— Bagian 5 · ه تعالى، فيها عبدة النار وما يعبدون الله فيها، ف… —
Bagian 5
ه تعالى، فيها عبدة النار وما يعبدون الله فيها، فطردونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ فطفقوا يثنون عليّ وقالوا صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا. قال: فو الله إنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من كهف طوال، فجاء حتى سلّم عليهم وجلس فحفّوا به وعظّمه أصحابي الذين كنت معهم وأحدقوا به، فقال لهم: أين كنتم؟ فأخبروه. فقال: ما هذا الغلام معكم؟ فأثنوا عليّ خيراً وأخبروه بإتباعي إياهم، ولم أر مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسله الله تعالى من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر عيسى ابن مريم وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولاً وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلّمه التوراة، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل فكفر به قوم وآمن به قوم. وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه إنما كان عبداً أنعم الله عليه فشكره ذلك له ورضي عنه. ثم وعظهم وقال: اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى ولا تخالفوا فيخالف بكم. ثم أراد أن يقوم فقلت: ما أنا بمفارقك فقال: يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا ألا كل يوم أحد. قلت: ما أنا بمفارقك. قال: فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائماً ولا طاعماً، إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه، فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه ورجعت معه. فلبثت ما شاء الله، يخرج كلّ يوم أحد ويخرجون إليه ويعظهم، ويوصيهم. فخرج في أحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال: يا هؤلاء إني كبرت سنّي ورقّ عظمي واقترب أجلي وإنه لا عهد لي بهذا البيت من منذ كذا كذا، ولا بد لي من إتيانه. فقلت: ما أنا بمفارقك.
وخرجت معه حتى انتهيت إلى بيت المقدس فدخل فجعل يصلي، وكان فيما يقول لي: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة، وإنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإذا أدركته أنت فصدّقه واتبعه. قلت وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: نعم. ثم خرج من بيت المقدس، وعلى بابه مقعد، فقال: ناولني يدك. فناوله، فقال: قم باسم الله. فقام كأنما نشط من عقال فخلّى عن يده، فانطلق ذاهباً وكان لا يلوي على أحد. فقال المقعد: يا غلام احمل عليّ ثيابي حتى أنطلق. فحملت عليه ثيابه وانطلق الراهب. فكلما سألت عنه قالوا: أمامك فسرت حتى قدمت الشام، فقلت: من أفضل هذا الدين؟ فقيل الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت له: إني أحببت أن أكون معك في كنيستك وأعبد الله فيها معك وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي، فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها حتى إذا جمعوها إليه لم يعطها للمساكين، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، كان يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها ولم يعطها للمساكين، فقالوا: وما علامة ذلك؟ قلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: هاته. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوا ذلك رجموه بالحجارة وقالوا: لا ندفنه أبداً فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة. وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فلا والله ما رأيت رجلا قط يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأشد اجتهاداً ولا زهادة في الدنيا، ولا أدأب ليلاً أو نهاراً منه وما أعلمني أحببت شيئاً قط حبّه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة فقلت له يا فلان قد حضرك ما ترى، وإني والله ما أحببت شيئاً قط حبّك فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بنيّ والله ما أعلمه إلا رجلاً بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي.
ترى، وإني والله ما أحببت شيئاً قط حبّك فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بنيّ والله ما أعلمه إلا رجلاً بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات لحقت بالموصل فأتيت صاحبه فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلاناً أوصى بي إليك أن آتيك وأكون معك. فقال: فأقم عندي. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة فقلت: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصيني؟ قال: والله ما أعلمه أي بنيّ إلا رجلاً بنصيبين، وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفنّاه لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إلى فلان وفلاناً أوصى بي إليك. قال: فأقم عندي فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فإلى من توصيني؟
فقال: أي بني، والله ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بعموريّة من أرض الروم ائته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه. فلما مات وواريته خرجت حتى قدمت على صاحب عموريّة، فوجدته على مثل حالهم فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات، ثم حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إلى فلان، وفلان أوصى بي إلى فلان، وفلان إلى فلان، وفلان إليك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصيني؟ فقال: أي بني والله ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه أمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبيّ يبعث من الحرم، مهاجره بين حرّتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مرّت رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: احملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب فأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها فحملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبداً من يهودي بوادي القرى.
وا بي أرض العرب فأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها فحملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبداً من يهودي بوادي القرى. فو الله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما خفيت عنّي، حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود بوادي القرى فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة. وفي لفظ: فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها. وفي رواية: اسمها خُليسة بنت فلان حليف بني النجّار. فو الله ما هو إلا أن رأيتها عرفتها، فعرفت نعته فأقمت في رقّي مع صاحبي في نخله. وفي رواية أنه مكث كذلك ستة عشر شهرا. قال: فو الله إني لفيها إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة، فو الله إنهم الآن لفي قباء يجتمعون على رجل جاءهم من مكة يزعمون أنه نبي. فو الله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء يعني الرّعدة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة وقال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. فقلت: لا شيء إلا أنني سمعت خبراً فأحببت أن أعلمه. فخرجت وسألت فلقيت امرأة من أهل بلادي فسألتها، فإذا أهل بيتها قد أسلموا، فدلّتني على رسول الله ﷺ، فأمسيت وكان عندي شيء من طعام فحملته وذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء فقلت: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحاباً غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة، فرأيتكم أحقّ من هذه البلاد فها هو ذا فكل. فأمسك رسول الله ﷺ يده وقال: لأصحابه كلوا ولم يأكل. فقلت في نفسي: هذه خلّة مما وصف لي صاحبي.
وفي حديث بريدة عند أحمد أن سلمان جاء بمائدة بط وفي رواية: بلحم جزور مثرود وفي رواية: بخلال. فوضعها بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «ما هذا يا سلمان؟» قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: «ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة» . وجاءه من الغد بمثله فوضعه بين يديه فقال: «ما هذا يا سلمان قال: هدية لك» فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «انشطوا» . وذكر ابن إسحاق أنه جاءه بتمر وأخبره بأنه صدقة يأكله. قال: ثم رجعت وتحوّل رسول الله ﷺ إلى المدينة فجمعت شيئاً كان عندي ثم جئت به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية وليست بصدقة. وفي رواية عند ابن إسحاق قال سلمان: كنت عبداً لامرأة فسألت سيدتي أن تهب لي يوماً، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر، فجئت به النبي ﷺ، فلما رأيت أنه لا يأكل الصدقة سالت سيدتي أن تهب لي يوماً آخر، فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي ﷺ فقبله وأكل منه. وفي الشمائل للترمذي أنه أتى بمائدة عليها رطب. فأكل رسول الله ﷺ فقلت: هذه خلّتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو في أصحابه فاستدرت لأنظر الخاتم الذي في ظهره، فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت شيئاً قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبّله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا فتحولت فجلست بين يديه فأحب أن يسمع أصحابه حديثي. فحدثته بمنزل كلثوم بن الهدم رضي الله تعالى عنه فقال: حدثني. فحدثته. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال النووي رحمه الله تعالى: وأول مشاهده الخندق. قال سلمان: ثم قال لي رسول الله ﷺ: كاتب يا سلمان. فكاتبت على خمسمائة فسيلة [ (١) ] . وفي رواية على ثلاثمائة وديّة [ (٢) ] أغرسها بالفقير وأقوم عليها حتى تطعم، وأربعين أوقية وأعانني أصحاب رسول الله ﷺ بالنخل ثلاثين وديّة وعشرين وديّة وعشراً كلّ رجل على قدر
ة وديّة [ (٢) ] أغرسها بالفقير وأقوم عليها حتى تطعم، وأربعين أوقية وأعانني أصحاب رسول الله ﷺ بالنخل ثلاثين وديّة وعشرين وديّة وعشراً كلّ رجل على قدر
ما عنده. فقال لي رسول الله ﷺ: «فقّر لها» فإذا فرغت فآذنّي حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي ففقّرت لها وأعانني أصحابي حتى فرغنا منها، فجاء رسول الله ﷺ فكنا نحمل إليه الوديّ ويضعه بيديه ويسوّي عليها التراب، فغرسها كلها إلا نخلة واحدة غرستها بيدي. وفي رواية: غرسها عمر. فأطعم النخل كلها من سنته إلا تلك النخلة. فقال رسول الله ﷺ: «من غرسها» ؟ قالوا: عمر فنزعها وغرسها بيده فحملت من عامها. فو الذي بعثه بالحق ما ماتت منها وديّة واحدة. وبقيت عليّ الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل بيضة الحمامة من ذهب، فقال لي رسول الله ﷺ: «خذ هذه يا سلمان فأدها عنك دينك» . فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما عليّ؟ فقلبها على لسانه ثم قذفها إلي ثم قال: «انطلق بها، فإن الله سيؤدّي بها عنك. فو الذي نفسي بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية من ذهب فأديتها وبقي عندي مثل ما أعطيتهم» . رواه الإمام أحمد وابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم وغيرهم [ (١) ] ، من طرق أدخلت بعضها في بعض وسقتها كما تقدم.
تنبيهات الأول: في رواية: أن سلمان من فارس. وفي رواية: من أهل إصبهان بكسر الهمزة وفتحها. وفي رواية: أنه من أهل جيّ بجيم مفتوحة فمثناة تحتية مشددة. وفي رواية: أنه من رامهرمز. والجمع بين هذه الروايات: أن جي مدينة أصبهان، وأنه ولد برامهرمز، وأصله من فارس كما صرح بذلك في رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن [ (٢) ] كما في تاريخ أبي نعيم ودلائله. الثاني: في رواية: أنه قدّم للنبي ﷺ تمرا. وفي رواية: رطباً. وفي رواية: خلالاً بفتح الخاء المعجمة، وهو البلح. وفي رواية: لحم جزور. وفي رواية: لحم بطّ. وليس بمنكر أن يكون سلمان قدّم ذلك إما في مجلس واحد فحدّث بهذا مرة وبهذا مرة، وإما في مجالس، كل واحد مما ذكر في مجلس، احتياطاً واستظهارا.
ة: لحم بطّ. وليس بمنكر أن يكون سلمان قدّم ذلك إما في مجلس واحد فحدّث بهذا مرة وبهذا مرة، وإما في مجالس، كل واحد مما ذكر في مجلس، احتياطاً واستظهارا.
الثالث: في بيان غريب ما سبق: الدهقان [ (١) ] : بكسر الدال المهملة وضمها: شيخ القرية العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض من الشجر، يلجأ إليه في معرفة ذلك وهو معرّب. رامهرمز: بفتح الميم الأولى وضم الهاء وفتح الميم الثانية وسكون الراء بعدهما زاي: كورة بالأهواز. البرطيل [ (٢) ] : بكسر الباء الموحدة: حجر عظيم مستطيل. الأسقفّ: بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمرّ دينهم، ويقال أسقف بالتخفيف أيضاً. العذق [ (٣) ] : بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة: النخلة. وبكسر العين الكباسة بكسر الكاف، وهو عنقود النخلة. بنو قيلة: بفتح القاف فمثناة تحتية ساكنة فلام مفتوحة، هي أم الأوس والخزرج العروراء [ (٤) ] ، بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فواو فراء مشددة فألف: الرّعدة من البرد والانتفاض. العرقاء: بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فقاف وألف ممدودة. لكمني: ضربني بجمعة واللكم: شبيه اللّكز. الشّملة: الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به. الرّق: العبودية. الفقير: بفاء مفتوحة فقاف مكسورة فياء: اسم لحديقة بالعالية بقرب بني قريّظة. وقد خفي ذلك على بعضهم فقال كما نقله أبو الفتح: [ (٥) ] : قوله: «بالفقير» الوجه: إنما بالتّفقير. قال السيد: والصواب بالفقير وهو اسم موضع. الوديّ: بكسر الدال المهملة وتشديد الياء: فراخ النخل. فقّرت: حفرت.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: عن عمر بن عبد العزيز [ (١) ] قال: حدثت عن سلمان أن صاحب عمّورية قال لسلمان حين حضرته الوفاة: ائت غيضتين من غيض الشام، فإن رجلاّ يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفي، فاسأله عن هذا الذي تسألني عنه. فخرجت حتى أقمت بها سنة حتى خرج تلك الليلة، فأخذت بمنكبه فقلت: رحمك الله [أخبرني عن] الحنيفية دين إبراهيم قال: قد أظلك زمان نبيّ يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم يبعث بذلك الدّين. فلما ذكر ذلك سلمان للنبي ﷺ قال: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت عيسى بن مريم. غيضتين: الغيضة: الشجر الملتف. قال السهيلي [ (٢) ] رحمه الله تعالى: وإسناد هذا الحديث مقطوع، وفيه رجل مجهول ويقال هو الحسن بن عمارة [ (٣) ] ، وهو ضعيف. فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه. فقد ذكر الطّبراني أن المسيح ﷺ نزل بعد ما رفع وأمّه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب تبكيان عليه، فكلمهما وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله تعالى رفعه، وأرسل إلى الحواريّين ووجّههم إلى البلاد. وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مراراً، ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر يكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح. قال الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه: «التحصيل والبيان في سياق قصة السيد سلمان» : وما نقله ابن جرير يحتاج إلى دليل. انتهى.
خنزير كما جاء في الصحيح. قال الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه: «التحصيل والبيان في سياق قصة السيد سلمان» : وما نقله ابن جرير يحتاج إلى دليل. انتهى.
