أحمد حتى يخرج بأرض القرظ، صفته كذا وكذا، فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي ﷺ لم يبعث، فما هو إلا أن سمع بالنبي ﷺ قد خرج بمكة عمد إلى ذلك السّفر فمحاه وكتم شأن النبي ﷺ، وقال: ليس به. الزبير، بفتح الزاي كما هو ظاهر كلام القاموس. وروى أيضا عن وهب بن منبه [ (٢) ] رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى شعيا: إني باعث نبيّاً أميّاً أفتح به آذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً وأعيناً عمياً، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع، الحبيب المنتخب المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيماً بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ولا متزيّن بالفحش ولا قوّال بالخنا لو يمرّ إلى جنب السّراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرّعراع، يعني اليابس، لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشّراً ونذيراً، أسدده لكل جميل وأهب له كلّ خلق كريم، أجعل السّكينة لباسه والبرّ شعاره، والتقوى ضميره والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحقّ شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته واحمد اسمه، اهدي به بعد الضلالة وأعلّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، واسمّي به بعد النّكرة، وأكثر به بعد القلّة، واغني به بعد العيلة واجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي، وتصديقا بما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصفّون في
طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصفّون في
مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، انتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً فيقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، أختم بكتابهم الكتب وبشريعتهم الشرائع وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس منّي وهو منّي بريء، وأجعلهم أفضل الأمم وأجعلهم امة وسطاً شهداء على الناس، إذا غضبوا هللّوني، وإذا قبضوا كبّروني، وإذا تنازعوا سبّحوني، يطهّرون الوجوه والأطراف ويشدّون الثياب إلى الأنصاف، ويهللّون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوثاً بالنهار، ويناديهم مناديهم في جوّ السماء لهم دويّ كدويّ النحل. طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. «القصب» بالقاف والصاد معروف. الرّعراع: الطويل. قال ابن قتيبة [ (١) ] : إذا طال القصب فهبّت عليه أدنى ريح، أو مرّ به ألطف شخص: تحرك وصوّت، فأراد ﷿ أن النبي ﷺ وقور ساكن الطائر. «الخنا» : بفتح المعجمة والقصر: الفحش. وأعلّم بهمزة مضمومة ولام مشددة مكسورة. وروى البيهقي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أوحى الله في الزّبور إلى داود: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، صادقاً لا اغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً، وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الحديث. الأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، افردها بالتصنيف خلائق.
حمد، صادقاً لا اغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً، وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الحديث. الأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، افردها بالتصنيف خلائق.
الباب التاسع فيما أخبر به الأحبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلا من أهل فارس، وفي رواية من أهل جيّ، وكان أبي دهقان رامهرمز، أي رئيسها، وكان يحبّني حبّا شديدا، حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار، أي خازنها وخادمها. وفي لفظ: وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أنا فيه، وأعرف إنهم ليسوا على شيء، وكان لي أخ اكبر مني. وفي لفظ: ابن صاحب رامهرمز، فكان إذا قام من مجلسه خرج فتقنّع بثوبه ثم صعد الجبل، وكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً، فقلت: أما إنّك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك؟ قال: إنك غلام وأخاف أن يظهر منك شيء. قلت: لا تخف. قال: فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله تعالى ويذكرون الآخرة، ويزعمون أنّا عبدة الأوثان والأصنام وعبدة النيران وأنّا على غير دين. قلت: فاذهب بي معك. قال: حتى استأمرهم وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتلهم فيجري هلاكهم على يدي. قال: قلت لا يظهر منّي ذلك. فاستأمرهم. فقالوا جيء به فذهبت معه فانتبهت إليهم فإذا هم ستة أو سبعة، وكأن الروح خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم فقالوا: بعثه الله وولد بغير ذكر، بعثه رسولاً وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه. ثم قالوا: يا غلام أن لك ربا وإن لك معاداً، وإنّ بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإنّ هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون، وليسوا على دين.
ربا وإن لك معاداً، وإنّ بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإنّ هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون، وليسوا على دين. ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا لي: يا سلمان إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع ما نصنع، فصلّ ونم وكل واشرب. قال: فاطّلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم فقال: يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً فعمدتم [ (١) ] إلى ابني فأفسدتموه عليّ قد أجّلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا،
فالحقوا ببلادكم فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء. قالوا: نعم ما تعمّدنا مساءتك، وما أردنا إلا الخير. فكفّ ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله، إنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، ولا تبع آخرتك بدنيا غيرك. قال: يا سلمان هو كما تقول، وإنما أتخلّف عن القوم بقيا عليهم، إن تبعت القوم طلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إيّاهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم. قلت: أنت أعلم. ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال: أنا مشتغل بنفسي في طلب المعيشة. فأتيتهم في اليوم الذي يريدون أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان قد كنا نحذر فكان ما رأيت، فاتّق الله واعلم أن الدّين ما أوصيناك به، وأن هؤلاء عبدة الأوثان لا يعرفون الله ولا يذكرونه ولا يخدعنك احد عن ذلك. وفي رواية: وكان لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوماً فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، ولا بد لي من اطّلاعها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني تشغلني عن كل شيء. فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها، فقلت ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلّون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فو الله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت الشمس وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته، فقال: أين كنت؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النصارى فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون: فقال: أي بنيّ دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، وهؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ونحن إنما نعبد ناراً نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت. فخافني فجعل في رجلي حديداً وحبسني عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ قالوا بالشام. فقلت: إذا قدم عليكم من هناك ناس وقضوا حوائجهم فآذنوني أي أعلموني: فلما قدم عليهم ناس وقضوا حوائجهم بعثوا إليّ بذلك فطرحت الحديد الذي كان في رجلي ولحقت بهم.
إذا قدم عليكم من هناك ناس وقضوا حوائجهم فآذنوني أي أعلموني: فلما قدم عليهم ناس وقضوا حوائجهم بعثوا إليّ بذلك فطرحت الحديد الذي كان في رجلي ولحقت بهم. ثم إن الملك اطلّع على القوم الذين في الجبل فأمرهم بالخروج من بلاده فقلت: ما أنا بمفارقكم. فقالوا إنك لا تقدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قلت: لا أفارقكم. قالوا: أنت أعلم، قد أعلمناك حالنا فإذا جئت
فاطلب أحداً يكون معك واحمل معك شيئاً تأكله، فإنك لن تستطيع ما نستطيع نحن. ففعلت ولقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمّلوا، فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل، فأتينا بيعة بالموصل، فلما دخلوا حفّوا بهم وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى عبدة النيران، فطردونا فقدمنا عليكم. فلما كان بعد قالوا: يا سلمان إن ها هنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم فكن أنت ها هنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين وسترى منهم ما تحب. قلت: ما أنا بمفارقكم قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل البيعة: أقم معنا يا غلام فإنه لا يعجزك شيء ببيعتنا. قال: قلت ما أنا بمفارقكم. فخرجوا وأنا معهم فأصبحنا بين جبال، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال: يخرج رجل رجلاً من مكانه، كأنّ الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم وحفّوا وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كنا ببلاد لا يذكرون الله تعالى، فيها عبدة النار وما يعبدون الله فيها، فطردونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ فطفقوا يثنون عليّ وقالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا. قال:



