— Bagian 6 · تعالى عنهما- قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض… —
Bagian 6
تعالى عنهما- قال: خلق الله تعالى البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها خشفة، فدحيت الأرض من تحته. الخشفة بمعجمتين: واحدة الخشف وهي حجارة تنبت بالأرض نباتاً ويروى: بحاء مهملة والعين بدل الفاء، وهي أكمة لاطئة بالأرض والجمع خشف. وقيل: هو ما غلبت عليه السهولة، أي ليس بحجر ولا طين. ويروى حشفة بالحاء المهملة والفاء، وهو اليابس الفاسد من التمر. وروى ابن المنذر عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: إن الكعبة خلقت قبل
الأرض بألفي سنة وهي من الأرض إنما كانت خشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبّحان، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها وسط الأرض. وروى البيهقي في الشعب عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: رسول الله ﷺ: «أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منهما الأرض: وإن أول جبل وضعه الله- تعالى- علي وجه الأرض أبو قبيس ثم مدّت منه الجبال» [ (١) ] . وروى ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار [ (٢) ]- رحمهما الله تعالى- قالا: بعث الله تعالى ريحاً فسفقت الماء فأبرزت موضع البيت على خشفة بيضاء فمدّ الله تعالى الأرض منها فلذلك هي أمّ القرى. وروى ابن مردويه عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ، «أم القرى مكة» . قال السهيلي رحمه الله تعالى: وفي التفسير أن الله- ﷾ لما قال للسماوات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ لم يجبه بهذا إلا أرض الحرم. وروى عبد بن حميد والأزرقيّ واللفظ له عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله ﷿ السماوات والأرض بعث الله- تعالى- ريحا صفّاقة فصفقت الريح الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبّة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت [مكة] [ (٣) ] أم القرى. سفقت يقال بالسين والصاد المهملتين: أي ضرب بعضه ببعض.
دت فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت [مكة] [ (٣) ] أم القرى. سفقت يقال بالسين والصاد المهملتين: أي ضرب بعضه ببعض. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه لما خلق الله تعالى السماوات والأرض كان أول شيء وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان أحدهما شرقيّ والآخر غربيّ، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق رفع في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة واستودع الله تعالى الركن أبا قبيس.
وروى عبد الرزاق في المصنّف وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى- قال: لما أهبط الله تعالى آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع دعاء أهل السماء فأنس بهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله- تعالى- في دعائها وفي صلاتها فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله ﷿ في دعائه وفي صلاته فتوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلي مكة، وأنزل الله- تعالى- عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكان على موضع البيت الآن فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله- تعالى- الطوفان فرفعت تلك الياقوتة. وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق معمر [ (١) ] عن قتادة وابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله تعالى: يا آدم إني قد أهبطت بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلّي عنده كما يصلّى عند عرشي فاخرج إليه. فخرج إليه آدم ومدّ له في خطوه وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر، فجعله خطوة فلم يضع قدميه في شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة حتى انتهى إلي مكة، وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتبكي لبكائه وتحزن لحزنه، فعزاه الله- تعالى- بخيمة من خيام الجنة وضعها الله- تعالى- له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن وهو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة وكان كرسياً لآدم ﷺ يجلس عليه، فلما كان آدم ﷺ بمكة حرسه الله- تعالى- له وحرس له تلك الخيمة بالملائكة.
ل معها يومئذ الركن وهو ياقوتة بيضاء من ربض الجنة وكان كرسياً لآدم ﷺ يجلس عليه، فلما كان آدم ﷺ بمكة حرسه الله- تعالى- له وحرس له تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويدرأون عنها سكان الأرض، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة، والأرض يومئذ طاهرة طيبة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ولم تعمل فيها الخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مسكن الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الله- تعالى- بالليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفّاً واحداً مستديرين بالحرم كله، الحلّ من خلفهم والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جن ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حرّم الحرم حتى اليوم. وكان آدم ﷺ إذا أراد
لقاء حواء ليلمّ بها لأجل الولد خرج من الحرم حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض آدم، ورفعها الله تعالى إليه. وذكر الحديث.
تفسير الغريب قال الحافظ: رحمه الله تعالى: أول بضم اللام. قال أبو البقاء [ (١) ] : وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير: أول كلّ شيء ويجوز الفتح مصروفاً وغير مصروف ثم أي: بالتنوين وتركه. وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي- رضي الله تعالى عنه- أخرجه إسحاق بن راهويه [ (٢) ] وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عنه قال: كانت البيوت قبله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وتقدم في أول الباب وسيأتي الكلام على الأقصى في الكلام على تفسير أول سورة الإسراء في أبواب المعراج. قوله: أَربعون سنة قال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومستنده في أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النّسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً بإسناد صحيح أن سليمان ﷺ لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا. الحديث. وروى الطبراني من حديث رافع بن عمير أن داود- ﵊ ابتدأ بناء
هما- مرفوعاً بإسناد صحيح أن سليمان ﷺ لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا. الحديث. وروى الطبراني من حديث رافع بن عمير أن داود- ﵊ ابتدأ بناء
بيت المقدس، ثم أوحى الله- تعالى- إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان. وفي الحديث قصة. قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى-: والجواب: أن الإشارة إلى أوّل البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا إن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم ﵇ الكعبة بنصّ القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما الصلاة والسلام لمّا بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أسسه. قال الحافظ: وقد مشى ابن حبان [ (١) ] في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر ردّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود- عليهما الصلاة والسلام- ألف سنة. ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم- ﵊ البيت وبين موسى- ﵊. ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة. وقد تعقّبه الحافظ ضياء الدين المقدسي [ (٢) ] بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. قال الخطّابي [ (٣) ] : يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل بناء داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ثم داود وسليمان، فزادا فيه وسعاً
فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد ينسب هذا المسجد الأقصى إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقّق لم أضيف إليه. قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أولا موجّه. وقد رأيت لغيره إن أول من أسس المسجد الأقصى آدم ﷺ. وقيل: الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقيل: سام بن نوح ﷺ وقيل: يعقوب ﷺ فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديداً كما وقع في الكعبة. وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم ﷺ أو يعقوب ﷺ أصلاً وتأسيساً، ومن داود ﷺ تجديداً لذلك أو ابتداء بناء، فلم يكمل على يديه حتى كمّله سليمان. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما يشهد له. ويؤيده قول من قال: إن آدم هو الذي أسس كلاّ من المسجدين. وذكر ابن هشام [ (١) ] في كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. وبناء آدم البيت مشهور. وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجداً وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته. وأما ظنّ الخطّابي أن إيلياء اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إن إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مد آخره. وقصره. وحذف الياء الأولى. وعلى ما قاله الخطّابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها.
الباب الثاني في عدد المرات التي بنيها البيت
آخره. وقصره. وحذف الياء الأولى. وعلى ما قاله الخطّابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها.
الباب الثاني في عدد المرات التي بنيها البيت
الأولى: عمارة الملائكة روى الأزرقي عن علي بن الحسين- رضي الله تعالى عنهما- أن رجلاً سأله: ما بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان؟ وأنى كان؟ وحيث كان: فقال: أمّا بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فقال الملائكة: أي ربّ خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ويتباعدون أي رب اجعل ذلك الخليفة منّا، فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك. قال الله ﷾: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا ردّ على ربهم ﷿، وأنه قد غضب عليهم من قولهم، فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرّعون ويبكون إشفاقاً لغضبه فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله تعالى إليهم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله ﷾ تحت العرش بيتاً على أربع أساطين من زبرجد وغشّاهن بياقوتة حمراء وسّمى البيت الضّراح ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش. فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله تعالى، يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً. ثم إن الله ﷾ بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتاً في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله ﷾ من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. الضُّراح بضم الضاد المعجمة فراء فألف فحاء مهملة. ويأتي لهذا مزيد بيان في باب حج الملائكة.
المرة الثانية: عمارة آدم ﷺ روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: «بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتاً. فخط لهما جبريل- فجعل آدم يحفر وحواء تنقل- حتى أجابه الماء ونودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بناه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول
يل- فجعل آدم يحفر وحواء تنقل- حتى أجابه الماء ونودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بناه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول
بيت وضع ثم تناسخت القرون حتى حجّة نوح، ثم تناسخت القرون، حتى رفع إبراهيم القواعد من البيت» [ (١) ] . ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير والطبراني موقوفا. وزادوا: زعم الناس أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء ولبنان وطور زيتا وطور سيناء والجودي. وروى الأزرقي وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته فطأطأ الله ﷿ منه إلى ستين ذراعاً فقال: يا رب مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسّهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطف به واذكرني حوله كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدم يتخطّى فطويت له الأرض وقبض الله تعالى له المفازة فصارت كل مفازة يمرّ بها خطوة وقبض الله تعالى ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله له خطوة ولم يقع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة، حتى انتهى إلي مكة فبنى البيت الحرام وإن جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أسّ ثابت على الأرض السابعة فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلاً، وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم ﷺ حتى بعث الله تعالى الطوفان وكان غضباً. ورجساً فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم ﷺ ولم يقرب الطوفان أرضي السند والهند، فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل فرفعا قواعده وأعلامه. الفلك: قيل موج البحر المضطرب وقيل أراد فلكة المغزل حال دورانها.
فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل فرفعا قواعده وأعلامه. الفلك: قيل موج البحر المضطرب وقيل أراد فلكة المغزل حال دورانها. وروى الأزرقي عن عبد الله بن أبي زياد رحمه الله تعالى قال: لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة قال: يا آدم ابن لي بيتا بحذاء بيتي الذي في السماء تتعبّد فيه أنت وولدك كما تتعبد ملائكتي حول عرشي، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوّفة لها أربعة أركان بيض. فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها الله تعالى.
المرة الثالثة: عمارة أولاد آدم ﷺ روى ابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- أن آدم ﷺ لما توفي رفعه الله تعالى إلى الجنة ورفع الله تعالى إليه الخيمة التي تقدّم ذكرها. قال: وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتاً بالطين والحجارة فلم يزل معموراً يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق وخفي مكانه. وذكر السهيلي- رحمه الله تعالى- أن الذي بناه شيث بن آدم ﷺ.
المرة الرابعة: عمارة سيدنا إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم وجزم ابن كثير بأن الخليل أول من بنى البيت مطلقاً، وقال: إنه لم يثبت خبر عن معصوم أن البيت كان مبنيّاً قبل الخليل. انتهى. وفيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة. وروى ابن سعد عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والجندي وابن شيبة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس. - رضي الله تعالى عنهما- واللفظ له: أن أول ما اتخذ النساء المناطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفّي أثرها عن سارة. وفي لفظ: أول ما اتخذت العرب جرّ الذيول عن أم إسماعيل. قال الحافظ: والسبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم ﷺ فحملت منه بإسماعيل. قال أبو جهم [ (١) ] وكان سن إبراهيم حينئذ سبعون سنة وكان إسماعيل بكر أبيه. انتهى. فلما ولدته غارت منها سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدّت به وسطها وهربت وجرّت ذيلها لتخفي أثرها على سارة. ويقال: إن إبراهيم ﷺ شفع فيها، وقال لسارة: حلّلي عن يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك. ويقال أن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة. انتهى كلام الحافظ. وفي حديث أبي جهم أن الله ﷾ أوحى إلى إبراهيم ﷺ يأمره بالمسير إلى بلده الحرام فركب إبراهيم البراق وجعل إسماعيل أمامه- وهو ابن سنتين- وهاجر خلفه ومعه جبريل يدلّه على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمرّ بقرية إلا قال إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول: لا حتى قدم مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول
ضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمرّ بقرية إلا قال إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول: لا حتى قدم مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول
الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل ﷺ حين دخل من كداء، وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم بهذا أمرت؟ قال نعم. فانتهى إبراهيم إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر وإسماعيل وأمرها أن تتخذ فيه عريشاً. انتهى. وفي حديث ابن عباس أن إبراهيم ﷺ جاء بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد. قلت: ولا مخالفة بين الكلامين كما زعمه في شفاء الغرام، لاحتمال أن يكون إبراهيم ﷺ أنزلهما أولا عند الدوحة، ثم نقلهما إلى موضع الحجر، أو بالعكس والله- تعالى- أعلم. وليس بمكة أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قفل إبراهيم. وفي حديث أبي جهم: ثم انصرف إبراهيم راجعاً إلى أهله بالشام. انتهى. وترك إسماعيل وأمّه عند البيت. فتبعته أم إسماعيل فأدركته بكداء، فنادته ثلاثا: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ إلى من تدعنا؟ فقالت ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فأجابها في الثالثة: إلى الله تعالى. قالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا حسبي. وفي لفظ: رضيت تركتنا إلى كاف. ثم رجعت. وفي حديث: أبي جهم: فجعلت عريشاً في موضع الحجر من سمر وثمام، وانطلق إبراهيم ﷺ حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شيء يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة. وفي حديث ابن عباس: أنه لما تواري عنهما استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
مُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السّقاء عطشت فانقطع لبنها، وعطش إسماعيل، وجعلت تنظر إليه يتلوّى. وفي لفظ: يتلبط. وفي لفظ يتلمّط. وفي لفظ: فلما ظمئ جعل يضرب بعقبيه كأنه ينشغ للموت، فانطلقت كراهية أن
تنظر إليه، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون عليّ وعسى الله أن يجعل في ممشاي خيراً، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض إليها، فقامت عليه والوادي يومئذ عميق، فقامت تستغيث ربها وتدعوه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها. ونظرت هل تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: فلذلك سعى الناس بينهما وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة. وفي حديث أبي جهم: وكان من قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة ولا يقفون بالمواقف انتهى. وكانت في كل مرة تتفقّد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمّعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك. وفي لفظ: جبريل. وفي حديث عليّ عند الطبراني بإسناد حسن: فناداها جبريل: من أنت؟ قالت: هاجر أم ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله تعالى. قال: وكلكما إلى كاف. وفي حديث أبي جهم: فلما كان الشوط السابع ويئست سمعت صوتاً فاستمعت فلم تسمع إلا الأول: فظنت أنه شيء عرض لسمعها من الظمأ والجهد، فنظرت إلى ابنها وهو يتحرك، فأقامت على المروة ملياً، ثم سمعت الصوت الأول فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني، إن كان عندك خير فأغثني، فإني قد هلكت وهلك ما عندي. فخرج الصوت يصوّت بين يديها وخرجت تتلوه قد قويت له نفسها حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل ثم بدا لها جبريل ﵇ فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم. انتهى. فبحث بعقبه أو قال: بجناحه. وفي لفظ: فقال بعقبه هكذا: وغمز عقبه في الأرض، وفي لفظ: فركض جبريل برجله. وفي لفظ: ففحص الأرض بإصبعه. فنبعت زمزم حتى ظهر الماء، وفي لفظ: ففاض الماء، وفي لفظ: فانبثق الماء فوق الأرض. فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر وفي لفظ تحّوضه. وفي لفظ: فجعلت تفحص الأرض بيديها وتقول: هكذا وهكذا. وفي لفظ، تحظّر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنّتها وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
ص الأرض بيديها وتقول: هكذا وهكذا. وفي لفظ، تحظّر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنّتها وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال رسول الله ﷺ: «يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء- كانت زمزم عينا معينا» . وفي لفظ: ظاهراً. فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضّيعة فإن ها هنا بيت الله يبنيه
هذا الغلام وأبوه. وأشار لها إلى موضع البيت. وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله وإن الله لا يضيع أهله. وفي حديث أبي جهم: فكان ثدياها يقطران لبناً وكان ذلك اللبن طعاماً وشراباً لإسماعيل وكانت تجتزئ بماء زمزم وقال لها الملك: لا تخافي أن ينفد هذا الماء وأبشري فإن ابنك سيشبّ ويأتي أبوه من أرض الشام فيبنيان ها هنا بيتاً يأتيه عباد الله تعالى من أقطار الأرض ملبّين الله جل ثناؤه شعثاً غبراً فيطوفون به، ويكون هذا الماء شراباً لضيفان الله تعالى الذين يزورون بيته. فقالت: بشرك الله تعالى بخير. وطابت نفسها وحمدت الله تعالى. وأقبل غلامان من العماليق يريدان بعيراً لهما أخطأهما وقد عطشا، وأهلهما بعرفة فنظرا إلى طير تهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك وقالا: أنّى يكون الطير على غير ماء؟! فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى الطير. فأبردا ثم تروحا فإذا الطير ترد وتصدر فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس فنظرا إلى الماء وإلى العريش فنزلا وكلّما هاجر وسألاها متى نزلت فأخبرتهما. وقالا لمن هذا الماء؟ فقالت: لي ولولدي فقالا: من حفره؟ فقالت: سقيا من الله تعالى. فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هناك ماء وعهدهما بماء هناك قريب وليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معهما على الماء فأنست بهم ومعهم الذرية فنشأ إسماعيل بين ولدانهم. وكان إبراهيم ﷺ يزور هاجر في كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. فزارها بعد ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء فسرّ بذلك.
ر في كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. فزارها بعد ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء فسرّ بذلك. ولما بلغ إسماعيل تزوج امرأة منهم من العماليق فجاء إبراهيم زائراً لإسماعيل وإسماعيل في ماشيته يرعاها ويخرج متنكباً قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم إلى منزله فقال: السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت امرأة إسماعيل فلم تردّ إلا أن تكون ردّت في نفسها. فقال: هل من منزل؟ فقالت: لاها الله إذن. قال: فكيف طعامكم وشرابكم؟ فذكرت جهداً فقالت: أمّا الطعام فلا طعام وأما الشراب فإنما نحلب الشاة المصر أي الشّخب وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. قال: فأين ربّ البيت؟ قالت: في حاجته. قال: فإذا جاء فأقرئيه السلام وقولي له: غيّر عتبة بابك. ورجع إبراهيم إلى منزله. وأقبل إسماعيل راجعاً إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله ﷿، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته: هل جاءك أحد: فأخبرته بإبراهيم وقوله وما قالت له ففارقها وأقام ما شاء الله أن يقيم.
وكانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة، فضيّعوا حرمة الحرم، واستحلّوا فيه أموراً عظيمة، ونالوا ما لم يكونوا ينالون. فقام فيهم رجل منهم يقال له عمّوق فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا وتواصلوا ولا تستخفّوا بحرم الله تعالى وموضع بيته. فلم يقبلوا ذلك منه وتمادوا في هلكة أنفسهم. ثم إن جرهما وقطوراء وهما أبناء عم خرجوا سيّارة من اليمن أجدبت عليهم بلادهم فساروا بذراريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معيناً، وشجرا ملتفاً، وبناء كثيراً، وسعة من المال ودفئاً في الشتاء. فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأعجبهم ونزلوا به. وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا وعليهم ملك يقيم أمرهم، سنّة فيهم جروا عليها واعتادوها ولو كانوا نفراً يسيراً. وكان مضاض بن عمرو [ (١) ] على قومه من جرهم، وكان على قطوراء السّميدع رجل منهم، فنزل مضاض بمن معه من جرهم على مكة بقعيقعان فما [حاز [ (٢) ]] ، ونزل السّميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز. وذهب العماليق إلى أن ينازعوهم أمرهم، فعلت أيديهم على العماليق. فأخرجوهم من الحرم كله فصاروا في أطرافه ولا يدخلونه، وكلّ على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه. وكانوا قوما عرباً، وكان اللسان عربياً. وكان إبراهيم يزور إسماعيل. ونظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض [ (٣) ] فأعجبته، فخطبها إلى أبيها. انتهى. هكذا في حديث أبي جهم ذكر العماليق وأن إسماعيل تزوّج منهم الأولى، وأن الثانية من جرهم، وليس ذلك في حديث ابن عباس، بل فيه: أن الأولى والثانية من جرهم، ونصه- بعد أن ذكر قصة زمزم: وكانت أم إسماعيل كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. وفي لفظ: كانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، فأرسلوا جرياً أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم
دنا بهذا الوادي وما فيه ماء. وفي لفظ: كانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، فأرسلوا جرياً أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم
إسماعيل عند الماء فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: - رضي الله تعالى عنهما- قال: النبي ﷺ: فألفى ذلك أمّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبّ الغلام ونشأ بين ولدانهم، وتعلم العربية منهم وألفهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. وفي لفظ: وكان عيش إسماعيل الصيد، يخرج يتصيّد، فسألها عن عيشهم، فقالت: بشرّ نحن في ضيق وشده. وشكت إليه. قال: إذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له: يغيّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس بشيء فقال: هال جاءكم أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، كالمستخفّة بشأنه، فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا في جهد وشدة فقال لها: هل أوصاك بشيء؟ قالت نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم امرأة أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله تعالى. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم واللبن. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. اللهم بارك لهم في اللحم واللبن والماء. وفي لفظ: في طعامهم وشرابهم: قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حبّ، ولو كان لهم حبّ لدعا لهم فيه» . قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي حديث أبي جهم: فجاء إبراهيم زائراً لإسماعيل فجاء إلى بيته فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله. فقامت إليه المرأة فردّت عليه ورحّبت به، فقال: كيف عيشكم؟ فقالت: خير عيش بحمد الله ﷿، نحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماؤنا طيّب.
ا أهل البيت ورحمة الله. فقامت إليه المرأة فردّت عليه ورحّبت به، فقال: كيف عيشكم؟ فقالت: خير عيش بحمد الله ﷿، نحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماؤنا طيّب. قال: هل من حبّ؟ قالت: يكون إن شاء الله تعالى، ونحن في نعم. قال: بارك الله لكم. قالت: فانزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: لا أستطيع النزول. قالت فإني أراك شعثاً أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت. فجاءت بالمقام وهو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة ملقى في بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى وقدّم إليها شقّ رأسه وهو على دابته، فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حوّلت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى عليه وقدم إليها
رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك. قال: أبو الجهم: فلقد رأيت موضع العقب والأصابع. ثم اتفقا فقالا: فلما فرغت المرأة تغسل رأسه قال لها: إذا جاء إسماعيل فاقرئي ﵇. وقولي له: ثبّت عتبة بابك، فإنّ بها صلاح المنزل. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال: هل أتاكم من أحد بعدي؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ حسن الهيئة. وأثنت عليه. فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: ما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. وفي حديث أبي جهم: ولقد كنت عليّ كريمة ولقد ازددت كرامة. فصاحت وبكت، فقال: مالك؟ فقالت: ألا أكون علمت من هو فأكرمه وأصنع به غير الذي صنعت فقال لها: لا تبكي ولا تجزعي، فقد أحسنت ولم تكوني تقدرين أن تفعلي فوق الذي فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذي صنع بك. فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت. بناء إبراهيم للبيت فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله- تعالى- إليه: أن اتبع السّكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصّرد، فانتهوا إلى مكة. وفي حديث ابن عباس: ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد. قال معمر الراوي لحديث ابن عباس: وسمعت رجلاً يقول: إنهما بكيا حتى أجابتهما الطير. انتهى. ثم قال: يا إسماعيل أن الله تعالى أمرني بأمر. فقال: اصنع ما أمرك به. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت.
ما أمرك به. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت. وفي حديث أبي جهم: فنزل إسماعيل إلى موضع البيت الذي بوّأه الله تعالى لإبراهيم وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل ﷺ وليس معهما غيرهما أساس البيت يريدان أساس آدم الأول، فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم ﷺ.
وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح: أن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك. وفي لفظ آخر: أن القواعد كانت في الأرض السابعة. رواه ابن أبي حاتم. انتهى. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، أي المقام، فوضعه له فقام عليه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وفي حديث: أبي جهم: وحلّقت السّكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن عليّ. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبداً كافر ولا جبّار إلا رأيت عليه السّكينة. فبنى إبراهيم البيت فجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه ثلاثين ذراعاً وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعاً، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت، وكان قبل ذلك زرباً لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفاً، وجعل له بابين وحفر له بئراً عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت، وجعل الركن علماً للناس. فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجراً، ونزل جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض لمّا رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك.
يم موضع الركن، وجاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك. ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقاً بالبيت عن يمين الداخل. وروى البيهقي عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- قال: لمّا أغرق الله الأرض رفع البيت فوضع تحت العرش، ومكثت الأرض خراباً ألفي سنة، فلم تزل على ذلك حتى كان إبراهيم ﷺ فأمره الله ﷾ أن يبني بيته، فجاءت السّكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، ولها وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدر ظلي فابن عليه ولا تزد شيئاً ولا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلّها ثم بنى هو وإسماعيل البيت، ولم يجعل له سقفاً، وكان الناس يلقون فيه الحليّ والمتاع، حتى إذا كاد أن يمتلئ اتّعد له خمسة نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، وبعث الله سبحانه- عند ذلك حيّة
بيضاء سوداء الرأس والذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم تزل كذلك حتى بنته قريش. وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج [ (١) ]- رحمه الله تعالى- قال: بلغنا- والله تعالى أعلم- أن خليل الله- ﷾ عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض: مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله في الأرض فبناه من سبعة أجبل، ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال. وروى الأزرقي عن علي- رضي الله تعالى عنه- وعن مجاهد، وعن بشر بن عاصم [ (٢) ] متفرقين، أن إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أقبل من إرمينية
- وقال مجاهد: من الشام. ومعه السّكينة والملك والصّرد دليلا، يتبوّأ البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن أسّها أمثال خلفة الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال الله تعالى: «قم فابن لي بيتاً» قال: يا رب وأين أبني؟ فبعث الله- ﷾ سحابة فيها رأس تكلّم إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تخطّ قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: قد فعلت. وفي لفظ: فقالت السكينة: يا إبراهيم ربضت على البيت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أسّ ثابت في الأرض، فبناه إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك ولا أعرابي جلف إلا وعليه السكينة والوقار. وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن إبراهيم ﷺ بني البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وحراء. قال السهيلي رحمه الله تعالى: انتبه لحكمة الله تعالى كيف بناها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها، إذ هي قبلة الصلوات الخمس عمود الإسلام الذي بني على خمس، وكيف دلّت عليه السكينة إذ هي قبلة الصلوات الخمس والسكينة من شأن الصلاة. قال النبي ﷺ: «وائتوها وعليكم السّكينة» [ (٣) ] . وروى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل ﷺ لما بنى البيت جعل طوله في السماء
لخمس والسكينة من شأن الصلاة. قال النبي ﷺ: «وائتوها وعليكم السّكينة» [ (٣) ] . وروى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل ﷺ لما بنى البيت جعل طوله في السماء
تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعاً، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعاً، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعاً، وجعل بابها بالأرض غير مبوّب، وجعل جبّاً على يمين من دخله يكون خزانة للبيت. وذكر ابن الحاج المالكي [ (١) ]- رحمه الله تعالى- في مناسكه شيئاً من خبر بناء إبراهيم البيت، ثم قال: وكان صفة بناء إبراهيم البيت أنه كان مدوّراً من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنوه أربعة أركان. انتهى. إبراهيم يؤذن بالحج قال أبو جهم: وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذّن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: «أذّن وعليّ البلاغ» . فارتفع على المقام- وهو يومئذ ملصق بالبيت- فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربّكم ﷿. فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف البيت كلها: لبيك اللهم لبيك. أفلا تراهم يأتون يلبّون؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله ﷿ وذلك قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج، فهي الآية. قال محمد بن عمر الأسلمي راويه رحمه الله تعالى: وقد روى أن الآية هي أثر إبراهيم على المقام. وروى الفاكهي [ (٢) ] بإسناد صحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
قال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وروي أيضا عنه قال: والله ما بناه بقصّة ولا مدر، ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يسقّفانه. وروى أيضا عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان إبراهيم يبني كل يوم ساقاً. القصّة بالفتح: الجير. الساق: العرق من الحائط. وروى ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما فرغ إبراهيم ﷺ من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت. قال: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ البلاغ. قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء ومن في الأرض، ألا ترى أنهم يأتون من أقصى الأرض يلبّون؟. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أمر الله- ﷾ إبراهيم أن يؤذّن بالحج صعد أبا قبيس فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحجّ، فأجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فما من حاجّ يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة ألا من كان أجاب يومئذ إبراهيم. إبراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصّفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليه الحجارة، ففعل ذلك إبراهيم وكان أول من أقام أنصاب الحرم ويريه إياها جبريل. فلما كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب إبراهيم ﷺ بمكة حين زاغت الشمس قائماً وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية.
س قائماً وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية. وأتيا منى فصلّيا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا من الجانب الأيمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج إبراهيم يمشي هو وإسماعيل حتى أتيا عرفة وجبريل معهما، يريهما الأعلام حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: عرفت. فسّميت عرفات. فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى
الهضبات فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشّعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا إلى جمع، فنزلا فصليا المغرب والعشاء في ذلك الموضع الذي يصلّى فيه اليوم، ثم باتا فيه حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفرا قبل طلوع الشمس وقفا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسّر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فجراً في الجانب الأيمن، ثم ذبحا في المنحر اليوم وحلقا رؤوسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين ترتفع الشمس ماشيين وراجعين، وصدرا يوم الصّدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل ﷺ. فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، وكان يحج البيت كلّ عام، وحجّته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط والأنبياء وهلم جرا، وحجّه موسى بن عمران. ثم توفىّ الله- تعالى- خليله بعد أن وجه إليه ملك الموت فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله تعالى قبضه، فأخبره بما أمر به فسلّم لأمر ربه. فقال له ملك الموت: يا خليل الله على أي حال تحب أن أقبضك؟ قال: تقبضني وأنا ساجد. فقبضه وهو ساجد. ودفن إبراهيم ﷺ بالشام. وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفي بمكة فدفن بالحجون مما يلي باب الكعبة، وهناك قبر أمه هاجر دفن معها، وكانت توفيت قبله. انتهى حديث أبي جهم.
بالشام. وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفي بمكة فدفن بالحجون مما يلي باب الكعبة، وهناك قبر أمه هاجر دفن معها، وكانت توفيت قبله. انتهى حديث أبي جهم.
تنبيه في بيان غريب ما سبق المناطق: جمع منطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط وفي لفظ: النّطق بضم النون والطاء وهو جمع نطاق، مثل كتاب وكتب. قال في النهاية: وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشدّ وسطها بشيء وترفع ثوبها وترسله إلى الأسفل عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في ذيلها. تخفضيها: أي تختنيها، يقال خفضت الجارية خفاضاً: ختنتها، فالجارية مخفوضة، ولا يطلق الخفض إلا على الجارية دون الغلام. العضاة: بعين مهملة مكسورة فضاد معجمة: شجر الشوك كالطلح والعوسج والهاء أصلية، الواحدة عضة بالهاء وبالتاء كعدة والأصل عضهة كعنبة. السّلم بفتحتين: شجر من العضاة واحدته سلمة بفتحتين. السمر بفتح المهملة وضم الميم من شجر الطّلح والواحدة سمرة. الرّبوة مثلثة الراء: المكان المرتفع. مدرة بفتحات جمعها مدر مثل قصب، وقصبة، وهو
التراب المتلبّد. وقال الأزهري [ (١) ] : المدر: القطع من الطين. الثّمام بضم المثلثة نبت ضعيف قصير لا يطول. الحجون بحاء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة: موضع بأعلى مكة. السّقاء بكسر السين المهملة قربة صغيرة. وفي لفظ معها شنّة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة العتيقة. الدّوحة بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الحاء المهملة هي الشجرة الكبيرة. في أعلى المسجد: أي مكان المسجد، لأنه لم يكن يومئذ بناء. قفّ بقاف ففاء مشددة: أي ذهب مولّياً وكأنه من القفا أي أعطاه قفاه وظهره. الثّنيّة بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية. كداء بفتح الكاف ممدود: مكان في أعلى مكة. يتلّوى: يتقلب. يتلبّط بمثناة تحتية فمثناة فوقية فلام فموحدة فطاء مهملة: أي يتمرّغ ويضرب نفسه بالأرض. يتلمّظ بوزن الذي قبله وبعد اللام ميم فظاء معجمة: أي يدير لسانه في فيه ويحرّكه ينشغ بمثناة تحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين معجمة فغين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وتنخفض كالذي ينازع.