قلت: ما ذكره ابن جرير رواه في تفسيره عبد بن حميد [ (١) ] وابن المنذر من طريق آخر عن وهب بن منبّه. وروى البخاري والبيهقي عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنه تداوله بضعة عشر رباً من ربّ إلى رب. ونقل السهيلي عن مصنّف حماد بن سلمة [ (٢) ] رحمه الله تعالى أن الذين صحب سلمان من النصارى كانوا على الحق، على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ثلاثين يداولونه سيداً بعد سيد. قال الذهبي رحمه الله تعالى: وجدت الأقوال في سنّ سلمان كلها دالة على أنه جاوز المائة والخمسين، والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما جاوز الثمانين. قال الحافظ: لم يذكر مستنده في ذلك، وأظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد إعلامه النبي ﷺ وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك، مما يدل على بقاء بعض النشاط. لكن إن ثبت ما ذكره يكون ذلك من خوارق العادات في حقه، وما المانع من ذلك؟. فقد روى أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث العباس بن يزيد قال: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فأما مائتين وخمسين فلا يشكّون فيها. انتهى. وروى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة [ (٣) ] قال: حدثنا أشياخ شتّى قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أهل وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيّاً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى رسوله ﷺ اتبعناه وكفروا به، ففيهم أنزل الله وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود خيبر تقاتل يهود غطفان، فلما
ءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت يهود خيبر تقاتل يهود غطفان، فلما
التقوا انهزمت يهود خيبر. فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله ﷺ كفروا به، فأنزل الله ﷿: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. رواه الحاكم والبيهقي. وعن سلمة بن سلامة بن وقش [ (١) ] بفتح الواو والقاف وإسكانها وبالشين المعجمة رضي الله تعالى عنه قال: كان بيننا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، وذلك قبل مبعث النبي ﷺ، فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أن الناس مبعوثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون من أعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به لوددت أن يكون حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنّور في داركم فتحموه ثم تقذفوني فيه ثم تطيّنوا عليّ وأن أنجو من تلك النار غداً. قالوا: فما علامة ذلك؟ قال: نبيّ يبعث من ناحية هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: فما الذي تراه. فرمى بطرفه إليّ وأنا أحدث القوم فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث رسول الله ﷺ، وأنه لحيّ بين أظهرنا، فآمنا به وصدقناه وكفر به بغياً وعناداً، فقلنا له: يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت وأخبرتنا به؟ قال: ليس به. رواه ابن إسحاق، والبخاري في التاريخ وصححه الحاكم. قوله: إن يستنفد بكسر الفاء ودال مهملة أي يستكمل. وروى عن محمد بن عدي [ (٢) ] أنه سأل أباه كيف سمّاه في الجاهلية محمداً؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجر، فأشرف علينا
ديرانيّ [ (١) ] فقال: من أنتم؟ قلنا: من مضر. فقال: أمّا إنه سوف يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين. فقلنا: ما اسمه؟ فقال: محمد. فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمداً. رواه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم [ (٢) ] . وشيكاً: أي قريباً. وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيب [ (٣) ] رحمه الله تعالى قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهّان أن نبيا يبعث من العرب اسمه محمد، فسمّى من بلغه ذلك من ولد له محمداً، طمعا في النبوة. وروى الطبراني والبيهقي عن أبي سفيان بن حرب [ (٤) ] رضي الله تعالى عنه قال: خرجت أنا وأمية بن أبي الصّلت [ (٥) ] إلى الشام، فمررنا بقرية فيها نصارى، فلما رأوا أمية عظّموه وأكرموه
وأرادوه على أن ينطلق معهم، فقال لي أمية: يا أبا سفيان انطلق معي فإنك تمضي إلى رجل قد انتهى إليه علم النصرانية فقلت: لست أنطلق معك. فذهب ورجع وقال: تكتم عليّ ما أحدثك به؟ قال: نعم. قال: حدّثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب: أن نبيّاً مبعوث، فظننت أنني هو، فقال: ليس منكم، هو من أهل مكة. قلت: ما نسبه؟ قال: وسط قومه. وقال لي: إن آية ذلك أن الشام قد رجفت بعد عيسى ثمانين رجفة، وبقيت رجفة يدخل على أهل الشام منها شر ومصيبة: فلما صرنا قريبا من ثنيّة إذا راكب قلنا: من أين؟ قال: من الشام. قلنا: هل كان من حدث؟ قال: نعم، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر ومصيبة. وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت جالسا بفناء الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل [ (١) ] قاعد، فمرّ به أمية بن أبي الصّلت فقال: أما إن هذا النبي الذي- ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين. قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبيّ ينتظر فلا يبعث. فخرجت أريد ورقة بن نوفل [ (٢) ] فقصصت عليه الحديث فقال: نعم يا بن أخي، أخبرنا أهل الكتاب والعلماء، إن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا، ولي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم وما يقول النبي؟ قال يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يُظالم. قال: فلما بعث رسول الله ﷺ آمنت وصدقت.
لي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم وما يقول النبي؟ قال يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يُظالم. قال: فلما بعث رسول الله ﷺ آمنت وصدقت. فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: ناحية من الشام.
وعن زيد بن حارثة [ (١) ]- رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له النبي ﷺ: «ما لي أرى قومك قد شنفوك؟» قال: أما والله إن ذلك لبغير ثائرة كانت منّي إليهم، ولكن أراهم على ضلالة فخرجت أبتغي هذا الدّين حتى أتيت على شيخ بالجزيرة فأخبرته بالذي خرجت له، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل بيت الله. قال: فإنه قد خرج في بلدك نبي أو خارج قد طلع نجمه، فارجع فصدّقه وآمن به. فرجعت فلم أحس بشيء بعد. قال: ومات زيد بن عمرو قبل أن يبعث رسول الله ﷺ. رواه أبو يعلى [ (٢) ] والطبراني والحاكم وصححه [ (٣) ] . شنفوك بفتح الشين المعجمة وكسر النون: أي أبغضوك. ولغير ثائرة: أي لم أصنع لهم شرّاً. وعن عامر بن ربيعة [ (٤) ]- رضي الله تعالى عنه- إن زيد بن عمرو بن نفيل قال: خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد، فأنا أنتظر نبيّاً من ولد إسماعيل اسمه أحمد، ولا أراني أدركه، فأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فأقره مني السلام، وأخبرك يا عامر ما نعته حتى لا يخفى عليك: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليس يفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني بلغت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم وكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك. وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبيّ غيره. قال عامر: فلما تنبأ رسول الله ﷺ وأخبرته، فقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيله. رواه ابن سعد وأبو نعيم [ (٥) ] .
ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبيّ غيره. قال عامر: فلما تنبأ رسول الله ﷺ وأخبرته، فقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيله. رواه ابن سعد وأبو نعيم [ (٥) ] .
وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: إن ربيعة بن نصر الّلخمي رأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجماً من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقيل له: إن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح [ (١) ] وشقّ [ (٢) ] ، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانك بما تسأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شقّ، فقال: إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال: رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة، فأكلت كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش فليهلكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك: وأبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن: قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ يأتيه الوحي من قبل العليّ. قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من بني غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد به المحسنون ويشقى به المسيئون. قال: أحقّ ما تخبرني به؟ قال: نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتّسق إن ما أنبأتك به لحقّ.
ثم قدم عليه شقّ فقال له كقوله لسطيح، وكتم ما قاله سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا شقّ، فما عندك في تأويلها؟. قال: أحلف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة [ (١) ] البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال له: الملك: فمتى هو كائن؟ في زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن، ويذيقهم كأس الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مدنّ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدّين والفضل يكون الملك فيه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات يستمع، منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتّقى الفوز والخيرات. فقال: أحق ما تقول؟ قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحقّ ما فيه أمض. قوله: فظع بها. الرواية بضم الفاء وفتحها. وصوّب أبو ذر الخشني الفتح بوزن علم يقال: فظع بالشيء إذا رآه أمراً عظيماً. والعيافة [ (٢) ] : زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها. والحممة [ (٣) ] : بضم الحاء وفتح الميمين وجمعها حمم وإنما أراد فحمة فيها نار، ولذلك قال: فأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس. وظلمة: أصلها مسكّن وإنما حركت للسّجع قال السهيلي رحمه الله تعالى: وذلك أن الحممة قطعة من نار، وخروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان. أرض تهمة بفتح التاء وكسر الهاء يعني واسعة منخفضة، وأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس، ولم يقل ذي جمجمة لأن القصد النفس والنّسمة، فهي أعم، ولو جاء بالتذكير لكان مختصا بالإنسان.
ر الهاء يعني واسعة منخفضة، وأكلت منها كل ذات جمجمة أي رأس، ولم يقل ذي جمجمة لأن القصد النفس والنّسمة، فهي أعم، ولو جاء بالتذكير لكان مختصا بالإنسان.