د اللام ميم فظاء معجمة: أي يدير لسانه في فيه ويحرّكه ينشغ بمثناة تحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين معجمة فغين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وتنخفض كالذي ينازع. المجهود: الذي أصابه الجهد وهو الأمر الذي يشقّ. تقرها نفسها. بضم أوله وكسر القاف ونفسها برفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت. صه صه، بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة: كأنها خاطبت نفسها فقالت لها: اسكتي. غواث: بفتح أوله عند أكثر رواة الصحيح وتخفيف الواو آخره مثلثة، وحكى ابن الأثير [ (٢) ] ضمّ أوله، والمراد به هنا: المستغيث. وحكى ابن قرقول [ (٣) ] كسرها أيضاً، وجزاء الشرط محذوف تقديره: فأغثني.
غمز الأرض بغين معجمة فميم فزاي أي كبسها. انبثق: بنون فباء موحدة فثاء مثلثة فقاف: أي انفجر. تحوّضه، بحاء مهملة فضاد معجمة وتشديد الواو: أي تجعله مثل الحوض. عيناً معيناً: أي ظاهراً جارياً على وجه الأرض. وفي لفظ: لكان الماء ظاهراً. فعلى هذا فقوله: عينا معيناً: صفة للماء. فلذلك نكّره قال ابن الجوزي: كان ظهور زمزم نعمة من الله تعالى محضة بغير عمل جليل، فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك. العماليق: ذرية عملاق ويقال عمليق بن لاوذ ويقال الود بن إرم بن سام بن نوح. مضاض بميم مكسورة، وحكى ضمها وضادين معجمتين. الضّيعة، بفتح المعجمة وسكون التحتانية: أي الهلاك. الرابية، بالموحدة ثم المثناة التحتية: ما ارتفع من الأرض. أقطار الأرض، جمع قطر بضم القاف: الجانب والناحية. ترد: الماء: تبلغه. تصدر: ترجع. غمارة الماء بغين معجمة مفتوحة: أي كثرته. متنكبّاً قوسه: ملقياً لها على منكبه رفقة، بضم الراء، وسكون الفاء فقاف: وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفر أم لا. جرهم [ (١) ] ، بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء: وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن إسحاق: كان جرهم وقطوراء أخوة أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن.
الراء وضم الهاء: وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال ابن إسحاق: كان جرهم وقطوراء أخوة أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن. وقوله: مقبلين من كداء بفتح الكاف في جميع نسخ الصحيح والمدّ. واستشكله بعضهم أن كداء بالفتح والمد في أعلى مكة وأما الذي في أسفلها فبالضم والقصر. يعني فيكون الصواب هنا بالضم والقصر. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العليا وينزلوا من الجهة السفلى. عائفا، بالمهملة والفاء: وهو الذي يحوم على الماء فيتردّد ولا يمضي عنه. جريّاً، بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية: أي رسولا. وقد يطلق على الوكيل والأجير قيل سمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو موكله، أو لأنه يجري مسرعا في حوائجه. أو جريّين: شك من الراوي: هل أرسلوا واحداً أو اثنين؟ وفي بعض الروايات فأرسلوا
رسولا. ويحتمل الزيادة على الواحد، ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله: فإذا هم بالماء بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار من تبعه من خادم ونحوه. ألفى: بالفاء: أي وجد. أمّ إسماعيل: بالنصب على المفعولية. الأنس، بضم الهمزة: ضد الوحشة. ويجوز الكسر أي تحب جنسها. وتعلم العربية منهم: فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا، ولهذا مزيد يأتي في ترجمة إسماعيل في النسب النبوي. أنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النّفاسة: أي رغبتهم في مصاهرته لنفاسته عندهم. وقال ابن الأثير: أنفسهم عطف على قوله تعلم العربية منهم. وزوّجوه امرأة منهم: ذكروا في اسمها واسم أبيها أقوالاً لا طائل بذكرها. يطالع تركته: قال في المصباح المنير: التّركة بفتح التاء وكسر الراء وتخفف بكسر الأول وسكون الراء مثل كلمة وكلمة، أي يتفقد حال ما تركه هناك. الشّخب، بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين ثم موحدة: السّيلان. عتبة بابك: بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة: كناية عن المرأة، وسمّاها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهي حفظ الباب وصون ما هو داخله، وكونها محلاً للوطء. وتزوج امرأة أخرى: ذكروا في اسمها ثمانية أقوال. وفي اسم أبيها أربعة، ولا حاجة لنا إلى ذلك. نابت، بالنون من النبات. فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه: ولفظ الكشميهني [ (١) ] لا يخلوان بالتثنية. قال ابن القوطيّة [ (٢) ] : خلوت بالشيء واختلوت به: إذا لم أخلط به غيره. يبرى، بفتح أوله وسكون الموحدة. النّبل، بفتح النون وسكون الموحدة: السّهم قبل أن يركّب فيه نصله وريشه، وهو السهم العربي. الأكمة، بفتح الهمزة والكاف: وهي الرابية: إرمينية بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده ميم مكسورة فتحتية فنون: بلد معروف بالروم.
نصله وريشه، وهو السهم العربي. الأكمة، بفتح الهمزة والكاف: وهي الرابية: إرمينية بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده ميم مكسورة فتحتية فنون: بلد معروف بالروم.
الصّرد، وزان عمر: قال في المصباح: نوع من الغربان، الأنثى صردة والجمع صردان. ويقال له الواق، وكانت العرب تتطيّر من صوته وتقتله فنهي عن قتله دفعا للطّيرة ومنه نوع أسبد [ (١) ] يسميه أهل العراق العقعق، وأما الصرد الهمهام فهو البرّي الذي لا يرى في الأرض ويقفز من شجرة إلى شجرة، وإذا اضطرّ وأضجر أدرك وأخذ ويصرصر كالصقر، ويصيد العصافير. قال أبو حاتم: الصّرد: طائر أبقع أبيض البطن أخضر الظهر ضخم الرأس والمنقار، له ريش ويصطاد العصافير وصغار الطير. وزاد بعضهم على هذا فقال: ويسمّى المجوّف لبياض بطنه، والأخطب لخضرة ظهره، والأخيل لاختلاف لونه. خلفة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: الحامل من النوق. ربضت: أسّست. طور زيتا، بلفظ الزيت: علم لجبل بالبيت المقدس. لبنان، بضم أوله وإسكان ثانيه: جبل الشام. جمع: بفتح أوله وإسكان ثانيه: اسم لمزدلفة، سمي بذلك للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها. قاله البكري. وقال في النهاية: لأن آدم وحواء لما أهبطا اجتمعا بها. زاد صاحب التقريب: أو لاجتماع الناس فيها. قزح، بضم أوله وفتح الزاي: جبل بمزدلفة غير منصرف للعلمية والعدل عن قازح، تقديراً. محسّر، بلفظ اسم الفاعل: موضع بين منىّ ومزدلفة، سمي بذلك، لأن فيل أبرهة كلّ فيه وأعيا، فحسّر أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات.