والحرّة: بفتح الحاء المهملة: أرض غليظة تركبها حجارة سود وإنما حلف بالحنش وهي من الحيات لما يحكى أن الجن تتشكل وتتصور فيها. أبين بفتح الهمزة فباء موحدة ساكنة فمثناة تحتية فنون: موضع باليمن. جرش بضم الجيم وفتح الراء وشين معجمة: أرض باليمن أيضاً. عدن: اسم بلد بها. الغسق [ (١) ] : الظّلمة. الفلق [ (٢) ] الصبح. اتسق: تتابع وتوالى. الأكمة: الكدية. ويروي: كل ذات نسمة بالرفع هنا وفي الأولى. قال الخشنيّ: والصواب النصب، لأن الجمجمة هنا هي الآكلة وليست المأكولة، ولذلك فسرها بالحبشة الذين غلبوا على اليمن. طفلة بفتح الطاء واللام وسكون الفاء بينهما. البنان: أطراف الأصابع، وقد يعبر بها عن الأصابع كلها. قال في الصحاح: الطّفل بالفتح: الناعم. يقال: جارية طفلة أي ناعمة. وبنان طفل وإنما جاز أن يوصف البنان وهو جمع بالطفل وهو واحد: لأن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يوحّد ويذكّر. نجران [ (٣) ] ، بنون مفتوحة وجيم ساكنة: قال أبو عبيد البكري [ (٤) ] : مدينة بالحجاز من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أول من نزلها وقال في النهاية: موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن. وبغلام ليس بدنيّ ولا مدنّ بضم الميم وفتح الدال المهملة- وهو بنون، وسكّنه هنا للسجع، قال الخشني: هو المقصّر في الأمور. وقال غيره: هو الذي جمع الضعف مع الدناءة. وما فيه أمض [ (٥) ] : بفتح الهمزة وسكون الميم والضاد المعجمة أي ما فيه شكّ ولا ارتياب.
و المقصّر في الأمور. وقال غيره: هو الذي جمع الضعف مع الدناءة. وما فيه أمض [ (٥) ] : بفتح الهمزة وسكون الميم والضاد المعجمة أي ما فيه شكّ ولا ارتياب.
قال السهيلي رحمه الله تعالى: كان سطيح جسداً ملقىً لا جوارح له فيما يذكرون. قال وكذلك شقّ إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة. ويروى عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- أنه قال: قيل لسطيح: أنّى لك هذا العلم؟ فقال لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلّم الله تعالى فيه موسى فهو يؤدّي إلي من ذلك ما يؤديه. وولد شقّ وسطيح في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة [ (١) ] ، ودعت بسطيح قبل أن تموت، فأتيت به فتفلت في فيه وأخبرت أنه سيخلفها في علمها وكهانتها، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق. ودعت بشقّ ففعلت به مثل ما فعلت بسطيح ثم ماتت وعمر سطيح زماناً طويلاً حتى أدرك مولد النبي ﷺ ورأى كسرى أنو شروان. قلت: روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خلق الله سطيحاً لحماً على وضم، وكان يحمل على وضمة فيؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق والكفيّن. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوي الثوب، ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه. الوضم بفتحتين: كل شيء يحمل عليه اللحم من خشب أو باريّة. وروى ابن عساكر: بلغني أن سطيحاً ولد في أيام سيل العرم وتوفي في العام الذي ولد فيه سيدنا رسول الله ﷺ وإنه عاش خمسمائة سنة. وقيل ثلاثمائة سنة. وروى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي نملة- رحمه الله تعالى- قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم ويعلّمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلى المدينة. فلما ظهر رسول الله ﷺ حسدوه وبغوا وأنكروا [ (٢) ] .
يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم ويعلّمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلى المدينة. فلما ظهر رسول الله ﷺ حسدوه وبغوا وأنكروا [ (٢) ] . وروى ابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقناة بعث إلى أحبار يهود فقال: إني مخرّب هذا البلد. فقال له سامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إن هذا البلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل مولده بمكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى والجراح أمر يكثر في أصحابه وفي عدوّهم. قال تبّع: ومن يقاتله يومئذ؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون هاهنا. قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل لمن تكون الدّبرة؟ قال: تكون مرة له ومرة عليه، وبهذا الذي أنت به
تكون عليه ويقتل أصحابه مقتلة لم يقتلوا في موطن مثلها، ثم تكون له العاقبة ثم يظهر فلا ينازعه في هذا الأمر أحد. قال: وما صفته؟ قال: رجل لا بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يركب البعير ويلبس الشّملة سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى أخاً أو ابن عم أو عمّاً حتى يظهر أمره. قناة بقاف مفتوحة بعدها نون: قال البكري: واد من أودية المدينة. وذكر ابن ظفر [ (١) ] عن سفيان بن مجاشع أنه رأى قوما من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم فسمعها تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه. فقال سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب حلّ وحرم وهدى وعلم، وبطش وحلم، وحرب وسلم، رأس رؤوس وأبيض شموس وماحي بوس وماهد وعوس، وناعش متعوس. فقال سفيان: لله أبوك من هو؟ قالت، نبيّ مؤيّد، قد أتى حين يوجد. ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفنّد، اسمه محمد. فقال سفيان: لله أبوك أعرابي هو أم عجمي؟ أما والسماء ذات العنان والشجرات ذات الأفنان إنه لمن معد بن عدنان. فقدك يا سفيان. فأمسك عنها ثم ولد له غلام فسماه محمداً رجاء أن يكون الموصوف.
تفسير الغريب خالاه: بالخاء المعجمة: برئ منه وتركه. حلّ وحرم: أي حلال وحرام. رأس رؤوس: أي سيد سادة. والرأس: السيد. ماحي بوس: أي مذهبه. والمحو: القشر. وبه سميت الممحاة [ (٢) ] . الوعوس [ (٣) ] : جمع وعس وهو من صفة الرمل الذي يشقّ السّير فيه. ناعش: بالنون والشين المعجمة من نعشه الله نعشا: رفعه. المتعوس: العاثر، والمستعمل في هذا: تعس وأتعسه الله فجاء على مثال مسعود.
ل الذي يشقّ السّير فيه. ناعش: بالنون والشين المعجمة من نعشه الله نعشا: رفعه. المتعوس: العاثر، والمستعمل في هذا: تعس وأتعسه الله فجاء على مثال مسعود.
لا يفند: أي لا يخطّأ ولا يضعّف رأيه. العنان بفتح العين المهملة بعدها نون: السحاب، الواحدة عنانة. الأفنان: هي الأغصان، الواحدة: فنن. فقدك يا سفيان: أي حسبك وكفاك. وروى عن عمرو بن عبسة [ (١) ]- بعين وبسين مهملتين بينهما باء موحدة مفتوحات- رضي الله تعالى عنه: قال رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، ورأيت الباطل يعبدون الحجارة، فلقيت رجلاً من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدّين فقال: يخرج رجل بمكة ويرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، وهو يأتي بأفضل الدين فإذا سمعت به فاتبعه. فلم يكن بي همّ إلا مكة آتيها فأسأل: هل حدث فيها أمر؟ فيقولون لا. فإني لقاعد على الطريق إذا مرّ بي راكب فقلت: من أين جئت؟ قال: من مكة. قلت: هل حدث فيها خبر؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها. فقلت: صاحبي الذي أريد. فأتيته فوجدته مستخفياً، فقلت: ما أنت؟ قال: نبي. قلت: وما النبي؟ قال: رسول. قلت: من أرسلك؟ قال: الله. قلت: بماذا أرسلك؟ قال: أن توصل الأرحام وتحقن الدماء وتؤمن السبل وتكسر الأوثان ويعبد الله ولا يشرك به شيئاً. قلت: نعم ما أرسلك به، أشهدك أني قد آمنت بك وصدّقتك أفأمكث معك ما ترى؟ قال: ترى كراهة الناس لما جئت به فامكث في أهلك، فإذا سمعت أني قد خرجت مخرجا فاتبعني. فلما سمعت به ﷺ خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر [ (٢) ] .
به فامكث في أهلك، فإذا سمعت أني قد خرجت مخرجا فاتبعني. فلما سمعت به ﷺ خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر [ (٢) ] . وروى أبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بلغني أن بني إسرائيل لمّا أصابهم ما أصابهم من ظهور بختنصّر- وفرقتهم وذلّهم تفرّقوا، وكانوا يجدون محمدا رسول الله ﷺ مبعوثاً في كتبهم وأنه سيظهر في بعض القرى العربية في أرض ذات نخل، ولما خرجوا من أرض الشام جعلوا يتقرّون كلّ قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب، فنزل بها طائفة منهم ويرجون أن يلقوا محمدا ﷺ فيتبعونه، حتى نزل من بني هارون بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد ﷺ أنه جاء ويحثّون أبناءهم على إتّباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه. بخت بضم الموحدة وإسكان الخاء المعجمة ثم مثناة فوقية ونصّر بفتح النون والصاد
المهملة المشددة. قال في القاموس: بخت معناه: ابن. ونصّر كبقّم كان عند الصنم ولم يوجد له أب فنسب إليه. وروى أبو نعيم عن حسان بن ثابت [ (١) ]- رضي الله تعالى عنه- أنه قال: والله إني لفي منزلي وأنا ابن سبع سنين وأنا أحفظ ما أرى وأعي ما أسمع وأنا مع أبي إذ دخل علينا فتى منا يقال له ثابت بن الضحاك، فتحدث فقال: زعم يهودي في بني قريظة الساعة وهو يلاحيني: قد أظلّ زمان خروج نبيّ يأتي بكتاب مثل كتابنا يقتلكم قتل عاد وإرم. قال حسان: فو الله إني لعلى فارع، يعني أطماً، في السّحر إذ سمعت صوتا لم أسمع قط صوتاً أنفذ منه، فإذا يهوديّ على ظهر أطم من آطام المدينة معه شعلة من نار، فاجتمع إليه الناس فقالوا: ما لك ويلك: قال: هذا كوكب أحمد قد طلع، هذا كوكب لا يطلع إلا للنبوة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد. قال: فجعل الناس يضحكون ويعجبون بما يأتي به. وكان حسان- رضي الله تعالى عنه- عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام. يلاحيني: أي يخاصمني وينازعني. الفارع بالفاء والراء والعين المهملتين: المرتفع العالي. والأطم بالضم: بناء مرتفع.
نة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام. يلاحيني: أي يخاصمني وينازعني. الفارع بالفاء والراء والعين المهملتين: المرتفع العالي. والأطم بالضم: بناء مرتفع. وروى الواقديّ وأبو نعيم عن حويصة بن مسعود [ (٢) ]- رضي الله تعالى عنه- وهو بضم الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، وقيل يجوز تخفيفها، قال: كنا ويهود فينا كانوا يذكرون نبيّاً يبعث بمكة اسمه أحمد، ولم يبق من الأنبياء غيره، وهو في كتبنا وما أخذ علينا صفته كذا وكذا. حتى يأتوا على نعته. قال: وأنا غلام وما أرى أحفظ وما أسمع أعي إذ سمعت صياحاً من ناحية بني عبد الأشهل، فإذا قوم فزعوا وخافوا أن يكون أمر حدث، ثم خفي الصوت ثم عاد فصاح ففهمنا صياحه: يا أهل يثرب هذا كوكب أحمد الذي ولد به. قال:
فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهراً طويلاً ونسينا ذلك، فهلك قوم وحدث آخرون وصرت رجلاً كبيراً، فإذا مثل ذلك الصياح بعينة: يا أهل يثرب قد خرج محمد وتنبأ وجاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵊. فلم أنشب أن سمعت أن بمكة رجلاً خرج يدّعي النبوّة، وخرج من خرج من قومنا وتأخر من تأخر وأسلم فتيان منا أحداث ولم يقض لي أن أسلم، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة [ (١) ] . أنشب: أي لم ألبث. وروى أبو نعيم عن أبي سعيد مالك بن سنان الخدري [ (٢) ] بالخاء المعجمة والدال المهملة- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت أبي يقول: جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظلّ خروج نبيّ يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقيل له: ما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة يلبس الشّملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه، وهذه البلد مهاجره. فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا أتعجّب مما قال، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟ كلّ يهود يثرب تقول هذا. فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي ﷺ فقال الزّبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد وهذه مهاجره. أظل: قرب. وروى ابن عساكر عن كعب- رحمه الله تعالى- قال: كان إسلام أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- سببه وحي من السماء، وذلك أنه كان تاجراً بالشام فرأى رؤيا فقصّها على بحيرى الراهب فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة. قال: من أيّها؟ قال: من قريش. قال: فأيّ شيء أنت؟ قال: تاجر. قال: صدق الله تعالى رؤياك، فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته بعد موته. فأسرّها أبو بكر حتى بعث النبي ﷺ فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام. فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أنك رسول الله.
. فأسرّها أبو بكر حتى بعث النبي ﷺ فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام. فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أنك رسول الله.