المرة الخامسة والسادسة: عمارة العمالقة وجرهم روى ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي- رضي الله تعالى عنه- أن بناء إبراهيم ﷺ لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم. قال السّهيلي: وقد قيل إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين، لأن السيل قد صدع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانا وإنما كان إصلاحا لما وهي وجدارا بني بينه وبين السيل. قلت: في حديث أبي جهم عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- أن البيت في زمن
دع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانا وإنما كان إصلاحا لما وهي وجدارا بني بينه وبين السيل. قلت: في حديث أبي جهم عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- أن البيت في زمن
جرهم دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم ﷺ وجعلت له مصراعين وقفلا. انتهى. فهذا نقل صريح يشهد لما في حديث سيدنا علي- رضي الله تعالى عنه.
المرة السابعة: عمارة قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار [ (١) ] في كتاب النّسب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردي في الأحكام السّلطانية.
المرة الثامنة: عمارة قريش وستأتي.
المرة التاسعة: عمارة عبد الله بن الزبير [ (٢) ]﵄ عن عائشة [ (٣) ]- رضي الله تعالى عنها- إن النبي ﷺ قال لها: «ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟» فقلت: يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ: «لولا حدثان قومك بالكفر» . فقال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين الشاميين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتمّ على قواعد إبراهيم ﷺ. وفي رواية قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة وأعدتها على بناء إبراهيم، فإن قريشاً اقتصرت بناءه، وجعلت له خلفاً» . قال هشام: يعني بابا.
متفق عليه [ (١) ] . وفي رواية للبخاري: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ما خرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم. فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد- هو ابن رومان [ (٢) ] : وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه فأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل. قال جرير بن أبي حازم [ (٣) ] : فقلت له- يعني ليزيد بن رومان: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن. فدخلت مع الحجر فأشار إلى مكان وقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. وفي رواية عن سعيد بن مينا [ (٤) ] قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي- يعني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقها بالأرض ولجعلت لها بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة» . ولمسلم عن عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى- قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية [ (٥) ] حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحرّبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: إني قد فرق لي فيها رأي أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتاً أسلم عليه الناس، وأحجاراً أسلم عليها الناس وبعث عليها رسول الله ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّده فكيف ببيت ربكم؟ وإني مستخير ربي ثلاثاً ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع أمره على
ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّده فكيف ببيت ربكم؟ وإني مستخير ربي ثلاثاً ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع أمره على
أن ينقضوها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيها أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تابعوه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستّر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. قال السهيلي، رحمه الله تعالى: وطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل من طائف حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. انتهى. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال: «لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما أنفق على بنيانه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له باباً يدخل الناس منه وباباً يخرج الناس منه» قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع حتى أبدى أساساً نظر الناس إليه فبنى عليه البنيان. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج [ (١) ] إلى عبد الملك [ (٢) ] يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير وضع البناء على أسّ قد نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تخليط ابن الزبير في شيء أمّا ما زاده في طوله فأقرّه، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسدّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. وفي تاريخ مكة للأزرقي، أن ابن الزبير لما هدم الكعبة وسوّاها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم ﷺ فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئاً وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبّكة كتشبيك الأصابع وأصاب فيه قبرا،
راهيم ﷺ فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئاً وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبّكة كتشبيك الأصابع وأصاب فيه قبرا،
فقال: هذا قبر أم إسماعيل ﷺ، فدعا ابن الزبير خمسين رجلاً من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك، وأدخل عبد الله بن مطيع العدوي [ (١) ] عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فزعزعت الأركان كلها وارتجت جوانب البيت ورجفت مكة بأسرها رجفة شديدة وخافوا خوفاً شديداً، وطارت من الحجر قطعة فأخذها بيده، فإذا فيها نور مثل نار، فطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخله، ففزعوا، فقال ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس، وجعل لها بابين ملصقين بالأرض، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، وكان وقت الهدم قد جعله ابن الزبير في ديباجة وأدخله في تابوت وأقفل عليه وأدخله دار الندوة، وعمد إلى ما كان في الكعبة من حلى وثياب وطيب فوضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، فلما انتهى البناء إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرين أحدهما من المدماك الذي تحته والآخر من الذي فوقه وطبّق ما بينهما. ثم أمر ابن الزبير ابنه عباداً وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلا الركن في ثوب وقال لهما: إذا فرغتما فكبّرا حتى أسمعكما فأخف صلاتي فلما وضعاه في موضعه كبّرا فتسامع الناس بذلك. فغضب رجال من قريش لذلك حيث لم يحضرهم ابن الزبير، وقالوا: ما رفعته قريش في الجاهلية حتى حكّموا أول من يدخل عليهم، فكان رسول الله ﷺ أول داخل. وكان الحجر قد انصدع بسبب الحريق فشدّه ابن الزبير بالفضة. قال ابن عون [ (٢) ] : فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة.