وروى أبو نعيم والبيهقي من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قال: لما ظهر سيف ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين، أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. وأتاه وفد قريش منهم عبد المطلب بن هاشم [ (١) ] وأمية بن عبد شمس [ (٢) ] وعبد الله بن جدعان [ (٣) ] وأسد بن عبد العزى [ (٤) ] ووهب بن عبد مناف [ (٥) ] وقصيّ بن عبد الدار [ (٦) ] ، فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له غمدان، وهو الذي قال فيه أمية بن أبي الصّلت الثقفي: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دار منك مهلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا برديك بعد أبوالا [ (١) ] قال: والملك متضمّخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتدياً بأحدهما مؤتزراً بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وعن شماله الملوك والمقاول. وأخبر بمكانهم فأذن لهم فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنّا لك. فقال: إن الله ﷿ قد أحلّك أيها الملك محلاً رفيعاً شامخاً باذخاً منيعاً، وأنبتك نباتاً طابت أرومته وعظمت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت أبيت الّلعن ملك العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟
لذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: أدنه. ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً- فأرسلها مثلاً، وكان أول من تكلم بها- وناقةً ورحلاً ومستناخاً سهلا وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم. ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجري عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهراً لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالانصراف. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سرّ علمي أمراً لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه، فليكن عندك مخبّأ حتى يأذن الله ﷿ فيه، إني أجد في الكتاب المكتوب والعلم المخزون الذي ادّخرناه لأنفسنا واحتجيناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيماً فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامةً ولرهطك كافةً ولك خاصةً. فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سرّ وبرّ: فما هو؟ فداك أهل الوبر زمراً بعد زمر. قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه
شامة، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من سارّه إياي كيما أزداد به سروراً. فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جدّه وعمّه، ولدناه مراراً والله باعثه جهاراً وجاعل له منا أنصاراً، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم أهل الأرض، يعبد الرحمن ويدحض أو يدحر الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان. قوله فصل وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عزّ جدّك ودام ملكك وعلا كعبك، فهل الملك سارّي بإفصاح فقد وضح لي بعض الأيضاًح قال له سيف بن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النّقب إنك لجدّه يا عبد المطلب غير كذب. قال: فخرّ عبد المطلب ساجداً، فقال له سيف بن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرته لك؟ قال: نعم أيها الملك إنه كان لي ابن وكنت به معجباً وعليه رفيقاً وإني زوّجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة [ (١) ] ، فجاءت بغلام فسمّيته محمداً مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. فقال له سيف بن ذي يزن: إن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من ابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا واطو ما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تتداخلهم النّفاسة من أن تكون لهم الرياسة، فينصبون له الحبائل ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولولا إني أقيه من الآفات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنّه أمره ولأوطأت على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. ثم دعا بالقوم وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود وعشرة إماء سود وحلّتين من حلل
أوطأت على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. ثم دعا بالقوم وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود وعشرة إماء سود وحلّتين من حلل
البرود، وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة ومائة من الإبل، وكرش مملوءاً عنبراً، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. ثم قال: إذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره. قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول. قال: وكان كثيرا ما يقول عبد المطلب: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو؟ سيعلم ما أقول ولو بعد حين. قال البيهقي- رحمه الله تعالى-: وقد روى هذا الحديث أيضاً عن الكلبي [ (١) ] عن أبي صالح [ (٢) ] عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
تفسير الغريب بلاؤه: أي إحسانه. مرتفقاً: أي متكئاً أو من الرّفق. غمدان بضم الغين المعجمة: قصر باليمن. محلالاً من الحلول ويروي مهلالاً أي متهلّلاً. شالت نعامتهم: قال في النهاية: النعامة: الجماعة إذا تفرقوا. وفي الصحاح: يقال للقوم إذا ارتحلوا عن مياههم أو تفرّقوا: قد شالت نعامتهم. متضمّخ: متلطخ. العبير بعين مهملة فباء موحدة فمثناة تحتية: نوع من الطيب. يلصف بالصاد المهملة والفاء: مضارع لصف لصفاً ولصيفاً إذا برق. الوبيص: البرق أيضاً. المقاول: جمع قيل وهو الملك من ملوك حمير: دون الملك الأعظم. شامخاً: مرتفعاً باذخاً بالذال والخاء المعجمتين: أي عالياً. الأرومة وزن الأكولة: الأصل. الجرثومة بضم الجيم والثاء المثلثة الأصل أيضاً. بسق: طال. أبيت اللعن: أي أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه. فدحنا بفاء فدال فحاء مهملتين فنون مفتوحات. أثقلنا. السّدنة: بسين فدال مهملتين فنون: الخدمة. ربحلاً: براء مكسورة فموحدة فحاء مهملة مفتوحة: الكثير العطاء. أهل الليل والنهار: أي لا يحجبون ليلاً ولا نهاراً. الحباء بكسر الحاء المهملة وبالمد: العطاء. احتجيناه بحاء مهملة فمثناة فوقية فجيم فتحتية فنون أي أكتتمناه. أبت بكسر أوله. رجعت. سارّه إياي: أي مساررته لي. النّقب بضم النون جمع نقب وهو الطريق. الزعامة بفتح الزاي: أي السيادة.
ية فجيم فتحتية فنون أي أكتتمناه. أبت بكسر أوله. رجعت. سارّه إياي: أي مساررته لي. النّقب بضم النون جمع نقب وهو الطريق. الزعامة بفتح الزاي: أي السيادة.
عن عرض: بضم العين المهملة أي لا يبالون من لقوا دونه ولا يخافون أحدا بل يضربون كلّ من عرض لهم دونه بشرّ. وعرض الشيء ناحية منه. علا كعبك: هو دعاء له بالشرف والعلوّ، والأصل فيه كعب القناة وهو أنبوبتها، وما بين كل عقدتين منها كعب، وكل شيء علا وارتفع فهو كعب. مجتاحي بجيم فمثناة فوقية وحاء مهملة: أي مستأصلي ومهلكي. وروى أبو نعيم عن طريق محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه. قالوا: بينما عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقفّ نجران، وكان صديقا له وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا. وأتى رسول الله ﷺ فنظر إليه الأسقف وإلى عينه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هو منك؟ قال: ابني. قال: لا، ما نجد أباه حيا. قال: هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به. فقال: صدقت. قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه. والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية.
الباب العاشر في بعض منامات رئيت تدل على بعثته ﷺ روى أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده قال: سمعت أبا طالب [ (١) ] يحدّث عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعاً شديداً فأتيت كاهنة قريش وعليّ مطرف خزّ وجمّتي تضرب منكبي فقلت لها إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نوراً أزهر منها، أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفاً، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين وهي تزداد كلّ ساعة- عظماً ونوراً وارتفاعاً، ساعةً تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطاً من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوماً من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شابّ لم أر قط أحسن منه وجهاً ولا أطيب منه ريحاً فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أقدر فقلت: لمن النصيب؟ قال: النصيب لهؤلاء الذين تعلّقوا بها. وسبقوك. فانتبهت مذعوراً. فرأيت وجه الكاهنة قد تغيّر ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجنّ من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس. فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود. فكان أبو طالب يحدّث بهذا الحديث والنبي ﷺ قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين. فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول السّبّة والعار [ (٢) ] . وذكر ابن ظفر أن مرثد بن عبد كلال رأى رؤيا أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه فلما انتبه نسيها حتى ما يذكر منها شيئاً، ثم إنه أحضر الكهّان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول: أخبرني عمّا أريد أن أسالك عنه. فيجيبه الكاهن بأنه لا علم عنده عنها. فلم يكن عند واحد منهم جوابها، ثم إنه خرج يتصيد بعد ذلك فأوغل في طلب الصيد وانفرد عن أصحابه، فرفعت له أبيات في ذرى جبل فقصد بيتا منهاً، فبرزت له عجوز فقالت له: بالرّحب والسّعة والجفنة المدعدعة والعلبة المترعة. فنزل فلما احتجب عن الشمس نام فلم يستيقظ حتى تصرّم الهجير، فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالاً فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام؟ فخاف على نفسه لمّا رأى أنها عرفته فقالت: لا حذر فداك البشر. وقرّبت إليه
ة لم ير مثلها جمالاً فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام؟ فخاف على نفسه لمّا رأى أنها عرفته فقالت: لا حذر فداك البشر. وقرّبت إليه
ثريداً وقامت تذبّ عنه حتى انتهى أكله، ثم سقته لبناً صريفاً وضريباً، فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسناً وقلبه هوىّ فسألها عن اسمها فقالت: عفيراء. فقال: يا عفيراء من الذي دعوتيه بالملك الهمام؟ فقالت: مرثد العظيم الشأن حاشر الكواهن والكهّان، لمعضلة بعل بها الجان. قال يا عفيراء أتعلمين ما تلك المعضلة؟ فقالت: نعم أيها الملك، إنها رؤيا منام ليس بأضغاث أحلام، رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع روي جارع وغرق كارع، وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع هلموا إلى المشارع. قال الملك: نعم هذه رؤياي فما تأويلها؟ قالت: الزّوابع: ملوك تتابع. والنهر: علم واسع. والداعي: نبيّ شافع. والجارع: وليّ له تابع. والكارع: عدوّ له منازع فقال الملك: أسلم هذا النبيّ أم حرب؟ فقالت: أقسم برافع السماء ومن أنزل الماء من العماء إنه لمبطل الدماء ومنطق العقائل نطق الإماء. قال الملك: إلى ماذا يدعو؟ قالت: إلى صيام وصلاة وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. قال الملك: من قومه؟ قالت: مضر بن نزار [ (١) ] ولهم نقع مثار يجلّى عن قتل وإسار. قال: يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده؟ قالت: أعضاده غطاريف يمانون طائرهم به ميمون يعزّيهم فيعزّون ويدمّث بهم الحزون وإلى نصر يعتزون. فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت أبيت اللعن إن تابعي غيور، ولأمري صيّور وناكحي مقبور، والكلف بي تبور. فنهض الملك مبادراً فجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء.
فقالت أبيت اللعن إن تابعي غيور، ولأمري صيّور وناكحي مقبور، والكلف بي تبور. فنهض الملك مبادراً فجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء.
تفسير الغريب أوغل في طلب كذا: تابع في ذلك. والوغول: الدخول في الشيء بالقوة. الذّرى: بوزن الحصى: كل ما يستتر به الشخص. والذروة بالكسر والضم من كل شيء أعلاه. والجفنة المدعدعة [ (٢) ] : هي التي ملئت ثم حرّكت حتى تراصّ ما فيها ثم ملئت بعد ذلك والعلبة المترعة: هي إناء من جلد والإتراع: الامتلاء. الأرواح: الرياح. الصّريف: اللبن المحض يحلب أوان الحلاب يصرف عن الضرع إلى
الشارب. الضّريب من اللبن. الرائب يحلب عليه فيستضرب أي يغلظ. بعل بها الجانّ: بفتح الباء وكسر العين المهملة بعدها لام، قال في النهاية: بعل بالأمر إذا دهش. أعاصير زوابع: هي من الرياح ما يثير التراب فيعليه في الجو ويثيره. ساطع: مرتفع. الجرس: الصوت. المشارع: المداخل إلى النهر. روي جارع: أي من شرب منه جرعا روي. وغرق كارع: أي من أمعن غرق. تتابع: جمع تبّع، وهو لقب كان لملوك اليمن وهو من الأتباع، لأن بعضهم كان يتبع في الملك والسّيرة بعضاً. والتّبع زعموا أنه اسم للظل. العماء: الغيم والغمام. العقائل: الكرائم من النساء يسبيهنّ فيشددن النّطق على أوساطهن للمهنة والخدمة. النّقع: الغبار يثيره المتحاربون والخيل وغيرها. الأعضاد: الأنصار الغطاريف [ (١) ] : السادة والتغطرف: التكّبر. يدمّث: يسهل، يعتزون: ينتسبون. يؤامر نفسه: هكذا يقال ويراد به يعارض الرأيين المتضادّين في النفس. ولأمري صيّور: أي عاقبة يصير إليها، يقولونه على جهة التعظم. جال: وثب. الصّهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس. كوماء [ (٢) ] : عظيمة السّنام.
دّين في النفس. ولأمري صيّور: أي عاقبة يصير إليها، يقولونه على جهة التعظم. جال: وثب. الصّهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس. كوماء [ (٢) ] : عظيمة السّنام. وروى ابن سعد وابن الجوزي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص [ (٣) ] رضي الله تعالى عنها قالت، قبيل مبعث النبي ﷺ: كان خالد بن سعيد بن العاص [ (٤) ] ذات ليلة نائماً فقال: رأيت كأنه قد غشيت مكة ظلمة عظيمة حتى لا يبصر امرؤ كفّه، فبينما هو كذلك إذ خرج نور من زمزم ثم علا في السماء فأضاء في البيت، ثم أضاءت مكة كلها ثم ضرب إلى نخل يثرب فأضاءها حتى إني لأنظر إلى البسر في النخل. فاستيقظت فقصصتها على أخي
عمرو بن سعيد [ (١) ] وكان جزل الرأي فقال: يا أخي إن هذا لأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حفرة أبيهم. قال خالد: فإنه لمِمّا هداني الله للإسلام. قالت أم خالد: فأول من أسلم ابني وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله ﷺ قال يا خالد: أنا والله ذلك النور وأنا رسول الله. فقصّ عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وأسلم عمرو بعده. وروى ابن سعد عن حرام بن عثمان الأنصاري [ (٢) ]- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم أسعد بن زرارة [ (٣) ] من الشام تاجراً في أربعين رجلا من قومه، فرأى رؤيا أن آتياً أتاه فقال: إن نبياً يخرج بمكة يا أبا أمامة فاتبعه وآية ذلك أنكم تنزلون منزلا فيصاب أصحابك فتنجو أنت وفلان يطعن في عينه. فنزلوا منزلاً فبيّتهم فيه الطاعون فأصيبوا جميعاً غير أبي أمامة وصاحب له طعن في عينه. وروى أيضاً وابن الجوزي، عن عمرو بن مرة الجهني [ (٤) ] رضي الله تعالى عنه قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نوراً ساطعاً خرج من الكعبة حتى أضاء لي من الكعبة إلى جبل يثرب وأشعر جهينة فسمعت صوتاً في النور وهو يقول: انقشعت الظلم وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتاً في النور وهو يقول: ظهر الإسلام وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام. فانتبهت فزعاً فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث. وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا خبر أن رجلا يقال له أحمد قد بعث. فخرجت حتى أتيته فأخبرته بما رأيت فقال: يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج بيت الله وصيام
فقال: يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج بيت الله وصيام
شهر رمضان شهر من اثني عشر شهراً، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم. فقلت يا رسول الله، آمنت بما جئت به من حلال وحرام. ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وهي: شهدت بأنّ الله حقّ وأنّني ... لآلهة الأصنام أوّل تارك لأصحب خير النّاس نفساً ووالداً ... رسول مليّك الناس فوق الحبائك وروى أبو نعيم عن كعب ووهب بن منبّه رحمهما الله تعالى قالا: رأى بختنصّر في منامه رؤيا عظيمة أفزعته فلما استيقظ أنسيها، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه وسألهم أن يعبروها له، فقالوا: قصها علينا. فقال: قد نسيتها. قالوا: فإنا لا نقدر على تأويلها حتى تقصّها. فدعا دانيال فأخبره بها فقال إنك قد رأيت صنماً عظيماً رجلاه في الأرض ورأسه في السماء أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخّار، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قنّة رأسه، قذفه حتى طحنه فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخّاره، حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ولو هبّت ريح لأذرته، ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلّها، فصرت لا ترى إلا السماء. والحجر. قال بختنصّر: صدقت، هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ قال: أمّا الصنم. فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره. وأما الحجر الذي قذف الله به الصنم فدين الله تعالى يقذف به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، فيبعث الله تعالى نبيا أميّاً من العرب فيدوّخ الله تعالى به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوّخ أصناف الصنم، ويظهر على الأديان كما رأيت الحجر ظهر على وجه الأرض. قال في الصحاح: داخ البلاد يدوخها قهرها واستولى على أهلها وكذلك دوّخ البلاد.
جر دوّخ أصناف الصنم، ويظهر على الأديان كما رأيت الحجر ظهر على وجه الأرض. قال في الصحاح: داخ البلاد يدوخها قهرها واستولى على أهلها وكذلك دوّخ البلاد.