، فكان رسول الله ﷺ أول داخل. وكان الحجر قد انصدع بسبب الحريق فشدّه ابن الزبير بالفضة. قال ابن عون [ (٢) ] : فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة. وكانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، فلما بلغ البنيان هذا المبلغ قصرت لحال الزيادة في العرض من الحجر، فقال ابن الزبير: قد كانت تسعة أذرع في السماء قبل بناء قريش فزادت قريش تسعة أذرع، وأنا أزيد تسعة أذرع. فجعلها سبعة وعشرين ذراعا في السماء! وهي سبعة وعشرون مدماكاً، وعرض جدارها ذراعان. وجعل داخلها ثلاثة دعائم. وكانت قبل ذلك على ست دعائم صفّين، وأرسل إلى صنعاء فأتى برخام فجعله في الروازن لأجل الضوء، وجعل لبابها مصراعين طولهما أحد عشر ذراعاً، وجعل الباب الآخر بإزائه على هيئته وجعل لها درجاً من خشب معوجة يصعد منها إلى ظهرها. فلما فرغ من بنائها
خلقها من داخلها ومن خارجها بالطّيب والزعفران وكساها القباطيّ وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التّنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، فإن لم يقدر فشاة، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسّر. وأخرج ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالبيت استلم الأركان الأربعة جميعاً. فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير تستلم الأركان كلها، ويدخل من باب ويخرج من باب حتى قتل ابن الزبير وقتل ودخل الحجاج مكة، فكتب إلى عبد الملك بكل ما فعله ابن الزبير. فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن أهدم ما زاده فيها من الحجر وردّها على ما كانت عليه وسدّ الباب الغربي الذي فتح واترك سائرها. فكلّ البيت اليوم على بنيان ابن الزبير، إلا الجدار الذي في الحجر وموضع سد الباب الغربي، فإنه من بنيان الحجاج، وغيّر تلك الدّرج التي في جوفها، ونقص من طول الباب خمسة أذرع. فلما حج عبد الملك قال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي [ (١) ] : أنا أشهد لابن الزبير بالحديث الذي سمعه من عائشة فقد سمعته أنا أيضاً منها. قال: أنت سمعته منها؟ قال: نعم، فجعل ينكث بقضيب كان في يده في الأرض ساعة ثم قال: وددت أني كنت تركته وما تحمّل.
المرة العاشرة: عمارة الحجاج . وتقدم بيانها ذكره السهيلي والنووي رحمهما الله تعالى. قال في شفاء الغرام: وفي إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوّز لأنه لم يبن إلا بعضها.
ارة الحجاج . وتقدم بيانها ذكره السهيلي والنووي رحمهما الله تعالى. قال في شفاء الغرام: وفي إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوّز لأنه لم يبن إلا بعضها.
الباب الثالث في أسماء البيت الشريف منها: الكعبة. قال الله ﷾: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ. قال مجاهد رحمه الله تعالى: إنما سميت الكعبة لأنها مربّعة. رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وكذا قال عكرمة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال القاضي في «المشارق» : الكعبة هو البيت نفسه لا غير، سمي بذلك لتكعّبه وهو تربيعه، وكل بناء مرتفع مربع كعبة. وقال: النوويّ سميت بذلك لاستدارتها وعلوّها، وقيل لتربيعها. قال في شفاء الغرام: وممن قال: إنها سميت بالكعبة لكونها على خلقة الكعب، ابن أبي نجيح [ (١) ] وابن جريج [ (٢) ] رحمهما الله تعالى. ومنها: بكّة. قال أبو مالك الغفاري [ (٣) ] رحمه الله تعالى بكة: موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك. رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مكة من الفج إلى التنعيم. وبكّة من البيت إلى البطحاء. رواه ابن أبي حاتم. وقال عكرمة رحمه الله تعالى: البيت وما حوله بكّة وما وراء ذلك مكة. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: بكة الكعبة، ومكة ما حولها. رواه عبد بن حميد. وقال ابن شهاب رحمه الله تعالى: بكة البيت. ومكة الحرم كله. رواه ابن جرير. وسمّي البيت بذلك لما رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن يزيد بن المهاجر قال: إنما سميت بكّة لأنها كانت تبكّ الظّلمة. ولهذا مزيد بيان في باب أسماء الحرم. ومنها: البيت الحرام. وتقدم في الآية السابقة.
حمد بن يزيد بن المهاجر قال: إنما سميت بكّة لأنها كانت تبكّ الظّلمة. ولهذا مزيد بيان في باب أسماء الحرم. ومنها: البيت الحرام. وتقدم في الآية السابقة.
ومنها: المسجد الحرام. قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والمراد به هنا الكعبة بلا خوف. وقد ورد إطلاق المسجد الحرام على غير الكعبة كما سيأتي. ومنها: قادس. ذكره في شفاء الغرام ولم يتكلم عليه. وقال أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في معجمه نقلاً عن كراع: القادس: اسم للبيت الحرام. قال غير كراع: سميت بذلك من التقديس وهو التطهير لأنها تطهّر من الذنوب. ومنها: ناذر. ذكره في شفاء الغرام. ولم يتكلم على ضبطه ولا على معناه. وذكره في القاموس في مادة نذر بالذال وقال إنه من أسماء مكة. ومنها القرية القديمة. ذكره في شفاء الغرام. ومنها البيت العتيق قال الله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. روى البخاري في تاريخه والترمذي- وحسنه- وابن جرير والحاكم- وصححه- عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبّار قط» [ (١) ] . وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله وقال مجاهد: إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة لم يدّعه جبار قط. وفي لفظ: فليس في الأرض جبار يدّعي أنه له. رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يرده أحد بسوء إلاّ هلك. وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أنه أعتق من الغرق في زمان نوح. رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال الحسن رحمه الله تعالى: لأنه أول بيت وضع. رواه ابن أبي حاتم. وما رواه عبد الله بن الزبير أولى وصححه ابن جماعة في مناسكه. ومنها: البنيّة. بموحدة فنون فمثناة تحتية مشددة في حديث البراء بن معرور: «رأيت ألاّ أجعل هذه البنيّة منّي بظهر» ، يعني الكعبة وقد كثر قسمهم بربّ هذه البنية. ومنها الدوّار: بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء. ذكره ياقوت في المشترك وضعاً والمختلف صقعا.
الباب الرابع في بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك روى ابن خزيمة [ (١) ] والطبراني والبيهقي من طريق عبد الله بن المؤمل [ (٢) ] ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من دخل البيت فصلّى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له» [ (٣) ] . وفي لفظ: خرج مغفوراً له. وروى الفاكهي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال في دخول البيت: دخول في حسنه وخروج من سيئة. وروى الفاكهي عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: دخول البيت حسنه وخروج من سيئة ويخرج مغفوراً له. وروى الفاكهي عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال لهند بن أوس: أرأيت الكعبة؟ من دخلها فصلى فيها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وروى الفاكهي عن عطاء رحمه الله تعالى قال: لأن أصلي في البيت ركعتين أحب إلي أن أصلي أربعاً في المسجد الحرام. وروى الفاكهي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: الصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة. وفي رسالة الحسن لأهل مكة: من دخل البيت دخل في رحمة الله ﷿، وفي حمى الله ﷿، وفي أمن الله ﷿، ومن خرج خرج مغفورا له.