الباب الحادي عشر فيما وجد من صورة نبينا محمد ﷺ مقرونة بصور الأنبياء قبله ﷺ روى البيهقي وأبو نعيم عن هشام بن العاص [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: بعثت أنا ورجل من قريش زمن أبي بكر الصديق ﵁ إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة، يعني دمشق، فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغسّاني [ (٢) ] ، فدخلنا عليه وإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله إنا لا نكلم رسولاً إنما بعثنا إلى الملك فإن أذن لنا كلّمناه وإلا لم نكلم الرسول. فرجع إليه الرسول فأخبره فأذن، فكلمه هشام ودعاه إلى الإسلام وإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: ما هذه الثياب التي عليك؟ قال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشّّام. فقلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنّه منك ولنأخذن ذلك الملك الأعظم إن شاء الله تعالى، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ. [قال: فأنتم إذا السمراء. قلنا: السمراء؟] [ (٣) ] قال لستم بهم هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه فملئ وجهه سواداً فقال: قوموا. وبعث معنا رسولاً إلى الملك، فخرجنا حتى إذا جاء بقرب المدينة قال الذين أرسلهم معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل المدينة فإن شئتم حملناكم على براذين أو بغال. فقلنا: والله لا ندخل إلا عليها. فأرسلوا إلى الملك بذلك بأنهم يأبون. فدخلنا على رواحلنا متقلّدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلقد تنفّضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تعصفه الرّياح. ثم دخلنا عليه فقال: ما كان عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: إن تحيّتنا فيما بيننا لا تحلّ لك وتحيّتك التي أنت بها لا يحلّ لنا أن نحيّيك بها. قال: كيف تحيّتكم؟ قلنا: السلام. قال: كيف تحيّون ملككم. قلنا: بها. قال: وكيف يردّ عليكم؟
نا لا تحلّ لك وتحيّتك التي أنت بها لا يحلّ لنا أن نحيّيك بها. قال: كيف تحيّتكم؟ قلنا: السلام. قال: كيف تحيّون ملككم. قلنا: بها. قال: وكيف يردّ عليكم؟ قلنا: بها. قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها تنفّضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفّضت الغرفة كلما
قلتموها في بيوتكم تنفضت هكذا؟ قلنا: لا. وما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال: وددت أنكم كلما قلتم تنفّض عليكم كل شيء وأني خرجت من نصف ملكي قلنا لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا يكون من أمر النبوة وأن يكون من حيل الناس. ثم سألنا عمّا أراده فأخبرناه. قال: قوموا. فقمنا فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثاً ثم أرسل إلينا ليلاً فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ثم فتح بابا فاستخرج حريرة سوداء فنثرها فإذا فيها صورة حمراء وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه وإذا ليست له لحية وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله تعالى. فقال: أتعرفون هذا؟ فقلنا: لا. قال: هذا آدم ﵊ وإذا هو أكثر الناس شعراً، ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا فيها رجل ذو شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم القامة حسن الّلحية قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخدين أبيض اللحية كأنه يتبسم، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إبراهيم. ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها صورة بيضاء وإذا رسول الله ﷺ. قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، هذا محمد رسول الله ﷺ، ثم بكينا. فو الله لقد قام لهاً قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو. فأمسك ساعة ثم قال: أما إنه آخر البيوت، ولكن عجّلته لأنظر أتعرفون ذلك أم لا. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء شحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان مقلّص الشفة كأنه غضبان. فقال: أتعرفون هذا؟
رج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء شحماء وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان مقلّص الشفة كأنه غضبان. فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا موسى ابن عمران. وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مدهانّ الرأس عريض الجبين في عينيه قبل، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل سبط آدم ربعة كأنه غضبان. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا لوط. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة فإذا فيها صورة رجل مشرب بحمرة أقنى الأنف خفيف العارضين حسن الوجه. قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إسحاق، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفتيه خال. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا يعقوب ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يقرب إلى الحمرة. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال هذا يوسف ﵊.
سماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال هذا يوسف ﵊.
ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا داود. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل متخم الإليتين طويل الرجلين راكب فرساً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان ﵇ ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: عيسى ابن مريم. قلنا: من أين لك هذه الصور لأنّا نعلم أنها صورّت على ما صورت عليه الأنبياء لأنا رأينا صورة نبينا ﷺ مثله فقال: إن آدم ﷺ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله وددتّ أن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبداً لأشرّكم ملكة حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرّحنا. فلما أتينا أبا بكر رضي الله تعالى عنه أخبرناه بما رأيناه وبما قال لنا فبكى أبو بكر وقال: مسكين! لو أراد الله تعالى به خيراً لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أن اليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم. وروى ابن عساكر نحوه عن دحية [ (١) ]- رضي الله تعالى عنه- وذكر ابن ظفر في «خير البشر» نحوه عن حكيم بن حزام [ (٢) ] رضي الله تعالى عنه. وروى البخاري في التاريخ والبيهقي عن جبير بن مطعم [ (٣) ]- رضي الله تعالى عنه- قال:
لما بعث الله تعالى نبيه ﷺ وظهر أمره بمكة. خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: أفتعرف هذا الذي تنبّأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي وأدخلوني ديراً فيه تماثيل وصور فقالوا: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصورة النبي ﷺ وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب النبي ﷺ فقالوا: هل ترى صفته؟ قلت: نعم. قالوا: هو هذا، وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو. قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبة؟ قلت: نعم. قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده [ (١) ] .
تفسير الغريب تنفضت الغرفة بالفاء والضاد المعجمة: أي تحرّكت. صلت الجبين [ (٢) ] : أي واسعة. وقيل: الصلت: الأملس. وقيل: البارز. قاله في النهاية. وفي الصحاح: هو الواضح. وصورة أدماء: أي سمراء. شحماء: سوداء. وشعر جعد: ضد السبط، فإن وصف بالقطط بفتحتين فهو شديد الجعودة كشعر السودان. وفي عينيه قبل: بفتح القاف والباء وهو إقبال السواد على الأنف. وشعر رجل بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها. وسبط بفتح أوله وسكون ثانيه وكسره وفتحه: هو المسترسل. وربعة: براء مفتوحة وموحّدة ساكنة: أي مربوع الخلق لا قصير ولا طويل. وحمش الساقين [ (٣) ] : بحاء مهملة وشين معجمة دقيقهما. وأخفش العينين: صغيرهما. والله أعلم.
جماع أبواب بعض فضائل بلده المنيف ومسقط رأسه الشريف زاده الله تعالى فضلاً وشرفاً لما كان ﷺ حاوياً للفضائل ومنه كون بلد مولده ﷺ أفضل من غيرها حسن ذكر بعض أخباره وفضائله- وأيضاً فإن جماعة ممن ألف في السّير منهم أبو الربيع [ (١) ] رحمه الله تعالى تعرضوا لبعض ذلك فتبعتهم وبالله التوفيق.
غيرها حسن ذكر بعض أخباره وفضائله- وأيضاً فإن جماعة ممن ألف في السّير منهم أبو الربيع [ (١) ] رحمه الله تعالى تعرضوا لبعض ذلك فتبعتهم وبالله التوفيق.
الباب الأول في بدء أمر الكعبة المشرفة «قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. وروى ابن أبي شيبة [ (٢) ] والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر- رضي الله تعالى عنه- قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أوّل؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال أربعون سنة [ (٣) ] . وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن علي- رضي الله تعالى عنه- في الآية قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وروى ابن جرير عن الحسن في الآية قال: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله تعالى للذي ببكّة.
وروى ابن أبي حاتم والأزرقي [ (١) ] عن كعب الأحبار- رضي الله تعالى عنه قال-: كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاماً ومنه دحيت الأرض. الغثاء كغراب: ما جاء به السّيل من نبات قد يبس. وروى ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وروى عبد الرزاق [ (٢) ] والأزرقي والجنديّ [ (٣) ] في تاريخهما عن مجاهد [ (٤) ]- رحمه الله تعالى- قال: خلق الله تعالى موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة. زاد عبد بن حميد: ودحيت الأرض من تحت الكعبة. وروى ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها خشفة، فدحيت الأرض من تحته.



